النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ أحداث سنة ٢٢٧ هـ لست على مذهبك يا أبت! فقال له: والله لقد وطئت أمَّك قبل أن أشتريها، فهذا من ذاك (١). فذكر القاضي ابنُ خلكانُ(٢) : أنَّ ولده رأى في المنام بعد وفاة أبيه أن آتياً أتاه ، فقال : أجب الأمير! قال : فقمت معه ، فأدخلني داراً وَحْشَةً، وَعْرَةً ، سوداءَ الحيطان ، مغلَّقة السقوف والأبواب ، وأصعدني في درجٍ منها ، ثم أدخلني غرفة ، في حيطانها أثرُ النيران ، وفي أرضها أثرُ الرّماد ، وإذا بأبي فيها وهو عُزيان ، واضحٌ رأسَه بين ركبتيه ، فقال لي كالمستفهم : دُلَف؟ فقلت: دُلَف . فأنشأ يقول : أَبْلِغَنْ أهْلَنا ولا تُخْفِ عَنْهُمْ ما لَقِينا في البَرْزَخِ الخَنّاقِ فَأَزْحَمُوا وَحْشَتِي وَمَا قَدْ ألاقِي قد سُئِلْنا عن كلِّ ما قدْ فَعَلْنا ثم قال : أفهمت ؟ قلت : نعم ! فأنشَدَ : لَكَانَ المَوْثُ راحَةَ كُلِّ حَيٍّ فَلَوْ أنَّا إذا متنا تُرِكْنَا ونُسْألُ بَعْدَهُ عَنْ كُلِّ شَيٍّ ولكنَّا إذا متنا بُعِشْنا ثم قال : أفهمت ؟ قلت : نعم . وانتبهت . ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومثتين فيها : خرَج رجلٌ من أهل الغَور بالشام يقال له : أبو حَرْب المُبَرْفَع اليمانيّ ، فخلع الطاعة ، ودعا إلى نفسه، [ وسُمِّي السفياني(٣) . وكان سبب خروجه أن رجلاً من الجند أراد أن ينزلَ في منزله ، وذلك في غيبة أبي حَرْب ، فمانَعَتْه المرأة ، فضربَها الجنديّ في يدها ، فأثّرت الضربة في معصمها . فلمَّا جاء بعلها أخبرته ، فذهب إلى الجندي وهو غافل فضربه ، فقتله ، ثم تحصَّن في رؤوس الجبال وهو مُبَرْقَعٌ ، فإذا جاء أحدٌ دعاه إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويذُّ من السلطان ، فاتبعه خلق كثير من الحرَّاثين وغيرهم ، وقالوا : هذا هو السُّفياني المذكور أنه يملك الشامَ ، واستفحل أمره جداً ، واتبعه نحو من مئة ألف مقاتل ، فنفذ إليه الخليفةُ المعتصم وهو في مرض موته جيشاً نحواً من ألفٍ مقاتل . فلمَّا قدم الأميرُ وجَدَ أمَّةً كثيرةً قد اجتمعوا حوله ، فخشي أن يناجزه والحالة هذه ، فانتظر حتى جاء وقت حَرْث الأراضي فتصرَّم عنه الناس إلى أراضيهم ، وبقي في شِرْذمةٍ قليلة من أصحابه ، فناهضه فأسره (١) وفيات الأعيان (٤/ ٧٨). (٢) وفيات الأعيان (٤/ ٧٨) وفيه الأبيات. (٣) زيادة من ب ، ظا . ١٠٢ ذكر وفاة المعتصم وترجمته جيش الخليفة ، وتفرَّق عنه أصحابه ، وحمله أمير السرية ، وهو رَجَاء بنُ أيُّوبَ ، حتَّى قدِمَ به على المعتصم ، فلامه المعتصم في تأخّره ، فاعتذر بأنَّه كان معه مئة ألف أو يزيدون ، فلم يزل يطاوله حتى أمكنه ذلك منه ، فشكره على ذلك(١) . [ وقد ذكر قصته مبسوطة الحافظ ابن عساكر في ترجمته من الكنى ]٢). ذكر وفاة المعتصم وفي يوم الخميس لساعتين مضتا منه ، الثامن عشر من ربيع الأول من هذه السنة ، كانت وفاة أبي إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور . وهذه ترجمة الخليفة المعتصم(٣) : هو أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد المعتصم بن أمير المؤمنين هارون الرشيد بن أمير المؤمنين محمد بن أمير المؤمنين أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، ويقال له : المثمَّن ؛ لوجوهٍ ، منها : أنه ثامن ولد العباس ؛ ومنها : أنه ثامن الخلفاء من ذريته ؛ ومنها : أنه فتح ثمان فتوحات ؛ [ بلاد بابك ، على يدي الأفشين ، وعَمُوريَّة بنفسه ، والزُّطّ بعُجَيف، وبَحر البصرة ، وقلعة الأجراف ، وأعراب ديار ربيعة ، والشارك ، وفتح مصر بعد عصيانها . وقيل : ثمانية أعداء ؛ بابك ، ومازيار ، وياطى الرومي ، والأفشين ، ورئيس الزنادقة ، وعُجَيف ، وقارن ، وقائد الرافضة (٤) : ومنها : أنه أقام في الخلافة ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام ، وقيل : ويومين ؛ وأنه ولد سنة ثمانين ومئة في شعبان ، وهو الشهر الثامن ؛ ومنها : أنه توفي وله من العمر ثمانية(٥) وأربعون سنة ؛ ومنها : أنه خلف ثمانية بنين وثماني بنات ؛ ومنها : أنه دخل بغداد من الشام وهو خليفة في مستهل رمضان سنة ثماني عشرة ومئتين ، بعد استكمال ثمانية أشهر من السنة ، بعد موت أخيه المأمون بطَرَطُوس ، كما تقدَّم . قالوا : وكان أُمِّياً لا يحسن الكتابة ، وكان سبب ذلك أنه كان يتردد معه إلى الكتَّاب غلامٌ ، فمات ، فقال لأبيه : مات فلان واستراح من الكتّاب ، فقال له أبوه الرشيد : لا تذهب إلى الكتَّاب (١) تاريخ الطبري (١١٦/٩ -١١٨) وابن الأثير (٥٢٢/٦ - ٥٢٣). (٢) زيادة من ب، ظا. تاريخ ابن عساكر (ج١٩ / ورقة ١٥/ ب). تاريخ الطبري (١١٨/٩ -١٢٣)، تاريخ بغداد (٣٤٢/٣)، الكامل لابن الأثير (٤٣٩/٦ و٥٢٣) ، سير أعلام النبلاء (٣) (٢٩٠/١٠)، فوات الوفيات (٤٨/٤)، الوافي بالوفيات (١٣٩/٥)، تاريخ الخلفاء (٣٣٩ - ٣٤٥)، شذرات الذهب (٢/ ٦٣) . (٤) ما بين قوسين زيادة من (ب، ظا) والخبر في تاريخ بغداد (٣٤٣/٣) وسير أعلام النبلاء (٣٠٢/١٠). (٥) كذا في الأصول ، وحقها : ثمان وأربعون . ١٠٣ ذكر وفاة المعتصم وترجمته بعدها ، فتركوه فكان أميّاً . وقيل : بل كان يكتب كتابةً ضعيفةٌ(١) . وقد أسند الخطیبُ(٢) البغداديّ من طريقه عن آبائه حدیثین منكرين ؛ أحدهما : في ذم بني أمية ومدح بني العباس من الخلفاء . والثاني : في النهي عن الحجامة يومَ الخميس . وذكر بسنده(٣) عن المعتصم: أنَّ ملك الروم كتب إليه كتاباً يتهذَّدُه فيه، فقال للكاتب: اكْتُبْ: ((قد قرأتُ كتابَك وسمعت خطابَكَ، والجوابُ ما تَرى لا ما تسمَعُ ﴿ وَسَيَعْدَهُ الْكُفَرُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [ الرعد : ٤٢ ] )) . قال الخطيب(٤) : غزا المعتصم بلاد الروم في سنة ثلاث وعشرين ومئتين ، فأنْكَى نكايةً عظيمة في العدوِّ، ونصب على عَقُوريّة المجانيق ، وأقام عليها حتى فتحها ودخلها ، فقتل فيها : ثلاثين ألفاً ، وسبَى مثلهم ، وكان في سبيه ستون بطريقاً ، وطرح النار في عَمُّوريَّة من سائر نواحيها ، فأحرقها ، وجاء بيابها إلى العراق ، وهو باقٍ حتى الآن ، منصوب على أحد أبواب دار الخلافة ممايلي المسجد الجامع في القصر . وروى عن أحمد بن أبي دُواد القاضي أنه قال : ربَّما أخرج المعتصمُ ساعدَه إليَّ، وقال لي : عضَّ يا أبا عبد الله بكل ما تقدر عليه ، فأقول : إنه لا تطيبُ نفسي يا أميرَ المؤمنين ! فيقول : إنه لا يضرُّني . فأكْدِمُ(٥) بكلِّ ما أقدرُ عليه فلا يؤثِّر ذلك في يده(٦) . وقال : مَرَّ يوماً في خلافة أخيه بمخيَّم الجندِ ، فإذا امرأة تقول : ابني ابني فقال: ما شأنُكِ ؟ فقالت: أخذه صاحبُ هذه الخيمة ، فجاء إليه المعتصم ، فقال له : أطلق هذا الصبي ! فامتنع عليه ، فقبض على (١) تاريخ بغداد (٣٤٣/٣)، وتاريخ الخلفاء (٣٣٩). (٢) ذكر حديث ذم بني أميّة الخطيب البغدادي في تاريخه (٣٤٣/٣) والحافظ السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص٣٣٩) في ترجمة المعتصم ، وقال في آخره : قلت : الحديث موضوع ، وآفته الغلابي . في تاريخ الخلفاء العلائي ، وهو تصحيف . والغلابي هذا هو : محمد بن زكريا الغلابي البصري الأخباري ، وهو ضعيف وقال الدار قطني : يضع الحديث . والحديث الآخر : من احتجم يوم الخميس ، فمرض فيه مات فيه . ذكره الحافظ السيوطي في الجامع الصغير من رواية ابن عساكر عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء صفحة (٣٣٩) عن ابن عساكر بسنده ، وإسناده ضعيف . (٣) تاريخ بغداد (٣٤٤/٣). تاريخ بغداد (٣٤٤/٣) . (٤) الكدم : العضُّ ، وفي تاريخ بغداد : فأروم ذلك . (٥) تاريخ بغداد (٣٤٦/٣)، سير أعلام النبلاء (٣٠٣/١٠). (٦) ١٠٤ ذكر وفاة المعتصم وترجمته جسده بيده ، فسُمع صوتُ عظامه من تحت يده ، ثم أرسلَه ، فسقَطَ ميتاً ، وأمر بإخراج الصبيّ إلى أمه(١) . ولمّا ولي الخلافة كان شَهْماً في أيامه ، له همة عالية ، ومهابة عظيمة جداً . وقال بعضهم : إنما كانت همته [ في الإنفاق ]٢) في الحرب لا في البناء ولا في غيره . وقال القاضي أحمد بن أبي دُواد : تصدَّقَ المعتصم على يديَّ ، وهب ما قيمته مئة ألف ألف (٣) درهم(٣) . وقال غيره : كان المعتصم إذا غضبَ لا يبالي مَنْ قَتَل ولا ما فعل(٤) . وقال إسحاق بن إبراهيم الموصليّ : دخلتُ يوماً على المعتصم وعنده قَيْنةٌ له تغنِّيه ، فقال لي : كيف تراها؟ فقلت : يا أمير المؤمنين! أراها تقهَرُه بحِذْقٍ، وتختله برِفْقٍ ، ولا تخرُجُ من شيء إلا إلى أحسنَ منه ، وفي صوتها قطع شُذُور أحسنُ من نظم الدُّرِّ على النُّحور. فقال : والله لَصِفَتُكَ لها أحسنُ منها ومن غنائها ، ثم قال لابنه هارون الواثق وليّ عهده من بعده: اسمع هذا الكلامُ(٥) . وقد استخدم من الأتراك خَلْقاً عظيماً ، كان له من المماليك قريبٌ من عشرين ألفاً . وتمَّ له من آلات الحرب والدواب ما لم يتفق لغيره . ولمَّا حضرته الوفاةُ جعل يقول: ﴿ حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوْنُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً﴾ [ الأنعام: ٤٤]. وقال : لو علمت أن عمري قصيرٌ ما فعلْتُ ما فعلْتُ . وقال : إني أوخذ من بين هذا الخلق . وجعل يقول : ذهبَت الحيل ، فليست حيلة . ورُوي عنه أنه قال في مرض موته : اللَّهُمَّ إنِّي أخافُكَ مِنْ قِبَلى ولا أخافُكَ مِن قِبَلِك ، وأرجوك من قِبَلِك، ولا أرجُوكَ مِن قِبَلِي(٦) . وكانت وفاته (( بسرَّ مَنْ رأى)) في يوم الخميس ضحّى لسبعَ عشرةَ خَلَتْ من ربيع الأول من هذه السنة ، أعني سنة سبع وعشرين ومئتين ، وكان مولده يوم الإثنين لعشر خلون من شعبان سنة ثمانين ومئة ، وولي الخلافة في رجب سنة ثماني عشرة ومئتين . المصدر السابق . (١) (٢) زيادة في ب ، ظا ، ط . (٣) تاريخ الطبري (١٢٣/٩). الطبري (١٢١/٩)، وابن الأثير (٦/ ٥٢٦). (٤) تاريخ الطبري (١٢٢/٩)، وسير أعلام النبلاء (٣١٣/١٠). (٥) تاريخ بغداد (٣٤٦/٣)، سير أعلام النبلاء (٣٠٦/١٠). (٦) ١٠٥ خلافة هارون الواثق بن المعتصم وكان المعتصم أبيضَ ، أصهبَ(١) اللحية طويلها، مربوعاً، مُشْرَبَ اللون . أمُّه أمُّ ولد اسمُها مارِدة . وهو أحدُ أولاد ستةٍ من أولاد الرشيد ، كلٌّ منهم اسمُه محمد ، وهم : أبو إسحاق المعتصم ، وأبو العباس الأمين ، وأبو عيسى ، وأبو أحمد ، وأبو يعقوب ، وأبو أيوب ؛ قاله هشام بن الكلبي (٢). وقد قام بالخلافة بعدَه ولدُه هارون الواثق . ذكر ابن جرير أن وزيره محمد بن عبد الملك بن الزيات رثاه ، فقال(٣): عَلَيْكَ أيدي(٤) التُّراب والطِّينِ قَد قُلْتُ إِذْ غَبُوكَ واصْطَفَقَتْ سدُّنْيا ونِعْمَ الظهيرُ الدِّينِ اذهَبْ فنِعمَ الحفيظُ کنْتَ علی الـ مِثْلَكَ إلا بِمِثْلِ هَارُونٍ لا جَبَرَ اللهُ أُمَّةً فَقَدَتْ وقال مَرْوان بن أبي الجنوب ، وهو ابن أخي مروان ابن أبي حَفْصةُ(٥) : وأمْسَيْنا بهارُونٍ حَيينا أبو إسحاقَ ماتَ ضُحىّ فِمِتْنَا لقَدْ جَاءَ الخميسُ بما هَوِينا لئنْ جاءَ الخمیسُ بما کرهنا خلافة هارون الواثق بالله بن المعتصم بُويع له بالخلافة قبل أن يموت أبوه المعتصم يوم الأربعاء لثمانٍ خلَوْن من ربيع الأول من هذه السنة ، أعني سنة سبع وعشرين ومئتين ، ويكنى بأبي جعفر، وأَمُّه أمُّ ولدِ رُوميَّة ، يقال لها : قراطيس ، وقد خرجَتْ في هذه السنة قاصدةً الحجَّ ، فماتت بالحيرة ، ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى ، وذلك لأربع خَلَوْن من ذي القعدة من هذه السنة(٦) . وكان الذي أقام للناس الحجَّ في هذه السنة جعفر بن المعتصم(٧). (١) ((الأصْهَب)): ذو اللون الأصفر الضارب إلى شيء من الحمرة والبياض. (٢) جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٢٣). تاريخ الطبري (١١٩/٩)، والكامل لابن الأثير (٥٢٥/٦). (٣) في الطبري وابن الأثير : أيْدٍ بالتُّرب . (٤) تاريخ الطبري (٩/ ١٢٠) . (٥) تاريخ الطبري (١٢٣/٩) . (٦) (٧) المصدر السابق . ١٠٦ وفيات سنة ٢٢٧هـ وممن توفي في هذه السنة من المشاهير : ملك الروم توفيل بن ميخائيل ، وكانت مدَّة ملكه ثنتي عشرة سنة ، فملكَتْ بعده امرأته تدورة ، وكان ابنها ميخائيل بن توفيل صغير(١) . وفيها توفي : بِشْر الحافِي الزَّاهد المشهور (٢) : وهو بِشْر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المَرْوَزيّ ، أبو نَصْر الزاهد ، المعروف بالحَافي ، نزيلُ بغداد . قال ابن خلكان(٣) : وكان اسمُ جدِّه عبد الله الغيور ، أسلم على يدي عليّ بن أبي طالب . قلت : وكان مولده ببغداد سنة خمسين ومئة ، وسمع بها شيئاً كثيراً من حمَّاد بن زيد ، وعبد الله بن المُبَارك ، وابن مهدِيّ، ومالكٍ ، وأبى بكر بن عياش ، وغيرهم. وعنه جماعة ، منهم : أبو خَيْئمة زهير بن حرب ، وسَرِيِّ السَّقَطِيُّ ، والعباس بن عبد العظيم ، ومحمد بن حاتم . قال محمد بن سعد(٤) : سمع كثيراً ، ثم اشتغل بالعبادة ، واعتزل الناس ، ولم يُحدِّثْ. وأثنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة في عبادته وزهده وورعه ونسكه وتقشُّفه . قال [ الإمام أحمد يوم بلغه موتُه: لم يكن له نظيرٌ إلا عامر بن عبد قيس ، ولو تزوَّج لكان قد تمَّ أمرُ!(٥) . وقال إبراهيم الحربيُّ : ما أخرجَتْ بغدادُ أتمَّ عقلاً ، ولا أحفَظَ للسانه منه، ما عُرِفَ له غِيبةٌ لمسلمٍ ، وكان في كل شعره(٦) منه عقل. ولو قُسم عقلُه على أهل بغدادَ لصاروا عقلاءَ وما نقص من عقله شيء(٧). (١) المصدر السابق . (٢) حلية الأولياء (٣٣٦/٨)، تاريخ بغداد (٦٧/٧)، تهذيب ابن عساكر (٢٣١/٣)، مختصر ابن عساكر (١٩١/٥)، صفة الصفوة (٣٢٥/٢)، وفيات الأعيان (١/ ٢٧٤)، سير أعلام النبلاء (٤٦٩/١٠)، تهذيب الكمال (٩٩/٤)، طبقات الأولياء (١٠٩) شذرات الذهب (٦٠/٢). (٣) وفيات الأعيان (١/ ٢٧٤)، واسم جدِّه فيه: بعبور . وفي تاريخ بغداد : يعفور ، ولم ترد في ب ، ظا . (٤) طبقات ابن سعد (٣٤٢/٧). تاريخ بغداد (٧٣/٧)، تاريخ ابن عساكر، المجلدة العاشرة ، صفحة (٤٩)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٧٢ - (٥) ٤٧٤)، تهذيب الكمال (١٠٥/٤)، وبعدها في المطبوع؛ وفي رواية عنه أنه قال: ما ترك بعده مثله. (٦) في النسخ : شعره عقل ، والمثبت من ط . (٧) تاريخ بغداد (٧/ ٧٣)، وابن عساكر (المجلدة العاشرة/ ٥١)، وسير أعلام النبلاء (١٠ / ٤٧٢، ٤٧٥). ١٠٧ وفيات سنة ٢٢٧ هـ وذُكِر عن غير واحدٍ أَنَّه كان شاطر(١) في بدء أمره ، وأنَّ سبب توبته أنه وجد رُفْعَةً فيها اسمُ الله عزَّ وجلَّ في أتُونِ حمَّامٍ ، فرفعها، ورفَعَ طَرْفَه إلى السّماء ، وقال: سيّدي! اسمُك هاهنا ملقَى! ثم ذَهَبَ إلى عطّار فاشترىّ بدرهم غاليةُ(٢) وضمَّخ تلك الرُقْعَة منها، ووضعها حيث لا تُنال، فأخْيَى اللهُ قلبَه ، وألهمه رشدَه، وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة (٣). ومن كلامه : مَنْ أحبَّ الدنيا فليتهيَّأ للذُّلِّ. وكان يأكلُ الخبزَ وحدَهُ ، فقيل له : بماذا تأتدم ؟ فقال : أذكر العافيةَ فأجعلها أُدْماً . وكان لا يلبَسُ نعلاً بل يمشي حافياً ، طرق يوماً باباً ، فقيل : من ؟ فقال: بِشر الحافي . فقالت جارية أما وجَدَ دانقينُ(٤) يشتري له بها نعلاً ويستريح من هذا الاسم ؟ قالوا : وكان سببُ تركه النعلَ : أنَّه جاء إلى حَذَّاء فطلب منه شِراكُ) لنعله، فقال له: ما أكثرَ كلفتكمُ(٦) على الناس؟ فطرح النَّعلَ من يده، وخَلَعَ الأخرى من رجله ، وحلَفَ لا يلبَسُ نعلاً أبد(٧) . قال ابن خلكانُ(٨) : وكانت وفاته يومَ عاشوراء ، وقيل : في رمضان ببغداد ، وقيل : بمرو . قلت : الصحيح ببغداد في هذه السنة ، وقيل : في سنة ست وعشرين ، والأول أصحُ ، والله أعلم . وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد على (٩) بَكْرَةِ أبيهم ، فأُخرج من بعد صلاة الفجر ، فلم يستقرَّ في قبره إلا بعدَ العَتَمَةِ ؛ وكان عليّ بن المدينيّ وغيرُه من أئمة الحديث يصيح بأعلى صوته في الجنازة : هذا والله شرفُ الدنيا قبل شَرَفِ الآخرة ١) . ورُوي : أنَّ الجِنَّ كانت تنوحُ عليه في بيته الذي كان يسكن فيه . وأنَّه رآه بعضهم في المنام ، فقال له : ما فَعَلَ اللهُ بك؟ فقال: غفَرَ لي ولكلِّ من شهد جنازتي، ولكلِّ مَن أحبَّني إلى يوم القيامةُ(١). (١) ((الشاطر)): الخبيث الفاجر، وجمعها شُطَّار . (٢) ((الغالية)) : الطيب . تاريخ ابن عساكر ( المجلدة العاشرة/ ٣٩)، ومختصره (١٩١/٥)، وتهذيب الكمال (١٠٣/٤). (٣) (٤) في اَ: دانقاً. و((الدَّانق)): سُدُسُ دِرْهم ، معرَّب. (( شِراك النعل)) : سيرُها الذي على ظهر القدم. (٥) بعد هذا في ط: ((يافقراء))، وليست في النسخ ولا وفيات الأعيان (١/ ٢٧٥). (٦) تاريخ بغداد (٦٩/٧)، وتاريخ ابن عساكر ( المجلدة العاشرة/ ٤١)، ومختصره لابن منظور (١٩٢/٥)، وتهذيب (٧) الكمال (٤/ ١٠٢). (٨) وفيات الأعيان (١/ ٢٧٦). (٩) في النسخ : عن بكرة . (١٠) ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ ٧٩)، ومختصره (٢٠٤/٥)، وتهذيب الكمال (١٠٨/٤). (١١) ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ ٨٠، ٨٢)، ومختصره (٢٠٤/٥، ٢٠٦)، وتهذيب الكمال (١٠٩/٤). ١٠٨ وفيات سنة ٢٢٧ هـ وذكر الخطيبُ البغداديّ(١) أنه كان له أخواتٌ ثلاثٌ، وهنَّ: مُخَّة، ومُضْغة، وزُبْدة ؛ وكلهنَّ عابدة زاهدة مثله ، وأشدّ ورعاً أيضاً ؛ ذهبت إحداهن فاستأذنَتْ على أحمد بن حنبل رحمه الله ، فقالت : إنِّي ربَّما طُفىء السّراج عليَّ وأنا أغزِلُ ، فإذا كان ضوء قمرٍ غزلْتُ فيه ، فعليَّ عند البيع أن أميزَ بين هذا وهذا؟ فقال لها : إنْ كان بينهما فرقٌ فأعلمي به المشتري . وقالت (٢) له : مرَّ الحرَسُ ليلةٌ بمشعلٍ ، فغَزَلْتُ في ضوئه طاقات ، فخلّصني من ذلك . فأمرَها أن تتصدَّق بذلك الغَزْلِ كلِّه لِما اشْتبه عليه معرفةُ [ عين ] ذلك المقدار . وسألته عن أنين المريض : أفيه شكْوَى؟ قال : لا ، إنَّما هو شكوى إلى الله عزَّ وجلَّ . ثم خرجت ، فقال [ لابنه عبد الله ]٣) : يا بني ، اذهبْ فاعلم لي مَن هذه المرأة؟ قال عبدُ الله: فذهبتُ وراءها، فإذا هي قد دخلَتْ دارَ بِشْر الحافي، وإذا هي أخته ، وفي رواية: مُخَّة . وروى الخطيب (٤) البغدادي عن زُبْدَة ، قالت : جاء ليلة أخي بِشْر ، فدخل برجلِه في الدار ، وبقيت الأخرَى من خارج ، فاستمرَّ كذلك ليلَته حتَّى أصبَحَ ، فقيل له : فيمَ تفكّرْتَ ليلتَكَ؟ قال : تفكّرْتُ في بِشْر النصرانيّ ، وبِشْر اليهوديّ ، وبِشر المجوسيّ ، وفي نفسي ، واسمي بِشْرٌ ، فقلْتُ في نفسي : ما الذي سبَقَ منك [ إليه ] حتى خصَّكَ بالإسلام من بينهم؟ فتفكَّرْتُ في تَفضُّلِه عليَّ، وحمِدْتُه على أن جعلني من خاصته ، وألبَسَني لباسَ أحبابه . وقد ترجمه ابنُ عساكر(٥) فأطنب ، وأطيب ، وأطال من غير مَلال . وقد ذكر ابن عساكر أشعاراً حسنة ، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات(٦): وتكرَُّ في حَوْضِ الذنوب فتشربُ تعافُ القَذَى في الماءِ لا تستطيعُهُ ولا تذكرُ المختارَ من أينَ يُكسبُ(٧) وتؤثرُ من أكلِ الطَّعامِ أَلَذَّهُ وفي حشوها نارٌ عليك تَلَهَّبُ وترقُدُ يا مسكين فوقَ نَمَارِقٍ(٨) وأنتَ ابنُ سبعينَ بدينكَ تلعَبُ .