النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ ترجمة هارون الرشيد وروى ابنُ عساكرُ(١) ، عن إبراهيم المهدي قال : كنتُ يوماً عند الرَّشيد ، فدعا طبَّاخَهُ فقال : أعندَك في الطعام لَحمُ جَزُور ؟ قال : نعم ، ألوانٌ منه . فقال : أحضِرْهُ مع الطعام . فلما وُضع بين يديه أخَذَ لقمةً منه فوضَعَها في فيه ، فضَحِك جعفرٌ البرمكي، فترك الرشيدُ مضْغَ اللُّقمةِ وأقبل عليه فقال : ممَّ تضحك ؟ قال : لا شيء يا أميرَ المؤمنين ، ذكرتُ كلاماً بيني وبين جاريتي البارحة . فقال له : بِحَقِّي عليكَ لَمَّا أخبرتني به . قال: حتى تَأْكُلَ هذه اللُّقمة. فألقاها من فيه وقال : والله لتخبرَنِّي . فقال: يا أمير المؤمنين ، بكم تقولُ إنَّ هذا الطعام من لحم الجزور يقومُ عليك ؟ قال : بأربعةِ دراهم . قال : لا والله يا أمير المؤمنين ، بل بأربع مئة ألفِ درهم . قال : وكيف ذلك ؟ قال : إنك طلبتَ من طبّاخِك لحمَ جزورٍ قبلَ هذا اليوم بمدَّةٍ طويلة ، فلم يوجدْ عندَه ، فقلت : لا يخلوَنَّ المطبخُ من لحمٍ جزور . فنحنُ نَنْحَرُ كلَّ يومٍ جَزوراً لأجلِ مطبخٍ أميرِ المؤمنين ، لأنَّا لا نشتري من السوق لحمَ جزور ، فَصُرف في لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا أَربعُ مئة ألف درهم ، ولم يطلُبْ أميرُ المؤمنين لحمَ جَزورٍ إلَّ هذا اليوم . قال جعفر : فضحكتُ ، لأنَّ أميرَ المؤمنين إنما نالَهُ من ذلك هذه اللُّقمة ، فهي على أمير المؤمنين بأربع مئة ألف . قال : فبكى هارون الرشيد بكاءً شديداً ، وأمَرَ برَفْع السِّمَاطِ من بين يديه ، وأقبل على نفسِهِ يُوبِّخُها ويقول : هلكتَ والله يا هارون ، ولم يزَلْ يبكي حتى آذنَهُ المؤذِّنون بصلاةِ الظُّهر ، فخرج فصلَّى بالناسِ ثم رجَعَ يبكي حتى آذنَهُ المؤذِّنون بصلاةِ العصر . وقد أمرَ بألفَيْ ألفٍ تُصرف إلى فقراء الحرمَيْن، في كلِّ حَرَمٍ ألفُ ألف صدَقة ؛ وأمر بألفَيْ ألفٍ يُتصدَّق بها في جانبي بغداد الغربي والشرقي، وبألفِ ألفٍ يُتصدَّق بها على فقراء الكوفة والبصرة . ثم خرج إلى صلاةِ العصر ، ثم رجع يبكي حتى صلَّى المغرب ، ثم رجع ، فدخل عليه أبو يوسف القاضي فقال : ما شأنُكَ يا أميرَ المؤمنين باكياً في هذا اليوم ؟ فذكر أمرَهُ وما صرَفَ من المال الجزيلِ لأجلِ شهوتِهِ ، وإنما نالَهُ منها لقمة . فقال أبو يوسف لجعفر : هل كان ما تَذْبحونَهُ من الجزور يَفْسُدُ أو يأكلُهُ الناس ؟ قال: بل يأكلُهُ الناس . فقال: أبشِرْ يا أميرَ المؤمنين بثوابِ الله فيما صرَفْتَهُ من المالِ الذي أكلَهُ المسلمون في الأيام الماضية ، وبمَا يسَّرَهُ الله عليك من الصدقة ، وبما رزقك الله من خشيتِه وخَوْفِه في هذا اليوم ، وقد قال تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّنَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. فأمَرَ له الرشيد بأربعٍ مئةٍ ألف . ثم استدعَى بطعام ، فأكل منه فكان غَدَاؤه في هذا اليوم عشاءً . وقال عمرو بنُ بحر الجاحظ : اجتمع للرَّشيدِ من الجِدِّ والهَزْلِ ما لم يجتمعْ لغيرِه من بعدِه ؛ كان أبو يوسف قاضيَه، والبرامكةُ وزراءَه، وحاجبُه الفضلُ بن الربيع ، أنْبُهُ الناسِ وأشدُهم تعاظُماً ؛ ونَديمه عمُّه (١) ليست ترجمة هارون الرشيد فيما طبع من تاريخ ابن عساكر، ويبدو أنها في الأجزاء المفقودة منه ، وهذا الخبر ، أورده ابن منظور في مختصره لتاريخ ابن عساكر ( ١٣/٢٧ _ ١٥). ٥٠٢ ترجمة هارون الرشيد العباس بن محمد صاحب العباسيَّة ، وشاعره مروان بن أبي حفصة ، ومُغنِّيه إبراهيم الموصلي واحد عَصْرِهِ في صناعته ، ومُضْحِكه ابن أبي مريم ، وزامره بَرْصُوما ، وزوجته أم جعفر - يعني زُبيدة - وكانتْ أرغبَ الناس في كلِّ خير ، وأسرعَهُمْ إلى كلِّ بِزَّ ومعروف ، أدخلتِ الماءَ الحرَم بعد امتناعِه من ذلك . إلى أشياء من المعروف أجراها الله على يدِها١) . وروى الخطيبُ البغدادي(٢)، أنَّ الرشيد كان يقول: إنَّا من قومٍ عَظمُتْ رَزِيَتُهم، وحَسُنتْ بَقِيَّتُهُمُ(٣)، وَرِثْنَا رسولَ الله ◌َّةِ ، وبقيت فينا خلافةُ الله . وبينما الرشيدُ يطوفُ يوماً بالبيت إذْ عَرضَ له رجلٌ فقال : يا أميرَ المؤمنين ، إني أريدُ أنْ أُكلِّمكَ بكلام فيه غِلْظة. فقال: لا، ولا نعْمَةَ عَيْنُ(٤)، قد بعث الله منْ هو خيرٌ منكَ إلى من هو شرٌّ مِنِّي، فأمرَهُ أن يقول له: ﴿قَوْلاً لََّ﴾ [ ص: ٤٤]. وعن شُعيب بن حَرْب قال : رأيتُ الرشيدَ في طريق مكة ، فقلتُ في نفسي : قد وجَبَ عليك الأمرُ بالمعروف والنَّهي عن المنكر ، فخوَّفَتْني فقالت: إنه الآن يضربُ عُنقَك . فقلت: لابدَّ من ذلك. فنادَيْتُهُ فقلت : يا هارون ، قد أتعبتَ الأمَّة والبهائم . فقال : خذوه . فأُدخلتُ عليه وفي يَدِهِ لُثِّ من حديد(٥) يلعبُ به ، وهو جالسٌ على كُرسيّ، فقال : ممَّنِ الرجل ؟ فقلت : رجلٌ من المسلمين . فقال : ثَكِلَتْكَ أمُّك ؟ ممَّنْ أنت ؟ فقلت : من الأنبار . فقال: ما حملك على أنْ دعوتَني باسمي ؟ قال : فخطر ببالي شيءٌ لم يخطُرْ قبلَ ذلك . فقلت : أنا أدعو اللهَ باسمه يا الله ، أفلا أدعوكَ باسمك ؟ وهذا الله سبحانه قد دعا أحبَّ خلقِهِ إليه باسمه محمد٦)، وكنَّى أبغضَ خَلْقِهِ إليه فقال: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ﴾ . فقال الرشيد : أخرجُوه ، أخرِجُوه . وقال له ابن السَّماكِ يوماً : إنك تموتُ وحدَك، وتدخُلُ القبرَ وحدَك، وتُبعثُ منه وحدَك ، فاحذَرٍ (١) الخبر في تاريخ بغداد (١٤ / ١١). (٢) في تاريخ بغداد (٨/١٤). في ( ق ): (( بعثتهم )) ، وهو تصحيف ، والمثبت من ( ب ، ح ) وتاريخ بغداد. (٣) ولا نعمة عين : أي لا أفعل ذلك كرامةً لك ، وإنعاماً بعينك . قال سيبويه : نصبوا كل ذلك على إضمار الفعل (٤) المتروك إظهاره . انظر لسان العرب ( نعم ) . (٥) في مختصر تاريخ ابن عساكر : وبيده عمود يلعب به . واللُّتّ - بضم اللام - : نوعٌ من آلةِ السلاح، معروفٌ في زماننا؛ وهو لفظً مولَّد، ليس من كلام العرب، ولم أره في شيءٍ مما صُنِّف في المعرَّب . وأخبرني الشيخ أبو الحسين علي بن أحمد بن عبد الواحد أنه قرأه على المصنِّف بالضَّمّ ، فينبغي أن يُقرأ مضموماً كما يقوله الناس . اهـ . المطلع على أبواب المقنع لمحمد بن أبي الفتح البعلي المتوفّى ( ٧٠٩هـ) ص (٣٥٧). (٦) في (ق) قبل ذكر محمد: ((بأسمائهم: يا آدَمُ، يا نُوحُ، يا هُودُ، يا صالحُ، يا إبراهيمُ يا موسى، يا عيسى))، والمثبت من ( ب، ح) ومختصر تاريخ ابن عساكر (١٩/٢٧). ٥٠٣ ترجمة هارون الرشيد المقامَ بين يدي الجبّارُ(١)، والوقوفَ بين الجنةِ والنار، حين يُؤْخَذُ بالكَظَمُ(٢)، وتَزِلُّ القدَم ، ويَقَعُ النَّدَمِ ؛ فلا توبةٌ تُقبل ، ولا