النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
ذكر ما كان من أمر الإمام بعد المحنة
وضعيف ، فردَّ الجوابَ على الخليفة بذلك، فأرسل يعزم عليه لَيأتيَنَّ ، وكتب إلى أحمد يقول له : إنِّي
أحبُّ أن آنس بقربك(١) ، ويحصلَ لي بركةُ دعائك.
فسار الإمام أحمد - وهو عليلٌ - في(٢) بنيه وبعض أهله ، فلمَّا قارب العسكر تلقَّاه وصيف الخادم في
موكبٍ عظيمٍ ، فسلّم على الإمام أحمد فردّ السَّلام ، ثم قال له وصيف : قد أمكنك الله من عدوّك ابن
أبي دُوَاد ، فَلم يردّ عليه جواباً، وجعل ابنه يدعو الله للخليفة ولوصيف. فلمّا وصلوا إلى العسكر بسُرَّ من
رأى ، أنزل في دار إيتاخ ، فلمَّا علم بذلك ارتحلَ منها ، وأمر أن يُستكرى له دار غيرها .
وكانت رؤوس الأمراء في كلِّ يوم يحضرون عنده ويبلغونه عن الخليفة السَّلام ، ولا يدخلون عليه
حتى يقلعو(٣) ما عليهم من الزينة والسلاح . وبعث إليه الخليفةُ بالمفارش الطرية وغيرها من الآلات التي
تليق بتلك الدار العظيمة ، وأراد منه الخليفة أن يقيمَ هناك ليحدِّث الناس عوضاً عمَّا فاتهم منه في أيام
المحنة وما بعدَها من السنين المتطاولة وهو محجوب في داره لا يخرج إلى جماعة ، ولا جمعة أيضاً ،
فاعتذر إليهم بأنَّه عليل ، وأسنانُه تتحرّك وهو ضعيفٌ .
ويبعث إليه الخليفة في كُلِّ يوم مائدة فيها ألوان الأطعمة والفاكهة والثلج ، ما يقاوم مئة وعشرين
درهماً في كُلِّ يوم ، والخليفة يحسب أنَّ أحمد يأكلُ من ذلك ، ولم يكن أحمدُ يطعم من ذلك شيئاً
بالكلية ، بل كان صائماً يطوي ، فمكث ثماينة أيام لم يستطعم بطعام ، ومع ذلك هو عليلٌ . ثم أقسم عليه
ولده حتَّى شرب قليلاً من السَّويق بعد ثمانية أيام .
وجاءه عُبيد الله بن يحيى بن خاقان بمالٍ جزيلٍ من الخليفة جائزةً له ، فامتنع من قبولها ، فألحَ
عليه الأميرُ فلم يقبل . فأخذَها الأميرُ ففرَّقها على بنيه وأهله ، وقال: إنه لا يمكن أن تُرَدَّ على الخليفة
جائزته . وكتب الخليفة لأهله وأولاده في كلِّ شهر بأربعة آلاف درهم ، فمانَع أبو عبد الله في ذلك ،
فقال الخليفة : لا بُدَّ من ذلك، وما هذا إلا لولدك . فأمسك أبو عبد الله ، ثم أخذ يلوم أهله وبني
عمه ، وقال: إنما بقي لنا أيام قلائل ، وكأننا وقد نزل بنا الموت ؛ فإمَّا إلى جنة وإمَّا إلى نارٍ(٤) ؛ في
كلام طويل يعظهم به . فاحتجُّوا عليه بالحديث الصحيح: (( مَن جاءَهُ من هذا المالِ شيءٍ وهو غير
سائلٍ ولا مستشرفٍ فليقبله)»(٥) . وبأن ابنَ عمر وابن عباس قبلا جوائز السلطان . فقال : ما هذا
(١) بعده في ط : وبالنظر إليك .
في أ : في بعض بنيه وأهله .
(٢)
(٣) في ب ، ظا : ط : يقلعون .
(٤) بعدها في ط : فنخرج من الدنيا وبطوننا قد أخذت من مال هؤلاء .
(٥) هذا الحديث رواه البخاري (١٣٤/١٣) في الأحكام، ومسلم رقم (١٠٤٥) في الزكاة، من حديث عبد الله بن عمر
أن عمر قال: كان رسول الله ◌َّه يُعطيني العطاء، فأقول: أعطِهِ من هو أفقر إليه مني، قال: فقال: خُذْه، وإذا=

١٨٢
ذكر ما كان من أمر الإمام بعد المحنة
وذاك سواء ، ولو أعلم أنَّ هذا المال أخذ من حقِّه وليس فيه ظلم ولا جور لم أبالٍ(١) .
ولما استمر ضعف أبي عبد الله جعل المتوكّل يبعث إليه ابن ماسَوَيْه المتطبِّب لينظرَ في مرضه ، فرجع
إليه فقال : يا أميرَ المؤمنين ، إنَّ أحمد بن حنبل ليس به عِلَّةٌ في بدنه ، إنَّما علته من قلّة الطعام وكثرة
الصيام والعبادة ، فسكت المتوكل .
ثم سألت أمُّ الخليفة منه أن ترى الإمام أحمد بن حنبل ، فبعث المتوكّلُ إليه يسأله أن يجتمعَ بابنه
المعتز ويدعُوَ له ، ويكون في حجره . فتمنَّع من ذلك ، ثم أجاب إليه رجاء أن يعجِّل (٢) برجوعه إلى أهله
ببغداد .
وبعث الخليفة إليه بخِلْعَة سنيَّةٍ ، ومَرْكُوب (٣) من مراكبه ، فامتنع من ركوبه لكون عليه مِيثَرَة٤ٌ)
نُمُورٍ . فجاء ببغل لبعض التجار ، فركبه ، وجاء إلى مجلس المعتز ، وقد جلس الخليفة وأمُّه في ناحية من
ذلك المجلس ، من وراء سِتر رقيق . فلمَّا جاء أحمد ، قال: السَّلامُ عليكم ، وجَلَس ، ولم يسلِّم عليه
بالإِمْرَةِ ، فقالت أمُّ الخليفة : الله الله يا بني في هذا الرجل ، تردُّه إلى أهله ، فإنَّ هذا ليس ممن يريد ما أنتم
فيه . وحين رأى المتوكل أحمد قال لأمه : يا أمَّه ، قد أنارت الدار. وجاء الخادم ومعه خِلْعة سنِيَّة مبطّنة
وثوبٌ وقَلَنْسُوة وطَيْلَسان، فألبسَها الإمام أحمدَ بيده ، وأحمدُ لا يتحرَّك بالكلية .
قال الإمام أحمد : لمَّا جلست إلى المعتزِّ قال مؤدِّبُه: أصلَحَ الله الأمير! هذا الذي أمر الخليفة أن
يكون مؤدِّبك . فقال: إنْ عَلَّمَني شيئاً تعلَّمْتُه. قال أحمد: فتعجبت من ذكائه في صغره . ثم خرج أحمد
وهو يستغفرُ الله(٥) ، ثم بعد أيام أذن له الخليفة في الانصراف، وهَيَّأ له حَرَّاقةُ(٦) فلم يفعلْ أن ينحدرَ
فيها ، بل ركب في زورقٍ ، ودخل بغداد مختفياً ، وأمَر أن تباع تلك الخِلْعَةُ وأن يُتصدَّقَ بثمنها على الفقراء
والمساكين .
وجعل يتألَّم من اجتماعه بهم ، ويقول : سَلِمْتُ منهم طولَ عمري ، ثم ابتُليت بهم في آخره ، وكاد
يهلك من الجوع .
جاءك شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموَّلْه ، فإن شئت كله ، وإن شئت تصدق به ، وما لا فلا تُتْبِعْه
=
نفسك ، وله روايات أخرى بهذا المعنى .
(١) سير أعلام النبلاء (٢٦٩/١١ - ٢٧١).
(٢)
سير أعلام النبلاء : أن يُطْلَق .
(٣)
في ب ، ظا : ومركب .
((الميثرة)) : جلد يكون في السرج .
(٤)
بعدها في ط : ويستعيذ بالله من مقلته وغضبه .
(٥)
(٦) ((الحَرَّاقة)): سفينة خفيفة المرِّ، جمع حَرَّاقات.

