النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ مسألة خلق القرآن ليس بخالق . قال : ولا عن هذا أسألك. فقال: ما أُحسن غيرَ هذا. وصمَّم على ذلك. فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله أحداً فرداً ، لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ، ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجهٍ من الوجوه ؟ قال : نعم ! فقال للكاتب : اكتب بما قال . فكتب . ثم امتحنهم رجلاً رجلاً ، فأكثرُهم امتنَعَ من القول بخلق القرآن ، وإذا مانع الرجل منهم يمتحنه بالرقعة (١) التي وافق عليها بِشْرُ بن الوليد الكِنديّ ؛ من أنه تعالى لا يشبهه شيء من خلقه في معنىّ من المعاني ولا وجهٍ من الوجوه ، فيقول : نعم ، كما قال [ بِشر] . ولما انتهت النوبةُ إلى امتحان أحمد بن حنبل ، قال له : أتقولُ إن القرآن مخلوق؟ فقال : القرآن كلامُ الله، لا أزيد على هذا. قال: فما تقول في هذه الرقعة؟ فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ اُلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فقال رجلٌ من المعتزلة: إنه يقول: سميع بأُذن، بصير بعين . فقال له [إسحاق]: ما أردتَ بقولك: سميع بصيرٌ؟ فقال: أردت منها ما أرادَه اللهُ منها، وهو كما وَصَفَ نفسَه ، ولا أزيدُ على ذلك . فكُتبتْ جواباتُ القوم ، رجل(٢) رجل ، وبعث بها إلى المأمون . فصل قد تقدَّم : أن إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد لمَّا امتحن الجماعة في القول بخلق القرآن ، ونفي التشبيه ، فأجابوا كلُّهم إلى نفي المماثلة . وأما القولُ بخلق القرآن فامتنعوا من ذلك ، وقالوا كلهم : القرآن كلام الله . قال الإمام أحمد : ولا أزيدُ على هذا حَرْفاً أبداً ، وقرأ في نفي المماثلة: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فقالوا: ما أردتَ بقولك: السَّميع البصير؟ فقال: أردتُ منها ما أراد الله منها . وكان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مُصانعة مكرهاً ؛ لأنَّهم كانوا يعزِلون مَن لا يجيبُ عن وظائفه ، وإن كان له رِزْقٌ على بيت المال قُطِعَ ، وإن كان مفتياً مُنع من الإفتاء ، وإن كان شيخَ حديثٍ ، رُدِعَ عن الإسماع والأداء . ووقعت فتنة صمَّاء ، ومحنة شنعاء ، وداهية دهياء ، فلا حولَ ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم ، العزيز الحكيم . وأمر النائبُ إسحاق بن إبراهيم للكاتب فكتب عن كُلِّ واحدٍ منهم جوابه بعينه ، وبعث به إلى (١) ظا، ب : بما في الرقعة . (٢) في ط : رجلا رجلا . ٦٢ مسألة خلق القرآن المأمون ، فجاء الجواب يمدح النائب على ما فعل ، والرد على كل فردٍ فردٍ فيما قال . وأمر نائبه أن يمتحنهم أيضاً ، فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس ، ومن لم يجب منهم إلى القول بخلق القرآن فابعث به إلى عسكر أمير المؤمنين مقيّداً محتفظاً به حتَّى يصل إلى أمير المؤمنين ، فيرى به رأيه ، ومن مذهبه (١) أن يضرب عنق من لم يقل بخلق القرآن . فعقد الأميرُ ببغداد مجلساً آخر ، وأحضر أولئك وفيهم إبراهيم بن المهديّ ، وكان صاحباً لبشر بن الوليد الكنديّ ، وقد نصَّ المأمون على قتلهما إن لم يجيبا على الفور ، فلمَّا امتحنهم إسحاق بن إبراهيم ثانياً بعد قراءة كتاب الخليفة أجابوا كلهم مكرهين متأوّلين قولَه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَبِنٌّ ◌ِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌّ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، إلَّا أربعةً، [ وهم ] : أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والحسن بن حمّاد سَجَّادة ، وعُبَيد الله بن عمر القَوَاريري . فقيَّدهم وأرصدهم ليبعث بهم إلى الخليفة ، ثم استدعَى بهم في اليوم الثاني فامتحنهم ، فأجاب سَجَّادة إلى القول بخلق القرآن ، فأطلق قيده وأطلقه . ثم امتحنهم في اليوم الثالث ، فأجاب القواريريُّ إلى ذلك أيضاً فأطلق قيدَه أيضاً وأطلقه . وأصرّ أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح الجنديسابوري على الامتناع من ذلك ، فأكَّد قيودَهما ، وجمعهما في الحديد ، وبعث بهما إلى الخليفة وهو بطَرَسُوسَ ، وكتب معهما كتاباً بإرسالهما إليه فسارا مقيَّدين في محارة على جمل متعادلين ، رضي الله عنهما . وجعل الإمام أحمد يدعو الله عزَّ وجلَّ ألا يجمعَ بينهمُ(٢) وبين المأمون ، وألا يرياه ولا يراهما. وجاء كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم ، وفيه : أنه قد بلغني أن القوم إنما أجابوا مكرَهين متأوّلين قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَئِنٌّ ◌ِاَلْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وقد أخطؤوا في ذلك خطأً كبيراً، فأرسلهم كلهم إلى أمير المؤمنين . فاستدعاهم إسحاق بن إبراهيم ، وألزمهم بالمسير إلى طَرَسُوس ، فساروا إليها ، فلمَّا كانوا ببعض الطريق بلغهم وفاة المأمون ، فرُدُّوا إلى الرَّّة ، ثم أذن لهم بالرجوع إلى بغداد . وكان أحمد بن حنبل ، وصاحبه محمد بن نوح قد سبقا الناس ، ولكن لم يجتمعا به حتى مات ، واستجاب الله من عبده ووليه أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، فلم يجتمعوا بالمأمون ، ورُدُّوا إلى بغداد . وسيأتي تمام ما وقع من الأمر الفظيع في أول ولاية المعتصم بن الرشيد ، وتمام الكلام فيها في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل عند ذكر وفاته في سنة إحدى وأربعين ومئتين ، وبالله المستعان . (١) في ط : ومن رأيه . (٢) في ط : بينهما . ٦٣ ترجمة المأمون وهذه ترجمة المأمون(١) : هو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس القرشي الهاشمي العباسي ، أبو جعفر أمير المؤمنين [ المأمون (٢)، وأمّه أمُ ولدٍ اسمها : مَراجل الباذغيسيّة (٣)، وكان مولده في ربيع الأول سنة سبعين ومئة ليلةَ توفي عمُّه الهادي ، وولي أبوه هارون الرشيد ، وكان ذلك ليلة جمعة كما تقدَّم . قال ابن عساكر(٤): رَوَى الحديث عن أبيه، وهُشَيم بن بشير، وأبي مُعاوية الضَّرير ، ويوسف بن عطيّة ، وعبَّاد بن العوام ، وإسماعيل بن عُليةَ ، وحجاج بن محمد الأعور . وروى عنه : أبو حذيفة إسحاق بن بشر - وهو أسن منه - ويحيى بن أكثم القاضي ، وابنه الفضل بن المأمون ، ومعمر بن شبيب ، وأبو يوسف القاضي ، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي ، وأحمد بن الحارث الشيعي ، واليزيدي ، وعمرو بن مسعدة ، وعبد الله بن طاهر بن الحسين ، ومحمد بن إبراهيم السُّلَميّ ، ودِعْبِل بن عليّ الخُزَاعِيُّ. قال(٥) : وقدِمَ دمشقَ دفعات، وأقام بها مدة . ثم روى [ ابنُ عساكر (٦) من طريق أبي القاسم البَغوي ، حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي ، قال : سمعت المأمون في الشَّمَّاسِيَّةُ(٧) وقد أجرى الحَلْبة (٨)، فجعل ينظر إلى كثرة الناس ، فقال ليحيى بن أكثم: أما ترى؟ ثم قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس، أن النبيَّ نَّه قال: ((الخَلْقُ كلُّهم عيال الله فأحبُّهم إليه(٩) أنفعُهم لعياله)(١٠) . (١) المعارف، لابن قتيبة (ص٣٨٧)، وتاريخ الطبري (٤٢٨/٨ و٦٤٥)، تاريخ بغداد (١٨٣/١٠)، وابن عساكر (الجزء ٣٩، ٢٢٢)، الكامل لابن الأثير (٢٨٢/٦ و٤٢٨)، سير أعلام النبلاء (٢٧٢/١٠)، شذرات الذهب (٣٩/٢) . (٢) زيادة من ب ، ظا . (٣) نسبة إلى باذْغِيس، وهي بليدات وقُرى كثيرة ومزارع بنواحي هراة. اللباب (١٠٥/١). (٤) ابن عساكر الجزء (٢٢٢/٣٩). (٥) أي ابن عساكر . (٦) زيادة من ط . (٧) ((الشَّمَّاسِيَّة)): بفتح أوله وتشديد ثانيه، ثم سين مهملة، منسوبة إلى بعض شمَّاسي النصارى، وهي مجاورة لدار الروم التي في أعلى مدينة بغداد . ياقوت . (٨) ((الحَلْبة)): خيل تجمع للسباق من كل أوْب ، جمع حلائب. (٩) تاريخ ابن عساكر : في رواية: فأحب خلقه إليه ، وفي الجزء ٢٢٤/٣٩. (١٠) وفي سنده يوسف بن عطية بن ثابت الصفار البصري ، أبو سهل ، وهو متروك، كما قال الحافظ في التقريب . ورواه أيضاً من حديث أنس أبو يعلى والبزار ، كما في مجمع الزوائد (١٩١/٨)، وقال الحافظ الهيثمي : وفيه = ٦٤ ترجمة المأمون ومن حديث أبي بكر المَيَانَجِيّ(١) عن الحسين بن أحمد المالكي ، عن يحيى بن أكثم القاضي ، عن المأمون، عن هُشَيم، عن منصور عن الحسن، عن أبي بكرة: أنَّ رسول الله وَّل قال: ((الحياء من الإيمان (٢) . ومن حديث جعفر [ بن محمد ] بن أبي عثمان الطيالسي ، أنه صلَّى العصر يوم عرفة خلف المأمون بالرصافة، فلمَّا سلَّم كبَّر النَّاسُ، فجعل يقول: لا يا غوغاء، لا يا غوغاء، غداً سنة أبي القاسم ◌َكثير. فلما كان الغدُ صعِدَ المنبرَ ، فكبّر . ثم قال : أنبأ هُشَيم بن بشير ، حدَّثنا ابن شُبْرُمة ، عن الشَّعبيّ ، عن البراء بن عازب، عن أبي بُرْدَة بن نيار، قال: قال رسول الله بَ: «مَنْ ذَبَح قَبْلَ أنْ يُصَلِّي فإنَّما هو لحمٌ قدَّمه لأهله، ومَنْ ذَبَح بعد أن يُصَلِّي الغداة فقد أصاب السُّنَّة)(٣) . الله أكبر كبيراً . والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بُكرةً وأصيلاً ، اللهم أصلحني واسْتَصْلِحني ، وأصلح على يديّ . وكان مولد المأمون ليلة مات عمه الهادي ، وولي أبوه الرشيد ، وذلك ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومئة ، وولي الخلافة في المحرم لخمس بقين منه بعد مقتل أخيه سنة ثمان وتسعين ومئة ، واستمرّ فى الخلافة عشرين سنة وخمسة أشهر . وقد كان فيه تشيّع واعتزالٌ وجهلٌ بالسُّنَّة الصحيحة ، وقد بايع في سنة إحدى ومئتين بولاية العهد من يوسف بن عطية الصفار ، وهو متروك . وذكره الهيثمي من حديث ابن مسعود ، وقال : رواه الطبراني في الكبير = والأوسط ، وفيه عمير ، وهو أبو هارون القرشي ، متروك . وقد رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر بلفظ: (( أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجلَّ سرورٌ تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة ، أو تقضي عنه ديناً ، أو تطرد عنه جوعاً .. )). وإسناده ضعيف، ولكن له طريق آخر، رواه ابن أبي الدنيا في ((قضاء الحوائج)) عن بعض أصحاب النبي وَّر ، وابن عساكر من طرقٍ عن ابن عمر ، فهو حديث حسن (ع ) . وفي رواية : أحب العباد إلى الله أنفعهم لعياله . رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد لأبيه ، عن الحسن مرسلاً ، وهو ضعيف ، لكن له شواهد ، يكون بها حسناً لغيره . (١) انظر غرائب حديث الميانجي (خ حديث ٢٧٩ ق ١٢٣ ظاهرية)، وتاريخ ابن عساكر، الجزء٣٩، ص٢٢٥ . (٢) وإسناده ضعيف، ولكن رواه البخاري (١٠ /٤٣٣) في الأدب، باب الحياء ؛ ومسلم رقم (٣٦) في الإيمان ، باب بيان عدد شعب الإيمان ، وفضيلة الحياء ؛ وأبو داود رقم (٤٧٩٥) في الأدب ، باب في الحياء ؛ والترمذي رقم (٢٦١٥) في الإيمان، باب ما جاء أن الحياء من الإيمان؛ وابن ماجه رقم (٥٨) في المقدمة ، باب في الإيمان، كلهم من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما . ورواه الترمذي رقم (٢٠٠٩) في البر والصلة ، باب ما جاء في الحياء ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . فالحديث صحيح . (٣) وهو في صحيح البخاري (١٠/ ٢ و٣) في الأضاحي، باب سنة الأضحية؛ ومسلم رقم (١٩٦١) (٧)؛ والنسائي (١٨٢/٣) في العيدين؛ والبيهقي في سننه (٢٧٦/١٠) في الأضاحي ؛ باب وقت الأضحية ؛ من حديث البراء بن عازب ، رضي الله عنه . ٦٥ ترجمة المأمون بعده لعلي الرِّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب، وخلّع السّوادَ ولبس الخُضْرَةَ كما قدَّمن١) ، فأعظَمَ ذلك العبّاسيون من البغاددة وغيرهم ، وخلعوا المأمون وولّوا عليهم إبراهيم بن المهدي ، كما تقدَّم ، ثم ظفر المأمون بهم واستقام أمره في الخلافة ، وذلك بعد موت عليّ الرِّضا بطُوس، وعفا عن عمِّه إبراهيم بن المهدي ، كما تقدّم بسطُ ذلك في موضعه (٢) . وأمَّا كونه على مذهب الاعتزال فإنَّه اجتمع بجماعة ؛ منهم : بِشْرُ بن غياث المَريسي ، فأخذ عنهم هذا المذهب الباطل . وكان يحبُّ العلم ، ولم يكن له بصيرةٌ نافذة فيه ، فدخل عليه بسبب ذلك الداخلُ ، وراج عنده الباطلُ ؛ ودعا إليه وحَمَل الناس قهراً عليه ؛ وذلك في آخر أيامه وانقضاء دولته . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : كان المأمون أبيضَ ربعةً ، حسنَ الوجه ، قد وخَطَهُ الشَّيبُ ، تعلُوه صُفْرَةٌ، أعينَ، طويلَ اللّحية، رقيقَها، ضيِّقَ الجَبينِ، على خَدِّه خالٌ؛ أمُّه أمُّ ولدٍ يقالُ لها: مَراجل (٣). وروى الخطيب البغدادي عن القاسم بن محمد بن عباد ، قال : لم يحفظ القرآنَ أحدٌ مِن الخلفاء غيرُ عثمانَ بن عفان والمأمون(٤) ؛ وهذا غريبٌ جدّ(٥) . قالوا : وكان يتلو في شهر رمضان ثلاثاً وثلاثين ختمةً ، وجلس يوماً لإملاء الحديث فاجتمع حوله القاضي ابن أكثم وجماعة ، فأملى عليهم من حفظه ثلاثين حديثاً . وكانت له بصيرة بعلوم متعددة ، من فقهٍ ، وطبِّ ، وشعرٍ ، وفرائضَ ، وكلامٍ ، ونحوٍ ، وعربية ، وغريبٍ ، وعلم النجوم ؛ وإليه يُنسب الزِّيجُ(٦) المأموني. وقد اختبر مقدار الدرجة في وطأة سنجار ، فاختلف عملُه وعمل الأوائل من القدماء . وروى ابن عساكر(٧) أنَّ المأمون جلس يوماً للناس ، وفي مجلسه الأمراء والعلماء ، فجاءت امرأة تتظلَّم إليه ، فذكرت أن أخاها توفي وترك ستمئة دينار ، فلم يحصل لها سوى دينار واحد . فقال لها على البديهة: قد وصل إليك حقُّكِ، كأن أخاك قد ترك بنتين(٨)، وأمّاً ، وزوجة ، واثني عشر أخاً ، وأختاً تقدّم في حوادث سنة ٢٠٤ هـ . (١) (٢) المصدر السابق . تاريخ بغداد (١٨٤/١٠)، تاريخ ابن عساكر (الجزء ٢٢٩/٣٩)، سير أعلام النبلاء (٢٧٣/١٠). (٣) تاريخ بغداد (١٩٠/١٠)، وتاريخ ابن عساكر (الجزء ٢٣٤/٣٩). (٤) بعدها في ط : لا يوافق عليه ، فقد كان يحفظ القرآن عدة من الخلفاء . (٥) ((الزَّيج)) : كتاب أو جدول يعرف منه سير الكواكب ، ومنه يستخرج التقويم . فارسي معرب . (٦) (٧) تاريخ ابن عساكر ( الجزء ٢٣٦/٣٩). والخبر في سير أعلام النبلاء (٢٧٧/١٠)، والوافي بالوفيات (٦٥٧/١٧)، وفوات الوفيات (٢٤٠/١)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٣١). (٨) في ابن عساكر : أربع بنات . ٦٦ ترجمة المأمون واحدة وهي أنت؟ قالت : نعم يا أميرَ المؤمنين . فقال : للبنتين الثلثان أربعمئة دينار ، وللأم السدسُ مئةُ دينار ، وللزوجة الثمن خمسة وسبعون ديناراً، ويبقى خمسة وعشرون ديناراً ، لكلّ أخٍ ديناران [ ديناران]١)، ولك دينار واحدٌ . فعجب الناس من فطنته [ وِحدَّةِ ذِهنه(٢) وسرعة جوابه . وقد رُويت هذه الحكاية عن علي بن أبي طالب . ودخل بعضُ الشعراء على المأمون وقد قال فيه بيتاً يراه عظيماً ، فلما أنشده إياه لم يقع منه موقعاً طائلاً ، فخرج من عنده ، فلقيه شاعر آخر فقال : ألا أعجبك ؟ أنشدْتُ المأمون هذا البيت فلم يرفع به رأساً . فقال : وما هو ؟ قال: قلت فيه(٣): أضحى إمامُ الهُدَى المأمونُ مُشْتَغْلاً بالدِّينِ والنَّاسُ بالدنيا مَشَاغِيلُ فقال له ذلك الشاعر : ما زِدْتَ على أن جعلْتَه عجوزاً في محرابها . فهلا قلت كما قال جريرٌ في عبد العزيز بن الوليد (٤): فَلا هُوَ في الدُّنيا مُضيعٌ نَصِيبَهُ ولا عَرَضُ الدُّنيا عن الدِّينِ شاغِلُهُ وقال المأمون يوماً لبعض جلسائه : بيتان لاثنين ما لحقهما أحدٌ ، قولُ أبي نواس(٥): إذا اختبَرَ الدُّنيا لبيبٌ تكثَّفَتْ لَهُ عن عَدوِّ في ثيابٍ صديقٍ وقولُ شريح(٦) : تهونُ على الدُّنيا الملامةُ إنَّهُ حريصٌ على اسْتِصْلاحها مَنْ يَلُومُها قال [المأمون ]٧): وقد ألجأني الزّحام يوماً وأنا في الموكب حتى خالطت السوق(٨) فرأيت رجلاً (١) زيادة من ابن عساكر وط . (٢) ما بين حاصرتين زيادة من ط (ع). (٣) البيت في الطبري (٨/ ٦٦٣)، وابن عساكر (الجزء ٢٣٨/٣٩)، والصناعتين (١١٩)، وسر الفصاحة (٢٤٨)، وشعر مروان بن أبي حفصة ( ص ١١٧، ١٣٣ ) . (٤) الطبري (٦٦٣/٨)، وابن عساكر (الجزء ٢٣٩/٣٩) وديوان جرير (٤٣٥) وفي ط (عبد العزيز بن مروان) (ع ) . (٥) ابن عساكر (الجزء ٢٣٩/٣٩) وديوان أبي نواس (٢٨٧). (٦) ابن عساكر (الجزء ٢٣٩/٣٩). (٧) زيادة من ط . (٨) في ط : السوقة . ٦٧ ترجمة المأمون في دكان عليه أثواب خَلقهُ(١)، فنظر إليَّ نظرَ مَن يرحمُني أو يتعجَّبُ من أمري، فقال(٢): أَرَى كلَّ مَغْرُورٍ ثُمَنِّيهِ نفسُهُ إذا ما مَضَى عامٌ سلامةَ قابِلٍ وقال يحيى بن أكثم : سمعت المأمون يوم عيد خطب الناس ؛ حمد الله وأثنى عليه ، وصلَّى على رسول الله وَّه ثم قال: عبادَ الله! عظم أمرُ الدارين، وارتفع جزاءُ العاملين، وطالت مدَّة الفريقين، فوالله إنه للجِدُّ لا اللعبُ، وإنَّه للحَقُّ لا الكذِب ، وما هو إلَّ الموت ، والبعث ، والحساب ، والفَصْل ، والصّراط ، ثم العقاب ، والثواب . فمن نجا يومئذ فقد فاز ، ومن هَوَى يومئذ فقد خاب . الخیرُ كُلُّه في الجنة ، والشرّ كلُّه في النار(٣) . وروى ابن عساكر(٤) من طريق النَّصْر بن شُميل ، قال : دخلتُ على المأمون ، فقال : كيف أصبحْتَ يا نَضْر؟! قلت: بخير يا أمير المؤمنين! فقال: ما الإرجاء٥ُ) ؟ فقلْتُ : دين يوافق الملوكَ ؛ يصيبون به من دنياهم وينقصون من دينهم . قال : صدقْتَ . ثم قال: يا نَضْر ! أتدري ما قلْتُ في صبيحة هذا اليوم ؟ قلت : إني لم أعلم الغيب . فقال : قلت (٦): وَلَسْتُ منهُ الغَدَاةَ مُعْتَذِرا أصْبَحَ ديني الَّذي أدِینُ بهِ حبُّ عليٍّ بعدَ النَّبيِّ ولا أشتِمُ صِدِّيقنا ولا عُمَرا أبْرارِ ذاكَ القتيلُ مُصْطَبِرا ثم ابن عفَّان في الجِنَانِ مَعَ الـ طلحةَ إِنْ قالَ قائلٌ غدرًا لا ، لا ، ولا أشتمُ الزُّبِيرَ ولا وعائشُ الأمُّ لستُ أشْتِمُها مَن يَفْتَرِيها فَنَحْنُ منهُ برا وهذا المذهب ثاني مراتب التشيّع، وفيه (٧) تفضيل عليٍّ على عثمانُ(٨) . وقد قال بعضُ السّلف والدار قطني : مَن فضَّل علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار - يعني في اجتهادهم ثلاثة أيام ، ثم اتفقوا على تقديم عثمان على عليٍّ بعد مقتل عُمَرَ ، رضي الله عنهم - وبعد ذلك ستَّ عشرةَ مرتبةً في التشيّع ، على ما ذكره صاحبُ كتاب ((البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم)) ، ينتهي إلى أكفر الكفر . (١) يقال : ثوب خَلَق: بالٍ ، والجمع خُلْقان وأخْلاق. 1 (٢) ابن عساكر ( الجزء ٢٣٩/٣٩) . (٣) ابن عساكر ( الجزء ٣٩/ ٢٤٨) . ابن عساكر ( الجزء ٢٤٨/٣٩ - ٢٤٩). (٤) في ابن عساكر : أتدري بالإرجاء؟ . (٥) (٦) الأبيات في ابن عساكر ( الجزء ٢٤٩/٣٩)، وسير أعلام النبلاء (٢٨٢/١٠)، ووفيات الأعيان (٢٣٨/٢). في ب ، ظا : وقبله . (٧) في ط : الصحابة . (٨) ٦٨ ترجمة المأمون وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أنه قال: لا أُوتى بأحدٍ فضَّلني على أبي بكرٍ وعُمَر إلا جَلَدتُه جَلْدَ المُفْتَري. وتواتر عنه أنه قال: خيرُ الناس بعد رسول الله ◌َّل أبو بكر ثم عمر ثم عثمان(١) . فقد خالف المأمون بن الرشيد في مذهبه الصحابة كلَّهم حتى عليّ بن أبي طالب ، رضي الله عنهم . وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التي أزرى فيها على المهاجرين والأنصار ، وخالفهم في ذلك ، البدعةَ الأخرى والطَّامة العظمى ، وهي القولُ بِخَلْقِ القرآن ، مع ما فيه من الانهماك على تعاطي المسكِر وغير ذلك من الأفعال التي يعذر فيها المنكِر . ولكن كان فيه شهامة عظيمة ، وقوة جسيمة ، وله همة في القتال ، وحصار الأعداء ، ومصابرة الروم وحصرهم في بلدانهم ، وقتل فرسانهم ، وأسر ذراريهم وولدانهم . وكان يقول : [ معاوية ] بعَمْرِه، وعبد الملك بحجَّاجِهِ، وأنا بنفسي(٢). وكان يقصد العدل ، ويتوَّلى بنفسه بين الناس الفصلَ ؛ جاءته امرأة ضعيفة فتظلَّمت على ابنه العباسِ وهو واقف على رأسه، فأمرَ الحاجبَ فأخذ بيده فأجلَسَه معها بين يديه ، فادَّعَتْ عليه أنه أخذ ضيعةً لها واستحوذ عليها ، فتناظرا ساعةً فجعل صوتُها يعلو على صوته ، فزجرها بعضُ الحاضرين ، فقال له المأمون : اسكت ، فإنَّ الحقَّ أنطقها والباطلَ أسكته، ثم حكم لها بحقها، وأغرم لها ولَدَه بعشرة آلاف درهم(٣). وكتب إلى بعض الأمراء : ليس من المروءة أن تكون آنيتك من ذهب وفضَّة ، وغريمك عارٍ ، وجارك طاوٍ(٤). ووقف رجلٌ بين يدي المأمون ، فقال له المأمون : والله لأقتلنَّك! فقال : يا أميرَ المؤمنين ، تأنَّ عَليَّ، فإنَّ الرِّفْقَ نِصِفُ العَفْو، فقال: ويحك! وقد حلفت لأقتلنَّكَ! فقال: يا أميرَ المؤمنين ، لأنْ تلقى الله عزَّ وجلَّ حانِثاً خيرٌ لك من أن تلقاه قاتلاً . فعفا عنه(٥) . وكان يقول : ليت أهلَ الجرائم يعرفون مذهبي في العفو حتى يذهبَ الخوفُ عنهم ، ويدخلَ الشُّرورُ إلى قلوبهم(٦) . (١) قوله : ثم عثمان لم يرد في ب ، ط . تاريخ بغداد (١٩٠/١٠)، وابن عساكر (الجزء ٢٥٥/٣٩)، والوافي بالوفيات (١٧ / ٦٥٦). (٢) (٣) العقد الفريد (١/ ٢٢)، وابن عساكر (الجزء ٢٥٦/٣٩). العقد الفريد (٣٠٣/٤)، وابن عساكر (الجزء ٢٥٨/٣٩). (٤) تاريخ بغداد (١٩١/١٠)، وابن عساكر (الجزء ٢٥٩/٣٩). (٥) (٦) ابن عساكر (الجزء ٢٥٩/٣٩)، والوافي بالوفيات (١٧/ ٦٥٧)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (ص٣٢٥). ٦٩ ترجمة المأمون وركبَ يوماً في حرَّاقة ، فسمع ملاحاً يقول: أترون هذا المأمونَ ينبُلُ في عيني ، وقد قتلَ أخاه الأمين ؟ وهو لا يشعر بمكان الخليفة ، فجعَلَ المأمون يتبَّسم ويقولُ: كيف ترون الحيلةَ حتَّى أنبُلَ في عينٍ هذا الرجل الجَلِيلُ(١)؟ وحضر عنده هُذْبَةُ بن خالد يوماً، فتغدَّى عنده، فلمَّا رُفعت المائدة جعلَ هُدَبَةُ يلتقطُ ما تناثر منها، فقال له المأمون : أما شبعْتَ يا شيخُ؟! فقال: بلى، ولكن حدَّثني حمَّاد بنُ سلمة، عن ثابتٍ، عن أنس، أنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ قال: ((مَنْ أكَلَ ما تحتَ مائدتِهِ أمِنَ منَ الفقر)(٢) قال: فأمر له المأمون بألف دينارٍ(٣) . وروى ابن عساكر(٤) أن المأمون قال يوماً لمحمد بن عبّاد بن المهلب : يا أبا عبد الله! قد أعطيتُكَ ألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ، وإنَّ عليك ديناً! فقال: يا أميرَ المؤمنين ، إنَّ منع الموجود سوءُ ظَنِّ بالمعبود . فقال : أحسنت يا أبا عبد الله! أعطوه ألفَ ألفٍ ، وألفَ ألفٍ ، وألفَ ألفٍ. ولمَّا أراد المأمون أن يدخلَ ببورانُ(٥) بنت الحسن بن سهل جعل الناس يهدون لأبيها الأشياء النفيسة، وكان من جملة من يعتزُّ به رجلٌ من الأدباء ؛ فأهدى إليه مِزْوَد(٦) فيه ملح طيب ، ومِزْوداً فيه أشنان(٧) جيد ، وكتب إليه : إني كرهت أن تُطوى صحيفة أهل البِرّ ولا أذكر فيها ، فوجَّهت إليك بالمبتدأ به لِيُمنه وبركته ، وبالمختوم به لطيبه ونظافته . وكتب إليه(٨): (١) تاريخ بغداد (١٨٩/١٠)، ابن عساكر (الجزء ٢٦٠/٣٩)، سير أعلام النبلاء (٢٧٩/١٠) ، الوافي بالوفيات (٦٥٧/١٧)، فوات الوفيات (٢٣٦/٢)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٢٦). (٢) ذكره الحافظ السيوطي في تاريخ الخلفاء صفحة (٣٢٢) فقال: وأخرج الخطيب ، أي البغدادي ، عن هدية بن خالد، عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه ، عن رسول الله وَله: ((من أكل ما تحت مائدة أمن من الفقر)) . وذكر الحديث أيضاً المتقي الهندي في كنز العمال (٢٥٢/١٥) رقم (٤٠٨٢١) من حديث هدية بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ، وقال : قال ابن حجر في أطراف المختارة : سنده من هدبة على شرط مسلم ، والمتن منكر . فلينظر فيمن دون هدية . وفي رواية: (( من أكل ما يسقط من المائدة لم يزل في سعة من رزق )) رواه الدار قطني في الغرائب من حديث أبي هريرة . قال ابن عراق الكناني في تنزيه الشريعة (٢٦٢/٢) وفيه أحمد بن سليمان الحراني . قال الذهبي : ليس بعمدة . وفي رواية من حديث ابن عباس: (( من أكل ما يسقط من المائدة نفي عنه الفقر )) عند الديلمي ، وفيه يوسف بن أبي يوسف القاضي ، وهو مجهول . (٣) ابن عساكر ( الجزء ٢٦٦/٣٩)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٢٧) . (٤) ابن عساكر ( الجزء ٢٦٧/٣٩)، وعيون الأخبار (١٧٥/٣)، والعقد الفريد (١٧٢/١)، والمستجاد (١٧٩). (٥) تقدم الحديث عن عرس بوران في حوادث سنة ٢١٠ هـ . (٦) ((المِزْوَد)): وعاء الزاد ، جمع مَزاود. («الأشنان والإشنان)): شجر ينبت في الأرض الرملية ، يستعمل هو أو رماده في غسل الثياب والأيدي . (٧) (٨) البيتان والخبر في ابن عساكر (الجزء ٢٦٧/٣٩ - ٢٦٨). ٧٠ ترجمة المأمون وهِمَّتي تقصُرُ عن مالي بِضاعتي تقصُرُ عن هِمَّتي أحسَنُ ما يُهديهِ أمثالي فالمِلْحُ والأشْنَانُ يا سيدي قال : فدخل بهما الحسنُ بن سهل على المأمون فأعجبَهُ ذلك ، وأمر بالمِزْوَدَين ففرّغا وملئا دنانيرَ ، وبعث بهما إلى ذلك الأديب . وولد للمأمون ابنُهُ جعفر، فدخل الناس عليه يهنّونه