فحتى متى لا تَستفِيقُ جهالةً تاريخ بغداد (١٤ / ٤٣٦). (١) في ط : وقالت له مرة إحداهن : ربما تمرّ بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل ، فنغزل الطاق والطاقين (٢) والطاقات ، فخلصني .. (٣) زيادة من ط . تاريخ بغداد (٤٣٨/١٤)، تاريخ ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ ٦١)، ومختصره (١٩٧/٥)، وصفة الصفوة (٤) (٢/ ٣٣١)، وما بين قوسين زيادة من تاريخ بغداد . (٥) تاريخ ابن عساكر ( المجلدة العاشرة/ ٣٥ -٨٦)، ومختصره لابن منظور (١٩١/٥ - ٢٠٧). (٦) تاريخ ابن عساكر ( المجلدة العاشرة/ ٧٥) . في ب ، ظا : ولا تذكر المجنى ومن أين تكسب . (٧) ((النَّمارق)): مفردها نُمْرُق ، وهي الوسادة الصغيرة . (٨) ١٠٩ أحداث سنة ٢٢٨ هـ وممن توفي فيها : أحمد بن يونُس اليَربوعيّ(١). وإسماعيل بن عَمرو البَجَليّ(٢). وسعيد بن منصور، صاحب ((السُّنن)) المشهورة التي لا يشاركه في مثلها إلا القليل (٣). ومحمد بن الصَّبَّحِ الدُّولابي، وله (( سُنْن)) أيض٤ً). وأبو الوليد الطَّيالسيّ(٥). وأبو الهُذَيل العلاف ، المتكلِّم المعتزليّ(٦). ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئتين في رمضانها خلَعَ الخليفة الواثق على أشناس الأمير ، وتوجَّه ، وألبَسَهُ وِشاحَين من جوهرٍ . وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود الأمير . وغَلا السعر على الناس في طريق مكة جداً ، وأصابهم حرّ شديد وهم بعرفة ، ثم برد شديد ومطر عظيم في ساعةٍ واحدةٍ ، ونزل عليهم وهم بمِنَّى مطرٌ لم يُرَ مثله ، وسقطت قطعةٌ من الجبل عند جمرة العقبة فقتلَتْ جماعةً من الحجّاج . (١) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليَربُوعيّ الكوفي، أبو عبد الله. ينسب إلى جدّه تخفيفاً. إمام ، حجّة ، ثقة، متقن . سير أعلام النبلاء (١٠ / ٤٥٧). (٢) إسماعيل بن عمرو بن نَجيح البَجَلي الكوفيّ ، شيخ أصبهان ومسندها . ذكره ابن عدي في الضعفاء ، وهو من أبناء التسعين . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٣٥). (٣) سعيد بن منصور بن شعبة ، أبو عثمان الخراسانيّ المروزيّ ، ويقال : الطالقاني ، ثم البلخي، ثم المكي المجاور ، ثقة ، متقن ، وهو ممن جمع وصنَّف ، شيخ الحرم . وهو من أبناء الثمانين . سير أعلام النبلاء (١٠ /٥٨٦) . (٤) هو أبو جعفر المزني ، البغدادي. ثقة، صاحب حديث . كان أحمد بن حنبل يجلُّه ويعظّمه . مات بالكَرْخ عن سبع وسبعين سنة . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٧٠). (٥) هو هشام بن عبد الملك، أبو الوليد الباهلي ، البصري، الطيالسي، الإمام الحافظ الناقد ، شيخ الإسلام ، أمير المحدثين، ثقة، ثبت. مات عن أربع وتسعين سنة. سير أعلام النبلاء (٣٤١/١٠)، وتقريب التهذيب (٣١٩/٢). (٦) هو محمد بن الهُذيل البصري العلاف ، أبو الهُذيل، صاحب التصانيف ، ورأس المعتزلة . لم يكن بالنَّقيّ ، وكان قد أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل تلميذ واصل بن عطاء . وقد طال عمره ، وجاوز التسعين . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٢) . ١١٠ أحداث سنة ٢٢٨ هـ قال ابنُ جرير(١) : وفيها مات أبو الحسن المدائنيّ في منزل إسحاق بن إبراهيم الموصليّ ، وحَبيب بن أوس الطائيّ أبو تمام الشاعر . قلت : أمَّا أبو الحسن ، عليّ بن محمد المدائنيّ ، أحدُ أئمة هذا الشأن ، وإمام الأخباريين في زمانه، فتقدَّمُ(٢) ذكرُ وفاته قبل هذه السنة ، والله أعلم . وأمَّا أبو تمَّام الطائي الشاعر(٣) : صاحبُ الحماسة التي جمعها في فصل الشتاء بهَمَذان ، في دار وزيرها ، فهو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشَج بن يحيى بن مرينا بن سهم بن خلجان بن مروان بن دُفافة بن مرّ بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عَدي بن عمرو بن الحارث بن طيِّىء ، وهو جُلْهُمة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عَريب بن زيد بن كَهْلان بن سَبَأْ بن يَشْجُب بن يعرب بن قحطانُ(٤) ، أبو تمَّام الطائي الشاعر الأديب المشهور . ونقل الخطيب (٥) عن محمد بن يحيى الصولي : أنه حكي عن بعض الناس أنهم قالوا : أبو تمَّام حبيب بن تدوس النصراني ، فسماه أبو تمام(٦) أوس بدل تدوس . قال ابن خلكان (٧) : وأصله من قرية جاسم من عمل الجَيْدور بالقرب من طَبَرِيَّةَ . وكان بدمشق يعمل عند حائك . ثم صار(٨) إلى مصر في شبيبته . وابن خلكان أخذ ذلك من تاريخ الحافظ ابن عساكر(٩) ، وقد ترجم أبا تمام ترجمة حسنة . وقال الخطيب(١٠) البغدادي: وهو شامي الأصل ، وكان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع ، ثم جالس الأدباء فأخذ عنهم ، وتعلَّم منهم . وكان فطناً فهماً ، وكان يحبُّ الشعر ، فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر فأجاد ، وشاع ذكره ، وسار شعره ، وبلغ المعتصم خبره ، فحمله إليه ، وهو بسرَّ مَن رأى ، فعمل فيه قصائدَ ، فأجازه المعتصم ، وقدَّمه على شعراء وقته ، فقدم بغدادَ فجالس الأدباءَ ، (١) تاريخ الطبري (١٢٤/٩). تقدم في وفيات سنة (٢٢٤هـ) . (٢) الأغاني (٣٨٣/١٦)، تاريخ بغداد (٢٤٨/٨)، مختصر ابن عساكر (١٧٨/٦)، وفيات الأعيان (١١/٢)، سير (٣) أعلام النبلاء (١١/ ٦٣)، شذرات الذهب (٢/ ٧٢)، تهذيب ابن عساكر (١٨/٤)، معاهد التنصيص (٣٨/١). الجمهرة لابن حزم (ص٣٩٩)، ووفيات الأعيان (٢/ ١١). (٤) تاريخ بغداد (٢٤٩/٨) وفيه : حبيب بن بدوس . (٥) في ا: أبو حبيب ، وما أثبته من ب ، ظا . (٦) وفيات الأعيان (٢/ ١١، ١٧) مع اختلاف في العبارة . (٧) (٨) في ا: سار، وفي ط : ساربه ، وأثبت ما جاء في ب ، ظا . وفي الوفيات: ونشأ بمصر. تاريخ ابن عساكر (٧٧/٤أ) وما بعدها (نسخة الظاهرية)، ومختصره لابن منظور (١٧٨/٦ - ١٨٢). (٩) (١٠) تاريخ بغداد (٢٤٨/٨)، ومختصر ابن عساكر (١٧٨/٦). ١١١ أحداث سنة ٢٢٨ هـ وعاشر العلماء ، وكان موصوفاً بالظَّرْف ، وحسن الأخلاق ، وكرم النفس . وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهر وغيره أخباراً مسندة . قال القاضي ابن خلكان (١): كان يحفظ أربعة ٢) عشر ألف أرجوزة للعرب ، غير القصائد والمقاطيع وغير ذلك . وكان يقال : في طيِّىء ثلاثة : حاتِمٌ في كرمه ، وداود الطائيّ(٣) في زهده ، وأبو تمَّام في شعره . قلْتُ : وقد كان الشعراء في زمانه جماعةٌ ، فمن مشاهيرهم : أبو الشّيص(٤) ، ودِغْبِل بن علي ، وابن أبي فنن(٥)، وقد كان أبو تمام من خيارهم ديناً وأدباً وأخلاقاً . ومن رقيق شعر(٦): يا حَليفَ النَّدى ويا مَعدِنٌ(٧) الجُودِ ويا خَيْرَ مَن حَويتَ (٨) القَريضا ــرُ فلا تشتكى وكنتُ المريضا ليتَ حُمَّاكَ بي وكانَ لكَ الأجْـ وقد ذكر الخطيبُ(٩) عن إبراهيم بن محمد بن عرفة : أنَّ أبا تمام توفي سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين ، وكذا قال ابن جرير(١٠) . وحكي عن بعضهم أنه قال : توفي في سنة إحدى وثلاثين (١١) . وقيل : سنة ثنتين وثلاثين (١٢) ومئتين ، الله أعلم . (١) وفيات الأعيان (٢/ ١٢). في النسخ ووفيات الأعيان : أربع عشرة . (٢) هو داود بن نصير الطائي الكوفي ، أبو سليمان . الإمام الفقيه ، القدوة الزاهد ، أحد الأولياء ، من أئمة المتصوفة . (٣) مات سنة ١٦٥ هـ. حلية الأولياء (٣٣٥/٧)، وسير أعلام النبلاء (٧/ ٤٢٢). (٤) وهو محمد بن علي بن عبد الله بن رَزين الخزاعي ، ابن عم دعبل ، شاعر مطبوع ، من أهل الكوفة ، غلبه على الشهرة صاحباه صريع الغواني وأبو نواس ، قتله خادم عقبة بن جعفر في الرقة سنة ١٩٦ هـ . طبقات الشعراء لابن المعتز (٧٢)، والأعلام (٧/ ١٥٤). (٥) أبو عبد الله ، أحمد بن صالح ، شاعر مغلق مطبوع، اتصل بمحمد بن عبد الله بن طاهر ومدحه . طبقات ابن المعتز (٣٩٦) . (٦) ابن عساكر (٨٠/٤)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٥٢). في تاریخ بغداد وابن عساكر : يا تؤم . (٧) في تاريخ بغداد وابن عساكر : حبوتُ . (٨) تاریخ بغداد (٨/ ٢٥٢) . (٩) (١٠) تاريخ الطبري (١٢٤/٩). (١١) سير أعلام النبلاء (١١ / ٦٧). (١٢) قاله مَخلد الموصلي، كما في سير أعلام النبلاء (١١ / ٦٧). ١١٢ أحداث سنة ٢٢٨ هـ وكانت وفاته بالموصل ، وبنيت على قبره قبة . وحكى الصولي عن الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيّات أنّه قال يرثيه (١): نَبَأُ أَتَى مِن أعظم الأنباءِ لمَّا أَلَمَّ مُقَلْقِل الأحْشَاءِ قَالُوا حَبِيبٌ قَدْ ثَوَى فَأَجَبْتُهمِ نَاشَدْتُكُمْ لا تَجْعَلُوهُ الطَّائي وقال غيره(٣) : وَغَدِيرِ رَوْضِتِها حَبِيبِ الطائي فُجِعَ القَرِيضُ بِخَاتَمِ الشُّعَراءِ وكذاكَ كانا قَبْل في الأحياءِ مَاتا مَعاً فَتَجَاوَرا في حُفْرَةٍ وقد جمع الصُّولي شعر أبي تمام على حروف المعجم . قال القاضي ابن خلكان(٣) : وقد امتدح أحمدَ بن المعتصم ، ويقال : أبَّنَ المأمون ، بقصيدته التي يقول فيها : إِقْدَامُ عَمْرٍو فِي سَمَاحَةِ حَاتِمٍ في حِلْمٍ أحْنَفَ في ذَكاءِ إياسِ فقال له بعضُ الحاضرين (٤): أتقول هذا للأمير وهو أكبرُ قدراً من هؤلاء(٥) ؟ فأطرق ساعةً ، ثم قال : لا تُنْكروا ضَرْبِي لَهُ مَنْ دُونَهُ مَثلاً شَرُوداً في النَّدى والبَاسِ فاللهُ قَدْ ضَرَبَ الأقَلَّ لِنُورِهِ مَثلاً مِنَ المِشْكَاةِ والنِّبْرَاسِ فلمَّا أخذوا منه القصيدة لم يجدوا فيها هذين البيتين ، وإنَّما قالهما ارتجالاً . فقال [ بعضهم ]: لا يعيش هذا بعد هذا إلا قليلاً ، فكان كذلك . قال القاضي ابن خلكان(٦) : وقد زعم بعضهم أنَّ هذه القصيدة امتدح بها بعضَ الخلفاء ، فأقطعه الموصل ، فأقام بها أربعين يوماً ، وليس هذا بصحيح ، ولا أصلَ له ، وإن كان قد لهِج به بعضُ الناس ، كالزمخشري وغيره . (١) تاريخ بغداد (٨/ ٢٥٣)، وفيات الأعيان (١٨/٢)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٦٧) ونسبا أيضاً لغيره. (٢) هو الحسن بن وهب الوزير، والبيتان في وفيات الأعيان (١٨/٢)، ومختصر ابن عساكر (٦/ ١٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١١ / ٦٧). وفيات الأعيان (١٥/٢)، وفيه الأبيات الثلاثة، وهي في ديوانه (٢٤٩/٢). (٣) (٤) هو يعقوب بن إسحاق الكندي ، کما في ديوانه (٢/ ٢٥٠) . بعدها في ط : فإنك ما زدت على أن شبهته بأجلافٍ من العرب البوادي . (٥) (٦) وفيات الأعيان (١٥/٢). ١١٣ وفیات سنة ٢٢٨هـ وقد أورد له الحافظ ابن عساكر(١) أشياء مستظرفة من شعره الرائق ونظمه الفائق ، فمن ذلك قوله(٢): ولَوْ كانَتِ الأرْزَاقُ تُجْرَى على الحِجَا هَلَكْنَ إذاً من جَهْلِهِنَّ البَهَائِمُ ولا المَجْدُ في كفِّ امرىءٍ والدَّراهِمُ ولَمْ يَجْتَمِعْ شَرْقٌ وغَرْبٌ لِقَاصِدٍ ومنه قوله (٣) : وما أنا بالعراقِ مِن دُونِ عُرْسِهِ(٤) طَبِيبُ فؤادي مُذْ ثلاثون حجّةٌ(٥) إذا أنا لم أُصْبِخْ غَيُوراً على العِلْمِ ومُذهِبُ همِّي والمُفَرِّجُ للغَمِّ(٦) وممن توفي فيها من الأعيان : أبو نَصر الثَّمَّارُ(٧) . والعَيْشي(٨). وأبو الجَهْمُ(٩) . ومُسَدَّى١) . = = (١١) وداودُ بن عمرو الضبي ٠ (١) تاريخ ابن عساكر (٨٠/٤/ أ) نسخة الظاهرية. (٢) ديوانه (١٧٨/٣). ديوانه (٤/ ٤٩٥) من قصيدة يعاتب فيها أبا القاسم بن الحسن بن سهل . (٣) في الديوان : وما أنا بالغيران من دُون جاره ، وفي ط وابن عساكر : وما أنا بالغيران من دون عرسه. (٤) (٥) في الديوان : لصيق فؤادي مُذْ ثلاثون حجّة ، وفي ط : طبيب فؤادي مذ ثلاثين حجة . (٦) في الديوان : وصَيقل ذهني والمروِّحُ عن همِّي . (٧) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن ذكوان . إمام ثقة زاهد . نزيل بغداد . امتحن بمسألة خلق القرآن فأجاب تقية وخوفاً من النكال ، وهو ثقة بحاله . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٧١). (٨) في النسخ بغير إعجام ، وفي ط : العبسي ، وهو عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر ، أبو عبد الرحمن القرشي التيمي البصري ، ويعرف بابن عائشة ، وبالعَيْشي، لأنه من ولد عائشة بنت طلحة بن عبيد الله . وهو إمام ثقة ، أخباري صادق ، كان طلاباً للحديث ، عالماً بالعربية وأيام الناس ، كريماً سخياً . تاريخ بغداد (٣١٤/١٠)، اللباب (٣٦٩/٢)، سير أعلام النبلاء (١٠ /٥٦٤). (٩) هو العلاء بن موسى بن عطية الباهليّ البغدادي ، أبو الجَهم . الشيخ المحدث الثقة . صدوق ، من أبناء الثمانين. تاريخ بغداد (١٢/ ٢٤٠)، سير أعلام النبلاء (٥٢٥/١٠). (١٠) هو مُسَدَّد بن مُسَرْهَد بن مُسَرْبَل، السدي، البصري، أبو الحسن. أحد أعلام الحديث. ثقة، حافظ. يقال: إنه أول من صنّف المسند بالبصرة. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٩١)، تقريب التهذيب (٢٤٢/٢). (١١) داود بن عمرو بن زهير بن عمرو، أبو سليمان الضَّبِّي البغدادي ، ثقة ، من كبار شيوخ مسلم. سير أعلام النبلاء (١٣٠/١١)، تقريب التهذيب (٢٣٣/١). ١١٤ أحداث سنة ٢٢٩ هـ ويحيى بن عبد الحَميد الحِمَّانِيُ(١). ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومثتين في هذه السنة أمر الواثق بالله بضرب الدَّوَاوين(٢) واستخلاص الأموال منهم(٣) ، فمنهم من ضُرب ألف سوط ، ومنهم من أخذ منه ألف ألف دينار ، ودون ذلك . وجاهر الوزير محمد بن عبد الملك لسائر ولاة الشُّرَط بالعَداوة، فَكُشفوا وحُبسوا ولقوا جهداً عظيماً . وجلس إسحاق بن إبراهيم للنظر في أمرهم ، وأقيموا للناس ، وافتضحوا فضيحة بليغة . وكان سببُ ذلك أنَّ الواثق جلس ليلةً في دار الخلافة يُسمَر عنده، فقال : هل منكم أحدٌ يعلم سبب عقوبة جدّي الرشيد للبرامكة ؟ فقال بعض الحاضرين : نعم يا أميرَ المؤمنين ! كان سبب ذلك : أنَّ الرشيد عُرضت عليه جارية ، فأعجبه جمالُها ، فساوم سيدَها فيها ، فقال: يا أميرَ المؤمنين ! إني أقسمت [ بكل يمين ]٤) ألا أبيعَها بأقلَّ من مئة ألف دينار ، فاشتراها منه بها ، وبعث إلى يحيى بن خالد الوزير ليبعث بها إليه من بيت المال ، فاعتلَّ بأنها ليست عنده ، فأرسل الرشيد يؤثِّبُه، ويقولُ : أليس في بيت مالي مئة ألف دينار؟ وألحّ في طلبها ، فقال يحيى بن خالد : أرسلوها إليه دراهِمَ ليستكثر ذلك، ولعلَّه يردُّ الجارية، فبعثوا بمئة ألف دينار دراهمَ ، فقال : ما هذا؟ قالوا : ثمن الجارية ، فاستكثر ذلك ، وأمرَ بخزنها عند بعض خدمه في دار الخلافة ، وأعجبَه جمعُ المال في حواصله . ثم شَرَعَ في تتبع أموال بيت المال ، فإذا البرامكة قد استهلكوه ، فجعل يهمُّ بأخذهم تارة ، ويحجم أخرى ، حتى كان في بعض الليالي سمر عنده رجلٌ يقال له : أبو العود ، فأطلق له ثلاثين ألف درهم ، فذهب إلى الوزير يحيى بن خالد بن برمك ، فماطله بها مدة طويلة . فلمَّا كان في بعض الليالي عرض أبو العود ذلك للرشيد بقول عمر بن أبي ربيعة(٥) : وَعَدَتْ مِنْدٌ وما كانتْ تَعِدْ لَيْتَ هِنْداً أنْجَزَتْنا ما تَعِدْ إنَّما العاجِزُ مَن لا يَسْتَبِدّ واسْتَبَّدَّتْ مَرَّةً واحِدَةً (١) يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن ميمون بن عبد الرحمن، أبو زكريا الحِمَّاني الكوفي . حافظ ، إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث . سير أعلام النبلاء (٥٢٦/١٠)، تقريب التهذيب (٣٥٢/٢). (٢) في الطبري وابن الأثير : الكتَّاب . بعده في ط : لظهور خيانتهم وإسرافهم في أمورهم . (٣) (٤) زيادة في ب ، ظا ، ط . (٥) ديوانه (ص ١٠١) ط . صادر ، مع خلاف في الرواية . ١١٥ وفيات سنة ٢٢٩هـ فجعل الرشيدُ يكرِّر قولَه : إنَّما العاجزُ من لا يستبدّ ، ويعجبُه ذلك . فلما كان الصباح دخل عليه يحيى بن خالد فأنشده الرشيدُ هذين البيتين وهو يستحسنهما ، ففهم ذلك يحيى بنُ خالد وخافَ وسأل عمن أنشد ذلك للرشيد ؟ فقيل له : أبو العود . فبعث إليه فأنجز له الثلاثين ألفاً ، وأعطاه من عنده عشرين ألفاً، وكذلك ولداه الفضل وجعفر ، فما كان عن قريبٍ حتى أخذ الرشيدُ البرامكة ، وكان من أمره وأمرهم ما كان . فلمَّا سمِعَ ذلك كلّه الواثقُ أعجبه ذلك وجعلَ يكرِّر قول الشاعر: إنَّما العاجزُ من لا يستبدّ ، ثم بطش بالكتَّاب على إثر ذلك، وأخذ منهم أموالاً عظيمة جدا١ً) . وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود أمير الحجيج في السنين الماضية . وممن توفي فيها من الأعيان : خلف بن هشام البزَّار ، أحد مشاهير القرّاء(٢) . وعبد الله بن محمد المُسْنَديّ(٣) . ونُعَيْم بن حمَّاد الخُزاعيّ ، أحد أئمة السُّنَّة بعدَ أن كان من أكابر الجَهْمية ، وله المصنَّفات المشهورة في الفتن وغيرها٤) . وممن توفي في هذه السنة دينار بن عبد الله(٥) ، المنسوب إليه النسخة المكذوبة عنه أو منه ، ولكنها عالية الإسناد إليه ، ولكنها موضوعة . (١) تاريخ الطبري (١٢٥/٩ -١٢٨)، والكامل لابن الأثير (١٠/٧ - ١١). (٢) خلف بن هشام بن ثعلب، أبو محمد البغدادي البزَّار ، المقرىء، الحافظ ، الحجة ، شيخ الإسلام ، أحد القراء العشرة ، حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين . كان ثقة كبيراً زاهداً عابداً عالماً . سير أعلام النبلاء (٥٧٦/١٠) ، غاية النهاية (١/ ٢٧٢) . (٣) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن يمان الجُعفي، أبو جعفر، المعروف بالمُسندي ، لكثره اعتنائه بالأحاديث المسندة . قال الحاكم : إمام الحديث في عصره بما وراء النهر ، وهو أستاذ البخاري . وهو من أبناء التسعين . سير أعلام النبلاء (١٠ / ٦٥٨). (٤) وهو أحد علماء الأثر ، وله غلطات ومناكير مغمورة في كثرة ما روى ، وامتحن بخلق القرآن فلم يجب ، فحبس وقيِّد ومات في الحبس. سير أعلام النبلاء (٥٩٥/١٠)، العبر (٤٠٥/١). (٥) هو دينار بن عبد الله، أبو مِكْيَس الحبشي الأسود المعمّر. منكر الحديث . كان يزعم أنه خادم أنس بن مالك . كتاب المجروحين والضعفاء (٢٩٥/١)، وتاريخ بغداد (٣٨١/٨)، وميزان الاعتدال (٣٠/٢). ١١٦ أحداث سنة ٢٣٠ هـ ـ وفيات سنة ٢٣٠هـ سنة ثلاثين ومئتين في جمادى(١) منها خرجت بنو سُليم حول المدينة النبوية، فعاثوا في الأرض فَسَاداً ، وأخافوا السبيل، وقاتلهم أهلُ المدينة، فهزموا أهلَها، واستحوذوا على ما بين المدينة ومكّة وتلك المناهل والقُرى. فبعث إليهم الواثقُ بُغا الكبيرَ أبا موسى التركيّ في جيشٍ ، فقاتلهم في شعبان ، فقتَلَ منهم خمسين فارساً ، وأسر مثلهم ، وانهزم بقيتُهم ، فدعاهم إلى الأمان وأن يكونوا على حكم أمير المؤمنين ، فاجتمع إليه منهم خلقٌ كثيرٌ ، فدخل بهم المدينة ، وسجن رؤوسهم في دار يزيد بن معاوية . وخرج إلى الحجِّ في هذه السنة ، وشهد معه الموسم إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعب نائبُ العراق . وحَّ بالناس محمد بن داود الأمير . وفي هذه السنة توفي : عبد الله بن طاهر بن الحسين(٢) : نائبُ خراسان وما والاها من البلدان. وكان خراج ما تحت يده ثمانية وأربعين ألفَ ألف درهم ، فولَّى الخليفةُ ابنه طاهراً مكانه . وكانت وفاة عبد الله بن طاهر الأمير بعد موت أشناس التركي بتسعة أيام ، وذلك يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلَتْ من شهر ربيع الأول من هذه السنة . وقد حكى القاضي ابن خلكان(٣) : أنه توفي سنة ثمان وعشرين بمَرْو ، وقيل : بنيسابور . وكان كريماً جواداً ممدَّحاً ، له شعر حسنٌ ، أورد له منه . قال(٤) : وقد ولي نيابة مصرَ بعد العشرين ومئتين . وذكر الوزير أبو القاسم بن المغربي : أن البطيخ العَبْدَلاوي الذي بمصرَ منسوبٌ إلى عبد الله بن طاهر هذا . قال القاضي ابن خلكانُ(٥) : إما أنه كان يستطيبه، أو لأنَّه أوَّلُ مَن زرعه هناك، والله أعلم. ومن شعره(٦) : اغتفِرْ زَلَّتِي لِتُحْرِزَ فَضْلَ الثُّـ ـكْرٍ مِنِّي ولا يفوتَكَ أجْرِي (١) الطبري: في جمادى الآخرة. (٢) تاريخ بغداد (٤٨٣/٩)، ابن عساكر (٢٠٥/٣ -٢٢٧)، الكامل لابن الأثير (١٤/٧)، وفيات الأعيان (٨٣/٣)، سير أعلام النبلاء (١٠ / ٦٨٤)، النجوم الزاهرة (٢٥٨/٢). وفيات الأعيان (٨٨/٣) وحكى أيضاً أنه توفي سنة ثلاثين ومئتين ورجح ذلك ، ولذلك ذكره المصنف هنا . (٣) وفيات الأعيان (٨٧/٣) وفيه: كان دخوله إليها سنة إحدى عشرة ومئتين. (٤) وفيات الأعيان (٨٨/٣). (٥) وفيات الأعيان (٨٦/٣). (٦) ١١٧ وفيات سنة ٢٣٠ هـ لا تَكِلْنِي إلى التَّوسُلِ بالعُذْ رِ لَعَلّي ألَّ أَقُومُ(١) بِعُذْرِي ومن شعره أيضا٢ً): ــلُ علَى أَنَّا نُلينُ الحَدِيدا نحنُ قومٌ تُلِيُنا الحَدَقُ النُّجْـ ـنُ ونقتادُ بالطُّعانِ الأسود(٤) طَوعَ أيدي الظُّبا تَصَيَّدنا٣) العِيـ ـضُ المضيئات (٥) أعيُناً وخُدودا نملكُ الصَّيدَ ثم تملِكُنا البِيـ سَخَطَ الخِشْفِ(٦) حين تُبدي الصُّدودا تثَّقي سُخْطنا الأسودُ ونخشى راً وفي السّلم للغواني عَبيدا فترانا يومَ الكريهةِ أحرا قال ابن خلكان(٧): وكان خُزاعياً من موالي طَلْحة الطَّلَحات الخُزَاعِيّ(٨)، وقد كان أبو تمام يمدحه ، فرحل مرةً إليه، فأضافه الثلج بهَمَذَان، فصنَّف كتاب (( الحماسة )) عند بعض رؤسائها . وروى الحافظ ابن عساكر(٩) أنَّه لمّا ولاه المأمونُ نيابة بلاد الشام وديار مصر ، سار إليها ، وقد رسم له بما في ديار مصر من الحواصل ، فحمل إليه وهو في أثناء الطريق ثلاثة آلاف ألف دينار ، ففرَّقها كلَّها في مجلس واحد . وأنه لمَّا واجه مصرَ نظرَ إليها فاحتقَرَها، وقال : قبَّحَ اللهُ فرعون! ما كان أخسَّه وأضعفَ همَّته حين مَلَكَ هذه القريةَ، وقال: أنا ربُّكُم الأعْلَى! [ ثم قال عبد الله بن طاهر: والله لا أدخلها١٠) }(١). وممن توفي فيها : (١٢) عليٌّ بن الجَعْد الجوهريَّ (١) في النسخ: لا أقوم ، وأثبت ما جاء في (ط ) والوفيات. (٢) وفيات الأعيان (٨٥/٣ - ٨٦) وفيه: وقيل: إنها لأصرم بن حميد، ممدوح أبي تمام ؛ وكذلك في الوافي بالوفيات (٢٢٠/١٧) . في الوفيات : تقتادنا . (٣) في ط : ومن شأننا نصيد الأسودا . (٤) (٥) في الوفيات : المصونات . (٦) الخِشف : الظبي التي نفرت من أولادها وتشرَّدت . القاموس . وفيات الأعيان (٨٨/٣). (٧) هو طَلْحَة بن عبد الله بن خلف الخزاعي ، أحد الأجواد المقدَّمين ، كان أجود أهل البصرة في زمانه . مات نحو (٨) ٦٥ هـ. الأعلام (٢٢٩/٣). (٩) تاريخ ابن عساكر (٢٠٨/٣٤)، تاريخ بغداد (٤٨٣/٩). (١٠) في ب : لأدخلها ، وابن عساكر : لادخلتها . (١١) زيادة من نسختي ب ، ظا. (١٢) علي بن الجعد بن عبيد، أبو الحسن البغدادي الجوهريّ، مولى بني هاشم . شيخ بغداد في عصره . ثقة ، ثبت ، رمي بالتشيع. مات عن ست وتسعين سنة. سير أعلام النبلاء (٤٥٩/١٠)، تقريب التهذيب (٣٣/٢). ١١٨ أحداث سنة ٢٣١ هـ ومحمد بن سعد (١)، كاتبُ الواقديّ، وله كتاب ((الطبقات)) وغيرها من المصنفات . وسعيد بن محمد الجَرْميّ(٢) . ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومئتين فيها : وقعت مفاداةٌ لجماعةٍ من المسلمين كانوا بأيدي الروم ، على يدي الأمير خاقان الخادم ، وذلك في المحرّم من هذه السنة ، وكان عدة الأسارى الذين استُنقذوا من أيدي الكفار أربعة آلاف وثلاثمئة واثنين وستين أسيراً ، ولله الحمد والمنة . وفيها كان مقتل : أحمد بن نَصْر الخُزَاعي (٣) : رحمه الله وأكرم مثواه . وكان سبب ذلك أنَّ هذا الرجلَ ، وهو أحمد بن نَصْر بن مالك بن الهَيْثم الخُزَاعِيّ ؛ وجدُّه مالك بن الهَيْثم من أكبر الدعاة في الناس إلى دولة بني العبّاس(٤) ، وكانت له وجاهة ورياسة ؛ وكان أبوه نَصْر بن مالك يَغْشاه أهلُ الحديث ، وقد بايعه العامّة في سنة إحدى ومئتين على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حين كثرت الذُّعَّار والشُّطّارُ(٥) في أرجاء بغداد في زمان غيبة المأمون عن بغداد ، كما قدَّمنا بسط ذلك، وبه تُعرف سُوَيْقَة٦ُ) نَصْرٍ ببغداد . وكان أحمد هذا من أهل العلم والديانة والعمل والاجتهاد في الخير ، ومن أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلامُ الله ، منزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ ، (١). محمد بن سعد بن منيع ، أبو عبد الله البغدادي . مؤرخ ثقة ، من حفاظ الحديث ، ولد في البصرة ، وسكن بغداد ، وتوفي فيها . صحب الواقدي المؤرخ ، وكتب له وروى عنه ، وعرف بكاتب الواقدي . من أشهر مؤلفاته كتاب طبقات الصحابة ، ويعرف بطبقات ابن سعد. سير أعلام النبلاء (١٠ / ٦٦٤)، الأعلام (١٣٦/٦). سعيد بن محمد بن سعيد الجَرْمي الكوفي ، أبو عُبيد الله . محدّث ، صدوق ، رمي بالتشيّع ، حدّث عنه البخاري (٢) ومسلم . سير أعلام النبلاء (١٠ / ٦٣٧) . تاريخ الطبري (١٣٥/٩ - ١٣٩ و١٩٠)، تاريخ بغداد (١٧٣/٥ - ١٧٦)، طبقات الحنابلة (٨٠/١)، الكامل لابن (٣) الأثير (٧/ ٢٠)، سير أعلام النبلاء (١٦٦/١١)، تهذيب الكمال (٥٠٥/١ - ٥١٤)، الوافي بالوفيات (٨/ ٢١١)، شذرات الذهب (٦٩/٢). بعده في ط : الذين قتلوا ولده هذا ، وكان أحمد بن نصر هذا له وجاهة ورياسة .. (٤) ((الدعّار)): مفرده الداعر، وهو