النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
أحداث سنة ٢٣٧ هـ
وفي صفر من هذه السنة غضبَ المتوكّلُ على أحمد بن أبي دواد القاضي ، وكان على المظالم ، فعزله
عنها ، واستدعى بيحيى بن أكثم فولاه قضاء القضاة ، والمظالم أيضاً .
وفي ربيع الأول أمر الخليفة بالاحتياط على ضياع ابن أبي دواد ، وأخذ ابنَه أبا الوليد محمد بن
أحمد بن أبي دواد ، فحبسه في يوم السبت لثلاث خلون من ربيع الآخر ، وأمر بمصادرته فحمل مئة ألف
دينار وعشرين ألف دينار ، ومن الجواهر النفيسة ما يقاوم عشرين ألف دينار ، ثم صُولح على ستةَ عشرَ
ألف ألف درهم .
وكان ابن أبي دواد قد أصابه الفالج كما ذكرنا ، ثم نفي أهله من سامراء إلى بغداد مهانين . قال ابنُ
جرير(١) : فقال في ذلك أبو العتاهية :
وكان عَزْمُكَ عَزْماً فيه توفيقُ
لو كنتَ في الرأي منسُوباً إلى رَشَدٍ
عنْ أنْ تَقُولَ : كتابُ اللهِ مَخْلُوقُ
لكانَ في الفقهِ شغلٌ لو قَنِعْتَ به
ما كانَ في الفرعِ لولا الجهلُ والمُوقُ(٢)
ماذا عليكَ وأصْلُ الدِّينِ يجمَعُهُمْ
وفي عيد الفطر أمر المتوكّلُ بإنزال رأس (٣) أحمد بن نَصْر الخُزاعيِّ، والجمع بينه وبين جسده ، وأن
يسلّم إلى أوليائه ، ففرح الناس بذلك ، واجتمع من العامة خلق كثير في جنازته ، وجعلوا يتمسّحون
بأعواده للبركة، وبالجذْع الذي كان مصلوباً فوقه، وأرهج(٤) العامة في ذلك، فكتب [المتوكل (٥) إلى
النائب يأمره بردعهم عن تعاطي مثل ذلك ، وكتب به إلى الآفاق بالمنع من الكلام في مسألة الكلام ،
والكفّ عن القول بخلق القرآن (٦) .
وأظهر إكرام الإمام أحمد بن حنبل واستدعاه من بغداد إليه ، فاجتمع به وأكرمه ، وأمر له بجائزة سنيّة
فلم يقبل منها شيئاً ، وخلع عليه خلعة سنيةً من ملابسه ، فاستحيا منه كثيراً فلبسها إلى الموضع الذي كان
نازلًا فيه ، ثم نزعها نزعاً عنيفاً وهو يبكي ، رحمه الله .
وجعل [ المتوكل ]٧) في كل يوم يرسل إليه من طعامه الخاص ، يظنُّ أنه يأكل منه . وكان الإمام
(١) الطبري (١٨٩/٩).
(٢) ((الموق)): الحمق في غباوة .
في أ، ب : جُثَّة ، وأثبت ما جاء في ظا .
(٣)
(٤)
((الرَّهج)): الشغب.
(٥)
زيادة من ( ط ) .
بعده في ط : وأن من تعلم علم الكلام ، لو تكلم فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت . وأمر الناس ألا يشتغل أحد إلا
(٦)
بالكتاب والسنة لا غير .
(٧) زيادة من ( ط ).

١٤٢
وفيات سنة ٢٣٧ هـ
أحمد لا يأكل لهم طعاماً ، بل كان صائماً مواصلاً يطوي تلك الأيام كلها ؛ لأنه لا يتيسّر له شيء يرضى
أكله ، ولكن كان ابنه (١) صالح وعبد الله يقبلان تلك الجوائز وهو لا يشعر بشيء من ذلك. [ قال
صالح (٢): فلولا أسرعنا الأوبة إلى بغداد لخشيت أن يموت الشيخ من الجوع(٣) .
وارتفعت السُّنَّة جداً في أيام المتوكل ، وكان لا يولّي أحداً إلا بعد مشورة الإمام أحمد بن حنبل ؛
وكانت ولاية يحيى بن أكثم قضاء القضاة٤) عن مشورته ، وقد كان يحيى بن أكثم هذا من أئمة السُّنَّة ،
وعلماء الناس ، ومن المعظّمين للكتاب والسنّة وللفقه والحديث واتباع الأثر ، وكان قد ولَّى من جهته
حيّان بن بشر قضاء الشرقية ، وسَوَّار بن عبد الله العنبري قضاءَ الجانب الغربيّ(٥) ، كلاهما كان أعور ،
فقال في ذلك بعض أصحاب ابن أبي دوا(٦) :
هما أُحْدُوثَةٌ في الخافِقَيْنِ
رَأيتُ مِنَ الكبائرِ قَاضِيَيْنِ
كما اقْتَسَما قَضاءَ الجانِبَيْنِ
هُمَا اقْتَسَمَا العَمَى نِصْفَينٍ قَدّاً
لِيَنظرَ في مَواريثٍ ودَيْنٍ
وتَحسَبُ منهما مَنْ هزَّ رأساً
فَتَحْتَ بُزَالَهُ(٧) مِن فَزْدِ عَيْنٍ
كأنَّكَ قد وضَعْتَ عليه دَنّاً
هما فَألُ الزَّمانِ بهُلْكِ يحيى إذ افْتَتَحَ القضاءَ بأعْوَرَيْنِ
وغزا الصائفةَ في هذه السنة عليُّ بن يحيى الأرمنيّ .
وحجَّ بالناس فيها عليّ بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور ، أمير الحجاز .
وفيها توفي :
حاتِم الأصمُ(٨) .
(١) في ب . ظا : ابناه.
(٢) زيادة من ب ، ظا.
قوله : من الجوع ، لم يرد في ب ، ظا .
(٣)
(٤)
بعدها في ط : موضع ابن أبي دواد .
في آ، ب : الجانب الشرقي ، والمثبت من ظا والطبري وابن الأثير .
(٥)
الأبيات في تاريخ الطبري (١٨٩/٩)، والكامل لابن الأثير (٧/ ٦٠)، ونسبت فيهما إلى الجمّاز.
(٦)
((البُزال)): موضع الثقب من الإناء.
(٧)
هو حاتم بن عنوان بن يوسف البلخي الأصمّ ، أبو عبد الرحمن ، الواعظ الزاهد الربّاني ، الناطق بالحكمة ، له كلام
(٨)
جليل في الزهد والمواعظ والحكم ، كان يقال له: لقمان هذه الأمة. حلية الأولياء (٨/ ٧٣) ، سير أعلام النبلاء
(١١ / ٤٨٤) .

١٤٣
أحداث سنة ٢٣٨ هـ
وعبد الأعلى بن حمّادُ(١)
.(٢)
وعُبيد الله بن معاذ العَنبريّ
وأبو كامل ، الفضيل بن الحسين الجَحْدَريّ(٣)
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومئتين
في ربيع الأول منها حاصر بُغا مدينة تَفْلِيس(٤) وعلى مقدمته زيرك التركي ، فخرج صاحبُ تَفْليس
إسحاق بن إسماعيل فقاتله فأسر إسحاق ، فأمر بُغا بضرب عنقه وصلبه ، وأمر بإلقاء النار في النفط إلى
نحو المدينة ، وكان أكثر بنائها من خشب الصَّنَوْبَر ، فأحرق أكثرها ، وأحرَق من أهلها نحواً من خمسين
ألف إنسانٍ ، وطفئت النار بعد يومين ؛ لأنَّ نار الصنوبر لا بقاءً لها .
ودخل الجند فأسروا من بقي من أهلها واستلبوهم ، حتى استلبوا الموتى(٥).
ثم سار بُغا إلى مدن أخرى ممن كان يمالىء أهلها مع من قتل نائب أرمينية يوسف بن محمد بن
يوسف ، آخذاً بثأره وعقوبة لمن تجرَّأ عليه .
وفي هذه السنة جاءت الفرنج في نحو من ثلاثمئة مركب قاصدين ديار مصر من ناحية دمياط ،
فدخلوها فجأة فقتلوا من أهلها خلقاً كثيراً ، وحرقوا المسجد الجامع والمنبرَ ، وأسروا من النساء نحواً من
ستمئة امرأة ؛ من المسلمات مئة وخمس وعشرون امرأة ، والباقيات من نساء القِبْط ، وأخذوا من الأمتعة
والأسلحة والمغانم شيئاً كثيراً جداً ، وفرّ الناس منهم في كل جهة ، فكان من غرِقَ في بحيرة تِنِيس أكثرَ
ممن أسروه، ثم رجعوا على حَمِيَّةٍ(٦) ، ولم يعرض لهم أحد حتى عادوا إلى بلادهم ، لعنهم الله
وقبّحهم .
وفي هذه السنة غزا الصائفة عليّ بن يحيى الأرمنيّ .
(١) أبو يحيى النَّرسي البصري ، الحافظ المحدث . وثقه أبو حاتم وغيره . كان ممن قدم على المتوكل فوصله بمال .
سير أعلام النبلاء (٢٨/١١)، والعبر (٤٢٤/١).
(٢) أبو عمرو العنبري البصري، الحافظ، الثقة. كان يحفظ نحواً من عشرة آلاف حديث . سير أعلام النبلاء
(٣٨٤/١١) .
سمع حمّاد بن سلمة والكبار ، وكان له حفظ ومعرفة. تهذيب الكمال (٢٦٩/٢٣) والعبر (٤٢٥/١).
(٣)
((تَفْليس)»: بلد بأرمينية الأولى ، وبعض يقول : بأرّان، وهي مدينة قديمة أزلية. ياقوت.
(٤)
في ا ، ط : المواشي ، وأثبت ما جاء في ب ، ظا والطبري وابن الأثير .
(٥)
(٦) أي بشدة وسرعة .