بصنوفِ التهاني، ودخل بعضُ الشعراء(١) ، فقال : يهنِّه بولده : حتى ترى ابنكَ هذا جَدًّا مدَّ لكَ اللهُ الحياةَ مَدَّاً كأنَّهُ أنتَ إذا تَبَدَّى ثمَّ يُفْدَى مثلَ ما تُفَدَّى مؤزَّراً بمجدِه مُردَّا(٢) أشبهُ منكَ قامةٌ وَقَدّاً قال : فأمر له بعشرة آلاف درهم . وقدِمَ عليه وهو بدمشق مالٌ جزيل بعدما كان قد أفْلَسَ ، وشكا إلى أخيه المعتصم ذلك ، فورد عليه خزائن من خراسان ثلاثون ألف ألف درهم ، فخرج يستعرضها وقد زينت الجمال والأحمال ، ومعه يحيى بن أكثم القاضي ، فلما دخلت البلد قالُ: ليس من المروءة أن نحوزَ نحن هذا كلَّه والناسُ ينظرون ، ثم فرَّق منه أربعة وعشرين ألفَ ألفِ درهم ، ورِجلُه في الركاب لم ينزل عن فرسه(٣) . ومن لطيف شعره قوله (٤) : لِساني كَثُومٌ لأسرارِكِمْ ودمعِي ثمومٌ لِسِّي مُذِیعُ ولولا الهوى لَمْ تَكُنْ لی دُموعُ فلولا دُموعي كَتَمْتُ الهَوَى . وقد بَعث خادماً ليلة من الليالي ليأتيه بجارية، فأطال [الخادم }(٥) عندها المُكْث، وتمنَّعت الجارية من المجيء إليه حتى يأتي إليها الخليفة بنفسه ، فأنشأ المأمون يقولٌ(٦): (١) هو العباس بن الأحنف، تاريخ بغداد (١٨٩/١٠)، وابن عساكر (الجزء ٢٧٦/٣٩) والأبيات أيضاً في الأغاني (٣٢٣/٥) (دار الكتب ) منسوبة إلى إسحاق بن إبراهيم برواية ومناسبة مختلفتين. (٢) ((مؤزر)): من الإزار؛ و((مردّى)): من الرداء. (٣) تاريخ الطبري (٦٥٢/٨)، والكامل لابن الأثير (٤٣٣/٦). (٤) ابن عساكر (الجزء ٢٨٠/٣٩)، والمحاسن والمساوىء (٣٧٧)، والوافي (٦٥٩/١٧)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٣٣) . (٥) زيادة من ط . (٦) الطبري (٦٥٨/٨)، وابن عساكر (الجزء ٢٧٩/٣٩، ٢٨٠)، والكامل لابن الأثير (٤٣٦/٦) . . L ٧١ ترجمة المأمون وأغفَلْتَني حتَّى أسأْتُ بكَ الظَنَّا بعثتكَ مُشْتاقاً فَفُزْتَ بِنَظْرةٍ فياليتَ شعري عن دُنوِّك ما أغْنَى وناجيْتَ مَنْ أهْوَى فَكُنْتَ مُقَرَّباً ومَتَّعْتَ باستمتاع نغْمَتِها أذْنا وردَّدْتَ طَرفاً في محاسِنِ وجهها لقد سرقَتْ عيناكَ من حُسْنِها حُسْنا أرى أثراً في صحن خدِّك لم يكن(١) ولما ابتدَعَ المأمونُ ما ابتدع من التشيّع والاعتزال، فرح بذلك بِشْر المَرِيسيّ(٢) - وكان شيخَ المأمون في ذلك - فأنشأ المَرِيِسيّ يقول(٣): قد قالَ مأمُونا وسيِّدُنا قَولا له في الكتابِ تَصديقُ أفضلُ من أرقلَتْ به التُّوقُ(٤) إِنَّ عليّاً أعني أبا حَسَنٍ أعمالنا، والقرانُ مخلوقُ بَعْدَ نبيِّ الهُدَى وإنَّ لنا فأجابه بعضُ الشعراء من أهل السنة فقال(٥) : لِمَنْ يقولُ : كلامُ الله مخلوقُ يا أيُّها النَّاسُ لا قولٌ ولا عملٌ ولا النبيُّ ولم يذكرْهُ صِدّيقُ ما قالَ ذاكَ أبو بكرٍ ولا عُمَرٌ ولم يقلْ ذاكَ إلا كُلُّ مبتدِعِ عَمْداً أرادَ بهِ إمحاقَ دینکمُ أصبحَ یا قوم عقلاً من خلیفتکمْ على الإله وعندَ اللهِ زنديقُ لأنَّ دينهُم واللهِ ممحوقُ يُمسي ويُصبح في الأغلالِ موثوقُ(٦) وقد سأل بشر من المأمون أن يطلب قائلَ هذا فيؤدِّبه على ذلك ، فقال : ويحك ! لو كان فقيهاً لأدَّبته ، ولكنه شاعر فلست أعرِضُ له . ولما تجهز المأمون للغزو في آخر سفرة سافرها إلى طَرَسُوسَ ، استَدْعَى بجاريةٍ كان يحبُّها وقد (١) في ط والطبري وابن الأثير: أرى أثراً منه بعينك بيناً . (٢) من كبار الفقهاء، قال بخلق القرآن ، ودعا إليه . وسيورد المؤلف ترجمته بعد قليل . (٣) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٨٢). (٤) ((أرْقَلت به النوق)): أسرعت . (٥) ابن عساكر (الجزء ٢٨٢/٣٩). (٦) روايته في ط : يا قوم أصبح عقل من خليفتكم مفيَّداً وهو في الأغلال موثوق ٧٢ ترجمة المأمون اشتراها في آخر عمره ، فضمَّها إليه ، فبكت الجارية وقالت : قتلْتَنِي يا أميرَ المؤمنين بسفرك ! ثم أنشأتْ تقول(١): سأدعو دَعْوَةَ المضطرِّ ربّاً يُثيبُ على الدُّعاءِ ويستجيبُ ويَجْمَعَنا كما تهوى القُلوبُ لعلَّ اللهَ أن يكفيكَ حَزْبا فضمَّها إليه وأنشأ يقول: متمثِّلا٢ً) : وإذ هي تَذْري الدمعَ منها الأناملُ فيا حُسْنَها إذ يغسِلِ الدَّمْعُ كُحْلَها وقتلي بما قالتْ هناكَ تحاوِلُ صبيحةً قالت في العتابِ قتلْتَني ثم أمر الخادم مسروراً بالإحسان إليها ، والاحتفاظ عليها حتَّى يرجعَ ، ثم قال : نحنُ كما قال الأخطلُ(٣): قومٌ إذا حارَبوا شَدُّوا مآزِرَهم دُونَ النساءِ ولو باتَتْ بأطهارِ ثم ودَّعها وسار فمرضت الجارية في غيبته هذه ، ومات المأمون أيضاً ، فلمَّا جاء نعيُه إليها تنفَّست الصُّعَداء وحضرتها الوفاة ، وأنشأت تقول وهي(٤) في السِّياق(٥): إِنَّ الزَّمانَ سقانا مِنْ مَرارَتِهِ بعدَ الحلاوةِ أنفاساً فأروانا ثمَّ انثنى تارةً أُخرى فأنْكانا أبدَى لنا تارةً منه فأضحكنا من القضاءِ ومن تلوينٍ دنيانا إنَّا إلى الله فيما لا يزالُ لنا ما لا يدومُ مصافاةٌ وأحزانا دنيا نراها تُرينا مِنْ تصرُّفها للعيشِ أحياؤنا٦) ييكونَ موتانا ونحنُ فیھا کأنَّا لا يُزایلنا كانت وفاة المأمون بطَرَسُوس في يوم الخميس وقتَ الظهر ، وقيل : بعد العصر ، لثلاث عشرة بقيت من رجب من سنة ثماني عشرة ومئتين ، وله نحو من ثمان وأربعين سنة . وكانت مدَّة خلافته(٧) عشرين سنة وأشهراً، وصلَّى عليه أخوه المعتصم وهو وليّ العهد من بعده ، ودُفن بطَرَسُوس في دار خاقان (١) ابن عساكر (الجزء ٢٨٣/٣٩)، وشذرات الذهب (٣٩/٢). (٢) المصدر السابق . ديوانه (١٢٠)، وابن عساكر ( الجزء ٢٨٤/٣٩) . (٣) هي في السِّياق: أي في النَّزْع. و((السِّاق)): نزع الروح. (٤) ابن عساكر ( الجزء ٢٨٤/٣٩) . (٥) في آ، ط: أحيا وما: وأثبت ما جاء في ب وابن عساكر . (٦) في ابن عساكر: وكانت ولايته التي استقامت له عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوماً . (٧) ٧٣ ترجمة المأمون الخادم . وقيل : كانت وفاته يوم الثلاثاء . وقيل : يوم الأربعاء ، لثمان بقين من رجب من هذه السنة . وقيل : إنه مات خارج طَرَسُوسَ بأربع مراحل ، فحُمِلَ إليها حتى دُفن بها . وقيل : إنه نُقِلَ بعد ذلك في رمضان إلى أذَنَة ، فدفن بها ، والله أعلم . وقد قال أبو سعيد المخزومي(١) : ما رأيتُ(٢) النُّجومَ أغنَتْ عن المأمونٍ في عزِّ مُلْكِهٍ(٣) المأسُوسِ خَلَّفِوهُ بِعَزْصَتَيْ طَرَسُوسٍ مثلما خلَّفوا أباهُ بِطُوسٍ وقد كان أوصى إلى أخيه المعتصم ، وكتبَ وصيته بحضرة ابنه العباس وجماعة القضاة والأمراء والوزراء والكُتَّاب . وفيها القولُ بخلق القرآن ، ولم يتبْ من ذلك حتَّى أدركه أجلُه ، وانقضى عَملُه ، وهو على ذلك لم يرجع عنه ولم يتبْ منه . وأوصَى أن يكبِّر عليه الذي يصلِّ عليه خمساً . وأوْصَى أخاه أبا إسحاق المعتصم بتقوى الله عزَّ وجلَّ والرِّفقِ بالرعيَّة ، وأن يعتقدَ ما كان يعتقده أخوه في القرآن ، والدعاء إلى ذلك . وأوصاه بعبد الله بن طاهر ، وإسحاق(٤) بن إبراهيم ، وأحمد بن أبي دوار(٥) ، قال : شاوره في أمورك ولا تفارقه، وحذَّره من يحيى بن أكثم ، ونهاه عنه وذمَّه ، وقال : خانني ونفّر الناسَ عنِّي ، ففارقته غيرَ راضٍ عنه . ثم أوصاه بالعلويين خيراً ؛ أن يقبلَ من محسنهم ، ويتجاوزَ عن مسيئهم ، وأن يواصلهم بصلاتهم في كل سنة . وقد ذكر ابن جرير(٦) للمأمون ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة لم يذكرها الحافظ ابن عساكر مع کثرة ما يورده ، وفوق كلِّ ذي علم عليم . (١) تاريخ الطبري (٦٥٥/٨)، ابن عساكر (الجزء ٢٩٢/٣٩)، معجم البلدان (طرسوس) ، تاريخ الخلفاء للسيوطي (٣١٩) . (٢) فى ب، ط، والطبري، ومعجم البلدان وتاريخ الخلفاء: هل رأيتَ. (٣) في ط والطبري: شيئاً أو ملكه . (٤) فى آ، ط: أحمد بن إبراهيم، واثبت ما جاء في ظا، ب . وهو إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب الخزاعي الأمير ، ابن عم طاهر بن الحسين ، ولي بغداد أكثر من عشرين سنة ، وكان صارماً سائساً حازماً ، وهو الذي كان يطلب الفقهاء ويمتحنهم بأمر المأمون . مات في بغداد سنة ٢٣٥ هـ. وسيترجم له المؤلف في أحداث سنة ٢٣٥هـ، وترجمته أيضاً في العبر (٤٢٠/١)، وشذرات الذهب (٨٤/٢) . (٥) في آ، ب: أحمد بن داود ، وأثبت ما جاء في ظ ، ط ، وهو: أحمد بن أبي دواد الإيادي ، أحد القضاة المشهورين من المعتزلة ، ورأس فتنة القول بخلق القرآن ، وسيترجم له المؤلف في أحداث سنة ٢٤٠ هـ . (٦) تاريخ الطبري (٤٧٨/٨-٦٦٦)، وتاريخ ابن عساكر (الجزء ٢٢٢/٣٩-٢٩٣). ٧٤ وفيات سنة ٢١٨ هـ خلافة المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد : بُويع له بالخلافة يوم مات أخوه المأمون بطَرَسُوس يوم الخميس الثاني عشر من رجب من سنة ثماني عشرة ومئتين ، وكان إذ ذاك مريضاً ، وهو الذي صلَّى على أخيه المأمون ، وقد شغب بعض الجند ، فأرادوا أن يولّوا العباس بن المأمون ، فخرج عليهم العباس بن المأمون ، فقال لهم : ما هذا الحبّ البارد ؟ أنا قد بايعتُ عمِّي المعتصم ، فسكن الناس ، وخمدت الفتن وركبت البرد بالبيعة إلى الآفاق ، وبالتعزية بالمأمون ، وولاية المعتصم . فأمر المعتصم بهدم ما كان بناه المأمون في مدينة طُوَانة ، وأمر بإبطال ذلك ، ونقل ما كان حوّل إليها من السلاح وغير ذلك ، وأذن للفعول(١) بالانصراف إلى بلدانهم وأقاليمهم ، ثم ركب المعتصم في الجنود قاصداً بغداد وصحبتُه العباس بن المأمون ، فدخلها يوم السبت مستهل رمضان في أبَّهة عظيمة وتجمّل تام . وفي هذه السنة دخل خلق كثير من أهل هَمَذان ، وأصْبَهَان ، وماسَبَذان ، ومِهْرِجَان في دين الخُزَّمية ، فتجمَّع منهم بشر كثير ، فجهز إليهم المعتصمُ جيوشاً كثيرة ، آخر من جهّز إليهم إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب في جيش عظيم ، وعقد له على الجبال ، فخرج من بغداد في ذي القعدة ، وقرىء كتابه بالفتح يوم التَّروية ، وأنَّه قهر الخرَّمية ، وقتل منهم خلقاً كثيراً ، وهرب بقيتهم إلى بلاد الروم ، ولله الحمد والمنَّة . وعلى يديه (٢) جرت فتنة الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، وضُرب بين يديه ، كما سيأتي بسطُ ذلك في ترجمة أحمد عند ذكر وفاته في سنة إحدى وأربعين ومئتين . وممن توفي فيها من المشاهير والأعيان : [ بِشْر المَرِيسيّ]٣): [ وهو ] بِشْرُ بن غياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن المَرِيسيّ المتكلم ، شيخُ المعتزلة ، وأحدُ مَن أضَلَّ المأمون . وقد كان هذا الرجل نظَرَ في شيء من الفقه ، وأخذ عن القاضي أبي يوسُف ، ورَوَى الحديث عنه ، وعن حمّاد بن سَلَمة ، وسُفيان بن عيينة ، وغيرهم . (١) كذا في الأصول، وفي ط: الفَعَلَة، وهي صفة غالبة على عَمَلَة الطين والحفر ونحوهما، لأنهم يفعلون. (٢) في ط : وعلى يدي هذا . ترجمته في الفرق بين الفِرَق (١٩٢)، وتاريخ العبر (٥٦/٧)، ووفيات الأعيان (٢٧٧/١)، والعبر (٣٧٣/١)، .(٣) وسير أعلام النبلاء (١٩٩/١٠)، وشذرات الذهب (٤٤/٢). ٧٥ وفيات سنة ٢١٨ هـ ثم غَلَبَ عليه علمُ الكلام ، وقد نهاه الشافعيُّ عن تعاطي ذلك فلم يقبل منه ، وقال الشافعيُّ : لأن يلقى اللهَ العبدُ بكلِّ ذنبٍ ما عدا الشرك أحبُّ إليّ(١) من أن يلقاه بعلم الكلام. وقد اجتمع بِشْرٌّ بالشافعي عندما قدِمَ الشافعيُّ بغداد . قال القاضي ابن خلكان(٢) : جرَّد القَوْلَ بخلق القرآن، وحُكي عنه أقوالٌ شنيعة ، وكان مرجئاً ، وإليه تُنْسب الطائفة المَرِيسيَّةُ من المرجئة، وكان يقول : إنَّ السُّجود للشمس والقمر ليس بكفر ، وإنَّما هو علامة الكفر ، وكان يناظر الإمام الشافعي ، وكان لا يحسن النَّحو ، وكان يَلحنُ لحناً فاحشاً . قال(٣): ويقال: إنَّ أباه كان يهودياً صبّاغاً بالكوفة، وكان يسكن درب المَرِيس(٤) ببغداد . والمَريسُ عندهم هو الخبزُ الرّقاق يُمرس بالسمن والتمر. قال: ومَرِيسُ(٥) ناحية ببلاد النوبة تأتي من نحوها في الشتاء ريحٌ باردة . قلت (٦) : ثم راج بِشْر المَرِيسيّ عند المأمون ، وحظي عنده ، وقدّم في حضرته ، ونفق سوقه الکاسد ، واستجيد ذهنه البارد . ولمّا توفي في ذي الحجة من هذا العام، أو الذي قبله في قولٍ(٧)، صلَّى عليه رجلٌ من المحدّثين يقال له : عبيد الشُّونيزي ، فلامه بعضُ المحدّثين ، فقال لهم : ألا تسمعون كيف دعوت له في صلاتي عليه ؛ قلت : اللهم ، إنَّ عبدك هذا كان ينكر عذاب القبر ، اللهم ! فأذقه من عذاب القبر ؛ وكان ينكر شفاعة نبيّك ، فلا تجعله من أهلها ؛ وكان ينكر رؤيتك في الدار الآخرة ، فاحجبْ وجهك الكريمَ عنه . فقالوا له : أصبت . وهذا الذي نطق به بعض السَّلف ، حيث