١٨٣
ذكر ما كان من أمر الإمام بعد المحنة
وقد قال بعضُ الأمراء للمتوكّل على الله الخليفة : يا أميرَ المؤمنين ، إنَّ أحمد بن حنبل لا يأكلُ لك
طعاماً ، ولا يشرب لك شراباً ، ولا يجلس على فرشكَ ، ويحرِّم ما تشربه . فقال لهم : والله لو نُشر
المعتصم وكلَّمني في أحمد لم أقبَلْ منه .
وجعلت رسلُ المتوكّل تفدُ إليه في كُلِّ يوم تستعلم عن أخباره وكيف حاله . وجعل يستفتيه في أموال
ابن أبي دُواد ولا يجيب بشيء . ثم أحدر ابن أبي دُوَاد من سامَرّاء إلى بغداد بعدما أشهدَ على نفسه ببيع
ضياعه ، وأخذت أمواله كلّها .
قال عبد الله : وحين رجع أبي من سامَرّاء إلى بغداد دخلت عيناه في موقيه ، وما رجعت إليه نفسُه إلا
بعد ستة أشهر، وامتنعُ(١) من أن يستقرّ ببيت قرابته، أو ينتفعَ بشيءٍ ممَّا هم فيه ، لأجل قبولهم أموال
السلطان(٢).
وكان مسيرُ أحمدَ إلى المتوكّل في سنة سبع وثلاثين ومئتين ، ثم مكث إلى سنة وفاته ، قَلَّ يومٌ إلا
ورسالة المتوكّل تفدُ إليه في أمورٍ يشاوره فيها ، ويستشيره .
ولمَّا قدم المتوكّل بغدادَ بعثَ إليه ابنَ خاقان ومعه ألفُ دينار ليفرِّقها على مَنْ يرى ، فامتنع من
قبولها ، وقال : إنَّ أميرَ المؤمنين قد أعفاني ممَّا أكره ، فردّها .
وكتب رجلٌ رُقْعَةً إلى المتوكّل ، يقولُ فيها : يا أميرَ المؤمنين ، إنَّ أحمد بن حنبل يشتم آباءَكَ
ويرميهم بالزَّندقة .
فكتبَ فيها المتوكّلُ : أمَّ المأمون فإنَّه خلَطَ ، فسلَّطَ الناس على نفسه؛ وأمَّا أبي المعتصم فإنَّه كان
رجلَ حربٍ ولم يكن له بَصَرٌ بالكلام ؛ وأمَّا أخي الواثق فإنه استحقَّ ما قيل فيه . ثم أمر أن يضرب هذا
الرجل الرافع(٣) الرُّفْعَةَ مئتي سوط، فأخذه عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم فضَرَبه خمسمئة سوط ، فقال له
الخليفة : لِمَ ضربته خمسمئة سوط ؟ فقال : مئتين لطاعتك ، ومئتين لطاعةِ الله ورسوله ، ومئة لكونه
قذف هذا الشيخَ ، الرّجلَ الصالح أحمدَ بن حنبل .
وقد كتب الخليفةُ إلى الإمام أحمد يسأله عن القول في القرآن سؤالَ استرشاد لا تعنّت ولا امتحان ولا
عناد . فكتب إليه أحمدُ - رحمه الله - رسالةَ حسنة فيها آثارٌ عن الصحابة وغيرهم ، وأحاديث مرفوعة .
وقد أوردها ابنه صالح في المحنة التي ساقها ، وهي مروية عنه ، ونقلها غير واحد من الحفّاظ .
في ط : وامتنع أن يدخل بيت قرابته أو يدخل بيتاً هم فيه ، أو ينتفع .
(١)
(٢)
في ب ، ظا : قبولهم الأموال .
(٣) في ط : الذي رفع إليه الرقعة .

١٨٤
ذكر وفاة الإمام أحمد رحمه الله
ذکر وفاة الإمام أحمد رحمه الله
قال ابنُهُ صالح : كان مرضه في أول شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومئتين ، دخلتُ عليه يوم
الأربعاء ثاني ربيع الأول وهو محموم يتنفس الصُّعَداء ، وهو ضعيف ، فقلت : يا أبت ، ما كان غداؤك ؟
فقال : ماء الباقلا . ثم ذكر كثرة مجيء الناس من الأكابر وعموم الناس لعيادته، وكثرة جزعُ(١) الناس
عليه ، وكان معه خُرَيْقة فيها قُطَيعات يُنفق على نفسه منها ، وقد أمر ولدَه عبدَ الله أن يطالب سكان ملكه ،
وأن يكفِّر عنه كفَّارة يمين. فأخذ شيئاً من الأجرة فاشترى تمراً ، وكفَّر عن أبيه، وفضل من ذلك ثلاثةُ(٢)
دراهم .
و كتب الإمام أحمد وصيّته :
بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به (٣) أحمد بن محمد بن حنبل ؛ أوصى أنَّه يشهدُ أنْ لا إله إلا
الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليظهرَه على الدِّين كلُّه ولو
كره المشركون . وأوصى مَنْ أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله في العابدين ، وأن يحمدوه في
الحامدين ، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين . وأوصى أني قد رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً ، وبمحمّدٍ
نيّاً. وأوصى أنَّ لعبد الله بن محمد المعروف بفورا(٤) عليَّ نحواً من خمسين ديناراً، وهو مُصَدَّقُ(٥)
فيما قال، فيُقْضى ماله عليّ من غّة الدَّار، إن شاء الله. فإذا استوفَى أعطِيَ ولد٦ً) صالح، كُلُّ ذكرٍ وأنثى
عشرة دراهم ، عشرة دراهم .
ثم استدعى بالصبيان من ورثته (٧) ، فجعل يدعو لهم ، وكان قد ولد له صَبيّ قبلَ موته بخمسين يوماً ،
فسمّاه سعيداً ، وكان له ولد آخر اسمه محمد قد مشى حين مرض الإمام أحمد ، فدعاه فالتزمه وقبَّله ، ثم
قال : ما كنت أصنعُ بالولد على كبر السنّ ؟ فقيل له : ذرية تكون بعدك يدعون لك ، قال : وذاك ، وجعل
يحمَدُ الله عزَّ وجلَّ .
(١) في اً، ط : حرج.
(٢)
في النسخ : ثلاث .
(٣)
به من ط .
في ا، ط: بيوران، والمثبت من ب، ظا، وسير أعلام النبلاء (٢٨١/١١).
(٤)
(٥)
في آ، ط : مصدَّق فيها ، قال : يقضي ، والمثبت من ب ، ظا .
(٦)
في سير أعلام النبلاء : ولد عبد الله وصالح .
في ب ، ظا : ذريته .
(٧)

١٨٥
ذکر وفاة الإمام أحمد رحمه الله
وقد بلغه في مرضه (١) عن طاووس أنه كره الأنين في المرض ، فترك الأنينَ ، فلم يئنّ حتّى كانت
الليلة التي توفي في صبيحتها ، وكانت ليلة الجمعة ، الثاني عشر من ربيع الأول من هذه السنة ، فأنَّ حين
اشتد عليه الوجع .
وقد رُوِيَ عن ابنه عبد الله، ويُروى عن صالح أيضاً ، أنه قال: لمَّا احتُضر بي رحمه الله جعل يكثر أن
يقولَ : لا ، بعدُ ، لا، بعدُ ، فقلْتُ : يا أبة ، ما هذه اللفظة التي لهجت بها في هذه الساعة ؟ فقال:
يا بنيّ ، إنَّ إيليسَ واقفٌ في زاوية البيت ، وهو عاضّ على أصبعه ، وهو يقول: فُتَّنِي يا أحمد ؟ فأقولُ:
لا، بعدُ، لا، بعد . يعني لا يفوته حتَّى تخرجَ روحه من جسده على التوحيد . كما جاء في بعض
الأحاديث ، قال إبليس : يا ربّ ، وعزَّتِك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحُهم في أجسادهم . فقال :
وعزَّتي وجَلالي ، ولا أزال أغفِرُ لهم ما استغفروني (٢).
وأحسن ما كان من أمره أنه أشار إلى أهله أن يوضِّئوه ، فجعلوا يوضئونه وهو يُشيرُ إليهم أن خلِّلوا
أصابعي وهو يذكر الله عزَّ وجلَّ في جميع ذلك ، فلمَّا أكملوا الوضوء توفي ، رحمه الله ، ورضي عنه .
وقد كانت وفاة الإمام أحمد - رحمه الله - صبيحة يوم الجمعة ، حين مضى نحو من ساعتين من
النهار . فاجتمع الناس في الشوارع ، وبعث محمد بن عبد الله بن طاهر حاجبَه ومعه غلمان يحملون
مناديل فيها أكفان ، وأرسل يقولُ : هذا نيابة عن الخليفة ، فإنَّه لو كان حاضراً لبعث بهذا . فأرسل أولاده
يقولون : إن أمير المؤمنين كان قد أعفاه في حياته مما يكره ، وهذا مما يكرهه ، وأبوا أن يكفّنوه في تلك
الأثواب ، وأتَوا بثوب كان قد غزلته جاريته فكفَّنوه فيه ، واشتروا معه عَوَز لُفافة وحَنُوطاً ، واشتروا له
راوية ماءٍ ، وامتنعوا أن يغسلوه بماءٍ من بيوتهم ؛ لأنَّه كان قد هجَر بيوتهم ، فلا يأكل منها ، ولا يستعير من
أمتعتهم ، وكان لا يزال متغضِّباً عليهم ، لكونهم كانوا يتناولون ما رُتِّب لهم على بيت المال ؛ في كُلِّ شهر
أربعةُ آلاف درهم . وكانوا عالةٌ(٣) وفقراء . وحضر غسله نحو مئة من بيت الخلافة من بني هاشم ، فجعلوا
يقبّلون بين عينيه، ويدعون له، ويترحَّمون عليه، [ويترضَّون عنه ]٤) .
وخرج الناس بنعشه ، والخلائق حوله من الرجال والنساء ما لا يعلم عددهم إلا الله ، ونائب البلدة
(١) في ب ، ظا : مرض موته .
(٢) رواه أحمد في المسند (٢٩/٣ و٤١) رقم (١١١٧٨)، والحاكم في المستدرك (٢٦١/٤) من حديث أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله و #1: ((إن الشيطان قال: وعزتك يا رب، لا أبرح أغوي عبادك
ما دامت أرواحهم في أجسامهم ، فقال الرب تبارك وتعالى : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ))
وإسناده ضعيف ، ولكن له طرقه ، فهو بها حسن .
(٣) العالة : الفقراء ، جمع عائل .
(٤) الزيادة من ب ، ظا.

