النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
وفيات سنة ١٩٥ هـ
فقال له عبدُ الواحد : قُمْ عَنِّي يا فاجر، لا حدَّثْتُكَ ولا حدَّثْتُ أحداً من هؤلاءِ من أجلِك . فبلغ ذلك
مالكَ بنَ أنس وإبراهيمَ بن أبي يحيى ، فقالا : كان ينبغي أن يُحدِّثَه ، لعلَّ الله أن يُصْلِحَه . قلت : وهذا
الذي أنشَدَهُ أبو نُواس في شعره قد رواهُ ابنُ عديٍّ في كامِلِه عن ابن عباس موقوفاً ومرفوعاً « منْ عَشِقَ فعَفَّ
فَكتَمَ فماتَ ماتَ شهيداً (١) .
ومعناه : أنَّ منِ ابتُلي بالعِشْقِ من غيرِ اختيارٍ منه فصَبَرَ ، وعَفَّ عن الفاحشة ، ولم يُفشِ ذلك ، فماتَ
بسبب ذلك حَصَل له أجرٌ كثير . فإنْ صَحَّ هذا كان ذلك له نوع شهادة . والله أعلم .
وروى الخطيبُ أيضا٢ً) ، أنَّ شُعبة لَقِيَ أبا نواس فقال له: حدِّثْنا من طُرَفِك. فقال مرتجالا٣ً) :
وخالدُ الحذَّاءُ عن جابِرٍ
حدثنا الخفَّافُ عن وائلٍ
يرفعُهُ الشيخُ إلى عامِرٍ
ومِسْعرٌ عن بعضِ أصحابِه
عُلِّقَها ذو خُلُقٍ طاهرٍ
قالوا جميعاً : أيُّما طَفْلَة٤ٍ)
على وِصَالِ الحافِظِ الذاكرِ
فواصلَتْهُ ثم دامَتْ لهُ
يَرْتعُ في مرتَعِها الزاهرِ
كانت له الجنة مفتوحةً
بعدَ وِصَالٍ دائمٍ نَاضِرٍ
وأيُّ مَعْشوقٍ جَفَا عاشقاً
نَعَمْ وسُحقٍ دائمٍ داخِرٍ
ففي عذابِ الله بُعداً له
فقال له شعبة : إنك لجميل الأخلاق ، وإني لأرجو لك .
وأنشد أبو نُواس أيضاً :
وقاتِلي منكَ بالمواعيدِ
يا ساحرَ المُقْلَتَيْنِ والجيدِ
فلا تَفي منه لي بمَوْعُوديُ(٥)
تُوعِدُني الوَصْلَ ثم تُخْلِفُني
(١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٢٩٧/١١)، وابن حبان في كتاب المجروحين (٣٥٢/١) (٤٥٦)، وعده
بعضُهم من الموضوعات، وانتصر له آخرون ، وانظر نقد المنقول لمحمد بن أبي بكر الزرعي ص (١٣٢)
(٢٢٤)، والمنار المنيف ص (١٤٠) (٣٢١)، وكشف الخفا (٣٤٥/٢، ٣٤٦)، وفيض القدير
(٦/ ١٨٠)، فهو حديث غير صحيح.
(٢)
في تاريخ بغداد (٤٣٩/٧).
في ( ق ) : تحولت الأبيات إلى نثر ، وربما ضلَّلتْ كتابتها نثراً جامعي ديوان أبي نواس ، فلم يثبتوها فيه .
(٣)
(( الطَّفْلة)) : الجارية الرَّخْصةُ الناعمة . لسان العرب (طفل) .
(٤)
في (ق): ((ويلاي من خلفك موعودي))؛ وفي ( ب، ح): (( فوابلائي من مخلف موعودي))؛ وبكلا
(٥)
الروايتين لا يستقيم وزن البيت من المنسرح ، والمثبت من تاريخ جرجان ص (٥١١).

٥٢٢
وفيات سنة ١٩٥ هـ
شِمْرٍ وعَوْفٍ عن ابنِ مسعوٍ(١)
حدَّثني الأزْرَقُ المحدِّثُ عن
وكافِرٍ في الجحيمِ مَصْفُودٍ
ما يُخْلِفُ الوَعْدَ غيرُ كافرةٍ
فبلغ ذلك إسحاق بن يوسف الأزرق فقال : كذَبَ عدؤُ الله عليَّ وعلى التابعين ، وعلى أصحابِ
محمدٍ مَ﴾ .
وعن سُليم بن منصور بن عمار ، قال : رأيتُ أبا نُوَاس في مجلس أبي يبكي بكاءً شديداً ، فقلت :
إني لأرجو أنْ لا يُعذِّبَكَ الله بعدَ هذا البكاء . فأنشأ يقول :
شَوْقاً إلى الجنَّةِ والحُورِ
لم أبكِ في مجلسِ مَنْصُورِ
ولا من النَّفْخَةِ في الصُّورِ
ولا مِنَ القَبْرِ وأهوالِهِ
ولا مِنَ الخِذْلانِ والجَوْرِ
ولا منَ النارِ وأغلالِها
تَقْيه نفسي كلَّ مَخْذورٍ(٢)
لكنْ بكائي لهكا شادنٍ
ثم قال : إنما بكيتُ لبكاء هذا الأمردِ الذي إلى جانبِ أبيك . وكان صبيّاً حسنَ الصورة ، يسمعُ
الوَعْظَ فيبكي خوفاً من الله عزَّ وجلَّ .
قال أبو نواس : دعاني يوماً بعضُ الحاكّةِ وألَّ عليَّ ليُضِيفني في مَنْزِلِه ، ولم يزلْ بي حتى أجبتُهُ ؛
فسار إلى مَنْزله وسرتُ معه ، فإذا مَنْزِلٌ لا بأسَ به ، وقد احتفَلَ الحائكُ في الطعام ، وجمع جمعاً من
الخُيَّاك ، فأكلنا وشربنا ، ثم قال : يا سيدي أشتهي أنْ تقولَ في جاريتي شيئاً من الشعر - وكان مُغرَماً
بجاريةٍ له - قال : فقلت : أرنيها حتى أنظمَ على شكلِها وحُسْنِها . فكشف عنها فإذا هي أسْمجُ خَلْقِ اللهِ
وأوحَشُهم ، سوداء، شَمْطاء، ديدانيَّةُ(٣) ، يسيلُ لُعابُها على صدرها ، فقلت لسيدها : ما اسمُها ؟
فقال : تسنيم . فأنشأتُ أقول :
جاريةٍ في الحُسْنِ كالْبُومِ
أسهَرَ ليلي حُبُّ تَسْنِيم
أو حُزمةٌ من حُزَمِ الثُّومِ
كأنَّما نَكْهَتُها كامخٌ
أفزَعَتْ منها مَلِكَ الرُّومِ
ضرَطَتْ من حُبِّي لها ضَرْطَةٌ
(١) في تاريخ جرجان: (( ... عن عمرو بن شمر عن ابن مسعود))، وفي (ق): (( ... عن شهر وعوف عن ابن
مسعود)). والمثبت من ( ب، ح ) . ولم نجد هذه الأبيات في ديوان أبي نواس المطبوع.
البيت الأول والأخير في ديوان أبي نواس ص (٣٠١). أما الثاني والثالث فلا وجود لهما فيه ، وتفردت ( ق )
(٢)
بالبيت الثالث إذا سقط من ( ب، ح )، وتاريخ بغداد (٤٣٩/٧) ، والخبر فيه .
(٣) كذا في ( ق)، وفي (ب): دندانية، وهي غير معجمة في (ح)، ولم أقف على معناها، ولا على مصدر يذكر
الخبر أو الشعر . ولعلّه نسَبَها إلى الدُّود .

٥٢٣
وفيات سنة ١٩٥ هـ
قال : فقام الحائكُ يرقُصُ ويصفّقُ سائرَ يومِه، ويفرَحُ ويقول: إنه شبَّهها والله بمَلِك الرُّوم . ومن
شعرِهِ أيضاً :
بزَعْمِهِمْ كَثَّرْتُ أوْزَارِيَهُ(١)
أبْرَمني الناسُ يقولونَ تُبْ
ماذا عليكم يا بني الزَّانِيَهْ
إنْ كنتُ في النارِ وفي جنَّةٍ
وبالجملة ، فقد ذكروا له أموراً كثيرةً ومجوناً وأشعاراً مُنكرة ؛ وله في الخمريات والقاذورات
والتشبيب بالمُزْدانِ والنِّسوان أشياءُ بشعةٌ شَنيعة . فمن الناس منْ يُفَسِّقُه ويَزْميهِ بالفاحشة ؛ ومنهم من يرميه
بالزَّنْدَقة ؛ ومنهم من يقول: كان إنما يخرب على نفسه ، والأول أظهر ، لمَا في أشعارِهِ . فأمَّا الزندقةُ
فبعيدةٌ عنه ، ولكنْ كان فيه مُجون وخلاعةٌ كثيرة . وقد عزَوْا إليه في صِغَرِه وكِبَرِه أشياء مُنكرَة ، الله أعلمُ
بصِخَّتِها . والعامَّةُ تنقلُ عنه أشياء كثيرةً لا حقيقةً لها . وفي صحنٍ جامع دمشق قُتَّةٌ يَفُورُ منها الماء ، يقولُ
الدماشقة: قبة أبي نُواس ، وهي مبنيّةٌ بعدَ موتِهِ بأزيدَ من مئةٍ وخمسين سنة ؛ فما أدْري لأيِّ شيءٍ نُسَبَتْ
إليه ، فالله أعلمُ بِهذا .
وقال محمد بن أبي عمير : سمعتُ أبا نُواسٍ يقول : والله ما فتحتُ سراويلي لِحَرامِ قَطّ .
وقال له محمدٌ الأمينُ بنُ الرشيد : أنتَ زِنْديق . فقال : يا أمير المؤمنين ، لستُ بِزْنديق ، وأنا
أقول :
وأشهدُ بالتوحيدِ للهِ خاضعا
أُصلِّي الصلاةَ الخمسَ في حینٍ وقِها
وإنْ جاءني المسكينُ لم أكُ مانعا
وأُحسنُ غُسْلي إنْ ركبتُ جَنَابةً
إلى بيعةِ الساقي أجبتُ مسارعا
وإِنِّيَ إنْ حانتْ من الكاسِ دعوةٌ
وجَدْيٍ كثيرِ الشَّحْمٍ أصبح راضعا
وأَشْرَبُها صِرْفاً على جَنْبِ ماعزٍ
وما زال للخمَّارِ ذلك نافعا
وجُوذابٍ حُوَّارَى ولَوْزٍ وسُكَّرٍ
لِفَقْحةِ بَخْتَيْشُوعَ في النار طائعا
وأجعَلُ تَخْليطَ الروافِضِ كلِّهم
فقال له الأمين : ويحك ! وما الذي ألجأك إلى فَقْحةِ بَخْتَيشُوع؟ فقال: به تَمَّتِ القافية . فأمَرَ له
بجائزة . وبَخْتَيشوعُ الذي ذكرَهُ هو طبيبُ الخلفاء .
وقال الجاحظ : لا أعرفُ في كلام الشعراءِ أَرَقَّ ولا أحسَنَ من قولِ أبي نُواس حيث يقول :
أَيَّةُ نارٍ قَدَحَ القادِحُ وأُّ جدِّ بَلَغَ المازِعُ
(١) ليس الشعر في ديوان أبي نواس، وفي (ح، ق): ((يقولون بزعمهم))، وفي (ب): ((تب عمهم)). وما أثبتُّه
أشبه بالصواب وزناً ومعنّى .

