النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
أحداث سنة ٢٣١ هـ
وكانت صفيحة موصولة في أسفلها مسمورة بثلاثة (١) مسامير - فلمَّا انتهى إليه ضربه بها على عاتقه ، وهو
مربوطٌ بحبلٍ قد أوقف على نطعٍ ، ثم ضربه أخرى على رأسه ، ثم طعنَه بالصَّمصامة في بطنه ، فسقط
رحمه الله صريعاً على النّطع ميتاً ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ثم انْتَضَى سِيمًا الدّمشقي سيفَه فضرب عنقَه ،
وحزَّ رأسه، وحُمل معترضاً حتى أُتِيَ [ به ] الحظيرة التي فيها بابَك الخُرَّمَيّ ، فصلب فيها ، وفي رجليه
زَوْج قُيود ، وعليه سَرَاويل وقميص ، وحُمل رأسُه إلى بغدادَ ، فنُصبَ في الجانب الشرقيّ أياماً ، وفي
الجانب الغربيّ أياماً ، وعنده الحرسُ في الليل والنهار ، وفي أذنه رقعة مكتوبٌ فيها : هذا رأسُ الكافر
المشرك الضّال أحمد بن نَصْر ، ممن قُتل على يدي عبدِ الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين ، بعد
أن أقام عليه الحجّة في خَلْق القرآن ، ونفي التشبيه ، وعَرَضَ عليه التوبةَ ، ومكَّنه من الرجوع إلى الحق ،
فأبَى إلَّ المعاندة والتصريح، فالحمدُ لله الذي عجَّله إلى ناره وأليم عقابه بالكُفْر ، فاستحلَّ بذلك أميرُ
المؤمنين دَمَهُ ، ولعْنَه .
ثم أمر الخليفة بتتبع رؤوس أصحابه ، فأخذ منهم نحواً من سبعة وعشرين رجلاً ، فأودعوا في
السجون ، وسُمُّوا الظلمة ، ومُنعوا أن يزورَهم أحد ، وقيّدوا بالحديد ، ولم يُجرَ عليهم شيء من الأرزاق
التي كانت تجري على المحبوسين ، وهذا ظلمٌ عظيمٌ .
[ هذا ملخص ما أورده ابن جرير، رحمه الله (٢)
وقد كان أحمد بن نَصْر هذا - رحمه الله - من أكابر العلماء العاملين ، وممن كان قائماً بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، وسمع الحديث من حمّاد بن زيد، وسفيان بن عيينة ، وهُشَيم بن بشير ،
وكانت عندَه مصنَّفَاته كلُّها ، وسمع من الإمام مالك بن أنس أحاديثَ جيدة ، ولم يحدِّث بكثير من
حديثه .
وحدث عنه أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقيُّ، وأخوه يعقوب بن إبراهيم ، ويحيى بن معين ؛ وذكره يوماً
فترخَّم عليه، وقال : قد خَتَم اللهُ له بالشهادة ، وقد كان لا يحدِّث ؛ يقول: إني لست أهلَ ذاك. وأحسن
يحيى بن معين الثناء عليه (٣) .
وذكره الإمام أحمد بن حنبل يوماً ، فقال : رحمه الله ! ما كان أسخاه! لقد جاد بنفسه لله
(٤)
عزَّ وجلّ(٤) .
في آ، ظاغير مقروءة ، وأثبت ما جاء في ب والطبري .
(١)
زيادة في ب ، ظا، وكذلك في تاريخ الطبري (١٣٥/٩ - ١٣٩).
(٢)
(٣)
تهذيب الكمال (٥٠٧/١) .
(٤) سير أعلام النبلاء (١٦٨/١١)، وتهذيب الكمال (٥١٠/١).

١٢٢
أحداث سنة ٢٣١ هـ
وقال جعفر بن محمد الصائغ : بَصَرُ عينيَّ وإلا فعَميتا، وسَمْعُ أذنيَّ وإلا فصمَّتا، أحمدُ بن نَصْر
الخُزَاعِيُّ حين ضُرِبَتْ عنقُهُ يقولُ رأسُه: لا إله إلا الله(١).
وقد سمعه بعضُ الناس ورأسُه مصلوبٌ على الجِذْعِ يقرأ: ﴿الَّمَ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَن يَقُولُواْ
ءَمَنَاوَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [ العنكبوت: ١ -٢]، قال: فاقشعرَّ جلدي (٢) .
ورآه بعضُهم في النوم فقال له : ما فعلَ بك ربُّك؟ فقال: ما كانت إلا غفْوةً حتَّى لقيتُ الله عزَّ وجلَّ ،
فضحك إليَّ. ورأى بعض الناس في المنام رسولَ الله وَ له ومعه أبو بكر وعمر، وقد مرُوا على الجِذْع
الذي عليه رأس أحمد بن نَصْر، فلما جاوزه أعرضَ رسولُ اللهِ وَ لَ بوجهه الكريم عنه ، فقيل له :
يا رسولَ الله! ما لك أعرضتَ عن أحمدَ بن نَصْر؟ فقال: استحياءً منه حين قتله رجلٌ من أهل بيتي(٣).
ولم يزل رأس أحمد بن نَصْر منصوباً ببغداد من يوم الخميس الثامن(٤) والعشرين من شعبان من هذه
السنة ، أعني سنة إحدى وثلاثين ومئتين ، إلى بعد عيد الفطر بيوم أو يومين من سنة سبع وثلاثين ومئتين ،
فجُمع بين رأسه وجثته ، ودُفِنَ بالجانب الشرقيّ من بغداد، بالمقبرة المعروفة بالمالكية (٥) ، رحمه الله .
وذلك بأمر المتوكل على الله الذي ولي الخلافة بعد أخيه الواثق بالله .
وقد دخل عبد العزيز بن يحيى الكِنَاني(٦) ، صاحب كتاب الحَيْدة ، على أمير المؤمنين المتوكل على
الله، وكان من خيار الخلفاء ، وأحسن صنيعاً إلى أهل السُّنَّة ، بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمِّه
المأمون(٧) . وكان يكرم الإمام أحمد بن حنبل إكراماً زائداً جداً ، كما سيأتي بيانه في موضعه .
والمقصود أنَّ عبد العزيز الكِناني قال للمتوكل : يا أميرَ المؤمنين ! ما رُئيَ أعجَب من أمر الواثق ،
قَتَلَ أحمد بن نَصْر وكان لسانُهُ يقرأ القرآن إلى أن دُفِنَ . فوجد المتوكل من ذلك وساءَه ما سمع في أخيه
الواثق ، فلمَّا دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزَّيات ، قال له : في قلبي شيء من قَتْل أحمد بن
تهذيب الكمال (٥٠٩/١) .
(١)
صفة الصفوة (٣٦٤/٢)، تهذيب الكمال (٥١٢/١).
(٢)
(٣)
تاريخ بغداد (١٧٩/٥)، تهذيب الكمال (٥١٢/١).
(٤)
في ب ، ظا : الثاني والعشرين .
(٥)
تاريخ بغداد (١٨٠/٥)، وتهذيب الكمال (١/ ٥١٣).
(٦)
فقيه مناظر ، من تلاميذ الإمام الشافعي . قدم بغداد أيام المأمون ، فجرت بينه وبين بشر المريسي مناظرة في
القرآن، له تصانيف عديدة، قيل: منها (( الحَيْدة))، رسالة في مناظرة لبشر المريسي ، ونفى صاحب ميزان
الاعتدال (٢/ ١٤١) نسبته إليه. الأعلام (٢٩/٤).
(٧) بعده في ط : فإنهم أساؤوا إلى أهل السنة ، وقربوا أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم ، فأمره أن ينزل جئة
محمد بن نصر ويدفنه ففعل ، وقد كان المتوكل يكرم . .

١٢٣
أحداث سنة ٢٣١ هـ
نَصْر، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، أحْرَقني الله بالنار ، إنْ قَتَلَه أميرُ المؤمنين الواثق إلا كافراً! ودخل عليه
هَرْثَمَة ، فقال له في ذلك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قطعني الله إرباً إرباً ، إنْ قَتَلَّهُ الواثق إلا كافراً!
ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي دواد ، فقال له مثل ذلك ، فقال : ضربني الله بالفالج ، إنْ قَتَله الواثق
إلا كافراً !
قال المتوكّلُ: فأمَّا ابنُ الزَّيَّات فأنا أحرقْتُه بالنَّار. وأمَّا هَرْئَمة فإنَّه هرب وتَبَدَّى، فاجتاز بقبيلة
خُزَاعَةَ ، فعرفَه رجلٌ من الحيِّ ، فقال: يا معشَرَ خُزَاعَةَ ، هذا الذي قتل ابنَ عمِّكم أحمد بن نَصْر ،
فقَطَّعُوه إرباً إزباً . وأمَّا ابنُ أبي دواد ، فقد سَجَنه اللهُ في جِلْدِه، يعني بالفالج، ضَرَبِهُ اللهُ به قبل مَوْتِه بأربع
سنين ، وصُودر من صلب ماله بمال جزيل جداً كما سيأتي بيان ذلك في موضعه(١) .
وروى أبو داود في كتاب (( المسائل)) عن أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقيِّ، عن أحمد بن نَصْر ، قال :
سألتُ سفيانَ بن عُيَيْنَةَ: ((القلوبُ بَيْنَ إصْبَعَيْنٍ)(٢)، و((إنَّ الله يضحَكُ مِمَّن يذكرُه في الأسواق)(٣) .
فقال : ارووها كما جاءت بلا كيف(٤) .
وفي هذه كان الواثق قد عزم على الحج ، واستعدَّ لذلك، فذُكر له أنَّ الماء بالطريق قليلٌ ، فترك
الحجّ عامئذ .
وفيها : تولَّى(٥) جعفر بن دينار(٦) نيابة اليمن فسار إليها في أربعة آلاف فارس .
وفيها : عدا قوم من العامّة على بيت المال ، فأخذوا منه شيئاً من الذهب والفضة، فأُخِذُوا وسُجنوا .
وفيها : ظهر خارجيٍّ ببلاد ربيعة، فقاتلَهُ نائبُ المَوْصِل فكسره ، وانْهَزَم بقيَّةُ أصحابه .
(١) تاريخ بغداد (١٧٧/٥)، تهذيب الكمال (١/ ٥١٠).
(٢) رواه بنحوه أحمد في المسند (١٦٨/٢)، ومسلم رقم (٢٦٥٤) في القدر من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص
بلفظ: ((إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء)) ، وبنحوه عن
الترمذي رقم (٢١٤٠) من حديث أنس ، وعند ابن ماجه رقم (١٩٩) من حديث النواس بن سمعان ، وعن أم سلمة
عند الترمذي رقم (٣٥٢٢) وأحمد (٣٠٢/٦ و٣١٥) وعن عائشة عند أحمد (٢٥٠/٦ و٢٥١).
(٣) ذكره بهذا اللفظ أبو عمر بن عبد البر، في ((التمهيد)) (١٤٩/٧) ولم أجده عند غيره، وقد ورد إسناد الضحك إلى
الله تعالى في غير ما حديث صحيح ، منها ما رواه البخاري (٢٩/٦ و٣٠) في الجهاد، ومسلم رقم (١٨٩٠) في
الإمارة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَّلو قال: (( يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر،
يدخلان الجنة ، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد )) ولكن نكل علمه إلى الله تعالى
(ع ) .
(٤) تهذيب الكمال (١/ ٥١٤) .
في أ، ب : توفي ، وأثبت ما جاء في ظا والطبري وابن الأثير .
(٥)
(٦) فى ا: نائب، وأثبت ما جاء في ب ، ظا.

١٢٤
وفيات سنة ٢٣١ هـ
وفيها : قدم وصيف الخادم بجماعةٍ من الأكراد نحو من خمسمئة في القيود ، كانوا قد أفسدوا في
الطرقات وقطعوها ، فأطلق الخليفةُ لوصيف خمسةً وسبعينَ ألفَ دينار ، وخلع عليه .
وفي هذه السنة قدم خاقان الخادمُ من بلاد الروم ، وقد تمَّ الصلح والمفاداة بينه وبين الروم ، وقدم
معه جماعة من رؤوس أهل الثغور ، فأمر الواثق بامتحانهم في القول بخَلْق القرآن ، وأنَّ الله لا يُرى في
الآخرة ، فأجابوا ، إلَّ أربعةً ، فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يجيبوا بمثل ما أجاب به بقيتهم . وأمر
الواثق أيضاً بامتحان الأسارى المسلمين الذين فودي عنهم بذلك ، فمن أجاب إلى القول بخَلْقِ القرآن وأنَّ
الله لا يُرى في الآخرة فُودِيَ، وإلا تُرِكَ في أيدي الكُفَّار. وهذه بِدْعَة صَلْعاء(١)، شَنعاء، عَمياء ،
صمَّاء ، لا مستند لها من كتاب ولا سنَّةً، ولا عقلٍ صحيح، [ولا نقلٍ صريح]٢)، بل الكتابُ والسُّنَّةُ
والعقلُ الصَّحيحُ بخلافها ، كما هو مقرَّرٌ في موضعه ، وبالله المستعان .
وكان وقوع المفاداة عند نهر يقال له : اللامِس ، عند سَلُوقيَة بالقرب من طَرَسُوسَ ، بدل كل مسلمٍ أو
مسلمة في أيدي الروم ، أو ذميّ أو ذميّة كان تحت عقد المسلمين أسير من الروم كان بأيدي المسلمين ممن
لم يسلم ، فنصبوا جسرين على النهر ، فإذا أرسَلَ الروم رجلاً أو امرأةً في جسرهم فانتهى إلى المسلمين
كَبَّر وكبَّر المسلمون ، ويرسل المسلمون أسيراً من الروم على جسرهم ، فإذا انتهى إليهم تكلّم بكلام يشبه
التكبير أيضاً . ولم يزالوا كذلك مدَّة أربعة أيامٍ بدل كلّ نفس نفس ، ثم بقي مع خاقان جماعة من الأسارى
فأطلقهم للروم حتَّى يكونَ له الفضلُ عليهم .
قال ابنُ جرير(٣) : وفي هذه السنة مات الحسن بن الحسين أخو طاهر بن الحسين بطَبرٍستان في شهر
رمضان .
وفيها : مات الخطاب بن وجه الفُلْس .
وفيها : مات أبو عبد الله ابن الأعرابيّ(٤) الراويةُ ، يوم الأربعاء لثلاثَ عشرة خلَتْ من شعبان ، وهو
ابن ثمانين سنة .
وفيها : ماتت (٥) أم أبيها بنت موسى أخت علي بن موسى الرّضا .
(١) ((الصَّلعاء)): الداهية والأمر الشديد.
(٢)
زیادة من ب ، ظا .
(٣)
تاريخ الطبري (١٤٥/٩) .
(٤) هو محمد بن زياد بن الأعرابي ، أبو عبد الله ، إمام اللغة ، وإليه كان المنتهى في معرفة لسان العرب وله عددٌ من
المصنفات . معجم الأدباء (١٨ /١٨٩)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٨٧).
(٥) في آ: مات أم أمها ، وفي ب ، ظا: مات أم ابنها ، وأثبت ما جاء في ط والطبري وابن الأثير .

١٢٥
وفيات سنة ٢٣١هـ
وفيها : مات مُخَارق المغنِّي (١) .
وأبو نصر أحمد بن حاتم ، راوية الأصمعي(٢).
وعمرو بن أبي عمرو الشيباني(٣)
ومحمد بن سَعْدان النَّحويّ(٤) .
قلت : وممن توفي فيها من الأعيان أيضاً :
أحمد بن نَصْر الخُزَاعِيّ ، كما تقدَّم .
وإبراهيم بن محمّد بن عَرْعَرَةُ(٥) .
وأُمّة بن بِسْطَامُ(٦) .
وأبو تمام الطائي الشاعر ، في قولٍ ، والمشهور ما تقدَّمُ(٧) .
وكاملُ بنُ طلحةٌ(٨) .
ومحمّد بن سَلام الجُمحيّ(٩). وأخوه عبد الرحمنُ(١٠) .
(١) مخارق ، أبو المهنّأ، ابن يحيى الجزار ، إمام عصره في فن الغناء ، ومن أطيب الناس صوتاً . كان الرشيد يعجب به
حتى أقعده مرة على السرير معه ، وأعطاه ثلاثين ألف درهم . وكان لحاناً ، لا يقيم الإعراب. الأعلام (٧/ ١٩١).
(٢) أديب، من أهل البصرة. روى عن الأصمعي كتبه كلها، له عدة كتب، منها: ((شرح ديوان ذي الرُّمة)) مطبوع في
ثلاثة أجزاء ، برواية أبي العباس ثعلب. تاريخ بغداد (١١٤/٤)، الأعلام (١٠٩/١).
(٣) روى عن أبيه أبي عمرو الشيباني.
(٤) محمد بن سَعْدان الكوفي ، أبو جعفر . نحوي مقرىء ضرير ، له كتب في النحو والقراءات . نَكْتُ الهميان
(٢٥٢)، وتاريخ بغداد (٣٢٤/٥)، والأعلام (١٣٧/٦).
(٥) أبو إسحاق القرشي الشامي البصري ، الحافظ الكبير المجوِّد ، نزل بغداد ، ونشر بها العلم ، وهو من أولاد
المحدّثين؛ كان والده من شيوخ البخارى القدماء. صدوق . سير أعلام النبلاء (٤٧٩/١١)، والعبر (٤٠٨/١).
(٦) أميّة بن بسطام بن المنتشر، أبو بكر العيشيّ البصري، الحافظ الثقة. سير أعلام النبلاء (٩/١١)، العبر
(١/ ٤٠٩) .
(٧) تقدمت ترجمته ووفاته في حوادث سنة ٢٢٨ هـ .
(٨) أبو يحيى الجَخْدري، شيخ البصرة في وقته ، نزيل بغداد. إمام صدوق، ذكره ابن حبان في الثقات . سير أعلام
النبلاء (١١/ ١٠٧)
(٩) أبو عبد الله ، إمام في الأدب ، من أهل البصرة ، مات ببغداد . كان عالماً أخبارياً ، أديباً بارعاً ، له كتب ، منها :
طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٥١)، الأعلام (١٤٦/٦).
(١٠) أبو حرب، أخو محمد بن سلام الجمحي. إمام ثقة صدوق ، مات بالبصرة ، وهو من أبناء التسعين كأخيه . سير
أعلام النبلاء (١٠/ ٦٥٠) .