١٨٦
ذکر وفاة الإمام أحمد رحمه الله
محمد بن عبد الله بن طاهر واقفٌ في الناس ، وتقدَّم خطوات فعزَّى أولاد الإمام أحمد فيه ، وكان هو
الذي أمّ الناس في الصلاة عليه ، وقد أعاد جماعة من الناس الصلاة على القبر بعد الدفن من أجل ذلك ،
ولم يستقرَّ في قبره - رحمه الله - إلا بعد صلاة العصر ، وذلك لكثرة الخلق .
وقد روى البيهقيُّ وغيرُ واحدٍ : أنَّ الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر أمر بحزر الناس فوجدوا ألفَ
ألفٍ وثلثمئة ألف ، وفي رواية : وسبعمئة [ ألف] إنسان، سوى من كان في السُّفُنُ(١). وأقل ما قيل :
سبعمئة ألف .
وقال ابنُ أبي حاتم : سمعتُ أبا زُرعة ، يقول: بلغني أنَّ المتوكّل أمَرَ أنْ يُمْسَحَ الموضعُ الذي وقفَ
الناس عليه حيث صُلِّي على أحمد بن حنبل ، فبلغ مقام ألفي ألفٍ وخمسمئة ألف(٢).
وقال الحافظ أبو بكر البيهقيّ عن الحاكم : سمعتُ أبا بكر أحمد بن كامل القاضي ، يقول : سمعت
محمد بن يحيى الزنجاني سمعت عبد الوهاب الورّاق ، يقول : ما بلغنا أن جمعاً في الجاهلية والإسلام
كان أكثر من الجمع على جنازة أبي عبد الله .
وقال أبو محمد ، عبد الرحمن بن أبي حاتم : حدثني محمد بن العبّاس المكّيّ ، سمعت الوَزْكاني ،
جارَ أحمد بن حنبل ، قال : أسلم يوم مات أحمدُ عشرون ألفاً من اليهود ، والنصارى ، والمجوس .
[ ووقع المأتم في المسلمين واليهود والنصارى والمجوس ]٣) . وفي بعض النسخ: أسلم عشرة آلاف
بدل عشرين ألفاً ، والله أعلم(٤) .
وقال الدَّارَقُطني : سمعتُ أبا سهل بن زياد ، يقول : سمعت عبد الله بن أحمد ، يقول : سمعت
أبي ، يقول : قولوا لأهل البدع : بيننا وبينكم يوم الجنائز . وقد صدَّق الله قوله في هذا، فإنه - رحمه
الله - كان إمامَ السُّنَّة في زمانه، وعيون مخالفيه أحمد بن أبي دُوَاد القاضي(٥) لم يحتفل أحدٌ بموته ، ولا
شيَّعه من الناس إلا القليل . وكذلك الحارث بن أسد المحاسبي ، مع زهده وورعه وتنقيره ومحاسبته نفسه
(١) سير أعلام النبلاء (٣٤٠/١١).
(٢)
المصدر السابق .
(٣) زيادة من ب ، ظا .
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٤٣/١١): هذه حكاية منكرة، تفرَّد بنقلها هذا المكي عن هذا الوَرْكاني ، ولا
(٤)
يُعْرَف ، وماذا بالوركاني المشهور محمد بن جعفر الذي مات قبل أحمد بن حنبل بثلاث عشرة سنة ، وهو الذي قال
فيه أبو زرعة : كان جاراً لأحمد بن حنبل . ثم العادة والعقل تحيل وقوع مثل هذا؛ وهو إسلام ألوف لموت وليٍّ
لله ، ولا ينقل ذلك إلا مجهول لا يُعرف؛ ولو وقع ذلك لاشتهر ولتواتر؛ لتوفر الهمم؛ والدواعي على نقل مثله . بل
لو أسلم لموته مئة نفسٍ لقُضي من ذلك العجب ، فما ظنك؟ !.
(٥) في ط : وهو قاضي قضاة الدنيا .

١٨٧
ما رأى الإمام أحمد من المنامات وما رئي له
في خطراته وحركاته ، لم يصلِّ عليه إلا ثلاثة أو أربعة من الناس(١). فلله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ .
وقد روى البيهقيُّ ، عن حجاج بن محمد الشاعر : أنه قال : ما كنتُ أحبُّ أن أقتَلَ في سبيل الله ولم
أصلِّ على الإمام أحمد .
وروى عن رجل من أهل العلم : أنه قال يوم دُفِنَ أحمد : دُفِنَ اليومَ سادسُ خمسةٍ ، وهم :
أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ ، وعمر بن عبد العزيز ، رحمهم الله . وكان عمره يوم توفي - رحمه
الله - سبعاً وسبعين سنة وأياماً أقلّ من شهر .
ذكر ما رُئي من المنامات الصالحة التي رآها الإمام أحمد ورئیت له
وقد صحَّ في الحديث: ((لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلا المُبَشِّرات)(٢). [ وفي رواية: (( إلا الرؤيا
الصالحة ]٣) يراها المؤمن أو تُرَى له )).
وروى البيهقيُّ عن الحاكم ، سمعتُ علي بن حَمْشاذ ، سمعت جعفر بن محمد بن الحسين ، سمعتُ
سلمة بن شبيب ، يقول : كَّا عند أحمد بن حنبل، وجاءه شيخ ومعه عُكَّازة فسلّم وجَلَسَ ، فقال : من
منكم أحمد بن حنبل ؟ فقال أحمد : أنا ، ما حاجتك ؟ قال : ضربْتُ (٤) إليك من أربع مئة فرسخٍ ، أريت
الخضِرَ في المنام ، فقال : سر(٥) إلى أحمد بن حنبل، وسَلْ عنه، وقل له: إنَّ ساكن العرش والملائكة
راضون عنك بما صبرت نفسك لله عزَّ وجلّ(٦) .
وعن أبي عبد الله محمد بن خزيمة الإسكندراني ، قال : لمَّا مات أحمد اغتممْتُ غمّاً شديداً ، فرأيته
في المنام وهو يَتَبَّخْتَرُ في مشيته، فقلْتُ له : يا أبا عبد الله، أيُّ مشيةٍ هذه؟ فقال: مِشْيَةُ الخُدَّام في دار
(١) بعدها في ط : وكذلك بشر بن غياث المريسي، لم يصلِّ عليه إلا طائفة يسيرة جداً .
(٢) رواه البخاري في صحيحه (١٢/ ٣٣١) في التعبير ، باب المبشرات ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : سمعت
رسول الله ◌ّله يقول: ((لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤية الصالحة)).
قال الحافظ في الفتح : كذا ذكره باللفظ الدال على المضي تحقيقاً لوقوعه ، والمراد الاستقبال ، أي : لا يبقى .
والمعنى : لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات ، ثم فسرها بالرؤيا .
وجاء الحديث من حديث ابن عباس عند أحمد (٢١٩/١) ، ومسلم رقم (٤٧٩)، وأبي داود رقم (٨٧٦) ، وابن
ماجه رقم (٣٨٩٩) بلفظ: (( أيها الناس ، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى
له)). وهو جزء من حديث طويل قاله في مرض موته وَله .
(٣)
زيادة من ط .
في سير أعلام النبلاء (١١ / ٣٥١): صِرْتُ إليك.
(٤)
(٥)
في ب ، ظا : قَمْ وصِرْ .
(٦) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (الجزء السابع / ٢٧٤ و٢٧٥).

