النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ ذكر مك بابك الخرمي فبعث غلامَه إليه ومعه ذهب ، فقال : أعطِه الذهب ، وخذ ما معه من الخبز ، [ فجاء إليه ، فدفع إليه الدنانير، وناوله الحَرَّاث ما معه من الخبز﴾(١)، فنظر شَريكُ الحَرَّاث إليه من بعيد وهو يأخذ من الخبز ، فظنَّ أنه قد اغتصبه منه ، فذهب إلى حصنٍ هناك فيه نائبٌ للخليفة يقال له : سهل بن سنباط ، ليستعدي على ذلك الغلام ، فركب بنفسه وجاء فوجد الغلام ، فقال : ما خبرُك؟ فقال : لا شيء ، إنما أعطيته دنانير وأخذت منه هذا الخبز . فقال: ومن أنت؟ فأراد أن يعمِّي عليه الخبر، فأَلَعَّ عليه ، فقال: من غلمان بابَك ، فقال : وأين هو ؟ فقال : هاهو ذا جالس يريد الغداء . فسار إليه سهل بن سنباط ، فلمَّا رآه ترجَّل وجاءه فقبَّل يده ، وقال : يا سيديّ أين تريد؟ قال: أريدُ أن أدخلَ بلاد الروم ، فقال : إلى عند مَن تذهب أحرز من حصني وأنا غلامُك وفي خدمتك؟ وما زال به حتى خدَعه وأخذه معه إلى الحصن ، فأنزله عنده ، وأجرى عليه النفقاتِ الكثيرةَ والتّحفَ وغير ذلك ، وكتب إلى الأفشين يعلمه بذلك ، فأرسل إليه أميرين لقبضه ، فنزلا قريباً من الحصن ، وكتبا إلى ابن سنباط ، فقال : أقيما مكانكما حتى يأتيكما أمري . وقال لبابك : إنَّك قد حصل لك غمّ وضِيق من هذا الحصن ، وقد عزمْتُ على الخروج اليومَ إلى الصَّيد ومعنا بُزاةٌ وكلاب ، فإنْ أحببت أن تخرج معنا لتنشرح؟ قال : نعم! فخرجوا وبعثَ ابنُ سنباط إلى الأميرين : أن كونا بمكان كذا وكذا ، في وقت كذا وكذا من النهار ، فلما كانوا بذلك الموضع أقبلَ الأميران بِمَنْ معهما من الجنود ، فأحاطوا بيابَك(٢) وبابن سنباط، فلما رأوه جاؤوا إليه فقالوا: ترجَّلْ عن دابتك ، فقال: ومن أنتما؟ فذكرا له أنهما من عند الأفشين ، فترجَّل حينئذ عن دابته وعليه دُرَّاعة بيضاء ، وعمامة بيضاء(٣)، وخُفّ قصير، وفي يده باز، فنظر إلى ابن سنباط، وقال: قبَّحك الله ! فهلا طلبْتَ منّي من المال فكنت أعطيتك أكثرَ ممَّا يعطيك هؤلاء! ثم أركبوه وأخذوه معهما إلى الأفشين ، فلما اقتربوا من بلد الأفشين فرح(٤) ، فتلقاه وأمَر الناس أن يصطفُّوا صفين ، وأن يترجّل بَابَك: فيدخل بين الناس وهو ماشٍ ، ففعل ذلك ، وكان يوماً مشهوداً جداً . وكان ذلك في شوال من هذه السنة ، ثم احتفظ به وهو في السجن عنده . ثم كتب الأفشين إلى المعتصم يخبره بأنَّ بابَك في أسره ، وقد استحضره وأخاه عبد الله أيضاً . فكتب إليه المعتصم يأمره أن يقدم بهما عليه إلى بغداد ، فتجهّز بهما إلى بغداد في تمام هذه السنة . وحجَّ بالناس فيها محمد بن داود المتقدِّم ذكره . (١) ما بين قوسين زيادة من ظا، ب . في آ، ط : ببابك، وهرب ابن سنباط، وأثبت ما جاء في ب، ظا والطبري (٤٩/٩). (٢) (٣) قوله: وعمامة بيضاء لم ترد في ا، ط، وأثبت من ب، ظا والطبري .. و((الدُّرَّاعة)): ثوب من صوف. (٤) في ط : خرج . ٨٢ وفيات سنة ٢٢٢ هـ - أحداث سنة ٢٢٣ هـ وفيها توفي : أبو اليَمَان ، الحَكَمُ بن نافعُ(١) وعُمَر بن حَفْص بن غِيات(٢) ومُسلم بن إبراهيم(٣) ويحيى بن صالح الوُحَاظِّ(٤). ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومثتين في يوم الخميس ثالث صفر من هذه السنة دخل الأفشين على المعتصم سامَرّاء ، ومعه بابَك الخُرَّميّ وأخوه عبد الله ، في تجمّل عظيم ، وقد أمر المعتصم ابنَه هارون الواثق أن يتلقَّى الأفشين ، وكانت أخباره تَفِدُ إلى المعتصم في كلِّ يومٍ من شدَّة اعتناء المعتصم بأمر بابك ، وقد ركب المعتصم قبل وصول بابَك بيومين على البريد حتَّى دخل إلى بابَك وهو لا يعرفه ، فنظر إليه ثم رجع ، فلما كان يوم دخوله عليه تأهَّب المعتصم، واصطفَّ الناس سِماطينُ(٥) ، وأمر ببابَك أن يركبَ على فيل ليشهر أمره ويعرفوه ، وعليه قَبَاء ديباجٍ وقَلَنْسَوة سمّور مدوَّرة ، وقد هيىء الفيل ، وخضّبت أطرافه ، وألبس من الحرير والأمتعة التي تليق به شيئاً كثيراً ، وقد قال فيه بعضُهم(٦) : قد خُضِبَ الفيلُ كعاداتِهِ يَحمِلُ شَيْطَانَ خُراسانِ إلا لذِي شأنٍ مِنَ الشان والفيلُ لا تُخْضَبُ أعضاؤه ولما أحضر بين يدي الخليفة أمر بقطع يديه ورجليه، وحزّ رأسه، وشقّ بطنه ، ثم أمر بحمل رأسه إلى (١) الحكم بن نافع البَهْراني، أبو اليَمَان الحمصي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت. سير أعلام النبلاء (٣١٩/١٠)، وتقريب التهذيب (١/ ١٩٣). (٢) يكنى أبا حفص الكوفي، من العلماء الأثبات. ثقة، ربما وهم. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٣٩)، وتقريب التهذيب (٢/ ٥٣) . (٣) مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، أبو عمرو البصري، القَصَّاب . محدّث البصرة . وكان ثقة حجّة . أضرَّ بأخرة. وكان يقول: ما أتيت حراماً ولا حلالاً قطّ. سير أعلام النبلاء (٣١٤/١٠)، والعبر (٣٨٥/١). (٤) أبو زكريا الوُحَاظي، الدمشقي، وقيل: الحمصي، صدوق، من أهل الري. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٥٣)، وتقريب التهذيب (٣٤٩/٢). (٥) في آ: صفين ، وهما بمعنى. (٦) قالهما محمد بن عبد الملك الزيات ، كما في الطبري (٩/ ٥٣)، وابن الأثير (٦/ ٤٧٧). ٨٣ أحداث سنة ٢٢٣ هـ خراسان ، وصلب جثته على خشبة بسامَرّا . وكان بابَك ـ لعنه الله - قد شرب الخمر في ليلة أسفَرَ صباحها عن قتله ، وذلك ليلة الخميس لثلاث عشرة خلَتْ من ربيع الآخر من هذه السنة . وكان هذا الملعون قد قتل من المسلمين في مدة ظهوره ، لعنه الله - وهي عشرون سنة - مئتي ألف وخمسة وخمسين ألفاً وخمسمئة [ إنسان}١)؛ قاله ابنُ جرير(٢)، وأسَرَ خَلْقاً لا يُحصول (٣) كثرةً ، وكان من جملة من استنقذه الأفشين من أسره نحو من سبعة آلاف وستمئة إنسان ، وأسر من أولاده سبعةً عشَرَ رجلاً ، ومن حلائله وحلائل أبنائه ثلاثاً وعشرين امرأة من الخواتين (٤) . وقد كان أصلُ بابَك ـ لعنه الله - ابن جارية زريّة الشكل جدّاً ، فَآل به الحالُ إلى هذه الحال ، ثم أراح الله المسلمين من شرِّه بعدما افتَتَن به خَلْقٌ كثيرٌ وجَمٌّ غفيرٌ من الطَّعامُ(٥) . ولما قتله المعتصمُ(٦) توَّج الأفشين وقلَّده وِشاحين من جوهر ، وأطلَق له عشرين ألف ألف درهم ، وكتب له بولاية السِّند ، وأمر الشعراء أن يدخلوا عليه فيمدحوه على ما فعل من الخير إلى المسلمين ، وعلى تخريبه بلد بابَك التي يقال لها البَذّ ، وتركه إياها يبابا٧ً) خراباً . فقالوا في ذلك فأحسنوا ، وكان من جملتهم أبو تمام الطائيّ ، وقد أورد قصيدته بتمامها الإمام أبو جعفر بن جرير - رحمه الله - في ((تاريخه (٨) ، وهي قوله : ما إنْ بها(١) إلا الوُحُوشَ دَفيٌ(١٢) بَّ الجِلادُ الََّّ(٩) وهي(١٠) قَطِينُ هَيْجَاءَ إلا عَزَّ هذا الدِّينُ لم يُقْرَ هذا السيفُ هَذا الصَّبرَ في (١) زيادة من ط والطبري. (٢) الطبري (٩/ ٥٤) . في ا: لا يحصرون . (٣) الخواتين : جمع خاتون ، وهي لفظة تركية معناها السيدة العريقة الأصل ، وهي مستعملة في العراق إلى عهد قريب (٤) ( بشار ) . ((الطّغام)): أوغاد الناس ، الواحد والجمع فيه سواء. (٥) (٦) لفظة : المعتصم سقطت من آ. (٧) ليس بها ساكن ، في جوف الليل . وفي ط : قيعاناً . الطبري (٩/ ٥٥) ولم ترد القصيدة فيه بتمامها كما أشار المؤلف رحمه الله ، وإنما وردت الأبيات نفسها في البداية . (٨) وهي مطلع قصيدة طويلة بلغت ستة وثلاثين بيتاً في ديوانه (٣١٦/٣ - ٣٢٢). (٩) في آ: إليك . (١٠) في ط والديوان والطبري : فهو دفين. (١١) الديوان : به ، والطبري : بها . (١٢) في ط والديوان والطبري: قطين. و((بَذَّ)): سَبَقَ وغَلَب. و((القطين)): أهل الدار، أي غلب الضِّراب هذا المكان ، وهو موضع بابَك الخُرَّميّ . ٨٤ أحداث سنة ٢٢٣ هـ بالسّيفِ فَحْلُ المَشْرِقِ الأفشِينُ(١) قد كان عُذْرَةَ سُوددٍ فافْتَضَّها ولَقَدْ تُرى بالأمس وَهْيَ عَرِينُ فأعادَها تَعْوِي الثَّعَالِبُ وسْطَها دِيَمٌ أمَارَتُها طُلّى وَشُؤونُ مَطَلَتْ عليها من جَمَاجِمِ أهلِها(٢) عشراً فأضحَتْ وهي منهُ مَعينُ كَانتْ مِنَ الهَيْجاء قبلُ مفازة٣) وفي هذه السنة ، أعني سنة ثلاث وعشرين ومئتين ، أوقَعَ ملك الروم توفيل بن ميخائيل - لعنه الله - بأهل مَلَظْيَه٤ُ) من المسلمين وما والاها ملحمةً عظيمةً ، قتل فيها منهم خلقاً كثيراً ، وأسر ما لا يحصون كثرةً ، وكان من جملة من أسر ألفُ امرأة من المسلمات . ومثّل بمن وقَعَ في أسره من المسلمين ، فقطع آذانهم وآنافهم، وسَمَلَ أعينهم، قَبَّحه الله(٥). وكان سبب ذلك أن بَابَك ـ لعنه الله - لمَّا أحيط به في مدينة البَذّ ، واستوسقت الجنود حوله ، كتب إلى ملك الروم يقولُ له : إنَّ ملك العرب قد جهّز إليَّ جمهور جيشه، ولم يبقَ في أطراف بلاده من يحفظها ، فإن كنتَ تريدُ الغنيمة فانهَضْ سريعاً إلى ما حولك من بلاده فخذها ، فإنَّك لا تجد أحداً يمانعك عنها٦). فركب توفيل ـ لعنه الله - في مئة ألف ، وانضافَ إليه المحمّرة الذين كانوا قد خرجوا في الجبال ، وقاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب ، فلم يقدر عليهم ، وتحصَّنوا بتلك الجبال ، فلمَّا قدِمَ ملك الروم صاروا معه على المسلمين ، فوصلوا إلى زِبَطْرَة ، فقتلوا من رجالها خلقاً، وأسروا من حريمها أمَّةً كثيرة ، فبلغ ذلك المعتصم فانزعج لذلك جدّاً ، وصرخ في قصره بالنفير ، ونهض من فوره فأمر بتعبئة الجيوش، واستدعى بالقاضي والعدول ، فأشهدهم أن ما يملكه من الضّياع ثلثه لل(٧)، وثلثه لولده ، وثلثه لمواليه (٨) . وخرج من بغداد ، فعسكر غربيّ دجلة يوم الإثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى ، ووجَّه بين يديه عُجَيْقاً وطائفةً من الأمراء ، ومعهمُ(٩) خَلْق من الجيش إعانةً لأهل زِبَطْرَة . فأسرعوا السيرَ ، فوجدوا ملك أي كان محصَّناً محروساً ففتحه الأفشين . (١) (٢) في الديوان : جادت عليها . في الطبري وط : كانت من المهجات ، وفي الديوان : كانت من الدَّم قبلَ ذاك مفازةً . (٣) (٤) بلدة من بلاد الروم مشهورة ، تتاخم الشام . (٥) الطبري (٩/ ٥٥) . الطبري (٩/ ٥٦)، وابن الأثير (٤٧٩/٦). (٦) في ط : صدقة . (٧) الطبري (٥٦/٩) . (٨) في ا: معه ، وفي ب ، ظا : معهم ، بلا واو ، وأثبت ما جاء في ط . (٩) ٨٥ ذكر فتح عمُوريَّة على يدي المعتصم الروم قد فَعَلَ ما فَعَلَ، وانْشَمَر(١) راجعاً إلى بلاده، وتفارطَ الحالُ ولم يمكن الاستدراك فيه ، فرجعوا إلى الخليفة لإعلامه بما وقع من الأمر ، فقال للأمراء : أيُّ بلاد الروم أمنعُ؟ قالوا : عَمّورية ، لم يعرِض لها أحدٌ منذ كان الإسلام ، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية (٢) . ذكر فتح عَمُّوريَّة على يَدِ المعتصم لما تفرَّغ المعتصم من شأن بابَك ، لعنه الله ، وقتَلَه ، وأخَذَ بلاده ، استدعى بالجيوش إلى بين يديه ، وتجهّز جَهازاً لم يتجهَّزهُ أحدٌ كان قبله من الخلفاء ، وأخذ معه من آلات الحرب والأحمال والجمال والقِرَبِ والدّوابّ والنفط والخيل والبغال شيئاً لم يُسمع بمثله، وسار إليها٣) في جحافلَ كالجبال ، وبعث الأفشينَ حيدرَ بن كاوس(٤) من ناحية سَرُوج ، وعَنَّى الخليفة جيشه تعبئة لم يسمع بمثلها ، وقدَّم بين يديه الأمراء المعروفين بالحرب وخبرته ، فانتهى في سيره إلى نهر اللس(٥) ، وهو قريب من طرَسوس ، وذلك في رجب من هذه السنة المباركة . وقد ركب ملك الروم في جيشه ، فقصد نحو المعتصم ، فتقاربا حتى كان بين الجيشين نحو من أربعة فراسخ ، ودخل الأفشين بلاد الروم من ناحية أخرى [ فجاء من وراء ملك الروم لا) فحار في أمره ، وضاق ذرعه بسبب ذلك ، إن هو ناجز الخليفةَ جاءه الأفشين من خلفه فالتقيا عليه فيهلك ، وإن سار إلى أحدهما وترك الآخر أخذه من ورائه . ثم اقترب منه الأفشين فسار(٧) في شِرْذِمَةٍ من الجيش إليه ، واستخلف على بقيته قريباً له ، فالتقى هو والأفشين في يوم الخميس لخمس بقين من شعبان من هذه السنة ، فثبت الأفشين في ثاني الحال وقَتَل من الروم خلقاً وجرح آخرين ، وتغلب فيه ٨) ملك الروم ، وبلغه أن بقيّة الجيش قد شردوا عن قرابته وذهبوا عنه وتفرقوا عليه ، فأسرع الأوبةَ فإذا نظام الجيش قد انحلَّ ، فغضب على قرابته وضرب عنقه . وجاءت الأخبار بذلك كلِّه إلى المعتصم فسرّه ذلك جداً ، فركب من فوره وجاء إلى أنقرة ، ووافاه الأفشين بمن معه إلى هنالك ، فوجدوا أهلها قد هربوا منها وتفرّقوا عنها ، فتقوّوا منها بطعام وعلوفةٍ (١) ((انشمر للأمر وتشمَّر)): أي تهيَّأ . (٢) الطبري (٩/ ٥٧) . (٣) في ط : إلى عَمُّوريَّة . في ا، ظا : داوس ، والمثبت من الطبري ، وفي هذا الأخير: خَيْذَر بن كاوس . (٤) (٥) في الكامل لابن الأثير (٦/ ٤٨١): نهر السنّ. (٦) زيادة في ب ، ظا . في ط : فسار إليه ملك الروم في شرذمة . (٧) (٨) في ط : على . ٨٦ ذكر فتح عمُّوريّة على يدي المعتصم كثيرةٍ . ثم فرَّق المعتصم