١٢٦
أحداث سنة ٢٣٢ هـ
ومحمَّد بن مِنهال الضَّرير(١)
ومحمد بن مِنهال، أخو حجَّاجُ(٢) .
وهارون بن معروف(٣) .
والبُوَيْطِيّ(٤) ، صاحب الشافعي ، مات في السجن مقيّداً حتى يقولَ بخلق القرآن ، فامتنع من ذلك ،
رحمه الله .
ويحيى بن بُكَير(٥)، راوي ((الموطّأ)» عن مالك.
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومثتين
فيها : عائت قبيلة يقال لهم : بنو نُمَيْر باليمامة في الأرض فساداً ، فكتب الواثق إلى بُغا الكبير وهو
مقيمٌ بأرض الحجاز ، فحاربَهم فقتَل منهم جماعةً ، وأسرَ منهم آخرين ، وهزم بقيتهم ، ثم التقى مع بني
تميم وهو في ألف (٦) فارس وهم في ثلاثة آلاف، فكانت بينهم حروب طويلة ، ثم كان الظفَر له عليهم
آخراً ، وذلك في النصف من جمادى الآخرة .
ثم عاد بعد ذلك كله إلى بغداد ومعه من أعيان رؤوس العرب في الأسر والقيود ، وقد قتل من أشرافهم
في الوقائع المتقدم ذكرها ما ينيف على (٧) ألفي رجل من بني سليم ، ونُمَير ، وكِلاب ، ومُرَّة ، وفَزارة ،
وثَعلبة ، وطِىء ، وتميم وغيرهم .
(١) أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله الثَّميميّ البصري، صاحب يزيد بن زُريع وراويته. حافظ، مجوِّد ثقة، لم يرحل،
ولا كتب ، بل كان يحفظ . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٤٢).
(٢) . محمد بن المِنهال البَصريّ العطار، أخو الحافظ الثقة حجَّاج بن منهال الأنماطي، وهو كسَمِيُّه محمد بن المنهال
ثقة، والضرير أحفظ وأكيس، ومات مثله في السنة نفسها . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٤٥).
(٣) أبو علي المَرْوَزيّ البغدادي الخزَّاز الضرير، الإمام القدوة ، من حفاظ الوقت ، صاحب سنة. سير أعلام النبلاء
(١٢٩/١١)، الغير (٤١٠/١).
(٤) هو يوسف بن يحيى البُوَيْطيّ، أبو يعقوب، صاحب الإمام الشافعي ، لزمه مدة، وتخرَّج به ، كان عابداً مجتهداً ،
دائم الذكر، كبير القدر، إماماً في العلم والفقه. ثقة صاحب سنة. سير أعلام النبلاء (٥٨/١٢)، العبر
(١/ ٤١١) .
(٥) هو يحيى بن عبد الله بن بكير، أبو زكريا القرشي المخزومي، المِصري، الإمام المحدِّث الحافظ . ثقة في الليث ،
وتكلموا في سماعه من مالك . سمع الموطأ من الإمام مالك سبع عشرة مرة . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦١٢) ،
تقريب التهذيب (٣٥١/٢) .
(٦) في آ، ط : ألفي فارس ، وأثبت ما جاء في ب ، ظا والطبري وابن الأثير.
(٧) في النسخ : عن ، وأثبت ما جاء في ط .

١٢٧
وفاة الخليفة هارون الواثق
وفي هذه السنة أصاب الحجيج في الرجوع عطشٌ شديد حتى بيعت الشَّرْبةُ بالدَّنانير الكثيرة ، ومات
خَلْق كثير من العطش ، رحمهم الله .
وفيها : أمر الواثق بتزك جباية أعشار سفن البحر .
وفاة الخليفة أبي جعفر هارون الواثق بن محمد المعتصم
ابن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد الله ذي البينات بن محمد الإمام بن
علي السجّاد بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي . كان هلاكه في ذي الحجة من هذه
السنة بعلة الاستسقاء ، فلم يقدر على حضور العيد عامئذ ، فاستناب في الصلاة بالناس قاضيه أحمد بن
أبي دواد الإياديّ المعتزليّ. وكانت وفاته لست بقين من الشهر ، وذلك أنه قوي به الاستسقاء ، فأُقْعِدَ في
تنّور قد أُحمي له بحيث يمكن إجلاسه فيه ليسكنَ وجعُه ، فلان عليه أمره بعض الشيء ، فلمَّا كان من الغد
أمر بأن يُحمى أكثر من العادة ، فأُجلس فيه، ثم أُخرج فوضع في مِحَفَّةٍ، فحُمِلَ فيها وحولَه أمراؤه
ووزراؤه وقاضيه ، [ فمات وهو محمول، فما شعروا حتى سقط جبينُهُ على المِحَفَّة (١) وهو ميت ،
فغمَّضَ القاضي عينيه بعد ذلك ، وهو الذي ولي غسلَه والصَّلاةَ عليه ودفنه في القصر الهاروني .
وكان أبيضَ اللون ، مشرباً حُمرةً ، جَميلاً رَبْعَةٌ ، حسنَ الجسم ، قائمَ العين اليسرى ، فيها نُكتة
بياض .
وكان مولده سنة ست وتسعين ومئة بطريق مكة ، فمات وهو ابن ستّ وثلاثين سنة ، وكانت مدة
خلافته خمسَ سنين ، وتسعة أشهر ، وخمسة أيام ، وقيل : وسبعة أيام واثنتي عشرة ساعة ٢) .
وقد كان جمع أصحابَ النُّجوم [ في زمانه (٣) حين اشتدَّتْ عَّته(٤) ، لينظروا في مولده ، وما تقتضيه
صناعةُ النجوم كم تدوم أيامُ دولته ، فاجتمَعَ عنده من رؤوسهم جماعة ؛ منهم : الحسن بن سهل ،
والفضلُ بن إسحاق الهاشميّ ، وإسماعيل بن نُوبَخت ، ومحمد بن موسى الخُوارزميّ والمجوسيّ
القُطْرُبُّليّ، وسند صاحب محمد بن الهيثم ، وعامَّة مَنْ ينظر في النجوم . فنظروا في مولده وما يقتضيه
الحال عندهم(٥)، ثم أجمَعُوا على أنه يعيش دهراً طويلاً، وقدَّروا له خمسين سنة مستقبلة ، فلم
(١) تكملة من نسخة ب .
بعدها في ط : فهكذا أيام أهل الظلم والفساد والبدع قليلة قصيرة .
(٢)
(٣)
زيادة في ب ، ظا ، ط .
بعدها في ط : وإنما اشتدت بعد قتله أحمد بن نصر الخزاعي ، ليلحقه إلى بين يدي الله . فلمَّا جمعهم أمرهم أن
(٤)
ينظروا . .
(٥) في آ : عنده .

