النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ أحداث سنة ٢٠٥ هـ وعبد الوهّاب بن عطاء الخفَّاف(١). والنَّضْر بن شُمَيل ، أحدُ أئمة اللغة(٢). وهشامُ بن محمد بن السَّائب الكلبي ، أحدُ علماء التاريخ (٣). ثم دخلت سنة خمس ومثتين فيها : ولَّى المأمون طاهر بن الحسين بن مصعب نيابةَ بغداد والعراق وخراسان إلى أقصى عملٍ المشرق ، ورضي عنه ، ورفَعَ منزلته جداً ، وذلك لمرض الحسن بن سهل بالسَّوداء . وولَّى المأمون مكان طاهر على الرقة والجزيرة يحيى بن معاذ . فقد عبدُ الله (٤) بن طاهر بن الحسين إلى بغداد في هذه السنة ، وكان أبوه قد استخلفه على الرقة وأمره بمقاتلة نَصْر بن شَبَث(٥) . وولَّى عيسى بن محمد بن أبي خالد أذربيجان وأرمينية ، وأمره بمحاربة بابَك الخرّمي . وولَّى عيسى بن يزيد الجُلوديَّ مقاتلة الزُّطّ . ومات نائبُ مصر السَّريُّ بن الحكم بها ، ونائبُ السند داودُ بن يزيد ، فولَّى مكانه بشرَ بن داود ، على أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم . (١) هو أبو نصر البصري الخفَّاف، مولى بني عجل، إمام، صدوق، عابد، محدِّث ، ربما أخطأ . سكن بغداد. سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٥١)، تقريب التهذيب (٥٢٨/١) . (٢) النَّضْر بن شُمَيْل بن خَرَشة بن يزيد المازني التميمي، أبو الحسن . أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب ورواية الحديث وفقه اللغة ، اتصل بالمأمون العبّاسي فأكرمه، وقرَّبه، توفي بمرو. إنباه الرواة (٣٤٨/٣)، وسير أعلام النبلاء (٣٢٨/٩) . (٣) هو هشام بن محمد بن السَّائب بن بشر الكلبي ، أبو المنذر . مؤرخ ، عالم بالأنساب وأخبار العرب وأيامها ، كأبيه محمد بن السّائب . وتصانيفه جمّة ، يقال: بلغت مئة وخمسين مصنفاً ، ذكر منها ابن النديم في فهرسه مئة وأربعة وأربعين كتاباً . من كتبه: جمهرة الأنساب ، والأصنام ، ونسب الخيل ، وغير ذلك . الفهرست (١٠٨)، وتاريخ بغداد (١٤ /٤٥)، وسير أعلام النبلاء (١٠ / ١٠١). (٤) في آ: طاهر بن عبد الله بن الحسين ، وهو تحريف . (٥) في آ: ظا: شيب، خطأ. وهو نصر بن شَبَث العقيلي، ثائر للعصبية العربية، من بني عقيل، وكانت إقامته في كَيْسوم بشمالي حلب ، وحاصره عبد الله بن طاهر ، وانتهى أمره بالاستسلام ، وسير إلى بغداد سنة ٢١٠ هـ ، ولا يعلم ما آل إليه أمره بعد ذلك. الطبري (٨/ ٥٨٠، ٥٩٨) والأعلام (٢٣/٨). ٢٢ وفيات سنة ٢٠٥ هـ وحجَّ بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن(١) ، نائب الحرمين الشريفين. وتوفي فيها من الأعيان : إسحاق بن منصور السَّلُوليُ(٢) . وَبِشْرُ بن بكر الدِّمشقيُّ(٣) . وأبو عامر العَقَدِيّ(٤) . ومحمد بن عُبيد الطَّنافسيّ(٥) . ويعقوب الحضر ميٍ(٦) . وأبو سليمان الدَّاراني (٧): عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، وقيل : عبد الرحمن بن عَطِيَّة ، وقيل : عبد الرحمن بن عَسْكَر ، أبو سليمان الدَّارانيُّ ، أحدُ أئمة العلماء العاملين ، أصله من واسط ، وسكن قرية غربي دمشق يُقال لها : داريًّا . وقد سمع الحديثَ من سفيان الثوريِّ وغيره ، ورَوى عنه أحمدُ بن أبي الحواري وجماعة . وأسند الحافظُ ابنُ عساكر من طريقه ، قال : سمعت عليَّ بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد ، يقول : سمعت إبراهيمَ بنَ أدهم ، يقول : سمعت ابنَ عجلانَ يذكُرُ عن القَعْقَاعِ بن حكيم ، [ عن أبي صالح ]٨) (١) في أ: الحسين ، وأثبت ما جاء في ظا، ب والطبري. (٢) إسحاق بن منصور السَّلُوليُّ، أبو عبد الرحمن الكوفيُّ . صدوق ، تكلم فيه للتشيع . تهذيب الكمال (٤٧٨/٢) وتقريب التهذيب (٦١/١). بشر بن بكر ، أبو عبد الله البَجَليّ الدِّمشقي، التَّنِّيسي، الإمام الحجّة، سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٠٧). (٣) هو عبد الملك بن عمرو القيسي العَقَديّ ، البصري ، أبو عامر. محدِّث البصرة ، الحافظ ، ثقة مأمون . (٤) سير أعلام النبلاء (٤٦٩/٩). محمد بن عبيد بن أبي أَميَّة الطَّنافِسيّ، الكوفي ، الأحدب ، ثقة ، يحفظ. تقريب التهذيب (١٨٨/٢). (٥) في ط: يعقوب الحضري ، تحريف . وهو يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي ، أبو محمد المقرىء ، صدوق . (٦) تقريب التهذيب (٢/ ٣٧٥). (٧) له ترجمة في تاريخ داريا للقاضي عبد الجبار الخولاني ص٥١ وطبقات الصوفية (ص ٧٥)، وحلية الأولياء (٢٥٤/٩)، وتاريخ بغداد (٢٤٨/١٠)، وصفة الصفوة (٢٢٣/٤)، وسير أعلام النبلاء (١٨٢/١٠)، وشذرات الذهب (١٣/٢)، وقد اختلف في سنة وفاته، فقيل: سنة ٢١٥، وقيل: سنة ٢٠٥، وقيل غير ذلك. (٨) ما بين قوسين لم يرد في آ، ط وأثبت من ظا، ب و(( ابن عساكر))، وهو أبو صالح السمَّان، واسمه ذكوان، المدني، الزيات، ثقة، ثبت مات سنة ١٠١هـ. تقريب التهذيب (٢٣٨/١). ابن عساكر المجلد الأربعون (ص٧٧) . ٢٣ وفيات سنة ٢٠٥هـ عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ اللهِصَّةِ: ((مَنْ صلَّى قبلَ الظهر أربعاً غُفِرَت ذنوبُه يومَه ذلكَ)(١) . وقال أبو القاسم القشيريُّ : حُكي عن أبي سليمان الداراني ، قال : اختلفْتُ إلى مجلسِ قاصِ ، فأثَّر كلامُه في قلبي ، فلمَّا قمتُ لم يبقَ في قلبي شيءٌ ، فعدت إليه ثانيةً ، فأثَّر كلامُه في قلبي بعدما قُمْتُ وفي الطريق ؛ ثم عُدْت ثالثةً ، فبقي أثرُ كلامِه في قلبي حتَّى رجعت إلى منزلي ، فكسرْتُ آلات المخالفات ، ولزمت الطريق(٢) . فحُكيت هذه الحكاية ليحيى بن معاذ ، فقال : عصفورٌ اصطادَ كُرْكِيا٣ً) ، يعني بالعصفور : القاصَّ ، وبالكُرْكيٍّ : أبا سليمان الداراني(٤). وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان ، يقول : ليس لمن أُلهمَ شيئاً من الخير أن يعملَ به حتى يسمَعَهُ من الأثَرَ ، فإذا سمعه من الأثر عمِل به ، وحمدَ اللهَ حين وافق ما في قلبه(٥) . وقال الجُنَيْد : قال أبو سليمان الدّارانيُّ : ربَّما يَقَعُ في قلبي النُّكْتَةُ مِن نُكَتِ القومِ أياماً ، فلا أقْبَلُ منه إلا بشاهدين عَدْلين: الكتابِ والسُّنَّه(٦) . قال : وقال أبو سليمان : أفضلُ الأعمال خلافُ هوى النَّفْس(٧). وقال: لِكُلِّ شيءٍ عَلَمٌ، وَعَلَمُ الخِذْلانِ تركُ البكاء(٨) . وقال : لِكُلِّ شيءٍ صَدَأْ ، وصَدَأ نورِ القلب شِبَعُ البَطْنِ(٩). (١) وأخرجه أيضاً الخطيب البغدادي (١٠/ ٢٤٨). وفي سنده ( محمد بن عمر بن الفضل ) قال الحافظ الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (٦٧١/٣) عنه: اتهم بالكذب ، قال: وقال ابن أبي الفوارس: وكان كذاباً وانظر ((زوائد تاريخ بغداد)) رقم (١٥٢٥) ويغني عنه حديث (( من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها، حرَّمه الله على النار)) رواه أبو داود رقم (١٢٦٩) والترمذي (٤٢٨) من حديث أم حبيبة وقال الترمذي: حديث صحيح . تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ، المجلد الأربعون (ص ٨٠) وطبقات الأولياء (٣٨٨). (٢) ((الكَرْكيّ)) طائر كبير، أغبر اللون، طويل العنق والرجلين، أبتر الذنب، قليل اللحم ، يأوي إلى الماء أحياناً. (٣) جمع كراكيّ . تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ، المجلد الأربعون ص (٨٠)، وطبقات الأولياء (٣٨٨). (٤) في ط عمل به ، فكان نوراً على نور . والخبر في تاريخ ابن عساكر المجلد الأربعون (ص٨٢)، وسير أعلام النبلاء (٥) (١٠/ ١٨٣) . تاريخ ابن عساكر المجلد الأربعون (ص٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٨٣/١٠)، والحاشية (٣). (٦) (٧) ابن عساكر المجلد ٤٠ (ص ٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٨٣/١٠). (٨) ابن عساكر المجلد ٤٠ (ص٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠ / ١٨٣). (٩) المصدر السابق . ٢٤ وفيات سنة ٢٠٥هـ وقال : كُلُّ ما شَغَلَكَ عن الله من أهلٍ، أو مالٍ، أو ولدٍ ، فهو عليك مشؤومٌ(١) . وقال : كنتُ ليلةً في المحراب أدعو ويداي ممدودتان ، فغلبني البَرْدُ ، فضممْتُ إحداهما وبقيت الأخرى مبسوطةً أدعو بها ، وغلبتْني عيني فنمت ، فَهَتفَ بي هاتفٌ : يا أبا سليمان : قد وضَعْنا في هذه ما أصَابَها ، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها . قال : فَآليْتُ على نفسي ألا أدعوَ إلا ويداي خارجتان، حَرّاً كان أو برد(٢) . وقال أبو سليمان : نمت ليلةً عن وِرْدِي، فإذا أنا بحوراءَ تقولُ لي: تنام وأنا أُرَبَّى لكَ في الخُدورِ منذ خمسمئة عام(٣) ؟ وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان ، يقول : إنَّ في الجنة أنهاراً على شاطئيها خيامٌ فيهن الحُور ، ينشىء الله خلق إحداهن(٤) إنشاءً فإذا تكامل خلقها ضربت الملائكة عليهن الخيامَ ، جالسةُ(٥) على كرسي ميل في ميل، قد خرج(٦) عَجيزتُها من جوانب الكرسيّ ، فيجيء أهلُ الجنة من قصورهم يتنزهون ما شاؤوا ، ثم يخلو كلُّ رجلٍ منهم بواحدة منهن . قال أبو سليمان : كيف يكونُ في الدنيا حالُ منْ يُريد يفتضُّ(٧) الأبكار على شاطئ الأنهار في الجنة (٨) ؟. وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : ربَّما مكثت خمس ليالٍ لا أقرأ بعد الفاتحة إلا بآيةٍ واحدةٍ أتفكّر في معانيها ، ولربما جاءت الآية من القرآن فيطير العقل ، فسبحان مَن يردُّه بعد٩ُ) . وسمعته يقول : أصلُ كُلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة الخوفُ من الله عز وجلَّ ، ومفتاحُ الدنيا الشِّبَعُ ، ومفتاحُ الآخرة الجوع (١) . ٠ ابن عساكر المجلد ٤٠ (ص٨٥،٨٢)، وصفة الصفوة (٢٢٤/٤)، حلية الأولياء (٢٦٤/٩). (١) حلية الأولياء (٢٥٩/٩)، وتاريخ ابن عساكر المجلد ٤٠ (ص٨٣)، وصفة الصفوة (٢٢٤/٤). (٢) (٣) المصدر السابق . (٤) في ط : الحوراء . (٥) في ط : الواحدة منهن جالسة . (٦) في ط: وابن عساكر: خرجت . في ط : افتضاض . (٧) (٨) تاريخ ابن عساكر ، المجلد ٤٠ ، (ص٩٢) . حلية الأولياء (٩/ ٢٦٢). وتاريخ ابن عساكر (المجلد ٤٠)، (ص٨٣). (٩) (١٠) تاريخ ابن عساكر، المجلد ٤٠ (ص٨٤) . ٢٥ وفيات سنة ٢٠٥هـ وقال لي يوماً : يا أحمدُ ، جوعٌ قليلٌ، وذلٌّ قليلٌ، وعُزْيٌ قليلٌ ، وفقرٌ قليلٌ ، وصبرٌ قليلٌ ، وقد انقضت عنك أيامُ الدنيا(١) . قال : واشتهى يوماً(٢) رغيفاً حارّاً بملح. قال: فجئته به ، فعضَّ منه عضَّةً ثم طرَحَه ، وأقبل يبكي ، ويقولُ : يا ربّ ، عجّلتَ لي شهوتي ، لقد أطلت جهدي وشِقْوتي ، وأنا تائب [ فاقبل توبتي ]٣) . فلم يذق الملح حتَّى لحق بالله عزَّ وجلّ(٤) . قال : وسمعته يقول : ما رضيتُ عن نفسي طرفة عينٍ ، ولو أنَّ أهلَ الأرض اجتمعوا على أن يَضَعوني كاتِّضاعي(٥) عند نفسي ما أحسنو(٦) . وسمعته يقول: مَن رأى لنفسه قيمةً لم يَذُقْ حلاوةَ الخِدْمةُ(٧). [ وسمعته يقول: إذا تكلَّفَ المتعبِّدون ألا يتكلموا إلا بالإعراب ذهب الخشوع من قلوبهم }(٨). [ وسمعته يقول: مَنْ حَسُنَ ظُّه بالله ثم لا يخافُ، فهو مَخْدوع(٩) . وقال : ينبغي للخوف أن يكونَ أغلبَ من الرجاء ، فإذا غلب الرجاء على الخوف فَسَدَ القلب(١٠). وقال لي يوماً : هل فوقَ الصبر منزلة ؟ فقلت : نعم - يعني : الرضا - فصرخ صرخةً غشي عليه ، ثم أفاق ، فقال : إذا كان الصابرون يوفون أجرهم بغير حساب ، فما ظنك بالأخرى (١١) ، وهم الذين رضي عنهم . وقال أبو سليمان : ما يسرّني أن لي الدنيا من أولها إلى آخرها أنفقه في وجوه البِرِّ ، وأنِّي أغفلُ عن الله (١٢) طرفة عين (١) في آ: جوّع قلبك، وذلل قلبك، وعز قلبك ، وفقر قلبك ، وصبر قلبك، واثبت ما جاء في ظا، ب ، وابن عساكر المجلد ٤٠، (ص٨٦) . (٢) في ظا ، ب: مرة . زيادة من ظا ، ب وابن عساكر . (٣) تاريخ ابن عساكر ، المجلد الأربعون (ص٨٦). (٤) وَضُعَ الرجل يَوْضُع ضَعة بفتح الضاد وكسرها: صار وضيعاً . (٥) تاريخ ابن عساكر ، المجلد ٤٠ (ص٨٧)، وصفة الصفوة (٢٢٩/٤). (٦) تاريخ ابن عساكر المجلد ٤٠ (ص٨٧)، وسير أعلام النبلاء (١٠ / ١٨٤). (٧) زيادة من ظا، ب وابن عساكر (ص٨٧)، وسير أعلام النبلاء (١٠ / ١٨٤). (٨) تاريخ ابن عساكر ، المجلد ٤٠ (ص٨٨)، وصفة الصفوة (٢٢٦/٤). (٩) (١٠) ابن عساكر المجلد ٤٠ (ص٩١). (١١) تاريخ ابن عساكر، المجلد ٤٠ (ص٨٨). (١٢) ذكره ابن عساكر في تاريخه ، المجلد ٤٠ (ص٨٩) من طريق ابن أبي الدنيا ، عن موسى بن عمران ، وصفة الصفوة (٢٢٥/٤) . ٢٦ وفيات سنة ٢٠٥هـ وقال أبو سليمان : قال زاهدٌ لزاهدٍ : أوْصِني ، فقال : لا يراكَ اللهُ حيثُ نهاكَ ، ولا يفقِدُكَ حيث أمرَكَ . فقال: زِدْني . فقال: ما عندي زيادةً(١) . وقال أيضاً : مَنْ أحسَنَ في نهاره كوفىء في ليله ، ومَنْ أحسَنَ في ليله كوفىء في نهاره ، ومَنْ صَدَقَ في ترك شَهْوةٍ ذَهب(٢) اللهُ بها من قلبه ، والله أكرمُ من أن يعذِّب قلباً في (٣) شهوةٍ تُركت له(٤). وقال : إذا سكنت الدنيا القلبَ ترخَّلَتْ منه الآخرة(٥) . وقال : إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تَزْحَمُها ، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تَزْحَمْها الآخرة ؛ إنَّ الآخرة كريمةٌ، والدنيا لئيمةٌ(٦) . وقال أحمد بن أبي الحواري : بِتُّ ليلةً عند أبي سليمان ، فسمعته يقول : وعزَّتِك وجلالِك ، لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنَّك بعفوك، ولئن طالبتني بلؤمي لأطالبنك بسخائك ، ولئن أمرتَ بي إلى النار لأخبرنَّهم أنِّي كنت أحبُّك(٧) . وكان أبو سليمان يقول : لو شكَّ النَّاسُ كلُّهم في الحق ما شككتُ فيه وحدي(٨). وكان يقول: ما خَلق اللهُ خَلْقاً أهونَ عليّ(٩) من إبليس ، ولولا أنَّ الله أمرني أن أتعوَّذ منه ما تعوذت منه أبداً، ولو بدا لي ما لطمت إلا صفحةً وجهه ١٠) . وكان يقول: إنَّ اللص لا يجيء إلى خربة ينقب حيطانها وهو قادر على الدخول إليها من أي مكان شاء، وإنما يجيء إلى بيت معمورٍ، وكذلك إبليسُ لا يجيء إلا إلى كُلِّ قلبٍ عامر ليستنزلة (١) عن شيء(١٢). (١) ابن عساكر، المجلد ٤٠ (ص٨٩) . في أ، ب: ذهب بها من قلبه ، وأثبت ما جاء في ظا وابن عساكر . (٢) . في ط وابن عساكر: بشهوة . (٣) ابن عساكر، المجلد (٩١/٤٠)، وصفة الصفوة (٢٢٩/٤) . (٤) (٥) ابن عساكر (المجلد ٤٠ / ٩٢). بعدها في ط: وما ينبغي لكريم أن يزاحم لئيماً . (٦) ابن عساكر ( المجلد ٩٢/٤٠)، وصفة الصفوة (٢٢٥/٤). ابن عساكر (المجلد ٩٥/٤٠). وفي ط: لأخبرن أهل النار أني أحبك . (٧) (٨) ابن عساكر (المجلد ٩٥/٥٠). (٩) في ا: عليه . (١٠) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ٩٦). (١١) في ط: ليستنزله وينزله عن كرسيه ويسلبه أعزَّ شيء. (١٢) الحلية (٢٥٧/٩)، وابن عساكر (المجلد ٤٠ / ٩٦). ٢٧ وفيات سنة ٢٠٥ هـ وكان يقول : إذا أخلص العبدُ انقطع عنه كثرةُ الوسواس والرّياء، أو الرؤيا(١). قال : ومكثت عشرين سنةً لم أحتلم ، فدخلتُ مكة ففاتتني صلاة العشاء في جماعة ، فاحتلمت تلك الليلة (٢) . وقال : إن من خلق الله قوماً لا يَشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه، فكيف يُشغلون بالدنيا٣ً) ؟. وقال : الدنيا عند اللهِ أقلُّ من جناح بعوضةٍ ، فما الزهد فيها ، إنَّما الزهد في الجنان والحور العين ، حتَّى لا يرى اللهُ في قلبكَ غيرَ(٤) . وقال الجُنيد : شيء يُروى عن أبي سليمان أنا استحسنْتُه كثيراً ، قوله : من اشتغل بنفسه شُغل عن الناس ، ومن اشتغل بربّه شُغل عن نفسه وعن الناس(٥). وقال غيره : كان أبو سليمان يقول : خيرُ السَّخاء ما وافق الحاجة (٦) . وقال أبو سليمان : من طلب الدنيا حلالً واستعفافاً عن المسألة ، واستغناءً عن الناس ، لقي الله عزَّ وجلَّ يومَ يلقاه ووجهُهُ كالقمر ليلة البدر ، ومن طلب الدنيا حلالًا مكاثِراً مفاخراً لقي الله عز وجل يوم يلقاه وهو عليه غضبان(٧) . وقال أبو سليمان : إنَّ قوماً طلبوا الغنى فحسبوا أنَّه في جمع المال ، ألا وإنَّما الغنى في القناعة . وطلبوا الراحة في الكَثْرة ، ألا وإنَّما الراحةُ في القِلَّة . وطلبوا الكرامة من الخلق ، ألا وإنَّما هي في التقوى . وطلبوا النعمة في اللباس الرقيق اللين ، وفي طعام طيبٍ ، والنعمة في الإسلام والسُّرِ .(٨) والعافيةٍ وكان يقول : لولا قيامُ الليل ما أحببت البقاء في الدنيا ، وما أحبُّ البقاء لتشقيق الأنهار ولا لغرس الأشجار(٩) . (١) بعدها في ط : يعني الجنابة، ابن عساكر (المجلد ٤٠ / ٩٦، ٩٧). (٢) ابن عساكر (المجلد ٤٠ / ٩٧ ). تاريخ داريا (١١٧)، وابن عساكر (المجلد ٩٩/٤٠). (٣) (٤) ابن عساكر (المجلد ٤٠ /٩٩). ابن عساكر ( المجلد ٤٠ /٩٨ ). (٥) (٦) ابن عساكر (المجلد ٤٠ /٩٨). (٧) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٠). ابن عساكر ( المجلد ٤٠ / ١٠١ ). (٨) (٩) بعدها في ط: وإنما أحبها لصيام الهواجر وقيام الليل. ابن عساكر ( المجلد ١٠٣/٤٠)، وصفة الصفوة (٢٢٣/٤). ٢٨ وفيات سنة ٢٠٥هـ وقال : أهلُ الطاعة في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو بلهوهم ، وربَّما استقبلني الفرح في جوف الليل ، وربَّما رأيت القلْبَ يضحك ضحكا١ً) . وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان يقول : بينا أنا ساجد إذ ذَهب بي النَّوْمُ(٢) ، فإذا أنا بها - يعني : الحوراء - قد ركَضَتْي برجلها ، فقالت: حبيبي، أترقدُ عيناك والمَلِكُ يَقْطَان ينظر إلى المتهجّدين في تهجُّدِهم ؟ بؤساً لعين آثرت لَذَّةَ نومةٍ على لَذَّةٍ مناجاة العزيز ، قم فقد دنا الفراغ ، ولقي المحبون بعضُهم بعضاً، فما هذا الزُّقاد ؟! حبيبي وقَرَّةَ عيني، أترقدُ عيناك وأنا أُربَى لك في الخُدور منذ كذا وكذا؟ فوثبْتُ فزِعاً وقد عَرِقْتُ استحياءً من توبيخها إيَّاي، وإنَّ حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي(٣). وقال أحمد بن أبي الحواري : دخلت على أبي سليمان فإذا هو يبكي ، فقلت : ما لك ؟ فقال : زُجِرْتُ البارحةَ في منامي. قلت: ما الذي حلَّ بك(٤) ؟ قال : بينا أنا قد غفوت في محرابي إذ وقفْتُ على جاريةٍ تفوق الدنيا حسناً ، وبيدها ورقة ، وهي تقول : أتنام يا شيخ؟ فقلت : من غلبته عينُه نام . فقالت : كلا ، إنَّ طالب الجنة لا ينام ، فقالت : أتقرأ؟ فأخذت الورقة من يدها ، فإذا فيها مكتوب(٥) : معَ الخيراتِ في غُرفِ الجنانِ لَهَتْ بِكَ لَنَّةٌ عنْ حسنِ عيشٍ وتنعمُ في الجنانِ معَ الحسانِ تعيشُ مخلّداً لا موتَ فيها منَ النومِ التهجّد بالقرانِ تيقّظُ من منامِكَ إنَّ خيراً وقال أبو سليمان : أما يستحي أحدهم أن يلبَسَ عباءةً بثلاثة دراهم وفي قلبه شهوة بخمسة دراهم(٦) ؟! وقال أيضاً : لا يجوز لأحدٍ أن يُظهر للناس الزهدَ والشهواتُ في قلبه ، فإذا لم يبقَ في قلبه شيءٌ من شهواتِ الدنيا جاز له أن يظهر للناس الزُّهدَ بلبس العَبَاء(٧)، فإنَّها عَلَمٌ من أعلام الزُّهاد ، ولو لبس ثوبين أبيضين ليسترَ بها أبصار الناس عنه كان أسلم لزهد(٨) . (١) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٣). وبعدها في ط : وقال : إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طرباً ، فأقول : إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيبٍ . (٢) في آ: الليل . ابن عساكر ( المجلد ١٠٤/٤٠)، وصفة الصفوة (٢٢٥/٤). (٣) في ظا، ب : رأيت ، وفي ط : زجرك . (٤) الخبر والأبيات في ابن عساكر ( المجلد ٤٠ / ١٠٤). (٥) حلية الأولياء (٢٦٨/٩)، وابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٤). (٦) ((العَبَاء)): ضرب من الأكسية ، الواحدة عباءة وعباية، وقد تقع على الواحد؛ لأنه جنس. وقد تكرّر في الحديث. (٧) النهاية لابن الأثير (١٧٥/٣) . (٨) ابن عساكر (المجلد ٤٠ /١٠٥). ٢٩ وفيات سنة ٢٠٥ هـ وكان يقول: إذا رأيتَ الصوفيَّ يتنوَّقُ(١) في الصوف فليس بصوفي (٢). وخيارُ هذه الأمة أصحابُ القُطنِ ؛ أبو بكر الصدِّيق وأصحابه(٣) . وقال أبو سليمان : إنَّما الأخ الذي يعظك برؤيته قبلَ كلامِهِ ، وقد كنتُ أنظر إلى الأخ من أصحابي بالعراق فأنتفع(٤) برؤيته شهراً . وقال أبو سليمان : قال الله تعالى : عبدي، إنك ما استحييتَ مني أنسيْتُ الناسَ عيوبَكَ، وأنسيْتُ بقاعَ الأرض ذنوبَك ، ومحوْتُ زلاتِك من أُمّ الكتاب ، ولا أناقشك في الحساب يومَ القيامةُ(٥) . وقال أحمد بن أبي الحواري : سألت أبا سليمان عن الصبر ، فقال : والله إنَّك لا تقدرُ عليه في الذي تحبُّ ، فكيفَ فيما تكر!(٦) ؟. وقال أحمد : تنهدْتُ عنده يوماً ، فقال : إنَّك مسؤولٌ عنها يوم القيامة ، فإنْ كانت على ذنبٍ سَلَفَ فطُوبى لك ، وإن كانت على الدنيا فويلٌ لك(٧) . وقال : إنَّما رَجَعَ مَن رَجَع من الطريق قبلَ الوصول، ولو وصلوا إلى الله ما رَجَعو(٨). وقال: إنَّما عَصَى اللهَ من عصاه لهوانهم عليه، ولو كرموا [عليه (٩) لحجزهم عن معاصيه (١) . وقال : جُلَسَاءُ الرحمن يومَ القيامة مَنْ جعل فيهم خصالًا : الكرَم ، والحلم ، والحكمة ، والرَّحمة ، والرَِّّة، والفضل، والصفح، والإحسان، والبرَّ، والعفو، واللطفُ(١١). وذكر أبو عبد الرحمن السُّلَّميُّ في كتاب ((محن المشايخ)): أنَّ أبا سليمان الدارانيَّ أُخرج من (( تنوَّق في الأمر )»: أي تأنَّق فيه . (١) ابن عساكر ( المجلد ٤٠ /١٠٥ ). (٢) (٣) ابن عساكر (المجلد ١٠٦/٤٠) وبعدها في ط ، وقال غيره: إذا رأيت ضوء الفقير في لباسه فاغسل يديك من لافحه . في ابن عساكر: فأعمل على رؤيته شهراً، وكذا في صفة الصفوة (٢٢٦/٥). (٤) ابن عساكر ( المجلد ٤٠ /١٠٦). (٥) ابن عساكر ( المجلد ٤٠ /١٠٦). (٦) ابن عساكر ( المجلد ٤٠ / ١٠٧ ) . (٧) ابن عساكر ( المجلد ٤٠ / ١٠٧ ). (٨) (٩) من ظا، ب . (١٠) ابن عساكر (المجلد ١٠٨/٤٠). (١١) ابن عساكر (المجلد ١٠٩/٤٠). ٣٠ أحداث سنة ٢٠٦ هـ دمشق ، وقالوا : إنه يزعم أنَّه يرى الملائكة ويكلّمونه ، فخرج إلى بعض الثغور ، فرأى بعضُ أهل دمشق: أنه إن لم يرجع إليكم هلكتم . فخرجوا في طلبه وتشفَّعُوا إليه حتَّى ردُوه(١) . وقد اختلف الناس في وفاته على أقوال ، فقيل : سنة أربع ومئتين ، وقيل : سنة خمس ومئتين ، وقيل : سنة خمس عشرة ، وقيل : سنة خمس وثلاثين ، والله أعلم . وقد قال مروان الطَّاطَرِيُّ(٢) يوم مات أبو سليمان: لقد أصيبَ به أهلُ الإسلام كلُّهم(٣). قلت : وقد دفن في قرية دارَيًّا، وقبره بها مشهور وعليه بناءٌ ، وقبلته مسجد بناه الأمير ناهض الدين عمر المهراني ، ووقف على المقيمين عنده وقفاً يدخل عليهم منه غلة ، وقد جُدد مزارُه في زماننا هذا ، ولم أر الحافظ ابن عساكر تعرَّض لموضع دفنه بالكلية ، وهذا عجيب منه . وروى ابنُ عساكر ، عن أحمد بن أبي الحواري ، قال : كنت أشتهي ان أرى أبا سليمان في المنام ، فرأيتُه بعد سنة ، فقلت : ما فعلَ اللهُ بك يا معلّم ؟ فقال : يا أحمدُ ، دخلت يوماً من باب الصَّغير فرأيت حِمْلَ شِيحٌ(٤) ، فأخذتُ منه عوداً ، فما أدري تخلَّلتُ به أو رميته، فأنا في حسابه إلى الآن(٥). وقد توفي ابنه سليمان بعده بنحوٍ من سنتين ، رحمهما الله تعالى . ثم دخلت سنة ست ومثتين فيها : ولَّى المأمون داودَ بن ماسجور بلاد البصرة، وكُور(٦) دِجْلَة ، واليمامة ، والبحرين ، وأمره بمحاربة الزُّطّ . وفيها : جاء مدٌّ كثير فغرق بلاد أرض السواد ، وأهلك للناس شيئاً كثيراً . وفيها : ولَّى المأمون عبدَ الله بن طاهر بن الحسين الرَّقَّة، وأمره بمحاربة نَصْر بن شَبَثٍ ، وذلك أن (١) ابن عساكر (المجلد ١١٠/٤٠). (٢) يقال لمن يبيع الثياب البيض بدمشق ومصر : طاطري. وهو مروان بن محمد بن حسَّان ، أبو بكر ، الإمام القدوة الحافظ ، مات سنة ٢١٠هـ. اللباب (٢٦٨/٢)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ٥١٠). (٣) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١١٢) (٤) في ظا، ط: حمل شيخ. وفي ابن عساكر وسير أعلام النبلاء: وَسْقَ شيح. و((الوَسْق)): حمل بعير. و ((الشِّيح)): نبتٌ سهلي رائحته طيّبة قوية. و((باب الصغير)): مقبرة في دمشق . (٥) ابن عساكر (المجلد ١١٤/٤٠)، وسير أعلام النبلاء (١٨٥/١٠). (٦) قال ياقوت: إذا أطلق هذا الاسم فإنما يراد به أعمال البصرة ما بين مَيْسان إلى البحر، كلمة يقال له: كُور دِجْلَة. ٣١ وفيات سنة ٢٠٦هـ نائبها يحيى بن معاذ مات ، وقد كان استخلَفَ مكانه ابنَه أحمد ، فلم يمض ذلك المأمون ، واستناب عليها عبدَ الله بن طاهر ، لشهامته وبصَرِه بالأمور ، وحثَّه على قتال نَصْر بن شَبَث ، وقد كَتَبَ إليه أبوه من خراسان بكتابٍ فيه الأمر