٥٢٤
وفيات سنة ١٩٥ هـ
وناصِحِ لو حَذِرُ(١) الناصحُ
للهِ دَرُّ الشَّيْبِ مِن واعِظٍ
ومَنْهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحُ
يأتَى الفتى إلَّ اتباعَ الهَوَى
مُهورُهُنَّ العمَلُ الصَّالِحُ
فاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إلى نِسْوَةٍ
إلَّ امرؤٌ ميزانُهُ راجِحُ
لا يَجْتَلي الحوراءَ في خِدْرِها
سِيقَ إليه المَتْجِرُ الرابحُ
مَنِ اتَّقَى الله فذاك الذي
ورُخْ لما أنتَ لَهُ رائحٌ(٢)
فاغْدُ فما في الدِّين أُغْلوطةٌ
وقد استنشَدَهُ أبو هَفَّان قصيدَتَهُ التي في أوَّلِها: ((لا تنس ليلى ولا تطرب إلى هند(٣) . فلما فرَغَ منها
سجَد له أبو هَفَّان، فقال له أبو نُوَاس: واللهِ لا أُكَلِّمُكَ مُدَّةً . قال : فَغَمَّني ذلك ، فلما أردتُ الانصراف
قال : متى أراك ؟ فقلت : ألم تُقْسِمْ ؟ فقال : الدهرُ أقصرُ من أنْ يكونَ معه هَجْر .
ومن مُستجادِ شعرِه قولُه :
ويا رُبَّ حُسْنٍ في التُرابِ رَقِيقِ
ألا رُبَّ وَجْهٍ في الثُّرابِ عَتِيقٍ
ويا رُبَّ رأي في التُّرابِ وَثيقِ
ويا رُبَّ حَزْمٍ في التُرابِ ونَجْدَةٍ
إلى سَفَرٍ نائي المَحلِّ سَحِيقٍ
فَقُلْ لِقَريبِ الدارِ إنك ظاعِنٌ
وذا نَسَبٍ في الهالكينَ عَريقِ
أرى كلَّ حَيٍّ هالكاً وابنَ هالكِ
له عن عدوّ في لباسِ صَدِيقٍ ﴾
إذا امتَحَنَ الدنيا لَبِيبٌ تكشّفَتْ
وقوله :
والعِزُّ في الحِلْمِ لا في الطَّيْشِ والسَّفَهِ
لا تشرَهَنَّ فإنَّ الذُّلَّ في الشَّرَهِ
لو كنتَ تعلَمُ ما في التِّهِ لم تَتِهِ
وقلْ لِمُغْتَبِطٍ في التِّيهِ من حُمُقٍ
للعقلِ مَهْلَكَةٌ لِلعِرْضِ فَانتَِّهٍ(٥)
التِّيهُ مَفْسَدةٌ للدِّينِ مَنْقَصَةٌ
وجلس أبو العتاهية القاسم بن إسماعيل على دَُّانِ ورَّاق ، فكتب على ظهر دفترٍ هذه الأبيات :
أيا عجباً كيف يُعْصَى الإلـ ـهُ أمْ كيف يَجْحَدُهُ الجاحِدُ
في (ق): ((خطىء))، وفي الديوان: ((سمع))، والمثبت من ( ب، ح).
(١)
(٢)
الأبيات في ديوان أبي نواس ص (١٧٥).
كذا في (ب، ح)، وفي (ق): ((لا تنس ليلى ولا تنظر إلى هند)). والقصيدة في ديوان أبي نواس ، ومطلعها :
(٣)
واشرَبْ على الوَرْدِ من حَمْرَاءَ كالوَرْدِ
لا تَبْكِ ليلى ولا تطرَبْ إلى هندٍ
الأبيات في دیوان أبي نواس ص ( ٤٦٥ ).
(٤)
لم أجد الأبيات في ديوان أبي نواس المطبوع .
(٥)

٥٢٥
وفيات سنة ١٩٥ هـ
وفي كلِّ شيءٍ لَهُ آيةٌ تَدُلُّ على أنَّهُ واحِدُ
وتَحْرِيكةٍ أبداً له شاهد١ٌ)
واللهِ في كلِّ تَسْكِينةٍ
ثم جاء أبو نُواس فقرأها ، فقال : أحسَنَ قاتَلَهُ الله ، والله لوَدِدْتُ أنَّها لي بجميع شيءٍ قلتُه ؛ لِمَنْ
هذه ؟ قيل له : لأبي العتاهية . فأخذ الدفترَ فكتَبَ في جانبِها :
القَ مِنْ ضَعِيفٍ مَهين
سبحانَ مِنْ خَلَقَ الخَلْ
إلى قرارٍ مَكِينٍ
يَسوقُهُ من قَرَارٍ
في الحُجْبِ دون العيونِ
يَخُورُ شيئاً فشيئاً
مَخْلوقَةٌ من سُكُونٍ(٢)
حتى بَدَتْ حَرَكاتٌ
ومن شعرِهِ المستجاد قولُه :
انقضَتْ شِرَّتي فعِفْتُ الملاهي
ونَهَتْني النُّهَى فِمِلْتُ إلى العَدْ
أيُّها الغافِلُ المُقِرُّ على السَّهْ
لا بأعمالِنا نُطيقُ خلاصاً
غيرَ أنَّا على الإساءةِ والتَّفْـ
إذْ رَمَى الشَّيبُ مَفْرِقِي بالدَّوَاهي
لٍ وأَشْفَقْتُ من مَقالةِ ناهي
ــٍ ولا عُذْرَ في المعادِ لِسَاهي
يومَ تَبْدو السماءُ فوقَ الجِبَاهِ
ـرِيطِ نرجو من حُسْنِ عَفْوِ الإِلَّهُ(٣)
وقوله :
نموتُ ونَبْلَى غيرَ أنَّ ذنوبَنا
ألا رُبَّ ذي عينَيِّنِ لا تنفعانِهِ
وقوله :
إذا نحن مِتنا لا تموتُ ولا تَبْلَى
وما تنفَعُ العينانِ مَنْ قلبه أعمَى (٤)
يومَ الحسابِ ممثَّلاً لم تَطْرِفِ
لو أنَّ عيناً أوْهَمَتْها نفسُها
مخضَتْ صبيحتها بيومِ المَوْقِفِ
سبحانَ ذي الملَكُوتِ أيّةُ ليلةٍ
فالناسُ بين مقَدَّمٍ وَمُخلَّفٍ (٥)
كتب الفناءَ على البريَّةِ ربُّها
وذُكر أنَّ أبا نُواس لَمَّا أراد الإحرامَ بالحجِّ قال:
الأبيات في ديوان أبي العتاهية ص (١٢٢)، وهي في ديوان لبيد بن ربيعة ص (٢٣١).
(١)
(٢)
الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٦٦٦ ).
(٣)
الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٦٨٨).
لم أجد البيتين في ديوان أبي نواس المطبوع ، وهي في تاريخ ابن عساكر (٤٥٤/١٣).
(٤)
لم أجد الأبيات في ديوان أبي نواس ، والبيتان الأول والثاني في ديوان أبي العتاهية ص (٢٧٦).
(٥)