١٤٤
وفيات سنة ٢٣٨هـ ـ أحداث سنة ٢٣٩ هـ
وحجَّ بالناس أمير السنة التي قبلها .
وفيها توفي الإمام إسحاق بن رَاهَوَيْه(١) ، أحدُ الأعلام وعلماء الإسلام ، والمجتهدين من الأنام .
(٢)
وبشر بن الوليد ، الفقيه الحنفي
وطالوت بن عبَّا(٣)
ومحمد بن بكار بن الريان (٤) .
ومحمد بن البُرْجُلانِيُ(٥) .
ومحمّد بن أبي السّريّ العسقلاني(٦)
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومئتين
في المحرم منها زاد المتوكّلُ في التغليظ على أهل الذِّمَّة في التمييز في اللباس عن المسلمين ، وأكَّد
الأمر بتخريب الكنائس المُحدَثة في الإسلام .
وفيها : نَفَى المتوكّلُ عليَّ بن الجهم إلى خراسان .
وفيها : اتفق شعانين النَّصارى والنَّوروز(٧) في يوم واحد ، وذلك يوم الأحد ، العشرين من ذي
(١) أبو يعقوب، الحنظلي المروزي، سيّد الحفاظ، وشيخ المشرق. صاحب التصانيف. قال الإمام أحمد: لا أعلم
بالعراق له نظيراً، عاش سبعاً وسبعين سنة. سير أعلام النبلاء (٣٥٨/١١)، والعبر (٤٢٦/١).
(٢) بشر بن الوليد الكندي ، أبو الوليد ، قاضي العراق . تفقّه على أبي يوسف ، وسمع من مالك وطبقته . كان محمود
الأحكام ، كثير العبادة والنوافل ، محدّثاً صادقاً، مات وله سبع وتسعون سنة . سير أعلام النبلاء (١٠ / ٦٧٣)،
العبر (٤٢٧/١) .
(٣) أبو عثمان الصَّيرفيّ البصريّ، المعمّر، الثقة، له مشيخة عالية مشهورة. روى عن حمّاد بن سلمة وطبقته. سير
أعلام النبلاء (٢٥/١١)، والعبر (٤٢٧/١).
(٤) في آ، ظا، ط : الزيات ، وأثبت ما جاء في ب والمصادر. وهو محمد بن بكار بن الريان ، أبو عبد الله البغدادي
الرُّصافي ، مولى بني هاشم ، محدّث حافظ صدوق . عاش ثلاثاً وتسعين سنة . سير أعلام النبلاء (١١/ ١١٢)،
العبر (٤٢٨/١).
(٥) نسبة إلى قرية بُرجُلان، قرية من قرى واسط ، أو نسبة إلى محلة البُرجلانية . وهو محمد بن الحسين بن أبي شيخ
البرجلاني ، صاحب التواليف في الرقائق ، وعنه ابن أبي الدنيا كثيراً . سير أعلام النبلاء (١١٢/١١)، العبر
(٤٢٨/١)، اللباب (١٣٤/١).
(٦) أبو عبد الله ، الحافظ العالم الصادق ، من أوعية الحديث .
قال ابن عدي : كان كثير الغلط. سير أعلام النبلاء (١٦١/١١)، العبر (٤٢٩/١).
(٧) في ظا : والنَّيروز. وفي ط : يوم النيروز . ومعناهما بالفارسية اليوم الجديد ، وهو أول يوم من السنة الشمسية =

١٤٥
وفيات سنة ٢٣٩ هـ
القَعْدَة ، وزعمت النَّصارى أنَّ هذا شيء لم يتفق مثلُه في الإسلام إلا في هذا العام .
وغزا الصائفة عليٌّ بن يحيى المذكور(١). وحجَّ بالناس عبدُ الله بن محمّد بن داود بن عيسى بن
موسى بن محمد بن علي ، وهو والي مكّة .
قال ابنُ جرير(٢) : وفيها توفي أبو الوليد محمد بن القاضي أحمد بن أبي دواد الإيادي المعتزليّ .
قلت : وممن توفي فيها من الأعيان :
داود بن رُشَيد(٣)
وَصَفْوان بن صالح(٤) ، مؤذن أهل دمشق .
وعبد الملك بن حَبيب(٥) ، الفقيه المالكي ، أحد المشاهير .
وعثمان بن أبي شيبة ، صاحب ((التفسير)) و((المسند)) المشهور(٦).
ومحمد بن مِهْران الرازي(٧) .
ومحمود بن غَيْلانُ(٨) .
ووَهْب بن بَقِيَّةُ (٩) .
الإيرانية ، ويوافق اليوم الحادي والعشرين من شهر آذار من السنة الميلادية . وعيد النَّوْروز أو النَّيْروز أكبر أعياد الفرس .
=
في الطبري : علي بن يحيى الأرمني .
(١)
(٢)
تاريخ الطبري (١٩٦/٩) .
أبو الفضل الخوارزمي البغدادي ، مولى بني هاشم ، رحَّال جوَّال ، صاحب حديث ، حافظ ، ثقة ، من أبناء
(٣)
الثمانين. سير أعلام النبلاء (١٣٣/١١)، والعبر (٤٢٩/١).
(٤) أبو عبد الملك الثقفي الدمشقي، مؤذن جامع دمشق، كان حنفي المذهب ، الحافظ المحدث الثقة . سير أعلام
النبلاء (١١ /٤٧٥)، العبر (٤٣٠/١).
(٥) أبو مروان ، الأندلسي القرطبي المالكي ، فقيه الأندلس ، وأحد الأعلام . كان موصوفاً بالحِذق في الفقه ، كبير
الشأن ، بعيد الصيت ، كثير التصانيف ، إلا أنه لم يكن له علم بالحديث ، وليس فيه بحجة . من مصنفاته كتاب
الواضحة وغير ذلك. سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٠٢)، العبر (٤٢٧/١).
(٦) هو عثمان بن محمد بن القاضي أبي شيبة إبراهيم بن عثمان ، أبو الحسن العبسيّ الكوفي ، رحل ، وطوّف ، وصنف
التفسير والمسند ، وكان ثقة مأموناً، صاحب دعابة. سير أعلام النبلاء (١١ / ١٥١)، العبر (٤٣٠/١).
(٧) أبو جعفر الجمّال الرازي، ثقة حافظ ، جوّال، روى عن فضيل بن عياض وخلق كثير. سير أعلام النبلاء
(١١/ ١٤٣)، العبر (٤٣٠/١).
(٨) أبو أحمد المروزي ، محدّث مرو، الحافظ الحجّة، صاحب سنة. وثقه النسائي. سير أعلام النبلاء
(٢٢٣/١٢)، العبر (٤٣١/١).
(٩) وهب بن بَقِيّة بن عثمان بن سابور، أبو محمد الواسطي ، ويقال له : وَهْبان . كان ثقة ، قدم بغداد وحدّث بها .
سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٦٢)، العبر (٤٣١/١).