١٨٨
ما رأى الإمام أحمد من المنامات وما رئي له
السلام ، فقلْتُ : ما فَعَلَ اللهُ بك؟ قال : غَفَرَ لي، وتؤَّجني، وألْبَسَني نعلَيْن مِنْ ذَهبٍ ، وقال لي :
يا أحمدُ ، هذا بقولك: القرآنُ كلامي، ثم قال: يا أحمدُ ، ادعُني بتلك الذَّعَوات التي بَلَغَتْكَ عن سفيان
الثَّوْري ، كنتَ تدعو بهنَّ في دار الدنيا . قال : قلت : يا ربَّ كلِّ شيءٍ، بقدرتك على كلِّ شيءٍ ، اغفر
لي كُلَّ شيءٍ ، حتَّى لا تسألني عن شيء . فقال لي : يا أحمدُ ، هذه الجنة قُم ادخلْ إليها ، فدخلْتُ فإذا
أنا بسفيان الثوريّ وله جناحان أخضران، يطيرُ بهما من نخلةٍ إلى نخلةٍ، وهو يقول: ﴿اُلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى
صَدَقَنَا وَعْدَمُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ [ الزمر: ٧٤]. قال : فقلت له :
ما فَعَلَ بِشْرٌ الحافيّ ؟ فقال : بَخِ بَخٍ ! ومَنْ مثلُ بِشْر؟! تركته بين يدي الجليل ، وبين يديه مائدةٌ من
الطّعام، والجليلُ مقْبِلٌ عليه، وهو يقول: كُلْ يا مَنُ(١) لم يأكل، اشربْ يا مَن لم يشرب، وانْعَمْ يا مَنْ
لم ينعَمْ ، أو كما قال(٢) .
وقال أبو محمد بن أبي حاتم ، عن محمد بن مسلم بن وَارة ، قال : لمَّا مات أبو زُرعة رأيته في
المنام ، فقلت : ما فَعَلَ اللهُ بك ؟ فقال : قال لي الجبّار: ألحقوه بأبي عبد الله، وأبي عبد الله،
وأبي عبد الله ؛ مالك والشافعي وأحمد بن حنبل .
وقال عثمان(٣) بن خُرَّزاد الأنطاكي : رأيت في المنام كأنَّ القيامة قد قامت وقد برز الربُّ لفصل
القضاء ، وكأنَّ منادياً ينادي من تحت بطنان العرش : أدخلوا أبا عبد الله ، وأبا عبد الله ، وأبا عبد الله،
[وأبا عبد الله (٤) الجنّة . قال: فقلْتُ لملك إلى جانبي: من هؤلاء؟ فقال: مالك ، والثوريّ،
والشافعيّ ، وأحمد بن حنبل .
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة ، عن يحيى بن أيوب المقدسيّ ، قال : رأيت رسولَ الله في النوم وهو
نائمٌ وعليه ثوب مغطى ، وأحمد بن حنبل ويحيى بن مَعين يذبَّان عنه .
وقد تقدّمُ(٥) في ترجمة أحمد بن أبي دُواد عن يحيى الجلاء ، أنه رأى كأنَّ أحمد بن حنبل في حَلْقةٍ
بالمسجد الجامع وأحمد بن أبي دُوَاد في حَلْقةٍ أخرى، وكأنَّ رسولَ اللهِ وَلّهِ واقفٌ بين الحلقتين وهو يتلو
هذه الآية: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ ءَاتَّيْتَهُمُ الْكِتَبَ وَاَْكْرَ وَالنُّبُوَةَ فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ﴾ [ الأنعام: ٨٩] ويشير إلى حَلْقة ابن
(١) أ، ب : يا من لا أكل، والمثبت من ظا، ط.
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (الجزء السابع / ٢٩٠ و٢٩١). والمجلدة العاشرة (ترجمة بشر الحافي) ص (٨٥)،
وفي مختصره لابن منظور (٢٥٥/٣ و٢٠٦/٥) وبعضه في صفة الصفوة (٣٣٥/٢)، وسير أعلام النبلاء
(٣٤٨/١١) .
تحرفت في المطبوع إلى : أحمد .
(٣)
ما بين قوسين لم يرد في أ.
(٤)
(٥) تقدم في حوادث سنة (٢٤٠) .

١٨٩
أحداث سنة ٢٤٢ هـ ـ وفيات سنة ٢٤٢ هـ
أبي دُوَاد وأصحابه، ﴿ فَقَدْ وَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، ويُشير إلى أحمدَ بن حنبل
وأصحابِه .
ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين ومئتين
فيها : كانت زلازلُ هائلة في البلاد ؛ فمن ذلك ما كان بمدينة قُؤْمِسُ(١)، تهدَّم منها دورٌ كثيرةٌ ،
ومات من أهلها نحو من خمسة وأربعين ألفاً وستة وتسعين(٢) نفساً .
وكانت باليمن وخراسان وفارس والشام وغيرها من البلاد زلازلُ منكرةٌ .
وفيها : أغارت الروم على بلاد الجزيرة ، فانتهبوا شيئاً كثيراً، وأسروا نحواً من عشرة آلاف من
الذَّراري ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وحجَّ بالناس فيها عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن عليّ ، نائب مكة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحسن بن عليّ بن الجَعْد، قاضي مدينة المنصور(٣).
وأبو حسّان الزِّياديّ(٤): قاضي الشرقيّة، واسمه(٥) الحسن بن عثمان بن حمَّاد بن حسَّان بن
عبد الرحمن بن يزيد البغدادي . سمع الوليد بن مسلم ، ووكيع بن الجرّاح ، والواقديّ ، وخلقاً سواهم .
وعنه : أبو بكر بن أبي الدنيا ، وعليّ بن عبد الله الفَرْغَاني الحافظ المعروف بطفك ، وجماعة .
ترجمه الحافظ ابن عساكر في (( تاريخه)(٦) قال : وليس هو من سلالة زياد بن أبيه ، إنَّما تزوج بعضُ
أجداده بأمِّ وَلَدِ لزيادٍ ، فقيل له : الزِّياديّ.
(١) ((قُؤْمِس)): كورة كبيرة تشتمل على مدن وقرى ومزارع، وهي في ذيل جبال طبرستان ، وقصبتها المشهورة
دامغان ، وهي بين الري ونيسابور . ( ياقوت ) .
(٢)
في النسخ : وتسعون .
الحسن بن علي بن الجَعْد بن عبيد الجوهري . ولي قضاء مدينة المنصور . وكان من العلماء بمذهب أهل العراق ،
(٣)
أخذ عن أبيه ، وولي القضاء في حياة أبيه . تاريخ بغداد (٧/ ٣٦٤).
(٤) معجم الأدباء (١٨/٩)، وتاريخ بغداد (٣٥٦/٧)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (٣٤٧/٦)، والعبر (٤٣٧/١)،
وسير أعلام النبلاء (١١ / ٤٩٦).
في أ، ب : واسم أبي حسان الزيادي الحسن .. ، والمثبت من ط .
(٦) تاريخ ابن عساكر (٢٣٦/٤أ)، ومختصر ابن عساكر (٣٤٧/٦).
(٥)

١٩٠
وفيات سنة ٢٤٢ هـ
ثم أورد من حديثه بسنده عن جابرٍ: ((الحلالُ بَيِّن، والحَرَامُ بَيِّنٌ (١) ... الحديث.
وروي عن الخطيب(٢) أنه قال : كان من العلماء الأفاضل ، من أهل المعرفة والثقة والأمانة ، وليّ
قضاءَ الشّرقية في خلافة المتوكّل ؛ وله تاريخٌ على السنين ، وله حديثٌ كثير .
وقال غيره (٣) : كان صالحاً ديناً قد عمل الكتب ، وكانت له معرفة جيدة بأيّام الناس ، وله تاریخٌ
حسن ، وكان كريماً مفضالاً .
وقد ذكر ابن عساكر(٤) عنه أشياء حسنة ؛ منها : أنَّه أنفَذَ إليه بعضُ أصحابه يذكر أنَّه قد أصابته ضائقة
في عيدٍ من الأعياد ، ولم يكنْ عنده غيرُ مئة دينار ، فأرسلها بصُرّتها إليه ، ثم سأل ذلك الرجلَ صاحبٌ له
أيضاً يشكو مثل تلك الحال ، فأرسل بها إليه ، وكتب أبو حسَّان إلى ذلك الرجل الذي أخذ المئة يستقرضُ
منه شيئاً وهو لا يشعر بالأمر ، فأرسل إليه بالمئة في صرّتها ، فلمَّا رآها تعجَّبَ مِنْ أمرها ، وركبَ إليه
يسأله عن ذلك ، فذكر أنَّ فلاناً أرسلها إليه ؛ فاجتمع الثلاثة ، واقتسموا المئة دينار ؛ رحمهم الله وجزاهم
عن مروءتهم خيراً .
وفيها توفي أبو مُصْعَب الزُّهريّ ، أحدُ رواة ((الموطَّأ)) عن مالك(٥).
وعبد الله بن ذَكْوان ، أحد القرّاء المشاهير(٦) .
(١) حديث جابر هذا رواه ابن عساكر في تاريخه ، وهو في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٣٤٧/٦).
وقد رواه البخاري في صحيحه (١/ ١١٧) في الإيمان ، باب فضل من استبرأ لدينه ، وفي البيوع ، باب الحلال بين
والحرام بين ؛ ومسلم في صحيحه رقم (١٥٩٩) في المساقاة ، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ؛ وأبو داود رقم
(٣٣٢٩) و(٣٣٣٠) والترمذي رقم (١٢٠٥)، والنسائي (٧/ ٢٤١) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما ؛
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((جامع العلوم والحكم)) صفحة (٦٣): هذا الحديث صحيح متفق على صحته
من رواية النعمان بن بشير .
وقد روي عن النبي ◌َّلل من حديث ابن عمر، وعمار بن ياسر ، وجابر بن عبد الله ، وابن مسعود ، وابن عباس ،
وحديث النعمان أصح أحاديث الباب .
وقد ألف الشوكاني إمام القطر اليماني رسالة حول هذا الحديث ، سماها كشف الشبهات عن المشتبهات ، فانظرها .
تاريخ بغداد (٣٥٦/٧)، ومختصر ابن عساكر (٣٤٧/٦).
(٢)
مختصر ابن عساكر (٣٤٧/٦) .
(٣)
مختصر تاريخ ابن عساكر (٣٤٩/٦)، سير أعلام النبلاء (٤٩٧/١١).
(٤)
(٥)
هو أحمد بن أبي بكر الزُّهريّ ، القاسم بن الحارث ، الفقيه ، قاضي المدينة ومفتيها. تفقَّه على مالك ، وسمع منه
الموطأ ، ولزمه مدّة . قال الزبير بن بكار : مات وهو فقيه المدينة غير مدافع ، عن اثنتين وتسعين سنة . سير أعلام
النبلاء (٤٣٦/١١)، والعبر (٤٣٦/١).
(٦) هو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان، أبو عمرو ، ويقال: أبو محمد ، المقرىء ، شيخ الإقراء بالشام ، وإمام
جامع دمشق ، قرأ على أيّوب بن تميم . غاية النهاية (١/ ٤٠٤).