٥٢٦
وفيات سنة ١٩٥ هـ
إلّهنا ما أَعْدَلَكْ مَليكَ كُلِّ مِنْ مَلَكْ
لَتَيْكَ قد لَتَّيْتُ لك
والمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكْ
لَّيْكَ إنَّ الحمدَ لكْ
ما خَابَ عبدٌ سألَكْ
عبدُكَ قدْ أهَلَّ لَكْ
أنتَ لَهُ حيثُ سَلَكْ
لَتَيْكَ إنَّ الحمدَ لكُ
واللَّيْلُ لَمَّا أنْ حَلَكْ
على مَجَاري المُنْسَلَكْ
وكُلُّ منْ أهَلَّ لكْ
لولاك يا ربُّ هَلَكْ
وَالمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكْ
والسابحاتُ في الفَلَكْ
كلُّ نبيِّ ومَلَكْ
سَبَّحَ أو صَلَّى فَلَكْ
والمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكْ
التَّيْكَ إنَّ الحمدَ لكْ
عَصَيْتَ رَبّاً عَدَلَكْ
يا مُخْطئاً ما أَغْفَلَكْ
وأقدرَكْ وأمْهَلَكْ
عَجِّلْ وبادِرْ أمَلَكْ
واختِمْ بخيرٍ عَمَلَكْ
لِتَّيْكَ إنَّ الحمدَ لكْ والمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكْ (١)
وقال المعافَى بنُ زكريّا الجَريريّ ، حدّثنا محمد بن العباس بن الوليد، سمعتُ أحمد بن يحيى بن
ثعلب يقول : دخلتُ على أحمد بن حنبل ، فرأيتُ رجلاً تَهُمُّه نفسُه ، لا يُحبُّ أنْ يُكثر عليه ، كأنَّ النيرانَ
قد سُعرَتْ بين يديه ، فما زلتُ أترفَّقُ به ، وتوسَّلتُ إليه أني من موالي شيبان ، حتى كلَّمني فقال : في أيِّ
شيءٍ نظَرْتَ من العلوم ؟ فقلت في اللُّغةِ والشِّعر . قال : رأيتُ بالبصرةِ جماعةٌ يكتبونَ عن رجلٍ الشعر ،
قيل لي : هذا أبو نُوَاس فتخلَّلْتُ الناسَ ورائي ، فلما جلستُ إليه أمْلَى علينا :
خَلَوْتُ ولكنْ في الخلاءِ رقيبُ
إذا ما خلَوْتَ الدهرَ يوماً فلا تَقُلْ
ولا أنَّ ما يَخْفَى عليه يَغِيبُ
ولا تحسبنَّ الله يغفُلُ ساعةً
ذُنوبٌ على آثارِهنَّ ذُنوبُ
لَهَوْنا لَعَمْرُ اللهِ حتى تتابَعَتْ
ويأذنُ في تَوْباتِنَا فَنَتُوبُ(٢)
فيا لَيْتَ أنَّ اللهَ يَغْفِرُ ما مَضَى
(١) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٤٨١)، وقد سقط منها بضعة أبيات، وكذا سقط من بعض الأصول ، فأثبتُ
ما جاء فيها جميعاً . وهي مع الخبر في تاريخ ابن عساكر ( ١٣/ ٤٥٤، ٤٥٥).
(٢) الأبيات الثلاثة الأولى في ديوان أبي نواس ص (١٠٣)، والأربعة جميعاً في ديوان أبي العتاهية ص٢ ٣٤) وفيها
زيادة .

٥٢٧
وفيات سنة ١٩٥ هـ
وزاد بعضُهمُ(١) في روايةٍ عن أبي نُواس بعدَ هذه الأبيات :
وحلَّتْ بقلبي للهُمومِ نُدُوبُ
أقولُ إذا ضاقَتْ عليَّ مذاهبي
هَلَكْتُ ومالي في المتابِ نَصيبُ
لِطُولِ جِنَاياتي وعُظْمٍ خَطِيئتي
وتَرْجِعُ نفسي تارةً فتتوبُ
وأغرَقُ في بَحرِ المَخَافَةِ آيساً
فأخْيَا وأرجو عَفْوَهُ فأُنِيبُ
وتذكُرُ عفواً للكريم عن الورَىَ
وأخضَعُ في قولي وأرغَبُ سائلاً
عَسَى كاشفُ البَلْوَى عليَّ يتوبُ
قال ابنُ طَرَار(٢) الجَرِيري : وقد روَيْتُ هذه الأبيات لِمَنْ قبلَ أبي نُواس ، وهي في زُهْدِيَّاتِه ؛ وقد
استشهَدَ بها النُّحَاة في أماكنَ كثيرة قد ذكّرْناها .
وقال حسنُ بن الدايَةِ : دخلتُ على أبي نواس وهو في مرَضِ الموت فقلت : عِظْني . فأنشأ يقول :
فإنك لاقياً رَبّاً غفورا
فكَثِّر ما استطعتَ من الخطايا
وتَلْقَى سيِّداً مَلِكاً قديرا
ستبصِرُ إِنْ وردتَ عليه عَفْواً
تركتَ مخافةً النارِ الشُّرور(٣)
تعضُّ ندامَةً كَفَّيْكَ مِمَّا
فقلت : ويحك ، وبمثلِ هذا الحالِ تَعِظُني بهذه الموعظة !، قال : اسكُتْ . حدّثنا حماد بن سلمة،
عن ثابت، عن أنس، قال: قال بَّهُ: ((اذَّخَرْتُ شفاعتي لأهلِ الكبائِرِ مِنْ أُمَتي)(٤)
وقد تقدَّمَ له بهذا الإسناد عنه: (( لا يموتَنَّ أحدُكم إلَّ وهو يُحسنُ الظنّ بالله)(٥) .
وقال الربيع وغيرُه ، عن الشافعيِّ قال : دخَلْنا على أبي نُوَاس في اليوم الذي مات فيه وهو يَجودُ
بنفسِهِ ، فقلنا : ما أعدَدْتَ لهذا اليوم ؟ فأنشأ يقول :
بعَفْوِكَ ربي كان عَفْوكَ أعظَمَا
تَعاظَمَني ذَنبي فلمَّا قَرَنْتُهُ.
تَجودُ وتعفو مِنَّةٌ وتكُّما
وما زلتَ ذا عَفْوِ عن الذنبٍ لم تَزَلْ
وكيف وقد أغْوَى صَفِيَّكَ آدَما
ولولاك لم يَغْوَ بإبليس عابدٌ
هو ابن عساكر في تاريخه تاريخ مدينة دمشق ( ١٣ /٤٥٦، ٤٥٧).
(١)
في ( ق ) : طراز ، وفي ( ب، ح) طرار، وكلاهما تصحيف ، والمثبت مما مضى في حاشية ص ( ٧) من نسخة
(٢)
( ق ) . وهو المعافى بن زكريا الذي سبق ذكره آنفاً.
الأبيات في ديوان أبي نواس ص ( ٣٠٧) بألفاظ مقاربة.
(٣)
انظر تخريج الحديث في حاشية الصفحة ( ٥١٧ ) رقم (٥).
(٤)
تقدم تخريجه في حاشية الصفحة (٥١٧) رقم (٣) .
(٥)

٥٢٨
وفيات سنة ١٩٥ هـ
رواه ابنُ عساكر(١) . وروىُ(٢) أنهم وجدوا عند رأسِهِ رُقعةً مكتوباً فيها بخطِّهِ :
فلقد علمتُ بأنَّ عَفْوَكَ أعظَمُ
يا رَبِّ إنْ عَظُمَتْ ذُنوبي كثرةً
فإذا ردَدْتَ يدي فمنْ ذا يَرْحِمُ
أدعوكَ رَبِّ كما أمَرْتَ تضرُّعاً
فمَنِ الذي يَرْجو المسيءُ المُجْرِمُ
إنْ كان لا يرجوكَ إلَّ مُحسنٌ
وجميلُ عَفْوِكَ ثم أَنِّي مُسْلِمُ(٣)
ما لي إليك وسيلةٌ إلَّ الرجا
وقال يوسف بن الداية : دخلتُ عليه وهو في السِّيَاق ، فقلت : كيف تَجِدُك؟ فأطرَقَ مَلِيّاً، ثم رفع
رأسه فقال :
وأُراني أموتُ عُضْواً فعُضُوَا
دَبَّ فيَّ الفناءُ سُفْلاً وعُلْواً
نَقَصَشْني بمرِّها بِيَ جُزْوَا
ليس تأتي من ساعةٍ بِيَ إلَّ
وتذكَّرْتُ طاعةَ اللهِ نِضْوَ(٤)
ذهبَتْ جِدَّتي بِلَذَّةِ عَيْشي
هُمَّ صَفْحاً عنَّا وغَفْراً وعَفْوَ(٥)
قد أسأنا كُلَّ الإساءةِ فاللَّ
ثم ماتَ من ساعتِه . سامَحَنا الله وإياه آمين .
وقد كان نقشُ خاتمِهِ : لا إله إلا الله مُخلِصاً. فأوصَى أنْ يُجعَلَ في فَمِه إذا غَسَّلوه ؛ ففعلوا به ذلك .
ولما مات لم يجدوا له من المال سوى ثلاثِمئةِ درهم ، وثيابِهِ وأثاثِهِ . وقد كانتْ وفاتُه في هذه السنةِ
ببغداد ، ودُفن في مقابرِ الشُّونِيزيّ ، في تلِّ اليهود ، وله خمسون سنة ، وقيل ستون سنة ، وقيل تسع
وخمسون سنة . وقد رآه بعضُ أصحابِهِ في المنام فقال له : ما فعلَ الله بك ؟ فقال : غفَرَ لي بأبياتٍ قلتُها
في النَّرْجِس :
إلى آثارِ ما صَنّعَ المَليكُ
تفكّر في نباتِ الأرضِ وانظُرْ
بأبصارٍ هي الذهَبُ السَّبِيكُ
عيونٌ من لُجَيْنٍ شاخصاتٌ
بأنَّ الله ليس له شَرِيكُ(٦)
على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهداتٌ
تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ( ٤٥٨/١٣).
(١)
المصدر السابق ( ١٣ / ٤٦١ ).
(٢)
الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٣٠٧). وهي أيضاً مع الخبر في تاريخ ابن عساكر كما أشرنا في الحاشية السابقة .
(٣)
النُّضْو بالكسر : البَعير المهزولِ وقيل: هو المهزول من جميع الدوابِ وهو أكثر ، والجمع أنضاء وقد يُستعمل في
(٤)
الإنسان . لسان العرب ( نضو ) .
الخبر والأبيات في تاريخ ابن عساكر (١٣/ ٤٦٠، ٤٦١). وهي في ديوان أبي نواس ص (٦٩١).
(٥)
(٦)
الخبر والأبيات في تاريخ ابن عساكر ( ٤٦٥/١٣)، ولم نجدها في ديوان أبي نواس .