١٢٨
وفاة الخليفة هارون الواثق
يلبث بعد قولهم إلا عشرة أيام حتى مات. ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري (١)، رحمه الله .
قال ابن جرير(٢) : وذكر الحسين بن الضخَّاك أنَّه شهد الواثقَ بعد أن مات المعتصم بأيام ، وقد قعد
مجلساً كان أوَّل مجلس قعده . وكان أوّل من تغنّى في ذلك المجلس أن تغنَّت(٣) شارية جارية إبراهيم بن
المهديّ :
ما دَرَى الحامِلونَ يومَ استقلُّوا نَعْشَهُ لِلنَّواءِ أمْ للِّقَاءُ(٤)
فلْيقُلْ فِيكَ باكِياتُكَ ما شِئْ منَ صَباحاً وعندَ كُلِّ مَسَاءٍ
قال : فبكى وبكينا حتَّى شَغَلَنا البكاء عن جميع ما كنَّا فيه. ثم اندفع بعضهم يغنِّي (٥):
وَدِّعْ هُرَيْرَةً إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعا أيُّها الرَّجُلُ !
فازداد والله بكاؤه ، وقال : ما سمعتُ كاليوم قطّ تعزيةً بأبٍ ونعيّ نفس ، ثم ارفضَّ ذلك المجلس .
وروى الخطيب (٦) البغدادي: أنَّ دِعْبِلَ بنَ عليّ الشاعر لمَّا تولَّى الوائقُ عَمَدَ إلى طُومَارٍ(٧) فكتب فيه
أبيات شعرٍ ، ثم جاء إلى الحاجب فدفعه إليه ، وقال : أقرىء أميرَ المؤمنين السلام ، وقل : هذه أبيات
امتدَحَكَ بها دِعْبِل ، فلمَّا فضَّها الواثق إذا فيها٨) :
ولا رُقَادٌ إذا أهلُ الهَوَى رَقَدُو(٩)
الحَمْدُ للهِ لا صَبْرٌ ولا جَلَدٌ
وآخرٌ قامَ لم يَفْرَحْ بهِ أحَدُ
خليفةٌ ماتَ لم يَحْزَنْ لَهُ أحَدٌ
وقامَ هذا فقامَ الويلُ والنَّكَدُ
فَمَزَّ هذا ومَرَّ الشُّؤْمُ يَتبعُهُ
قال : فتطلَّبه الخليفة بكلِّ ما يمكنه ، فلم يقدر عليه حتى مات الواثق .
وروىُ(١٠) أيضاً : أنَّه لمَّا استخلَفَ الواثق ابنَ أبي دوادَ على الصَّلاة في يوم العيد فرجع إليه ، فقال :
تاریخ الطبري (٩/ ١٥٠-١٥١) .
(١)
(٢)
تاريخ الطبري (٩/ ١٥١)، ابن الأثير (٣١/٧).
(٣)
في النسخ غير واضحة ، وأثبت ما جاء في الطبري .
(٤)
في الطبري : للغناء .
(٥)
للأعشى : ديوانه (١٤٤) ط . صادر .
(٦)
تاريخٍ بغداد (١٦/١٤).
((الطّومار)): الطامور، وهي الصحيفة، وجمعها طوامير .
(٧)
ديوانه ص(١١٥)، وتاريخ بغداد (١٤ / ١٧).
(٨)
(٩) الديوان ولا عَزاء إذا أهل البَلا رقدوا .
(١٠) تاريخ بغداد (١٨/١٤).

١٢٩
وفاة الخليفة هارون الواثق
كيف كان عيدكُم يا أبا عبد الله ؟ فقال : كنَّا في نهارٍ لا شمسَ فيه . فضحك ، وقال : يا أبا عبد الله ، أنا
مؤيّد بك .
قال الخطيب(١): وكان ابن أبي دواد قد اسْتَولى على الواثق، وحمَلَه على التشديد في المحنة ،
ودعا الناسَ إلى القَوْل بخَلْقِ القرآن . قال : ويقال : إنَّ الواثق رجع عن ذلك قبل موته فأخبرني
عبيد الله بن أبي الفتح ، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن ، حدَّثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة ، حدّثني
حامد بن العباس ، عن رجل ، عن المهدي ، أنَّ الواثق مات وقد تاب عن القول بخَلْق القرآن .
وروى (٢) أن الواثق دخل عليه يوماً مؤدِّبُه فأكرمه إكراماً كثيراً ، فقيل له في ذلك ، فقال : هذا أوَّلُ من
فتق لساني بذكر الله ، وأدناني من رحمة الله .
وكتب إليه بعض الشعراء(٣):
جَذَبْتُ دَوَاعِي النَّفْسِ عن طَلَبِ الغِنَى وقلْتُ لها عفّي عنِ الطَّلبِ النَّزْرِ
فإنَّ أميرَ المؤمنينَ بكفِّهِ مَدَارُ رَحَى الأرْزَاقِ دائبة تجري
فوقَّع له في رُقْعَته: جَذَبَتْكَ نفسُك عن امْتِهانها، ودَعَتْكَ إلى صَوْنِها ، فخُذْ ما طلبته هيِّئاً ، وأجْزَلَ له
العطاء .
ومن شعره قوله(٤) :
هَيَ المقاديرُ تَجْرِي في أعِنَّتِها فَاصْبِرْ فليسَ لها صَبْرٌ عَلَى حَالٍ
ومن شعر الواثق [ قوله }٥) :
تنَّ عنِ القَبِيحِ ولا تُرِدهُ ومَنْ أوْلَيْتَهُ حُسناً فَزِدْهُ
إذا كادَ العَدُؤُ ولَمْ تَكِذْهُ
ستُكْفَى من عدوّكَ كلَّ كيدٍ
وقال القاضي يحيى بنُ أكثمُ(٦): ما أحسَنَ أحدٌ من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب ما أحسَنَ
إليهم الواثق : ما مات وفيهم فقيرٌ .
(١) المصدر السابق .
تاريخ بغداد (١٧/١٤)، ومؤدبه هو هارون بن زياد، كما في تاريخ بغداد ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (ص٣٤٩).
(٢)
(٣)
هو محمد بن حماد ، والبيتان في تاريخ بغداد (١٤ / ١٧).
(٤)
تاريخ بغداد (١٨/١٤).
المصدر السابق .
(٥)
تاريخ بغداد (١٩/١٤)، سير أعلام النبلاء (٣٠٧/١٠).
(٦)

١٣٠
خلافة المتوكل بن المعتصم بالله
ولما احتُضِرَ الواثق جعلَ يردِّد هذين البيتين(١):
المَوْتُ فيهِ جَميعُ الخَلْقِ مشترِكٌ لا سُوقَةٌ مِنْهُمُ يَبْقَى ولا مَلِكُ
ما ضَرَّ أهلَ قليلٍ في تفافُرِهمْ وليسَ يُغني عن الأمْلاكِ ما مَلَكُوا
ثم أمر بالبُسُطِ فطُويت ، ثم ألْصَقَ خذَّهُ بالأرض ، وجعل يقول: يا مَن لا يَزُول ملكُه ، ازحَمْ مَن قد
زالَ مُلْكُهُ .
وقال بعضهم : لما احتُضِرَ الواثق ونحن حولَه ، غشي عليه ، فقال بعضُنا لبعض : انظروا هل قضى
نحبه؟ قال : فدنَوْتُ من بينهم إليه لأنظرَ هَلْ هدأ نَفَسُه ، فأفاق فَلَحَظَ إليَّ بعينه ، فرجعْتُ القَهْقَرى خوفاً
منه ، فتعلَّقَتْ قائمة سيفي بشيء ، فكدت أن أهلك ، فما كان عن قريب حتى مات ، وأُغلِقَ عليه الباب
الذي هو فيه ، وبقي فيه وحدَه ، واشتغَلُوا عن تجهيزه بالبيعة لأخيه جعفر المتوكل ، وجلسْتُ أنا أحرُسُ
البابَ ، فسمعْتُ حركةً من داخل البيت ، فدخلْتُ ، فإذا جُرَّذٌ قد أكل عينَه التي لَحَظَ إليَّ بها ، وما كان بين
الحالين إلا اليسير(٢).
وكانت وفاته بسرَّ مَن رأى التي كان يسكنها في القصر الهاروني ، في يوم الأربعاء لست بقين من ذي
.الحجة من هذه السنة - أعني سنة ثنتين وثلاثين ومئتين - عن ست وثلاثين سنة ، وقيل : عن ثنتين وثلاثين
سنة . وكانت مدة خلافته خمسَ سنين ، وتسعةً أشهرٍ ، وخمسة أيام . وقيل : خمس سنين ، وشهران ،
وأحد وعشرون يوماً ، وصلَّى عليه أخوه جعفر المتوكّل .
خلافة المتوكّل على الله جعفر بن المعتصم بالله
بُويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق هارون ، وكانت بيعته وقت زوال الشمس من يوم الأربعاء لست بقين
من ذي الحجة ، وكانت الأتراك قد عزموا على تولية محمد بن الواثق فاستصغروه فتركوه وعدلوا إلى جعفر
هذا ، وكان عمره إذ ذاك ستاً وعشرين سنة ، وكان الذي ألبسه خلعة الخلافة أحمد بن أبي دواد القاضي ،
وهو أوَّلُ من سلَّم عليه بالخلافة ، وبايعه الخاصّة ثمّ العامّة . وكانوا قد اتفقوا على تسميته بالمنتصر إلى
صبيحة يوم الجمعة ، فقال أحمد بن أبي دواد : رأيت أن يلقَّبَ أمير المؤمنين بالمتوكّل على الله ، فاتفقوا
على ذلك ، وكتب به إلى الآفاق ، وأمر بإعطاء الشاكريّة من الجند ثمانية شهور ، وللمغاربة أربعة شهور ،
ولغيرهم ثلاثة شهور ، واستبشر الناس به .
(١) تاريخ بغداد (١٩/١٤)، الكامل لابن الأثير (٢٩/٧)، سير أعلام النبلاء (٣١٣/١٠).
(٢) تاريخ بغداد (١٩/١٤)، الكامل لابن الأثير (٧/ ٣٠)، سير أعلام النبلاء (٣١٣/١٠).

١٣١
وفيات سنة ٢٣٢ هـ ـ أحداث سنة ٢٣٣ هـ
وقد كان المتوكل رأى في منامه في حياة أخيه الواثق كأنَّ شيئاً نزل(١) عليه من السماء مكتوب فيه
(( جعفر المتوكّل على الله))، فعبَّرها، فقيل له: هي الخلافة، فبلَّغ ذلك أخاه الواثق فسجنه حيناً ثم
أرسله(٢) .
وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود ، أمير مكّة ، شرَّفها الله .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحَكَمُ بن موسى(٣)
وعمرو بن محمد النَّاقد(٤)
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومئتين
في يوم الأربعاء سابع صفر منها أمر الخليفة المتوكّلُ على الله بالقبض على محمد بن عبد الملك بن
الزيات ، وزير الواثق ، وكان المتوكّلُ يبغضه لأمورٍ ، منها أنَّ أخاه الواثق تغَضَّبَ عليه في بعض
الأوقات ، وكان ابنُ الزَّيَّات يزيد الواثق غضَباً على أخيه ، فبقي ذلك في نفسه منه ، ثم كان الذي استرضى
الواثقَ عليه أحمد بن أبي دواد ، فحظي بذلك عنده في أيام مُلْكه ؛ ومن ذلك أنَّ ابن الزيات كان قد أشار
بخلافة محمد بن الواثق بعد أبيه ، ولَفَّ عليه الناس ، وجعفر المتوكّل في جنب دار الخلافة ، فلم يتمّ
الأمر إلا لجعفر المتوكل ، على رغم أنف ابن الزيات . فلهذا أمر بالقبض عليه سريعاً ، فطلبه(٥) فركب
بعد غدائه يظنُّ أن الخليفة بعث إليه ، فأتت به الرسل إلى دار إيتاخ أمير الشرطة ، فاحتيط عليه، وقُيِّد ،
وبعثوا في الحال إلى داره فأُخِذَ جميعُ ما كان فيها من الأموال والجواري والجواهر والحواصل والأثاث ،
ووجدوا في مجلسه الخاص به آلات الشراب .
وبعث الخليفة إلى حواصله وضياعه بسائر الأماكن فاحتيط عليها ، وأمر به أن يعذَّبَ ؛ فمنع من
(١) في ب ، ظا : دلّ عليه .
(٢) في ب ، ظا : أطلقه .
(٣) أبو صالح البغدادي القَنْطَريّ الزاهد، أحد العبّاد ، الإمام المحدّث القدوة الحجّة ، وثقه ابن معين . سير أعلام
النبلاء (٥/١١).
(٤) عمرو بن محمد بن بُكَير بن سابور البغدادي الناقد ، أبو عثمان ، نزيل الرقة . ثقة ، صاحب حديث ، من الحفاظ
المعدودين . سير أعلام النبلاء (١١ / ١٤٧).
(٥) في آ: فطلب .

١٣٢
وفيات سنة ٢٣٣ هـ
الكلامُ(١)، وجعلوا يساهرونه كلما أراد الرُّقاد نُخِسَ بالحديد، ثم وُضِعَ بعد ذلك كلّه في تنّور من خشب
فيه مساميرُ قائمة في أسفله ، فأقيمَ عليها ، ووكّلَ به من يمنعه من الرُّقاد ، فمكث كذلك أياماً حتى مات
وهو كذلك .
ويقال : إنه أخرج من التنوّر وفيه رَمَقٌ ، فضُرِبَ على بطنه ، ثم على ظهره حتى مات وهو تحت
الضرْبِ .
ويقال : إنه أُحرِق ، ثم دُفعت جثته إلى أولاده فدفنوه ، فنبشت عليه الكلاب ، فأكلت لحمه
وجلده ، سامحه الله .
وكانت وفاته لإحدى عشرة من ربيع الأول منها .
وكان قيمة ما وُجد له من الحواصل نحواً من تسعين ألف ألف دينار ، وقد قدَّمنا أنَّ المتوكّلَ سأله عن
قتل أخيه الواثق أحمد بن نَصْر ، فقال له : يا أميرَ المؤمنين ، أحرقني الله بالنار إن كان الواثق قتله يوم قتلَه
إلا وهو كافر .
وفي جمادى الأولى منها فُلِجَ أحمدُ بن أبي دواد القاضي المعتزلي ، فلم يزل كذلك حتى مات بعد
أربع سنين وهو كذلك ، كما دعا على نفسه كما تقدَّم .
ثم غضبَ المتوكّلُ على جماعة من الكتّاب والعمّال ، وأخذ منهم أموالًا جزيلة جداً .
وفيها: ولَّى [المتوكّلُ (٢) ابنه محمداً المنتصر الحجاز واليمن، وعقَدَ له على ذلك كلِّه في رمضان
منها .
وفيها : عَمَدَ ملكُ الروم ميخائيل بن توفيل إلى أمِّه تدُورَةَ فأقامها في الشمس(٣) ، وألزمها الدّير،
وقتل الرجل الذي اثَّهمها به ، وكان ملْكُها ستَّ سنين .
وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود أمير مكّة ، حرسها الله تعالى وشرّفها .
وفيها توفي :
إبراهيم بن الحجّاج السَّامي (٤).
في ب ، ظا: الطعام .
(١)
(٢)
زيادة في ط .
(٣)
الطبري : فشمَّسها .
في النسخ والمطبوع: الشامي، وأثبت ما جاء في تهذيب الكمال (٦٩/٢)، وسير أعلام النبلاء (٣٩/١١).
(٤)
والشَّامي ، بالسين المهملة: نسبة إلى سامَة بن لؤي . وهو إبراهيم بن الحجّاج بن زيد السّامي الناجي ، أبو إسحاق
البَصريّ ، المحدّث ، ذكره ابن حبان في الثقات.