له بالمعروف والنهي عن المنكر ، واتباع الكتاب والسنة . وقد ذكره ابنُ جري(١) بطوله ، وقد تداوله الناسُ بينهم واستحسنوه وتهادَوه بينهم ، حتى بلغ أمرُه إلى المأمون ، فأمر فقرىء بين يديه ، فاستجاده جداً ، وأمر أن يكتب به نسخٌ إلى سائر العمال في الأقاليم . وحجَّ بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن نائب الحرمين . وفيها توفي من الأعيان : إسحاق بن بشر الكاهلي أبو حذيفة صاحب كتاب ((المبتدأ )(٢) . وحجَّاج بن محمد الأعور(٣) . وداود بن المُحَبَّر الذي وضع (( كتاب العقل)(٤) . وشَبَابة بن سَوَّار(٥) . ومحاضر بن المُوَرِّعُ(٦) . وقُطْرُب صاحب ((المثلّث)) في اللغة (٧) . (١) أي ذكر كتاب طاهر بن الحسين إلى ابنه عبد الله. تاريخ الطبري (٥٨٢/٨ - ٥٩١)، والكامل لابن الأثير (٦/ ٣٦٤ - ٣٧٧) . (٢) هو إسحاق بن بشر بن محمد القرشي البخاري ، أبو حذيفة . اشتغل بالحديث فوصم بالكذب . وقد خلط ابن حبان ترجمة هذا بترجمة إسحاق بن بشر الكاهلي الكوفي . وكتابه المبتدأ مخطوط ، منه الجزء الرابع ، في المجموع ٧١ بالظاهرية . سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٧٧)، والأعلام (١/ ٢٩٤). حجَّاج بن محمد الأعور ، أبو محمد المِصِّيصي ، ثقة ، ثبت ، مات في بغداد . (٣) داود بن المُحَبَّر ، ابن قَحْذَم الثقفي ، البَكراوي ، أبو سليمان البصري ، نزيل بغداد ، متروك الحديث ، وأكثر كتاب (٤) العقل الذي صنفه موضوعات ، كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب (٢٣٤/١) . شَبَابة بن سَوَّار المدائني ، أبو عمرو الفزاريّ ، الإمام الحافظ الحجّة . ثقة ، حافظ ، رمي بالإرجاء . سير أعلام (٥) النبلاء (٥١٣/٩)، وتقريب التهذيب (٣٤٥/١) . في ط: المورد، خطأ. وهو محاضر بن المُوَرِّع الكوفي، صدوق ، له أوهام. التقريب (٢٣٠/٢). (٦) هو محمد بن المُسْتَنير بن أحمد ، أبو علي ، الشهير بقطرب ، وهو لقب دعاه به أستاذه سيبويه فلزمه . وهو أول من (٧) وضع ((المثلث)) في اللغة ، وهو أحد أئمة النحو واللغة . معجم الأدباء (١٩ / ٥٢)، وبغية الوعاة (١٠٤)، والأعلام (٧/ ٩٥). ٣٢ أحداث سنة ٢٠٧ هـ ووهب بن جرير(١) . ويزيد بن هارون شيخ الإمام أحمد(٢) . ثم دخلت سنة سبع ومثتين فيها خَرَجَ عبدُ الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ببلاد عَكّ ، في اليمن، يدعو إلى الرِّضا من آل محمد مَّله. وذلك أنَّ العمال باليمن أساؤوا السيرة إلى الرعايا، فلما ظهر عبد الرحمن هذا بايعه الناس ، فلمَّا بلغ أمره إلى المأمون بعث إليه دينارَ بنَ عبد الله في جيشٍ كثيفٍ ، ومعه كتابُ أمانٍ لعبد الرحمن إن هو سمعَ وأطاع ، فحضروا الموسمَ ، ثمَّ ساروا إلى اليمن ، فلمَّا انتهَوا إلى عبد الرحمن بعث إليه دينار بكتاب الأمان ، فقبله وسمع وأطاع ، وجاء حتَّى وَضَعَ یده في ید دینار ، فسار معه إلى بغداد ولَبِسَ السَّوادَ . وفيها : توفي طاهر بن الحسين بن مصعب نائب العراق بكمالها وخراسان ، وُجد في فراشه ميتاً بعدَما صلَّى عشاءَ الآخرة ، والتفَّ في الفراش ، فاستبطأ أهلُه خروجَه لصلاة الفجر ، فدخل عليه أخوه وعُّه فوجداه ميتاً ، فلمَّا بلغ موتُه المأمونَ قال: لليدين وللفم، [ الحمدُ الله الذي قدَّمه وأخَّرنا ]٣). وذلك أنَّه بلغه أنَّه خطب يوماً فلم يدعُ له فوق المنبر ، ومع هذا ولَّى ولدَه عبدَ الله مكانَه ، مع إضافة الجزيرة والشام إلى نيابته ، فاستخلف عبدُ الله على خراسان أخاه طلحة بن طاهر سبعَ سنين ، ثم توفي طلحة فاستقلَّ عبدُ الله بجميع تلك البلاد . وكان نائب عبد الله بن طاهر على بغداد إسحاق بن إبراهيم . وقد كان طاهر بن الحسين هذا هو الذي انتزع بغداد وأرض العراق بكمالها من يد الأمين بن الرشيد وقتله أيضاً . واستوسق الأمر للمأمون كما ذكرنا في سنة خمس وتسعين ، وقد دخل يوماً طاهر هذا على المأمون فسأله حاجة فقضاها لا، ثم نظر إليه المأمونُ واغرورقت عيناه ، فقال له : ما يبكيك يا أميرَ المؤمنين ؟! فلم يخبره ، فأعطَى طاهرٌ حسيناً الخادمَ مئتي ألف درهم حتَّى استعلَم له ما كان خبر بكائه ، فقال له : لا تخبر به أحداً ، أقتلك ، ذكرت مقتل أخي وما ناله من الإهانة على يدي طاهر ، ووالله لا يفوته مني ما يكره . (١) وَهْب بن جرير بن حازم بن زيد، أبو العباس الأزدي البصري، الحافظ، الصدوق. سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٤٢)، والتقريب (٣٣٨/٢). (٢) يزيد بن هارون بن زاذي ( أو زاذان) ، أبو خالد السُّلمي الواسطي ، الإمام القدوة ، شيخ الإسلام ، كان رأساً في العلم والعمل ، ثقة حجّة ، كبير الشأن. سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٥٨). (٣) زيادة من ط والطبري . ٣٣ أحداث سنة ٢٠٧ هـ فلما تحقق طاهر ذلك سعَى في النقلة من بين يديه ، ولم يزل حتَّى ولاه المأمون خراسان ، وأطلق له خادماً من خدامه ، وعهد إلى الخادم إن رأى منه شيئاً يريبه أن يسمَّه(١). فلما خطب يوم الجمعة ولم يَدْعُ للمأمون سمَّه الخادمُ في كامَخِ(٢) فمات من ليلته . وقد كان طاهرٌ هذا يقال له : ذو اليمينين ، وكان بفرد عين. فقال فيه عمرو بن بانة (٣). يا ذا اليمينينِ وعَينٍ واحِدَهْ نُقْصَانُ عَيْنٍ ويَمِينٌ زائدَهْ واختلف في معنى كونه ذا اليمينين ، فقيل: لأنه ضَرَبَ رجلاً بشماله فقدَّه نصفين، ويحتمل أنَّه لُقِّبَ بذلك ؛ لأنَّ وُلِّي العراقَ وخراسانَ . وقد كان كريماً ممدّحاً ، يحبُّ الشعر(٤) ويجزي عليه الجزيلَ ؛ ركب يوماً في حرَّاقةٍ ، فقال فيه شاعر(٥) : لا غرقَتْ كيفَ لا تَغْرَقُ عجبتُ لحرَّاقةٍ(٦) ابنِ الحسینِ وَآخَرُ مِن تحتِها مُطبِقُ وبَحْرانِ من فوقها واحدٌ وأعجبُ مِن ذاك أعْوادُها وقد مسَّها كيفَ لا تُورِقُ فأجازَهُ بثلاثة آلاف دينار . وقال : إن زدتنا زدناك . قال ابن خلّكان(٧) : وما أحسَنَ ما قاله بعضُ الشعراء في بعض الرؤساء وقد ركب البحرَ : ولمَّا امْتَطَى البَحْرَ ابْتَهَلْتُ تضرُّعاً إلى اللهِ يا مُجرِي الرِّياحِ بلطفِهِ جعلْتَ النَّدَى مِنْ كَفِّهِ مثلَ مَوْجِهِ فَسلِّمْه