٥٢٩
وفيات سنة ١٩٥ هـ
وفي روايةٍ عنه أنه قال: غفَرَ لي بأبياتٍ قلتُها وهي تحت وسادتي. فجاؤوا، فوجدوها برُقْعةٍ في خَطِّه:
يا ربِّ إنْ عَظُمتْ ذُنوبي كثرةً فلقد علمتُ بأنَّ عَفْوَكَ أعظَمُ
الأبيات وقد تقدَّمَتْ(١).
وفي روايةٍ لابنِ عساكر(٢) : قال بعضُهم : رأيتُه في المنام في هيئةٍ حسنة ، ونعمةٍ عظيمة ، فقلت
له : ما فعل الله بك ؟ قال : غفَرَ لي. قلت: بماذا وقد كنتَ مُخَلِّطاً على نفسِك؟ فقال : جاء ذاتَ ليلةٍ
رجلٌ صالِحٌ إلى المقابر، فبسط رداءه وصلَّى ركعتين، قرأ فيهما ألفَيْ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾ ثم أهدى
ثوابَ ذلك لأهلِ تلك المقابر ، فدخلتُ أنا في جُملتِهم ، فغفر الله لي .
وقال ابنُ خَلِّكان(٣) : أولُ شعرٍ قاله أبو نُواس لما صحب أبا أُسامة والِبَة بنَ الحُبَاب :
يَسْتَخِفُّهُ الطَّرَبُ
حاملُ الھوَی تعِبُ
ليس ما بِهِ لَعِبُ
إِنْ بَكَى يحِشُّ لَهُ
والْمُحبُّ يَنْتَحبُ
تضحكين لاهِيَةً
صِحَّتي هي العَجَبُ(٤)
تعجبينَ من سَقَمي
وقال المأمون : ما أحسنَ قولَه :
وما الناسُ إلا هالِكٌ وابنُ هالِكِ
إذا امتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشّفَتْ
قال ابن خَلِّكان(٦) : وما أشدَّ رجاءه بربّه حیثُ يقول :
وذو نَسَبٍ في الهاِلِكِينَ عَريقِ
له عن عدوّ في لباسِ صديقٍ(٥
فإنك لاقياً رَبّاً غفورا
تكَثَّرْ ما استطعتَ من الخطايا
وتَلْقَى سَيِّداً مَلِكاً كبيرا
ستبصرُ إنْ وردتَ عليه عَفْواً
تركتَ مخافةَ النارِ الشُّرور(٧)
تعَضُّ ندامةً كفَّيْكَ مِمَّا
(١) في الصفحة السابقة .
تاريخ ابن عساكر ( ١٣ /٤٦٥).
(٢)
في وفيات الأعيان (٩٥/٢) ، وفيه الخبر مطول .
(٣)
الأبیات في دیوان أبي نواس ص ( ٥١ ) ، وفيه بيت خامس وهو :
(٤)
مِنْكِ عادَ لي سَبَبُ
كُلّما انْقَضِى سببٌ
(٥) البيتان في ديوان أبي نواس ص (٤٦٥)، بألفاظ مقاربة.
(٦) في وفيات الأعيان (٢/ ٩٦)، بنحوه .
(٧) الأبيات فى ديوان أبي نواس ص (٣٠٧) بألفاظِ مقاربة ، وقد تقدمت في الصفحة السابقة.

٥٣٠
أحداث سنة ١٩٦ هـ - سبب خلع الأمين
ثم دخلت سنة ست وتسعين ومئة
فيها تُوفي أبو معاوية الضرير محمد بن خازم ، أحد مشايخ الحديث الثقاتِ الرُّفْعاءِ المشهورين .
والوليد بن مسلم الدمشقي تلميذُ الأوزاعي .
وفيها حَبَس محمدٌ الأمينُ أسَد بن يزيد لأجلِ أنه نَقَم على الأمينِ لَعِبَهُ وَتَهاؤُنَه في أمرِ الرعيَّةِ ، وارتكابَهُ
للصيد وغيرِهِ في هذا الوقت .
وفيها وجَّهَ الأمينُ عمَّهُ أحمد بن مزيد، وعبد الله بن حُميد بن قَحْطَبة ، في أربعين ألفاً ، مع كلِّ واحدٍ
منهما عشرون ألفاً إلى حُلْوان لقتالِ طاهرِ بنِ الحُسين أمير الحرب من جهةِ المأمون ؛ فلما وصلوا إلى
قريبٍ من حُلْوان خندقَ طاهرٌ على جيشِه خندقاً ، وجعل يُعملُ الحيلةَ في إيقاع الفتنة بين الأميرَيْن ،
فاختلفا ، فرجعًا ولم يقاتلاه ، ودخل طاهرٌ إلى حُلْوان ؛ وجاءه كتابُ المأمون بتسليم ما تحتَ يدِهِ إلى
هَرْئمةَ بنِ أعيّن ، وأن يتوجَّهَ هو إلى الأهواز ؛ ففعل ذلك .
وفيها رفع المأمون وزيرَهُ الفضلَ بن سَهْل وولَّهُ أعمالاً كباراً، وسمَّاهُ ذا الرِّيَاسَتَيْن .
وفيها ولَّى الأمينُ نيابةَ الشام لعبدِ الملك بن صالح بن علي ، وقد كان أخرجه من سجنِ الرشيد ،
وأمرَهُ أنْ يبعثَ له رجالاً وجنوداً لقتالٍ طاهٍ وهَرْئمة ؛ فلمَّا وصلَ عبدُ الملك بن صالح إلى الرقّة أقامَ بها ،
وكتبَ إلى رؤساء الشام ، يتألّفُهم ويدعوهم إلى الطاعة ، فقَدِمَ عليه منهم خلقٌ كثير ، ثم وقعَتْ حروبٌ
كان مَبْدَؤها من أهلِ حمص ؛ وتفاقم الأمر ، وطال القتالُ بين الناس ، ومات عبدُ الملك بن صالح
هنالك ؛ فرجع الجيشُ إلى بغداد صحبةَ الحسين بن علي بن ماهان ، فتلقَّهُ أهلُ بغدادَ بالإكرام ، وذلك
في شهر رجب من هذه السنة ؛ فلما وصل إليها جاء رسولُ الأمين يطلُبُه ، فقال: واللهِ ما أنا بمُسامِرٍ ولا
مُضحِك ، ولا وَليتُ له عملاً ، ولا جاء له (١) على يدي مال، فلماذا يطلُبني في هذه الليلة؟ .
سبب خلع الأمين بن زُبيدة وكيف أفضَتِ الخلافةُ إلى أخيه المأمون
لما أصبح الحسين بن علي بن ماهان ولم يذهبْ إلى الأمين لمَّا طلبه، وذلك بعد مَقْدَمهِ بالجيش من
الشام قام في الناس خطيباً وألََّهم على الأمين ، وذكر لَعِبه وما يتعاطاهُ من اللَّهْو وغير ذلك من المعاصي ،
وأنه لا تصلُحُ الخلافةُ لمنْ هذا حالُه ، وأنه يُريد أنْ يُوقع البأسَ بين الناس ، ثم حثَّهم على القيامِ عليه ،
والنهوض إليه ، ونَدَبهم لذلك ؛ فالتفَّ عليه خلقٌ كثير، وجٌّ غفير، وبعث محمدٌ الأمين إليه خيلاً
فاقتتلوا مَلِيّاً من النهار، فأمر الحسينُ أصحابَهُ بالترجُل إلى الأرض ، وأنْ يُقاتلوا بالسيفِ والرِّماح ، فانهزم
(١) في (ق): ((ولا جبى)) وفي تاريخ الطبري (٦٤/٥): ((ولا جرى له))، والمثبت من (ب، ح).

٥٣١
سبب خلع الأمين
جيشُ الأمين ؛ وخلَعَه ، وأخذَ البيعةَ لعبدِ الله المأمون ، وذلك يوم الأحد الحادي عشرَ من شهرِ رجب من
هذه السنة . ولما كان يومُ الثلاثاء نقل الأمين من قصرِهِ إلى قصرِ أبي جعفر وسطَ بغداد ، وضيَّق عليه وقيّده
واضطهده ، وأمر العباسُ بن عيسى بن موسى أمَّه زُبيدة أن تنتقلَ إلى هناك، فامتنَعَتْ، فضربَها(١)
بالسَّوْط ، وقهرَها على الانتقال ، فانتقلت مع أولادِها، فلما أصبح الناسُ يومَ الأربعاء طلبوا من
الحسين بن علي أُعطيَاتِهم ، واختلفوا عليه، وصار أهلُ بغدادَ فِرْقَتَيْن ؛ فِرِقَةٌ مع الأمين ، وفرقةٌ عليه ،
فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فغلب حِزْبُ الخليفةِ أولئك، وأسَروا الحسينَ بن عليّ بن عيسى بن ماهان ،
وقيَّدوه ، ودخلوا به على الخليفة ، ففكُوا عنه قيودَه ، وأجلسوهُ على سريرِه ؛ فعند ذلك أمَرَ الخليفةُ منْ
لم يكنْ معه سلاحٌ من العامَّة أنْ يُعْطِى سلاحاً من الخزائن ، فانتهبَ الناسُ الخزائنَ التي فيها السلاحُ بسببٍ
ذلك ؛ وأمر الأمينُ ، فأُتي بالحسين بنِ عليٍّ بن عيسى، فلامَهُ على ما صدَرَ منه، فاعتذر إليه بأنَّ عفوَ
الخليفةِ حَمله على ذلك . فعَفا عنه وخلَعَ عليه واستوزَرَه وأعطاه الخاتم ، وولَّهُ ما وراءَ بابه ، وولَّهُ
الحَرْب، وسَيَّرَهُ إلى حُلوان . فلمّا وصل إلى الجسر هرب في حاشيتِهِ وخدَمِه ، فبعث إليه الأمينُ منْ
يَرُدُّه. فركبتِ الخيولُ وراءَه ، فأدركوه ، فقاتلهم وقاتلوه فقتلوه ، لمنتصف رجب ، وجاؤوا برأسِهِ إلى
الأمين ، وجدَّد الناسُ البيعةَ للأمين يومَ الجمعة .
ولما قُتل الحسين بن علي بن عيسى هرب الفضلُ بن الربيع الحاجب ، واستحوذ طاهر بن الحسين
على أكثرِ البلاد للمأمون ، واستنابَ بها النُّوَّاب ، وخلعَ أكثرُ أهلِ الأقاليم الأمينَ وبايعوا المأمون ، ودنا
طاهرٌ إلى المدائن ، فأخذها مع واسطَ وأعمالِها ، واستناب من جهتِهِ على الحجازِ واليمنِ والجزيرةِ
والموصل ، وغير ذلك ، ولم يبقَ مع الأمينِ من البلادِ إلا القليل .
وفي شعبانَ منها عقَدَ الأمينُ أربعَمئةِ لواء ، مع كلِّ لواءٍ أمير ، وبعثَهُم لقتالِ هَرْثَمة بن أعين ،
فالتقَوْا في شهر رمضان ، فكسَرَهم هَرْثَمة ، وأسر مقدَّمَهم عليَّ بن محمد بن عيسى بن نَهيك ، وبعث به
إلى المأمون . وهرب جماعةٌ من جُند طاهر ، فساروا إلى الأمين ، فأعطاهم أموالاً كثيرة وأكرمهم ،
وغلَّفَ لِحاهُمْ بالغالِيَةِ(٢)، فسُمُّوا جيشَ الغالية ، ثم ندَبَهم الأمين ، وأرسل معهم جيشاً كثيفاً لقتالٍ
طاهر ، فهزمهم طاهرٌ وفرَّق شملَهم ، وأخذ ما كان معهم ، واقترب طاهرٌ من بغداد فحاصرها ، وبعث
القُصَّاد والجواسيس ، يُلْقون الفِتْنة بين الجُند، حتى تفرَّقُوا شِيَعاً، ثم وقع(٣) بين الجيش، وسعَتِ(٤)
(١) في (ب، ح): ((فقنعها بالسوط)).
(٢) ((الغَالية)): نوعٌ من الطِّيب مُرَّب من مِسْك وعَنْبَر وعُود وَدُهْن، وهي مَعْروفة. والتَّغْلُّف بها: التَّلَطُّخ. النهاية في
غريب الحديث ( ٣٨٣/٣).
(٣) كذا في الأصول، ولعل الصواب: ((أوقع)).
(٤) في (ق ): وتشعبت ، وفي ( ب ): وشعث ، والمثبت من (ح) .