١٣٣
أحداث سنة ٢٣٤ هـ
وحِبَّان بن موسى العربي (١)
وسُليمان بن عبد الرحمن الدمشقي (٢)
.. (٣)
وسهل بن عثمان العسكريّ
ومحمد بن سَماعة القاضي(٤) .
ومحمّد بن عائذ الدِّمشقيُّ ، صاحبُ المغازيُ(٥) .
ويحيى المقابريّ(٦) .
ويحيى بن مَعين(٧) ، أحد أئمة الجرح والتعديل ، وأستاذ أهل صناعة الحديث في زمانه .
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومثتين
فيها : خرج محمّد بن البعِيث بن الجليس(٨) عن الطاعة في بلاده، في أذْربيجان ، وأظهر أنَّ المتوكّلَ
قد مات، والتفَّ عليه جماعة من أهل تلك الرَّسَاتيق (٩)، ولجأ إلى مدينة مَرَنْد١) فحصَّنها ،
(١) كذا في آ، ط: العربي. وفي ب، ظا: المغربي. وهو حِبَّان بن موسى بن سَوَّار السُّلَميّ، أبو محمد المَروزي
الكُشْمِيهَنِيّ. محدّث مشهور، ذكره ابن حبّان في الثقات. تهذيب الكمال (٣٤٤/٥).
(٢) سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى بن ميمون ، أبو أيوب التميمي الدمشقي ، ابن بنت شُرَخبيل ، جدّه شُرَحبيل بن
مسلم الخولاني . محدّث دمشق ، حافظ ثقة. سير أعلام النبلاء (١١ / ١٣٦).
(٣) أبو مسعود ، الحافظ المجوِّد الثبت ، أحد الأئمة. توفي في هذه السنة ، أو في حدودها . سير أعلام النبلاء
(٤٥٤/١١)، والعبر (٤١٤/١).
(٤) أبو عبد الله ، قاضي بغداد ، صنف التصانيف، ولي القضاء للرشيد ، تفقّه على أبي يوسف ، ومحمد ، وقد جاوز
المئة . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٤٦).
أبو عبد الله الدمشقي الكاتب ، صاحب المغازي والفتوح ، والصوائف ، وغير ذلك من المصنفات المفيدة ، تولى
(٥)
ديوان الخراج بالشام زمن المأمون ، مؤرخ صادق . سير أعلام النبلاء (١١ / ١٠٤)، العبر (٤١٤/١).
(٦) هو يحيى بن أيوب المقابري ، أبو زكريا البغدادي العابد ، أحد أئمة الحديث والسُّنّة ، ثقة ، مات وله ست وسبعون
سنة . سير أعلام النبلاء (٣٨٦/١١)، العبر (٤١٥/١).
(٧) أبو زكريا البغدادي، أحد الأعلام، وحجة الإسلام ، شيخ المحدثين . نعته الذهبي بسيد الحفاظ، له كتاب التاريخ
والعلل في الرجال . توفي بالمدينة حاجاً . سير أعلام النبلاء (١١/ ٧١)، الأعلام (١٧٢/٨).
(٨)
في ط والطبري: حَلْبَس. وماهنا كما في الكامل لابن الأثير (٤١/٧).
(٩) ((الرُّسْتاق)): قرى، أو بيوت مجتمعة، وجمعها رساتيق، معرّب. وفي المصباح المنير: الرُّستاق: معرّب،
ويستعمل في الناحية التي هي طرف الإقليم .
(١٠) ((مَرَنْد)): من مشاهير مدن أذربيجان، بينها وبين تبريز يومان. ياقوت.

١٣٤
وفيات سنة ٢٣٤ هـ
وجاءته البعوثُ من كلِّ جانب، وأرسل إليه المتوكّلُ جيوشاً يتبَعُ بعضُها بعضاً ، فنصَبُّوا على بلده المجانيق
من كلِّ جانب ، وحاصروه محاصرةً عظيمة جدّاً، وقاتلهم مقاتلة هائلة ، وصبَرَ هو وأصحابُه صَبراً بليغاً .
وقدِمَ بُغا الشرابيّ لمحاصرته ، فلم يزل به حتى أسره (١) واستباح أموالَه وحرمَه ، وقتل خلقاً من
رؤوس أصحابه ، وأسر سائرهم ، وانحسمت مادة ابن البعيث ، ولله الحمد .
وفي هذه السنة في جمادى الأولى منها خرج المتوكّل على الله إلى المدائن .
وفيها : حجَّ إيتاخ أحدُ الأمراء الكبار ، وهو والي مكة والمدينة والموسم ، ودُعي له على المنابر .
وقد كان إيتاخ هذا غلاماً خَزَرِيّاً طبَّاخاً ، وكان لرجلٍ يقال له : سلام الأبرش ، فاشتراه منه المعتصم
في سنة تسعٍ وتسعين ومئة ، فرفع منزلته وحظي عنده ، وكذلك الواثقُ من بعد أبيه ، ضمَّ إليه أعمالاً
كثيرة ، وكذلك عامله المتوكّل على الله أيضاً ، وذلك لرُجْلة(٢) إيتاخ وشهامته ونهضته . ولمّا كان في هذه
السنة شرب ليلةً مع المتوكّل ، فعربَدَ عليه المتوكّلُ، فهمَّ إيتاخ بقتله، فلمَّا كان الصباح اعتذر المتوكّلُ
إليه ، وقال : أنتَ أبي ، وأنت ربَّيتني، ثم دسَّ إليه من يُشير عليه بأنْ يستأذن للحجِّ ، فاستأذن ، فأذن
له ، وأمَّره على كل بلْدة يحلُّ بها، وخرج القوَّادُ في خدمته إلى طريق الحجِّ حين خرج، وولَّى المتوكّلُ
الحِجابة لوصيف الخادم عوضاً عن إيتاخ .
وحجَّ بالناس فيها محمد بن داود أميرُ مكة ، وهو أمير الحجيج من سنين متقدمة .
وفيها توفي من الأعيان :
أبو خَيْئَمة، زُهَيْر بن حَرْب(٣).
وسليمان بن داود الشَّاذَكوني ، أحدُ الحفاظ (٤).
وعبد الله بن محمد النُّفَيْلِيّ(٥) .
في آ: حصره ، وأثبت ما جاء في ب ، ظا .
(١)
(٢)
(( الرجلة)): الرجولية .
زهير بن حرب بن شداد الحَرَشي البغدادي ، الحافظ ، الحجة ، أحد أعلام الحديث ، ثقة ، ثبت ، متقن . سير
(٣)
أعلام النبلاء (٤٨٩/١١) .
(٤) سليمان بن داود بن بشر المنقري البصري الشاذكوني ، أبو أيوب ، كان آية في كثرة الحفظ ، ولكنه متروك
الحديث . سير أعلام النبلاء (٦٧٩/١٠)، العبر (٤١٦/١).
(٥) عبد الله بن محمد بن علي بن نُفَيْل، أبو جعفر القُضاعي ثم النُّفَيْلي الحرَّاني، أحد الأعلام. قال أبو داود: لم أر
أحفظ منه ، ثقة، مأمون ، من أبناء التسعين. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٣٤).

١٣٥
أحداث سنة ٢٣٥ هـ
وأبو الرَّبيع الزَّهْرَانِيُّ(١)
وعليُّ بن عبد الله بن جعفر المَدِينيّ(٢) ، شيخ البخاري في صناعة الحديث .
ومحمد بن عبد الله بن نُمَيْر(٣)
ومحمد بن أبي بكر المُقَدَّمي(٤)
والمُعَافَى الرَّسْعَنِي(٥)
ويحيى بن يحيى الليثي، راوي ((الموطَّأ)» للمغاربة عن الإمام مالك بن أنس(٦).
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومثتين
في جمادى الآخرة منها كان هلاك إيتاخ في السجن ، وذلك أنَّه رجع من الحجّ فتلقته هدايا الخليفة ،
ولمَّا اقترب يريد دخول سامرًا التي فيها أمير المؤمنين ، بعث إليه إسحاق بن إبراهيم نائبَ بغداد عن أمر
الخليفة يستدعيه إليها ليتلقاه وجوه بني هاشم ، فدخلها في أَبّهة عظيمة ، فقبض عليه إسحاق بن إبراهيم ،
وعلى ابنيه مظفر ومنصور ، وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد النصراني ، فأسلم تحت العقوبة ،
وكان هلاكه بالعطش ، وذلك أنه أكل شيئاً كثيراً بعد جوع شديدٍ ، ثم استسقى الماء فلم يُسق ، فمات ليلة
الأربعاء لخمس خلون من جمادى الآخرة منها ، ومكث ولداه في السجن مدة خلافة المتوكّل ، فلمّا ولي
المنتصر ولدُه أخرجهما .
(١) سليمان بن داود الأزدي العتكي، أبو الربيع الزَّهراني البصري، الحافظ المقرىء، أحد الثقات ، المحدث الكبير .
سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٧٦)، طبقات القراء (٣١٣/١).
(٢) أبو الحسن ، أمير المؤمنين في الحديث ، صاحب التصانيف . قال البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند
عليّ بن المديني. وكان أعلم من الإمام أحمد باختلاف الحديث . سير أعلام النبلاء (٤١/١١)، والأعلام
(٣٠٣/٤) .
(٣) أبو عبد الرحمن الهمذاني الكوفي ، أحد الأئمة . حدث عنه الجماعة . وكان رأساً في العلم والعمل . ثقة ، يحتج
بحديثه. سير أعلام النبلاء (١١ /٤٥٥)، والعبر (٤١٨/١).
(٤) محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدَّم الثقفي ، أبو عبد الله المقدَّمي البصريّ . وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة
من أبناء الثمانين . سير أعلام النبلاء (١٠ / ٦٦٠).
(٥) المعافى بن سليمان الرَّسْعَني، محدِّث رأس العين، حافظ صدوق. سير أعلام النبلاء (١١/ ١٢١).
(٦) يحيى بن يحيى بن كثير ، أبو محمد الليثي البربري ، الفقيه الأندلسي القرطبي . ارتحل إلى المشرق في أواخر أيام
مالك الإمام، فسمع منه (( الموطّأ)) سوى أبواب . كان كبير الشأن ، وافر الجلالة ، عظيم الهيبة ، نال من الرئاسة
والحُرمة ما لم يبلغه أحد . سير أعلام النبلاء (٥١٩/١٠).