١٤٦
وفيات سنة ٢٣٩هـ
أحمد بن عاصم الأنطاكي(١): أبو علي الواعظ الزاهد أحد العبّاد، له كلام حسنٌ في الزُّهد ومعاملات
القلوب ، قال أبو عبد الرحمن السلميّ ، كان من طبقة الحارث المحاسبي ، وبِشر الحافي . وكان
أبو سليمان الدارانيّ يسميه جاسوسَ القلوب ، لحدَّة فِراسته .
روى عن أبي معاوية الضَّرير وطبقته .
وعنه : أحمد بن أبي الحَواري ، ومحمود بن خالد ، وأبو زُرْعَة الدِّمشقيّ ، وغيرهم .
وروى عنه أحمد بن أبي الحَواري ، عن مخلد بن الحسين ، عن هشام بن حسان ، قال : مررت
بالحسن البصري وهو جالس وقت السحر ، فقلت : يا أبا سعيد ، مثلك يجلس في هذا الوقت ؟ قال :
إني قد توضأت، فأردتها٢) أن تقوم فتصلي، فأبت عليَّ، وأرادتني(٣) على أن تنام فأبَيْتُ عليها .
ومن مستجاد كلامه : إذا أردتَ صلاح قلبك فاستعِنْ عليه بحفظ لسانك(٤).
وقال : من الغنيمة الباردة أن تصلحَ ما بقي من عمرك فيغفرَ لك ما مضى منه .
وقال أيضاً : يَسيرُ اليقين يُخرج الشَّكَّ كلَّه من القلب، ويَسيرُ الشَّكِّ يُخرجُ اليقين كلَّه منه.
وقال : من كان بالله أعرفَ كان منه أخْوَفَ .
وقال : خيرُ صاحبٍ لك في دنياك الهمُّ، يقطعُكَ عن الدُّنيا ويُوصلك إلى الآخرة٥) .
ومن شعره(٦) رحمه الله :
عَزَمْتُ ولكنَّ الفِطَامَ شَديدُ
هَمَمْتُ ولَمْ أعزِمْ ولو كنتُ صَادقاً
لَمَا كَنْتُ عَنْ قَصْدِ الطَّريقِ أحِيدُ
ولو كانَ لي عَقْلٌ وإيقانُ مُوقٍ
ولكنْ عنِ الأقدارِ كيفَ أحِيدُ
ولا كانَ في شَكِّ اليقينِ(٧) مَطَامِعِي
ومن شعره أيضاً :
(١) ترجمته في حلية الأولياء (٩/ ٢٨٠)، صفة الصفوة (٢٧٧/٤)، مختصر ابن عساكر (١٢٧/٣)، سير أعلام النبلاء
(٤٨٧/١٠ و٤٠٩/١١) .
(٢) في ط : وأردت نفسي على الصلاة.
(٣)
في أ: وأرادت .
(٤)
في ط : جوارحك .
الأقوال في مختصر ابن عساكر (١٢٧/٣-١٢٩).
(٥)
مختصر ابن عساكر (١٣٠/٣).
(٦)
في آ: الطريق .
(٧)

١٤٧
أحداث سنة ٢٤٠ هـ
وخلافُ الھوَى عَلْينا ثَقِيلُ
داعياتُ الهَوَى تخفُّ علينا
وَصْفُه اليَوْمَ ما عليه دَليلُ
فُقِدَ الصِّدْقُ(١) في الأماكنِ حتَّى
فُ ولا صَادِقاً بما قد يقولُ
لا نَرَى خائِفا٢ً) فيلزمُنا الخَوْ
نطلبُ الصِّدْقَ ما إليه وُصُولٌ(٣)
فَبَقْنا مُذَبْذَبين حَيـارَى
وله أيضاً :
وَخَلِّ عنْكَ عِنالٌ(٤) الهَمِّ يندَفِعُ
هَوِّنْ عليْكَ فَكُلُّ الأمْرِ يَنْقَطِعُ
وكلُّ كَرْبٍ إذا ما ضَاقَ يتَّسِعُ
فَكُلُّ ممِّ له مِنْ بعده فَرَجٌ
الْمَوْثُ يقْطَعُهُ أوْ سَوْفَ يَنْقَطِعُ
إِنَّ البَلاءَ وإنْ طالَ الزَّمانُ بِهِ
وقد أطال الحافظ ابنُ عساكر(٥) ترجمته ولم يؤرِّخْ وفاته ، وإنما ذكرته هاهنا تقريباً ، والله أعلم .
سنة أربعين ومئتين من الهجرة النبوية
فيها : عدا أهلُ حمصَ على عاملهم أبي المُغِيث (٦) موسى بن إبراهيم الرَّافقي(٧)، وكان قد قتل رجلاً
من أشرافهم ، فقتلوا جماعة من أصحابه ، وأخرجوه من بين أظهرهم ، فبعث إليهم المتوكّل أميراً عليهم،
وقال للسفير معه: إن قبلوه(٨) وإلا فأعلمني ، فقبلوه ، فعمل فيهم الأعاجيبَ ، وأهانهم غاية الإهانة .
وفيها : عزل المتوكّلُ القاضي يحيى بن أكثم عن قضاء القضاة(٩) ، وصادره بما مبلغه ثمانون ألفَ
دينار ، وأخذ منه أراضيَ كثيرةً في أرض البصرة ، وولَّى مكانه جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن
سليمان بن علي على قضاء القضاة (١) .
في أ : الصبر .
(١)
(٢)
في آ: الخوف .
في ب ، ظا ، ط : سبيل .
(٣)
(٤)
في ط : ضباب .
ترجمته في ابن عساكر ناقصة في نسخ دار الكتب الظاهرية ، وهي في مختصر ابن عساكر لابن منظور (١٢٧/٣) وما
(٥)
بعد .
في ط: (( الغيث)) خطأ. وتنظر ترجمته في تاريخ دمشق (٣٨٨/٦٠).
(٦)
(٧)
في الطبري وابن الأثير : الرافعي ، خطأ .
(٨) فياً: قتلوه .. فقتلوه .
(٩) في ا : البصرة .
(١٠) في آ: البصرة.

١٤٨
أحداث سنة ٢٤٠ هـ
قال ابن جرير(١) : وفي المحرّم منها توفي أحمد بن أبي دواد بعد ابنه بعشرين يوماً .
وهذه ترجمة أحمد بن أبي دُوَاد القاضي (٢): أحمد بن أبي دُواد - واسمه الفرج، وقيل: دُعْمَيّ،
والصحيح أن اسمه كنيته - بن جرير القاضي ، أبو عبد الله الإياديّ المعتزليّ .
قال ابن خلكان(٣) في نسبه : هو أبو عبد الله أحمد بن أبي دُوَاد فرج بن جرير بن مالك بن عبد الله بن
عَبَّاد بن سَلام [ بن مالك ] بن عبد هند بن عبد لَخْم بن مالك بن قَنَص بن مَنَعة بن برجان بن دَوْس بن
الدُّئِلِ(٤) بن أُميَّة بن حذافة بن زُهر بن إياد بن نزار بن معدّ بن عدنان.
قال الخطيب(٥) البغدادي: ولي ابنُ أبي دُوَاد قضاء القضاة للمعتصم ، ثم للواثق ، وكان موصوفاً
بالجود والسَّخاء ، وحسن الخلق ، ووفور الأدب ، غير أنَّه أعلن بمذهب الجَهْميّة ، وحمل السلطان(٦)
على امتحان الناس بخلق القرآن (٧) .
قال الصّولي(٨): لم يكن بعد البرامكة أكرم منه ، فلولا ما وضع من نفسه من محبة المِحْنة لاجتمعت
عليه الألسن .
قالوا : وكان مولده في سنة ستين ومئة ، وكان أسنَّ من يحيى بن أكثم بعشرين (٩) سنة .
قال ابن خلكانُ(١٠): وأصله من بلاد قِنَّسْرينُ(١١)، وكان أبوه تاجراً يفدُ إلى الشام، ثم أخذ ولدَه معه
(١) تاريخ الطبري (٩/ ١٩٧).
(٢) ترجمته في تاريخ بغداد (١٤١/٤)، وفيات الأعيان (٨١/١)، مختصر ابن عساكر (٦٦/٣)، سير أعلام النبلاء
(١٦٩/١١)، الوافي بالوفيات (٧/ ٢٨١)، شذرات الذهب (٩٣/٢).
(٣)
وفيات الأعيان (١/ ٨١) .
في النسخ غير مقروءة، وأثبت ما جاء في الجمهرة (٣٢٨)، ووفيات الأعيان .
(٤)
(٥)
تاريخ بغداد (١٤٢/٤)، ومختصر ابن عساكر (٦٦/٣).
(٦)
في ب ، ظا : الخليفة .
(٧)
بعدها في ط : وأن الله لا يُرى في الآخرة.
(٨)
تاريخ بغداد (١٤٢/٤)، ومختصر ابن عساكر (٧٠/٣).
تاريخ بغداد (١٤٢/٤) وهو مخالف لما ذكر عن ولادة يحيى بن أكثم ، إذ أجمعت المصادر أنه ولد أيضاً نحو سنة
(٩)
١٥٩ هـ. وفيات الأعيان (٨٩/١).
(١٠) وفيات الأعيان (١/ ٨١).
(١١) ((قِنَّسرين)): بكسر أوله، وفتح ثانيه وتشديده. وقد كسره قوم، ثم سين مهملة. كانت وحمص شيئاً واحداً،
فتحت على يد أبي عبيدة بن الجراح ، رضي الله عنه سنة ١٧ هـ . ياقوت.