٥٣٢
وفيات سنة ١٩٦ هـ
الأصاغرُ على الأكابر ، واختلفوا على الأمين في سادس ذي الحِجَّة ، فقال بعضُ البغادِدَة :
ما شتَّتَ الجندَ سوى الغالِيَهْ
قُلْ لأمينِ اللهِ في نفسِهِ
برُسْلِهِ والعدَّة الكافية
وطاهرٌ نفسي فدا طاهرٍ
مقاتلاً للفئةِ الباغِيَهْ
أضْحَی زمامُ الملكِ في کفِّهِ
عيوبُهُ في خُبْتِهِ فاشِيَهْ
يا ناكثاً أسلَمهُ نَكْتُهُ
مُسْتكلِباً في أُسُدٍ ضارِيَهُ
قد جاءك اللَّيْثُ بشدَّاتِهِ
إلَّ إلى النارِ أوِ الهاوِيَةْ
فاهْرُبْ ولا مَهْرَبَ من مثلِهِ
فتفرَّق على الأمين شملُهُ ، وحار في أمرِه ، وجاء ابنُ الحسين بجيوشِه ، فَنَزَل على بابِ الأنبارِ يومَ
الثلاثاء ، لثنتي عشرةً ليلةً خلتْ من ذي الحجّة . واشتدَّ الحالُ على أهلِ البلد، وأخافَ الدُّغَارُ والشُّطَّارُ
أهلَ الصلاح ، وخَربتِ الديار ، وثارتِ الفتنةُ بين الناس ، حتى قاتلَ الأخُ أخاهُ للأهواء المختلفة ، والابنُ
أباه ، وجرَتْ شرورٌ عَظيمة، واختلفتِ الأهواء ، وكَثُرَ الفسادُ والقتلُ داخلَ البلد .
وحجّ بالناس فيها العباسُ بن موسى بن عيسى الهاشميّ من قِبَلِ طاهر ، ودعا للمأمونِ بالخِلافة بمكّةً
والمدينة ، وهو أولُ مَوْسمٍ دُعي فيه للمأمون .
وفيها تُوفي :
بَقِيَّةُ بن الوليد الحِمصيُ(١) : إمامُ أهلِ حِمصَ وفقيهُها ومُحدِّثُها .
وحَفْصُ بن غِيَات القاضي(٢): عاش فوق التسعين، ولما احتُضر بكَى بعضُ أصحابه فقال له :
لا تبكِ ، والله ما حللتُ سراويلي على حرام قَطّ، ولا جلس بين يديّ خصمان فبالَيْتُ على منْ وقع الحُكم
عليه منهما ، قريباً كان أو بعيداً ، مَلِكاً أو سُوقَةً .
(١) ترجمته في تاريخ البخاري (١٥٠/٢)، الجرح والتعديل (٤٣٤/٢)، رجال مسلم (٩٩/١)، مولد العلماء
ووفياتهم لابن زبر (٢٧٢/١، ٤٤٠، ٤٤٤/٢)، تهذيب الكمال (١٩٢/٤)، المقتنى في سرد الكنى
(١٤٢/٢)، تذكرة الحفاظ (٢٨٩/١)، سير أعلام النبلاء (٥١٨/٨)، تهذيب التهذيب (٤١٦/١)، تقريب
التهذيب (١٢٦)، طبقات الحفاظ ( ١٢٦).
(٢) ترجمته في التاريخ الكبير (٢/ ٢٧٠)، الجرح والتعديل (١٨٥/٣)، معرفة الثقات للعجلي (٣١٠/١)، مولد
العلماء ووفياتهم (٤٣٧/١، ٤٤٠، و٦٢٥/٢)، مشاهير علماء الأمصار (١٧٢)، الثقات لابن حبان
(٢٠٠/٦)، رجال مسلم (١٤٤/١)، تهذيب الكمال (٥٦/٧)، تذكرة الحفاظ (٢٩٧/١)، سير أعلام
النبلاء (٢٢/٩)، تهذيب التهذيب (٣٥٨/٢)، تقريب التهذيب ( ١٧٣)، طبقات الحفاظ (١٣٠).

٥٣٣
أحداث سنة ١٩٧ هـ
وعبد الله بن مَرْزوقُ (١) أبو محمد الزاهد ، كان وزيراً للرشيد فترك ذلك كلَّه ، وتزَهَّدَ وأوْصَى عندَ موتِهِ
أن يُطرحَ قبلَ مَوْتِهِ على مَزْبلة ، لعلَّ الله أن يرحَمَه .
أبو الشّيص الشاعرُ(٢) محمد بن رَزِين بن سليمانُ(٣) كان إنشادُ الشعرُ(٤) وإنشاؤه ونظمُه أسهلَ عليه
من شُرب الماء . كذا قال ابنُ خَلِّكان وغيرُه(٥) . وكان هو ومسلم بن الوليد الملقَّب صَريع الغَوَاني ،
وأبو نواس ، ودِعْبِل، يجتمعونَ ويتناشدون . وقد عَمِيَ أبو الشِّيص في آخرِ عُمرِه . ومن جَيِّد شعرِه
قولُه :
متأخّرٌ عنه ولا مُتَقدَّمُ
وقَفَ الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي
حُبّاً لِذِكرِكِ فَلْيَلُمْني اللُّؤَّمُ
أجدُ الملامَةَ في هواكِ لذيذةٌ
إذْ كانَ حظّي منكِ حَقِّي منهمُ
أَشَبَهْتِ أعدائي فصِرتُ أُحبُّهِمْ
ما مَنْ يَهُونُ عليكِ ممَّن يُكْرَمُ(٦)
وأهَنْني فأهنتُ نفسي صاغراً
ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومئة
استُهلَّتْ هذه السنةُ وقد ألَّ طاهرُ بن الحسين وهَرْئمةُ بن أعْيَن ومنْ معَهما في حصارِ بغداد ،
والتضييقِ على الأمين ، وهرَبَ القاسمُ بن الرّشيد ، وعُّه منصورُ بن المهدي إلى المأمون ، فأكرَمَهما ،
وولَّى أخاهُ القاسمَ جُرْجان ؛ واشتدَّ حصارُ بغداد ، ونُصبَ عليها المَجَانيقُ والعَرَّادات ، وضاقَ الأمينُ بهم
ذَرْعاً، ولم يبقَ معه ما يُنفق في الجُنْد، فاضطُرَّ إلى ضَرْبٍ آنيةِ الفِضَّة والذَّهَبِ دراهمَ ودنانير ؛ وهرَبَ
كثيرٌ من ◌ُنده إلى طاهر ، وقُتل من أهلِ البلدِ خلقٌ كثير ، وأُخذتْ أموالٌ كثيرةٌ من التجّار ، وبعث الأمينُ
إلى قُصورٍ كثيرة ، ودورٍ شهيرةٍ مزخرفة، وأماكنَ ومَحالَّ كثيرة فحرَّقَها بالنار ، لمَّا رأى في ذلك من
ترجمته في الثقات لابن حبان (٣٤٥/٨)، صفة الصفوة (٣١٧/٢).
(١)
ترجمته في الأغاني (٤٣٢/١٦)، تاريخ بغداد (٤٠١/٥)، الفهرست (٢٣٠)، ديوان الحماسة (١٤٣/٢)،
(٢)
المنتظم لابن الجوزي ( ٣٣/١٠)، نزهة الألباب في الألقاب (٢٦٥/٢)، النجوم الزاهرة (١٥٢/٢).
وقيل : محمد بن عبد الله بن رَزين ، وقيل : رزين بن سليمان ، كنيته أبو جعفر . انظر نزهة الألباب في الألقاب
(٣)
(٢٦٥/٢) .
في (ق): ((كان أستاذ الشعراء، وإنشاء الشعر ... ))، وهو تصحيف، والمثبت من ( ب، ح ).
(٤)
لم أجد ترجمة لأبي الشيص في وفيات الأعيان ، ولم أجد فيه هذا النص ، وهذا القول منسوب لابن المعتز في
(٥)
الأغاني (١٦ / ٤٣٢، ٤٣٣).
الأبيات في ديوان أبي الشيص ص (١٠١). والأبيات أيضاً في ديوان الحماسة (٢/ ١٤٣، ١٤٤)، ولفظه :
(٦)
(( ممن أُكرمُ)) .