١٩١
أحداث سنة ٢٤٣ هـ - وفيات سنة ٢٤٣ هـ
ومحمد بن أسْلَم الطّوسيّ(١)
ومحمّد بن رُمْحُ(٢)
ومحمد بن عبد الله بن عمَّار الموصليّ، أحد أئمة الجرح والتعديل (٣).
والقاضي يحيى بن أكْثَمُ(٤)
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومثتين
في ذي القعدة منها توجَّه المتوكّلُ على الله من العراق قاصداً مدينة دمشق ، ليجعلَها دارَ إقامته ،
ومحل إمامته ، فأدركه عيدُ الأضحى وهو بمدينة بَلَد، فضحَّى بها، وتأسَّفَ أهلُ العراق على ذلك ، فقال
في ذلك يزيد بن محمد المهلّبيُّ(٥):
أظنُّ الشَّامَ تَشْمَتُ بالعِراقِ إذا عَزَمَ الإمامُ على انْطِلاقِ
فإنْ تَدَعِ العِراقَ وساكِنِيها فقدْ تُبْلى المليحةُ بالطَّلاق
وحَّ بالناس عبد الصمد ، المذكور في التي قبلَها ، وهو نائب مكّة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
قال ابن جرير : وفيها توفي :
إبراهيم بن العبّاس(٦): متولَّي(٧) ديوان الضِّياع. قلت: إبراهيم بن العبّاس بن محمد بن صُول تكينْ
(١) أبو الحسن ، صاحب المسند والأربعين ، كان يشبه في وقته بابن المبارك . روى عن إمام الأئمة ابن خزيمة ، إمام
حافظ ثقة . سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٩٥)، والعبر (٤٣٧/١).
(٢) أبو عبد الله التُّجيبي مولاهم ، المصريّ ، الحافظ الثبت . قال النسائي: ما أخطأ في حديث واحد . وكان معروفاً
بالإتقان الزائد والحفظ ، ولم يرحل. سير أعلام النبلاء (٤٩٨/١١)، والعبر (٤٣٨/١).
(٣) هو أبو جعفر، صاحب التاريخ وعلل الحديث . ثقة ، حافظ حجة ، محدِّث الموصل . سير أعلام النبلاء
(٤٦٩/١١)، العبر (٤٣٨/١).
(٤) يحيى بن أكثم بن محمد بن قَطَن ، أبو محمد المروزيّ ، البغدادي ، قاضي القضاة ، وأحد الأعلام . ولاء المأمون
قضاء بغداد ، وأخذ بمجامع قلبه ، فكانت الوزراء لا تعمل شيئاً إلا بعد مطالعته . وجعله المتوكل في مرتبة أحمد بن
أبي دُواد، ثم غضب عليه. سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥)، العبر (٤٣٩/١).
(٥)
تاريخ الطبري (٢٠٩/٩)، وابن الأثير (٨٣/٧).
(٦)
الأغاني (٤٣/١٠ - ٦٨)، وتاريخ بغداد (١١٧/٦)، ومعجم الأدباء (١٦٤/١ - ١٩٨)، ووفيات الأعيان
(٤٤/١) .
(٧) حتى قوله : العباس لم يرد في ب ، ظا .

١٩٢
وفيات سنة ٢٤٣ هـ
الصُّوليّ، الشاعر الكاتب، وهو عمّ محمّد بن يحيى الصُّوليُ(١). وكان جدُّه صُول تكين ملك جُرْجان ،
وكان أصله منها ، ثم تمجّس ، ثم أسلَمَ على يدي يزيدَ بن المهلّب بن أبي صُفْرة .
ولإبراهيم هذا ديوان شعرٍ ذكره ابنُ خلكان واستجادَ من شعره أشياء ؛ منها قولُه(٢) :
ذَرْعاً وعِنْدَ اللهِ منها مَخْرَجُ
وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بها٣) الفَتَّى
فُرِجَتْ وَكُنْتُ أَظُنُّها لا تُفْرَجُ
كَمَلَتْ(٤) فلمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُها
ومنها قوله(٥):
كُنْتَ السَّوادَ لِمُقْلَتِي فَكَى عَلَيْكَ النَّاظِرُ
مَنْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ فِعَلَيْكَ كُنْتُ أحـاذِرُ
ومن ذلك ما كَتَبَ به إلى الوزير المعتصم محمد بن عبد الملك بن الزيات (٦):
وَكُنْتَ أخِي بإخاءِ الزَّمانِ فَلَّا نَبًا٧) صِرْتَ حَرْباً عَوَانًا
فأصْبَحْتُ منكَ أنُمُ الزَّمَانَا
وَكُنْتُ أَذُ إليكَ الزَّمَانَ
فَهَا أنا أطْلُبُ مِنْكَ الأمَانَا
وَكُنْتُ أعِدُّكَ لِلنَّائباتِ
وله أيضا٨ً) :
لا يَمْنَعَنَّكَ خَفْضُ العَيْشِ فِي دَعَةٍ نُزُوعُ نَفْسٍ إلى أهْلٍ وأوطانِ
تَلْقَى بِكُلِّ بِلادٍ إِنْ حَلَلْتَ بِهَا أَهْلاً بِأهْلِ(٩) وجيراناً بجِيرانٍ(١)
وكانت وفاته بمنتصف شعبان من هذه السنة بِسُرَّ مَن رأى ؛ رحمه الله .
(١) في الوفيات (٤٥/١) وهو عم والد أبي بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس الصولي ، صاحب كتاب الوزراء
وغيره من المصنفات .
الطرائق الأدبية ديوانه ١٧١، ومعجم الأدباء (١٨٧/١)، ووفيات الأعيان (٤٦/١).
(٢)
(٣)
في النسخ : لها ، والمثبت من ط ومصادر الشعر .
(٤)
في الوفيات : ضاقت .
يرثي ابنه ، الطرائف الأدبية ديوانه (١٦٩)، والأغاني (٤٩/١٠)، ومعجم الأدباء (١٧٧/١)، ووفيات الأعيان
(٥)
(٤٧/١) .
الطرائف الأدبية ديوانه (١٦٦)، معجم الأدباء (١٧١/١)، ووفيات الأعيان (٤٦/١)، والأغاني (١٠/ ٥٧).
(٦)
(٧)
في ظا، ط : ثنى .
(٨) الطرائف الأدبية ديوانه (١٥١)، ومعجم الأدباء (١٩٢/١)، ووفيات الأعيان (٤٦/١).
(٩) معجم الأدباء : أرضاً بأرضٍ ، وفي الديوان : داراً بدار .
(١٠) في ط : وأوطاناً بأوطان.