١٤٩
أحداث سنة ٢٤٠ هـ
إلى العراق ، فاشتغل بالعلم ، وصحب هَيّاج بن العلاء السّلمي ، أحد أصحاب واصل بن عطاء ، فأخذ
عنه الاعتزال .
وذكر(١) أنه كان يصحب يحيى بن أكثم القاضي ويأخذ عنه العلم . ثم سرد له ترجمة طويلة في كتاب
الوفيات(٢). وقد امتدحه بعض الشعراء فقال(٣):
رَسُولُ (٤) اللهِ والخلفاءُ مِنَّا ومنَّا أحمَدُ بنُ أبي دُوَادِ
فردَّ عليه بعضُ الشعراءُ(٥) فقال :
وَهُمْ في الأرضِ ساداتُ العِبادِ
فَقُلْ للفاخرينَ علی نِزارٍ
ونَبَرَأ من دَعِيّ بني إيادٍ
رَسُولُ اللهِ والخلفاءُ مِنَّا
بدَعْوَةِ أحمَدَ بنِ أبي دُوَادِ
ومامِنَّا إيادٌ إذا أقرَّتْ
فلمَّا بلغ ذلك أحمد بن أبي دُوَاد ، قال : لولا أني أكره العقوبة لعاقبْتُ هذا الشاعر عقوبةً ما فعلَها
أحدٌ ، وعفا عنه .
قال الخطيب(٦): حدثني الأزهري ، حدّثنا عمر بن أحمد الواعظ ، حدثنا عمر بن الحسن بن علي بن
مالك ، حدثني جرير بن أحمد أبو مالك ، قال : كان أبي - يعني أحمد بن أبي دُوَاد - إذا صلَّى رفَعَ
يديه (٧) إلى السّماء وخاطَبَ ربَّه، وأنشأ يقولٌ(٨):
ما أنتَ بالسَّبَبِ الضَّعِيفِ وإنَّما نُجْحُ الأمورِ بقوَّةِ الأسبابِ
واليومَ حاجَتُنا إليكَ وإنَّما يُدْعَى الطَّبِيبُ لِسَاعَةِ الأوصابِ(٩)
(١) وفيات الأعيان (١/ ٨٤) .
(٢) وفيات الأعيان (١/ ٨١ - ٩١).
(٣) وفيات الأعيان (٨٦/١) ضمن أبيات خمسة قالها مروان بن أبي الجنوب، تاريخ بغداد (١٤٣/٤)، مختصر ابن
عساكر (٦٧/٣) .
(٤) حتى قوله : سادات العباد ساقط في آ.
(٥) هو أبو هِفان المَهْزَميّ، كما في وفيات الأعيان (٨٧/١)، وتاريخ بغداد (١٤٣/٤)، ومختصر ابن عساكر
(٦٧/٣) .
(٦)
تاريخ بغداد (٤ /١٤٣) .
في ب ، ظا وتاريخ بغداد : يده .
(٧)
تاريخ بغداد (١٤٣/٤)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (٧٠/٣).
(٨)
(٩) الأوصاب : الأمراض ، مفردها : الوصب .

١٥٠
أحداث سنة ٢٤٠ هـ
ثم روى الخطيب(١): أنَّ أبا تمام دخل يوماً على ابن أبي دُوَاد ، فقال له : أحسبك عاتباً
[ يا أبا تمام ]٢)؟ فقال: إنَّما يُعْتَبُ على واحدٍ وأنتَ النَّاسُ جميعاً. فقال له: أنَّى لك هذه؟ فقال:
من ٣) قول أبي نواس :
وليسَ لله(٤) بِمُسْتَنْكَرٍ أَن يَجْمَعَ العالَم في واحدٍ
وامتدَحه أبو تمام يوماً فقال(٥) :
مَحَاسِنُ أحمَدَ بنِ أبي دُوَاد
لقد أنْسَتْ مَسَاوِىءَ كُلِّ دَهْرٍ
وَمِنْ جَدْوَاكَ راحِلَتِي وَزَادِي
وما سافَرْتُ في الآفاقِ إلا
وإنْ قَلِقَتْ رِكابي في البلادِ
يُقِيمُ الظّنُّ عِنْدَكَ والأمانِي
فقال له : هذا المعنى تفردت به أو أخذتَه من غيرك ؟ فقال: هو لي ، غير أني ألممت (٦) بقول
أبي نواس(٧) :
وإِنْ جَرَتِ الأَلْفَاظُ يَوْماً بمدْحةٍ لِغَيْرِكَ إنساناً فأنْتَ الَّذِي نَعْنِي
وقال محمد بن يحيى الصولي: ومن مختار مديح أبي تمام لأحمدَ بن أبي دُوَاد قولُ(٨) :
ومَا لَكَ إنْ عُدَّ الكِرامُ نَظِيرٌ
أأحْمَدُ إنّ الحاسِدينَ كَثيرُ
مِنَ المَجدِ ، والفَخْرُ القديمُ فَخُورُ(١١)
حَلَلْتَ مَحَلاَّ فاضِا(٩) متقادماً (١)
تاريخ بغداد (٤/ ١٤٤)، مختصر تاريخ ابن عساكر (٧٠/٣).
(١)
زيادة من تاريخ بغداد ومختصر تاريخ ابن عساكر .
(٢)
في تاريخ بغداد ومختصر ابن عساكر : من قول الحاذق - يعني أبا نواس - الفضل بن الربيع.
(٣)
في ط : ((وليس على الله))، وماهنا من النسخ، وهو الموافق لجميع النسخ الخطية من تاريخ الخطيب ، كما يظهر
(٤)
من تعليق الدكتور بشار عواد على طبعته منه (٥/ ٢٣٧) والبيت من السريع ، والمصنف ينقل من تاريخ الخطيب .
ديوانه (١/ ٣٧٤)، وتاريخ بغداد (١٤٥/٤)، ومختصر ابن عساكر (٧١/٣).
(٥)
(٦)
في ط : ألمحت ، وفي ب ، ظا : أتممت قول .
(٧)
تاریخ بغداد (١٤٥/٤) .
(٨)
دیوانه (٢١٨/٢)، تاریخ بغداد (١٤٥/٤).
في النسخ : قاضياً ، وأثبت ما جاء في ط والديوان .
(٩)
(١٠) الديوان: متقدِّماً .
(١١) ويروى فخور، بضم الفاء، ومعناه: أن الفخر القديم يقوم مقام الفخور الكثيرة ، ومن فتحها أراد أن الإنسان إذا
كان له شرف قديم فكأنه يفخر ، لأنه لا اختلاف في أن ما قدم من المآثر أفضل من المحدثات . الديوان (٢١٨/٢)
حاشية (٣) .