جيشَه ثلاث فرق ؛ فالميمنة عليها الأفشين ، والميسرة عليها أشناس ، والمعتصم في القلب ، وبين كل عسكرين فرسخان ، وأمر كلَّ أميرٍ من الأفشين وأشناس أن يجعل لجيشه ميمنةً وميسرةً وقلباً ومقدِّمة وساقة ، وأنهم مهما مرُوا عليه من القُرى حرقوا وخرّبوا وأسروا وغنموا ، وسار بهم كذلك قاصداً إلى عمُّوريّة ، وكان بينها وبين أنقرة سبعُ مراحلَ ، فأوَّل من وصل إليها من الجيوش أشناس أمير الميسرة ضَحْوة يوم الخميس لخمس خلون من رمضان من هذه السنة ، فدار حولها دَوْرَةً ، ثم نزل على ميلين منها . ثم جاء المعتصم صبيحة يوم الجمعة بعدَه ، فدار حولها دَوْرَةً ، ثم نزل قريباً منها . ثم قدم الأفشين يوم السبت ، فدار حولها دَوْرَةً ، ثم نزل قريباً منها . وقد تحصَّن أهلها وملؤوا أبراجها بالرجال والسّلاح ، وهي مدينة عظيمة جدّاً ، ذاتُ سور منيعٍ وأبراجٍ عالية كبيرةٍ . وقسّم المعتصم الأبراج على الأمراء ، فنزل كلُّ أميرٍ تجاه الموضع الذي أقطعه وعيَّنه له ، ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشده إليه بعضُ مَن كان فيها من المسلمين الأسراء ، وكان قد تنصّر عندهم وتزوج منهم ، فلما رأى أميرَ المؤمنين ، والمسلمين معه ، رجع إلى الإسلام وخرج إلى الخليفة فأسلم وأعلَمه بمكانٍ في السور كان قد هدمه السيلُ ، ويُي بناءً فاسداً بلا أساس ، فنصب المعتصمُ المجانيقَ حول عَمُوريَّة ، فكان أوّل موضعٍ انهدَم [ من سورها }(١) ذلك الموضع الذي نصح فيه ذلك الأسير ، فبادر أهل البلد فسدّوه بالخشب الكبار المتلاصقة، فألحَ عليها المنجنيق فكسرها ، فجعلوا فوقها البراذع (٢) ليردُّوا حدَّة الحجر . ١ فلمَّا ألعَّ عليها المنجنيق لم تغنِ شيئاً، وانهدَمَ السّور من ذلك الجانب وتفسَّح فكتب نائب البَلَد(٣) إلى ملك الروم يعلمه بذلك ، وبعث ذلك مع غلامين من قومهم ، فلمَّا اجتازوا بالجيش في طريقهم أنكرو(٤) أمرهما ، فسألوهما : من أنتما؟ فقالا: من أصحاب فلان؛ لرجلٍ من المسلمين ، فحملا إلى المعتصم ، فقررهما فإذا معهما كتابُ ياطس نائب عَقُوريَّة إلى ملك الروم يعلمه بما حصل لهم من الحصار ، وأنَّه عازم على الخروج من أبواب البلد بمن معه بغتةً ، فيناجز المسلمين بمن معه ، كائناً في ذلك(٥) ما كان . فلما وقف المعتصم على ذلك أمَرَ بالغلامين فخُلع عليهما ، وأن يُعطى كلُّ واحدٍ منهما بَدْرَةُ(٦) ، (١) زيادة في ط . ((البَرْذْعة)) أو ((البَرْدَعة)): ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه، كالسرح للفرس. جمع بَرَاذع أو بَرَادع. (٢) (٣) في آ : البَلَدة ، وهما بمعنى . (٤) في ط : أنكر المسلمون . في أ : في ذلك الوقت ما كان . (٥) (٦) ((البَدْرَة)): عشرة آلاف درهم. ٨٧ ذكر فتح عمُوريَّة على يدي المعتصم فأسلما من فورهما ، فأمر بهما الخليفة أن يطاف بهما حول البَلَد وعليهما الخِلَعُ ، وأن يوقفا تحت الحصن الذي فيه ياطس (١) فينثرَ عليهما الدراهم والخِلَع، ومعهما الكتاب الذي كتب به ياطس إلى ملك الروم ، فجعلت الروم تلعنهما وتسبُّهما . وأمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتفاظ فيه من خروج الروم بغتةً ، فضاقت الروم ذَرْعاً بذلك ، وألحَ عليهم المسلمون في الحصار ، وقد أعد المعتصم عليها المجانيق الكثيرة والدبابات وغير ذلك من الآلات الحربية . ولمَّا رأى المعتصم عمقَ خندقها وارتفاع سُورها ، عمل المجانيق في مقاومة سورها ، وكان قد غنم من الطريق غَنَماً كثيراً جدّاً ، ففرقها في الناس ، وقال : ليأكل الرجل الرأس وليجيء بملء جلده تراباً فيطرحه في الخندق ، ففعل الناس ذلك ، فتساوى الخندقُ بوجه الأرض من كثرة ما طُرح فيه من جلود الأغنام ، ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقاً ممهداً ، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه فلم يحوج اللّهُ إلى ذلك . وبينما الناس في الجسر [ المردوم (٢) إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب من السور ، فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدَّةً عظيمة ، فظنَّها من لم يرها أنَّ الروم قد خرجوا على الناس بغتةً ، فبعث المعتصم من ينادي في الناس : إنما ذلك سقوطُ السور . ففرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً ، لكن لم يتسع أن يدخل منه الجيش لضيقه عنهم ، فأمر المعتصم بالمجانيق المتفرقة ، فجمعت هنالك ونصب حول ذلك الموضع الذي سقط ؛ ليضرب بها ما حوله ؛ ليتسع لدخول الخيل والرجال . وقوي الحصار هنالك ، وقد وكلت الروم بكل برجٍ من أبراج السور أميراً يحفظه ، واتفق أن ذلك الأمير الذي انهدم ما عنده من السور ، ضعف عن مقاومة ما يلقاه من المسلمين ، فذهب إلى ياطس فسأله النجدة فامتنع أحدٌ من الروم أن ينجده ، وقالوا : لا نترك ما نحن بصدده من حفظ أماكننا التي قد عيِّنت لنا . فلمَّا يئس منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به ، فلمَّا وصل إليه ، أمر الخليفة المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي قد انهدمت وخلت من المقاتلة ، فركب المسلمون نحوها ، فجعلت الروم يشيرون إليهم ؛ لا يجيؤون ، ولا يقدرون على دفاعهم ، فلم يلتفت إليهم المسلمون ، ثم تكاثروا عليهم ودخلوا البلد قهراً ، وتتابع المسلمون إليها يكبّرون ، وتفرّقت الروم عن أماكنها فجعلو(٣) يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم وأين ثقفوهم ، وقد حشروهم في كنيسة لهم هائلةٍ ففتحوها فَسْراً ، وقتلوا من في الكامل لابن الأثير : ناطس ، وما أثبتناه كما في تاريخ الطبري . (١) زيادة من ط . (٢) (٣) في ط : فجعل المسلمون . ٨٨ ذكر مقتل العباس بن المأمون فيها ، وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فأحرقوا عن آخرهم ، ولم يبق فيها موضعٌ محصَّن سوى المكان الذي فيه النائب ، وهو ياطس في حصن منيع ، فركب المعتصم فرسه وجاء حتى وقف بحذاء الحصن الذي فيه ياطس فناداه المنادي : ويحك يا ياطس ! هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك . فقال : ليس ياطس هاهنا ، مرتين . فغضب المعتصم من ذلك وولى ، فنادى(١) ياطس: هذا ياطس ، هذا ياطس ! فرجع الخليفة ونصبَ السلالم على الحصن ، وطلعت الرسل إليه ، فقالوا له : ويحك ! انزل على حكم أمير المؤمنين . فتمنَّع ، ثم نزل متقلِّداً سيفاً ، فوضع السيف من عنقه ، ثم جيء به حتى أوقف بين يدي المعتصم