١٩٣
وفيات سنة ٢٤٣ هـ
[ والحسن بن مَخْلَد بن الجرّاح، خليفة إبراهيم ، في شعبان }١) .
قال(٢) : ومات هاشم بن بَنجور في ذي الحجّة .
قلت أنا : وتوفي فيها :
أحمد بن سعيد الرَّباطيّ(٣) .
والحارث بن أسد المُحَاسبيّ(٤) ، أحد أئمة الصّوفية .
وحَرْمَلة بن يحيى النُّجِيئُ(٥) ، صاحب الشافعيّ .
وعبد الله بن معاوية الجُمَحيّ(٦) .
ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني (٧).
وهارون بن عبد الله الحمَّال(٨) .
(١) ما بين قوسين زيادة في آ، ط ، ولم ترد في نسختي ب ، ظا .
وعبارة الطبري : وفيها مات إبراهيم بن العباس ، فولي ديوان الضياع الحسنُ بن مخلَد بن الجرّاح، خليفةُ إبراهيم ،
في شعبان وهو الحسن بن مَخْلَد ، أبو محمد البغدادي ، الوزير الأكمل ، من الكتاب ، له علم بالأدب ، كان يتولى
ديوان الضياع للمتوكل العباسي ، واستوزره المعتمد سنة ٢٦٣هـ، ثم عزله ، وأعاده ، وعزله سنة ٢٦٥ هـ، ومازال
على غير استقرار حتى طلبه أحمد بن طولون إلى مصر ، وجعل إليه نظر الإقليم ، ثم غضب عليه فحبسه بأنطاكية
فمات فيها نحو سنة ٢٦٩ هـ. سير أعلام النبلاء (٧/١٣)، والأعلام للزركلي (٢٢٣/٢).
(٢) ابن جرير الطبري (٢٠٩/٩) وفي ابن الأثير : منجور .
(٣) أبو عبد الله، أمير الرِّباط، المروزي، نزيل نيسابور، الحافظ، الحجّة، المتقن، الثقة. سمع وكيعاً
وعبد الرزاق . تاريخ بغداد (١٦٥/٤)، سير أعلام النبلاء (١٢ / ٢٠٧).
(٤) أبو عبد الله ، الزاهد العارف ، شيخ الصوفية ، كان عالماً بالأصول والمعاملات ، واعظاً مبكياً . له تصانيف في
الزهد ، وأصول الديانة، والردّ على المعتزلة والرافضة. حلية الأولياء (٧٣/١٠)، وسير أعلام النبلاء
(١٢ / ١١٠)، والأعلام (٢/ ١٥٣).
(٥) حَرْمَلة بن يحيى بن عبد الله، أبو حفص التُّجيبيُّ، المصري . حدث عن ابن وهب ، فأكثر جداً، وعن الشافعي
فلزمه ، وتفقَّه به ، صنف المختصر والمبسوط . سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٨٩)، والعبر (١/ ٤٤٠).
(٦) أبو جعفر، مسند البصرة ، عاش مئة عام، كان ثقةً صاحب حديث. سير أعلام النبلاء (٤٣٥/١١)، والعبر
(١ / ٤٤٠) .
(٧) في النسخ والمطبوع: ((محمد بن عمر العدني)) والمثبت من سير أعلام النبلاء وغيره . وهو محمد بن يحيى بن
عمر ، أبو عبد الله العَدَنيّ الحافظ ، صاحب المسند ، شيخ الحرم ، كان عبداً صالحاً خيراً . سير أعلام النبلاء
(٩٦/١٢)، والعبر (٤٤١/١).
(٨) أبو موسى البغدادي البزّار، المعروف بالحمَّال، قيل: إنه تزهَّد وصار يحمل بأجرة يتقوَّت بها . وقيل: إنه لقب
بالحمال؛ لكثرة ما حمل من العلم . سير أعلام النبلاء (١٢ /١١٥)، والعبر (٤٤١/١).

١٩٤
أحداث سنة ٢٤٤ هـ
وهنَّاد بن السَّرِيّ(١)
ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومثتين
في صفر منها دخل الخليفة المتوكّلُ إلى مدينة دمشق في أُبَّهَةِ الخلافة ، وكان يوماً مشهوداً ، فعزم
على الإقامة بها ، وأمَر بنقل دواوين الملك إليها ، وأمر ببناء القصور بها ، وهي التي بطريق داريًّا، ثم إنَّه
استوخَمها ، ورأى أنَّ هواءها باردٌ نَدِيّ، وماءها ثقيلٌ بالنسبة إلى هواء العراق ومائه ، ورأى الهواء يتحرّك
من بعد الزوال في زمن الصيف ، فلا يزالُ في اشْتِداد وغبارٍ إلى قريبٍ من ثلث الليل ، ورأى كثرة البراغيث
بها . ودخل عليه فصلُ الشتاء ، فرأى من كثرة الأمطار والثلوج أمراً عجيباً ، وغلَت الأسعار وهو بها ،
وانقطعت الأجلاب بسبب كثرة الشتاء والثلوج ، فضجر منها .
فجهّز بُغا إلى بلاد الروم ، ثم رجع من آخر السَّنة إلى سامُرّاء بعدما أقام بدمشق شهرين وعشرة أيام ،
والله أعلم .
وفي هذه السنة أتي المتوكل بالحربة التي كانت تُحمل بين يدي رسول الله وَ لفر يوم العيد وغيره ، وقد
كانت للنجاشيّ، فوهبها للزُّبير بن العوّام، فوهبها الزُّبِيرُ من النَّبِيّ ٢ِّ)، فلمَّا صارت للمتوكل على
الله ، فرح بها فرحاً شديداً، وأمَر صاحبَ الشرطة أن يحملَها بين يديه كما كانت تحمل بين يدي
رسول الله لَله .
وفيها : غضبَ المتوكّلُ على الطبيب بَخْتَشُوعُ(٣) ونفاه ، وأخذ ماله .
وحَّ بالناس فيها عبدُ الصمد المذكور قبلها .
واتفق في هذه السنة يومُ عيد الأضحى وعيد الفطير(٤) لليهود ، وشعانين النصارى ، وهذا عجيب(٥)
غريب .
(١) هنَّد بن السَّريِّ بن مصعب، أبو السّريّ التميمي الكوفيّ، صاحب كتاب الزهد وغير ذلك . صدوق ، كان كثير
البكاء، وما تزوج، ولا تسرَّى ، وكان يقال له : راهب الكوفة. سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٦٥)، والعبر (٤٤١/١).
(٢) في ط : للنبي.
(٣) هو بختيشوع بن جبرئيل بن بختيشوع بن جرجس ، طبيب سرياني الأصل مستعرب . قربه الخلفاء العباسيون
ولا سيما المتوكل العباسي ، فعلت مكانته ، وأثرى حتى كان يضاهي المتوكل في الفرش واللباس . صنف كتاباً في
الحجامة، مات ببغداد سنة ٢٥٦ هـ. الأعلام للزركلي (٢/ ٤٤).
(٤) في ط : وخميس فطر اليهود .
في أ: أمر عجيب .
(٥)

١٩٥
وفيات سنة ٢٤٤ هـ
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن مَنِيعُ(١) .
وإسحاق بن موسى الخَطْميُ(٢)
وحميد بن مَسْعَدَةً(٣) .
وعبد الحميد بن بيان (٤)
وعليّ بن حُجْر(٥)
والوزير محمد بن عبد الملك بن الزَّيَّات(٦)
ويعقوب بن السكيت (٧)، صاحب ((إصلاح المنطق)).
(١) أحمد بن مَنيع بن عبد الرحمن، أبو جعفر البَغَوِيّ، ثم البغدادي. حافظ ثقة، رحل، وجمع، وصنَّ المسند.
سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٨٣).
(٢) إسحاق بن موسى بن عبد الله ، أبو موسى الخَطْمي ، المدني ثم الكوفي ، نزيل سامراء ، قاضي نَيْسابور ، الفقيه.
ثقة ، أطنب أبو حاتم في الثناء عليه ، وكان كثير الأسفار فتوفي بجوسية من أعمال حمص . سير أعلام النبلاء
(٥٥٤/١١)، والعبر (٤٤٢/١).
(٣) حميد بن مَسْعَدَة بن المبارك الباهلي، أبو علي، ويقال: أبو العباس البصري . روى عن حماد بن زيد وطبقته،
وكان صدوقاً . العبر (٤٤٣/١)، وتهذيب التهذيب (٤٩/٣).
(٤) عبد الحميد بن بيان بن زكرياء الواسطيّ، أبو الحسن. روى عن خالد الطحان وهشيم فأكثر. ذكره ابن حبان في
الثقات. (٤٤٣/١)، وتهذيب التهذيب (١١١/٦).
(٥) عليّ بن حُجْر بن إياس ، أبو الحسن السعدي المَزْوزي ، نزيل نيسابور ، نزل بغداد قديماً، ثم انتقل إلى مرو ،
واشتهر حديثه بها. وكان صادقاً متقناً حافظاً. سير أعلام النبلاء (٥٠٧/١١)، العبر (٤٤٣/١).
(٦) هذا وهم من ابن كثير رحمه الله ، إذ أن ابن الزيات توفي مقتولًا على يد المتوكل في عام ٢٣٣ هـ، وذكر مقتله في
حوادث تلك السنة ، قال بشار : ولعله اشتبه عليه بمحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب البصري المحدث
المشهور ، فإنه توفي في هذه السنة. وتنظر ترجمته في تاريخ الخطيب (٥٩٦/٣) وتهذيب الكمال (١٩/٢٦).
(٧) هو يعقوب بن إسحاق بن السّكّيت، أبو يوسف ، إمام في اللغة والأدب ، النحوي المؤدّب . أصله من خوزستان،
تعلم ببغداد ، واتصل بالمتوكل العباسي ، فعهد إليه بتأديب أولاده ، وجعله في عداد ندمائه ، ثم قتله . وكتابه
(((إصلاح المنطق )) كتاب في اللغة مشهور .
طبقات النحويين واللغويين (٢٠٢)، معجم الأدباء (٥٠/٢٠)، وفيات الأعيان (٣٩٥/٦)، سير أعلام النبلاء
(١٦/١٢) .