١٥١
أحداث سنة ٢٤٠ هـ
إليكَ وإنْ نالَ السَّماءَ فَقِيرُ
فَكُلُ غَنِيٍّ أو فَقِيرٍ فإنَّهُ(١)
يَصيرُ فما يَعْدُوكَ حَيْثُ يَصِير(٢)
إليكَ تَنَاهَى المَجْدُ مِنْ كُلِّ وِجْهَةٍ
كذاكَ إيادٌ للأنامٍ بُدورُ
وبَدْرُ إيادٍ أنْتَ لا يُنْكِرُونَهُ
وأنْتَ لِمَنْ يُدْعَى الأميرَ أمِيرٌ(٣)
تَجَنَبْتَ أنْ تُدْعَى الأمِيرَ تَوَاضُعاً
وما رِفْعَةٌ إلا إليكَ تَشِير(٤)
فَمَا مِنْ نَدَى إلا إليْكَ مَحَلُّهُ
قلت : وقد أخطأ الشاعر في هذا خطأ كبيراً، وأفحَشَ في المبالغة كثيرا٥) .
وقال أحمد بن أبي دُوَاد يوماً لبعضهم : لِم لا تسألني ؟ فقال له : لأني لو سألتك أعطيتُك ثمن(٦)
ما تعطيني ، فقال له : صدقْتَ، وأرسَلَ إليه بخمسة آلاف درهم(٢) .
وقال ابنُ الأعرابي : سأل رجلٌ من [ أصحاب ]٨) ابن أبي دُوَاد أن يحمله على عَيْر(٩) ، فقال :
يا غلام، أعطه عيْراً وبَغْلاً وبِرْذَون١٠ٌ) وفرساً وجاريةً، ثم قال له : لو أعلم مركوباً غيرَ هذا
لأعطيتك(١١). ثم أورد الخطيبُ(١٢) بأسانيده عن جماعة من الناس في أخبارٍ تدُلُّ على كرمه،
وفصاحته ، وأدبه ، وحلمه ، ومبادرته إلى قضاء الحاجات ، وعظم(١٣) منزلته عند الخلفاء .
وذكر(١٤) عن محمد المهتدي بن الواثق : أنَّ شيخاً دخل يوماً على الواثق ، فسلَّم ، فلم يردّ عليه
الخليفة ، بل قال : لا سلَّمَ اللهُ عليك . فقال : يا أميرَ المؤمنين ! بئس ما أدَّبك معلِّمُك ، قال الله تعالى :
﴿﴿ وَإِذَا حُبِّيِتُم بِشَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ [النساء: ٨٦] فلا حيَّيتني بأحسَنَ منها ولا رددتَّها . فقال
(١) الديوان : فكلُّ قويٍّ أو غنيٌّ فإنَّه.
(٢) الديوان : حين تصير ، وقال التبريزي في شرحه : تقديره : يصير حين تصير فما يعدوك .
(٣) سقط هذا البيت من نسخة آ واستدرك من ب ، ظا، وقد تأخر في الديوان عمايليه . وترتيبه هنا كما ورد في تاريخ
بغداد .
في أوتاريخ بغداد : تشير ، وأثبت ما جاء في ب ، ظا والديوان .
(٤)
بعده في ط : ولعله إن اعتقد هذا في مخلوق ضعيف مسكين ضال مضل ، أن يكون له جهنم وساءت مصيراً .
(٥)
(٦)
في ط : ثمن صلتك .
تاريخ بغداد (١٤٥/٤)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (٧١/٣).
(٧)
تكملة من ب ، ظا .
(٨)
((العَيْر)) : الحمار .
(٩)
(١٠) ((البِرْذون)): ضرب من الدواب يخالف الخيل العراب، عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، وجمعها بَرَاذين.
(١١) مختصر تاريخ ابن عساكر (٧٣/٣).
(١٢) تاريخ بغداد (١٤٦/٤).
(١٣) في ب، ظا: عظمة ، وفي ط : عظيم.
(١٤) تاريخ بغداد (١٥١/٤ _ ١٥٢)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (٧٧/٣) .

١٥٢
أحداث سنة ٢٤٠ هـ
القاضي أحمد بن أبي دُوَاد : يا أميرَ المؤمنين ، الرجلُ متكلّم . فقال : ناظره . فقال له القاضي :
ما تقولُ يا شيخُ في القرآن ، أمخلوق هو ؟ فقال له الشيخ: لمُ(١) تنصفني ، المسألة لي . فقال : قل .
فقال : هذا الذي تقوله علمَه رسولُ اللهِ وَل وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ أو ما علموه؟ فقال: لم
يعلموه . قال : فأنتَ علمت ما لَمْ يعلَموا ؟ فخجل وسكت . ثم قال : أقلني ، بل علموه ، قال : فلم
لا دعوا إليه الناسَ كما دعوتهم أنتَ ، أمَا وسعَكَ ما وسعهم؟ فسكت ابن أبي دُوَاد . وأمر الواثق له
بجائزة نحو من أربعمئة دينار .
قال المهتدي : فدخل أبي المنزل واستلقى على قفاه(٢) ، وجعل يكرِّرُ قولَ الشيخ على نفسه ،
ويقول : أمَا وسِعَكَ ما وسعهم ؟ ثم أطلق (٣) الرجلَ وأعطاه أربعمئة دينار، وردّه إلى بلاده، وسقط من
عينه أحمد بنُ أبي دُوَاد، ولم يمتحن بعدَه أحداً . رواه الخطيب (٤) البغدادي في (( تاريخه )) بإسنادٍ فيه
بعضُ من لا أعرفه ، وساقها مطوّلةً وفيها نكارة .
وقد أنشد ثعلبٌ عن أبي الحجَّاج الأعرابي ، أنَّه قال في ابن أبي دُوَاد :
فَأصْبَحَ مَنْ أَطَاعَكَ فِي ارْتِدَادِ
نَكَسْتَ الدِّينَ یا بْنَ أبي دُوَاد
أمَا لَكَ عندَ ربِّكَ مِنْ مَعادٍ
زَعَمْتَ كلامَ ربِّكَ كان خَلْقاً
وأنزَلَهُ على خَيْرِ العبادِ
كلامُ اللهِ أَنزَلَهُ بعلم
كَمَنْ حَلَّ الفَلاةَ بغيرِ زَادِ
ومَنْ أمْسَى ببابِكَ مستَضيفاً
بقَوْلِكَ إِنَّنِي رَجُلٌ إيادِي
لقدْ أطرفْتَ يا بْنَ أبي دُوادٍ
ثم قال الخطيب(٥) : أنبأ القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري ، قال : أنشدنا المعافَى بن
زكريا الجريري ، عن محمد بن يحيى الصّولي لبعضهم ، يهجو أحمد بن أبي دُوَاد :
وكَان عَزْمُكَ عَزْماً فيه توفيقُ
لو كُنْتَ في الرأي منسُوباً إلى رَشَدِ
عن أن تقولَ : كتابُ الله مخلُوقُ
لكان في الفقه شغلٌ لو قَنِعْتَ به
ما كان في الفرع، لولا الجهلُ والمُوقُ
ماذا عَلَيْكَ وأصلُ الدِّين يجمَعُهُمْ
وقد تقدمت(٦) هذه الأبيات .
في ا: لِم لا تنصفني .
(١)
في ط: ((ظهره))، وماهنا من ب ، ظا، وتاريخ الخطيب .
(٢)
(٣)
في ب ، ظا : ثم أمر بإطلاق الرجل وإعطائه .
(٤)
تاريخ بغداد (١٥٢/٤).
(٥)
المصدر السابق .
تقدمت في حوادث سنة (٢٣٧) ، رواها ابن جرير الطبري ونسبها إلى أبي العتاهية .
(٦)

١٥٣
أحداث سنة ٢٤٠ هـ
وروى الخطيب(١) عن يحيى الجلاء أو أحمد بن الموفَّق أنه قال: ناظَرني رجلٌ من الواقِفيّةُ(٢) في خَلْق
القرآن ، فنالني منه ما أكرَه ، فلما أمْسَيْتُ أتيتُ امرأتي ، فوضعَتْ ليَ العشاء فلم أقدرْ أن أنالَ منه شيئاً .
ونمت فرأيتُ رسولَ اللهَ وََّ في المسجد الجامع، وهناك حَلْقة فيها أحمدُ بن حنبل وأصحابه، [وحَلْقَة
فيها أحمد بن أبي دُوَاد وأصحابه (٣)، فجعل رسولُ اللهِوَ له يقرأ هذه الآية: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ﴾ ويشير
إلى حلقة ابن أبي دُوَاد، ﴿ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ [ الأنعام: ٨٩]. ويشير إلى أحمد بن حنبل
وأصحابه ، رحمهم الله .
وقال بعضهم : رأيت في المنام [ ليلة مات أحمد بن أبي دُوَاد }٤) ، كأنَّ قائلاً يقول : هَلَكَ الليلةَ
أحمدُ بن أبي دُوَاد . فقلت : وما سببُ هلاكه؟ فقال : أغضَبَ اللهَ عليه فغضِبَ عليه من فوق سبع
سماوات .
وقال بعضهم : رأيت في تلك الليلة كأنَّ النَّار زفرت زفرةً عظيمةً فخرج منها اللهب ، فقلت :
ما هذا ؟ فقيل : هذه أُعِدَّت لابن أبي دُوَاد .
وقد كان موته في يوم السبت لسبع(٥) بقيت من المحرم من هذه السنة ، وصلَّى عليه ابنه العباس ،
ودفن في داره ببغداد وعمره يومئذ ثمانون سنة . وكان قد فلج ، قبل موته بأربع سنين ، وبقي طريحاً في
فراشه لا يقدر أن يحرِّكَ شيئاً من جسده(٦) .
وقد دخل عليه بعضهم فقال له : والله ما جئتك عائداً، ولكن جئتك لأحمدَ الله عزَّ وجلَّ على أن
سجنك في جسدك(٧) .
وقد صودر في العام الماضي بأموال جزيلة جد(٨)، كما تقدَّمُ(٩) بيانه .
قال ابن خلكان١٠) : وقد كان مولده في سنة ستين ومئة .
تاريخ بغداد (١٥٣/٤)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (٧٦/٣). وفيهما : علي بن الموفق بخلاف الأصول.
(١)
(٢) ((الواقفية)): فرقة من المتصوفة والمبطلة.
(٣)
زيادة في ب ، ظا .
(٤)
زيادة من ب ، ظا .
(٥)
في ظا: لتسع ، وفيات الأعيان (١/ ٩٠).
(٦)
بعدها في ط : وحرم لذة الطعام والشراب والنكاح وغير ذلك .
بعدها في ط : الذي هو أشد عليك عقوبة من كل سجن ، ثم خرج عنه داعياً عليه بأن يزيده الله ولا ينقصه مما هو
(٧)
فيه ، فازداد مرضاً إلى مرضه .
(٨) بعدها في ط : ولو كان يحمل العقوبة لوضعها عليه المتوكل.
(٩) تقدم في حوادث سنة (٢٣٧) .
(١٠) وفيات الأعيان (٨٩/١).