قالوا : من كذَّب بكرامة لم ينلها . وتوفي في هذا العام : عبدُ الله بن يوسُف التِّنِّيسي(٨) (١) في ب ، ظا: إليه . (٢) وفيات الأعيان (١/ ٢٧٧) . في اللباب (٣/ ٢٠٠): المَريسي: نسبة إلى مَريس ، وهي قرية بمصر. (٣) (٤) المصدر السابق . في معجم البلدان (١١٨/٥)؛ المَريسة: جزيرة في بلاد النوبة كبيرة يُجلب منها الرقيق. (٥) (٦) لفظة: قلت: لم ترد في ب ، ظا . ومن هنا حتى قوله: من كذب بكرامة لم ينلها ساقط في ط . (٧) لفظة قول لم ترد في آ. أبو محمد الكلاعي الدمشقي ، ثقة متقن ، من أثبت الناس في الموطأ . إمام حافظ . (٨) ٧٦ أحداث سنة ٢١٩ هـ وأبو مُشْهِر عبدُ الأعلى بن مُشْهِر الغسَاني الدمشقيّ(١). ويحيى بن عبد الله البَائِلُّي(٢) . وأبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحِمْيَري المَعَافِريّ(٣) : راوي السِّيرة عن زياد بن عبد الله البَكَّائي، عن محمد بن إسحاق مصنفها، وإنما نسبت إليه فيقال: (( سيرة ابن هشام))؛ لأنه هذَّبها وزاد فيها ونقص منها ، وحرَّر أماكن واستدرك أشياء . وقد كان إماماً في اللغة والنحو والعربية . وكان مقيماً بديار مصر ، واجتمع به الشافعيُّ حين وردها ، وتناشدا من أشعار العرب أشياء كثيرة . وكانت وفاته بمصر لثلاث عشرة خلَتْ من ربيع الآخر من هذه السنة ؛ قاله ابن يونس في (( تاريخ مصر (٤). وزعم السُّهَيلي(٥) أنه توفي في سنة ثلاث عشرة ، والله أعلم. ثم دخلت سنة تسع عشرة ومئتين فيها : ظهر محمد بن القاسم بن عليّ(٦) بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالطَّالَقال(٧) من خراسان، يدعو إلى الرِّضا من آل محمد، واجتمَعَ عليه خلقٌ كثير، وقاتلَه قوَّادُ عبد الله بن طاهر مرات متعددة ، ثم ظهروا عليه وهرب ، فأُخذ ثم بعث به إلى عبد الله بن طاهر ، فبعثه إلى المعتصم ، فدخل عليه في المنتصف من ربيع الآخر [ من هذه السنة ]٨) فأمر به فحُبِس في مكان = سير أعلام النبلاء (١٠ / ٣٥٧)، وتقريب التهذيب (١/ ٤٦٣). (١) أحد شيوخ دمشق ، روى القراءة عنه أبو عبيد القاسم بن سلام ، وسمع منه أبو زرعة الدمشقي . مات محبوساً بسبب الفتنة بخلق القرآن بالعراق ، ثقة فاضل ، روى له الجماعة . سير أعلام النبلاء (٢٢٨/١٠) ، وطبقات القراء لابن الجزري (٣٥٥/١) . (٢) يحيى بن عبد الله بن الضَّحَّاك بن بابْلُت الأموي، مولاهم البَابْلُتِّي، نسبة إلى بَابُلُت موضع بالجزيرة ، أبو سعيد الحراني. ضعيف في الحديث. سير أعلام النبلاء (٣١٨/١٠)، واللباب (١٠١/١). (٣) وفيات الأعيان (١٧٧/٣)، سير أعلام النبلاء (٤٢٨/١٠)، الوافي بالوفيات (٢٦/٦)، بغية الوعاة (١١٥/٢). (٤) وفيات الأعيان (١٧٧/٣). (٥) الروض الأنف (١ / ٧) . في ط: ((محمد)) بدل ((علي))، وهو تحريف. وينظر ترجمته في مقاتل الطالبين (ص ٥٧٧)، وسير أعلام النبلاء (٦) (١٠/ ١٩١). (٧) بلدتان ، إحداهما بخراسان ، بين مرو الرّوذ وبلخ . ياقوت . (٨) زيادة من ظا، ب . ٧٧ وفيات سنة ٢١٩هـ ضيِّق، طولُهُ(١) ثلاثة أذرع في ذراعين ، فمكث فيه ثلاثاً ، ثم حُوِّلَ إلى أوسَعَ منه ، وأُجري عليه رزقٌ ، ومن يخدمُه ، فلم يَزَلْ محبوساً هنالك إلى ليلة عيد الفطر ، فاشتغل الناسُ بالعيد ، فدُلِّيَ له حبلٌ من كُوَّة كان يأتيه الضّوء منها ، فذهَبَ فلم يدر كيف ذهب ، ولا إلى أين صار من الأرض (٢). وفي يوم الأحد لإحدى عشرة ليلةً خلَتْ من جمادى الأولى دخل إسحاق بن إبراهيمَ إلى بغداد راجعاً من قتال الخُرَّمَّة ، ومعه الأسْرى منهم ، وقد قتل في حربه هذا من الخرَّميَّة مئة ألف مقاتل منهم(٣) ، ولله الحمد والمنَّة . وفيها : بعث المعتصم عُجَيْفاً في جيشٍ كثيفٍ لقتال الزُّطّ الذين عاثوا في بلاد البصرة ، وقطعوا الطريق ، ونهبُوا الغلات ، فمكث في قتالهم تسعةَ أشهرٍ ، فقهرهم ، وقمعَ شرَّهم ، وأباد خضراءهم . وكان القائم بأمرهم رجلٌ يقال له : محمد بن عثمان ، ومعه إنسان يقال له : سملق ، هو داهيتهم وشيطانهم ، فأراح الله المسلمين منهم ومن شرهم(٤) . وفيها توفي من الأعيان : سليمان بن داود الهاشمي(٥) ، شيخ الإمام أحمد . وعبد الله بن الزُّبير الحُمَيديّ(٦)، صاحب ((المسند (٧) ، وتلميذ الشافعيّ . وعلي بن عَيَّاش(٨). وأبو نُعَيْم الفضلُ بن دُكَيْن ، شيخ البخاري(٩) . (١) في أ، ب: طول . الطبري (٧/٩)، وابن الأثير (٤٤٢/٦). (٢) (٣) الطبري (٨/٩)، وابن الأثير (٤٤٥/٦). الطبري (٨/٩)، وابن الأثير (٤٤٣/٦). (٤) سليمان بن داود بن الأمير داود بن علي الهاشمي العباسي ، أبو أيوب ، من كبار الأئمة ، روي أن الإمام أحمد بن حنبل أثنى عليه وقال: يصلح للخلافة . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٥٥)، تهذيب التهذيب (٤/ ١٨٧). (٥) عبد الله بن الزبير بن عيسى ، أبو بكر القرشي الأسدي الحُميدي المكي ، شيخ الحرم ، إمام في الحديث ، ثقة (٦) حافظ فقيه . سير أعلام النبلاء (٦١٦/١٠)، والعبر (١/ ٣٧٧). طبع في جزأين بتحقيق المحدث حبيب الله الأعظمي، ثم طبع مرة أخرى بدمشق بتحقيق الأستاذ حسين الأسد (ع). (٧) علي بن عيَّاش بن مسلم، أبو الحسن الألْهانيُّ الحمصي ، محدّث حمص وعابدها ، ثقة ، ثبت . سير أعلام النبلاء (٨) (٣٣٨/١٠)، وتقريب التهذيب (٤٢/٢). (٩) الفَضْل بن دُكَين الكوفي، واسم دُكَيْن: عمرو بن حماد بن زهير، التيمي مولاهم، الأحول، أبو نُعَيم المُلائي، ثقة، ثبت، من كبار شيوخ البخاري، الحافظ الكبير. سير أعلام النبلاء (١٤٢/١٠)، وتقريب التهذيب (١١٠/٢). ٧٨ أحداث سنة ٢٢٠ هـ وأبو غسَان النَّهْدِيُ(١). [ ثم دخلت (٢) سنة عشرين ومثتين من الهجرة في يوم عاشوراء دخل عُجَيْف في السُّفن إلى بغدادَ ومعه من الزُّطّ سبعة وعشرون ألفاً قد جاؤوا بالأمان إلى الخليفة ، فأُنزلوا في الجانب الشرقي ، ثم نفاهم الخليفة إلى عَين زَرْبه (٣) ، فأغارت الرّوم فاجتاحوهم عن آخرهم ، فلم يفلت منهم أحدٌ ، وكان آخر العهد بهم(٤) . وفيها : عقد المعتصمُ للأفشين ، واسمُه : حَيْدر بن كاوس ، على جيشٍ عظيم ؛ لقتال بابَك الخُرَّمي ، لعنه الله . وكان قد استفحَلَ أمره جداً ، وقويت شوكته ، وانتشرت أتباعه في بلاد أذربيجان وما والاها ، وكان أوَّل ظهوره في سنة إحدى ومئتين، وكان زنديقاً كبيراً، وشيطاناً رَجيماً(٥) . فسار