فضرب(٢) بالسوط على رأسه ، ثم أمر به أن يمشي إلى مِضْرَب الخليفة ، فمشى مهاناً إلى الوطاق الذي فيه الخليفة نازل ، فأوثق هناك . وأخذ المسلمون من عَمُوريَّة أموالً عظيمة وغنائم لا تحدُّ ولا تُوصف ، فحملوا ما أمكن حمله ، وأمر المعتصم بإحراق ما بقي من ذلك ، وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب ، لئلا يتقوَّى بها الروم على شيء من حرب المسلمين . وانصرف [ المعتصم (٣) راجعاً إلى ناحية طَرَسوس في آخر شوال من هذه السنة . وكانت إقامته على عَمُّوريّة خمسة(٤) وخمسين يوما٥ً) . ذكر مقتل العباس بن المأمون كان العباس بن المأمون مع عمِّه المعتصم في غَزاة عَمُّوريَّة ، وكان عُجَيف بن عَنبسة قد ندَّمه إذ لم يأخذ الخلافة بعد أبيه المأمون حين مات بطَرَسُوس ، ولامه على مبايعته عمه المعتصم ، ولم يزل به حتى أجابه إلى الفتك بعمِّه المعتصم وأخذ البيعة من الأمراء له ، وجهَّز رجلاً يقال له : الحارث السمر قندي ، كان نديماً للعباس ، فأخذ له البيعة من جماعة من الأمراء في الباطن ، واستوثق منهم ، وتقدَّم إليهم أنَّه متى(٦) ما فتك بعمِّه فليقتل كلُّ واحد منهم من يقدر عليه من رؤوس أصحاب المعتصم ، كالأفشين وأشناس وغيرهم من الكبار . فلمَّا كانوا بدرب الروم وهم قاصدون إلى أنقرة ومنها إلى عَقُّوريّة ، أشار عُجَيْف على العباس أن يقتلَ عمَّه في هذا المضيق ويأخذَ له البيعة ويرجعَ إلى بغداد ، فقال العباس : إنِّي أكره أن أعطّل على الناس هذه الغزوةَ، فلمَّا فتحوا عَمُوريَّة ، واشتغل الناس بالمغانم ، أشار عليه أن يفتك (١) في الطبري : صاح الروم . في ك : فضربه ، وفي الطبري : فقنَّعه سوطاً . (٢) (٣) زيادة من ط . فى أ، ط : خمسة وعشرين يوماً ، وأثبت ما جاء في ب ، ظا، والطبري ، وابن الأثير . (٤) (٥) أخبار فتح عَمُّورية في تاريخ الطبري (٩/ ٥٧ - ٧٠)، والكامل لابن الأثير (٤٨٠/٦ -٤٨٨). (٦) في ا: أنه يلي ما قبل عمِّه، فليسل ، وأثبت ما جاء في ب ، ظا . ٨٩ وفيات سنة ٢٢٣هـ به ، فوعده مضيق الدّرب إذا رجعوا ، فلما رجعوا فطن المعتصم بالخبر ، فأمر بالاحتفاظ وقوَّةِ الحرس ، وأخذ بالحزم ، واجتهد في العزم ، واستدعى بالحارث السمر قنديّ فاستقره فأقرّ له بجليّة الأمر ، وأنَّه أخذ البيعة للعباس بن المأمون من جماعةٍ من الأمراء سمَّاهم له ، فاستكثرهم المعتصم ، واستدعى بابن أخيه العباس بن المأمون فقيّده وغضب عليه وأهانه ، ثم أظهر له أنه قد رضي عنه وعفا عنه ، فأرسلَه من القيد وأطلق سراحه ، فلمَّا كان من الليل استدعاه إلى حضرته في مجلسِ شرابه واستخلاه حتَّى سقاه ، واستحكاه عن الذي كان قد دبّره من الأمر ، فشرح له القضية ، وأنهى له القصة ، فإذا الأمرُ كما ذَكَرَ الحارثُ السمر قنديّ . فلمَّا أصبح استدعى بالحارث فأخلاه وسأله عن القضية ثانياً ، فذكرها له كما ذكرها أول مرة ، فقال له : ويحك! إنِّي كنت حريصاً على ذلك ، فلم أجد إلى ذلك سبيلاً بصدقك إياي في هذه القصة . ثم أمر المعتصم حينئذ بابن أخيه العباس فقيِّد وسُلُّم إلى الأفشين، وأمر بعُجَيْف وبقيّة من ذكر من الأمراء فاحتيط عليهم ، فأحيط بهم ، ثم أخذ في أنواع النقمات يقترحها لهم ، فقتل كلَّ إنسانٍ منهم بنوعٍ من القتلات ، ومات العباس بن المأمون بمَنْبج فدفن هناك ، وكان سبب موته أنه جاع جوعاً شديداً ، ثم جيء بأكل كثير فأكل ، وطلب الماء ، فمنع منه حتى مات . وأمر المعتصم بلعنه على المنابر وسمّاه اللعين . وقتل جماعةً من ولد المأمون أيض١ً) . وفتحت فيها عَمُّوريّة كما تقدَّم . وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود . وممن توفي فيها من الأعيان : بابَك الخُرَّمي ، قُتِلَ وصُلِبَ كما قدَّمنا ذلك مبسوطاً . وخالد بن خِدَاشُ(٢). وعبد الله بن صالح ، كاتب الليث [ بن سعد ]٣) . (١) خبر خروج العباس بن المأمون وموته في الطبري (٧١/٩ - ٧٩)، وابن الأثير (٤٨٩/٦ - ٤٩٣). (٢) خالد بن خِدَاش بن عَجلان، أبو الهيثم المُهلّبي البصريّ، الإمام الحافظ الصدوق ، نزيل بغداد ، عالم أهل مرو ومحدِّثهم . سير أعلام النبلاء (٤٨٨/١٠)، العبر (٣٨٦/١). (٣) زيادة من ط . وهو عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم، أبو صالح الجُهنيّ المصري ، المحدّث ، شيخ المصريين ، كاتب الليث بن سعد. صدوق ، وكانت فيه غفلة . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٠٥) تقريب التهذيب (٤٢٣/١) . ٩٠ أحداث سنة ٢٢٤ هـ ومحمد بن سِنان العَوَقِيّ(١) وموسى بن إسماعيل(٢) . ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومثتين فيها : خرج رجل بآمُل(٣) طَبَرِستان يقال له: مازيار بن قارن بن وندا هُرْمُز ، وكان لا يرضى أن يرفع الحمل(٤) إلى نائب خراسان عبد الله بن طاهر بن الحسين ، بل يبعثه إلى الخليفة ليقبضه منه ، فبعث الخليفة من يتلقى الحمل إلى بعض البلاد فيقبضه منه ، ثم يدفعه إلى عبد الله بن طاهر ، ثم وثب(٥) على تلك البلاد وأظهر المخالفة للمعتصم . وقد كان المازيار هذا ممن يكاتب بابَك الخُرَّمِيّ ويعِدُه بالنصر . ويقال : إن الذي قوَّى رأس المازيار هو الأفشين ، ليعجز عبدُ الله بن طاهر فيولِيه المعتصم بلادَ خراسان مكانه ، فبعث إليه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مُصْعَب ، أخا إسحاق بن إبراهيم ، في جيشٍ كثيف ، فجرَتْ بينهم حروبٌ طويلة استقصاها ابن جرير(٦) ، وكان آخر ذلك أسر المازيار ، وحمل إلى عبد الله بن طاهر ، فاستقرَّه عن الكتب التي بعثها إليه الأفشين فأقرَّ بها ، فأرسله نحو أمير المؤمنين ومعه من أمواله التي اصطفيت أشياء كثيرة جداً ؛ من الذهب والجواهر والثياب . فلما أوقف بين يدي الخليفة سأله عن كتب الأفشين إليه فأنكرها ، فأمر به فضرب بالسّياط حتَّى مات ، وصلب إلى جانب بابَك الخُرَّميّ على جسر بغداد ، وقتل عيون أصحابه وأتباعه . وفي هذه السنة تزوَّج الحسن بن الأفشين بأتْرُجَّة بنت أشناس ودخل بها في قصر المعتصم بسامراء في جمادى ، وكان عرساً عظيماً ، وليه أمير المؤمنين المعتصم بنفسه ، حتى قيل : إنهم كانوا يخضِبُون لحى العامة بالغالية (٧) . (١) محمد بن سنان العَوَقي، أبو بكر البصري. و((العَوَقة)): حيّ نزل فيهم، وهم بطن من الأزد. أحد الأثبات. سير أعلام النبلاء (٣٨٥/١٠)، العبر (٣٨٨/١). (٢) أبو سَلَمَة التَّبُوذكِيُّ، المِنْقَريّ، الإمام الحجّة، كان من بحور العلم، ثقة ثبت ، كثير الحديث . قال عباس الدوري : كتبت عنه خمسة وثلاثين ألف حديث. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٦٠)، العبر (٣٨٨/١). (٣) في الأصول: من بابل، وأثبت ما جاء في ط . و((آمُلُ)): اسم أكبر مدينة بطبرستان في السهل، ومنها المؤرخ أبو جعفر الطبري ، رحمه الله . ياقوت . (٤) في ط : الخراج . في ط : ثم آل أمره إلى أن وثب . (٥) (٦) الطبري (٨٠/٩-١٠١). ((الغالية)) : نوع من الطيب . (٧) ٩١ وفيات سنة ٢٢٤ هـ وفيها خرج مَنكجور قرابة الأفشين بأرض أذْرَبيجان ، وخلع الطاعة ، وذلك أنه كان الأفشين قد استنابه على بلاد أذْرَبيجان حين فَرَغَ من أمر بابَك ، فظفر مَنكجور بمالٍ عظيم مخزون لبابَك في بعض البلدان ، فاحتجبه لنفسه وأخفاه عن الخليفة ، وظهر على ذلك رجلٌ يقال له : عبد الله بن عبد الرحمن ، فكاتب الخليفة بذلك ، فكتب مَنكجور يكذُّبه في ذلك ، وهمَّ به ليقتله فامتنع منه أهل أزْدَبيل . فلمَّا تحقَّق الخليفة كذب مَنكجور بعث إليه بُغا الكبير فحاربه وأخذه بالأمان وجاء به إلى الخليفة . وفي هذه السنة مات ياطس الرومي الذي كان نائباً على عَمُّوريّة حين فتحها المعتصم ، ونزل من حصنه على حكم المعتصم ، فأخذه معه أسيراً فاعتقله بسامراء حتى توفي في هذا العام . وفي رمضان منها توفي : إبراهيم بن المهديّ بن المنصور : عم الخليفة ، ويعرف بابن شَكْلَةُ(١) ، وكان أسودَ اللون ضخماً فصيحاً فاضلاً، قال ابن ماكول(٢) : وكان يقال له : التّيِّين ، يعني لسواده ، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في (( تاريخه)(٣) ترجمة حافلةً ، وذكر أنه ولي إمرة دمشق نيابة عن أخيه الرشيد مدة سنتين ، ثم عزل عنها ثم أعيد إليها الثانية فأقام بها أربع سنين . وذكر من عدله وصرامته أشياءً حسنةً ، وأنَّه أقام للناس الحجَّ سنة أربع وثمانين ، ثم عاد إلى دمشق ، وكان قد بايعه أهل بغداد في أول خلافة المأمون سنة ثنتين ومئتين كما ذكرنا ، وقد قاتله الحسن بن سهل نائبُ بغداد ، فهزمه إبراهيمُ هذا، فقصده حُمَيد الطُّوسيّ فهزم إبراهيم ، واختفى إبراهيمُ ببغداد حين قدمها المأمون مدة طويلة ، ثم ظفر به المأمون سنة عشر فعفا عنه وأكرمه . وكانت مدة ولايته على بغداد ومعاملتها سنة وأحَدَ عشرَ شهراً واثني عشر يوماً [ وقيل : وخمسة أيّام (٤) . وكان بدء اختفائه في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث ومئتين ، وكانت مدة اختفائه ست سنين وأربعة أشهر وعشراً ، وكان الظفر به في ثالث عشر ربيع الأول من سنة عشر ومئتين . وقد جرت له في اختفائه هذا أمور عجيبة يطول بسطها . (١) بالفتح والكسر، وهي أمُّه، مولَّدة، كان أبوها من أصحاب المازيار، فقتل معه، سُبیت بنته شَكْلَة ، فحملت إلى المنصور ، فوهبها إلى محيَّة أم ولده فربّتها . فلما كبرت رآها المهدي فأعجبته ، فطلبها من مُحَيَّة فأعطته إيَّاها فولدت منه إبراهيم . وترجمة إبراهيم بن المهدي في الأغاني (٩٥/١٠ - ١٥٠)، وتاريخ بغداد (١٤٢/٦)، ووفيات الأعيان (٣٩/١)، وسير أعلام النبلاء (١٠ / ٥٥٧) . (٢) الإكمال (٥١٨/١) . تھذیب تاريخ ابن عساكر (٢٢٦/٢ -٢٢٨) ومختصره (١٢٦/٤ -١٤٨). (٣) (٤) زيادة في ب ، ظا . ٩٢ وفيات سنة ٢٢٤هـ قال الخطيب البغدادي(١): وقد كان إبراهيم بن المهدي وافرَ الفَضْل، غزيرَ الأدبِ ، واسعَ النفس ، سخيَّ الكفّ ، وكان معروفاً بصنعة الغناء ، حاذقاً بها . وذكر الخطيب (٢) أنَّه قلَّ المال على إبراهيم بن المهدي في أيام خلافته ببغداد ، فألحَ الأعرابُ عليه في أخذ أعطياتهم ، فجعل يُسَوِّف بهم ، فخرج إليهم رسوله يقول : إنه لا مالَ عنده اليومَ ، فقال بعضهم : فَلْيَخرج الخليفةُ إلينا فَلْيُغَنِّ لأهل هذا الجانب ثلاثة أصواتٍ ، وللجانب الآخر ثلاثة أصوات . فقال في ذلك دِغْيِلُ بن عليٍّ شاعرُ المأمون يذمُ إبراهيمَ بن المهدي في ذلك (٣): خُذُوا عَطاياكُمْ ولا تَسْخَطُوا يا مَعْشَرَ الأعرابِ لا تغلَطوا لا تَدْخُلُ الكِيسَ ولا تُزْبَطُ فَسَوْفَ يُعطِيكُمْ حُنَنِيَّهُ(٤) وما بهذا أحدٌ يُغَبَطُ (٥) والمَعْبدِيَّاتُ لِقُوَّادكُمْ خَليفَةٌ مُصْحَفُهِ الْبَرْبَطُ(٦) فهكذا يَزْزُقُ أصحابَهُ وكتب إبراهيم بن المهدي إلى ابن أخيه المأمون حين طال عليه الاختفاء: وليُّ الثَّرِ مُحَكَّمٌ في القصاص ، والعفو أقرب للتقوى، وقد جعل اللهُ أميرَ المؤمنين فوقَ كُلِّ ذي عفوٍ ، كما جَعَلَ كلَّ ذي ذَنْبٍ دونه ، فإن عفا فبفضله، وإن عاقب فبحقِّ(٧). فوقَّع المأمون في جواب ذلك : القدرةُ تُذهِبُ الحفيظةَ ، وكفَى بالنَّدم إنابةً ، وعفو اللهِ أُوسَعُ من كُلِّ (٨) شيء(٨). ولمَّا دخل إبراهيم عليه ، أنشأ يقولُ (٩): إن أكن مُذْنِياً فحظّيَ أخطأْ تُ فَدَعْ عَنْكَ كَثْرَةَ التَّأْنِيبِ قلْ كما قالَ يُوسف لِبَني يَعْـ ـقُوبَ لمَّا أتَوْهُ : لا تَغْرِيب فقال المأمون : لا تثريب . تاريخ بغداد (٦/ ١٤٤). (١) تاریخ بغداد (٦/ ١٤٤). (٢) ديوانه ( ص ١٧٥ ) مع اختلاف يسير في الرواية . (٣) ((حنينيّة)): نسبة إلى حُنين الحيري المغنِي. (٤) ((المَعبديات)): نسبة إلى معبد اليقطني المغنّ. و((يُغبط)): يُسَؤُّ. (٥) (( الْبَربط)): العُودُ، معرب . والعرب تسميه : المِزهر. (٦) تاريخ بغداد (١٤٤/٦)، ومختصر ابن عساكر (١٢٦/٤). (٧) (٨) المصدر السابق . (٩) البيتان في تاريخ بغداد (١٤٥/٦)، ومختصر ابن عساكر (١٣٣/٤). ٩٣ وفيات سنة ٢٢٤ هـ وروى الخطيب (١) البغدادي: أنَّ إبراهيم بن المهديّ لمَّا أُوقف بين يدي المأمون شرَعَ يؤنُّبُه على ما فعل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، حضرتُ أبي، وهو جدُّك ، وقد أُتي برجلٍ ذنبُه أعظمُ من ذنبي ، فأمر بقتله ، فقال مُبَارك بن فَضَالهُ(٢): يا أميرَ المؤمنين، إنْ رأيتَ أن تؤخِّرَ قَتْلَ هذا الرجل حتى أحدِّثك حديثاً، فقال: قل. قال: حدثني الحسن البصريُّ، عن عمران بن حُصَين: أنَّ رسولَ اللهِوَلِّ قال: ((إذا كان يوم القيامة نادَى منادٍ من بُطْنَانِ(٣) العَرْشِ: ألا لِيَقُم العافون من الخُلفاء إلى أكرم الجزاء ، فلا يقوم إلا مَنْ عَفَا )(٤) . فقال المأمون : قد قبلت هذا الحديث بقبوله ، وعفَوْتُ عنكَ يا عم . وقد ذكرنا في سنة أربع ومئتين زيادة على هذا . وقد كانت له أشعار جيدة بليغة ، سامحه الله . وقد ساق من ذلك الحافظ ابن عساكر في (( تاريخه)) أشياء حسنة كثيرة(٥) . كان مولد إبراهيم بن المهدي