١٥٤
وفيات سنة ٢٤٠ هـ
قلت : فعلى هذا يكونُ أسنَّ من أحمد بن حنبل ، ومن يحيى بن أكثم الذي ذكر ابنُ خلكان أنَّه كان
سبب اتصاله بالمأمون على يديه ، فحظي عنده بحيث إنه أوصى به إلى أخيه المعتصم ، فولاه المعتصم
القضاء ، وعزل ابن أكثم . وكان لا يقطع أمراً دونه ، فكان عنده خصيصاً ، ولاه القضاء والمظالم . وكان
ابنُ الزيات الوزيرُ يبغضه ، وبينهما منافسات وهجو(١) كما تقدَّم .
وقد بالغ ابن خلكان(٢) في ترجمته ومدحه وقرَّظه وذكره من مآثره ومحاسنه ، فأطنَبَ وأكثر ، وما
أطيب . ولم يذكر شيئاً من مساوئه ، بل ذكر امتحانه للإمام أحمد بن حنبل ذكراً موجزاً بأطراف الأنامل ؛
وهي المحنة التي هي أسُ(٣) ما بعدها من المحن ، والفتنة التي فتحت على الناس أبواب الفتن .
وذكر [ ابن خلكان (٤) ما ضُرب به من الفالج، وما صُودِرَ به من المال ، وأن ابنَه أبا الوليد محمداً
صُودِرَ بألف ألف دينارٍ ومئتي ألف دينار ، وأنَّه مات قبل أبيه بشهر .
وأما الحافظ ابنُ عساكر(٥) فإنَّه بسَطَ القول في ترجمته وشرحها شرحاً مليجاً .
وقد كان الرجل أديباً فصيحاً كريماً جواداً ممدَّحاً ، يؤثر العطاء على المنع ، والتفرقة على الجمع ،
وقد روى [ ابن عساكر]٦) بإسناده: أنَّه جلس يوماً مع أصحابه ينتظرون خروجَ الواثق، فقال(٧)
القاضي : إنَّه ليعجبني هذان البيتان :
بِنَظْرَتِهِ أَنْثَى لَقَدْ حَبِلَتْ مِنِّي
ولي نَظْرَةٌ لَوْ كانَ يُحْبِلُ نَاظِرٌ
إلى نَظَري إثْناً فإنَّ ابنَها مِنِّي(٩)
فإِنْ وَلَدَتْ ما بَيْنَ(٨) تِسْعَةِ أَشْهُرٍ
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
أبو ثور ، إبراهيم بن خالد الكلبي١٠١)، أحدُ الفقهاء المشاهير ؛ قال الإمام أحمد : هو عندنا في
(١)
في ب ، ظا : هجر .
(٢) وفيات الأعيان (١/ ٨١ - ٩١).
في ب ، ظا : رأس . وأسُّ الشيء : أصله .
(٣)
زيادة من ( ط): وفيات الأعيان (٨٩/١ - ٩٠).
(٤)
مختصر ابن عساكر لابن منظور (٦٦/٣ - ٧٨) .
(٥)
زيادة من ط ، مختصر ابن عساكر (٧٥/٣) وفيه البيتان.
(٦)
(٧)
في ط : فقال ابن أبي دواد .
(٨)
في ب ، ظا : من بعد .
(٩) فياً: إلى نظرٍ، وفي مختصر ابن عساكر: إلى نظري أنثى فإن ابنها ابني.
(١٠) ويكنى أيضاً أبا عبد الله البغدادي، مفتي العراق، أحد الأعلام ، تفقه بالشافعي، وبرع بالعلم ولم يقلِّد أحداً. سمع
من سفيان بن عيينة وغيره . سير أعلام النبلاء (١٢ / ٧٢)، العبر (٤٣١/١).

١٥٥
وفيات سنة ٢٤٠ هـ
مِسْلاخُ(١) الثوريّ .
وخليفةُ بنُ خَيَّاط ، أحدُ أئمة التاريخ(٢) .
وسُوَيد بنُ سعيد الحَدَثاني(٣)
وسُوَيد بنُ نِصْرُ
. (٤)
وعبد السلام بن سعيد ، الملقب بسُحْنُون ، أحدُ فقهاء المالكية المشهورين .
وعبد الواحد بن غِيات(٥)
وقتيبة بن سعيد ، شيخ الأئمة الستة(٦).
وأبو العَمَيْثَل(٧): عبد الله بن خُلَيْد(٨) ، كاتب عبد الله بن طاهر وشاعره ، كان عالماً باللغة وله فيها
مصنفات عديدة أورد منها القاضي ابن خلكان جملة . ومن شعره يمدَحُ عبدَ الله بن طاهر(٩) :
يا مَنْ يُحاوِلُ أنْ تَكُونَ صِفاتُهُ كصفاتِ عبدِ اللهِ أَنْصِتْ واسْمَعٍ
حَجَّ الحَجیجُ إليه فاسْمَعْ أو دَعِ
فلأنْصَحَنَّكَ في خِصالٍ والَّذِي
(١) أي على هيئته وهديه وطريقته . والمِسْلاخ: الجلد. وفي حديث عائشة: ما رأيت امرأة أحبَّ إليَّ أن أكون في
مِسلاحها من سَوْدَةَ ، تمنَّت أن تكون في مثل هديها وطريقتها . التاج : سلخ . والنهاية (٣٨٩/٢).
(٢) أبو عمرو العُصْفُريُّ البصريّ، المعروف بشَباب، صاحب التاريخ والطبقات وغير ذلك. وعُصْفُر: فخذ من
العرب. كان عالماً بالنسب والسِّير وأيام الناس ، من أبناء الثمانين. تهذيب الكمال (٣١٤/٨)، والعبر
(٤٣٢/١) .
(٣) سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار، أبو محمد الهَرَوي الحَدَثاني ، نزيل حديثة الفرات ( حديثة النورة ) ، بليدة
تحت عانة ، وفوق الأنبار . محدّث مكثر ، صاحب حديث وعناية بهذا الشأن ، رحّال جوّال ، قال أبو حاتم :
صدوق، كثير التدليس . بلغ مئة سنة . سير أعلام النبلاء (١١/ ٤١٠)، والعبر (٤٣٢/١).
(٤) أبو الفضل المروزيّ ، ويعرف بالشاه ، إمام ، محدّث ، حدث عن ابن المبارك وابن عيينة .
سير أعلام النبلاء (٤٠٨/١١)، والعبر (٤٣٢/١).
(٥) عبد الواحد بن غياث المِربديّ البصري ، أبو بحر الصيرفي . ذكره ابن حبان في الثقات . تهذيب التهذيب
(٤٣٨/٦) .
(٦) في آ: أئمة السنة، وفي ط : الأئمة والسنة، وما أثبته من ب، ظا. وهو قُتَيبة بن سعيد بن جميل بن طريف
الثقفي، البلخي ، البَغلاني، أبو رجاء . اسمه يحيى: وقيل : علي ، وقتيبة لقبه . سمع مالكاً والليث والكبار ،
ورحل العلماء إليه من الأوطان. وكان محدِّث خراسان، ثقة. سير أعلام النبلاء (١١/ ١٣)، والعبر (٤٣٣/١).
ترجمته في وفيات الأعيان (٨٩/٣)، وسمط اللآلي (٣٠٨)، والأعلام للزركلي (٤/ ٢٤٠).
(٨) في ط: ((خالد))، محرف.
(٧)
(٩) وفيات الأعيان (٨٩/٣)، ومرآة الجنان (١٣٠/٢).