الخبيث المفسد. و((الشطار)): مفرده الشاطر، وهو الخبيث الماكر. (٥) ((سُوَيْقة)): تصغير ساق، وهي مواضع كثيرة. و((سُوَيْقة نصر)): بشرقي بغداد أقطعه إياها المهدي . معجم (٦) البلدان . ١١٩ أحداث سنة ٢٣١ هـ وكان الواثقُ هارون من أشدّ الناس في القول بخلق القرآن ، يدعو إليه ليلاً ونهاراً ، وسرّاً وجهاراً ، اعتماداً على ما كان عليه أبوه المعتصم وعمه المأمون في ذلك ، من غير دليل ولا برهان ، ولا حجة ولا بيان ، ولا سنة ولا قرآن (١) . فاجتمع على هذا الرجل أحمد بن نصر جماعة من أهل بغداد ، والتفَّ عليه من الألوف أعدادٌ . وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نَصْر هذا رجلان ، وهما أبو هارون السرَّاج يدعو أهل الجانب الشرقيّ ، وطالب(٢) يدعو أهلَ الجانب الغربي. ولمَّا كان شعبان من هذه السنة انتظمَت البيعةُ لأحمدَ بن نَصْر الخُزاعيّ في السرّ على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والخروج على السلطان ، لِبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن (٣) .. فتواعدوا على أنَّه في الليلة الثالثة من شعبان ، وهي ليلة الجمعة ، يُضْرَبُ طبلٌ في الليل ، فيجتمع الناس الذين بايعوا في مكانٍ اتفقوا عليه ، وأنفَقَ طالبٌ وأبو هارون في أصحابه ديناراً ديناراً ، فكان في جملة مَن أعطوه رجلان من بني أشْرس ، وكانا يتعاطيان الشرابَ ، فلمَّا كانت ليلة الخميس شرِبا في قومٍ من أصحابهم ، واعتقدا أنَّ تلك الليلة هي ليلةُ الوغْدِ ، وكان ذلك قبلَه بليلةٍ ، فقاما يضربان على طبلٍ في الليل ؛ ليجتمعَ إليهما الناسُ ، فلم يجيءُ أحدٌ ، وانخرَمَ النّظام ، وسمِعَ الحرسُ في الليل ، فأعلموا نائبَ السلطنة ، وهو محمد بن إبراهيم بن مُصْعَب ، نائب أخيه إسحاق بن إبراهيم ؛ لغيبته عن بغدادَ ، فأصبح الناس متخبِّطينَ ، واجتهد نائبُ السلطنة على إحضار ذينك الرجلين ، فعاقبهما ، فأقرًّا عليه في الحال ، فتطلب أحمد بن نصر ، وأخذ خادماً له فاستقرّه فأقرَّ بما أقرَّ به الرجلان ، فجمع جماعةً من رؤوس أصحاب أحمد بن نَصْر معه ، وأرسَلَ بهم إلى الخليفة بسُرَّمَن رأى ، وذلك في آخر [ يوم من ]٤) شعبان من هذه السنة . فأحضر له جماعة من الأعيان ، وحضر القاضي أحمد بن أبي دواد المعتزليّ ، ولم يظهر منه على أحمد بن نَصْرعتب . فلمّا أوقف أحمد بن نَصْر بين يدي الخليفة الواثق فلم يعاتبه على شيء ممَّا كان منه في أمر مبايعة العامة له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فأعرض عن ذلك ، وقال له : ما تقول في القرآن ؟ فقال : هو كلامُ الله . قال : أمخلوقٌ هو ؟ قال: هو كلامُ الله . وكان أحمد بن نصر قد استقبل(٥) وحضر ، وقد تحنَّط وتنوَّر(٦) فقال له الواثق : فما تقولُ في ربِّك، أتَراه يوم القيامة ؟ فقال : يا أميرَ (١) بعدها في ط : فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله ، وإلى الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والقول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها . (٢) في ط : وآخر يقال له : طالب .. بعدها في ط : ولما هو عليه وأمراؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها . (٣) (٤) زيادة من ب ، ظا . في ا : استقل . وفي ط : استقتل وباع نفسه وحضر . (٥) (٦) بعدها في ط : وشد على عورته ما يسترها . ١٢٠ أحداث سنة ٢٣١ هـ المؤمنين (١)! جاءت الأخبار عن رسول الله وَّهِ أنَّه قال: ((تَرَوْنَ ربَّكُم يومَ القيامة كما تَرَوْنَ هذا القمرَ لا تُضافُّون في رؤيته (٢) ؛ فنحن على الخبر . زاد الخطيبُ(٣) في إيراده؛ فقال الواثق: وَيْحَك! أيُرَى كما يُرى المحدودُ المتجسّم ؟ ويحويه مكان ويحصُره الناظرُ ؟ أنا أكفُرُ بربِّ هذه صفته . قلت : وهذا الذي قاله الخليفة الواثق لا يرد ، ولا يلزم ، ولا يرد به مثل هذا الخبر الصحيح ، والله أعلم . ثم قال أحمد بن نَصْر الخُزَاعِيّ للواثق: وحدثني سفيان بحديثٍ يرفعه: (( إن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الله يقلّبُه كيف يشاء)). وكان النبيُّ يقول: ((يا مقلِّبَ القلوب، ثبّت قلبي على دينك )(٤) فقال له إسحاق بن إبراهيم : ويلك! انظر ما تقول ؟ فقال : أنت أمرتني بذلك . فأشفق إسحاق من ذلك ، وقال : أنا أمرتك بذلك ؟! قال : نعم ، أنت أمرتني أن أنصَحَ له . فقال الواثق لمن حوله : ما تقولون في هذا؟ فأكثروا القولَ فيه . فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضياً على الجانب الغربيّ فعزِلَ، وكان موادّاً لأحمد بن نَصْر قبل ذلك : يا أميرَ المؤمنين ، هو حلالُ الدّم ! وقال أبو عبد الله الأرمنيّ ، صاحبُ أحمد بن أبي دواد : اسقني دمَه يا أمير المؤمنين ! فقال الواثق : تأتي(٥) على ما تريد . وقال القاضي أحمد بن أبي دواد : يا أمير المؤمنين ، هو كافر يُستتاب ، لعلَّ به عاهةٌ أو نقصَ عقل ! فقال الواثق : إذا رأيتموني قمْت إليه فلا يقومَنَّ أحدٌ معي ، فإنِّي أحتسب خُطاي . ثم نهض إليه بالصَّمصامة - وقد كانت سيفاً لعمرو بن معديكرب الزّبيدي ، أهديت لموسى الهادي في أيام خلافته ، (١) بعدها في ط: قد جاء القرآن والأخبار بذلك، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَدٍ نَاضِرَةُ (٤) إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ، وقال رسول الله وَل جر: ((إنكم ترون .. )). (٢) رواه البخاري (٢/ ٢٧) في مواقيت الصلاة ، باب فضل صلاة العصر ، وباب فضل صلاة الفجر ، وفي تفسير سورة ق، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَذٍ نَاضِرَةٌ﴾؛ ومسلم رقم (٦٣٣) في المساجد ، باب فضل صلاتي الصبح والعصر ، والمحافظة عليهما ؛ وأبو داود رقم (٤٧٢٩) في السنة ، باب في الرؤية ؛ والترمذي رقم (٢٥٥٤) في صفة الجنة ، باب ما جاء في رؤية الله تبارك وتعالى . (٣) تاريخ بغداد (١٧٦/٥). رواه أحمد في المسند (٢٥١/٦) من حديث عائشة رضي الله عنها و(٣١٥/٦) من حديث أم سلمة رضي الله عنها، (٤) ورواه الترمذي رقم (٢١٤٠) من حديث أنس رضي الله عنه، وابن ماجه رقم (١٩٩) من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه ، وهو حديث صحيح (ع ) . (٥) في ط : لا بد أن يأتي ما تريد ، وفي الطبري : القتل يأتي على ما تريد .