في مستهل ذي القعدة سنة ثنتين وستين ومئة ، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من رمضان من هذه السنة عن ثنتين وستين سنة ، رحمه الله . وممن توفي في هذه السنة من الأعيان أيضاً : سعيد بن أبي مَريم المصريّ(٦) . وسليمان بن حرب(٧) . وأبو مَعْمَرِ المُفْعَدُ(٨) . (١) تاريخ بغداد (١٤٥/٦). (٢) مبارك بن فَضَالة بن أبي أميّة، أبو فَضَالة القرشي العدوي ، من كبار علماء البصرة ، ولد في أيام الصحابة ، وصحب الحسن البصري. صدوق ، فيه ضعف. توفي سنة ١٦٥ هـ. سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٨١)، تهذيب التهذيب (٢٨/١٠). (٣) ((بُطْنان العرش)): وسَطه، وقيل: أصْله. وقيل: البُطنان: جمع بَطْن، وهو الغامض من الأرض؛ يريد : من دواخل العرش. النهاية (١/ ١٣٧). (٤) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٤٥/٦)، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ، وهو في مختصر تاريخ ابن عساكر (١٢٦/٤) من حديث مبارك بن فضالة عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه، وإسناده ضعيف . (٥) مختصر تاريخ ابن عساكر (١٢٦/٤ -١٤٨). (٦) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم الجمحي المصري ، أبو محمد . حافظ فقيه ، من أئمة الحديث ، خرج له أصحاب الكتب الستة. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٢٧). (٧) سليمان بن حرب بن بَجيل ، أبو أيوب الواشحيّ الأزدي البصري ، إمام حافظ ثقة ، قاضي مكة ، وتوفي في البصرة. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٣٠). (٨) هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحَجَّاج، أبو مَعْمَر المِنْقَري البصري ، المُفْعَد، واسم جدّه أبي الحجّاج ميسرة . حافظ ، مجوّد، ثقة، رمي بالقدر. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٢٢)، تقريب التهذيب (٤٣٦/١). ٩٤ وفيات سنة ٢٢٤ هـ وعليّ بن محمد المَدَائنيّ الأخباريُ(١) ، أحد أئمة هذا الشأن في زمانه. وعمرو بن مَرَزُوق ، شيخ البخاري (٢) ، وقد تزوج هذا الرجل ألف امرأةٍ . وأبو عبيد القاسم بن سلَّم البغدادي (٣): أحد أئمة اللغة والفقه والحديث والقراءات والأخبار وأيام الناس . وله المصنَّفَات المشهورة المنتشرة بين العلماء ، حتى يقال : إن الإمام أحمد كتب كتابه في (الغريب)) بيده، ولمّا وقف عليه عبدُ الله بن طاهر رتَّب له في كُلِّ شهر خمسمئة درهم، وأجراها على ذريته من بعده(٤) . وذكر ابن خلكان أن ابن طاهر(٥) استحسنه ، وقال: ما ينبغي لعقل بعث(٦) صاحبه على تصنيف هذا الكتاب ، حقيق ألا يُحْوَج صاحبه إلى طلبِ المعاش ، وأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر(٧) . وقال محمد بن وهب المسعري : سمعت أبا عبيد يقول : مكثت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة(٨). وقال هِلال بنُ العلاء الرَّقِّي: مَنَّ الله على المسلمين بهؤلاء الأربعة: بالشَّافعي ، تفقَّه في الحديث ؛ ويأحمد بن حنبل ، ثَبَت في المحنة ؛ وبيحيى بن مَعين . نَفَى الكَذِبَ عن الحديث ؛ وبأبي ◌ُبَيد ، فسَّرَ غريبَ الحديث . ولولا ذلك لاقتحم الناسُ في الخطه٩ُ) . (١) أبو الحسن، نزل بغداد، وصنَّف التصانيف ، وكان عجباً في معرفة السير والمغازي والأنساب وأيام العرب ، مصدَّقاً فيما ينقله ، عالي الإسناد . مات في دار إسحاق الموصلي ، وكان منقطعاً إليه . وذكر كتبه ابن النديم في الفهرست (١١٣-١١٧)، وياقوت في معجم الأدباء (١٢٩/١-١٣٩). سير أعلام النبلاء (٤٠٠/١٠)، والأعلام (٤/ ٣٢٣) . (٢) أبو عثمان الباهلي ، مسند البصرة ، ثقه له أوهام ، حدث عنه البخاري في صحيحه مقروناً بآخر . سير أعلام النبلاء (٤١٧/١٠)، وتقريب التهذيب (٧٨/٢) . (٣) طبقات ابن سعد (٣٥٥/٧)، المعارف لابن قتيبة (٥٤٩)، الفهرست لابن النديم (٧٨)، تاريخ بغداد (١٢/ ٤٠٣)، معجم الأدباء (١٦ /٢٥٤)، وفيات الأعيان (٤/ ٦٠)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠)، معرفة القراء (١٤١/١)، بغية الوعاة (٢٥٣/٢)، شذرات الذهب (٥٤/٢) وغيرها. تاريخ بغداد (١٢ /٤٠٦)، وسير أعلام النبلاء (١٠ /٤٩٥). (٤) (٥) في ا : ابن طاهر بن الحسين . في آ، ب : تعب ، وأثبت ما جاء في ظا، ط . وفي معجم الأدباء: إن عقلاً بعث صاحبه .. لحقيق. (٦) (٧) وفيات الأعيان (٤/ ٦١)، ومعجم الأدباء (١٦/ ٢٥٥) . (٨) وفيات الأعيان (٤/ ٦١). (٩) تاريخ بغداد (١٢/ ٤١٠)، ووفيات الأعيان (٦١/٤)، وسير أعلام النبلاء (٤٩٩/١٠). ٩٥ وفيات سنة ٢٢٤ هـ وذكر ابن خلكان أنَّه ولي القضاءَ بطَرَسُوسَ ثماني عشرة سنة ، وذكر له من العبادة والاجتهاد في العبادة شيئاً كثيرا١ً) . وقد روى العربية عن أبي زيد الأنصاري، والأصمعي، وأبي عُبَيدة [ مَعْمَر بن المثنى ]٢) ، وابن الأعرابي ، والفرَّاء والكسائي وغيرهم(٣) . وقال إسحاق بن راهويه : نحن نحتاج إليه وهو لا يحتاج إليناء) . وقدم بغداد وسمع الناس منه ، من تصانيفه(٥) . وقال إبراهيم الحَرْبيُّ: كان كأنه جبلٌ نُفخ فيه روحٌ، يُحسِنُ كُلَّ شيء(٦). وقال أحمدُ بن كامل القاضي : كان أبو عُبَيد فاضِلاً ، ديِّناً ، رَبَّانياً ، متقناً في أصناف علوم الإسلام : من القرآن والفقه والعربية والأخبار ، حَسَنَ الرِّوايةِ، صَحيح النَّقْلِ ، لا أعلمُ أحداً طَعَنَ عليه في شيءٍ من علمه وكتبه (٧) . وله: كتاب ((الأموال))، وكتاب ((فضائل القرآن)) و(( معانيه)) وغير ذلك من الكتب المنتفع بها ، رحمه الله(٨) . توفي في هذه السنة قاله البخاري(٩) . وقيل: في التي قبلها بمكة وقيل : بالمدينة ، وله سبع وستون سنة (١٠) ، رحمه الله . وقيل : جاوز السبعين ، والله أعلم . محمد بن عثمان أبو الجُماهر الدمشقي الكَفْرَ سُوسيُ(١)، أحد مشايخ الحديث(١٢). (١) وفيات الأعيان (٤/ ٦١-٦٢). (٢) زيادة من ط . تاريخ بغداد (٤٩٣/١٠)، ووفيات الأعيان (٦١/٤)، وسير أعلام النبلاء (٤٩٣/١٠). (٣) (٤) تاريخ بغداد (٤١١/١٢)، ووفيات الأعيان (٤/ ٦١). (٥) سير أعلام النبلاء (١٠ / ٤٩٢). تاريخ بغداد (١٢ /٤١٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٠١). (٦) تاريخ بغداد (١٢ /٤١١)، وسير أعلام النبلاء (٥٠١/١٠). (٧) معجم الأدباء (٢٦٠/١٦)، والأعلام للزركلي (١٧٦/٥). (٨) (٩) التاريخ الكبير (١٧٢/٧). (١٠) تاريخ بغداد (١٠ / ٥٠٧) . (١١) نسبة إلى كَفْرسُوسية، قرية بغوطة دمشق. اللباب (١٠٣/٣). (١٢) إمام محدّث حافظ ثبت. قال أبو حاتم: ما رأيت أحداً أفصح منه. سير أعلام النبلاء (٤٤٨/١٠). ٩٦ أحداث سنة ٢٢٥ هـ ومحمد بن الفضل، أبو النُّعمان السَّدُوسي ، الملقب بعارِم، شيخ البخاري(١). ومحمد بن عيسى بن الطبَّاعُ(٢) . ويزيد بن عَبد رَبّه الجُرْجُسيّ الحمصيّ ، شيخها في زمانه (٣) . ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومثتين فيها : دخل بُغا الكبير ومعه مَنكجور قد أَعْطى الطاعةَ بالأمان . وفيها : عزل المعتصم جعفر بن دينار عن نيابة اليمن وتغضَّبَ(٤) عليه وولَّى على اليمن إيتاخ . وفيها : وجَّه عبد الله بن طاهر بالمازيار ، فدخل بغداد على بغلٍ بإكاف (٥) لخمس خلون من ذي القعدة ؛ فضربه المعتصم بين يديه أربعمئة وخمسين سوطاً ، ثم سُقيَ الماء حتى مات (٦). وأمر بصلبه إلى جانب بابَك الخُرَّمَيّ ، وأقرَّ في ضربه أن الأفشين كان يكاتبه ويحسِّنُ له خَلْعَ الطاعة ، فغضب المعتصم على الأفشين وأمر بسجنه ، فبني له مكان كالمنارة من دار الخلافة تسمَّى لؤلؤة ، إنَّما يسع مكانه فقط . وذلك حين تحقق الخليفةُ أنه كان يريد مخالفته والخروجَ عليه ، وأنه يعزِمُ على الذهاب إلى بلاد الخَزَر(٧) ليستجيش بهم على المسلمين ، فعاجلَه الخليفةُ بالقبض عليه قبل ذلك كلِّه ، وعقد له المعتصم مجلساً فيه قاضيه أحمد بن دُوَا(٨) المعتزلي ، ووزيره محمد بن عبد الملك بن الزيَّات ، ونائبه إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب ، فاتّهم الأفشين في هذا المجلس بأشياءَ تدلُّ على أنَّه باقٍ على دين أجداده من الفرس ؛ وذلك أنَّه غيرُ مختون ، فاعتذر بأنه يخافُ من ألم ذلك ، فقال له الوزير ، وهو الذي كان يتولَّى مناظرته من بين القوم : فأنت تطاعنٌ بالرماح في الحروب ولا تخاف من وقعها ، وأنت تزعم أنك تخاف من قطع قلفة (١) إمام حافظ ثقة ثبت، تغيّر في آخر عمره. قال الذهلي: كان بعيداً من العَرَامة. و((العرامة)): الشدة والقوة والشراسة. سير أعلام النبلاء ٢٦٥/١٠)، وتقريب التهذيب (٢/ ٢٠٠). (٢) محمد بن عيسى بن نَجِيح، أبو جعفر بن الطبَّاع، البغدادي، تحوَّل إلى الشام، ورابط بأذَنَة من بلاد الثغور، ثقة، فقيه ، ذكره أحمد بن حنبل ، فقال: لبيب كَيِّس. سير أعلام النبلاء (٣٨٦/١٠)، وتقريب التهذيب (١٩٨/٢) . أبو الفضل الزُّبَيدي المؤذن ، كان سكن عند كنيسة جُرجس بحمص ، فغلبت عليه النسبة إليها . إمام حافظ ثبت ، (٣) ثقة. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٦٧) . (٤) في ط : وغضِب ، وهما بمعنى . (٥) (( الإكاف)) : البَرْذَعَة ، جمع أكُف . في الطبري (١٠٤/٩): وطلب ماء فسُقي، فمات من ساعته . . (٦) (٧) أي بلاد الترك . في الأصول وط : داود ، وأثبت ما جاء في الطبري وابن الأثير. وسيترجم له المؤلف في حوادث سنة ٢٤٠ هـ. (٨) ٩٧ وفيات سنة ٢٢٥ هـ ببدنك ؟! وأنه ضرب رجلين ؛ إماماً ومؤذناً ، كلّ واحدٍ ألفَ سوطٍ ؛ لكونهما هدما بيتَ أصنامٍ ، فاتخذاه مسجداً. وأنَّ عنده كتاب (( كليلة ودمنة))، وفيه الكفر، وهو محلّى بالجواهر والذهب ، فاعتذر بأنه ورثه من أبيه. وانُّهم بأنَّ الأعاجم يكاتبونه (١) فتقول: إلى إلَه الآلهة من عبيده، وأنَّه يقرُّهم على ذلك. فجعل يعتذر بأنه إنما أجراهم على ما كانوا يكاتبون به آباءه وأجداده ، وخاف أن يأمرهم بترك ذلك فيتَّضع عندهم . فقال له الوزير: ويحك! فماذا أبقيتَ لفرعون٢) حين قال: ﴿أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [ النازعات: ٢٤] وأنه كان يكاتب المازيار بأن يخرجَ عن الطاعة وأنه حتَّقه حتى ينصر دينَ المجوس الذي كان قديماً ، ويظهره على العرب والمغاربة والأتراك ، وأنه كان يستطيب المخنوقة على المذبوحة ، وأنه كان في كلِّ يوم أربعاء يستدعي بشاة سوداء فيضربها بالسيف نصفين ، ويمشي بينهما ، ثم يأكلهما . فعند ذلك كُلِّه أمر المعتصم بُغا الكبير فسحبه(٣) إلى سجنه مهاناً ذليلاً ، فجعل يقول: أما٤) كنتُ أتوقع منكم ذلك . وفي هذه السنة حمل عبد الله بن طاهر الحسن بن الأفشين وزوجته أَتُرجَّة بنت أشناس إلى سامراء . وحجّ بالناس فیها محمد بن داود . وفيها توفي من الأعيان : أصْبَغُ بن الفَرَجُ(٥) . وسَعْدُويَه(٦) . ومحمد بن سَلام البيكَنْديّ(٧) . في ط : يكاتبونه ، وتكتب إليه في كتبها : أنت إله الآلهة .. (١) (٢) في آ : لقارون . تقرأ في الأصول : فسجنه ، ولعل ما أثبته الصواب . (٣) في ب ، ظا : ما كنت ، وفي ط : إني كنت . (٤) أصْبَغ بن الفَرَج بن سعيد بن نافع ، أبو عبد الله الأموي المصري المالكي ، الإمام الكبير ، مفتي الديار المصرية (٥) وعالمها . ذكر ابن معين أنه كان من أعلم خلق الله برأي مالك . طلبه المعتصم في المحنة ، فهرب واختفى بحلوان. سير أعلام النبلاء (٦٥٨/١٠). (٦) ((وهو سعيد بن سليمان، أبو عثمان الضَّبِّيُّ الواسطيُّ البزَّاز، الملقب بسعدويه . سكن بغداد، ونشر بها العلم. وكان من أهل السنة ، وقد أجاب في المحنة ، وحين سئل قال : كفرنا ورجعنا . ثقة . حافظ . مات وله مئة سنة . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٨١)، وتقريب التهذيب (٢٩٨/١). (٧) محمد بن سَلام بن الفَرَج ، أبو عبد الله السُّلمي البخاري البِيكَنْدي . كان من أوعية العلم ، وأئمة الأثر . ثقة ، ثبت. سير أعلا النبلاء (٦٢٨/١٠)، وتقريب التهذيب (١٦٨/٢). ٩٨ وفيات سنة ٢٢٥ هـ وأبو عُمَرِ الجَزْميُ(١) . [ وأبو عمر الحَوْضيّ]٢). [وأبو دُلَفَ العِجْلي التّميميّ، الأميرُ، أحدُ الأجواد ]٣). وسعيد بن مَسْعَدَ(٤) : أبو الحسن الأخْفَش الأوسط البلخيُّ ، ثم البصريّ النَّحويُّ، أخذ النحو عن سِيبويه، وصنَّف كتباً كثيرة؛ منها كتاب في ((معاني القرآن))، وكتاب ((الأوسط)) في النحو ، وغير ذلك. وله كتاب في العَروض زاد فيه بحرَ ((الخَبب)) على الخليل (٥) . وسُمِّيَ ((الأخفش)) لصغر عينيه وضعف بصره، وكان أيضاً أجْلَعَ، وهو الذي لا يضم(٦) شفتيه على أسنانه، وكان أولًا يقال له: ((الأخفش الصغير)) بالنسبة إلى الأخفش الكبير، أبي الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد الهَجري ، شيخ سيبويه وأبي عبيدة ، فلمّا ظهر عليُّ بنُ سليمان ولُقُب بالأخفش أيضاً ، صار سعيدُ بن مَسْعَدَة هو الأوسط ، والهَجري الأكبر ، وعليُّ بن سليمان الأصغر . وكانت وفاته في هذه السنة ، وقيل : سنة إحدى وعشرين ومئتين(٧) . الجَرْميّ النَّحويُّ(٨): هو صالحُ بن إسحاق البَصْريّ، قدِمَ بغداد وناظر بها الفرَّاء(٩) . وكان قد أخذ النَّحو عن أبي عُبَيدة، وأبي زيدٍ، والأصمعيُ(١٠). وصنف كتباً منها: ((الفرخ))، (١) هو صالح بن إسحاق الجَزْمي البصريّ النحوي ، إمام العربية، صاحب التصانيف ، عالم بالنحو واللغة ، من أهل البصرة، سكن بغداد . سير أعلام النبلاء (١٠ / ٥٦١)، وبغية الوعاة (٨/٢). (٢) ما بين قوسين زيادة من ظا فقط، وهو حفص بن عمر بن الحارث بن سَخْبَرة، أبو عمر الأزدي ، المشهور بالحَوضي ، إمام حافظ ، متقن، صدوق ، أعرابي فصيح . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٥٤). (٣) ما بين قوسين لم يرد في ظا، ب، وسيترجم له المؤلف في حوادث سنة ٢٢٦ هـ. (٤) المعارف (٥٤٥)، أخبار النحويين البصريين (٥٠)، الفهرست (٥٨)، معجم الأدباء (٢٢٤/١١)، وفيات الأعيان (٣٨٠/٢)، سير أعلام النبلاء (٢٠٦/١٠)، بغية الوعاة (١/ ٥٩٠)، شذرات الذهب (٣٦/٢) وغيرها. كان الخليل بن أحمد الفراهيدي قد جعل البحور خمسة عشر ، فأصبحت ببحر الخبب ستة عشر . (٥) في ب ، ظا : لا تنضم شفتاه . (٦) وفيات الأعيان (٢/ ٣٨١) . (٧) طبقات الزبيدي (٤٦)، أخبار البصريين (٧٢)، تاريخ بغداد (٣١٣/٩)، معجم الأدباء (١٢/ ٥)، وفيات الأعيان (٤٨٥/٢)، سير أعلام النبلاء (٥٦١/١)، طبقات القراء (٣٣٢/١)، بغية الوعاة (٨/٢)، شذرات الذهب (٢/ ٥٧) . (٨) (٩) معجم الأدباء (٦/١٢)، سير أعلام النبلاء (٥٦٣/١٠). (١٠) معجم الأدباء (١٢/ ٥) وفيه: أخذ عن هؤلاء اللغة، وأخذ عن يونس بن حبيب العربية، وعن أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش ، وقرأ عليه كتاب سيبويه . وفيات الأعيان (٢/ ٤٨٥) . ٩٩ أحدث سنة ٢٢٦ هـ ـ وفيات سنة ٢٢٦ هـ يعني فرخ كتاب سيبويه ، وكان فقيهاً ، فاضلاً، نحوياً ، بارعاً ، عالماً باللغة ، حافظاً لها ، ديناً ورعاً حسَنَ المذهب، صحيحَ الاعتقاد، روى الحديث. قاله كلَّه ابنُ خلكانُ(١). وروى عنه المبرّد٢ُ) . وذكره أبو نُعيم في ((تاريخ أصبهان (٣) . ثم دخلت سنة ست وعشرين ومثتين في شعبان منها توفي الأفشين في الحبس ، فأمر به المعتصم فصُلِبَ ، ثم أحرق ونُرِي رماده في دجلة، واحتيط على أمواله وحواصله ، فَوُجِدًا(٤) فيها أصنام مكللة بذهبٍ وجواهر ، وکتب عن دين المجوس ، وأشياء كثيرة مما يثَّهم بها ، ويتحقَّق بسببها ما ذكر عنه من الانتماء إلى دين آبائه المجوس ، لعنهم الله . وفيها توفي : محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين . وحجّ بالناس محمد بن داود . وفيها توفي من سادات المحدّثين : إسحاق الفَرْويُ(٥) ، وإسماعيل بن أبي أُوَيْس(٦) . وسُنَيد بن داود ، صاحبُ التفسير (٧) . (١) وفيات الأعيان (٤٨٥/٢-٤٨٦). (٢) سير أعلام النبلاء (١٠ / ٥٦٢). (٣) تاريخ أصبهان (٣٤٦/١) . في آ: فوجدوا فيها أصناماً ... وأثبت ما جاء في ب ، ظا . (٤) إسحاق بن محمد بن إسماعيل الأموي الفَروي المَدني ، أبو يعقوب . الإمام المحدّث العالم. صدوق ، كُفّ ، (٥) فَسَاء حفظه . سير أعلام النبلاء (٦٤٩/١٠)، وتقريب التهذيب (٦٠/١). (٦) إسماعيل بن أبي أُوَيْس عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر ، أبو عبد الله الأصبحي المدني . صدوق ، أخطأ في أحاديث من حفظه . قرأ القرآن وجوَّده على نافع. سير أعلام النبلاء (٣٩١/١٠)، وتقريب التهذيب (٧١/١) . (٧) في آ، ظ: محمد بن داود. وأثبت ما جاء في ب، ظا. وهو حسين بن داود ، أبو علي، ولقبه سُنّيْد ، المصيصي ، المحتسب ، صاحب التفسير الكبير ، الإمام الحافظ ، محدِّث الثّغْر . ضعيف مع إمامته ومعرفته . خرج له ابن ماجه حديثاً واحداً . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٢٧)، وتقريب التهذيب (٣٣٥/١). ١٠٠ وفيات سنة ٢٢٦ هـ وغسان بن الرّبيعُ(١). ويحيى بن يحيى التَّمِيميّ، شيخُ مسلم بن الحجاج(٢) أبو دُلَف العِجْلِيّ(٣): القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ بن معاوية بن خزاعي بن عبد العزّى (٤) بن دُلَف بن جشم بن قيس بن سعد بن عِجْل بن لجيم ، الأمير ، أبو دُلَف العِجْلِي . أحدُ قواد المأمون والمعتصم ، وإليه يُنسب الأميرُ أبو نصر بن ماكولا، صاحب كتاب ((الإكمال)). وكان القاضي جلال الدين القزويني [ خطيب دمشق ]°) يزعم أنه من سلالته ، ويذكر نسبه إليه . وكان أبو دُلَف هذا كريماً جواداً ممدّحاً ، قصده الشعراء من كُلِّ أوب ، وكان أبو تمام الطائيّ من جملة من يَغشاه ويستمنحُ نداه ، وكانت لديه فضيلة في الأدب والغناء، وصنَّف كتباً منها (( سياسة الملوك))، ومنها في الصيد والبزاة، وفي السلاح ، وغير ذلك. وما أحسَنَ ما قال فيه بَكْر بن النَّطَّاح(٦) الشاعر: مَدْعُ ابنِ عيسى الكيمياءُ الأعْظَمُ يا طالباً لِلْكِيمياءِ وعِلْمِهِ ومدحْتَهُ لأَتَاكَ ذاكَ الدِّرْهَمُ لو لم یکُنْ في الأرضِ إِلا دِرهَمُ فيقال : إنَّه أعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم . وكان شجاعاً فاتكاً ، ومعطاءً لا يملُّ من العطاء ، ويستدين على ذمته ويعطي ، وكان أبوه قد شرع في بناء مدينة الكَرَجُ(٧) فمات ولم يتمها ، فأتمها أبو دُلَف هذا . وكان فيه تشيّعٌ ، وكان يقول : من لم يكن مغالياً في التشيّع فهو ولد زِنَى . فقال له ابنه دُلَف : (١) غسّان بن الربيع الأزدي، محدّث الموصل، كان ورعاً، كبير القدر، لكن ليس بحجّة. العبر (٣١١/١). (٢) هو يحيى بن بكر بن عبد الرحمن ، أبو زكريا التَّميمي المِنْقَريّ النيسابوري ، شيخ الإسلام ، عالم خراسان . وكان يشبّه بابن المبارك في وقته. ثقة، ثبت . قال ابن راهويه : مات وهو إمام أهل الدنيا . سير أعلام النبلاء (٥١٢/١٠)، والعبر (٣٩٧/١). (٣) مروج الذهب (٥/٤)، الأغاني (٢٤٨/٨)، تاريخ بغداد (٤١٦/١٢)، وفيات الأعيان (٧٣/٤)، سير أعلام النبلاء (٥٦٣/١٠)، شذرات الذهب (٥٧/٢) . (٤) في ط: ((عبد العزيز))، وهو تحريف. (٥) تكملة من ب ، ظا ، ط . (٦) في آ، ط: النَّطَّاع، وأثبت ما جاء في ب، ظا. وهو بكر بن النَّطَّاح الحنفي، أبو وائل. اتصل بأبي دُلَف العجلي ، فجعل له رزقاً إلى أن توفي . مات سنة ١٩٢ هـ. ترجم له المؤلف في ( حوادث سنة ١٩٢) . والبيتان في وفيات الأعيان (٤/ ٧٤) . (٧) جاء في معجم البلدان (٤/ ٤٤٦) : الكَرَج: مدينة بين همذان وأصبهان في نصف الطريق ، وإلى همذان أقرب ، وأول من مصَّرها أبو دُلَف القاسم بن عيسى العِجلي، وجعلها وطنه . ووقع في الأصول وط: ((الكرخ )) وهو خطأ .