١٥٦
أحداث سنة ٢٤١ هـ
واصْفَحْ وكافٍ ودارٍ(١) واخْلُمْ واشجعِ
أصْدُقْ وَعِفَّ وبرَّ واصْبِرْ واحْتَمِلْ
واحْزُمْ وجدّ وحَامٍ واحِمِلْ وادْفَعِ
والْطُفْ ولِنْ وتَأنَّ وازْفُقْ وائِدُ(٢)
وهُديتَ لِلنَّهِجِ الأَسَدِّ المَهْيَعُ(٣)
فلقد محضْتُكَ إن قبلْتَ نَصِيحَتي
سُحْنُون المالكي صاحبُ المُدَوَّنة٤ُ) : هو أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب بن حسان بن
هلال بن بكار بن ربيعة التَّنُوخِيّ ، أصلُه من مدينة حمص ، فدخل به أبوه مع جندها بلادَ المغرب فأقام
هنالك ، وانتهت إليه رياسة مذهب مالك هنالك .
وكان قد تفقَّه على ابن القاسم ، وسببه أنَّه قدم أسدُ بنُ الفرات المالكيُّ من بلاد العراق إلى بلاد
مصر ، فسأل عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك عن أسئلة كثيرة فأجابه عنها ، فعَقَلَها عنه ،
ودخل فيها بلادَ المغرب فانتسخها منه سُحْنون ، ثم قدمَ على ابن القاسم مصرَ فأعاد سُؤْلَه عنها ، فزاد فيها
ونقص ، ورجع عن أشياء منها ، ورتَّبها سُحْنون ، ورجع بها إلى بلاد المغرب ، وكتب معه ابنُ القاسم
إلى أسَد بن الفرات أن يعرض نسخته (٥) على نسخة سُخْنون ويصلحَها بها فلم يقبَلْ ، فدع(٦) عليه ابنُ
القاسم، فلم ينتفع به ولا بكتابه، وصارت الرحلة إلى سُخْنون، وانتشرت عنه ((المُدوَّنةُ))، وساد أهلَ
ذلك الزمان ؛ وتولَّى القضاء بالقيروان إلى أن توفي في هذه السنة عن ثمانين عاماً ، رحمه الله .
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومثتين
في جمادى الآخرة من هذه السنة وثبّ أهلُ حمصَ أيضاً على عاملهم محمد بن عبدَوَيْه ، فأرادوا
قتله ، وساعدهم نصارى أهلِه أيضاً عليه، فكتب إلى الخليفة يُعلمه بذلك ، فكتب إليه يأمره
بمناهضتهم ، وكتب إلى متولّي دمشق أن يمدَّه بجيشٍ من عنده ؛ ليساعده على أهل حِمْصَ ، وكتب إليه
أن يضربَ ثلاثةً منهم معروفين بالشرِّ بالسّياط حتى يموتوا ، ثم يصلُبهم على أبواب البلد ، وأن يضربَ
في ط : و کافیء دار .
(١)
(( أَئِدِ )) : تمهل .
(٢)
(( المَهْيَع)) : الواضح البيِّن.
(٣)
ترجمته في وفيات الأعيان (١٨٠/٣)، وسير أعلام النبلاء (٦٣/١٢)، والعبر (٤٣٢/١)، وترتيب المدارك
(٤)
(٥٨٥/٢)، والديباج المذهب (٣٠/٢)، رياض النفوس (٢٤٩/١)، مرآة الجنان (١٣١/٢).
وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء تفسير ((سحنون)) بأنه اسم طائرٍ بالمغرب ، يوصف بالفطنة والتحرُّز، وهو بفتح
السين وضمِّها .
(٥)
(٦)
وهي المسماة الأسديّة .
في سير أعلام النبلاء (٢٢٦/١٠): قال: اللهم لا تبارك في الأسديّة، فهي مرفوضة عند المالكية ، وخبر المسائل
الأسدية في ترتيب المدارك للقاضي عياض (٤٦٩/٢) وما بعدها .

١٥٧
أحداث سنة ٢٤١ هـ
عشرين آخرين منهم ، كلّ واحدٍ منهم ثلاثمئة ثلاثمئة ، وأن يرسلهم إلى سامرًا مقيّدين في الحديد ، وأن
يخرج كلَّ نصرانيٍّ بها ، وأن يهدمَ كنيستها العظمى التي إلى جانب المسجد الجامع ، ويضيفها إليه ، وأمر
له بخمسين ألف درهم ، وللأمراء الذين ساعدوه بصِلات سنيَّة ، فامتثل ما أمره به الخليفةُ في أهل
حمصَ .
وفي هذه السنة ضُرب رجلٌ ببغداد يقال له : عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصمُ(١) ، ضرباً شديداً
مبرِّحاً ، يقال : إنه ضرب ألف سوط حتى مات ، وذلك لأنه شهدَ عليه سبعةَ عشرَ رجلاً عند قاضي الشرقية
أبي حسّان الزيادي أنه يشتمُ(٢) أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة ، رضي الله عنهم أجمعين. فرفع أمره إلى
الخليفة ، فجاء كتابُ الخليفة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين نائب بغداد يأمره أن يضرب هذا
الرجل بين الناس حدَّ السّب ، ويضرب بالسّياط حتَّى يموت ، ويلقى في دجلة ولا يصلّى عليه ، ليرتدع
بذلك أهلُ الإلحاد والمعاندة ، ففعل معه ذلك ، قبَّحه الله ولعنه . ومثل هذا يكفّر إن كان قد قذف عائشة
أمّ المؤمنين بالإجماع، ومن (٣) قذف من سواها من أمهات المؤمنين قولان ، والصحيح أنَّه يكفّر أيضاً ،
لأنهن أزواج رسول الله وليد .
قال ابن جرير(٤) : وفي هذه السنة انقضّت الكواكب ببغداد وتناثرت ، وذلك ليلة الخميس لليلة خلت
من جمادى الآخرة .
قال(٥) : وفيها : مُطِر الناس في آب مطر(٦) شديداً جداً .
قال(٧): وفيها مات شيء كثير من الدّواب والبقر .
قال(٨): وفيها أغارت الرّوم على عَينِ زَرْبى (٩) فأسَروا مَنْ بها من الزّطّ، وأخذوا نساءهم وذراريّهم
ودوابهم .
(١) أضاف الطبري بعده : صاحب خاقان عاصم ببغداد .
(٢)
في ب ، ظا والطبري : شتم .
(٣)
في ب ، ظا : وفي قذف ، وفي ط : وفيمن .
(٤)
تاريخ الطبري (٢٠١/٩) .
(٥)
تاريخ الطبري (٢٠٠/٩).
(٦)
في ا، ظا : مطر شديد .
تاريخ الطبري (٢٠١/٩) ونصه فيه: وفيها وقع بها الصدام فنفقت الدواب والبقر .
(٧)
الطبري (٢٠١/٩).
(٨)
عين زربى : بلد بالثغر من نواحي المصيصة . ياقوت .
(٩)