١٩٦
أحداث سنة ٢٤٥ هـ
ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئتين
فيها : أمر المتوكّلُ ببناء مدينة الماحُوزَة وحفر نهرٍ لها ، فيقال : إنه أنفق على بنائها وبناء قصر
الخلافة فيها الذي يقال له: ((اللؤلؤة )) ألفي ألف دينار .
وفي هذه السنة وقعت زلازل كثيرة ببلاد شتّى ؛ فمن ذلك بمدينة أنطاكية ، سقط فيها ألف وخمسمئة دار ،
وانهدَمَ من سورها نيفٌ وتسعون بُرْجاً ، وسُمعت من كُوى دورها أصواتٌ مزعجة جدّاً، فخرجوا من منازلهم
سراعاً يهرعون، وسقط الجبل الذي إلى جانبها الذي يقال له ((الأقرع))، فساخ في البحر، فهاجَ البحرُ عند
ذلك ، وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن ، وغار نهر على فرسخ منها ، فلا يُذْرَى أين ذهب بالكلية .
أورده الإمام أبو جعفر(١) بن جرير .
قال(٢) : وسمُع بتِنِيس صيحة دائمة طويلة ، مات منها خلق كثير.
قال(٣): وزلزلت فيها السِّنُ(٤) والرَّقَّة وحَرَّان ورأسُ العين وحمص ودمشق والرُّها وطَرَسُوس
والمصِّيصة وأذنة وسواحل الشام ، ورجفت اللاذقية ، فما بقي منها منزل ، ولا بقي من أهلها إلا اليسير ،
وذهبت جّبَلَة بأهلها .
وفيها : غارت مُشاش - عين مكة - حتَّى بلغ ثمن القربة بمكّة درهما٥ً) ، حتى بعث المتوكّلُ فأنفقَ عليها .
قال(٦): وفيها مات إسحاق بن أبي إسرائيل(٧)، وسوّار بن عبد الله القاضي(٨)، وهلال الرّأْيِّ(٩).
تاريخ الطبري (٢١٢/٩-٢١٣).
(١)
تاريخ الطبري (٢١٣/٩) وفيه: وسمع فيها - كما قيل - أهل تِنِّيس ضجّة ...
(٢)
(٣)
تاريخ الطبري (٢١٣/٩) .
في الطبري : بالس ، وهي بلد بالشام بين حلب والرقة . أما السِّنُّ فاسم لعدد من الأماكن ، منها قلعة بالجزيرة قرب
(٤)
سميساط ، وتعرف بسن ابن عُطَير . ياقوت .
(٥)
في تاريخ الطبري : ثمانين درهما ، فبعثت أم المتوكل فأنفقت عليها .
(٦)
تاريخ الطبري (٢١٣/٩) .
من كبار المحدّثين، سمع حمّاد بن زيد وطبقته. أعرضوا عن الأخذ عنه ، لأنه أظهر الوقف في مسألة القرآن، فقال:
(٧)
القرآن كلام الله، ووقف. مات ببغداد وله خمس وتسعون سنة. سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٧٦)، والعبر (٤٤٤/١).
(٨) سوّار بن عبد الله بن سوّار بن قدامة، أبو عبد الله التميمي العنبري البصريّ، قاضي الرّصافة ببغداد، وهو من بيت العلم
والقضاء، كان جدّه قاضي البصرة . وكان من فحول الشعراء ، فصيحاً مفوّهاً سير أعلام النبلاء (٥٤٣/١١) والعبر (٤٤٤/١).
(٩) تحرفت في المطبوع والطبري وابن الأثير إلى : الرازي ، وهو هلال بن يحيى بن مسلم البصري . فقيه من أعيان
الحنفية ، من أهل البصرة . لقب بالرأي؛ لسعة علمه وكثره أخذه بالقياس ، له عدة مصنفات . الجواهر المضية في
طبقات الحنفية (٢٠٧/٢)، والأعلام (٩٢/٨).

١٩٧
وفيات سنة ٢٤٥ هـ
وفيها هلك :
نجاح بن سلمة : وكان على ديوان التوقيع ، وقد كان حظّاً عند المتوكّل ، ثمّ جرَتْ له كائنة اقتضت
أنْ يأمر المتوكّلُ بأخذ أمواله وأملاكه وحواصله ، وقد أورد قصَّته مطوّلة أبو جعفر بن جرير(١) ، رحمه
الله .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن عَبْدَة الضَّبِّ(٢).
وأبو الحسن القَوَّاس ، مقرىء مكة (٣) .
وأحمد بن نَصْر النَّسابوريّ(٤) .
وإسحاق بن أبي إسرائيل (٥) .
وإسماعيل بن موسى ، ابن بنت السُّدِّيّ(٦).
وذو النُّون المِصريّ(٧) .
وسوّار القاضي(٨) .
وعبد الرحمن بن إبراهيم ، دُخَيْمُ(٩) .
(١) تاريخ الطبري (٢١٤/٩ -٢١٧) وابن الأثير (٨٨/٧).
(٢) أحمد بن عَبْدَة بن موسى الضَّبِّي، أبو عبد الله البصريّ. سمع حمَّاد بن زيد والكبار، وروى الكثير . ثقة . تهذيب
الكمال (٣٩٧/١)، والعبر (٤٤٤/١).
(٣) هو أحمد بن محمد بن عَوْن القَوَّاس النَّبال، أبو الحسن ، المكي ، إمام مكة في القراءة ، قرأ على وهب بن
واضح، وقرأ عليه قُنبل. تهذيب الكمال (١/ ٤٨٢)، وغاية النهاية (١٢٣/١).
(٤) أحمد بن نَصْر بن زياد ، الشيخ أبو عبد الله القرشي النيسابوري ، شيخ نيسابور ومقرئها ومفتيها وزاهدها ، كان فقيه
أهل الحديث في عصره ، كثير الرحلة والحديث . سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٣٩)، وغاية النهاية (١/ ١٤٥).
(٥) سقط في ب ، ظا ، وقد تقدم قبل قليل .
(٦) أبو محمد، ويقال: أبو إسحاق الكوفي ، الفَزَاريّ ، الشيعي، المحدّث . روى عن مالك وطبقته . ذكره ابن
حبَّان في الثقات، وقال: كان يخطئ. تهذيب الكمال (٢١٠/٣)، والعبر (٤٤٤/١).
واسمه : ثوبان بن إبراهيم الإخميمي ، نسبة إلى بلدة إخميم من ديار مصر بالصعيد ، أبو الفيَّاض ، أبو الفيض.
(٧)
وستأتي ترجمته مطولة بعد قليل .
(٨) سقط في ( ط ) ، وقد تقدم قبل قليل .
(٩) عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن ميمون الدمشقي ، أبو سعيد دُحَيْم ، قاضي فلسطين والأردن ، محدّث الشام .
كان يعرف بدُحَيْم اليتيم، ثقة، لم يكن في زمانه مثله. سير أعلام النبلاء (٥١٥/١١)، والعبر (٤٤٥/١).

١٩٨
وفيات سنة ٢٤٥هـ
ومحمّد بن رافعٌ (١)
وهشام بن عمَّار(٢)
وأبو تراب النَّخْشَبِيّ(٣).
وابن الرَّاوَنْديُ(٤): الزِّنديق، أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين بن الرَّاوَنْدِي ، نسبة إلى قرية
ببلاد قاشان ، كان ببغداد يصنف كتباً في الزَّنْدَقة ، وكانت لديه فضيلةٌ ، لكنَّه استعملها فيما يضرُّه في الدّنيا
والآخرة . وقد ذكرنا له ترجمةً مطوّلة حسب ما ذكرها ابنُ الجَوزي(٥) [ في سنة ثمان وتسعين
ومئتين ]٦)، وإنما ذكرناه هاهنا لأنَّ القاضي ابنَ خلكالُ(٧) ذكر أنه توفي في هذه السنة . وقد تلبّس
عليه ، ولم يجرِّخْه بشيء أصلاً، بل مدحه ، فقال : أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرَّاونديُّ ،
العالم المشهور ، له مقالة في علم الكلام ، وكان من الفُضلاء في عصره ، وله من الكتب المصنَّفة نحو من
مئة وأربعة عشر كتاباً؛ منها كتاب ((فضيحة المعتزلة))، وكتاب ((التاج))، وكتاب ((الزُّمُؤُدَة)(٨) ،
وكتاب ((القصب )(٩) وغير ذلك. وله محاسن(١٠) ومحاضرات مع جماعة من علماء الكلام ، وقد انفرد
بمذاهب نقلها عنه أهل الكلام في كتبهم .
توفي سنة خمس وأربعين ومئتين ، برحبة مالك بن طَوْق التَّغلِيّ ، وقيل : ببغداد ، [ وتقدير عمره
(١) أبو عبد الله القشيريّ، مولاهم النيسابوريّ. شيخ عصره بخراسان في الصدق والرحلة . كان زاهداً عابداً صالحاً .
أرسل إليه ابن طاهر خمسة آلاف درهم ، فردَّها ، ولم يكن لأهله يومئذ خبز. سير أعلام النبلاء (١٢ /٢١٥)،
والعبر (٤٤٥/١) .
(٢). أبو الوليد السّلميّ، خطيب دمشق وقارئها وفقيهها ومحدّثها. قرأ القرآن على أيوب بن تميم وعراك عن قراءتهما
على يحيى الذماري صاحب ابن عامر. ثقة صدوق . سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٢٠)، العبر (٤٤٥/١)، غاية النهاية
(٣٥٤/٢) .
(٣) هو عسكر بن الحُصين النَّخْشَبِيّ، من كبار مشايخ القوم، صحب حاتماً الأصمَّ وغيرَه. كتب العلم ، وتفقَّه ثم تألَّه
وتعبَّد، وساح وتجرد. مات بالبادية ، قيل: نهشته السباع. سير أعلام النبلاء (٥٤٥/١١)، العبر (٤٤٥/١).
(٤) سيترجم له المؤلف في حوادث سنة ٢٩٨هـ، وإنما ذكره هنا اقتداءً بابن خلكان، الذي جعل وفاته في سنة
٠٠
٢٤٥ هـ ، فوقع في خطأ فاحش ، كما قال ابن الأثير .
المنتظم (٩٩/٦ - ١٠٥).
(٥)
زيادة من ط .
(٦)
وفيات الأعيان (٩٥/١) .
(٧)
(٨)
وفيات الأعيان والمنتظم وهدية العارفين والأعلام : الزمرد .
(٩) في ب، ظا: النصب، ولعل الصواب كتاب قضيب الذهب كما ورد في المصادر والوفيات (٩٤/١) وحاشية (١).
(١٠) في وفيات الأعيان : مجالس ومناظرات.