واجْعَلْ مَوْجَهُ مثلَ كَفِّهِ (١) بعده في ط : ودفع إليه سماً لا يطاق. (٢) ((الكامَخُ)): ما يؤتدم به، أو المُخَلَّلات المُشَهِّيَة، جمع كوامِخ ، معرّب . في ط : عمرو بن نباتة ، تحريف . وهو عمرو بن محمد بن سليمان بن راشد ، وبانة أمه ، نسب إليها . نديم ، من (٣) الشعراء العلماء بالغناء ، وكان خصيصاً بالمتوكل العباسي ، توفي سنة ٢٧٨ هـ . الأغاني (٢٦٩/١٥) (دار الكتب)، وفيات الأعيان (٤٧٩/٣)، الأعلام (٨٥/٥)، والشعر في وفيات الأعيان (٢/ ٥٢٠)، والكامل لابن الأثير (٣٨٢/٦). (٤) في ا، ط: الشعراء ، وأثبت ما جاء في ظا، ب . (٥) الأبيات في وفيات الأعيان (٥١٩/٢) قالها مُقدِّس من صيفي الخلوقي الشاعر. وهي في طبقات الشعراء (١٨٩) منسوبة إلى عوف بن ملحم . (٦) ((الحَرَّاقة)): ضرب من السفن فيها مرامي نيران يُرمى بها العدوُّ في البحر. وسفينة خفيفة المرِّ . (٧) وفيات الأعيان (٥١٩/٢) وقد ذكر البيتين. ٣٤ وفيات سنة ٢٠٧ هـ قال القاضي ابن خلكان : مات طاهر بن الحسين هذا يوم السبت لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة سبع (١) ومئتين ، وكان مولده سنة تسع(٢) وخمسين ومئة . وكان الذي سار إلى عبد الله بن طاهر وهو بأرض الرقّة يعزِّيه في أبيه ويهتَّه بولاية تلك البلاد ، القاضي يحيى بن أكثم عن أمر المأمون . وفي هذه السنة غلا السعر ببغداد والكوفة والبصرة ، حتَّى بلغ سعرُ القفيز من الحنطة أربعين درهماً(٣) . وحجَّ بالناس في هذه السنة أبو علي (٤) بن الرشيد هارون أخو المأمون. وفيها توفي من الأعيان : بِشْر بن عمر الزهراني(٥) وجعفر بن عَوْنُ(٦) . وعبد الصَّمد بن عبد الوارث (٧) ٠ وقُرَاد أبو نوح(٨) . وكثير بن هشامٌ(٩) . ومحمد بن كُنَاسَةٌ (١) في آ، ظا: تسع ومئتين ، وأثبت ما جاء في ط وكذلك وفيات الأعيان (٢/ ٥٢١). (١) (٢) في آ، ظا، ط: سبع، وأثبت ما جاء في ب ، وابن خلكان . (٣٠) بعدها في ب : إلى خمسين درهماً . (٤) في الطبري وابن الأثير: أبو عيسى بن الرشيد. وقد ذكر الطبري جميع ولده في تاريخه (٨/ ٣٦٠)، وابن الأثير في كامله (٢١٦/٦)، وابن كثير في البداية والنهاية (١٠/ ٢٢٢). (٥) بشر بن عمر الزهراني البصري، أبو محمد. الإمام الحافظ الثَّبْت. سير أعلام النبلاء (٩/ ٤١٧). (٦) جعفر بن عَوْن بن جعفر بن عمرو، أبو عَوْن المخزومي العَمْريّ، نسبة إلى عمرو بن حُريث الصحابي . الإمام الحافظ ، محدِّث الكوفة . سير أعلام النبلاء (٤٣٩/٩). (٧) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان، أبو سهل التَّميميّ العَنْبري، الإمام الحافظ الثقة . سير أعلام النبلاء (٥١٦/٩) . (٨). في آ، ظا: قراد بن نوح، وأثبت ما جاء في ب ومصادر ترجمته . وهو عبد الرحمن بن غَزْوان الخزاعي . ويقال : الضبيّ ، أبو نوح ، الملقب بقُراد. نزيل بغداد، ومن علماء الحديث ، له ما يُنكر. سير أعلام النبلاء (٩/ ٥١٨). (٩) كثير بن هشام الكلابي، أبو سهل الرّقيّ، نزيل بغداد، ثقة. تقريب التهذيب (١٣٤/٢). (١٠) محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى، الأسدي الكوفي، أبو عبد الله وأبو يحيى، وكُناسة لقبٌ لجدِّه عبد الأعلى، وقيل: لأبيه ، ثقة ، صالح الحديث ، له علم بالعربية والشعر وأيام الناس. سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٠٨). ٣٥ وفيات سنة ٢٠٧ هـ ومحمد بن عمر الواقِديّ قاضي بغداد وصاحبُ السير والمغازي(١) . وأبو النَّضْر هاشم بن القاسمُ(٢) والهيثم بن عَديّ صاحب التصانيف(٣) . ويحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور(٤) : أبو زكريا الكوفيُّ ، نزيل بغداد ، مولى بني سعد المشهور بالفرَّاء ، شيخُ النحاة واللغويين والقرَّاء ، وكان يقال له : أميرُ المؤمنين في النحو . روى الحديث عن خازم بن الحسين(٥) البصري ، عن مالك بن دينار ، عن أنس بن مالك ، قال : ((قرأ رسولُ اللهِ وَّه وأبو بكر وعثمان: ﴿مْلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحمد: ٤] بالألف لا) . رواه الخطيبُ ، قال وكان ثقةً إماماً . وذكر(٧) أنَّ المأمون أمره بوضع كتابٍ في النحو ، فأملاه ، وكتبَهُ الناسُ عنه ، وأمر المأمونُ بكَتْبه في الخزائن . وأنَّه كان يؤدِّبُ ولديه وليي العهد ، فقام يوماً ، فابتدراه أيُّهما يقدِّم نعليه ، فتنازعا في ذلك ، ثم اصطلحا على أن يقدِّمَ كلُّ واحدٍ نعلاً ، فأطلق لهما أبوهما عشرين ألف دينارٍ ، وللفرَّاء عشرةَ آلافٍ درهم . وقال له : لا أعزَّ منك إذ يقدِّم نعليك وليًّا العهد(٨). ورُوي أنَّ بِشراً المَرِيسيَّ، أو محمد بن الحسن ، سألَ الفرَّاء عن رجلٍ سَهَا في سجدتي السهو ، فقال : لا شيءَ عليه . قال : ولم؟ قال: لأنَّ أصحابنا قالوا: المصغّر لا يُصغَّر. فقال: ما ظننتُ أنَّ (١) محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء ، المدني، أبو عبد الله . من أقدم المؤرخين في الإسلام ، ومن أشهرهم ، ومن حفاظ الحديث . ولد بالمدينة ، وانتقل إلى بغداد . وأشهر من روى عنه كاتبه محمد بن سعد صاحب كتاب الطبقات الكبير . المجروحين والضعفاء (٢/ ٢٩٠)، تاريخ بغداد (٣/٣)، سير أعلام النبلاء (٤٥٤/٩)، الأعلام (٦/ ٣١١). هو هاشم بن القاسم اللَّيثي الخراساني البغدادي ، أبو النَّضْر ، يلقب بقيصر ، شيخ المحدثين ، ثقة ، ثبت ، أملى (٢) ببغداد أربعة آلاف حديث . سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٤٥)، تهذيب التهذيب (١٨/١١). الهيثم بن عديّ بن عبد الرحمن الثعلي ، الطائي الكوفي ، أبو عبد الرحمن: مؤرخ ، عالم بالأدب والنسب ، وهو (٣) من غير الثقات في الحديث . معجم الأدباء (١٩/ ٣٠٤)، سير أعلام النبلاء (١٠٣/١٠)، الأعلام (١٠٤/٨). له ترجمة في طبقات الزبيدي (١٤٣)، أخبار النحويين البصريين للسيرافي (٥١)، تاريخ بغداد (١٤٩/١٤)، نزهة (٤) الألباء (٩٨)، معجم الأدباء (٩/٢٠)، وفيات الأعيان (١٧٦/٦)، سير أعلام النبلاء (١١٨/٩) وغير ذلك. (٥) في الأصل ((حازم بن الحسن))، مصحف في اسمه ومحرف في اسم أبيه وصوابه ((خازم - بالخاء المعجمة - بن الحسين)) ، وهو من