٥٣٤
أحداث سنة ١٩٧ هـ
المصلحة ، فعَلَ كلَّ هذا فِراراً من الموت ، ولِتدومَ الخلافةُ له فلم تَدُمْ ، وقُتل ، وخُرِّبَتْ ديارُه كما سيأتي
قريباً ، وفعَلَ طاهرٌ مثلَ ما فَعَلَ الأمين ، حتى كادتْ بغدادُ تخربُ بكمالِها ؛ فقال بعضُهم في ذلك :
ألم تكوني زماناً قُرَّةَ العَيْنِ
منْ ذا أصابَكِ يا بغدادُ بالعَيْنِ
وكان قُرْبُهمُ زَيْناً من الزَّيْنِ
ألم يكنْ فيكِ قومٌ كان مسكنُهم
ماذا لَقِيتُ بهم من لَوْعَةِ البَيْنِ
صاحَ الغُرابُ بهم بالبَيْنِ فافترقوا
إلَّا تحذَّرَ ماءُ العَيْنِ من عَيْني
أستودعُ الله قوماً ما ذکرْتُهُمُ
والدَّهْرُ يَصْدَعُ ما بين الفَرِيقَيْنُ(١)
كانوا ففَرَّقهم دَهْرٌ وصدَّعَهُمْ
وقد أكثر الشعراءُ في ذلك ، وقد أورد ابنُ جَرِير من ذلك طَرَفاً صالحاً ، وأورد في ذلك قصيدةً طويلةً
جدّاً ، فيها بَسْطُ ما وَقَعَ ، وهي هَوْلٌ من الأهوال، اختصرناها بالكلية(٢) .
واستحوذ طاهرٌ على ما في الضياع من الغَلأَّتِ والحواصلِ للأمراءِ وغيرِهم ، ودعاهم إلى الأمانِ
والبيعةِ للمأمون ، فاستجاب له جماعة ؛ منهم عبدُ الله بن حُميد بن فَخْطَبة ويحيى بن علي بن ماهان ،
ومحمد بن أبي العباس الطوسي ، وكاتَبَهُ خلقٌ من الهاشميِّين والأمراء ، وصارتْ قلوبُهم معَه ، واتفق في
بعضِ الأيامِ أنْ ظَفِرَ أصحابُ الأمينِ ببعضِ أصحابٍ طاهِر ، فقتلوا منهم طائفةً عند قَصْرٍ صالح ، فلما
سمع الأمينُ بذلك بَطِرَ وأشِر ، وأقبل على اللَّهْو والشُّرب واللَّعِب، ووَّل الأمورَ وتدبيرَها إلى محمد بن
عيسى بن نَهيك، ثم قَوِيتْ شوكةُ أصحابِ طاهر، وضَعُفَ جانبُ الأمين جدّاً ، وانحاز الناسُ إلى جيشٍ
طاهر ، وكان جانبُهُ آمِناً جدّاً، لا يخافُ أحدٌ فيه من سَرِقةٍ ولا نَهْبٍ ، ولا غيرَ ذلك، وقد أخذ طاهرٌ أكثرَ
مَحالٌ بغدادَ وأرباضِها ومَنَع الملاَّحينَ أن يحملوا طعاماً إلى منْ خالَفَه لِيُضيِّقَ عليهم، فغلَتِ الأسعارُ جدّاً
عند منْ خالفَه ، ونَدِم منْ لم يكنْ خرج من بغدادَ قبل ذلك ؛ ومُنعت التجارُ من القدوم إلى بغدادَ بشيءٍ من
البضائع أو الدقيق ، وصُرفتِ السُّفُن إلى البصرةِ وغيرِها وجرَتْ بين الفريقَيْن حروبٌ كثيرة ، فمن ذلك
وقعةُ دَرْبِ الحجارة ، كانتْ لأصحاب الأمين ، قُتل فيها خلقٌ من أصحابِ طاهر ، كان الرجلُ من
العيَّارين والحَرَافشة من البغادِدة، يأتي عُزْيانا ومعه بارِيَّةٌ مُقَيّرَة٣ً) ، وتحت كَتِفِه مِخلاةٌ فيه حجارة ، فإذا
ضربه الفارسُ من بعيدٍ بالسهم اتَّقاه ببارتَّتِهِ فلا يؤذيه ، وإذا اقترَبَ منه رماهُ بحجرٍ في المِقْلاع أصابه ؛
فهزموهم بذلك . ووَقْعُ الشَّمَّاسِيَّة ، أُسر فيها هَرْئَمة بن أعْيَنْ، فَشَقَّ ذلك على طاهر ، وأمر بعَقْدِ جسٍ
على دِجْلة فوق الشمَّاسيَّةِ ، وعَبَر طاهرٌ بنفسه ومنْ معه إلى الجانبِ الآخر ، فقاتلهم بنفسِه أشدَّ القتال ،
(١) الأبيات منسوبة في تاريخ الطبري (١٠٦/٥) إلى عمرو بن عبد الملك الورَّاق، وفيه زيادة، وساق خمسة الأبيات
أيضاً كما هنا في ( ٧٥/٥) .
(٢)
انظر تاريخ ابن جرير الطبري ( ٧٦/٥) وما بعدها .
((البارِيَّة)): الحصير المنسوج. والمقيَّر: المطلي بالقار. لسان العرب ( بور، قير).
(٣)

٥٣٥
وفيات سنة ١٩٧ هـ - أحداث سنة ١٩٨ هـ
حتى أزالَهم عن مواضعهم ، واستردَّ منهم هرثمةَ وجماعةً ممن كانوا أسروهم من أصحابه ؛ فشقَّ ذلك على
محمد الأمين وقال في ذلك :
إذا ما طال ليس كما يطولُ
مُنيتُ بأشجَعِ الثقلَيْنِ قلباً
يُشاهدُهُ ويعلمُ ما يقولُ
له معَ كُلِّ ذي بدَنٍ رقيبٌ
إذا ما الأمرُ ضَيَّعهُ الغفولُ(١)
فليس بمُغْفلٍ أمراً عِناداً
وضعف أمرُ الأمينِ جدّاً ولم يبقَ عنده مالٌ يُنفقهُ على جُنده ، ولا على نفسِه ، وتفرَّق أكثرُ أصحابِهِ
عنه ، وبقي مضطهَداً ذليلاً .
ثم انقضَتْ هذه السنةُ بكمالِها والناسُ في بغدادَ في قلاقلَ وزلازل وأهوِيَةٍ مختلفة ، وقتالٍ وحريق
وسرقات . فإنا لله وإنا إليه راجعون، وساءت بغدادُ فلم يبقَ فيها أحدٌ يردُّ عن أحد ، كما هي عادةُ الفتنة .
وحجَّ بالناس فيها العباسُ بن موسى بن عيسى الهاشمي ، ودعا للمأمون .
وفيها تُوفي من السادةِ الأعيان :
شُعيب بن حَرْب أحدُ الزُّمَّاد ،
وعبدُ الله بن وَهْب إمامُ أهلِ الديارِ المصرية ،
وعبدُ الرحمن بن مُشْهِر ، أخو عليٍّ بن مُسْهِر ،
وعثمان بن سعيد الملقَّب بوَرْش أحدُ القرّاء المشهورين الرواةِ عن نافع بن أبي نُعيم .
ووَكيع بن الجرَّاحِ الرُّؤَاسي أحدُ أعلام المحدِّثين . مات عن ستٍّ وستين سنة .
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومئة
فيها خامَرَ خُزيمة بن خازم على محمدٍ الأمين ، وأخذ الأمانَ من طاهر ، ودخل هَزْئمةُ بن أعْيَن من
الجانب الشرقي . وفي يوم الأربعاء لثمانٍ خلَوْنَ من المحرَّم وثَبَ خُزيمةُ بن خازم ومحمدُ بن علي بن
عيسى على جسرٍ بغداد فقطَعاه ونصَبًا رايتَهما عليه؛ ودعَوْا إلى بيعةِ عبدِ الله المأمون ، وخَلْعٍ محمدٍ
الأمين . ودخل طاهرٌ يومَ الخميس إلى الجانب الشَّرْقي ، فباشر القتالَ بنفسِه ، ونادَى بالأمانِ لمنْ لزم
مَنْزَله . وجرَتْ عند دارِ الرقيقِ والكَرْخِ وغيرِهما وقعات ؛ وأحاطوا بمدينةٍ أبي جعفر والخُلْد ، وقصرِ
زُبيدة ، ونصَبَ المجانيق حولَ السُّور وحذاءَ قصرٍ زُبيدة ، ورماهُ بالمنجنيق ، فخرج الأمينُ بأُمِّهِ وولَدِہ إلی
(١) الأبيات في تاريخ الطبري (٥/ ٨٧).