عَثْرَةٌ تُقال، ولا يُقبل فداءٌ بمال . فجعل الرشيدُ يبكي حتى عَلا صوتُه . فقال يحيى بن خالد له : يا بنَ السمَّاك، لقد شقَقْتَ على أميرِ المؤمنين الليلة . فقام فخرج من عندِه وهو يبكي . وقال له الفضيل بن عياض - في كلام كثير ليلةَ وعظِه بمكة - : يا صَبيحَ الوَجْه ، إنك مسؤول عن هؤلاء كلِّهم ؛ وقد قال تعالى: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]. قال: حدّثنا ليث، عن مجاهد ، قال : الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا . فبكى حتى جعل يَشْهَق . وقال الفُضَيل : استدعاني الرشيدُ يوماً وقد زخرَفَ منازلَه، وأكثرَ الطعامَ والشرابَ واللذَّاتِ فيها ، ثم استدعَى أبا العتاهيةِ فقال له : صِفْ لنا ما نحنُ فيهِ من العيشِ والنَّعيم . فقال : عِشْ ما بَدَا لك سالِماً في ظلِّ شاهقةِ القُصُورِ ـتَ لَدَى الرواحِ إلى البُكُورِ تَسْعَى عليك بما اشتهَيْـ عن ضيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدُورِ فإذا النفوسُ تقَعْقَعَتْ فهناكَ تعلَمُ مُوقناً ما كنتَ إلَّ في غُرورٍ(٣) قال : فبكى الرشيدُ بكاءً كثيراً شديداً . فقال له الفضلُ بن يحيى: دعاكَ أميرُ المؤمنين لِتَسُرَّهُ فأحزَنْتَهُ! فقال له الرشيد : دَعْهُ ، فإنَّهُ رآنا في عَمَّى. فكره أن يزيدَنا عَمى. ومن وجهٍ آخر ، أنَّ الرشيد قال لأبي العتاهية : عِظْني بأبياتٍ من الشعرِ وأوجِزْ . فقال : لا تأمَنِ الموتَ في طَرْفٍ ولا نَفَسِ ولو تَمنَّعْتَ بالحُجَّابِ والحَرَسِ لكلِّ مُذَّرِعِ منها ومُتَّرِسٍ واعلَمْ بأنَّ سهامَ الموتِ صائبةٌ إنَّ السفينةَ لا تَجْري على اليَبَسِ (٤) تَرْجو النجاةَ ولم تَسْلُكَ مسالِكَها قال : فخرَّ الرشيدُ مَغْشياً عليه . وقد حَبَسَ الرشيدُ مرَّةً أبا العَتاهية ، وأرصَدَ عليه منْ يأتيهِ بما يقول : فكتبَ مرَّةً على جدارِ الحبس : (١) في (ق): ((بين يدي الله عزَّ وجلَّ))، والمثبت من ( ب، ح). (٢) الكَظَم: مَخْرَج النفَس. يقال: كَظَمني فلان وأخذ بكَظمي . وأخذ بكَظَمه أي بحَلْقِه ؛ ويقال : أخذت بكَظَمه : أيٍ بِمَخْرَج نَفَسه ، والجمع كِظام . وفي الحديث : لعلَّ الله يصلح أمر هذه الأمة ولا يؤخذ بأكظامها ؛ هي جمع كَظَم ، بالتحريك ، وهو مخرج النفَس من الحلق . لسان العرب ( كظم ) . (٣) الأبيات في ديوان أبي العتاهية ص ( ١٦٣). الأبيات في ديوان أبي العتاهية ص (٢٣٠). (٤) ٥٠٤ ترجمة هارون الرشيد وما زال المُسيءُ هو الظَّلُومُ أما واللهِ إنَّ الظُّلمَ شُومُ وعندَ الله تَجتمعُ الخُصومُ(١) إلى دَيَّنِ يومِ الدِّينِ نَمْضي قال : فاستدعاهُ واستجعله في حِلّ ، ووهبَهُ ألفَ دينارٍ وأطلقَه . وقال الحسين بن الفهم(٢): حدّثنا محمد بن عباد، عن سفيان بن عيينة قال : دخلتُ على الرشيد فقال : ما خبَرُك ؟ فقلت : بعينِ الله ما تُخْفي البيوتُ فقد طال التَّحمُّل والسكوتُ فقال : يا فلان ، مئة ألفٍ لابنِ عُيينة تُغْنيه وتُغْنِي عَقِبَه، ولا تضُرُّ الرشيدَ شيئا٣ً). وقال الأصمعي : كنتُ مع الرشيدِ في الحج ، فمرَرْنا بوادٍ ، فإذا على شفيرِهِ امرأةٌ صَبيَّةٌ حسناء ، بين يدَيْها قصعة ، وهي تأكلُ منها وهي تقول : ورَمَتْنا حوادثُ الأيَّامِ طَحْطَحَتْنَا طَحَاطِحُ الأعوامِ نائلاتٍ لِزادِكُمْ والطَّعَامِ فأتيناكُمُ نَمُدُّ أَكُفّأَ أيُّها الزائرونَ بيتَ الحرامِ فاطلُبُوا الأجْرَ والمثوبَةَ فينا فارْحَمُوا غُرْبَتَي وذُلَّ مَقَامِي مَنْ رآني فقد رآني ورَحْلي قال الأصمعي : فذهبتُ إلى الرشيد ، فأخبرتُهُ بأمرِها ، فجاء بنفسِهِ حتى وقف عليها ، فسمعَها ، فَرَحِمَها وبكى ، وأمَرَ مسروراً الخادمَ أنْ يَملأ قصعتها ذهباً ، فملأها حتى جعلَتْ تَفِيضُ يميناً وشِمالا٤ً). وسمع مرَّةً الرشيدُ أعرابيّاً يَحْدو إبلَهُ في طريق الحج : أُيُها المُجمِعُ هَمّاً لا تُهَمّ إنك إنْ تُقْضى لكَ الحُمَّى تُحَمْ حُطَّتِ الصِّحَّةُ منكَ والسَّقَمُ، كيف توَقِّكَ وقد جَفَّ القَلَمْ (١) الأبيات والخبر في ديوان أبي العتاهية ص (٣٩٨). وتنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب ، وهي في ديوانه ص ( ١١٣). (٢) في (ق): ((الحسن بن أبي الفهم))، وهو تصحيف والمثبت من (ب، ح )؛ ولم أقف على ترجمة له ، ولكن له ذكر وهو راوي كتاب (( الطبقات الكبير)) لابن سعد ، وفي المطبوع منه زيادات عى ابن سعد طبعت مع النص . وهو أبو علي الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن الفهم. انظر طبقات ابن سعد ( ٥٤٢/٣، ٣٥٧/٧) ، وتهذيب الكمال (١٢٩/٢، و١٥/٣، ١٥٩، و٣٠١/٨، و١٨٠/١٧، و٢١٢/٣١). مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٢٣/٢٧). (٣) انظر مختصر ابن عساكر لابن منظور (٢٣/٢٧، ٢٤). (٤) (٥) الخبر والبيتان في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٢٤/٢٧)، وقد روى ابنُ قتيبة البيتين في تأويل مختلف = ٥٠٥ ترجمة هارون الرشيد فقال الرشيدُ لبعض خدَمِه : ما معَك؟ قال : أربعُ مئة دينار . فقال : ادفَعْها إلى هذا الأعرابي . فلما قبضَها ضرَبَ رفيقُهُ بيدِهِ على كتفه وقال متمثّلاً : وكنتَ جليسَ قعقاعِ بن عمروٍ ولا يَشْقَى بقعقاعِ جليسُ فأمر الرشيدُ بعضَ الخدم أن يُعْطَى المتمثّلُ ما معه من الذهب ، فإذا معه مئتا دينار . قال أبو عُبيد : إنَّ أصلَ هذا المثل ، أنَّ معاويةَ بنَ أبي سفيان أُهديَتْ له هديّة ، جاماتٌ من ذهَب ، ففرَّقَها على جُلسائه ، وإلى جانبِهِ قعقاعُ بن عمرو ، وإلى جانبِ القعقاعِ أعرابيٌّ لم يَفْضُلْ له منها شيء ، فاطرق الأعرابيُّ حياءً . فدفَعَ إليه القعقاعُ الجامَ الذي حصلَ له ، فنهض الأعرابيُّ وهو يقول : وكنتَ جليسَ قعقاعٍ بن عمرٍو ولا يَشْقَى بقعقاعِ جليسُ وخرج الرشيدُ يوماً من عندِ زُبيدةَ ابنةِ عمِّه وهو يضحك ، فقيل له : مِمَّ تضحكُ يا أميرَ المؤمنين ؟ فقال : دخلتُ اليومَ إلى هذه المرأة - يعني زوجته زُبيدة - فأكلتُ عندَها ونِمت، فما استيقظتُ إلَّ على صَوْتِ ذهبٍ يُصَبّ ، فقلتُ : ما هذا ؟ قالوا : هذه ثلاثُ مئةِ ألفِ دينار قَدِمَتْ من مِصر . فقالتْ زُبيدة : هَبْها لي يا ابنَ عَمّ . فقلت : هي لكِ . ثم ما خرَجْتُ حتى عَرْبَدَتْ عليَّ وقالت : أيّ خيرٍ رأيتُه منك؟ !. وقال الرشيدُ مرَّةً للمُفَضَّل الضَّبِّيّ : ما أحسَنُ ما قيل في الذئب ؟ ولك هذا الخاتم ، وشراؤه ألفٌ وست مئة دينار . فأنشد قولَ الشاعر(١): ينامُ بإحدَى مُقلتَيْهِ ويَتَّقِي بأخرى الرَّزَايا فهو يقظانُ هَاجِعُ(٢) فقال : ما قلتَ هذا إلا لتَسْلُبَنا الخاتم . ثم ألْقَاهُ إليه، فبعثَتْ زُبيدة فاشترَتْهُ منه بألفٍ وست مئةٍ دينار، وبعثَتْ به إلى الرشيد وقالت: إني رأيتُكَ مُعجَباً به، فرَدَّهُ إلى المفضَّل والدنانير، وقال: ما كنَّا لِنَهَبَ شيئاً ونرجعَ فيه . وقال الرشيدُ يوماً للعباسِ بن الأحنف : أيُّ بيتٍ قالتِ العَربُ أرقّ ؟ فقال: قولُ جميلٍ في بُثَينة : ألا ليتَني أعمَى أصَمُّ تقودُني بثينَةُ لا يَخْفَى عليَّ كلامُها فقال له الرشيد : أرَقُّ منه قولُكَ في مثلِ هذا : الحديث ص ( ٢٨)، ونسبها إلى بعض الرجاز ، ولفظه : = يا أيها المضمر هماً لا تُهِمْ إنك إنْ تُقْدَرْ لك الحمّى تُحَمْ كيف تَوَقِّكَ وقد جَفَ القَلَمْ ولو علوت شاهقاً من العلمْ هو الشاعر المخضرم حُميد بن ثور الهلالي والبيت في ديوانه ص (٥٦). (١) (٢) فى (ق): ((يقظان نائم))، ورواية الديوان: ((بأخرى الأعادي)). والمثبت من ( ب، ح ). ٥٠٦ ترجمة هارون الرشيد طاف الهوَى في عبادِ الله كلَّهم حتى إذا مرَّ بي من بينِهِم وَقَفا فقال له العباس : فقولك يا أميرَ المؤمنين أرَقُّ من هذا كُلِّه: وأنَّ الناسَ كلَّهُمُ عَبِيدي أما يَكْفيكِ أنّكِ تَمْلِكيني لقلتُ من الهوى أحسنتِ زِيدي وأنك لو قطعتِ يَدِي ورِجْلي قال : فضحك الرشيد وأعجبه ذلك . ومن شعر الرشيد في ثلاثِ حظِيَّاتٍ كُنَّ عندَهُ من الخواصّ قولُه : وحَلَلْنَ من قلبي بكلِّ مَكَانٍ مَلَكَ الثلاثُ الناشئاتُ عِنَاني وأُطِيعُهنَّ وهُنَّ في عِصْيَاني مالي تطاوِعُني البريَّةُ كلُّها وبِهِ قَوِينَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطاني ما ذاك إلَّا أنَّ سلطانَ الهَوَى وما أورد له صاحبُ ((العِقْد )) في كتابه(١) : تُبْدِي الصدودَ وتُخْفي الحبَّ عاشقةٌ فالنفسُ راضيةٌ والطَّرْفُ غَضْبَانُ وذكر ابنُ جرير وغيرُه أنه كان في دارِ الرشيد من الجواري والحظايا وخدَمِهِنَّ وخدَم زوجتِه وأخَوَاتِه أربعةُ آلافِ جارية ، وأنَّهنَّ حضَرْنَ يوماً بين يديه ، فغنَتْهُ المطرِباتُ منهنّ، فطَرِبَ جدّاً، وأمَرَ بمالٍ فَيُثِرِ عليهن . وكان مبلَغُ ما حصل لكلِّ واحدةٍ منهنَّ ثلاثةَ آلافِ درهم في ذلك اليوم . رواه ابن عساكر (٢) . أيضاً(٢) ورَوَى(٣) أنه اشترى جاريةً من المدينة فأُعجب بِها جدّاً، فأمَرَ بإحضار مواليها ومَنْ يَلُوذُ بها ليقضي حوائجَهم . فقَدِموا عليه بثمانينَ نفساً ، فأمر الحاجبَ - وهو الفضل بن الربيع - أن يتلقَّهم ويكتبَ حوائجَهم . فكان فيهم رجلٌ ، قد أقام بالمدينة لأنه كان يَهْوَى تلك الجارية ، فبعثَتْ إليه ، فأتى به ، فقال له الفضل : ما حاجتك ؟ قال : حاجتي أن يُجلِسَني أميرُ المؤمنين مع فلانة ، فأشربَ ثلاثةَ أرطالٍ من خمرٍ . وتُغَنِّيني ثلاثةَ أصوات . فقال : أمجنونٌ أنت ؟! فقال: لا ، ولكن اعْرِضْ حاجتي هذه على أميرٍ المؤمنين . فذكر للرشيد ذلك ، فأمر بإحضارِهِ ، وأنْ تَجلِسَ معه الجاريةُ بحيثُ ينظرُ إليهما ولا يَرَيَانِهِ . فجلسَتْ على كُرسي ، والخُدَّامُ بين يدَيْها ، وأُجلس على كُرسي، فَشَرِبَ رِطْلاً وقال لها : غَنِّي : خليليَّ عُوجَا بارك الله فيكما وإنْ لم تكُنْ هندٌ بأرضِكُما قَصْدا (١) هو ابن عبد رَبِّه في كتابه العقد، وبعضهم يُطلق عليه اسم ((العقد الفريد)) انظر كشف الظنون (١١٤٩/٢). (٢) انظر مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٣٣،٣٢/٢٧). (٣) ابن عساكر، انظر مختصر تاريخه لابن منظور (٣٤/٢٧، ٣٥). ٥٠٧ ترجمة هارون الرشيد ولكنَنا جُزْنا لنلقاكُمُ عَمْدا وقُولا لها ليس الضَّلالُ أجازَنا وتَزْدادُ داري من ديارِكُمُ بُعْد٢ُ، غداً يكثُرُ الباكُونَ(١) منَّا ومنكُمُ قال : فغنَّهُ. ثم استعجَلَهُ الخدَم، فَشَرِبَ رِطْلاً آخر ، وقال : غَنِّي جُعلتُ فداك: فنحنُ سكوتٌ والهَوىَ يتكلّمُ تكلّمَ منَّا في الوجوهِ عيوننا وذلك فيما بيننا ليس يُعْلَمُ(٣) ونَغْضَبُ أحياناً ونَرْضَى بِطَرْفِنا قال : فغنّهُ ، ثم شرب رطلاً ثالثاً وقال : غنِّي جعلني الله فداك : أحسَن ما كنَّا تفرُقُنا وخاننا الدَّهْرُ وما خُنَّا عادَ لنا يوماً كما كُنَّا فليتَ ذا الدهرَ لنا مرَّةً قال : ثم قام الشابُّ إلى درجةٍ هناك، ثم ألقى نفسَهُ من أعلاها على أمّ رأسِهِ فمات . فقال الرشيد : عَجِلَ الفتى ، والله لو لم يَعْجَلْ لوهَبْتُها له(٤) . وفضائل الرشيد ومكارِمهُ كثيرةٌ جدّاً ، فقد ذكر الأئمةُ من ذلك شيئاً كثيراً، فذكَرْنا منه أُنموذجاً صالحاً . وقد كان الفضيل بن عياض يقول : ليس موتُ أحدٍ أعزَّ علينا من موتِ الرشيد ، لِمَا أتخوَّفُ بعدَهُ من الحوادث ، وإني لأدعو اللهَ أن يزيدَ في عمرِهِ من عُمري . قالوا : فلما مات الرشيدُ وظهرَت الفِتَنُ والحوادثُ والاختلافات ، وظهر القولُ بِخَلْقِ القرآن ، فعرَفْنا ما كان تخوَّفَهُ الفُضيلُ من ذلك . وقد تقدَّمَتْ رؤياه لذلك الكفّ ، وتلك التربةِ الحمراء ، وقائلٍ يقول : هذه تربةُ أمير المؤمنين . فكان موتُهُ بِطُوس . وقد روى ابنُ عساكر(٥) أنَّ الرشيدَ رأى في مَنَامِهِ قائلاً يقول : كأنِّي بِهِذا القصرِ قد بادَ أهلُه الشعر إلى آخرهِ . وقد تقدَّم أنَّ ذلك إنما رآه أخوه موسى الهادي ، وأبوه محمد المهدي ، فالله أعلمُ(٦) . (١) في (ق): ((البادون))، وفي (ح): ((الباقون))، والمثبت من ( ب ) ومختصر تاريخ ابن عساكر. (٢) البيتان الأول والثاني في ديوان الحماسة (١٢٢/٢، ١٢٣)، وهما منسوبان فيه لِوَرد الجَعدي، ولفظه : ((أجارنا .. جرنا )) بالراء المهملة . البيتان للعباس بن الأحنف ، وهما في ديوانه ص ( ٢٧٣). (٣) (٤) الخبر في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٣٤/٢٧ -٣٦). انظر مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٣٦/٢٧، ٣٧). (٥) (٦) انظر ما تقدم ص (٣٧٥ و٤١٥) من هذا الجزء. والخبر في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٣٦/٢٧، ٣٧). ٥٠٨ ترجمة هارون الرشيد وقدَّمْنا أنه أمَرَ بِحَفْرٍ قَبْرِهِ في حياتهِ، وأنْ تُقرأ فيه ختمةٌ تامَّةُ(١). وحُمل حتى نظر إليه . فجعل يقول : إلى هنا تَصِيرُ يا بنَ آدم! ويبكي، وأمر أن يُوَسَّعَ عندَ صَدْرِه ، وأنْ يُمَدَّ من عندِ رِجْلَيْه ، ثم جعل يقول: ﴿مَآ أَغْنَى عَنِى مَالِيَهِ﴿يَهَّلَكَ عَّ سُلْطَنِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩،٢٨]، ويبكي(٢). وقيل : إنه لما احتُضر قال : اللهمَّ انفَعْنا بالإحسان ، واغفِرْ لنا الإساءة ، يا مَنْ لا يَموتُ ، ارْحَمْ من يموت . وكان مرَضُهُ بالدَّم ، وقيل : بالسل . وجبريل الطبيبُ يكتُمُ ما بهِ من العِلَّة ، فأمر الرشيدُ رجلاً أنْ يأخُذَ ماءه في قارورة . ويذهبَ به إلى جبريل، فيريَهُ إيّاه ، ولا يذكرَ له بَوْلَ مَنْ هو ، فإنْ سألَهُ قال: هو بولُ مريضٍ عندَنا ، فلمّا رآه جبريلُ قال لرجلٍ عندَه : هذا مثلُ ماءِ ذلك الرَّجُل . ففَهِمَ صاحبُ القارورةِ مَنْ عَنَى به ، فقال له : بالله عليكَ أخبِرْني عن حالِ صاحبِ هذا الماء ، فإنَّ لي عليه مالاً ، فإنْ كان به رجاء ، وإلَّ أخذتُ مالي منه . فقال: اذَهبْ فتخلَّصْ منه، فإنَّهُ لا يعيشُ إلا أياماً . فلما جاء وأخبرَ الرشيدَ بعث إلى جبريل . فتغَّيبَ حتى مات الرشيد . وقد قال الرشيدُ وهو في هذه الحال : مالي بِطُوسٍ حَمِيم إنِّي بِطُوسٍ مُقِيمُ فإنه بي رَحِيم أرجو إلّهي لِمَا بي قضاؤه المحتومُ لقد أتى بِيَ طُوساً والصَّبْرُ والتَّسْلِيمُ وليس إلَّ رِضَائي مات بطُوسَ يومَ السبت ، لثلاثٍ من جُمادَى الآخرة ، سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة . وقيل : إنه توفي في جُمادَى الأولى ، وقيل : في ربيعِ الأوّل ، ولَهُ من العمرِ خمسٌ - وقيل سبعٌ، وقيل ثمانٌ - وأربعونَ سنةً، ومُدَّةُ خلافتِهِ ثلاثٌ وعشرون سنة ، وشهرٌ وثمانيةَ عشرَ يوماً . وقيل : ثلاثة أشهر . وصلَّى عليه ابنُهُ صالِح ، ودُفن بقريةٍ من قُرى طُوس ، يُقالُ لها سَنَاباء(٣). وقال بعضُهم : قرأتُ على خيام الرشيد بسَناباذَ والناسُ منصَرٍفون من طُوس ، من بعد مَوْتِه : والمَنْزِلُ الأعظمُ مَهْجُورُ منازلُ العَسْكَرِ مَعْمُورَةٌ تسْفِي على أحداثِهِ المُور(٤) خليفةُ اللهِ بدارِ البِلَى وانصرفَتْ تَنْدُبُهُ العِيرُ(٥) أقبلتِ العِيرُ تُبَاهي پِهِ انظر ما تقدَّم ص (٤٩٧) من هذا الجزء . (١) (٢) الخبر في مختصر تاريخ ابن عساكر (٣٨/٢٧). سَناباذ - بالفتح - : قريةٌ بِطُوس ، فيها قبرُ الإمام علي بن موسى الرضا ، وقبر أمير المؤمنين الرشيد ، بينها وبين (٣) مدينة طوس نحو ميل . معجم البلدان ( ٢٥٩/٣) . المور : الغُبار بالريح ، لسان العرب ( مور ) . (٤) (٥) الأبيات في مختصر تاريخ ابن عساكر (٣٨/٢٧). ٥٠٩ ذكر زوجاته وبنيه وبناته وقد رثاه أبو الشِّيص فقال : غرَبَتْ في الشرقِ شمسٌ فلها العَيْنانِ تَدْمَعْ غرَبَتْ من حيثُ تَطْلُعُ(١) ما رأينا قَطُ شمساً وقد رثاهُ الشعراء بقصائد . قال ابنُ الجوزي في المنتظمُ(٢): قد ترَكَ الرشيدُ من الميراث ما لم يُخَلَّفْهُ أحدٌ من الخلفاء، وخلَّفَ من الجواهرِ والأثاثِ والأمتعةِ سوى الضياع والدُّور ما قيمته مئةُ ألف ألف دينار ، وخمسة وثلاثون ألفَ ألف دينار . قال ابنُ جرير(٣) : وكان في بيتِ المال تسعُمئة ألف ألف ونَيِّف . ذکر زوجاته وبنيه وبناته تزوَّج أمَّ جعفر زُبيدةَ بنت عمِّه جعفر بن أبي جعفر المنصور ، تزوَّجها في سنةٍ خمسٍ وستين ومئة في حياةٍ أبيه المهدي ، فولدَتْ له محمداً الأمين . وماتَتْ زُبيدة في سنةِ ستَّ عشرةً ومئتين كما سيأتي . وتزوَّجَ أمَةَ العزيز ، أُمَّ وَلَد ، كانتْ لأخيه موسى الهادي ، فولَدَتْ له عليَّ بنَ الرشيد. وتزوَّجَ أَمَّ محمد بنتَ صالح المسكين ، والعبَّاسة بنت عمِّه سليمان بن أبي جعفر ، فزُقَّتًا إليه في ليلةٍ واحدة ، سنةَ سبعٍ وثمانين ومئة بالرَّقَّة . وتزوَّجَ عزيزةَ بنتَ الغِطْرِيف ، وهي بنتُ خالِهِ أخي أُمِّهِ الخَيْزُرَان . وتزوَّجَ ابنةَ عبدِ الله بن محمد بن عبدِ الله بن عمرو بن عثمان بن عفان العثمانية ، ويُقال لها الجُرَشِيَّة لأنها وُلدَتْ بِجُرَش باليمن . وتُوفِّي عن أربع : زُبيدة ، وعبَّاسة، وابنة صالح ، والعثمانية هذه. وأمَّا الحظايا من الجوار[ ي ] فكثيرٌ جدّاً، حتى قال بعضُهم : إنه كان في دارِهِ أربعة آلاف جاريةٍ سرارِيّ حسان . وأما أولادُه الذكور فمحمد الأمين ابن زُبيدة ، وعبدُ الله المأمون من جاريةٍ اسمُها مراجل ، ومحمد أبو إسحاق المعتصِم من أُمِّ وَلَدِ يُقالُ لها ماردة ، والقاسمُ المؤتمن من جاريةٍ يُقال لها قصف ، وعليّ أُنُّه أمَةُ العزيز ، وصالح من جاريةٍ اسمُها رئمٍ، ومحمد أبو يعقوب ، ومحمد أبو عيسى ، ومحمد أبو العباس ، ومحمد أبو علي ، كلُّ هؤلاءٍ من أمهات أولاد . (١) البيتان في المنتظم لابن الجوزي (٢٣٢/٩). (٢) المنتظم (٢٣٢/٩). (٣) يعني الطبري في تاريخ (٢٦/٥). ٥١٠ خلافة محمد الأمين - اختلاف الأمين والهموب وكان من الإناث سُكينة من قصف ، وأمُّ حبيب من ماردة ، وأرْوَى ، وأُّ الحسين ، وأم محمد وهي حَمْدونة، وفاطمة وأمُّها غصص، وأم سَلَمة، وخَدِيجة ، وأُّ القاسم رَمْلَةَ . وأم علي، وأُمُ الغَالِيَة ، ورَيْطَة ، كلُّهنَّ من أمهاتٍ أولاد . خلافة محمد الأمين لما تُوفي الرشيد بِطُوس في جمادى الآخرة من هذه السنة - أعني سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة ، كتب صالِحُ بن الرشيد إلى أخيه وليِّ العَهْد من بعدِ أبيه محمدِ الأمين بن زُبيدة وهو ببغداد ، يُعلِمُه بوفاةٍ أبيه ، ويُعَزِّيه فيه ، فوصل الكتابُ صحبةَ رجاءِ الخادم ، ومعه الخاتمُ والقَضِيبُ والبُرْدَة يوم الخميس الرابع عشر من جُمادَى الآخرة . فركب الأمينُ من قصرهِ الخُلْد إلى قصر أبي جعفر المنصور - وهو قصرُ الذهَب - على شَطِّ بغداد، فصلَّى بالناس ، ثم صَعِدَ المنبر، فخطَبَهم وعزَّاهم في الرشيد ، وبسَطَ آمالَ الناس ، ووعَدَهم الخير ، فبايَعَه الخواصُّ من قومه ، ووجوهُ بني هاشم، والأمراء ، وأمرَ بصَرْفِ أُعطياتِ الجُند عن سنتَيْن ، ثم نزَل. وأمَرَ عمَّهُ سُليمان بن جعفر أنْ يأخذَ له البيعةَ من بقيةِ الناس ، فلما انتظم أمرُ الأمين ، واستقام حالُه، حسَدَهُ أخوه المأمون، ووقَعَ الخُلْفُ بينهما على ما سنذكرهُ إنْ شاء الله تعالى . اختلاف الأمين والمأمون كان السببُ في ذلك أنَّ الرشيد لَمَّا وصل إلى أولِ بلادِ خُراسان وَهَبَ جميعَ ما فيها من الحواصِلِ والدوابِّ والسلاح لولدِهِ المأمون، وجدَّدَ له البيعة، وكان الأمين قد بعثَ بكرَ بنَ المعتمر بكتبٍ في خُفْيَةٍ ليوصِلَها إلى الأمراء إذا مات الرشيد ، فلما تُوفي الرشيد نفذتِ الكتبُ إلى الأمراء وإلى صالح بن الرشيد ، وفيها كتابٌ إلى المأمون ، يأمرهُ بالسمع والطاعة ، فأخذ صالِحُ البيعةَ من الناسِ إلى الأمين ، وارتحل الفضلُ بن الربيع بالجيشِ إلى بغداد ، وقد بقي في نفوسِهم تحرُّجٌ من البيعةِ التي أُخذَتْ للمأمون ، وكتب إليهمُ المأمونُ يدعوهمْ إلى بيعَتِه فلم يُجيبوه ، فوقعتِ الوَحْشَةُ بين الأخوَيْنِ ، ولكنْ تحوَّل عامَّةُ الجيش إلى الأمين ، فعند ذلك كتب المأمونُ إلى أخيه الأمين بالسَّمْع والطاعةِ والتعظيم ، وبعَثَ إليه من هدايا خُراسان وتُحَفِها من الدوابِّ والمِسك، وغيرِ ذلك ، وهو نائبُهُ عليها . وقد أمرَ الأمينُ في صبيحةٍ يوم السبت بعدَ أخذِ البيعةِ يومَ الجمعة ببناءِ ميدانَيْن للصَّيد ، فقال في ذلك بعضُ الشعراء : وصَيَّرَ الساحةَ بُشْتانا بَنَى أمينُ الله مَيْدانا يهدى إليه فيه غِزْلانا١) وكانتِ الغزلانُ فيه بانا (١) الخبر والشعر في تاريخ الطبري (٣١/٥)، والكامل لابن الأثير (٣٦١/٥، ٣٦٢). ٥١١ وفيات سنة ١٩٣ هـ وفي شعبان من هذه السنة قَدِمَتْ زُبَيْدَةُ من الرَّقَّة بالخزائن ، وما كان عندَها من التُّحَفِ والقماش من الرشيد، فتلقَّاها ولَدُها الأمينُ إلى الأنبار ، ومعه وجوهُ الناس ، وأقرَّ الأمينُ أخاهُ المأمونَ على ما تحتَ يدِهِ من بلادِ خُراسانَ والرَّيّ وغيرِ ذلك، وأقرَّ أخاه القاسمَ على الجزيرةِ والثُّغور، وأقرَّ عمَّالَ أبيه على البلادِ إلَّ القليلَ منهم . وفيها مات نقْفُور ملكُ الرُّوم قتَلَهُ البُرْجان(١)، وكان ملكُه تسعَ سنين، وأقام بعدَهُ ولدُه استبراق شهرَيْن فمات ، فملَكهُم ميخائيلُ زوجُ أختِ نقْفور ، لعنهم الله . وفيها تواقع هَرْثَمةُ بن أعْيَن نائبُ خراسان ورافع بن اللَّيث، فاستجاشَ رافعٌ بالتُرك (٢) ثم هربوا، وبَقِيَ رافعٌ وحدَه ، فضَعُفَ أمرُه . وحَجَّ بالناسِ في هذه السنة نائبُ الحجاز داودُ بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي . وفيها توفي من الأعيان : إسماعيلُ بن عُلَيَّةُ(٣) : وهو من أئمةِ العلماء ، والمحدِّثين الرُّفَعاء . روى عنه الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وقد وُلِّيَ المظالِمَ ببغداد ، وكان ناظرَ الصدقاتِ بالبصرة ، وكان ثقةً نبيلاً جليلاً كبيراً . وكان قليلَ التَّبَّسُم . وكان يَتَّجِرُ في البَزّ ، ويُنفق على عيالِهِ منه، ويحجُّ منه، ويَبَزُّ أصحابَهُ منه، مثل السفيانَيَّن وغيرِهما . وقد ولَّاهُ الرشيدُ القضاء ، فلما بلغ ابنَ المبارك أنه تولَّى القضاء كتب إليهِ يَلُومُه نظماً ونثراً ، فاستعفى ابنُ عُلَيَّةَ من القضاء ، فأعفاه ، وكانتْ وفاتُه في ذي القَعْدَةِ من هذه السنة ، ودُفن في مقابِرِ عبدِ الله بن مالك . (١) (( بُرْجان)): جيلٌ من الناس، بلادُهم قريبةٌ من قُسْطَنْطِينَيَّة، وبلاد الصَّقَالبَة قريبةٌ منهم. المغرب (برج) (٦٥/١ ). (٢) كذا في الأصول، بتعدية استجاش بالباء، وجاء في لسان العرب (جيش): ((اسْتَجاشَه)) : أي طلب منه جيشاً. وفي حديث عامر بنُ فُهَيرة : فاستجاش عليهم عامرُ بن الطُّفيل أي طَلب لهم الجيشَ وجمَعَه عليهم . اهـ . (٣) ترحمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٣٢٥)، التاريخ الكبير (٣٤٢/١)، الكنى والأسماء لمسلم (١٤٣/١)، تسمية فقهاء الأمصار ص (١٣٠)، الجرح والتعديل (١٥٣/٢)، مولد العلماء ووفياتهم لابن زبر (٢٦٢/١، و٤٣٥)، مشاهير علماء الأمصار (١٦١)، الثقات لابن حبان (٤٤/٦)، ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم (٤٩/١)، الفهرست (٣١٧)، تاريخ بغداد (٢٢٩/٦)، التعديل والتجريح للباجي (٣٦١/١)، رجال مسلم لابن منجويه (٥٤/١)، تهذيب الكمال (٢٣/٣)، تذكرة الحفاظ (٣٢٢/١)، سير أعلام النبلاء (١٠٧/٩)، تهذيب التهذيب (٢٤١/١)، تقريب التهذيب (١٠٥)، طبقات الحفاظ ص (١٣٩). ٥١٢ أحداث سنة ١٩٤ هـ وفيها مات : محمد بن جعفر (١) الملقَّ بِغُنْدَر : روى عن شعبة ، وسعيد بن أبي عَرُوبة ، وعن خلقٍ كثير . وعنه جماعةٌ ، منهم أحمد بن حنبل . وكان ثقةً جليلاً حافظاً مُتَقِناً ، وقد ذُكر عنه حكاياتٌ تدلُّ على تغفيله في أمورٍ الدنيا . كانت وفاته بالبصرة في هذه السنة ، وقيل في التي قبلَها ، وقيل في التي بعدَها . وقد لُقِّب بهذا اللقب جماعةٌ من المتقدِّمين والمتأخِّرين . وفيها توفي هارون أمير المؤمنين ، وقد تقدَّمت ترجمته قريباً . وأبو بكر بن عياش (٢): أحد الأئمة ، سمع أبا إسحاق السَّبِيعي، والأعمش ، وهشام بن عروة٢ً)، وجماعة . وحدث عنه خلق ، منهم أحمد بن حنبل . وقال يزيد بن هارون : كان خَيِّراً فاضلاً ، لم يضَغْ جَنْبَهُ إلى الأرض أربعين سنة . قالوا : ومكث ستين سنةً يَختِمُ القرآنَ في كلِّ يومٍ خَتْمَةً كاملة . وصام ثمانين رمضاناً ، وتُوفي وله ستٌّ وتسعون سنة . ولما احتُضر بكى عليه ابنُه ، فقال : يا بُني علامَ تبكي ؟! والله ما أتَى أبوك فاحشةٌ قط . ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومئة فيها خلَعَ أهلُ حمصَ نائبَهم ، فعزَلَهُ عنهم الأمين ، وولَّى عليهم عبدَ الله بن سعيد الحَرَشي ، فقتل طائفةً من وجوهِ أهلِها ، وحرَّق نواحِيهَا ، فسألوه الأمانَ فأمَّنَهم ، ثم هاجوا فضرب أعناقَ كثيرٍ منهم أيضاً . (١) ترجمته في التاريخ الكبير (٥٧/١)، الكنى والأسماء لمسلم (٤٩٢/١)، مولد العلماء ووفياتهم لابن زبر (٦٧١/٢)، الجرح والتعديل (٢٢١/٧)، الثقات لابن حبان (٥٠/٩)، تهذيب الكمال (٥/٢٥)، تذكرة الحفاظ ( ٩٦٠/٣)، سير أعلام النبلاء (٩٨/٩)، تهذيب التهذيب (٨٤/٩)، تقريب التهذيب ( ٤٧٢)، طبقات الحفاظ ( ٣٨٥) . (٢) قيل اسمه شعبة ، وقيل سالم، وقيل غير ذلك ، والصحيح اسمه كنيته ، وترجمته في طبقات ابن سعد (٣٨٦/٦)، طبقات خليفة (١٧٠)، التاريخ الكبير (١٤/٩)، التاريخ الصغير (٢٤٨/٢)، الثقات لابن حبان ( ٦٦٨/٧)، حلية الأولياء (٨/ ٣٠٣)، تاريخ بغداد (١٤ / ٣٧١)، صفة الصفوة (١٦٤/٣)، تهذيب الكمال (١٢٩/٣٣)، طبقات علماء الحديث (٣٨٧/١)، سير أعلام النبلاء (٤٩٥/٨) ، المقتنى في سرد الكنى (١١٧/١)، تذكرة الحفاظ (٢٦٥/١)، معرفة القراء الكبار (١٣٤/١)، ميزان الاعتدال (٤٩٩/٤)، العبر (٣١١/١)، تهذيب التهذيب (٣٤/١٢)، الكواكب الدرية (٨٢/١)، شذرات الذهب (٣٣٤/١). (٣) في (ق): وهشام وهمام بن عروة، وهو تصحيف ، والمثبت من ( ب، ح)، وفي تهذيب الكمال (١٣٠/٣٣)، ذكر المزي من جملة من روى عنهم: هشام بن حسان ، وهشام بن عروة. ٥١٣ أحداث سنة ١٩٤ هـ وفيها عزل الأمينُ أخاه القاسمَ عن الجزيرةِ والثُّغور وولَّى على ذلك خُزيمة بن خازم ، وأمَّرَ أخاه بالمقام عندَهُ ببغداد . وفيها أمرَ الأمينُ بالدعاءِ لولده موسى على المنابر في سائرِ الأمصار ، وبالإمْرَةِ من بعدِه ، وسَمَّاهُ الناطِقَ بالحقّ . ثم يُدعَى من بعدِهِ لأخيه المأمون ، ثم لأخيه القاسم . وكان من نِيَّةِ الأمين الوفاءُ لأخوَيْهِ بِما شرَطَ لهما ، فلم يزَلْ بهِ الفضلُ بن الربيع حتى غيَّرَ نِيَّتَه في أخوَيْهِ ، وحسَّنَ له خَلْعَ المأمونِ والقاسم ، وصغَّرَ عندَهُ شأنَ المأمون . وإنما حمَلَهُ على ذلك خوفُهُ من المأمون إنْ أفضَتْ إليه الخلافةُ أن يخلَعَهُ من الحجابة(١) ، فوافقه الأمينُ على ذلك، وأمر بالدُّعاءِ لولدِهِ موسى ، وبولايةِ العَهْدِ من بعدِه . وذلك في ربيع الأول من هذه السنة؛ فلما بلَغَ المأمونَ قَطَعَ البريدَ عنه، وتَرَكَ ضَرْبَ اسمِهِ على السِّكَّة والطراز ، وتنكَّر للأمين ، وبعث رافعَ بن اللَّيث إلى المأمون يسألُ منه الأمان ، فأمَّنه فسار إليه بمَنْ معه ، فأكرمه المأمونُ وعظَّمَه، وجاء هَرْثَمَةُ على إِثْرِهِ، فتلقَّاه المأمونُ ووجوهُ الناس، وولَّهُ الحرَس . فلما بلَغَ الأمينَ أن الجنودَ التفَّتْ على أخيه المأمون ساءه ذلك وأنكرَه ؛ وكتب إلى المأمون كتاباً ، وأرسل إليه رُسُلاّ ثلاثةً من أكابرِ الأمراء ، سألَهُ أن يُجِيبَهُ إلى تقديم ولَدِهِ عليه، وأنه قد سَمَّاهُ الناطِقَ بالحق . فأظهر المأمونُ الامتناعِ، فشرَعَ الأمراءُ في مُطَايَبَتِهِ ومُلايَتَتِهِ ، وأن يُجِيبَهُم إلى ذلك ، فأبَى كلَّ الإباء ، فقال له العباسُ بن موسى بن عيسى : فقد خلَعَ أبي نفسَه فماذا كان؟ فقال المأمون: إنَّ أباكَ كان امرأً مكرهاً . ثم لم يزل المأمونُ يَعِدُ العِبَّاسَ ويُمنِّيه حتى بايَعَهُ بالخلافة. ثم لما رجع إلى بغداد كان يُراسِلُه بما كان من أمرٍ الأمينِ ويُناصِحُه ؛ ولما رجع الرسُلُ إلى الأمين أخبروه بما كان من قولِ أخيه ، فعند ذلك صَمَّمَ الفضلُ بن الربيع على الأمين في خَلْعِ المأمون ، فخلَعهُ وأمرَ بالدعاءِ لولده في سائرِ البلاد . وأقاموا منْ يتكلّمُ في المأمون ، ويذكرُ مساويه ، وبعثوا إلى مكة فأخذوا الكتابَ الذي كتبه الرشيد ، وأودَعَهُ في الكعبة ، فمزَّقَّهُ الأمين ، وأكَّدَ البيعةَ إلى ولدِهِ الناطقِ بالحق على ما ولَّاهُ من الأعمال. وجرَتْ بين الأمينِ والمأمونِ مكاتباتٌ ورُسُلٌ يطولُ بَسْطُها ؛ وقد استقصاها ابنُ جرير في تاريخِه(٢) ، ثم آلَ بهما الأمرُ إلى أنِ احتفظ كلٌّ منهما على بلادِه وحِصْنِها ، وهيأ الجيوشَ والجنود ، وتألَّفَ الرعايا . وفيها عدَتِ الرُّومُ على مَلِكِهم ميخائيل (٣)، فراموا خلعَه وقتلَه، فترَكَ الملكَ وتَرَهَّب ، وولَّوْا عليهم أليون . (١) في (ب، ح): ((إنْ أفضَتْ إليه الخلافةُ يوماً من الدهر، فسعى في خلعِهِ وزوالِ الخلافةِ عنه))، والمثبت من ( ق ) . (٢) انظر تاريخ الطبري (٣٥/٥) وما بعدها . (٣) في (ق): ((وفيها غدرت الروم بملكهم .. )). والمثبت من (ب، ح). ٥١٤ وفيات سنة ١٩٤ هـ وحجَّ بالناسِ فيها نائبُ الحجاز داودُ بن عيسى ، وقيل : علي بن الرشيد . وفيها توفي من الأعيان : سَلْم بن سالم أبو بَحْر البَلْخِيُّ(١): قدم بغداد وحدَّث بها عن إبراهيم بن طَهْمَان ، والثَّوري . وعنه الحسنُ بن عَرَفة . وكان عابداً زاهداً مكَثَ أربعين سنةً لم يُفرَشْ له فِراش ، وصامها كلَّها إلَّ يومي العيد . ولم يرفَعْ رأسَهُ إلى السماء . وكان داعيةَ الإرجاء ، ضعيفَ الحديث ، إلَّا أنه كان رأساً في الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر . وكان قد قدم بغداد فأنكر على الرشيدِ وشنَّع عليه ، فحبَسَه وقيَّدَه باثني عشرَ قيداً ؛ فلم يزَلْ أبو معاوية يشفعُ فيه حتى جعلوه في أربعةِ قيود . ثم كان يدعو الله أن يردَّهُ إلى أهلِه ؛ فلما تُوفي الرشيد أطلقَتْهُ زُبيدة ، فرجع . وكانوا بمكة قد جاؤوا حُجَّاجاً، فمرض بمكة، واشتهى يوماً بَرَداً، فسقط في ذلك الوَقْتِ بَرَدٌ حين اشتهاه ، فأكل منه . مات في ذي الحجة من هذه السنة . وعبدُ الوهاب بن عبد المجيد الثقفي (٢): كانتْ غَلَّتُهُ في السنةِ قريباً من خمسين ألفاً ، يُنفِقِها كلَّها على أهل الحديث . توفي عن أربعٍ وثمانين . وأبو النصر الجهني المصاب(٣): كان مقيماً بالمدينة النَّبويّة بالصُّفَّةِ من المسجدِ في الحائطِ الشماليِّ منه وكان طويلَ السكوت ، فإذا سئل أجاب بجوابٍ حسَن ، يتكلم بكلماتٍ مفيدة تُؤثر عنه وتكتب ، وكان يخرجُ يومَ الجمعة قبلَ الصلاة، فيقفُ على مجامِعِ الناسِ فيقول: ﴿يَكَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدَّعَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، و﴿ وَأَتَّقُواْيَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]. ثم ينتقلُ إلى جماعةٍ أخرى، ثم إلى أخرى ، (١) في (ح، ق): سالم بن سالم، وهو تصحيف ، والمثبت من ( ب) ومصادر ترجمته في طبقات ابن سعد (٣٧٤/٧)، أحوال الرجال الجوزجاني (٢٠٨)، الجرح والتعديل (٢٦٦/٤) ، الضعفاء للعُقيلي (١٦٥/٢)، تاريخ بغداد (٩/ ١٤٠)، الكامل لابن عدي (٣٢٦/٣)، كتاب الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٩٦/٢)، سير أعلام النبلاء (٣٢١/٩)، ميزان الاعتدال (٢٦٣/٣)، لسان الميزان (٦٣/٣). (٢) ترجمته في كتاب بحر الدم للإمام أحمد ( ٢٨٣)، التاريخ الكبير (٩٧/٦)، الجرح والتعديل (٧١/٦)، الضعفاء للعقيلي (٧٥/٣)، مشاهير علماء الأمصار (١٦٠)، الثقات لابن حبان (٧/ ١٣٢) ، تاريخ بغداد (١٨/١١)، التعديل والتجريح (٩١٩/٢)، رجال مسلم (٥/٢)، تهذيب الكمال (٥٠٣/١٨)، ميزان الاعتدال (٤٣٤/٤)، المقتنى في سرد الكنى (٥١/٢)، كتاب المختلطين (٧٨)، تقريب التهذيب ( ٣٦٨)، طبقات الحفاظ ( ١٣٩ ). (٣) ترجمته في صفة الصفوة (١٩٩/٢). ٥١٥ أحداث سنة ١٩٥ هـ حتى يدخلَ المسجد ، فيُصَلِّي فيه الجمعة ثم لا يَخْرُجُ منه حتى يُصَلِّي العشاءَ الآخرة . وقد وعَظَ مرَّةً هارون الرشيد بكلام حسن ، فقال: اعلَمْ أنَّ الله سائلُكَ عن أُمَّةِ نبيِّه ، فأعِدَّ لذلك جواباً ، وقد قال عمرُ بن الخطّاب : لو ماتتْ سخلةٌ بالعراق ضَيَاعاً لَخَشيت أنْ يسألَني الله عنها . فقال الرشيد : إني لستُ كعمر ، وإنَّ دَهْري ليس كَدَهْرِه . فقال : ما هذا بِمُغْنٍ عنك شيئاً . فأمر له بثلاثِ مئةٍ دينار . فقال : أنا رجلٌ من أهلِ الصُّفَّة ، فمُرْ بها فَلْتُقْسم عليهم ، وأنا واحدٌ منهم . ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومئة فيها في صَفَر منها أمَرَ الأمينُ الناسَ أنْ لا يتعاملوا بالدراهم والدنانيرِ التي عليها اسمُ المأمون . ونَهَى أنْ يُدعَى له على المنابر ، وأنْ يُدعَى له ولولَدِهِ من بعدِه . وفيها تَسَمَّى المأمونُ بإمام الهدى ؛ وفي ربيع الآخر فيها عَقَدَ الأمينُ لعليٍّ بن عيسى بن ماهان الإمارةَ على الجبَل وهمَذان وأصْبَهانَ وقُمّ ، وتلكَ البلاد ، وأمَرَهُ بِحَرْبِ المأمون، وجهَّزَ معهُ جيشاً كثيراً ؛ وأنفَقَ فيهم نفقاتٍ عظيمة ؛ وأعطاهُ مئتي ألف دينار ، ولولده خمسين ألفَ دينار ، وألفَيْ سيف مُحلّى ، وستة آلاف ثوبٍ للخِلَع . فخرج عليّ بن موسى بن ماهان من بغداد في أربعين ألفَ مقاتلٍ فارس ؛ ومعه قَيْدٌ من فِضَّة ليأتي فيه بالمأمون . وخرج الأمينُ معه مشيِّعاً ، فسار حتى وصلَ الرَّيّ ، فتلقَّاهُ الأميرُ طاهرٌ في أربعةِ آلاف ، فجرَتْ بينهم أمورٌ آلَ الحالُ فيها أنِ اقْتَتَلوا ؛ فقُتل عليٍّ بن عيسى؛ وانهزم أصحابُه، وحُمل رأسُه وجُنَّهُ إلى الأمير طاهِرِ . فكتب بذلك إلى وزيرِ المأمون ذي الرِّيَاستَيِّن وكان الذي قَتَل عليَّ بن عيسى رجلٌ يُقال له طاهر الصغير . فسُمِّي ذا التيمِينَيّن، لأنه أخذ السيفَ بيدَيْه الثِّنْتَيْن، فذبح به عليَّ بن عيسى بن ماهان، ففَرِحَ بذلك المأمونُ وذووه ، وانتهى الخَبرُ إلى الأمين وهو يَصيدُ السمَكَ من بركة القصر ؛ فقال: وَيْحَك ! دَعْني من هذا ، فإنَّ كَوْثراً قد صاد سمكَتَيْن ولم أصِدْ بعدُ شيئاً . وأرْجَفَ الناسُ ببغداد ، وخافوا غائلةَ هذا الأمر . ونَدِمَ محمدٌ الأمين على ما كان منه من نَكْثِ العَهْد، وخَلْعِ المأمون ، وما وقع من الأمر الفَطيع . وكان رجوعُ الخبَرِ إليه في شوال من هذه السنة . ثم جهّزَ عبد الرحمن بن جَبَلة الأبْنَاويَّ في عشرين ألفاً من المقاتِلَة إلى هَمَذانَ ليقاتلوا طاهرَ بن الحسين بن مُصعب ومنْ مَعَهُ من الخراسانيَّةِ ؛ فلما اقتربوا منهم تواجهوا فتقاتلوا قتالاً شديداً ، حتى كثرتٍ القتلى بينهم ، ثم انهزم أصحابُ عبد الرحمن بنٍ جَبَلة، فلجؤوا إلى هَمَذان ، فحاصرَهم بها طاهرٌ حتى اضطرّهم إلى أنْ دَعَوْا إلى الصُّلح ، فصالحهم وأمَّنَهم ، ووَفَى لهم ؛ وانصرف عبدُ الرحمن بن جبلة على أن يكونَ راجعاً إلى بغداد ، ثم غدَروا بأصحابِ طاهر ، وحملوا عليهم وهم غافلون ، فقَتَلوا منهم خلقاً ، ٥١٦ وفيات سنة ١٩٥ هـ وصبَرَ لهم أصحابُ طاهر ، ثم نهضوا إليهم وحملوا عليهم فهزموهم . وقُتل أميرُهم عبد الرحمن بن جَبَلة ، وفرّ أصحابُهُ خائبين . فلما رجعوا إلى بغداد اضطربتِ الأمور ، وكثرتِ الأراجيف ، وكان ذلك في ذي الحجَّة من هذه السنة، وطرَدَ طاهرٌ عُمَّالَ الأمين عن قَزْوينَ وتلك النواحي ، وقَوِيَ أمرُ المأمون جدّاً بتلك البلاد . وفي ذي الحجّة من هذه السنة ظهر أمرُ السُّفْيَانِيِّ بالشام ، واسمه علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، فعزَلَ نائبَ الشام عنها ، ودَعَا إلى نفسِه ؛ فبعث إليه الأمينُ جيشاً فلم يقدموا عليه ، بل أقاموا بِالرَّقَّة . ثم كان من أمرِه ما سنذكرُه . وحجَّ بالناسِ فيها نائبُ الحجاز داودُ بن عيسى . وفيها كانتْ وفاةُ جماعةٍ من الأعيان ، منهم : إسحاق بن يوسف الأزرق(١) : أحد أئمة الحديث . روى عنه أحمد وغيره . ومنهم : بَكَّار بن عبد الله(٢) بن مصعب بن ثابت بن عبدِ الله بن الزُّبير . كان نائبَ المدينةِ للرشيد ثنتَيْ عشرةَ سنةً وشهراً ؛ وقد أطلق الرشيدُ على يدَيْهِ لأهلِها ألفَ ألفِ دينار ومئتي ألف دينار . وكان شريفاً جواداً معظَّماً . وفيها توفي : أبو نُوَاس الشاعر(٣) : واسمهُ الحسن بن هانىء بن صباح بن عبد الله بن الجرّاح بن هِنب بن ددة بن غَنْم بن سُليم بن حَكَم بن سعد العشيرة بن مالك بن عمرو بن الغَوْث بن طَيِّىء بن أُدَد بن شبيب بن [ عمر بن ] سبيع بن الحارث بن زيد بن عدي بن عوف بن زيد بن هميسع بن عمرو بن يَشْحُب بن عَرِيب بن زيد بن كَهْلان بن سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان بن عابِر بن شالخ بن أرْفَخْشَذ بن سام بن (١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٣١٥/٧)، التاريخ الكبير (٤٠٦/١)، الكنى والأسماء لمسلم (٢/ ٧٤٢)، الجرح والتعديل (٢٢٨/٢)، الثقات لابن حبان (٥٢/٦)، رجال صحيح البخاري للكلاباذي (٧٩/١)، رجال مسلم لابن منجويه (٥٤/١)، تاريخ بغداد (٣١٩/٦)، تهذيب الكمال (٤٩٦/٢)، سير أعلام النبلاء (١٧١/٩)، تهذيب التهذيب (٢٢٥/١)، تقريب التهذيب (١٠٤)، طبقات الحفاظ (١٣٨). ترجمته في الجرح والتعديل ( ٥٨٥/٣)، الثقات لابن حبان (٦/ ١٠٧). (٢) (٣) ترجمته في الأغاني ( ٧١/٢٠)، تاريخ بغداد (٤٣٦/٧)، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (٤٠٧/١٣)، المنتظم لابن الجوزي ( ١٦/١٠)، الكامل لابن الأثير (٣٧٩/٥)، وفيات الأعيان (٩٥/٢)، بغية الطلب في تاريخ حلب ( ٤٦٤٥/١٠)، سير أعلام النبلاء (٢٧٩/٩)، ميزان الاعتدال (٤٣٦/٧)، العبر (٣٢١/١)، لسان الميزان (٢٨٥/٢، و١١٥/٧)، النجوم الزاهرة (١٥٦/٢)، شذرات الذهب (٣٤٥/١). ٥١٧ وفيات سنة ١٩٥ هـ نوح. كذا نسَبَهُ عبدُ الله بن [ أبي ] سعد الورَّاق (١)، نسَبَه إلى ولاءِ الجرّاح بن عبد الله الحَكَمي . ويقال له أبو نُوَاس البَصْري ، كان أبوهُ من أهل دمشق ، من جُندِ مروانَ بنِ محمد ، ثم صار إلى الأهواز ، وتزوَّج امرأةٌ يُقال لها جلبان ، فولَدَتْ له أبا نُوَاس وابناً آخر يُقال له أبو مُعاذ . ثم صار أبو نواس إلى البصرة ، فتأذَّبَ بها على أبي زيد وأبي عبيدة . وقرأ كتابَ سِيبَوَيْه ، ولزم خَلَفاً الأحمر ؛ وصحب يونُسَ بن حَبيب الجَزْميَّ النَّحْوي . وقد قال القاضي ابنُ خَلِّكان(٢): صحب أبا أسامة والبةَ بن الحُبَاب الكوفي . ورَوَى الحديث عن أزهرَ بنِ سعد ، وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، وعبد الواحد بن زياد ، ومعتمر بن سليمان ، ويحيى القطَّان . وعنه محمد بن إبراهيم بن كثير الصيرفي ، وحدث عنه جماعةٌ منهم الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وغُنْدَر ، ومشاهيرُ العلماء . ومن مشاهيرِ حديثِهِ ما رواه محمد بن إبراهيم بن كثير الصيرفي ، [ عن الحسن بن هانىء ] ، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((لا يموتنَّ أحدُكم إلَّ وهو يُحسنُ الظنَّ بالله، فإنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بالله ثَمَنُ الجنَّة(٣). وقال محمد بن إبراهيم : دخلنا عليه وهو في الموت ، فقال له صالح بن علي الهاشمي : يا أبا علي ، أنت اليومَ في آخرِ يومٍ من أيام الدنيا ، وأولِ يومٍ من أيام الآخرة ، وبينك وبين الله هَنَاتٌ (٤)، فَتُبْ إلى الله من عَمِلك . فقال: إيَّاي تُخَوَّفَ بالله ؟! أَسْنِدُوني. قال: فأسندناه . فقال: حدثني حماد بن سَلَمة، عن يزيد الرَّقاشي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله ◌َّةَ: ((لِكُلِّ نبيَّ شفاعةٌ ، وإني اختبأتُ شفاعتي لأهلِ الكبائرِ من أمتي يومَ القيامة »(٥) . ثم قال : أفلا تراني منهم ؟. (١) ترجمة الوراق هذا في تاريخ بغداد (٢٥/١٠) . ومابين معقوفين منه ، ومن نسب أبي نواس في تاريخ بغداد (٤٣٦/٧). وقد سقط هذا النسب من ( ق )، وهو مثبت في (ب، ح) . (٢) في وفيات الأعيان (٩٥/٢، ٩٦). (٣) إسناده ضعيف جداً، فإن راويه عن محمد بن إبراهيم بن كثير هو إسماعيل بن علي الصيرفي ، وهو غير ثقة ، وأبو نواس غير أهل لرواية الحديث . وهذا الحديث نقله المؤلف من تاريخ دمشق لابن عساكر الذي نقله من معجم ابن جميع الصيداوي ٣٠١ حيث رواه من طريق ثابت عن أنس ، وما أظنه إلا واهماً ، فهذا الحديث ساقه الخطيب بالإسناد نفسه في ترجمة محمد بن إبراهيم بن كثير الصيرفي من تاريخ ( ٢/ ٢٨٣ بتحقيقنا ) ولكنه ذكره من حديث حماد ، عن يزيد الرقاشي عن أنس ، وهو الصواب ، ويزيد ضعيف . على أن الشطر الأول من متن الحديث صحيح من حديث جابر بن عبد الله، فهو عند مسلم ( ١٦٥/٨) (٢٨٧٧) وغيره ، وينظر تمام تخريجه في تعليقنا على ابن ماجه ( ٤١٦٧) وتاريخ الخطيب (٢٨٣/٢ - ٢٨٤) (بشار). (٤) ((هنات)): خِصالُ شرّ، مفردها هَنَة. النهاية في غريب الحديث (هنو). (٥) إسناده ضعيف من هذا الوجه ، ورواية يزيد الرقاشي عن أنس لهذا الحديث غريبة غير محفوظة، والمحفوظ رواية = ٥١٨ وفيات سنة ١٩٥ هـ وقال أبو نُوَاس : ما قلتُ الشعر حتى رَوَيتُ عن ستين امرأةً ، منهنَّ خنساء ، وليلى، فما ظنُّكَ بالرجال ؟. وقال يعقوب بن السَّكِّيت : إذا رويتَ الشعرَ عن امرىء القيس والأعشى من أهلِ الجاهلية ، ومن الإسلاميِّين جريرٍ والفرزدق ، ومن المُحدَثين عن أبي نُواس فحسبُك . وقد أثنى عليه غيرُ واحد ، منهم الأصمعيّ ، والجاحظ ، والنَّظَّام . قال أبو عمرو الشيباني: لولا أنَّ أبا نواس أفسَدَ شعرَهُ بما وَضَعَ فيه من الأقذار لاحتَجَجْنا به . يعني شعرَه الذي قاله في الخمريَّات والمُرْدَان - وقد كان يَميلُ إليهم - ونحو ذلك مما هو معروفٌ في شعرِه . واجتمع طائفةٌ من الشعراء عند المأمون ، فقيل لهم : أيُّكم القائل : نرَى قمراً في الأرضِ يبلُغُ كوكباً(١) ؟ فلمّا تَحَسَّاها وقَفْنا كأنَّنا قالوا : أبو نواس . قال : فأيُّكم القائل : دعَا هَمّهُ عن قلبِهِ برَحِيلٍ(٢)؟ إذا نزلَتْ دون اللَّهَاةِ من الفتى قالوا : أبو نواس . قال : فأيُّكم القائل : كتمَشِّي البُزْءِ في السَّقَمِ(٣) ؟ فتمشَتْ في مَفَاصِلِھم قالوا : أبو نواس . قال : فهو أشعَرُكم . وقال سفيانُ بن عُيينةَ لابن مناذِر : ما أشعرَ ظريفَكُمْ أبا نُوَاسٍ في قوله : يا قمراً أبصرتُ في مَأْتَم ينْدُبُ شَجْواً بينَ أترابِ برَغْم ذي بابٍ وحُجَّاب أبْرَزَهُ المأتَمُ لي كارهاً ويَلْطِمُ الوَرْدَ بِعُنَّابِ يَبْكي فَيَذْري الدُّرَّ من عينه ثابت عن أنس ، أخرجه الطيالسي (٢٠٢٦) والترمذي في الجامع ( ٢٤٣٥)، والبزار كما في كشف الأستار = (٣٤٩٦)، وأبو يعلى في مسنده (٣٢٨٤)، وابن خزيمة في التوحيد ٢٧٠، وابن حبان ( ٦٤٦٨)، والطبراني في الأوسط (٨٥١٣)، والحاكم (٦٩/١)، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه . وأخرجه أحمد ( ٢١٣/٣)، وأبو داود (٤٧٣٩)، وابن خزيمة في التوحيد ٢٧١، والحاكم (٦٩/١) من حديث أشعث المداني عن أنس ( بشار ) . (١) لم أجد البيت في ديوان أبي نواس بهذا اللفظ، والذي فيه ص ( ٣٧): إذا عبَّ فيها شاربُ القَوْمِ خِلْتُهُ يُقَبَلُ في داجٍ من الليل ، كَوْكَبًا (٢) البيت في ديوان أبي نواس ص (٤٨٢). (٣) البيت في ديوان ص (٥٣٧). ٥١٩ وفيات سنة ١٩٥ هـ لا زالَ مَوْتاً دَأْبُ أحبابِهِ ولم تَزَلْ رُؤْيَتُهُ دابي(١) قال ابنُ الأعرابي : أشعَرُ الناسِ أبو نُوَاس في قوله : فعيني ترَی دهري وليس يَرَاني تغَطَّيْتُ من دَهْري بظِلِّ جناحِهِ وأين مكاني ما عَرَفْنَ مكاني (٢) فلو تسألُ الأيامَ عنِّيَ ما دَرَتْ وقال أبو العتاهية : قلتُ في الزُّهْد عشرينَ ألفَ بيت ، وَدِدْتُ أنَّ لي مكانَها الأبياتَ الثلاثةَ التي قالها أبو نُوَاس ، وهي هذه ، وكانتْ مكتوبةً على قبرِه : أو تَغَيَّرْ أو تَصَبَّرْ يا نُوَاسِيُّ تَوَقَّرْ فلَمَا سَرَّكَ أكْثَرْ إِنْ يَكُنْ ساءَكَ دَهٌ من ذَنْبِكَ أَكْبَرُ(٣) يا كثيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللهِ ومن شعرِ أبي نُوَاس يَمدَحُ بعضَ الأمراء : لطالِبِ ذاكَ ولا ناشِدٍ أنْ يَجمعَ العالَمَ في واحِدٍ(٤) أو جَدَهُ اللهُ فما مِثْلُهُ وليس للهِ بِمُسْتَنْكَرٍ وأنشدوا لسفيانَ بنِ عُيينة قولَ أبي نواس : ما هَوَى إلَّ له سَبَبُ فتَنَتْ قلبي مُحجَّبَةٌ حَلِيَتْ والحُسْنُ تأخذُهُ فاكتسَتْ منهُ طرائفَهُ فَهْيَ لو صَيَّرْتُ فيه لَهَا صار جِدّاً ما مَزَحْتُ بِهِ فقال ابنُ عُيينة : آمنتُ بالذي خلَقَها . يُبْتَدي منهُ ويَنْشَعِبُ وجْهُها بالحُسْنِ مُنْتَقِبُ تُنْتَقي منه وتَنْتَخِبُ واسترَدَّتْ بعضَ ما تَهَبُ عودةً لم يَغْنِها أَرَبُ ربَّ جِدِّ جَرَّهُ اللَّعِبُ(٥) (١) الأبيات في ديوان أبي نواس ص ( ٥٣) بألفاظ مقاربة. (٢) البيتان في ديوان أبي نواس ص (٦٥٠). (٣) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٣٤٨). وهي في تاريخ ابن عساكر (٤٥٩/١٣، ٤٦٠)، وفيه زيادة بيت وهو : سغَرِ عفو الله يَصْغَرْ أكثرُ العصيانِ الله في أضْـ (٤) البيتان من قصيدة في ديوان أبي نواس ص (٢١٨). (٥) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٥١). ٥٢٠ وفيات سنة ١٩٥ هـ وقال ابنُ دُريد : قال أبو حاتم: لو أنَّ العامَّةَ بِذَّلَتْ هذَيْنِ البيتين لكتبتُهما بماءِ الذهب(١): من البَلْوَى لأعْوَزَكَ المزيدُ ولو أني استزَدْتُكَ فوقَ ما بي ولو عُرِضَتْ على الموتى حياتي بعيشٍ مثل عيشي لم يُريدوا وقد سمع أبو نُواس حديثَ سُهيل، عن أبي صالحُ(٢)، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله م ◌َرٍ قال: ((القلوبُ جُنُودٌ مُجِنَّدة، فما تعارَفَ منها ائتلَفَ، وما تَنَاكَرَ منها اختلف (٣) . فنظم ذلك في قصيدةٍ له فقال : إِنَّ القلوبَ لأجنادٌ مُجَنَّدةٌ لله في الأرضِ بالأهواءِ تعترِفُ وما تعارَفَ منها فهو مؤتلفُ(٤) فما تناكَرَ منها فهو مختلفٌ ودخل يوماً أبو نواس مع جماعةٍ من المحدِّثين على عبدِ الواحد بن زياد فقال لهم عبدُ الواحد : لِيَخْتَرْ كلُّ واحدٍ منكم عشرةَ أحاديث أُحدِّثُه بها . فاختار كلُّ واحدٍ عشرةً إلَّ أبا نُواسَ ، فقال له : ما لَكَ لا تختارُ كما اختاروا فأنشأ يقول : عن سعيدٍ عن قَتَادْ ولقد كُنَّا رَوَيْنا ـبِ ثم ابنِ عُبَّادَه(٥) عن سعيدِ بنِ المُسَيّـ ـِيُّ شيخٌ ذو جَلَادَهْ وعن الشعبيِّ والشَّغْـ ـهِ وعَنْ أهْلِ الإفادَهْ وعن الأخيارِ نَحْکیـ فِلَهُ أَجْرُ شَهَادَه(٦) أَنَّ مَنْ ماتَ مُحِبّاً (١) زادت نسختا ( ب، ح) ما نصّه: وهما لأبي نواس . ولم أجدهما في ديوانه. (٢) كذا في الأصول، وفي تاريخ بغداد (٣٥١/٤): ((سهيل بن أبي صالح عن أبيه)). (٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٣١/٤) (٢٦٣٨)، وابن حبان في صحيحه (١٤ / ٤٢) (٦١٦٨)، وأبو داود (٢٦٠/٤) (٤٨٣٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (٣٥١/٤)، ولفظهم جميعاً ((الأرواح جنود ... )). (٤) البيتان في ديوان أبي نواس ص (٤٢٢). (٥) في الأصول: ثم (( سعد بن عبادة)) ، ولا يستقيم به وزن البيت . (٦) كذا روى الخبر والأبيات الخطيب البغدادي في تاريخه (٤٣٨/٧)، ولم نجد الأبيات في ديوان أبي نواس ، وهي في ديوان محيي الدين بن عربي ص (٣٩١) بألفاظ مقاربة وزيادة ، وهي : عن أبيه عن قتادَهْ حدّث الشيخُ أبونا عن سعيد بن عُبَادَهْ عن عطاءِ بنِ يسارٍ إنَّ منْ ماتَ محبّأَ فله أجرُ الشهادَةُ مثلَ هذا وزيادَهُ ثم قد جاء بأخرى وهو من أهل الزيادَةْ عن فُضيلٍ بِنِ عياضٍ كانتِ النار مِهَادَهْ إنَّ منْ مَاتَ خليّاً