١٥٨
أحداث سنة ٢٤١ هـ
قال(١): وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، وكان ذلك ببلاد طَرَسُوسَ بحضرة قاضي القضاة
جعفر بن عبد الواحد ، عن إذن الخليفة له في ذلك ، واستنابته ابن أبي الشّوارب . فكان عدة الأسرى من
المسلمين سبعمئة وخمسة وثمانين رجلاً ، ومن النساء مئة وخمساً وعشرين امرأة ، وقد كانت أم الملك
تَدُورة - لعنها الله - عرضت النّصرانية على من كان في يدها من الأسرى ، وكانوا نحواً من عشرين ألفاً،
فمن أجابها إلى النصرانية وإلا قتلته ، فقتلت اثني عشر ألفاً وتنصّر بعضهم ، وبقي منهم هؤلاء الذين
ذكرناهم ، وهم قريبٌ من التسعمئة رجالاً ونساءً .
وفيها : أغارت البُجَة على حرسٍ من أرض مصر ، وقد كانت البُجَة لا يغزون المسلمين قبل هذا ،
الهدنة كانت لهم من المسلمين . فنقضوا الهدنة وصارحوا بالمخالفة . والبُجَة طائفة من سودان بلاد
المغرب ، وكذا النوبة والفرويّة وثنيون وزعرير ويكسوم ، وأمم كثيرون لا يعلمهم إلا الذي خلقهم . وفي
بلاد هؤلاء معادن الذهب والجوهر ، وكان عليهم حمل في كلِّ سنة إلى ديار مصر من هذه المعادن .
فلما كانت دولة المتوكّل امتنعوا من أداء ما عليهم سنين متعددة ، فكتب نائب مصر - وهو يعقوب بن
إبراهيم الباذغيسيّ مولى الهادي ، وهو المعروف بقوصرة - بذلك كلِّه إلى المتوكّل، فغضب الخليفة من
ذلك غضباً شديداً ، وشاور في أمر البُجَة ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ! إنهم قوم أهل إبلٍ وبادية ، وإنَّ
بلادهم بعيدة ومعطشة ، ويحتاج الجيش الذاهبون إليها أن يتزوَّدوا لمقامهم بها طعاماً وماءً ؛ فصدَّه ذلك
عن البعث إليهم .
ثم بلغه أنهم يغيرون على أطراف الصعيد ، وخشيَ أهلُ مصرَ على أنفسهم منهم ، فجهّز لحربهم
محمد بن عبد الله القُمِّيّ ، وجعل إليه نيابة تلك البلاد كلّها المتاخمة لأرضهم ، وكتب إلى عمال مصر أن
يعينوه بجميع ما يحتاج إليه من الطعام وغير ذلك ، فتخلص معه من الجيوش الذين انضافوا إليه من تلك
البلاد حتى دخل بلادهم في عشرين ألفَ فارسٍ وراجلٍ ، وحمل معه الطعام والإدام في مراكبَ سبعةٍ ،
وأمر الذين هم بها أن يلُوا بها في البحر، ثم يوافوه بها إذا توسط بلاد البُجَة ، ثم سار حتَّى دخل
بلادهم ، وجاوز معادنهم ، وأقبل إليه ملك البُجَى - واسمه علي بابا - في جمع عظيم أضعاف مَن مع
محمد بن عبد الله القُمِّيّ ، وهم قوم مشركون يعبدون الأصنام ، فجعل الملك يطاول المسلمين في
القتال ، لعله تنفَدُ أزوادُهم فيأخذونهم بالأيدي ، فلمَّا نفِدَ ما عند المسلمين ، وطمع فيهم السودان يسَّر الله
وله الحمد بوصول تلك المراكب ، وفيها من الطعام والتمر والزيت وغير ذلك ممَّا يحتاجون إليه شيء كثير
جداً ، فقسَّمه الأمير بين المسلمين بحسب حاجاتهم ، فيئس السودان من هلاك المسلمين بالجوع ،
(١) الطبري (٢٠٢/٩ - ٢٠٣).

١٥٩
وفيات سنة ٢٤١ هـ
فشرعوا في التأهُّب لقتال المسلمين ، وكانوا يركبون على إبلٍ شبيهة بالهُجُنِ ، زَعِرةُ(١) جداً، كثيرة
النِّفار ، لا تكاد ترى شيئاً [ ولا تسمع شيئاً ]٢) إلا جفلت منه .
فلما كان يوم الحرب عمد الأميرُ إلى جميعِ الأجراس التي معهم في الجيش فجعلَها في رقاب الخيل ،
فلمَّا كانت الوقعة حمل المسلمون حملةَ رجلٍ واحدٍ(٣) ، ونفرت إبلهم من أصوات تلك الأجراس في كلِّ
وجهٍ ، وتفرَّقوا شذَر مذَرَ ، وأتبعهم المسلمون يقتلون من شاؤوا ، لا يمتنع منهم أحد ، فلا يعلم عدد من
قتلوا منهم إلا الله عزَّ وجلَّ. ثم أصبحوا وقد اجتمعوا رجَّالة فكبسهم القُمِّيّ من حيث لا يشعرون ، فقتل
عامَّة مَن بقي ، وأخذ الملِكَ بالأمان ، وأدّى ما كان عليه من الحمل ، وأخذه معه أسيراً إلى الخليفة .
وكانت هذه الوقعة في أوّل يوم من هذه السنة ، وكان وصوله إلى الخليفة في أواخر هذه السنة ، فولاه
الخليفة على بلاده كما كان، وجعل إلى ابن القُمِّيّ أمْرَ تلك الناحية، والنَّظَر في أمرها ، ولله الحمدُ والمنة.
قال ابن جرير(٤) : ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم المعروف بقَوْصَرَة في جمادى الآخرة .
قلت : وهذا الرجل كان نائباً على الديار المصرية من جهة المتوكل على الله .
قال(٥) : وحَّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود ، وحجّ جعفر بن دينار فيها ، وهو
والي طريق مكة وأحداث الموسم .
ولم يتعرَّض ابنُ جرير لوفاة أحدٍ من المحدّثين في هذه السنة .
وقد توفي فيها من الأعيان :
الإمام أحمد بن حنبل .
وجُبَارة بن المُغَلِّس الحِمَّانِيّ(٦).
وأبو تَوْبَة الحَلبي(٧).
(١) ((الهجان من الإبل)): البيضاء الخالصة اللون، من نوق هُجُن. و((زَعِرة)): قليلة الشعر.
(٢) زيادة من ط .
(٣)
بعدها في ب ، ظا : وهرب السودان فرار رجل واحد .
(٤)
تاريخ الطبري (٢٠٦/٩) .
(٥)
المصدر السابق .
(٦) أبو محمد الحِمّاني، الكوفي ، الشيخ المعمَّر المحدّث ، قال البخاري : حديثه مضطرب . سير أعلام النبلاء
(١٥٠/١١)، وتهذيب الكمال (٤٨٩/٤).
(٧) واسمه الربيع بن نافع ، نزيل طَرَسوس ، ثقة ، حافظ ، سمع معاوية بن سلام وشريكاً القاضي والكبار . وهو من
أبناء التسعين . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٥٣)، والعبر (٤٣٦/١).

١٦٠
الإمام أحمد بن حنبل
والحسن (١) بن حمّاد سَجَّادَة .
ويعقوب بن حُميد بن كاسِب (٢)
ولنذكر شيئاً من أخبار :
الإمام أحمد بن حنبل(٣) رحمه الله
[ فضائله، ومناقبه، ومآثره، على سبيل الاختصار (٤) : فنقول وبالله المستعان : أحمد بن
محمد بن حَنْبَل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حَيَّان بن عبد الله بن أنس بن عَوْف بن قاسِط بن
مازن بن شَيْيان بن ذُهْل بن ثعلبة بن عُكابة بن صَعب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط به هِنْب بن أفْصَى بن
دُعْمِيّ بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان بن أُدِّ بن أُدَد بن الهَمَيْسَعُ(٥) بن النبت (٦) بن
قَيْذار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل [ عليهما السلام ]٧) ، أبو عبد الله الشيباني المروزيّ ثم البغدادي ،
هكذا ساق نسبه الحافظُ الكبير أبو بكر البيهقي ، رحمه الله في الكتاب الذي جمعه في مناقب الإمام أحمد
عن شيخه الحافظ أبي عبد الله الحاكم، صاحب ((المستدرك) (٨).
(١) في النسخ: عيسى، وفي ظا: عيسى بن حمَّاد وسَجَّادة، ولعله سهو من النساخ. وهو الحسن بن حمَّاد بن
كُسَيْب الحَضْرميّ ، أبو علي البغدادي ، المعروف بسَجَّادَة، كان ثقة وصاحب سنة . كان من جِلة العلماء وثقاتهم
في زمانهم . سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٩٢)، والعبر (٤٣٥/١)، وتهذيب الكمال (١٢٩/٦). وأما عيسى بن
حمّاد ، فهو المعروف بزُغْبَة ، وقد توفي سنة ثمان وأربعين ومئتين .
(٢) أبو الفضل المدني، نزيل مكة، المحدّث الكبير، صدوق، ربما وهم. سير أعلام النبلاء (١٥٨/١١)، وتقريب
التهذيب (٣٧٥/٢)، حلية الأولياء (٩/ ١٦١).
(٣) ترجم له عدد كبير من مؤلفي كتب التراجم ، وتاريخ بغداد (٤/ ٤١٢) ، وتاريخ دمشق لابن عساكر ، الجزء السابع
ص (٢١٨ - ٢٩٦)، ومختصره لابن منظور (٢٤٠/٣ - ٢٥٧)، وسير أعلام النبلاء (١٧٧/١١)، والأعلام
(٢٠٣/١) .
(٤)
زيادة من ب ، ظا .
بعد هذا في ط: (( بن حمل)) ، وليس في شيء من النسخ ، ولا فيما نقله الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق
(٥)
(٢٥٦/٥)، وجاء ذكره في غير هذا الطريق، وفي عمود نسبه اختلاف ينظر في مصادر ترجمته .
(٦)
في النسخ : ثابت ، وأثبت ما جاء في ط والمصادر .
(٧) زيادة من ط .
(٨) تاريخ بغداد (٤١٣/٤)، تاريخ دمشق لابن عساكر، الجزء السابع (ص٢١٨) وما بعدها ، وسير أعلام النبلاء
(١١ /١٧٨) .