٥٣٦
كيفية مقتل الأمين
مدينةِ أبي جعفر ، وتفرَّق عنه عامَّة الناس في الطريق ، لا يَلْوي أحدٌ على أحد ، حتى دخل قصرَ
أبي جعفر ، وانتقل من الخُلْد لكثرةِ ما يأتيه فيه من رَمْي المنجنيق ، وأمَرَ بتحريقِ ما كان فيه من الأثاث ،
والبُسطِ والأمتعة، وغيرِ ذلك. ثم حُصر حَصْراً شديداً، ومع هذه الشِّدَّة والضِّيق ، وإشرافِهِ على الهلاك
خرج ذاتَ ليلةٍ في ضوءِ القمر إلى شاطىء دِجْلة ، واستدعى بنبيذٍ وجارية ، فغنَّتْه ، فلم ينطلق لسانُها إلَّا
بالفرَاقيَّاتِ وذكرِ الموت ، وهو يقول : غيرَ هذا. وتذكر نظيرَه حتى غنَّته آخرَ ما غنّتْه :
إنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَكِ
أما ورَبِّ السُّكونِ والحَرَكِ
دارَتْ نجومُ السماءِ في الفَلَكِ
ما اختلفَ الليلُ والنهارُ ولا
غارِ يُحبُّ الدُّنيا إلى مَلِكِ(١)
إلَّ لِنَقْلِ السلطانِ من مَلِكِ
ليس بفانٍ ولا بمُشْتَركِ(٢)
ومُلكُ ذي العرشِ دائمٌ أبداً
قال فسبَّها وأقامَها من عندِه ، فعثَرَتْ في قَدحِ كان له بِلَّوْر فكسرتْه فتطيَّرَ بذلك . ولما ذهبتِ الجاريةُ
سمع صارخاً يقول: ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١]. فقال لجليسِه: ويحك ألا تسمع ؟
فتسمَّع ، فلم يسمع شيئاً ، ثم عادَ الصوتُ بذلك ، فما كان إلَّ ليلةٌ أو ليلتان ، حتى قُتل في رابع صفر ،
يوم الأحد ، وقد حصل له من الجهد والضِّيق في حَصْرِه شيئاً كثيراً ، بحيثُ إنه لم يبقَ له طعامٌ يأَكلُه ، ولا
شراب ، فجاع ليلةً فما أُتي برغيفٍ ودجاجة إلَّ بعد شدَّةٍ عظيمة، ثم طلب ماءً فلم يوجدْ له . فبات
عطشان٣ً) ، فلما أصبح قُتل قبلَ أن يشرَبَ الماء .
كيفيةُ مَقْتَلِه
لما اشتدَّ به الأمر اجتمع عندَهُ مَنْ بَقِيَ من الأمراء والخدَم والجُند ، فشاورهم في أمرِه ، فقالتْ
طائفة : تذهَبُ بمنْ بَقِيَ معك إلى الجزيرةِ أو الشام ، فتتقوَّى بالأموال ، وتستخدمُ الرجال . وقال
بعضُهم : تخرُح إلى طاهر ، وتأخذُ منه أماناً وتُبايعُ لأخيك ، فإذا فعلتَ ذلك فإنَّ أخاكَ سيأمُرُ لك بما
يكفيكَ ويكفي أهلَكَ من أمرِ الدنيا ، وغايةُ مرادِك الدَّعَةُ والرَّاحة، وذلك يحصُّل لك تامّاً . وقال
بعضُهم : بل هَزْئمة أولى بأنْ يأخذَ لك منه الأمان ، فإنَّه مولاكم، وهو أحْنَى عليك . فمالَ إلى ذلك ؛
فلما كانتْ ليلةُ الأحد الرابع من صفر بعدَ عشاء الآخِرة واعَدَ هرثمةَ أنْ يخرجَ إليه ، ثم لبس ثيابَ الخلافةِ
في (ق): ((قد انقضى ملكه إلى ملك))، وفي تاريخ الطبري (٩٣/٥): ((عان بحب الدنيا إلى ملك)).
(١)
والمثبت من ( ب ، ح) .
الأبيات في تاريخ الطبري (٩٣/٥)، ورويت ضمن أبيات أخر فيه (٢٥٤٣/٤)، والكامل في التاريخ لابن الأثير
(٢)
(٤٠١/٥)، وبغية الطلب (١٤٩٢/٣).
(٣) كذا في الأصول، ويصح صرفه ، لأنه يقال في مؤنثه: عطشانة وعطشى. كما في لسان العرب (عطش).

٥٣٧
ترجمة الأمين
وطَيْلساناً، واستدعَى بولدَيْه فشمَّهما وضمَّهما إليه وقال: أستودِعُكما الله . ومسح دموعَه بطرَفِ كُمِّه ،
ثم ركب على فرسٍ سوداء ، وبين يديه شمعة، فلما انتهَى إلى هَرْئمة، أكرَمَهُ وعظّمه ، وركبا في حرَّاقةٍ
في دِجلة . وبلغ ذلك طاهراً ، فغَضِبَ من ذلك وقال : أنا الذي فعلتُ هذا كلَّه ويذهبُ إلى غيرِي ،
ويُنسب هذا كلُّهُ إلى هرثمة؟ فَلَحِقهما وهما في الحرَّاقة، فأمالهَا أصحابُهُ فَغَرِقَ منْ فيها ؛ غيرَ أنَّ محمداً
الأمين سبَحَ إلى الجانبِ الآخر ، وأسرَهُ بعضُ الجُند ، وجاء فأعلَمَ طاهراً ؛ فبعث إليه جُنداً من العجم ،
فجاؤوا إلى البيت الذي أوى إليه ، وعندَهُ بعضُ أصحابِهِ وهو يقول له : ادْنُ مِنِّي ، فإني أجدُ وحشةً
شديدة . وجعل يلتفُّ في ثيابه شديداً ، وقلبُهُ يخفقُ خفقاناً عظيماً كادَ يخرُجُ من صدرِه ، فلما دخل عليه
أولئك قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون. ثم دَنَا منه أحَدُهم فضرَبَهُ بالسيف على مَفْرِقٍ رأسِه ، فجعل يقول :
وَيْحَكم أنا ابنُ عمِّ رسول الله ◌ِوَّر، أنا ابنُ هارون، وأنا أخو المأمون، اللهَ اللهَ في دمي. فلم يلتفتُوا إلى
شيءٍ من ذلك ، بل تكاثروا عليه وذَبَحوهُ من قفاه ، وهو مكبوبٌ على وجهِه ، وذهبوا برأسِه إلى طاهر ،
وتركوا ◌ُثَّتَه ، ثم جاؤوا بُكْرَةً إليها ، فلقُّوها في جُلِّ فَرَس ، وذهبوا بها ، وذلك ليلةَ الأحد ، لأربع ليالٍ
خلَتْ من صفر من هذهِ السنة .
شيءٌ من ترجمته(١)
هو محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن
علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، أبو عبد الله ، ويقال أبو موسى الهاشمي العباسي ، وأمُّه أمّ
جعفر زُبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور . كان مولدُه بالرُّصافة سنةً سبعين ومئة .
قال أبو بكر بنُ أبي الدنيا: حدّثنا عباس(٢) بن هشام عن أبيه قال: ولد محمد الأمين بنُ هارون الرشيد
في شوال سنة سبعين ومئة . وأتته الخلافةُ بمدينة السلام بغداد لثلاثَ عشرةَ ليلةً بقيتْ من جمادى الآخرة
سنة ثلاثٍ وتسعين ، وقيل : ليلةَ الأحد لخمسٍ بَقِينَ من المحرَّم ، وقُتل سنةً ثمانٍ وتسعين ومئة ، قتله
قريش الدَّنْدَاني، وحمل رأسَهُ إلى طاهرِ بن الحسين ، فنصبه على رمح، وتلا هذه الآية: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ
مَلِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وكانت ولايتُهُ أربعَ سنين وسبعةً أشهر وثمانيةَ أيام . وكان طويلاً سميناً
أبيض، أَقْنَى الأنف، صغيرَ العينَيْن، عظيمَ الكراديس ، بعيدَ ما بينَ المَنْكِبَيْن ، وقد رماه بعضُهم بكثرةِ
(١) ترجمته في تاريخ بغداد ( ٣٣٦/٣)، المنتظم لابن الجوزي (٢١٨/٩)، سير أعلام النبلاء (٣٣٤/٩)، تاريخ
الخلفاء ( ٢٩٧ ) .
(٢) في (ق): عياش بن هشام، وهو تصحيف، وسقط الاسم من (ب) وليس الخبر في (ح)، والتصحيح من
تاريخ بغداد ( ٣٣٧/٣). وترجمة أبيه في لسان الميزان (١٩٦/٦)، وهو العباس بن هشام بن محمد بن السائب
الكلبي ، وهو شيخ لابن أبي الدنيا .

٥٣٨
ترجمة الأمين
اللعب والشُّرب، وقِلَّةِ الصلاة. وقد ذكر ابنُ جرير طرفاً من سيرته (١) في إكثاره من اقتناء السُّودان
والخِصْيَان ، وإعطائه الأموالَ والجواهر ، وأمْرِهِ بإحضارِ الملاهي والمغنِّين من سائر البلاد، وأنه أمَرَ
بعمَلِ خمسِ حرَّاقاتٍ على صورةِ الفيلِ والأسدِ والعُقاب ، والحيَّةِ والفرس ، وأنفق على ذلك أموالًا جزيلةً
جدّاً، وقد امتدَحَهُ أبو نواس بشعرٍ أقبحَ في معناه من صنيعِ الأمين ، فإنه قال في أوله :
سخَّرَ الله للأمينِ مطايا لم تُسَخَّرْ لصاحبِ المحرابِ
فإذا ما رِكابُهُ سِرْنَ بَرّاً سار في الماء راكباً ليثَ غابٍ(٢)
ثم وصف كلاًّ من تلك الحرَّاقات، واعتنى الأمين ببنايات هائلة، للنُّرْهَة وغيرِها ، وأنفق في ذلك
أموالاً كثيرةً جدّاً ، فكثُرَ النَّكيرُ عليه بسببِ ذلك .
وذكر ابنُ جرير(٣) أنَّه جلس يوماً في مجلس أنفق عليه مالاً جزيلاً في الخُلد ، وقد فُرش له بأنواع
الحرير ، ونُضِّد بآنيةِ الذهبِ والفضة، وأحضر نُدَماءه ، وأمر القَهْرَمانةَ أنْ تُهِّىء له مئةَ جاريةٍ حسناء ،
وأمرها أن تبعثَهن إليه عشراً بعد عشرٍ يُغَنِّيْنَه ، فلما جاءتِ العشرُ الأُوَل اندفَعْنَ يُغَنِّينَ بصوتٍ واحد :
همو قتلوهُ كي يكونوا مكانَهُ كما غدرَتْ يوماً بكِسْرَى مَرَازِيُّه
فغضب من ذلكَ وتَبَزَّم ، وضرب رأسَها بالكأس ، وأمر بالقَهْرمانة أنْ تُلقَى إلى الأسد فأكلها . ثم
استدعى بعشرةٍ فاندفَعْنَ يُغَنِّين :
فليأتِ نسوتَنا بوَجْهِ نَهارِ
مِنْ كان مسروراً بمقتلِ مالكٍ
يَلْطِمْنَ قبلَ تَبَلُّجِ الأسحارِ
يجدِ النساء حواسراً يَنْدُبْنَهُ
فطردَهُنَّ واستدعى بعشرٍ غيرِهنّ ، فلما حضَرْنَ اندفَعْنَ يُغَنِّينَ بصوتٍ واحد :
كُلِيبٌ لعَمْرِي كان أكثرَ ناصراً وأيسَرَ ذنباً منكَ ضُرِّجَ بِالدَّمِ
فطرَدَهنَّ وقام من فورِه ، وأمر بتخريبِ ذلك المجلس ، وتحريقٍ ما فيه .
وذكر(٤) أنه كان كثيرَ الأدب ، فصيحاً يقولُ الشعر، ويُعطي عليه الجوائزَ الكثيرة ، وكان شاعرُه
أبا نواس ، وقد قال فيه أبو نُوَاس مدائحَ حساناً ، وقد وجدَهُ مسجوناً في حبسِ الرشيدِ مع الزنادقة ،
فأحضرَهُ وأطلقه ، وأطلق له مالاً وجعلَهُ من ندمائه . ثم حبسه مرَّةً أخرى في شرب الخمر ، وأطال
انظر تاريخ الطبري ( ١١٠/٥) وما بعدها .
(١)
(٢)
البيتان في ديوان أبي نواس ص (٨٣).
في تاريخه تاريخ الطبري (١١٣/٥، ١١٤).
(٣)
يعني الطبري في تاريخه (١١٤/٥) وما بعدها .
(٤)