١٣٦
أحداث سنة ٢٣٥ هـ
وفي شوال منها قدم بُغا سامُرَّاء ومعه محمد بن البعيث ، وأخواه صقْر وخالد ، ونائبه العلاء ، ومعه
من رؤوس أصحابه نحو من مئة وثمانين إنساناً ، فأدخلوا على الجِمال ليراهم الناس ، فلمَّا أوقف ابن
البعيث بين يدي المتوكّل أمر بضرب عنقه ، فأحضر السيف والنِّطع ، وجاء السيَّافون فوقفوا حوله ، فقال
له المتوكّل: ويلك! ما دعاك إلى ما صنعتَ؟ فقال: الشِّقْوة ، يا أمير المؤمنين! وأنتَ الحَبْلُ الممدودُ
بين الله وبين خلقه ، وإنَّ لي فيك لَظَنَّيْن ؛ أسبقهما إلى قلبي ، أولاهما بك ، وهو العفو . ثم اندفع يقولُ
[ فيه ] بديهة (١) :
أبَى النَّاسُ إلا أنَّك اليومَ قاتِلي إمامَ الهُدَى والصَّفْحُ بالمرء أجمَلُ
وعَفُك من نُورِ النُُّوَّةِ يُجْبَلُ
وهَلْ أنا إلا جُبْلةٌ من خَطيئةٍ
ولا شَكَّ أنْ خَيْرَ الفِعَالَيْنِ تَفْعَلُ
فإنَّك خيرُ السَّابقين إلى العُلا
فقال المتوكّلُ : إنَّ معه لأدباً ، ثم عفا عنه . ويقال: بل شَفَعَ فيه المعتزُّ بنُ المتوكّل فشفَّعه فيه ،
ويقال : بل أودع في السجن في قيودٍ ثقيلةٍ(٢) ، فلم يزل فيه حتَّى هرب بعد ذلك ، وقد قال حين
هرب (٣) :
غَيرِي وقد أخَذَ الإفلاسُ بالكرمُ(٤)
كُمْ قد قضيْتُ أموراً كانَ أهمَلَها
إليكِ عِنِّي جَرَى المِقدارُ بِالقَلَمِ
لا تَعْذُلِينيَ فيما ليسَ يَنْفَعُنِي
إنَّ الجَوادَ الَّذِي يُعطِي عَلَى العَدَمِ
سأتلِفُ المَالَ في عُسْرٍ وفي يُسْرٍ
وفي هذه السنة أمر المتوكل على الله أهلَ الذِّمَّة بأن يتميّزوا عن المسلمين في لباسهم ، في عمائمهم
وثيابهم ، وأن يتطيلسوا بالمصبوغ بالقِلْي(٥)، وأن يكون على غلمانهم رِقاع مخالفة للون ثيابهم من خلفهم
وبين أيديهم ، وأن يلزموا بالزَّنانير الخاصرة ثيابهم كزنانير الفلاحين اليوم ، وأن يحملوا في رقابهم
كُراتٍ ، من خشب كثيرة ، وألا يركبوا خيلاً، ولتكن رُكبهم من خشبٍ ، إلى غير ذلك من الأمور
الفظيعة (٦) لهم، قبَّحهم الله ، وألا يُستعملوا في شيء من الدواوين التي يكون لهم فيها حكمٌ على مسلمٍ ؛
وأمَر بتخريب كنائسهم المحدثة ، وبتضييق منازلهم المتسعة ، فيؤخذ منها العشر ، وأن يعمل ما كان من
تاريخ الطبري (١٧٠/٩)، وابن الأثير (٤٨/٧).
(١)
في أ: في قيوده قبله ، وأثبت ما جاء في ب ، ظا .
(٢)
(٣)
تاريخ الطبري (١٧١/٩)، وابن الأثير (٤٨/٧).
في ط والطبري وابن الأثير: بالكظم ، وهو السكوت واجتراع الغيظ .
(٤)
في ب ، ظا: بالعلي . والقِلْي لغة فَي القِلْو ، وهو الذي يستعمله الصباغ في العصفر .
(٥)
في ط: المذلة لهم ، المهينة لنفوسهم ، وألا يستعملوا ...
(٦)

١٣٧
أحداث سنة ٢٣٥ هـ
ذلك متسعاً كبيراً مسجداً ، وأمَر بتسوية قبورهم بالأرض، وكَتَبَ بذلك إلى سائر الأقاليم والآفاق ، وإلى
كل بلد ورُسْتاق (١) .
وفيها : خرج رجل يقال له : محمود بن الفرج النيسابوريّ، ممن كان يتردد إلى جِذْع(٢) بابَك(٣)
فيقعد قريباً منه ، وذلك بقرب دار الخلافة بسرَّ مَن رأى ، فادَّعى أنه نبيّ ، وأنه ذو القرنين ، وقد اتبعه على
هذه الضلالة ووافقه في هذه الجهالة جماعة أقلُّون(٤)، وهم سبعة(٥) وعشرون رجلاً، وقد نَظَم لهم كلاماً
في مصحف له ، قبَّحه الله؛ زعم - لعنه الله - أنَّ جبريل عليه السلام جاءه به من الله، فأُخِذَ، فرُفع أمره إلى
المتوكّل فأمر به فضُرِبَ بين يديه بالسِّياط ، فاعترف بما نُسب إليه وما هو معوّل عليه ، وأظهر التوبة من
ذلك ، والرجوع عن ذلك، فأمر الخليفة كلَّ واحدٍ من أتباعه بصفعه (٦) عشر صفعات ، فعليه وعليهم لعنة
ربِّ الأرض والسموات. ثم اتفق موته في يوم الأربعاء لثلاث خَلَوْن من ذي الحجة من هذه السنة .
وفي يوم السبت لثلاث بقين من ذي الحجة من هذه السنة المباركة ، أخذ الخليفة المتوكّل على الله
العهدَ لأولاده الثلاثة من بعده ، وهم : محمد المنتصر ، ثم أبو عبد الله المعتز بالله ، واسمه محمد ،
وقيل : الزّبير ، ثم لإبراهيم ، وسمَّاه المؤيّد بالله، ولم ينل هذا الخلافة . وأعطى كلَّ واحد منهم طائفةً
من البلاد يكون نائباً عليها، ونوابه (٧) فيها ، ويضرب له السكّة بها . وقد عيَّن ابنُ جري(٨) ما لكل
واحد منهم من البلدان والأقاليم والرساتيق ، وعقد لكل واحد منهم لواءَين ، لواءً أسودَ للعهد ، ولواءً
أبيض للعمالة . وكُتب بينهم كتاب بالرِّضا منهم ويمبايعة الأمراء والكبراء لهم على ذلك ، وكان يوماً
مشهوداً .
وفي شهر ذي الحجة تغيَّر ماءُ دجلةَ إلى الصُّفْرة ثلاثة أيام ، ثم صار في لون ماء المدود ، ففزع (٩)
الناس لذلك .
وفي هذه السنة أُتي المتوكّل بيحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب
تفصيل ذلك في تاريخ الطبري (٩/ ١٧١ _ ١٧٥).
(١)
(٢)
في ط والطبري: خشبة .
(٣)
بعدها في ط : وهو مصلوب .
(٤)
في ط : قليلون .
في آ، ط : تسعة ، وأثبت ما جاء في ب ، ظا والطبري وابن الأثير.
(٥)
في ا : فصفعه صفعات .
(٦)
(٧)
في ط : ويستنيب .
(٨)
تاريخ الطبري (١٧٦/٩) وما بعدها .
قوله : ففزع الناس لذلك ، تقدم في الطبري وابن الأثير على قوله : ثم صار في لون ماء المدود . وفي عبارة المؤلف
(٩)
- رحمه الله - بعد .