١٩٩
أحداث سنة ٢٤٦ هـ
أربعون سنة . وذكره في البستان أنه توفي سنة خمسين، فالله أعلم. هذا لفظه }(١) بحروفه. وإنَّما أَخَ
ابنُ الجَوزيّ وفاته في سنة ثمان وتسعين ومئتين ، وسيأتي .
ذو النُّون المِصْريّ(٢) : ثَوبان بن إبراهيم ، وقيل : ابن الفيض بن إبراهيم ، أبو الفيض المِصريّ ،
أحدُ المشايخ المشهورين ، وقد ترجمه القاضي ابن خلكان في (( الوفيات)) ، وذكر شيئاً من فضائله
وأحواله ، وأرَّخ وفاته في هذه السنة ، وقيل : في التي بعدها ، وقيل : في سنة ثمان وأربعين ومئتين ،
والله أعلم .
وهو معدودٌ في جملة من رَوى ((الموطأ)) عن مالك. وذكره ابنُ يونس في ((تاريخ مصر)) ، وقال:
كان أبوه نُوبياً ، وقيل : إنه كان من أهل إخْمِيم . وكان حليماً فصيحاً .
قال(٣): وسئل عن سبب توبته، فذكر أنَّه رأى قُنْبَرَة٤ُ) عمياءَ نزلت من وَكْرِها، فانشقَّت لها الأرض
عن سُكُوُ جَتَيْنُ(٥) من ذهبٍ وفضةٍ ، في إحداهما سِمْسِم، وفي الأخرى ماء ، [ فأكلَتْ من هذه وشربَتْ
من هذه ]٦) .
وقد شُكي مرةً إلى المتوكّل، فأحضره (٧) ، فلمَّا دخل عليه وعظه ، فأبكاه ، فرَدَّه مكرَّماً إلى بلده .
فكان إذا ذكر عنده يثني(٨) عليه .
ثم دخلت سنة ست وأربعين ومئتين
في يوم عاشوراء منها دخل المتوكّلُ إلى الماحوزة ، فنزل بقصر الخلافة منها ، واستدعى بالقرّاء ، ثم
بالمطربين ، وأعطَى وأطلَقَ ، وكان يوماً مشهوداً .
(١) زيادة من ب، ظا. وأراد بلفظه ابن خلكان (١/ ٩٤).
(٢) له ترجمة في حلية الأولياء (٣٣١/٩ و٣/١٠)، وتاريخ بغداد (٣٩٣/٨)، ومختصر ابن عساكر (٢٤٦/٨)،
ووفيات الأعيان (٣١٥/١)، وسير أعلام النبلاء (١١ / ٥٣٢)، والرسالة القشيرية (٢١١).
(٣) وفيات الأعيان (٣١٦/١).
(٤) ((القُنْبُرَة والقُبَّرَة)): عصفور من فصيلة القُبَِّيَّات، ورتبة الجواثم المخروطية المناقير، سُمْرٌ في أعلاها، ضاربة
إلى بياض في أسفلها ، وعلى صدرها بقعة سوداء . وجمعها : القُبَّرُ .
(٦) زيادة من ط ، ويوافق ذلك الوفيات ..
(٥)
((السُّكُرُّجة)): إناء صغير، يؤكل فيه القليل من الأدم، وهي فارسية .
(٧) بعده في ط : من مصر إلى العراق ، وفي الوفيات : من مصر .
في سير أعلام النبلاء (١١ /٥٣٤): كان يقول : إذا ذكر الصالحون ، فحيَّ هلا بذي النون.
(٨)

٢٠٠
وفيات سنة ٢٤٦ هـ
وفي صفر منها وقَعَ الفداءُ بين المسلمين والروم ، ففودي من المسلمين نحو من أربعةُ(١) آلاف أسير .
وفي شعبان منا مُطرت بغداد مطراً عظيماً استمر نحواً من أحدٍ وعشرين يوماً .
ووقع بأرض بَلْخ مطرٌ، إنَّما هو دمٌ عَبيط (٢).
وحجّ بالناس فيها محمد بن سليمان الزينبيّ .
وحجَّ فيها من الأعيان محمد بن عبد الله بن طاهر ، وولي هو أمرَ المَوْسِم .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن إبراهيم الدَّورقيّ(٣).
.(٤)
والحسين بن الحسن المروزيّ
٠
وأبو عمر الدُّوريّ(٥) ، أحد القراء المشاهير.
ومحمد بن مُصَفَّى الحِمْصيُ(٦) .
ودِعْبِل بن عليّ(٧): ابن رَزِين بن سليمان الخُزَاعِيُّ، مولاهم ، الشاعر الماجن ، البليغُ في
المدح ، وفي الهجاء أكثر . قال : حضر يوماً عند سهل بن هارون الكاتب ، وكان بخيلاً ، فاسْتَدْعَى
بغدائه ، فإذا ديٌ في قصعة ، وإذا هو قاس لا يقطعه سكين ، ولا يعمل فيه ضِرْسٌ . ففقد الرأس ،
فقال للطباخ : ويلك ! ماذا صنعت به ؟، قال: حسبت أنَّك لا تأكله، فألقيتُه، فقال: ويحك! والله
لأعيبُ على من يُلقي الرِّجْلَيْن ، فكيف بالرأس ، وفيه الحواس الأربع ، ومنه يصوّت وبه فضل ،
وعيناه ، وبهما يُضْرَبُ المثلُ، وعُرْفُه وبه يتبرّك، وعظمُه أهشّ العظام ؛ فإن كنتَ رغبتَ عن أكله
في الطبري وابن الأثير : ففودي بألفين وثلاثمئة وسبعة وستين نفساً .
(١)
(( العَبيط من الدَّم)) : الخالص الطري.
(٢)
أحمد بن إبراهيم بن كثير الدورقي ، أبو عبد الله العبدي ، وهذه النسبة إلى بيع القلانس الدَّوْرَقَّة . حافظ مجوِّد
(٣)
مصنِّفٌ، صدوق . سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٣٠)، والعبر (٤٤٦/١).
(٤) الحسين بن الحسن بن حَرْب، أبو عبد الله المروزيّ، صاحب ابن المبارك ، جاور بمكة ، وجمع وصنَّف . وهو
راوي كتاب (( الزهد)» لأحمد بن حنبل . صدوق ، سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٩٠)، تقريب التهذيب (١/ ١٧٥) .
(٥) حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صُهْبان الدُّوريّ الضرير ، نزيل سامُرّاء ، شيخ المقرئين ، قرأ على الكسائي
وغيره ، وجمع القراءات وصنَّفها ، وكان صدوقاً. قرأ عليه خلق كثير. سير أعلام النبلاء (٥٤١/١١)، العبر
(٤٤٦/١)، غاية النهاية (٢٥٥/١) .
أبو عبد الله ، العبد الصالح ، حدث عن الوليد بن مسلم وطائفة ، صدوق . سير أعلام النبلاء (١٢ / ٩٤).
(٦)
(٧) طبقات الشعراء (٢٦٤)، الشعر والشعراء (٥٣٩)، الأغاني (١٢٠/٢٠ -١٨٦)، تاريخ بغداد (٨/ ٣٨٢)، معجم
الأدباء (٩٩/١١)، مختصر تاريخ ابن عساكر (١٧٢/٨)، سير أعلام النبلاء (٥١٩/١١).