٥٣٩
ترجمة الأمين
حبسَه، ثم أطلقَهُ وأخذ عليه العهدَ أن لا يشرب الخمر ، ولا يأتي الذُّكور من المُزْدان ، فامتثل ذلك ،
وكان لا يفعلُ شيئاً من ذلك بعدَ ما استتابه الأمين . وقد تأذَّب على الكِسَائي ، وقرأ عليه القرآن . وروى
الخطيبُ من طريقِه (١) حديثاً أورده عنه لَمَّا عُزِّي في غلام له تُوفي بمكة فقال : حدثني أبي عن أبيه ، عن
المنصور ، عن أبيه ، عن علي بن عبدِ الله، عن أبيه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ لَّيقول: ((مَنْ ماتَ مُحْرِماً
حُشِرَ مُلَبِّياً )(٢)
وقد قدَّمنا ما وقع بينه وبين أخيه من الاختلاف والفُرقة حتى أفضى ذلك إلى خَلْعِه وعَزْله ، ثم إلى
التضييق عليه، ثم إلى قتله ، وأنه حُصر في آخر أمرِه حتى احتاج إلى مُصانعةِ هَرْئَمة ، وأنه أُلقي في حرَّاقة
ثم أُلقي منها فسبح إلى الشطِّ الآخر ، فدخل دارَ بعضِ العامَّة ، وهو في غاية الخوف والدَّهَشِ والجوعِ
والعُزي ، فجعل الرجلُ يُلقِّنه الصبرَ والاستغفار ، فاشتغل بذلك ساعةً من الليل ، ثم جاء الطلَبُ وراءه منَ
جهةٍ طاهرِ بن الحسين بن مُصْعب ، فدخلوا عليه وكان البابُ ضيقاً ، فتدافعوا عليه ، وقام إليهم فجعَلَ
يُدافعُهم عن نفسِه بِمخدَّةٍ في يدِه ، فما وصلوا إليه حتى عرقبوه ، وضربوا رأسَه أو خاصرتَهُ بالسيوف ، ثم
ذبحوه وأخذوا رأسَه وجُثَّته ، فأتَوْا بهما طاهراً ، ففَرِح بذلك فرحاً شديداً، وأمر بنَصْبِ الرأسِ فوقَ رُمْحٍ
هناك ، حتى أصبح الناسُ فنظروا إليه فوق الرمح عند بابِ الأنبار . وكثر عددُ الناس ينظرون إليه ، ثم بعث
طاهرٌ برأسِ الأمينِ مع ابنِ عمِّه محمد بن مصعب ، وبعث معه بالبُزْدَةِ والقضيبِ والنَّعْل ، وكان من خُوصٍ
مُبَطَّن ، فسلَّمَهُ إلى ذي الرِّيَاستَيْن ، فدخل به على المأمون على تُرْس ، فلما رآه سجد ، وأمر لمن جاء به
بألف ألفِ درهم . وقد قال ذو الرياستَيْن حين قدم الرأس يُؤْلِّب على طاهر : أمرناه بأن يأتيَ به أسيراً ،
فأرسل به إلينا عَقِيراً ! فقال المأمون : مضى ما مضى ، وكتب طاهرٌ إلى المأمون كتاباً ذكرَ فيه صورةً
ما وقع حتى آلَ الحالُ إلى ما آلَ إليه . ولما قُتل الأمين هدَأتِ الفِتَن ، وخمدتِ الشرور ، وأمن الناس ،
وطابتِ النفس ، ودخل طاهر بغدادَ يومَ الجمعة ، وخطبهم خُطبةً بليغة ، ذكر فيها آياتٍ كثيرةً من القرآن ،
وأنَّ الله يفعَلُ ما يشاء ، ويحكُمُ ما يُريد ، وأمرهم فيها بالجماعةِ والسمع والطاعة ، ثم خرج إلى معسكرهِ
فأقام به ، وأمر بتحويلٍ زُبيدةَ من قصرِ أبي جعفر إلى قصر الخُلد ، فخرجتْ يومَ الجمعةِ الثاني عشر من
ربيع الأول من هذه السنة ، وبعث بموسى وعبدِ الله ابنَي الأمين إلى عمِّهما المأمون بخراسان ، وكان ذلك
رأياً سديداً . وقد وثب طائفة من الجند على طاهر بعدَ خمسةٍ أيام من مقتلِ الأمين ، وطلبوا منه أرزاقَهم ،
فلم يكنْ عندَهُ إذْ ذاك مال ، فتحزَّبوا واجتمعوا ، ونَهبوا بعضَ متاعِه ، ونادَوا : يا موسى ، يا منصور ،
واعتقدوا أنَّ موسى بن الأمين الملقَّب بالناطق هناك، وإذا هو قد سيَّرَهُ إلى عمِّه . وانحاز طاهرٌ بِمَنْ معه
من القوَّاد ناحيةً ، وعزَمَ على قتالِهِم بِمَنْ معه . ثم رجعوا إليه واعتذروا ونَدِموا . فأمر لهم برِزْقِ أربعة
(١) في تاريخ بغداد (٣٣٨/٣).
(٢) وذكره المناوي في فيض القدير (٢٢٥/٦)، وعزاه إلى الخطيب، وهو حديث ضعيف.

٥٤٠
خلافة المأمون بن الرشيد - وفيات سنة ١٩٨ هـ ـ أحداث سنة ١٩٩ هـ
أشهر بعشرينَ ألف دينار ، اقترَضَها من بعضِ الناس ، فطابتِ الخواطر . ثم إنَّ إبراهيم بن المهدي قد
أسِفَ على قَتْلِ محمدِ الأمينِ بن زُبيدة، ورثاهُ بأبيات، فبلغ ذلك المأمون، فبعث إليه يُعنِّفُه ويَلُومُه على
ذلك . وقد ذكر ابنُ جرير مراثِيَ كثيرةً للناس في الأمينُ(١) ، وذكر من أشعارِ الذين هجَوْه طرَفاً ، وذكر من
شعر طاهر بن الحسين حين قتله قوله :
وقَتَّلْتَ الجبابرةَ الكِبَارا
ملكتَ الناسَ قَسْراً واقتِدارا
إلى المأمونِ تبتدرُ ابتِدَارا
ووجَّهْتَ الخلافةَ نحوَ مَزْوٍ
خلافة عبد الله المأمون بن الرشيد هارون
لما قُتل أخوه محمد في رابع صفر من سنةٍ ثمان وتسعين ومئة ، وقيل في المحرم استَوْسَقَتِ البيعةُ
شرقاً وغرباً للمأمون عبد الله بن الرشيد ، فولَّى الحسنَ بن سهل نيابةَ العِراق وفارس والأهواز والكوفة
والبصرة والحجاز واليمن ، وبعثَ نُوَّابَهُ إلى هذه الأقاليم ، وكتب إلى طاهرٍ بن الحسين وهو ببغداد أنْ
ينصرفَ إلى الرَّقَّة لِحَرْبِ نَصْر بن شَبَك، وولَّاه نيابةَ الجزيرةِ والشام والموصل والمغرب ، وكتب إلى
هَرْثَمَة بِنِ أعْيَن بِنِيَابِةِ خُراسان .
وفيها حَجَّ بالناس العباسُ بن موسى بن عيسى الهاشمي .
وفيها تُوفي :
سفيان بن عيينة .
· وعبدُ الرحمن بن مهدي .
ويحيى بن سعيد القطّان .
فهؤلاء الثلاثة سادةُ العلماءِ في الحديثِ والفِقْه وأسماءِ الرجال .
ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومئة
فيها قَدِم الحسنُ بن سهل بغدادَ نائباً عليها من جهةِ المأمون، ووجَّه نُوَّابَهُ إلى بقيةِ أعمالِه . وتوجَّه
طاهرٌ إلى نيابَةِ الجزيرةِ والشام وبلاد المغرب . وسار هَرْثَمةُ إلى خراسانَ نائباً عليها . كان قد خرج في
أواخرِ السنة الماضية في ذي الحِجَّة منها الحسن بن الهرش (٢) يدعو إلى الرِّضًا من آلِ محمد، فجَبَى
(١) انظر تاريخ الطبري (١٠٥/٥) وما بعدها .
(٢) كذا في (ب، ح)، وفي (ق) وتاريخ الطبري (١٢١/٥): ((الحسن الهرش)).