١٣٨
وفيات سنة ٢٣٥ هـ
من بعض النواحي ، وكان قد اجتمع إليه قوم من الشيعة ، فأمر بضربه فضُرب ثماني عشرة مِقْرَعةً ، ثم
حبس في المطبَق .
وحجّ بالناس محمد بن داود .
قال ابن جرير (١) : وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم ، صاحبُ الجسر ، يعني نائب بغداد ، في يوم
الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة وصيِّر ابنُه محمد مكانه ، وخلع عليه خمسَ خلع ، وقلَّده سيفاً .
قلت : وقد كان له في نيابة بغداد والعراق من زمن المأمون ، وهو من [ أكبر ]٢) الدعاة تبعاً لسادته
وكبرائه إلى القول بخَلْق القرآن(٣) .
وفيها توفي :
إسحاق بن إبراهيم بن ماهان(٤) : الموصليّ النديم الأديب ابن الأديب النادر الشكل في وقته ،
المجموع الفضائل من كلِّ فن يعرفه أبناء عصره ؛ في الفقه والحديث والجدل والكلام واللغة والشعر ،
وإنما اشتهر بالغناء لأنَّه لم يكن له في الدنيا نظيرٌ فيه .
قال المعتصم : كان إسحاق إذا غنَّاني تخيَّل إليَّ أنَّه قد زيد في ملكي(٥) .
وقال المأمون : لولا اشتهارُه بالغناء لولَّيته القضاءَ ، لما أعلَمُ من عقَّته ونزاهته وأمانته .
وله شعر حسن وديوان كبير، وكانت عنده كتبٌ كثيرة٦ٌ) .
وتوفي في هذه السنة ، قال ابن خلكان(٧) : وقيل: في التي قبلها ، [ وقيل: في التي بعدها ]٨) ،
وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر(٩) ترجمة حافلة ، وذكر عنه أشياء حسنة ، وأشعاراً بديعة ، رائقة ،
(١) تاريخ الطبري (٩/ ١٨١).
(٢) زيادة من ب ، ظا .
(٣) بعده في ط: الذي قال الله تعالى فيهم: ﴿رَبََّآَ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ الآية . وهو الذي كان يمتحن
الناس ويرسلهم إلى المأمون .
(٤) ترجمته في تاريخ الطبري الجزء التاسع، والكامل لابن الأثير الجزء السابع، وسير أعلام النبلاء (١١/ ١٧١)،
والوافي بالوفيات (٣٩٦/٨)، وشذرات الذهب (٨٤/٢)، والأغاني (ط. دار الكتب) (٢٦٨/٥ - ٤٣٥)،
وتاريخ بغداد (٣٣٨/٦)، ووفيات الأعيان (٢٠٢/١) .
(٥)
في ب ، ظا: قلبي. وفيات الأعيان (١/ ٢٠٤).
(٦)
بعدها في ط: من كل فن. وفيات الأعيان (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
وفيات الأعيان (٢٠٤/١) وقد رجح وفاته سنة ٢٣٥ هـ ، ولم يذكر ما قبلها.
(٧)
زيادة في ب ، ظا ، ولم ترد فيهما عبارة : وقيل : في التي قبلها .
(٨)
(٩) مختصر ابن عساكر (٢٧٣/٤ - ٢٨١).

١٣٩
أحداث سنة ٢٣٦ هـ ـ وفيات سنة ٢٣٦ هـ
وحكايات مدهشة يطول استقصاؤها ، فمن غريب ذلك : أنَّه غنَّى يوماً ليحيى بن خالد بن بَرمك فوقَّع له
بألف ألفٍ ، ووقّع له ابنُه جعفر بمثلها ، والفضل بمثلها ، في حكاية طويلة .
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان أيضاً :
سُرَيْج بن يُونس (١)
وشَيْبان بن فَرُوخُ(٢)
وعبيد الله بن عمر القواريرِيّ(٣)
وأبو بكر بن أبي شيبة٤)، أحد الأعلام وأئمة الإسلام، وصاحبُ ((المصنف )) الذي لم يصنَّ أحدٌ
مثلَه قطُ لا قبله ولا بعده .
ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومثتين
فيها : أمر المتوكل بهدْم قبر الحسين بن عليّ ، وما حوله من المنازل والدّور ، ونودي في الناس :
من وُجِدَ هاهنا بعد ثلاثة أيام [ رفع ] إلى المطبق؛ فلم يبقَ هناك بشرٌ، وأنّخِذ ذلك الموضع مزرعةً تُحرث
وتستغل .
وفيها : حجَّ بالناس محمد المنتصر(٥) بن المتوكل .
وفيها : توفي محمد بن إبراهيم بن مُصْعَب ، سمَّه ابنُ أخيه محمد بن إسحاق بن إبراهيم ، وكان
محمد بن إبراهيم هذا من الأمراء الكبار .
(١) صحف في المطبوع إلى شريح ، وهو سريج بن يونس بن إبراهيم ، أبو الحارث المروزي البغدادي ، من الأئمة
العابدين، وكان رأساً في السنة ، صدوق . سير أعلام النبلاء (١١/ ١٤٦).
(٢) هو شيبان بن أبي شيبة، أبو محمد الحَبطي مولاهم الأبُلَي البصري ، الحافظ الصدوق ، مسند عصره ، كان يرى
القدرَ ، غير أنه تفرد بالأسانيد العالية . سير أعلام النبلاء (١١/ ١٠١).
(٣) عبيد الله بن عمر بن مَيْسَرة ، أبو سعيد الجشمي مولاهم البصري القواريري الزجاج ، نزيل بغداد . محدّث الإسلام.
ثقة كثير الحديث . سير أعلام النبلاء (١١ / ٤٤٢).
(٤) هو عبد الله بن محمد بن القاضي أبي شيبة إبراهيم بن عثمان ، أبو بكر العبسي الكوفي ، وهو من أقران أحمد بن
حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وعلي بن المديني في السن والمولد والحفظ . الإمام العلم ، سيّد الحفاظ ، صاحب
الكتب الكبار . والمسند والمصنف والتفسير والأحكام . سير أعلام النبلاء (١١/ ١٢٢).
(٥) في ط: (( محمد بن المنتصر)) خطأ.

١٤٠
أحداث سنة ٢٣٧ هـ
وفيها : توفي الحسن بن سهل الوزير والد بوران زوجة المأمون التي تقدَّم ذكرها ، وكان من سادات(١)
الناس ورؤسائهم .
ويقال : إن إسحاق بن إبراهيم توفي في هذه السنة ، والله أعلم .
وفيها : توفي أبو سعيد محمد بن يوسف المروزيّ فجأة، فولَّى ابنَه يوسفَ مكانه على نيابة أرمينية .
وفيها : توفي إبراهيم بن المنذر الحِزاميّ(٢).
.. (٣)
.
ومُصْعَب بن عبد الله الزبيريّ
وهُدْبَةُ بن خالد القَيْسيِّ(٤) .
وأبو الصَّلت الهرويّ ، أحد الضعفاء(٥) .
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومثتين
فيها : قبض يوسف بن محمد بن يوسف نائب أرمينّة على البطريق الكبير بها ، وبعثه إلى نائب
الخليفة ، واتفق بعد بعثه إياه أن سقط ثلجٌ عظيم على تلك البلاد ، فتحزَّب أهلُ ذلك البطريق ، وجاؤوا
فحاصروا البلدة التي فيها يوسف بن محمد ، فخرج إليهم ليقاتلهم ، فقتلوه وطائفةً كثيرةً من المسلمين
الذين معه ، وهلك كثير من الناس في الثلج من شدّة البرد . ولمَّا بلغ المتوكّلَ ما وقع من هذا الأمر الفظيع
أرسل إلى أهل تلك الناحية بُغا الكبير في جيش كثيف جداً ، فقتل بُغا من أهل تلك الناحية ممن حاصر
المدينة(٦) وقتل الأمير نحواً من ثلاثين (٧) ألفاً، وأسر منهم طائفة كثيرة ، ثم سار إلى بلاد الباق من كُور
البسفرجان(٨)، وسلك إلى مدن كثيرة كبار، ومهَّد الممالك، ووطد البلادَ والنَّواحي.
(١) في ب، ظا: سَراة .
(٢) أبو إسحاق القرشي الأسدي الحِزامي المدني، الحافظ ، محدِّث المدينة ، صدوق . سير أعلام النبلاء
(٦٨٩/١٠)، والعبر (٤٢٢/١).
(٣) أبو عبد الله ، ابن أمير اليمن القرشي الأسدي الزبيري المدني ، نزيل بغداد ، النسّابة الإخباري ، من نبلاء الرجال
وأفرادهم ، كان نسابة قريش، عاش ثمانين سنة . سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٠)، والعبر (٤٢٣/١).
(٤) هُذْبة بن خالد بن أسود بن هُذْبة، أبو خالد القيسي البصري. مسند وقته، صدوق. سير أعلام النبلاء (١١ / ٩٧)،
والعبر (٤٢٣/١).
هو عبد السلام بن صالح الهروي ، الشيخ العالم العابد ، شيخ الشيعة ، له فضل وجلالة . قال أبو حاتم : لم يكن
(٥)
عندي بصدوق ، وله عدة أحاديث منكرة . سير أعلام النبلاء (٤٤٦/١١).
(٦)
في ب ، ظا : البلد .
(٧)
في آ: ثلاثين ألف رأس .
في النسخ : كورة السيرجان ، وأثبت ما جاء في ط ، والطبري ، وابن الأثير.
(٨)