رجال التهذيب ، وخازم قيده الحافظ ابن حجر في التقريب وقال: ضعيف . (٦) وقد قرأ بالألف من ﴿مالك﴾: عاصم والكسائي ويعقوب وخلف، وقرأ الباقون بغير ألف. النشر في القراءات العشر (٢٧١/١)، ومشكل إعراب القرآن (٩/١)، تاريخ بغداد (١٤٩/١٤). (٧) تاریخ بغداد (١٤٩/١٤) . المصدر السابق . (٨) ٣٦ أحداث سنة ٢٠٨هـ امرأةً تلِدُ مثلَك(١). والمشهور: أنَّ محمداً [ هو الذي]٢) سأله عن ذلك، كان ابنَ خالة الفرَّاء(٣). وقال أبو بكر محمد بن يحيى الصُّوليُّ: توفي الفرَّاءُ سنة سبع ومئتين (٤) . قال الخطيب(٥) : وكانت وفاته ببغداد ، وقيل: بطريق مكة ، وقد امتدحوه وأثنوا عليه في مصنفاته . ثم دخلت سنة ثمان ومئتين فيها : ذَهَبَ الحسنُ بن الحسين بن مُصْعَب أخو طاهرٍ فارّاً من خُراسان إلى كَرْمان ، فعصَى بها ، فسار إليه أحمدُ بن أبي خالد ، فحاصره حتَّى نزَل قهراً ، فذهب به إلى المأمون فعفا عنه ، فاستحسن ذلك منه (٦) . وفيها : استعفَى محمد بن سَماعَة من القضاء ، فأعفاه المأمونُ وولَّى مكانه إسماعيلَ بنَ حَمَّاد بن أبي حنيفة(٧) . وفيها : ولَّى المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزوميَّ القضاءَ بعسكر المهدي في شهر المحرم ، ثم عزله عن قريب، وولَّى مكانه بِشرَ بن الوليد (٨) الكنديّ في شهر ربيع الأول منها٩) . فقال المخزوميُّ في ذلك (١٠) : قَاضِيكَ بِشْرُ بنُ الوليدِ حِمارُ يا أيُّهُ(١) الملِكُ المُوحِّدُ رَبَّهُ نَطَقَ الكِتابُ وجاءَتِ الآثار(١٢) يَنْفِي شَهَادَةَ مَنْ يَدينُ بما بِهِ تهذيب التهذيب (١١ / ٢١٢) . (١) (٢) زيادة من ط . تاريخ بغداد (١٤ / ١٥٢). (٣) (٤) تاريخ بغداد (١٤ /١٥٥). (٥) المصدر السابق . تاريخ الطبري (٥٩٧/٨)، وتاريخ بغداد (٣٤٢/٥). (٦) (٧) المصدر السابق . في ط: ((بشر بن سعيد بن الوليد))، خطأ. وتنظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٠ / ٦٧٣). (٨) (٩) تاريخ الطبري (٨/ ٥٩٧) . (١٠) تاريخ الطبري (٥٩٧/٨)، والكامل لابن الأثير (٣٨٦/٦). (١١) في آ، ظا: أيها، وفي ط : ألا يا أيها ، وأثبت ما جاء في ب والطبري وابن الأثير. (١٢) في ط والطبري : الأخبار . ٣٧ وفيات سنة ٢٠٨هـ ويَعُدُّ عَدْلًا مَنْ يَقُولُ بأنَّهُ شيخٌ تحيطُ بجسمِهِ الأقطارُ وحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن هارون الرشيد عن أمر أخيه المأمون . وتوفي فيها من الأعيان : الأسود بن عامر (١) . وسعيد بن عامر (٢) . وعبد الله بن بكر أحد مشايخ الحديث(٣). والفضل بن الربيع الحاجب(٤) . ومحمد بن مُصْعَب(٥) . وموسى بن محمد الأمين ، الذي كان قد ولَّه العهدَ من بعده، ولقَّبه بالناطق بالحقِّ ، ولم يتمّ له أمره حتَّى قتل أبوه وكان ما كان . ويحيى بن أبي بُكَيْر(٦) . ويحيى بن حَسَّانُ(٧) . ويعقوب بن إبراهيم الزُّهريّ(٨) . (١) أسود بن عامر شاذان، الشَّامي، أبو عبد الرحمن ، نزيل بغداد، ثقة ، روى له الجماعة . تهذيب الكمال (٢٢٦/٣) . (٢) سعيد بن عامر الصُّبعي البصري الزَّاهد ، أبو محمد. ثقة، صالح . وقال أبو حاتم: ربما وهم . تقريب التهذيب (٢٩٩/١) . (٣) عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي الباهلي ، أبو وَهْب البصري ، نزيل بغداد . وثَّقه أحمد بن حنبل وجماعة ، وكان أحد الفقهاء وأصحاب الحديث . سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٥٠). (٤) سيترجم له المؤلف بعد قليل . (٥) محمد بن مصعب بن صَدَقة القَرْقَساني ، أبو عبد الله ، وقيل: أبو الحسن . نزيل بغداد ، صدوق ، كثير الغلط . تهذيب التهذيب (٤٥٨/٩)، والتقريب (٢٠٨/٢). (٦) في الأصول والمطبوع: يحيى بن أبي بكر ، وصحح من سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٩٧) ومصادر ترجمته . وهو يحيى بن أبي بُكّير بن نَسْر العَبْديّ القيسيّ مولاهم ، الكوفي ، ثقة ، روى له الجماعة . (٧) يحيى بن حسّان بن حيَّان، أبو زكريا البكري ، البصري، نزيل تِنِّيس، حافظ ، قدوة ، ثقة ، عالم بالحديث. سير أعلام النبلاء (١٠ / ١٢٧) . (٨) يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم ، ابن صاحب رسول الله وَّير عبد الرحمن بن عوف، أبو يوسف الزُّهريّ المدني ، نزيل بغداد، ثقة، فاضل . سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٩١)، تقريب التهذيب (٣٧٤/٢). ٣٨ وفيات سنة ٢٠٨ هـ ويونس بن محمد المؤدِّب(١) وفاة السيدة نَفيسَةُ(٢) : فيها : كانت وفاة السيّدة نَفيسة بنت أبي محمد الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، القرشية الهاشمية ، كان أبوها نائباً للمنصور على المدينة النبويّة خمس سنين ، ثم غضب أبو جعفر المنصور [عليه ] فعزله عنها، وأخذ منه كُلَّ ما كان جمعه منها ، وأودَعَه السّجنَ ببغداد . فلم يزل به حتَّى توفي المنصور ، فأطلقه المهديُّ ، وأطلَقَ له كُلَّ ما كان أُخذ منه ، وخرج معه إلى الحج في سنة ثمان وستين ومئة ، فلمَّا كان بالحاجِر(٣) توفي الحسن بن زيد عن خمس وثمانين سنة . وقد روى له النسائي حديثاً عن عِكْرمة، عن ابن عباس: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَ احتجَمَ وهو مُحرِمٌ (٤). وقد ضعَّفَه ابنُ معين وابن عدي ، ووثَّقه ابنُ حبان . وذكره الزبيرُ بنُ بكار وأثنى عليه في رِیاسته وشهامته(٥) . والمقصود أنَّ ابنته الست نَفيسةَ دخلت إلى الديار المصرية مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر [ الصادق (٦)، فأقامت بها، وكانت ذاتَ مالٍ وإحسان إلى الجذمى (٧) والزَّمْنى (٨) والمَرْضَى وعمومٍ الناس ، وكانت عابدةً زاهدةً كثيرةَ الخير . ولمَّا وَرَدَ الشافعيُّ الدّيار المصريّة كانت تحسن إليه ، وربَّما صلَّى بها في شهر رمضان . وحين توفي أمرت بجنازته فأُدخلت إليها المنزلَ فصلّت عليه . (١) أبو محمد البغداديّ، واسم جده مُسلم. إمام حافظ ثقة. سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٧٣). (٢) فوات الوفيات (٢/ ٣١٠)، وفيات الأعيان (٤٢٣/٥)، العبر (٣٥٥/١)، سير أعلام النبلاء (١٠ /١٠٦)، شذرات الذهب (٢١/٢)، الأعلام (٨/ ٤٤). (٣) ((الحاجر)): موضع قبل معدن النقرة، على طريق مكة ، منزل للحاج. ياقوت والقاموس. (٤) رواه في السنن الكبرى (٣٢١٥) من طريق الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن عكرمة عن ابن عباس ، أن النبي ◌َّلير احتجم وهو صائم، وينظر تحفة الأشراف للمزي (١٢٠/٥) رقم (٦٠٢٠) وهو حديث صحيح؛ وقد جاء الحديث برواية ((احتجم وهو محرم)) و((احتجم وهو صائم)). وقد رواه بلفظ: (( احتجم وهو محرم )) أيضاً البخاري (٤/ ٤٣) في الحج ، باب الحجامة للمحرم؛ ومسلم رقم (٨٣٩)؛ والنسائي في المجتبى (١٩٣/٥)؛ وابن ماجه رقم (٣٠٨١)؛ والدارمي (٣٧/٢)؛ وأحمد في المسند ، وغيرهم من طريق طاووس وعطاء عن عكرمة عن ابن عباس . (٥) قال ابن حجر في تقريب التهذيب (١٦٦/١): صدوق، يهم. قال بشار: هو ضعيف يعتبر به في المتابعات والشواهد ، كما بيناه في تحرير التقريب (١/ ٢٧٣) . (٦) زيادة من ظا، ب . ((الأجذم)): المقطوع اليد . وقيل: الذي ذهبت أنامله . (٧) ((الزَّمْنَى)): مفردها زَمين، وهو المصاب بالزَّمانة. (٨) ٣٩ وفيات سنة ٢٠٨ هـ ولمَّا توفيت عزم زوجُها إسحاق بن جعفر أن ينقلَها إلى المدينة النبويّة ، فمنعه أهلُ مصر من ذلك ، وسألوه أن يتركها(١) عندهم ، فدُفنت في المنزل الذي كانت تسكنه في محلةٍ كانت تُعرف قديماً بدَربِ السّباع ، بين مصر والقاهرة اليوم ، وقد بادت تلك المحلة فلم يبق هناك سوى قبرها . وكانت وفاتُها في شهر رمضان من هذه السنة فيما ذكره القاضي شمس الدين ابن خلكان في ((وفيات الأعيان ))(٢) . قال: ولأهل مصر فيها اعتقاد، وإلى الآن ، وقد بالغ العامة في أمرها كثيراً جداً ، ويطلقون فيها عبارات فيها مجازفة وألفاظ كثيرة ينبغي أن يعرفوا بأنَّها لا يجوز إطلاقها في مثل أمرها . وربَّما نسبَها بعضُهم إلى زَيْن العابدين (٣) ، وليست من سلالته. والذي ينبغي أن يعتقد فيها من الصلاح ما يليق بأمثالها من النساء الصالحات(٤) ، رحمها الله وأكرمها ، وجعل الجنَّة منزلها . الفَضْلُ بنُ الرَّبيعُ(٥) : ابن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فَزْوة كيسان ، ولي عثمان بن عفان ، الذي كان زوال دولة البرامكة على يديه، وقد وُزِّر [ بعدهم (٦) للرشيد ، وقد كان متمكِّناً من الرشيد ، وكان شديدَ التشتُّه بالبرامكة ، وكانوا يتشبَّهون(٧) به، فلم يزل يعمل جهده فيهم حتى هلكوا كما تقدَّمُ(٨). وذكر القاضي ابنُ خلكانُ(٩) أنَّه دخل يوماً على يحيى بن خَالدٍ وابنُهُ جعفر يوقِّعُ بين يديه ، ومع الفضل بن الربيع عَشرُ قِصَصٍ ، فلم يقضِ له [ منها ]١٠) واحدة ، بل يتعلل عليه في كلِّ واحدةٍ منها ، فجمعهنَّ الفضلُ بن الرَّبيع ، وقال : ارجِعْنَ خائباتٍ خاسئات ، ثم نهض وهو يقول : (١) في ط: أن يدفنها. (٢) وفيات الأعيان (٤٢٤/٥) . (٣) هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، الهاشمي القرشي ، أبو الحسن ، الملقب بزين العابدين ، رابع الأئمة الاثني عشر عند الإمامية ، يضرب به المثل في الحلم والورع. توفي سنة ٩٤ هـ. وترجم له المؤلف مطولاً في حوادث سنة ٩٤هـ . (٤) بعدها في ط: وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي ◌َّ بتسوية القبور وطمِّها ، والمغالاة في البشر حرام . ومن زعم أنها تفك من الخشب أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله فهو مشرك . (٥) تاريخ بغداد (٣٤٣/١٢)، الكامل لابن الأثير (٣٨٦/٦)، وفيات الأعيان (٣٧/٤)، العبر (٣٥٥/١)، سير أعلام النبلاء (١٠٩/١٠)، النجوم الزاهرة (١٨٥/٢)، شذرات الذهب (٢٠/٢). (٦) زيادة من ب . (٧) في ط : يتشبون به ، وفي ب: يستهينون به . (٨) في سنة ١٨٧ هـ. (٩) وفيات الأعيان (٣٧/٤)، والفرج بعد الشدة (٣٠٧/١_٣٠٩). (١٠) زيادة من ظا، ب . ٤٠ أحداث سنة ٢٠٩ هـ بتصريفِ حالٍ والزمانُ عَثُورُ عَسَى وعَسَى يَثني الزمانُ عِنانَهُ وتَحدُثُ مِن بعدِ الأمورِ أمورُ فتُقْضَى لُبانَاتٌ وتشفى حسائفٌ(١) فسمعه الوزير يحيى بن خالد ، فقال له : أقسمْتُ عليك لمَا رجعتَ ، وأخذ من يده القِصَص فوقَّع عليها . ثم لم يزل يحفِرُ خلفهم حتَّى تمكَّن منهم ، وتولَّى الوزارةَ بعدهم ، وفي ذلك يقول أبو نواس (٢): مارعَى الدّهرُ آلَ بَرْمَكَ لمَّا أَنْ رَمَى مُلكَهُمْ بأمرٍ فظيعٍ إِنَّ دهراً لم يَزعَ عهداً لِيحيى غيرُ راعٍ ذِمَامَ آلِ الرَّبِيعِ ثم وُزِّر من بعد الرشيد لابنه الأمين ، فلمَّا دخل المأمونُ بغدادَ اخْتَفَى ، فأرسل له ذِماما٣ً) . فخرج ، ولم يزل خاملاً حتَّى مات في هذه السنة ، وله ثمان وستون سنة ، رحمه الله . ثم دخلت سنة تسع ومثتين فيها : حصر عبدُ الله بن طاهر نَصْرَ بنَ شَبَث(٤) بعدما حاربَه خمسَ سنين ، فلمَّا حصره في هذه السنة ، ضيَّق عليه جداً حتى ألجأه إلى أن طلب من عبد الله بن طاهر الأمانَ ، فكتبَ ابنُ طاهر إلى المأمون يعلمه بذلك ، فبعث إليه المأمون يأمره بكتابة أمانٍ لنَصْر بن شَبَثَ عن أمير المؤمنين . فكتب له عبد الله بن طاهر كتابَ أمانٍ ، فنزل فأمر عبدُ الله بتخريب المدينة التي كان متحصّناً بها ، وذَهَبَ شرُّه . وفيها : جرت حروبٌ مع بَابَكَ الخُزَّمِي فأسرَ بابك بعضَ أمراء الإسلام ، أحد مقدَّمي العساكر ، فكان ذلك شديداً على المسلمين . وحجّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وهو والي مكة . وفيها توفي ملك الروم ميخائيل بن نقفور ( جورجيس ) وكان له عليهم تسع سنين ، فملّكوا عليهم ابنه توفيل بن ميخائيل . (١) في ظا، ب: حشاشة. يقال: رجع بحسيفة نفسه: أي رجع ولم يقض حاجة نفسه، جمع حسائف. واللُّبانة: الحاجة. (٢) وفيات الأعيان (٣٨/٤). (٣) في ط: فأرسل له المأمون أماناً، فخرج فدخل على المأمون بعد اختفاء مدة فأمنه، ثم لم يزل ... و((الذِّمام)): العهد والأمان . (٤) نَصْر بن شَبَث العُقيلي، ثائر للعصبية العربية، امتنع عن البيعة للمأمون ، وثار في كيسوم ، وانتهى أمره بالاستسلام إلى عبد الله بن طاهر ، فسيره إلى المأمون في سنة ٢١٠ ، ولم يعرف خبره بعد ذلك. الكامل لابن الأثير (٦/ ١٠١، ١٠٤، ١٢٣، ١٣١، ١٣٢).