الأفشين ، وأحكم صناعة الحرب في الأرصاد ، وعمارة الحصون ، واتصال(٦) المَدَدِ . وأرسل إليه المعصتم مع بُغا الكبير أموالاً جزيلة نفقةً لمن معه من الجند والأتباع ، وقد التقى هو وبابَك في هذه السنة، فاقتتلا قتالاً عظيماً، فقتل الأفشين من أصحاب بَابَك خلقاً كثيراً أزيدً(٧) من ألف ، وانهزم هو إلى مدينته ، فأوى إليها مكسوراً ، فكان هذا أول ما تضعضع من أمر بابك ، لعنه الله . وجرت بينهما حروبٌ يطول ذكرها وبسطها ، وقد استقصاها الإمام أبو جعفر بن جرير(٨)، رحمه الله . وفي هذه السنة خرج المعتصم من بغداد ، فنزل القَاطُولَ فأقام بها . وفيها : غضب المعتصم على الفضل بن مروان بعد المكانة العظيمة ، وعزله عن الوزارة وحبسَه وأخذ أمواله ، وجعل مكانه محمد بن عبد الملك الزيّات . (١) في آ: أبو محمار النهدي، وفي ط: أبو بحار الهندي . واثبت ما جاء في ب ، ظا . وهو مالك بن إسماعيل بن دِرْهم ، أبو غسّان النَّهدي مولاهم ، الكوفي . ثقة ، متقن ، عابد ، صحيح الكتاب . روى له الجماعة. سير أعلام النبلاء (٤٣٠/١٠)، وتقريب التهذيب (٢٢٣/٢). (٢) زيادة من ط . (٣) بلد بالثغر من نواحي المصيصة . ياقوت . الطبري (٩/ ١٠)، وابن الأثير (٦/ ٤٤٦). (٤) (٥) في ب ، ظا: شيطاناً مَريداً . في ب ، ظا: وإيصال المدد . (٦) في ط: أزيد من مئة ألف ، وما هنا من النسخ وتاريخ الطبري . (٧) (٨) الطبري (١١/٩ - ٥٥)، وابن الأثير (٦/ ٤٤٧ -٤٧٨). ٧٩ أحداث سنة ٢٢١ هـ وحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن عباس (١) بن محمد أمير السنة الماضية . وفيها : توفي من الأعيان : آدم بن أبي إياس (٢). وعبد الله بن رَجاء(٣) . وعَقَّان بن مُسلم(٤) . وقَالُونُ(٥) ، أحد مشاهير القرّاء . وأبو حُذَيْقة النَّهْدِيّ(٦) . ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومثتين فيها : كانت وقعة هائلة بين بُغا الكبير وبابَك الخُرَّمَيّ، فهزم بَابَك بُغَا، وقَتَلَ خَلْقاً من أصحابه ، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون . ثم اقتتل الأفشين وبابَك فهزَمَه أفشين وقَتَل خَلْقاً من أصحابه بعدَ حروبٍ طويلةٍ قد استقصاها ابنُ جري(٧) في (( تاريخه)). وحجّ بالناس نائبُ مكّة محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس . (١) في النسخ والمطبوع: ((صالح بن علي بن محمد )) ، ولعله سهو من النساخ ، وقد صححت من الطبري وابن الأثير . وهو صالح بن عباس بن محمد بن علي ، أمير مكة . (٢) أبو الحسن الخراسانى البغدادي نزيل عَسْقلان ومحدَّثها ، واسم أبيه ناهية بن شعيب ، وقيل: عبد الرحمن شيخ الشام، روى الكثير، وكان صالحاً قانتاً . سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٣٥)، العبر (٣٧٩/١). (٣) أبو عمر الغُدّانيّ البصري، ويقال: كنيته: أبو عمرو، صدوق، يهم قليلاً. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٧٦)، وتقريب التهذيب (٤١٤/١). (٤) عَفَّان بن مسلم بن عبد الله الصفَّار، أبو عثمان، الحافظ البصري ، أحد أركان الحديث . نزل بغداد ونشر بها علمه . روى له الجماعة، وهو من حفاظ الحديث الثقات. سير أعلام النبلاء (٢٤٢/١٠)، والعبر (١/ ٣٨٠). (٥) هو عيسى بن مِينا بن وردان، أبو موسى ، الملقب بقالون ، قارىء المدينة ونحويُّها ، الإمام المجوِّد ، تلميذ نافع . وكان أصمّ يُقرأ عليه القرآن ، وكان ينظر إلى شفتي القارىء ، فيرد عليه اللحن والخطأ . سير أعلام النبلاء (٣٢٦/١٠)، وطبقات القراء لابن الجزري (٦١٥/١). (٦) هو موسى بن مسعود النَّهديّ البصري، أبو حُذَيْفَة، المحدّث الحافظ. صدوق ، سيء الحفظ . مات في هذه السنة، أو بعدها، وقد جاوز التسعين. سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٣٧)، وتقريب التهذيب (٢٨٨/٢). (٧) في آ: أبو جعفر رحمه الله في تاريخه. وانظر الطبري (٩/ ٢٣ وما بعدها) . ٨٠ وفيات سنة ٢٢١ هـ ـ أحداث سنة ٢٢٢ هـ - ذكر مسك بابك الخرمي وفيها توفي من الأعيان : عاصم بن علي(١) . وعبد الله بن مَسْلَمَةُ(٢) القَعْنَبِيّ . وعَبْدَانٌ(٣) . وهشام بن عُبيد الله الرازيّ(٤) . ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومئتين فيها : وجَّه المعتصم جيشاً كثيفاً مدداً للأفشين على محاربة الخُرَّميّة ، وبعث إليه ثلاثين ألف ألف درهم نفقةً للجند والأتباع . وفيها : اقتل الأفشين والخزَّميَّة قتالًاً عظيماً، وافتح الأفشين البَذّ(٥) ، مدينة بابك، واستباحَ ما فيها ، ولله الحمد . وذلك يوم الجمعة لعشرٍ بقين من رمضان . وذلك بعد محاصرةٍ عظيمة ، وحروبٍ هائلة ، وقتالٍ شديد، وجهدٍ جهيد، وقد أطال أبو جعفر(٦) بسطه جداً. وحاصلُ الأمر أنه افتح البلد ، وأخذ جميع ما احتوى عليه من الأموال . ذكرُ مسك بابَك الخُرَّميّ وأَسْره وقتله لما احتوى المسلمون على بلده المُسمَّى بالبَذّ، وهي دارُ ملكه، ومَقرُّ سلطانه هَرَبَ بمن معه من أهله وولده ، ومعه أمُّه وامرأته ، فانفرد في شِرْذِمَةٍ قليلة من خدمِهِ، ولم يبقَ معهم طعام ، فاجتاز بحَرَّاثٍ ، (١) عاصم بن علي بن عاصم الواسطيّ ، أبو الحسين ، أو أبو الحسن التيمي . حافظ صدوق ، من أصحاب شعبة ، قدم بغداد فازدحموا عليه من كل مكان ، حتى حُزر مجلسُه بمئة ألف . سير أعلام النبلاء (٢٦٢/٩)، وتهذيب التهذيب (٤٩/٥). (٢) في الأصول والمطبوع: مسلم، وأثبت ما جاء في المصادر . وهو عبد الله بن مَسْلَمة بن قَعْنَب الحارثي المدنيّ القَعْنَبِيّ ، أبو عبد الرحمن ، الإمام الثبت القدوة ، شيخ الإسلام ، نزيل البصرة ، ثم مكة ، وهو أوثق من روى الموطأ. سير أعلام النبلاء (٢٥٧/١٠)، والعبر (٣٨٢/١)، وتقريب التهذيب (٤٥١/١). (٣) هو عبد الله بن عثمان بن جَبَلة بن أبي رَوّاد، العَتَّكي، أبو عبد الرحمن المَروزي، الملقب عَبْدان، الإمام الحافظ، محدّث مرو، ثقة. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٠)، وتقريب التهذيب (٤٣٢/١). (٤) الفقيه السُّنَى، أحد أئمة السُّنة. كان من بحور العلم، صدوق. سير أعلام النبلاء (٤٤٦/١٠). (( البَذْ)): كورة بين أذربيجان وأرَّان، بها كان مخرج بابَك الخَرَّمي في أيام المعتصم . ياقوت . (٥) (٦) ابن جرير الطبري في تاريخه (٢٩/٩-٥١).