النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ وفيات سنة ١٨٦ هـ ففعل الرشيدُ ذلك، وقد حَمَدهُ قومٌ على ذلك وذَمَّهُ آخرون . ولم ينتظِمْ للقاسم هذا أمر ، بلِ اختطفَتْهُ المَنُونُ والأقدارُ عن بلوغ الأملِ والأوطار . ولما قَضَى الرشيدُ حجَّه أحضر منْ معه من الأمراء والوزراء ، وأحضر وليَّ العهد محمداً الأمين ، وعبدَ الله المأمون ، وكتب بمضمونٍ ذلك صحيفةً ، وكتب فيها الأمراءُ والوزراءُ خُطوطَهم بالشهادةِ على ذلك ؛ وأرادَ الرشيدُ أن يُعلِّقَها في الكعبة فسقطَتْ ، فقيل: هذا أمرٌ سريعٌ انتقاضُه . وكذا وقَعَ كما سيأتي . وقال إبراهيمُ المَوْصلي في عَقدِ هذه البَيْعةِ في الكعبة : خيرُ الأمورِ مَغَّةً وأحقُّ أمْرٍ بالتَّمامْ رَحمنُ فى البلدِ الحَرَامْ أمرٌ قَضَی أحکامَهُ الز وقد أطالَ القولَ في هذا المقام أبو جعفر بن جرير، وتبعه ابنُ الجوزي في (( المنتظم)(١). وفيها تُوفي من الأعيان : أصبغْ بن عبدِ العزيز بن مروان بن الحكم أبو زَبَّانُ(٢) في رمضان منها . وحسان بن إبراهيم قاضي كرمان عن مئة سنة . وسَلْم الخاسِر الشاعر(٣): وهو سَلْم بن عمرو بن حمَّاد بن عطاء، وإنَّما قيل له الخاسر لأنَّ باع مُصحفاً واشترى به ديوانَ شعرٍ لامرىء القيس(٤) ، وقيل : لأنه أنفق مئتي ألفٍ في صناعةِ الأدب . وقد كان شاعراً منطيقاً ، له قدرةٌ على الإنشاء على حرفٍ واحد ، كما قال في موسى الهادي : موسى المَطَرْ ، غَيْثٌ بَكَرْ ، ثم انْهَمَزْ، كم اعتَبَرْ، ثم فَتَزْ ، وكم قَدَرْ ، ثم غَفَرْ ، عدْلُ السِّيَرْ ، باقي الأثَرْ، خَيْرُ البَشَرْ، فَرْعُ مُضَرْ، بَدْرٌ بَدَرْ، لَمَنْ نَظَرْ، هو الوَزَزُ(٥)، لِمَنْ حَضَرْ، والمُفْتَخَرْ، لِمِنْ غَبَرْ . وذكر الخطيبُ أنه كان على طريقةٍ غيرِ مَرْضيّةٍ من المُجونِ والفِسْق ، وأنه كان من تلاميذٍ بشَّارِ بنِ بُرْد ، وأنَّ نظمَهُ أحسنُ من نظمٍ بشار . فمِمَّا غَلَبَ فيه بشاراً قولُه : انظر تاريخ الطبري (٧١٠/٥)، والمنتظم (١١٢/٩). (١) صُحِّفت كنيته في الأصول ، والمثبت من ترجمته في الإكمال لابن ماكولا (١١٦/٤). (٢) ترجمته في الأغاني (٢٧٦/١٩). تاريخ بغداد (١٣٦/٩)، المنتظم (٩/ ١٢٠)، وفيات الأعيان (٣) (٣٥٠/٢)، سير أعلام النبلاء (١٩٣/٨). (٤) وقيل: لأنه ورث من أبيه مصحفاً فباعه واشترى بثمنه طُنبوراً. انظر الأغاني (٢٧٦/١٩)، والمنتظم ( ٩ / ١٢٠) ، (٥) ((الوَزَر)): الملجأ. لسان العرب (وزر). ٤٦٢ أحداث سنة ١٨٧ هـ مِنْ راقَبَ الناسَ لم یظفَرْ بِحَاجَتِهِ فقال سَلْم : وفاز بالطَّيِّاتِ الفاتِكُ اللَّهِج١ُ منْ راقَبَ الناسَ ماتَ غَمّاً وفاز باللَّذَّةِ الجسورُ فَغَضِبَ بشارٌ وقال : أخذَ مَعانيَّ فكساها ألفاظاً أخفَّ من ألفاظي . وقد حَصَلَ له من الخلفاءِ والبرامكة نحو من أربعين ألف دينار ؛ وقيل : أكثر من ذلك ؛ ولما مات تَرَكَ ستَةٌ وثلاثين ألفَ دينار وديعةً عند أبي الشِّمْرِ الغسَّاني ؛ فغنَّى إبراهيمُ المَوْصِليُّ يوماً الرَّشيد ، فأطرَبَه ، فقال له : سلْ. فقال: يا أميرَ المؤمنين ، أسألُكَ شيئاً ليس فيه من مالِكَ شيء، ولا أرْزَؤْكَ شيئاً سواه . قال : وما هو ؟ فذكر له وديعةَ سَلْم الخاسِر ، وأنَّهُ لم يترُكْ وارثاً . فأمر له بِها . ويقال : إنها کانت خمسين ألف دينار . والعباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عمُّ أبي الرشيد ، كان من ساداتٍ قُريش ، ولي إمارةَ الجزيرة في أيام الرشيد ، وقد أطلَقَ له الرشيدُ في يومٍ خمسةَ آلافِ ألفِ درهم ، وإليه تُنسب العبّاسية، وبها دُفن وغُمرُه خمسٌ وستون سنة. وصلَّى عليه الأمين . ويَقْطِينُ بنُ مُوسى(٢) : كان أحدَ الدُّعاة إلى دولةٍ بني العباس ، وكان داهيةً ذا رأي وقدِ احتالَ مرَّةً حيلةً عظيمة ، لما حبس مروانُ الحمار إبراهيمَ بن محمد بِحَرَّان ، فتحيَّرَتِ الشيعةُ العباسية فيمَنْ يولُّون ؟ ومَنْ يكونُ وليَّ الأمرِ من بعدِهِ إِنْ قُتل ؟. فذهب يقطينُ هذا إلى مروان ، فوقف بين يديه في صورةٍ تاجرٍ فقال : يا أمير المؤمنين، إني قد بعتُ إبراهيم بن محمد بضاعةً ولم أقِضْ ثمنَها منه، حتى أخَذَتْهُ رُسُلُك ، فإنْ رأى أميرُ المؤمنين أن يجمعَ بيني وبينه لأطالبَهُ بمالي فعَل . قال : نعم . فأرسل به إليه مع غلام ، فلما رآه قال : يا عدوَ الله، إلى مَنْ أوْصَيْتَ بعدَك آخُذُ مالي منه؟ فقال له : إلى ابنِ الحارثيّة . يعني أخاه عبدَ الله السفّاح . فرجَعَ يقطينُ إلى الدعاة إلى بني العباس ، فأعلمهم بما قال ، فبايعوا السفّاح ، فكان من أمرِهِ ما ذكرناه . ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومئة فيها كان مَهْلِكُ البَرامكة على يدَي الرشيد ، قتَلَ جعفرَ بن يحيى بن خالد البَرْمَكي ، ودَمَّرَ ديارهم ، واندرستْ آثارُهم ، وذهب صغارُهم وكبارُهم . وقد اختلف في سَبَبِ ذلك على أقوال ، ذكرها ابنُ جرير (١) البيت في ديوان بشار ص (٢٣٥). (٢) ترجمته في المنتظم لابن الجوزي (١٢٥/٩)، النجوم الزاهرة (١٢٠/٢). ٤٦٣ أحداث سنة ١٨٧ هـ وغيره من علماء التاريخ ، فمِمَّا قيل: إنَّ الرشيد كان قد سلَّم يحيى بن عبد الله بن حسن إلى جعفر البَرْمَكي لِيسجُنَهُ عندَه ، فما زال يحيى يترفَّق له حتى أطلقَهُ جعفر، فنَمَّ الفضلُ بنُ الربيع في ذلك على جعفر إلى الرشيد ، فقال له الرشيد : وَيْلَك! لا تدخُلْ بيني وبين جعفر، فلعلَّهُ أطلَقَهُ عن أمْرِي وأنا لا أشعُر . ثم سأل الرشيدُ جعفراً عن ذلك، فصدَّقه، فتغيَّظَ عليه، وحلَفَ لَيَقْتُلَنَّه . وكره البرامكة، ثم قتلهم وقلاهم بعدَما كانوا أحظَى الناس عندَه وأحبَّهم إليه . وكانتْ أمّ جعفر والفضل أمَّ الرشيد من الرَّضاعة ، وقد جعلهم الرشيدُ من الرفعةِ في الدنيا وكثرة المال بسببِ ذلك شيئاً كثيراً ، لم يحصُلْ لِمَنْ قبلَهم من الوزراء ، ولا لِمَنْ بعدَهم من الأكابر والرؤساء ، بحيثُ إنَّ جعفراً بَنَى داراً غَرِمَ عليها عشرين ألفَ ألفِ درهم ، وكان ذلك من جُملةِ ما نَقِمَهُ عليه الرشيد . ويقال : إنما قتلهم الرشيدُ لأنه كان لا يَمُزُّ ببلدٍ ، ولا إقليم ، ولا مزرعةٍ ، ولا بستانٍ إلَّ قيل : هذا لِجعفر . ويُقال : إنَّ البرامكةَ كانوا يُريدون إبطالَ خلافةِ الرشيد، وإظهارَ الزَّنْدَقة . وقيل: إنما قتلهم بسببِ العَبَّاسَة . ومن العلماء من أنكَرَ ذلك، وإنْ كان ابنُ جرير قد ذكرَه . وذكر ابنُ الجوزي أنَّ الرشيد سُئل عن سببٍ قتلِهِ البرامكة فقال : لو أعلمُ أنَّ قميصي يعلَمُ ذلك لأحرقتُه . وقد كان جعفرٌ يدخلُ على الرشيد بغيرِ إذْن ، حتى كان يدخُلُ عليه وهو في الفِراش مع حظاياه ، وهذهِ وجاهةٌ عظيمة ، ومَنْزِلةٌ عالية، وكان عندَهُ من أحظَى العُشَراء على الشراب المسكر - فإنَّ الرشيد كان يستعملُ في أواخرٍ أيام خلافتِهِ المسكرَ وكأنَّه المختَلَفُ فيه - وكان أحبَّ أهلِهِ إليه العبَّاسةُ بنتُ المهدي ، وكان يُحضِرُها معه، وجعفرٌ البرمكيُّ حاضرٌ أيضاً معَه، فزوَّجَهُ بِها لِيحلَّ النظر إليها، واشترطَ عليه أنْ لا يطأها، وكان الرشيدُ ربما قامَ وتركهما وهما ثَمِلانِ من الشراب ، فربَّما واقَعَها جعفرٌ فحَبِلَتْ منه ، فولدَتْ ولداً وبعثَتْهُ مع بعضٍ جواريها إلى مكة ، وكان يُرَبَّى بِها . وذكر ابنُ خَلِّكان في الوفيات أنَّ الرشيد لَمَّا زوَّجَ أختَهُ العبَّاسة من جعفر أحبَّها حُبّاً شديداً، فراوَدَتْهُ عن نفسِه فامتنع أشدَّ الامتناع خوفاً من الرشيد ، فاحتالَتْ عليه ، وكانت أمُّهُ تُهدي له في كلِّ ليلةٍ جمعةٍ جاريةً حسناءَ بِكْراً ، فقالت : أدخِلِيني عليهِ بصفةٍ جارية . فهابَتْ ذلك ، فتهدَّدَتْها حتى فعلتْ ذلك ، فلما دخلَتْ عليه لم يتَحَقَّقْ وجهَها ، فواقَعَها ، فقالتْ له : كيف رأيتَ خديعةَ بناتِ الملوك؟ وحملَتْ من تلك الليلة، فدخل على أُمِّه فقال: بعتيني واللهِ برخيص. ثم إنَّ والدَهُ يحيى بن خالد جعل يُضَيِّقُ على عيالِ الرشيد في النَّفَقَّة ، حتى شكَتْ زُبَيدةُ ذلك إلى الرشيد مرَّاتٍ ، ثم أفشَتْ له سِرَّ العَّاسة، فاستشاطَ غيظاً ، ولما أخبرَتْهُ أنَّ الولدَ قد أرسلَتْ به إلى مكة ، حجَّ عامَ ذلك حتى تحقَّقَ الأمر . ويقال : إنَّ بعضَ الجواري نَمَّتْ عليها إلى الرشيد ، وأخبرَتْهُ بما وقع، وأنَّ الولدَ بمكة ، وعندَهُ جوارٍ وأموالٌ وحُلِيٌّ كثيرة ، فلم يصدِّقْ حتى حجَّ في السنةِ الخالية ، ثم كشَفَ الأمرَ عن الحال ، فإذا هو كما ذكر . ٤٦٤ أحداث سنة ١٨٧ هـ وقد حجَّ في هذه السنة التي حجَّ فيها الرشيدُ يحيى بنُ خالدِ الوزير وقد استشعرَ الغضب من الرشيدِ عليه ، فجعل يدعو عندَ الكعبة : اللهمّ إنْ كان يُرضِكَ عني سلبُ جميعٍ مالي وولدي وأهلي فافعَلْ ذلك ، وأبقِ عليَّ منهم الفضل . ثم خرج . فلما كان عند بابِ المسجد رجَعَ فقال: اللهمَّ والفضلُ معَهم ، فإنِّي راضٍ برِضاك عني ، ولا تستَثْنٍ منهم أحداً . فلما قفَلَ الرشيدُ من الحجِّ صار إلى الحِيرة ، ثم ركب في السُّفن إلى الغَمْرِ من أرضِ الأنبار ، فلما كانتْ ليلةُ السبت ، سَلْخَ المحرَّم من هذه السنة أرسل مسروراً الخادمَ ومعه حَمَّاد بن سالم أبو عصمة في جماعةٍ من الجند ، فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلاً ، فدخل عليه مسرورٌ الخادم وعندَهُ بَخْتَيْشُوع المتطَبِّب وأبو زَكَّار(١) الأعمى المُغَنِّي الكَلْوَذاني ، وهو في أمرِه وسرورِهِ وأبو زكَّار يُغنِّيه: فلا تَبْعَدْ فكُلُّ فَتَّى سيأتي عليه الموتُ يَطْرُقُ أو يُغَادِيُ(٢) فقال الخادمُ له : يا أبا الفضل هذا الموتُ قد طرَقَك، أجِبْ أميرَ المؤمنين . فقام إليه يُقَبِّلُ قدمَيْه ، ويدخُلُ عليه أنْ يُمكنَهُ فيدخلَ إلى أهلِهِ فُيُوصِيَ إليهم ويُودِّعَهم ، فقال : أمَّا الدخولُ فلا سبيلَ إليه ، ولكنْ أوْصِ . فَأوْصَى وأعتَقَ جميعَ مماليكِه أو جماعةً منهم ، وجاءت رُسلُ الرشيدِ تستحِثُه ، فأُخرج إخراجاً عَنيفاً ، فجعلوا يقودونه حتى أتَوْا به المَنْزِل الذي فيه الرشيد ، فحبسَهُ وقَّدَه بقيدِ حِمار ، وأعلموا الرشيدَ بِما كان يفعل، فامَرَ بضَرْبِ عُنقِه ، فجاء السَّيَّافُ إلى جعفر فقال: إنَّ أميرَ المؤمنين قد أمرَني أنْ آتِيَهُ برأسِك . فقال: يا أبا هاشم، لعلَّ أميرَ المؤمنين سكران ، فإذا صحا عاتَبَك فيّ . فعاوَدَهُ فرجَعَ إلى الرشيد ، فقال : إنه يقولُ لعلَّك مشغول. فقال: يا ماصَّ بَظَرٍ أمِّه ، ائتني برأسِه . فكرَّرَ عليه جعفرٌ المقالةَ ، فقال الرشيدُ في الثالثة : برئتُ من المهديِّ إنْ لم تأتِنِي برأسِه لأبعثَنَّ مَنْ يأتيني برأسِكَ ورأسِه. فرجع إلى جعفر، فحزَّ رأسَه وأتى به إلى الرشيد ، فألقاه بين يديه ، وأرسل الرشيدُ من ليلِهِ البُرُدَ بالاحتياطِ على البرامكةِ جميعِهم ببغدادَ وغيرِها ، ومن كان منهم بسبيل . فأُخذوا كلُّهم عن آخرِهم ، فلم يفْلتْ منهم أحد ، وحُبس يحيى بنُ خالد في مَنْزِلِه ، وحُبس الفضلُ بن يحيى في مَنْزِلٍ آخر ، وأُخذ جميعُ ما يَعْلِكونَهُ من الدنيا، وبعث الرشيدُ برأسِ جعفرٍ وجُثَّتِهِ ، فُنصب الرأسُ عند الجِسْرِ الأعلى، وشُقَّتِ الجُنَّةُ باثنتَيْن ، فنُصب نصفُها الواحدُ عند الجسرِ الأسفل ، والأخر عند الجسرِ الآخر ، ثم أُحرقَتْ بعدَ ذلك، ونُودِيَ في بغداد : أنْ لا أمانَ للبرامكة ، ولا لِمَنْ آواهم ، إلَّا محمد بن يحيى بن خالد، فإنه مُستَنىّ منهم، لِنُصْحِهِ للخليفة . وأُتِي الرشيد بأنس بن أبي شيخ ، كان يُتَّهَمُ بالزَّنْدَقة، وكان مُصاحباً لجعفر، فدار بينه وبين الرشيد كلام ، ثم أخرج (١) صحفت اللفظة في الأصول، والمثبت من تاريخ الطبري (٦٦١/٤)، والإكمال لابن ماكولا (١٨٧/٤). (٢) الخبر والبيت في الأغاني (٧/ ٢٤٦) في ترجمة أبي زكار الأعمى . ٤٦٥ أحداث سنة ١٨٧ هـ الرشيدُ من تحتِ فراشِهِ سيفاً وأمر بضربِ عُنقِه به ، وجعل يتمثَّلُ ببيتٍ قيل في قتل أنسٍ قبلَ ذلك : تلمَّظَ السيفُ من شوقٍ إلى أنس فالسيفُ يلحَظُ والأقدارُ تنتظِرُ فضُربَتْ عُنقُ أنس ، فسبَقَ السيفُ الدَّمَ ، فقال الرشيد : رحمَ الله عبدَ الله بن مُصعَب . فقال الناس : إنَّ السيفَ كان للزُّبير بنِ العوَّام . ثم شُحنت السجونُ بالبرامكة ، واستُلبَتْ أموالُهم كلُّها ، وزالتْ عنهمُ النِّعمة . وقد كان الرشيدُ في اليوم الذي قتل جعفراً في آخرِه هو وإيَّهُ راكبَيْنِ في الصَّيد في أوله ، وقد خلا به دون ولاةِ العُهود ، وطيَّبَهُ في ذلك بالغالية بيدِه ، فلما كان وقتُ المغرب ودَّعَهُ الرشيدُ وضَمَّهُ إليه وقال : لولا أنَّ الليلةَ ليلةُ خلوتي بالنساء ما فارقتُك ، فاذهبْ إلى مَنْزِلك، واشرَبْ واطرَبْ وطِبْ عيشاً ، حتى تكونَ على مثلٍ حالي ، فأكون أنا وأنتَ في اللذَّةِ سواءً . فقال : والله يا أميرَ المؤمنين ، لا أشتهي ذلك إلَّ معَك. فقال: لا، انصرِفْ إلى مَنْزلك. فانصرَفَ عنه جعفر. فما هو إلّا أنْ ذهب من الليلِ بعضُه حتى أوقعَ به من البأسِ والنَّكالِ ما تقدَّم ذكرُه ، وكان ذلك ليلةَ السبت ، آخرَ ليلةٍ من المحرَّم ، وقيل : إنَّها أولُ ليلةٍ من صَفَر في هذه السنة ، كان عمرُ جعفرٍ إذْ ذاك سبعاً وثلاثين سنة . ولما جاء الخَبرُ إلى أبيه يحيى بنِ خالد بقتلِه : قال: قَتَلَ الله ابنَه. ولما قيل له: قد خَرِبَتْ دارُك. قال : خرَّب الله دورَه . ويقال : إنَّ يحيى لما نظر إلى دُوره وقد هُتكتْ ستورُها، واستُبِيحتْ قصورُها ، وانتُهب ما فيها قال : هكذا تقومُ الساعة . وقد كتَبَ إليه بعضُ أصحابه يُعزِِّه فيما جرى له ، فكتب إليه جوابَ التعزية : أنا بقضاء الله راضٍ وباختيارِهِ عالِم ، ولا يؤاخِذُ الله العبادَ إلَّ بذنوبهم، وما الله بظلام للعبيد، وما يغفِرُ الله أكثَرُ ، ولله الحمد . وقد أكثر الشعراءُ من المراثي في البرامكة ، فمن ذلك قولُ الرَّقَاشي ، وقيل : إنَّها لأبي نُوَاس : وأمسَكَ مَنْ يُجْدي ومَنْ كان يَجْتَدي الآن استرَحْنا واستراحَتْ رِكَابُنَا وطَيِّ الفيافي فَدْفَداً بعدَ فَدْفَدِ فقلْ للمَطايا قد أمِنْتِ من السُّرَى ولن تَظْفَري من بعدِهِ بِمُسَوَّدٍ وقلْ للمنايا قد ظَفِرْتِ بجعفرٍ وقلْ للرزَّايا كلَّ يومٍ تَجَدَّدي وقلْ للعطايا بعد فضلٍ تعَطَّلي أُصيبَ بسيفٍ هاشميٌّ مُهَنَّدٍ(١) ودونكِ سيفاً برمكيّاً مُهَنَّداً وقال الرَّقَاشيُّ وقد نظرَ إلى جعفرٍ وهو على على جذْعه : وعينٌ للخليفةِ لا تنامُ أمَا واللهِ لولا خوفُ واش كما للناسِ بالحجَرِ استلامُ لَطُفْنا حولَ جِذْعِكَ واستلَمْنا حُساماً فَلَّهُ السيفُ الحسامُ فما أبصرتُ قبلكَ يا بن يحيى (١) الأبيات والخبر في تاريخ الطبري (٦٦٤/٤). والكامل لابن الأثير (٣٣٠/٥)، ووفيات الأعيان (٣٤٦/١). ٤٦٦ أحداث سنة ١٨٧ هـ على اللذَّات والدنيا جميعاً ودولةِ آلِ بَرْمَكِ السلامُ(١) قال : فاستدعاهُ الرشيدُ فقال له : كم كان يُعطِيكَ جعفرٌ كلَّ عام ؟ قال : ألف دينار ، فأمر له بألفَيْ دینار . وقال الزُّبير بن بكار عن عَمِّه مصعب الزُّبيري قال : لما قتل الرشيدُ جعفراً وقفتِ امرأةٌ على حمارٍ فارِهِ فقالتْ بلسانٍ فصيح : والله يا جعفر ، لئن صرتَ اليوم آيةً لقد كنتَ في المكارم غاية . ثم أنشأتْ تقول : ونادَى منادٍ للخليفةِ في يحيى ولما رأيتُ السيفَ خالَطَ جعفراً قُصَارَى الفتى يوماً مُفارقةُ الدنيا بِكَيْتُ على الدنيا وأيقنتُ أنَّما تُخَوِّلُ ذا نُعْمَى وتُعْقِبُ ذا بَلْوَى وما هي إلَّ دولةٌ بعدَ دولةٍ من المُلكِ حَطَّتْ ذا إلى الغايةِ القُصْوَى إذا أنزلَتْ هذا منازلَ رفعةٍ قال : ثم حرَّكَتْ حمارَها فذهبَتْ . فكأنها كانتْ ريحاً لا أثَرَ لها ، ولا يُعرف أين ذهبَتْ . وذكر ابنُ الجوزي (٢)، أنَّ جعفراً كان له جاريةٌ يُقالُ لها فَتِينَةَ ، مُغَنِّية ، لم يكنْ لَها في الدُّنيا نظير ، كان مُشتراها عليه بِمَنْ معها من الجواري مئة ألف دينار ، فطلبَها منه الرشيدُ فامتنَعَ من ذلك ، فلما قتَلَهُ الرشيدُ اصطَفَى تلك الجارية ، فأحضَرَها ليلةً في مجلسِ شرابِهِ ، وعنده جماعةٌ من جُلسائِهِ وسُمَّارِهِ ، فأمَرَ مَنْ معَها أنْ يُغَنِّين . فاندفعَتْ كلُّ واحدةٍ تُغَنِّي حتى انتهَتِ النَّوْبَةُ إلى فَتِينَةَ ، فأمرَهَا بالغِناء فأسبلَتْ دمعَها وقالتْ : أمَّا بعدَ السادَةِ فلا . فغَضِبَ الرشيدُ غضباً شديداً ، وأمرَ بعضَ الحاضرين أنْ يأخذَها إليه ، فقد وهَبَها له. ثم لَمَّا أراد الانصرافَ قال له فيما بينه وبينه: لا تطَأُها. ففَهِمَ أنه يُريد بذلك كسرَها . فلما كان بعد ذلك ، أحضرَها وأظهرَ أنه قد رَضِي عنها ، وأمرَها بالغناء فامتنعَتْ وأرسلَتْ دمعَها وقالت : أمَّا بعد السادةِ فلا . فَغَضِبَ الرشيدُ أشدَّ من غَضَبِهِ في المرَّةِ الأولى وقال : النِّطْعَ والسيف . وجاء السيَّاف، فوقف على رأسها ، فقال له الرشيد : إذا أمرتُكَ ثلاثاً وعَقدتُ أصابعي ثلاثاً فاضرِبْ. ثم قال: غَنِّي. فبكَتْ وقالتْ : أَمَّا بعدَ السادِةِ فلا . فعقَدَ أصبعَهُ الخِنْصَر ، ثم أمرَها الثانيةَ فامتنعَتْ ، فعقَدَ اثنتَيْن ، فارتعَدَ الحاضرونَ وأشفقوا غايةَ الإشفاق ، وأقبلوا عليها يسألونَها أنْ تغنِّيَ لئلا تقتلَ نفسَها ، وأنْ تُجيبَ أميرَ المؤمنينَ إلى ما يُريد ، ثم أمرها الثالثة ، فاندفعَتْ تُغَنِّي كارهةً : لَمَّا رأيتُ الدِّيار قد دَرَّسَتْ أيقنتُ أنَّ النعيمَ لم يَعُدِ قال : فوثب إليها الرشيد ، وأخذ العُودَ من يدِها ، وأقبل يضرب به وجهَها ورأسَها ، حتى تكسَّر ، وأقبلتِ الدماء ، وتطايرتِ الجواري من حولِها ، وحُملت من بين يديه ، فماتَتْ بعدَ ثلاث . (١) الأبيات في تاريخ بغداد (١٥٨/٧)، والمنتظم لابن الجوزي (١٢٦/٩)، ووفيات الأعيان (٣٤٠/١). (٢) في المنتظم (٩/ ١٣٠). ٤٦٧ أحداث سنة ١٨٧ هـ ورُوي أنَّ الرشيد كان يقول : لعَنَ الله مَنْ أغراني بالبرامكة ، فما وجدتُ بعدَهم لذَّةٌ ولا راحةً ولا رجاءً ، وَدِدْتُ والله أني شطَرْتُ نصفَ عُمري، ومُلكي، وأنِّي تركتُهم على حالهم . وحكى ابنُ خَلِّكان، أنَّ جعفراً اشترى جاريةً من رجلٍ بأربعين ألفَ دينار ، فالتفَتتْ إلى بائعها وقالتْ: اذكُرِ العهدَ الذي بيني وبينَك. لا تأكُلْ من ثَمَني شيئاً. فَبَكَى سيِّدُها وقال: اشهدوا أنها حُرَّة وأنّي قد تزوَّجْتُها . فقال جعفر : اشهدوا أنَّ الثمنَ له أيضاً . وكتب إلى نائبٍ له : أمَّا بعد، فقد كَثُرَ شاكوك، وقلَّ شاكروك، فإمَّا أنْ تَعدِل، وإمَّا تَعْتَزِل. ومن أحسَنِ ما وقَعَ منه من التلطُّف في إزالةِ هَمِّ الرشيد ، وقد دخل عليه مُنَجِّمٌ يهوديّ ، فأخبَرَهُ أنه سيموتُ في هذه السنة، فحمَلَ الرشيدُ هَمّاً عظيماً، فدخل عليه جعفرٌ فسأله ؛ ما الخبر؟ فأخبرَهُ بقولِ اليهودي ، فاستدعَى جعفرٌ اليهوديَّ فقال له : كم بَقِيَ لكَ من العُمر؟ فذكر مدَّةً طويلة، فقال: يا أميرَ المؤمنين اقتُلْهُ حتى تعلمَ كَذِبَهُ فيما أخبَرَ عن عُمره . فأمر الرشيدُ باليهوديِّ فقُتل ، وسُرِّيَ عن الرشيدِ الذي كان فيه . وبعد مقَتلِ البرامكة قتل الرشيدُ إبراهيمَ بن عثمان بن نَهِيك ، وذلك أنَّهُ حَزِنَ على البرامكة ، ولا سيما جعفر، كان يُكثر البكاءَ عليهم ، ثم خرج من حَيِّزِ البكاء إلى حَيِّزِ الانتصار لهم ، والأخذِ بثأرهم . وكان إذا شرب في مَنْزله يقولُ لِجاريته : ائتني بسيفي. فيَسُلُّهُ ثم يقول: والله لأقتلَنَّ قاتِلَه، فأكثَرَ أن يقولَ ذلك ، فخَشِيَ ابنُه عثمانُ أنْ يطَّلِعَ الخليفةُ على ذلك فيُهلِكَهم عن آخرِهم ، ورأى أنَّ أباهُ لا يَنْزِعُ عن هذا ، فذهب إلى الفَضْلِ بن الربيع فأعلمَه ، فأخبرَ الفضلُ الخليفة ، فاستدعى به ، فاستخبرَهُ فأخبرَه ، فقال : مَنْ يشهَدُ معَكَ عليه ؟ فقال : فلانٌ الخادم . فجاء به فشَهِد ، فقال الرشيد : لا يَحِلُّ قتلُ أميرٍ كبير ، بِمُجَزَّدٍ قولِ غلامٍ وخَصِيّ ، لعلَّهما قد تواطأا على ذلك، فأحضَرَهُ الرشيدُ معه على الشراب ، ثم خلا به فقال : ويحكَ يا إبراهيم، إنَّ عندي سِرّاً أُحِبُّ أنْ أُطلِعَكَ عليهِ أقلَقَني في الليلِ والنهار . قال : وما هو ؟ قال : إنِّي نَدِمْتُ على قتلِ البرامكة ، ووَدِدْتُ أني خرجتُ من نصفِ مُلْكي ونصفِ عُمري ولم أكنْ فعلتُ بِهم ما فعلت ، فإني لم أجدْ بعدَهم لذَّةٌ ولا راحة . فقال : رحمةُ الله على أبي الفضل - يعني جعفراً - وبكى وقال : والله يا سيدي لقد أخطأتَ في قتلِه . فقال له : قُمْ لعنَكَ الله. ثم حبسه ثم قتَلَهُ بعد ثلاثةٍ أيام . وسَلِمَ أهلُهُ وولَدُه . وفي هذه السنةِ غَضِبَ الرشيدُ على عبدِ الملك بن صالح بسببِ أنَّهُ بلَغَهُ أنه يُريدُ الخلافة . واشتدَّ غضَبُه بسَبَبِهِ على البرامكةِ الذين هم في الحُبوس ، ثم سجَنَه ، فلم يزل في السجنِ حتى مات الرشيد ، فأخرَجَهُ الأمين ، وعقَدَ له على نيابةِ الشام . وفيها ثارَتْ العصَبِيةُ بالشام بين المُضَرِيَّةِ والنِّزاريَّة ، فبعث إليهمُ الرشيدُ محمد بن منصور بن زياد ، فأصلح بينهم . ٤٦٨ أحداث سنة ١٨٧ هـ وفيها كانت زلزلةٌ عظيمة بالمِصِّيصَة ، فانهدَمَ بعضُ سورِها ، ونَضَبَ ماؤها ساعةً من الليل . وفيها بعث الرشيدُ ولدَهُ القاسِمَ على الصائفة، وجعَلَهُ قُرْباناً ووسيلةً بين يديه ، وولََّهُ العَوَاصم . فسار إلى بلادِ الرُّوم فحاصرَهَم حتى افتَدَوْا بِخَلْقٍ من الأسَارَى ، يُطِلِقُونَهم ، ويَرْجِعُ عنهم . ففعَلَ ذلك . وفيها نقَضَتِ الرُّوم الصُّلحَ الذي كان بينهم وبين المسلمين، الذي كان عقَدَهُ الرشيدُ بينه وبينَ رينى (١) مَلِكَةِ الروم ، الملقبة أغسطه . وذلك أنَّ الرُّومَ عَزَلوها عنهم، ومَلَّكُوا عليهمُ النَّْفُور ، وكان شجاعاً ، يقال : إنه من سُلالةِ آلِ جَفْنَةَ، فخلعوا رينى وسَمَلوا عينيْهَا، فكتب نَقْفُور إلى الرشيد : من نَقْفُور ملكِ الرُّوم إلى هارونَ ملِكِ العرب ، أمَّا بعد ، فإنَّ الملكةَ التي كانتْ قبلي أقامَتْكَ مقامَ الزُّخُ(٢)، وأقامَتْ نفسَها مقامَ البَيْدَق، فحملَتْ إليك من أموالِها ما كنتَ حقيقاً بحَمْلِ أمثالِهِ إليها ، وذلك من ضَعْفِ النساءِ وحُمْقِهِنّ . فإذا قرأتَ كتابي هذا فاردُدْ إليَّ ما حملَتْهُ إليكَ من الأموال ، وافتدِ نفسَك به ، وإلَّا فالسيفُ بيننا وبينَك. فلما قرأ هارون الرشيدُ كتابَه أخَذَهُ الغضَبُ الشديد ، حتى لم يتمكَّنْ أحدٌ أنْ ينظُرَ إليه ، ولا يستطيعُ مخاطبتَه ، وأشفَقَ عليه جلساؤه خوفاً منه ، ثم استدعى بدواةٍ وكتب على ظهرِ الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم ، من هارونَ أميرِ المؤمنين إلى نقفور كلبِ الرُّوم . قد قرأتُ كتابَك يا ابنَ الكافرة ، والجوابُ ما تراهُ دونَ ما تسمَعُه . والسلام . ثم شخَصَ من فَوْرِه ، وسار حتى نزَلَ ببابِ هِرَقْلَة ففتحها٣)، واصطفَى ابنةَ مَلِكِها ، وغَنِمَ من (١) تصحفت في (ق) إلى: ((رنى))، وما أثبتناه من ( ب، ح ) والطبري وغيره. ((الرُّخ)): من أداة الشطرنج، وهو أكبر مَنزلةً من البيدق، وهو معرّب من كلام العجم . انظر لسان العرب (٢) ( رخخ ) . (٣) (( هِرَقْلة)) - بالكسر ثم الفتح - : مدينةٌ ببلادِ الروم ، سُميت بهرقلة بنتِ الرُّوم بن اليفز بن سام بن نوح عليه السلام. وكان الرشيدُ غزاها بنفسه، ثم افتتحها عَنوةً بعدَ حصارٍ وحَرْبٍ شديد ، ورمى بالنارِ والنَفط ، حتى غلب أهلها . فلذلك قال المكي الشاعر : جوَّ السما تَرْتَمي بالنّفْطِ والنارِ هَوَتْ هِرَقْلةُ لَمَّا أنْ رأتْ عَجَبا مُصَبَّغاتٌ على أرسانِ قصَّارِ كأنَّ نيراننَا في جنبِ قلعتِهِم ثم قَدِم الرقّة في شهرِ رمضان ، فلما عيَّد جلس للشعراء فدخلوا عليه وفيهم أشجع السُّلَمي ، فبدر فأنشد : تمضي لها بك أيامٌ وتُمضيها لا زلتَ تنشُرُ أعياداً وتطويها يَطْوي بك الدهرُ أياماً وتطويها ولا تقضَّتْ بك الدنيا ولا بَرِحَتْ إليك بالنصرِ معقوداً نواصيها لِيَهْنِكَ الفتحُ والأيامُ مُقبلةٌ أمْسَتْ هِرَقْلةُ تَهْوي من جوانبِها مَلَكْتَها وقتلتَ الناكثين بها وناصرُ الله والإسلام يرميها بنصرِ منْ يَمْلِكُ الدنيا وما فيها = ٤٦٩ وفيات سنة ١٨٧ هـ الأموال شيئاً كثيراً ، وخرَّبَ وأحرَق . فطلبَ نقفور منه الموادَعَةَ على خراج يؤدِّيِهِ إليه في كلِّ سنة . فاجابَهُ الرشيدُ إلى ذلك ، فلما رجَعَ من غَزْوَتِه وصار بالرَّقَّة ، نقَضَ الكافِرُ العَهْدَ وخانَ المِيثاق ، وكان البَرْدُ قد اشتدَّ جدّاً ، فلم يقدِرْ أحَدٌ أنْ يَجِيءَ فُيُخبِرَ الرشيدَ بذلك لِخَوْفهم على أنفسِهم من البَرْد ، حتى يَخرُجَ فصلُ الشتاء . وحجّ بالناس فيها عبدُ الله بن عباس بن محمد بن علي . ذكرُ من تُوقِّي فيها من الأعيان : جعفر بن يحيى بن خالد بن بَرمك(١) أبو الفضل البَرْمَكي، الوزيرُ ابنُ الوزير ؛ ولَّهُ الرشيدُ الشامَ وغيرَها من البلاد ؛ وذكر ابنُ عساكر(٢)، أنَّ الرشيد بعثهُ إلى دمشق لمَّا ثارَتِ الفتنةُ العِشْرَيْنِ(٣) بحوران بين قيسٍ ويَمَن ، وكان ذلك أولَ نارٍ ظهرَتْ بين قيسٍ ويَمنٍ في بلاد الإسلام ، كان خامداً من زَمَنِ الجاهليّة ، فأثاروهُ في هذا الأوان ، فلما قَدِم جعفرٌ بجيشه خَمَدتِ الشُّرور ، وظهر السرور ، وقيلتْ في ذلك أشعارٌ حِسَان ؛ قد ذكر ذلك ابنُ عساكر في ترجمةِ جعفر من تاريخه(٤) ، منها : فهذا أوانُ الشامِ تُخْمَدُ نارها لقد أُوقِدَتْ في الشام نيرانُ فتنةٍ عليها خَبَتْ شُهْبَانُها وشَرَارُها إذا جاشَ مَوْجُ البحرِ من آلِ برِمَكِ وفيه تلاقَى صَدْعُها وانْجبارُها رماها أميرُ المومنينَ بجعفرٍ تَرَاضَى بهِ قحطانُها ونِزَارُها رماها بميمون النقيبةِ ماجدٍ = ما رُوعي الدينُ والدنيا على قدَمِ بمثلِ هارونَ راعيهِ وراعيها فأمر له بعشرة آلاف دينار ، وقال: لا يُنشدني أحدٌ بعَدَه بشيء . فقال أشجع: والله لأمرُهُ ألَّا يُنشده أحدٌ من بعدي أحبُّ إليَّ من صِلَتِهِ . وكان في السبي الذي سُبي مِن هِرَقلة ابنةُ بِطَريقها ، وكانتْ ذاتَ حسنٍ وجمال ، فتُودي عليها في المغانم ، فزاد عليها صاحبُ الرشيد ، فصادفَتْ منه مَحَلاً عظيماً ، فنقلها معه إلى الرقّة ، وبنى لها حِصْناً بين الرافقة وبالِس على الفرات، وسمَّاهُ هِرَقْلة ، يَحكي بذلك هرقلةَ التي ببلاد الروم . وبقي الحصنُ عامراً مدَّةٌ حتى خَرِب، وآثاره إلى وقتنا ذا باقية ؛ وفيه آثارُ عمارةٍ وأبنيةٍ عجيبة ، وهو قُرْب صفِّين من الجانب الغربي . معجم البلدان (٣٩٨/٥، ٣٩٩). (١) ترجمته في تاريخ بغداد (٧/ ١٥٢)، المنتظم (٩/ ١٤٠)، وفيات الأعيان (٣٢٨/١)، مختصر تاريخ ابن عساكر (٩٨/٦)، سير أعلام النبلاء (٥٩/٩)، التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (٢٤٣/١). (٢) انظر مختصر ابن منظور لتاريخ ابن عساكر (٩٨/٦)، وترجمته ليست فيما طبع من تاريخ ابن عساكر، وهي من ضمن الأجزاء المفقودة منه . (٣) في (ح ) : العشران . وعليه . (٤) انظر الحاشية قبل السابقة . ٤٧٠ وفيات سنة ١٨٧ هـ وصَوْلاتُهُ لا يُستطاعِ خِطَارُها هو الملِكُ المأمولُ للِرِّ وَالتَّقَى ومُدْيَتُهُ(١) والحربُ تَدْمى شِفَارُها وزيرُ أميرٍ المؤمنينَ وسيفُهُ ومنْ تُطْوَ أسرارُ الخليفةِ دونَهُ فعندَكَ مأواها وأنتَ قرارُها مِلِمَّاتُ خَطْبٍ لم تَرُعْهُ كِبَارُها يؤمَّلُ جَدْواها ويُخْشى دَمارُها إذا ما ابنُ يحيى جعفرٌ قُصِدَتْ لَهُ لقد نشأتْ بالشامِ منكَ غمامةٌ وهي قصيدةٌ طويلة ، اقتصرنا منها على هذا القَدْر(٢). وكانتْ له فصاحةٌ وبلاغةٌ وذكاءٌ وكرمٌ زائد ؛ كان أبوهُ قد ضمَّهُ إلى القاضي أبي يُوسُف ، فتفَقَّهَ عليه ، وصار له اختصاصٌ بالرّشيد . وقد وقَّعَ ليلةً بحضرَةِ الرشيد زيادةً على ألفِ توقيع ، ولم يَخرجُ في شيءٍ منها عن موجب الفقه وقد روى الحديثَ عن أبيه ، عن عبد الحميدِ الكاتب ، عن عبد الملكِ بنِ مروان ، كاتبٍ عثمان ، عن زيد بن ثابت، كاتبِ الوحي قال: قال رسولُ الله ◌َّه: ((إذا كتبتَ بسم الله الرحمن الرحيم فَبَيِّنِ السينَ فيه)). رواه الخطيب وابنُ عساكر من طريق أبي القاسم الكَعْبي المتكلُّم، واسمه عبدُ الله بنُ أحمد البَلْخي ؛ وقد كان كاتباً لمحمد بن زيد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن [ مُصْعَب بن ] رزيق (٣) ، عن الفَضْلِ بن سهل ذي الرِّياستَيْن، عن جعفر بن يحيى، به(٤) . وقال عمرو بن بحر الجاحظ : قال جعفرٌ للرشيد : يا أميرَ المؤمنين ، قال لي أبي يحيى: إذا أقبلَتِ الدنيا عليك فأعْطِ ، فإنها لا تَفنى، وإذا أدبرَتْ فأعطِ ، فإنَّها لا تبقى . وأنشدَني أبي: لا تبخلَنَّ لدُنيا وهي مُقبلةٌ فليس يَنْقصها التبذيرُ والسَّرَفُ فالحمدُ منها إذا ما أدبرَتْ خَلَفُ(٥) فإن تولَّت فأحرى أنْ تجودَ بها قال الخطيب : ولقد كان جعفرٌ من عُلُوِّ القَدْر، ونَفَاذِ الأمْر، وعِظَم المَحلّ، وجلالةِ المَنْزِلة عندَ الرشيد على حالةٍ انفَرَد بها ، ولم يشارِكُهُ فيها أحد . وكانَ سَمْحَ الأخلاق، طَلْقَ الوَجْه ، ظاهرَ البِشْر . (١) المدية: السكين والشفرة، ورواية الديوان: ((وصعدته)). (٢) وقد سبق للمؤلف أن ذكر منها أربعة أبيات في ص ٤٤٢ وذكرتُ ثمة أن القصيدة لمنصور النمري وهي في ديوانه . تصحف في الأصول إلى ((زريق))، والمثبت من الإكمال لابن ماكولا (٥١/٤) في ترجمته . (٣) (٤) أخرجه بهذا الإسناد الخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٣٤٠)، وما بين معقوفين منه. وذكر الحديث أيضاً الديلمي في الفردوس (٢٧٨/١) برقم (١٠٨٧)، والمناوي في فيض القدير (٤٣٣/١)، وإسناده ضعيف، وهو إلى الوضع أقرب كما بينه الدكتور بشار في تعليقه على طبعته من تاريخ الخطيب (١٤/ ٢٩٩). (٥) الخبر والبيتان في مختصر ابن منظور لتاريخ ابن عساكر (٩٨/٦). (٦) في تاريخ بغداد ( ٧/ ١٥٢). ٤٧١ وفيات سنة ١٨٧ هـ أمَّا جودُهُ وسخاؤه ، وبَذلُهُ وعطاؤه، فأشهرُ منْ أنْ يُذكَر . وكان أيضاً من ذوي الفصاحة ، والمذكورينَ [ باللَّسَنِ ] والبلاغة. وروى ابنُ عساكرُ(١) عن مُهَذَّب حاجب العباس بن محمد ، صاحبِ قَطيعةِ العبّاس والعباسة ، أنه أصابَتْهُ فاقةٌ وضائقة ، وكان عليه ديون ، فألحَّ عليه المطالبون وعندَهُ سَفَطُ فيه جواهر ، شراؤه عليه ألفُ ألف درهم، فأتى به جعفراً، فعرَضَهُ عليه، وأخبره بما هو عليه من الثمن، وأخبره بإلحاحِ المطالبينَ بديونِهم ، وأنه لم يبقَ له سوى هذا السَّفَط . فقال: قد اشتريتُهُ منك بألفِ ألف. ثم أقبَضَهُ المالَ وقَبَضَ السَّفَط منه، وكان ذلك ليلاً، ثم أمر من ذهب بالمالِ إلى مَنزله ، وأجلسَهُ معه في السَّمَرِ تلك الليلة ؛ فلما رجَعَ إلى مَنْزِله ، إذا السفَطُ قد سبقَهُ إلى مَنْزله أيضاً . قال : فلمَّا أصبحتُ غدَوْتُ إلى جعفر لأتشكَّر له ، فوجدتُه مع أخيه الفضل على بابِ الرشيدِ يستأذنُ عليه ، فقال له جعفر : إني قد ذكرتُ أمرَكَ للفضل ، وقد أمرَ لك بألفِ ألف ، وما أظنُّها إلَّ قد سبقَتْكَ إلى مَنْزلك، وسأفاوضُ فيك أميرَ المؤمنين . فلما دخل ذكر له أمرَهُ وما لَحِقَهُ من الديون ، فأمرَ له بثلاثِمِئَةِ ألفٍ دينار . وكان جعفرٌ ليلةً في سَمَرِه عند بعضِ أصحابِهِ ، فجاءتِ الخُنْفُساءُ فركبتْ ثيابَ الرجل ، فألقاها عنه جعفرٌ وقال : إنَّ الناسَ يقولون: من قصدَتْهُ الخُنفساء يُبَشَّرُ بمالٍ يُصيبُه . فأمر له جعفرٌ بألفِ دينار . ثم عادتِ الخُنفساء فرجَعَتْ إلى الرجل ، فأمر له بألفِ دينارٍ أخرى . وحجَّ مرَّةً مع الرشيد ، فلما كانوا بالمدينة ، قال لرجلٍ من أصحابِه : انظُرْ جاريةً أشتريها ، تكونُ فائقةً في الجمالِ والغِنَاءِ والدُّعابَة . ففتَّش الرجلُ ، فوَجَدَ جاريةً على النَّعْت ؛ فطلب سيدُها فيها مالاً كثيراً ، على أنْ يراها جعفرٌ فذهب جعفر إلى مَنْزِل سيدِها، فلما رآها أُعجب بها، فلما غنّتْه، أعجبَتْهُ أكثر ، فساوَمَهُ صاحبُها فيها ، فقال له جعفر: قد أحضَرْنا مالاً، فإنْ أعجَبكَ وإلَّ زِدْناك. فقال لها سيدُها : إنِّي كنتُ في نعمة ، وكنتِ عندي في غايةِ السُّرور ، وإنه قد انقبَضَ عليَّ حالي ، وإني قد أحببتُ أنْ أبيعَكِ لهذا المَلِك ، لكي تكوني عندَهُ كما كنتِ عندي . فقالتْ له الجارية : والله يا سيِّدي لو ملكتُ منكَ كما ملكتَ مني لم أَبِعْكَ بالدنيا وما فيها ؛ وأين ما كنتَ عاهَدْتَني أنْ لا تبيعَني ، ولا تأكُلَ من ثمني ؟ فقال سيدها لِجعفرٍ وأصحابِهِ: أُشهدُكُمْ أنَّها حُرَّةٌ لوجهِ الله، وأنِّي قد تزوَّجْتُها . فلما قال ذلك : نَهضَ جعفرٌ وقام أصحابُه، وأمروا الحمَّالَ أنْ يحملَ المال، فقال جعفر : واللهِ لا يتَّبِعُني. وقال للرجل : قد مَلَّكْتُكَ هذا المال ، فأنفِقْهُ على أهلِك . وذهبَ وترَكَه . هذا وقد كان يُبَخَّلُ بالنسبةِ إلى أخيه الفضل، إلَّ أنَّ الفضلَ كان أكثرَ منه مالاً. ورَوَى ابنُ عساكر من (١) انظر مختصر ابن منظور لتاريخ ابن عساكر (١٠٠/٦). ٤٧٢ وفيات سنة ١٨٧ هـ طريقِ الذَّارَ قُطْنيِّ بسندِه، أنه لما أصيب جعفرٌ وجدوا له في جرَّةٍ ألفَ دينار ، زِنَةُ كلِّ دينار مئةُ دينار ، مكتوبٌ على صفحةِ الدينار جعفر ، والأخرى : يُلُوحُ على وجْهِهِ جعفَرُ وأصفَر من ضَرْبِ دارِ الملوكِ متى تُعْطِهِ مُعْسراً يُوسِرُ يَزيدُ على مئةٍ واحداً وقال أحمد بن المعَلَّى الراوية : كتبَتْ عنانُ جاريةُ الناطِفِيِّ لجعفرٍ تطلُبُ منه أنْ يقولَ لأبيه يحيى أنْ يُشيرَ على الرشيد بشرائها . وكتبَتْ إليه هذه الأبيات من شعرِها في جعفر . منْ ذا على حرِّ الهوَى يَصْبرُ يا لائمي جهلاً ألا تُقْصرُ صِرفاً فمَمْزوجُ الهَوَى يُسْكِرُ لا تَلْحَني إذا شربتُ الهَوَى أحاطَ بي الحبُّ فخَلْفِي لَهُ تَخفقُ راياتُ الهَوَى بالرَّدَی سِیَّان عندي في الھوَی لائمٌ أنتَ المصفَّى من بني بَرْمكٍ لا يَبْلُغُ الواصفُ فِي وَصْفِهِ مَنْ وَقَّرَ المالَ لأغراضِهِ دِيباجَةُ المُلْكِ على وجهِهِ سَخَّتْ علينا منهما دِيْمةٌ لو مَسَحتْ كَفَّاهُ جُلْمُودةً لا يَسْتَتِمُّ المجدَ إلَّ فَتَّى يَهْتَزُّ تاجُ المُلْكِ من فَوْقِه أَشْبَهَهُ البَدْرُ إذا مَا بَدَا والله ما أدري أبَدْرُ الدُّجَى يَسْتَمْطِرُ الزُّوَّارُ منكَ النَّدَى بَحْرٌ وَقُدَّامِي لَهُ أبْحُرُ فَوْقِي وحَوْلي للهوى عَسْكرُ أَقَلَّ فيهِ والذي يَكْثُرُ يا جعفرَ الخيراتِ يا جعفرٌ ما فيكَ من فضلٍ ولا يَعْشُ(١) فجعفَرٌ أغراضُهُ أَوْفَرُ وفي يديهِ العارضُ المُمْطِرُ يَنْهِلُّ منها الذَّهَبُ الأحمرُ نُضِّرَ فيها الورَقُ الأخضرُ يَصْبرُ للبَذْلِ كما يَصْبِرُ فَخْراً ويُزْهَى تحتَهُ الْمِنْبَرُ أوْ غُرَّةٌ في وَجْهِهِ تَزْهرُ فِي وَجْهِهِ أمْ وَجْهِهُ أنْورُ وأنتَ بالزُّوارِ تَسْتَبْشِرُ وكتبتْ تحتَ أبياتِها حاجتَها . فرَكِبَ من فَوْرِهِ إلى أبيه ، فأدخَلَهُ على الخليفة ، فأشارَ عليهِ بشرائها . فقال : لا والله لا أشتريها . وقد قال فيها الشعراءُ فأكثروا، واشتهَرَ أمرُها ، وهي التي يقولُ فيها أبو نُواس : (١) لا يعشر : أي لا يأتي على ذكرِ العُشرِ من فضلك. ٤٧٣ وفيات سنة ١٨٧ هـ لا يشتريها إلَّ ابنُ زانيةٍ أو قَلْطَبَانُ(١) يكونُ منْ كانا وعن ثُمامةَ بنِ أَشْرَس قال : بتُّ ليلةً مع جعفر بن يحيى بنِ خالد ، فانتبه من منامِهِ يَبْكي مَذْعوراً ، فقلت : ما شأنُك ؟ قال : رأيتُ شيخاً جاء فأخذَ بِعَضَادَتَيْ هذا البابِ وقال : كأنْ لم يكنْ بين الحَجُونِ إلى الصَّفَا أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكَّةَ سامرُ قال : فأجبتُهُ : بَلَى نحنُ كُنَّا أهلَها فأبادَنَا صروفُ الليالي والجدودُ العوائِرُ(٢) قال ثُمَامة : فلما كانتِ الليلةُ القابلة، قتلَهُ الرشيد ، ونصَبَ رأسَهُ على الجسر . ثم خرج الرشيد ، فنظر إليه فتأمَّلَه ، ثم أنشأ يقول : وكُدِّرَ عيشُكَ بعدَ الصَّفَا تقاضاكَ دَهْرُكَ ما أسْلَفَا فلا تَعْجَبَنَّ فإنَّ الزمانَ رَهينٌ بتفريقِ ما ألَّفَا قال : فنظرتُ إلى جعفرٍ وقلت : أمَا لئنْ أصبَحْتَ اليومَ آية ، فلقد كنتَ في الكرَمِ والجودِ غاية . قال : فنظَرَ إليَّ كأنَّهُ جَمِلٌ صَؤول ، ثم أنشأ يقول : ما يَعْجِبُ العالَمُ من جعفرٍ ما عايَنُوهُ فِنَا كانا كانتْ بنو بَرْمكِ لولانا مَنْ جعفرٌ أوْ مَنْ أبوهُ ومَنْ ثم حَوَّلَ وَجْهَ فرسِهِ وانصرف . وقد كان مَقْتُلُ جعفرٍ ليلةَ السبت ، مُستهلَّ صفَر ، من سنةٍ سبع وثمانين ومئة . وكان عمرُه سبعاً وثلاثين سنة . ومكَثَ وزيراً سبعَ عشرةَ سنةً. وقد دَخَلَتْ عُبادةُ أم جعفرٍ على أناسٍ في يومٍ أضْحَى تَسْتَمنحُهم جلدَ كبشٍ تدفَأُ به ؛ فسألوها عما كانتْ فيه من النِّعمة ؟ فقالت : لقد أصبحتُ في مثلِ هذا اليوم وإنَّ على رأسي أربعَمئة وصيفة ، وأقول : إنَّ ابني جعفراً عاقٌّ لي . وروى الخطيبُ البغداديُّ بإسنادِهِ ، أنَّ سفيان بنَ عُبَيْنَةَ لَمَّا بَلَغَهُ قتلُ الرشيد جعفراً، وما أحلَّ (١) القَلْطَبان، أو القَرْطبان: الذي تقولُه العامَّةُ للذي لا غيرةَ له. فهو مُغيَّرٌ عن وجهه ؛ قال الأصمعي : الكَلْتَبان مأخوذٌ من الكَلَب ، وهو القِيَادة ، والتاء والنون زائدتان . قال : وهذه اللفظةُ هي القديمةُ عن العرب وغيِّرَتْها العامَّةُ الأولى فقالت : القَلْطَبان. قال : وجاءتْ عامَّةٌ سُفْلَى فغيَّرتْ على الأولى فقالت : القَرْطَبان . لسان العرب ( قرطب ). (٢) قال أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني (١٥/ ١٠): الشعر فيما ذكر ابن إسحاق صاحب المغازي لِمُضاض بن عمرو الجُرْهُمي . وقال غيرُه : بل هو للحارثِ بن عمرو بن مُضَاض. أخبرنا بذلك الجوهري ، عن عمر بن شَبَّة ، عن أبي غسان محمد بن يحيى ، عن غسان بن عبد الحميد . وقال عبدُ العزيز بن عمران : هو عمرو بن الحارث بن مُضَاض . ٤٧٤ وفيات سنة ١٨٧ هـ بالبرامكة ، استقبل القِبْلَةَ وقال : اللهمَّ إنَّ جعفراً كان قد كفاني مؤنةَ الدنيا ، فأكْفِهِ مؤنةَ الآخرة . حكاية غريبة ذكر ابنُ الجَوْزي في «المنتظَم (١) أنَّ المأمونَ بلغه أنَّ رجلاً يأتي كلَّ يومٍ إلى قبورٍ البرامكة ، فيبكي عليهم ويَندُبُهم ، فبعث منْ جاء به ، فدخل عليه وقد يئس من الحياة ، فقال له: ويحك! ما يَحمِلُكَ على صنيعِكَ هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين . إنَّهم أسدَوْا إليَّ معروفاً وخيراً كثيراً . فقال وما الذي أسدؤْهُ إليك ؟ فقال : أنا المنذرُ بن المغيرة ، من أهل دمشق ، كنتُ بدمشقَ في نعمةٍ عظيمةٍ واسعة ، فزالَتْ عِنِّي حتى أفضَى بِيَ الحالُ إلى أنْ بِعتُ داري ، ثم لم يبقَ لي شيء ؛ فأشار بعضُ أصحابي عليَّ بقَصْدِ البرامكةِ ببغداد ؛ فأتيتُ أهلي ، وتحمّلْتُ بعيالي ، فأتيتُ بغدادَ ومعي نَيَّفٌ وعشرون امرأةً ، فأنزلتُهُنَّ في مسجدٍ مهجور ، ثم قصدتُ مسجداً مأهولًا أُصَلِّي فيه ، فدخلتُ مسجداً فيه جماعةٌ لم أرَ أحسنَ وجوهاً منهم ، فجلستُ إليهم ، فجعلتُ أُديرُ في نفسي كلاماً أطلبُ به منهم قُوتاً للعِيَالِ الذين معي ؛ فيمنَعُني من ذلك السؤالِ الحياءُ ؛ فبينا أنا كذلك إذا بخادم قد أقبَل ، فدعاهم فقاموا كلُّهم ، وقمتُ معهم ، فدخلوا داراً عظيمةً ، فإذا الوزيرُ يحيى بنُ خالد جالسٌ فيها ، فجلسوا حولَه ، فعَقَدَ عَقْدَ ابنِتِهِ عائشةَ على ابنِ عمّ له ، ونثروا فِلَقَ المسكِ وبنادِقَ العَنْبَر ؛ ثم جاء الخَدمُ إلى كلِّ واحدٍ من الجماعة بصينيّةٍ من فِضَّة ، فيها ألفُ دينار ، ومعها فُتَاتُ المسك . فأخذَها القومُ ونَهضوا ، وبقيتُ أنا جالساً ، وبين يديّ الصينيَّةُ التي وضعوها لي ، وأنا أهابُ أنْ آخذَها من عظَمَتها في نفسي ؛ فقال لي بعضُ الحاضرين : ألا تأخذُها وتذهب ؟ فمدَدْتُ يدي فأخذتُها ، فأفرغتُ ذهبَها في جَيبي ، وأخذتُ الصينيَّةَ تحتَ إبْطي، وقمتُ وأنا خائفٌ أنْ تُؤخذَ مِنِّي ، فجعلتُ أَتْلَقَّتُ والوزيرُ ينظرُ إليّ، وأنا لا أشعرُ ؛ فلما بلغتُ السِّتارة ، أمَرَهُمْ فَرَدُوني ، فيئستُ من المال ، فلما رجعْتُ قال لي : ما شأنُكَ خائف؟ فقصصتُ عليه خَبَري . فبكى ثم قالَ لأولادِهِ : خذوا هذا فضمُّوهُ إليكم . فجاءني خادِم ، فأخذ منِّي الصينيَّةَ والذهب ، وأقمتُ عندَهم عشرةَ أيام ، من ولدٍ إلى ولد ، وخاطري كلُّه عندَ عيالي ولا يُمْكنني الانصراف . فلما انقضَتِ العشرةُ الأيام جاءني خادمٌ فقال : ألا تذهبُ إلى عيالِك ؟ فقلت : بلى والله . فقام يَمشي أمامي ، ولم يعطِني الذهبَ ولا الصّينيَّة ، فقلت : يا ليتَ هذا كانَ قبلَ أنْ تؤخذ مني الصينيَّةُ والذهب ، يا ليتَ عيالي رأوا ذلك . فسارَ يَمشي أمامي إلى دارٍ لم أَرَ أحسنَ منها ! فدخلتُها ، فإذا عيالي يتمرَّغون في الذهب ، والحرير فيها ، وقد بعثوا إلى الدارِ مئةَ ألفِ درهم ، وعشرة آلاف دينار ، وكتاباً فيه تمليكُ الدارِ بما فيها ، وكتاباً آخرَ فيه تمليكُ قريتَيْنِ جليلتين . فكنتُ مع البرامكةِ في أطيبِ عيش ؛ فلما أُصيبوا أخذ مني عمرو بن مَسْعَدةً القَرْيَتَيْن، وألزَمَني بخراجهما؛ فَكُلَّمَا لَحِقَتْني فاقةٌ قصدتُ دورَهم وقبورَهم ، فبكَيْتُ عليهم . فأمرّ (١) المنتظم (١٤٦/٩). ٤٧٥ وفيات سنة ١٨٧ هـ المأمونُ بِرَدِّ القريتَيْن، فبكى الشيخُ بكاءً شديداً ؛ فقال المأمون : ما لَك؟ ألم أستأنِفْ بك جميلاً ؟ قال : بلَى. ولكنْ هو من بركةِ البرامكة . فقال له المأمون : امضٍ مُصاحَباً ، فإنَّ الوفاءَ مُبارَك، ومراعاةٌ حُسنٍ العَهْدِ والصُّحْبَةِ من الإيمان . وفيها توفي : الفُضَيل بن عِيَاضُ(١) أبو علي التَّميمي، أحدُ أئمةِ العُبَّاد الزُّهَّاد، وهو أحد العلماء والأولياء. ولد بِخُراسان ، بكُورَةِ دِيْنَوَر ، وقدم الكوفةَ وهو كبير ، فسمع به الأعمش ، ومنصور بن المعتمر ، وعطاء بن السائب ، وحُصين بن عبد الرحمن ، وغيرهم . ثم انتقل إلى مكة ، فتعبَّدَ بها . وكان حسَنَ التلاوة ، كثيرَ الصلاةِ والصيام ؛ وكان سيداً جليلاً ، ثقةً ، من أئمة الرواية . رحِمَهُ الله ورضي عنه . وله مع الرشيد قصَّةٌ طويلة ، وقد روَيْنا ذلك مُطوَّلًا في كيفيَّةِ دخولِ الرشيد عليه مَنْزِلَه ؛ وما قال له الفُضَيل بن عياض ؛ وعرَض عليه الرشيدُ المال ، فأبَى أنْ يقبلَ منه ذلك . توفي بمكة في المحرَّم من هذه السنة . وذكروا أنه كان شاطراً يقطعُ الطريق . وكان يتعشَّقُ جاريةً ، فبينما هو ذات ليلةٍ يتسوَّرُ عليها جداراً إذْ سمع قارئاً يقرأ: ﴿﴿ أَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَأْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [ الحديد: ١٦]، فقال: بلَى. وتابَ وأقلَعَ عمَّا كان عليه ، ورجَعَ إلى خَربةٍ فباتَ بها ، فسمع سُفَّاراً يقولون: انهضوا بنا نسافر. فقال بعضُهمُ(٢): إنَّ فُضَيلاً أمامَكم يقطعُ الطريق . فأمَّنهم واستمرّ على توبته ، حتى كان منه ما كان ، من السيادَةِ والزَّهادة ؛ ثم صار علماً يُقتدى به ، ويُهتدَى بكلامهِ وفعالِه . قال الفضيل : لو أنَّ الدنيا كلَّها حلالٌ لا أُحاسبُ بها ، لكنتُ أتقذَّرُها كما يتقذَّرُ أحدُكم الجيفةَ إذا مَرَّ بها أنْ تُصيبَ ثوبَهُ(٣) . (١) ترجمته في معرفة الرجال (٢١٣/٢)، طبقات ابن سعد (٥٠٠/٥)، تاريخ خليفة (٤٥٨)، طبقات خليفة (٢٨٤)، التاريخ الصغير (٢١٩/٢)، التاريخ الكبير (١٢٣/٧)، المعارف (٥١١)، الجرح والتعديل (٧٣/٧)، مشاهير علماء الأمصار الترجمة (١١٧٩)، طبقات الصوفية (٦)، حلية الأولياء (٨/ ٨٤)، الرسالة القشيرية (١/ ٦٢)، تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٧٥/٤٨)، صفة الصفوة (٢٣٧/٢)، المختار من مناقب الأخيار (١٩٣/٤)، جامع الأصول (٣٧/١٥)، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥١)، وفيات الأعيان (٤/ ٤٧)، تهذيب الكمال (٢٤/ ٢٨١)، مختصر تاريخ دمشق (٢٩٨/٢٠)، طبقات علماء الحديث الترجمة (٢١٥)، سير أعلام النبلاء (٤٢١/٨)، ميزان الاعتدال (٣٦١/٣)، تذكرة الحفاظ (٢٤٥/١)، العبر (٢٩٨/١)، طبقات الأولياء (٢٦٦)، العقد الثمين (١٣/٧)، تهذيب التهذيب (٢٩٤/٨)، تقريب التهذيب (٤٤٨)، النجوم الزاهرة (١٢١/٣)، الطبقات الكبرى للشعراني (٦٨/١)، الكواكب الدرية (٣٩٥/١)، شذرات الذهب (٣٩٩/٢)، جامع كرامات الأولياء (٢٣٥/٢) . (٢) في (ق): (( ... ويقولون: خُذوا حِذْرَكم، إن فضيلاً ... )). والمثبت من ( ب، ح). كذا رواية ( ق): ورواية ( ب، ح): (( لو أن الدنيا كلها لي ولا أحاسب عليها لأنفتها وتجنّبْتُها كما يتجنّبُ أحدكم = (٣) ٤٧٦ وفيات سنة ١٨٧ هـ وقال : العملُ لأجلِ الناسِ شِرْك، وتَرْكُ العملِ لأجلِ الناسِ رياء ؛ والإخلاصُ أنْ يُعافيكَ الله منهما . وقال له الرشيدُ يوماً : ما أزْهَدَك! فقال: أنتَ أزهدُ مني، لأني أنا زَهِدْتُ في الدنيا التي هي أقلُّ من جناحِ بعوضة ، وأنتَ زهدْتَ في الآخرةِ الباقيَةِ ؛ فأنا زاهدٌ في الفانِي ، وأنتَ زاهدٌ في الباقي ؛ ومنْ زَهدَ في دُرَّةٍ ، أزهَدُ ممَّنْ زَهِدَ فِي بَعْرَة . وقد رُوي مثلُ هذا عن أبي حازمٍ أنه قال ذلك لسليمانَ بنِ عبدِ الملك . وقال : لو أنَّ لي دعوة مستجابةً لجعلتُها للإِمام ؛ لأنَّ بهِ صلاحَ الرَّعيَّة، فإذا صَلَحَ أمِنَتِ العبادُ والبلاد . وقال : إني لأعصي الله ، فأعرفُ ذلك في خُلُقٍ حماري وخادمي وامرأتي وفأرٍ بيتي . وقال في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَحِكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [ هود: ٧ والملك: ٢] . قال : يعني أخلصَهُ وأصوبَهُ؛ إنَّ العمل يجبُ أنْ يكونَ خالصاً لله، وصواباً على متابعةِ النبيِّ وَّر. وفيها توفي : بشرُ بن المفضَّل . وعبدُ السلام بن حرب . وعبدُ العزيز بن محمد الدَّرَاوَزْديّ . وعبدُ العزيز العمِّي . وعلي بن عيسى الأميرُ ببلادِ الروم مع القاسم بنِ الرشيد في الصائفة . ومعتمرُ بن سليمان . وأبو شُعيب البَرَائِيُّ الزاهد (١): وكان أولَ منْ سكنَ بَرائ(٢) في كوخٍ له يتعبَّدُ فيه، فَهَوِيَتْهُ امرأةٌ من الجيفة أن تمسَّ ثيابه ». = (١) ترجمته في حلية الأولياء (٣٢٣/١٠)، تاريخ بغداد (٤١٨/١٤)، صفة الصفوة (٣٨٨/٢)، معجم البلدان (٣٦٣/١) . (٢) كذا في الأصول، ومعجم البلدان، بألف، والوجه ((بَرَاثى)) بألف على شكل الياء ، لأنها حرف رابع في الاسم ، وبالثاء المثلثة والقصر ؛ وهي محلَّةٌ كانت في طرَفِ بغداد، في قبلةِ الكَرْخ ، وجنوب بابِ مُحَوِّل . وكان لها جامعٌ مفرَد تصلِّي فيه الشيعة ، وقد خَرِب عن آخره ، وكذلك المحلّة ، لم يبق لها أثر . وكانت براثا قبلَ بناءِ بغداد قريةً يزعمون أن عليّاً مر بها لما خرج لقتال الحرورية بالنهروان وصلى في موضع من الجامع المذكور ، وذكر أنه دخل = ٤٧٧ أحداث سنة ١٨٨ هـ بنات الرؤساء ، فانخلعَتْ ممَّا كانتْ فيه من الدنيا والسعادةِ والحِشْمة، وتزوَّجَتْهُ وأقامتْ معهُ في كُوخِه تتعبَّد حتى ماتا . يُقال : إنَّ اسمَها جوهرة . ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومئة فيها غزا إبراهيمُ بن جبريل (١) الصائفة، فدخل بلادَ الرُّوم من دَرْبِ الصَّفْصَاف ، فخرج النَّقْفُورُ للقائه ، فجُرح النقفورُ ثلاث جِرَاحات، وانهزم ، وقُتل من أصحابِهِ أكثر من أربعينَ ألفاً. وغَنِموا أكثرَ من أربعة آلاف دابّة . وفيها رابط القاسمُ بن الرشيد بمَرْجِ دابق . وفيها حجَّ بالناسِ الرشيد ، وكانتْ آخرَ حجَّاتِهِ . وقد قال أبو بكر بن عيَّاش حين رأى الرشيدَ منصرفاً من الحج ، وقدِ اجتازَ بالكوفة : لا يحجُّ الرشيدُ بعدَها ، ولا يحجُّ بعدَهُ خليفةٌ أبداً. وقد رأى الرشيد بُهلول المولَّه فوعظَهُ موعظةً حسنة . فرَوَيْنا من طريقِ الفَضْل بن الربيع الحاجب ، قال : حجَجْتُ مع الرشيد ، فمرَرْنا بالكوفة ، فإذا بُهلول المجنون يَهْذي ، فقلت : اسكُتْ فقد أقبلَ أميرُ المؤمنين . فسكَت ، فلما حاذاهُ الهَوْدجُ قال: يا أميرَ المؤمنين ، حدَّثني أيمنُ بن نابِلٍ(٢)، حدّثنا قُدَامةُ بن عبد الله العامري، قال: رأيتُ النبيَّ وَّ بمنّى على جمل، وتحتَهُ رَحْلٌ رَثّ، ولم يكنْ ثمَّ طَرْدٌ ولا ضَرْبٌ ، ولا إليكَ إليكَ . قال الفضل بن الربيع : فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين، إنَّهُ بُهلول . فقال : قد عرفتُهُ ، قُلْ يا بُهلول . فقال : فهبْ أنْ قدْ مَلَكتَ الأرضَ طُرّاً ودانَ لك العبادُ فكانَ ماذا ويَحْنُو التُّزْبَ هذا ثُمَّ هذا أليس غداً مَصيرُكَ جَوْفَ قَبْرٍ قال : أجدتَ يا بُهلول ، أفغيره ؟ قال: نعم يا أميرَ المؤمنين، منْ رزَقَهُ الله مالاً وجمالاً فعَفَّ في جمالِهِ ، وواسَى في مالِه ، كُتب في ديوانِ الله من الأبرار . قال: فظنَّ أنهُ يُريدُ شيئاً ، فقال: إنَّا أمَرْنا بقضاءِ دَيْنِك . فقال : لا تفعلْ يا أميرَ المؤمنين ، لا يُقضَى ديْنٌ بدَيْن ، ازْدُدِ الحقَّ إلى أهلِهِ ، واقضٍ دَيْنَ نفسِك من نفسِك . قال: إنَّا أمرنا أنْ يُجرَى عليك رزقٌ تقتاتُ به . قال : لا تَفْعِلْ يا أميرَ المؤمنين ، فإنه سبحانه لا يُعطيك وينساني ؛ وها أنا قد عشتُ عمراً لم تُجْرِ عليَّ زرقاً ، انصرِفْ ، لا حاجةَ لي في جِرَايِتِك. قال : هذه ألفُ دينارٍ خُذْها . فقال : اردُدْها على أصحابِها فهو خيرٌ لك ؛ وما أصنعُ أنا بها ؟! = حماماً كان في هذه القرية . معجم البلدان (١/ ٣٦٢، ٣٦٣) . (١) في (ق): ((إبراهيم بن إسرائيل))، وهو تصحيف والمثبت من ( ب، ح) وكتب التاريخ. (٢) تصحف الاسم في الأصول ، والمثبت من الإكمال لابن ماكولا (٧/ ٢٥٠)، وتقريب التهذيب (١١٧)، وفيهما (( نابل )» بنون وموحّدة . ٤٧٨ وفيات سنة ١٨٨ هـ انصرِفْ عنِّي، فقد آذَيْتني . قال : فانصرفَ عنه الرشيدُ وقد تصاغرَتْ عندَهُ الدنيا١) وممن تُوقِّي فيها من الأعيان : أبو إسحاق الفَزَاري(٢) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن إسماعيل بن خارجة ، إمامُ أهلِ الشام في المغازي وغيرِ ذلك . أخذ عن الثوري ، والأوزاعي ، وغيرهما . تُوفي في هذه السنة ، وقيل قبلَها٣) . وإبراهيم الموصلي (٤) النَّديم وهو إبراهيم بن ماهان بن بهمن ، أبو إسحاق ، أحدُ الشعراءِ والمغنِّين والنُّدماء للرشيد وغيره ؛ أصلُهُ من الفُرْس ، ووُلد بالكوفة ، وصحب شبابَها ، وأخذ عنهمُ الغناء ، فأجاد في عِلْمِهِ . ثم سافر إلى المَوْصِل ، ثم عاد إلى الكوفة ، فقالوا له : الموصلي . ثم اتصل بالخلفاء ، أولُهم المهدي، وحَظِيَ عند الرشيد . وكان من جُملةِ سُمَّارِهِ ونُدَمائهِ ومُغنِّيه . وقد أثرَى وكَثُرَ مالُه جدّاً ، حتى قيل : إنه ترك أربعةً وعشرينَ ألفَ الف درهم . وكانتْ له طُرفٌ وحكاياتٌ غَريبة . وكان مولدُه سنةً خمسَ عشرةَ ومئة في الكوفة ، ونشأ في كفالةٍ بني تميم ، فتعلَّم منهم ، ونُسب إليهم . وكان فاضلاً بارعاً في صناعةِ الغناء . وكان مُزَوَّجاً بأختِ المنصور الملقَّب بِزَلْزَل(٥) الذي كان يضرب معه ، فإذا غنَّى هذا وضربَ هذا اهتزّ المجلس . تُوفي في هذه السنةِ على الصحيح . وحكى ابنُ خَلِّكان في الوفيات (٦) ، أنه توفي وأبو العتاهية وأبو عمرو الشيباني ببغداد في يومٍ واحد ، من سنةِ ثلاثَ عشرةَ ومئتين ، وصحح الأول . ومن قولِهِ في شعرِهِ عند احتضارِه قولُه : مَلَّ والله طَبيبي منْ مُقاساةِ الذي بي لِعَدُوٌّ وحَبِيبِ سوف أُنْعَى عن قريبٍ وفيها مات : جَرِير بنُ عبدِ الحميد . (١) الخبر والشعر في صفة الصفوة (٥١٧/٢، ٥١٨)، والمختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (١/ ٥٠٨)، وهو بتحقيقي ، وتعجيل المنفعة ( ٥٦ ) لابن حجر . (٢) ذكر المؤلف وفاته في سنة ( ١٨٥)، انظر ص ٤٥٩ من هذا الجزء ، ومصادر ترجمته ذُكرتْ ثَمّ . (٣) انظر الحاشية السابقة . (٤) ترجمته في الأغاني (١٦٩/٥)، تاريخ بغداد (١٧٥/٦)، الفهرست (٢٠١)، المؤتلف والمختلف لابن القيسراني (١٣٦، و٢٠١)، المنتظم (١٥٦/٩)، الكامل لابن الأثير (٤٩٠/٥)، وفيات الأعيان (٤٢/١)، سير أعلام النبلاء (٧٩/٩)، شذرات الذهب (٣١٨/١، ٣١٩). (٥) انظر نزهة الألباب في الألقاب ( ٣٤٤). (٦) وفيات الأعيان (٤٣/١). ٤٧٩ أحداث سنة ١٨٩ هـ ورِشْدِینُ بنُ سعد . وعَبْدُ بن سليمان . وُقبةُ بن خالد . وعمر بن أيوب العابد ، أحدُ مشايخِ أحمدَ بنِ حنبل وعيسى بنُ يونس في قول . ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومئة فيها رَجَعَ الرشيدُ من الحج ، وسار إلى الرَّيّ ، فولَّى وعزل . وفيها ردَّ عليّ بن عيسى إلى ولايةِ خُراسان . وجاءه نُوَّابُ تلكَ البلاد بالهدايا والتُّحف من سائرٍ الأشكالِ والألوان. ثم عاد إلى بغداد ، فأَدرَكهُ عيدُ الأضحى بقصر اللصوص(١)، فضخَّى عندَه ، ودخل إلى بغداد لثلاثٍ بَقينَ من ذي الحجَّة ؛ فلما اجتاز بالجسر أمرَ بجثَّةٍ جعفر بن يحيى البرمكي فحُرِّقَتْ ودُفنتْ ، وكانت مصلوبةً من حينٍ قُتل إلى هذا اليوم . ثم ارتحل الرشيدُ من بغدادَ إلى الرقّة ليسكنَها ، وهو متأسِّفٌ على بغدادَ وطيبها ، وإنما مرادُهُ بمُقَامِهِ بالرقَّةِ رَدْعُ المفسدين بها . وقد قال العباسُ بن الأحنف في خروجهم من بغدادَ مع الرشيد : ـرِقُ بين المُنَاخِ والارتحالِ ما أنَخْنَا حتى ارْتَحَلْنا فما نَفْـ ساءَلونا عن حالِنا إذْ قَدِمنا فقَرَنَّا وداعَهم بالشُّؤالِ(٢) وفيها فادَى الرشيدُ الأسارى من المسلمين الذين كانوا ببلادِ الرُّوم ، حتى يُقال إنه لم يترُكْ بها أسيراً من المسلمين ، فقال فيه بعضُ الشعراء : وفُكَّتْ بك الأسرى التي شُيِّدَتْ لَها مَحَابسُ ما فيها حَمِيمٌ يَزورُها (١) قال صاحبُ الفتوح: لما فُتحت نَهَا وَنْد سار جيشٌ من جيوش المسلمين إلى هَمَذَان، فَنَزلوا كنكور ، فسُرقت دوابُّ من دوابِّ المسلمين ، فسُمي يومئذٍ قصرَ اللصوص ، وبقي اسمه إلى الآن ؛ وهو في الأصل موضع قصر كنكور ، وهو قصر شيرين . وقال مسعر بن المهلهل : قصر اللصوص بناؤه عجيبٌ جدّاً، وذلك أنه على دكّةٍ من حَجَر ارتفاعها عن وجه الأرض نحو عشرين ذراعاً ، فيه إيوانات وجواسيق وخزائن تتحيّرُ في بنائه وحسنِ نُقوشِه الأبصار ، وكان هذا القصر معقِلَ أبرويز ومسكنَهُ ومتنزَّهَه ، لكثرة صيده وعذوبة مائه وحسن مروجه وصحاريه . وحول هذا القصر مدينةٌ كبيرةٌ لها جامع . معجم البلدان (٤/ ٣٦٣، ٣٦٤). (٢) الخبر والشعر في تاريخ الطبري (٦٧٥/٤)، والكامل لابن الأثير (٣٣٩/٥). ٤٨٠ وفيات سنة ١٨٩ هـ على حين أعيا المسلمينَ فكاكُها وقالوا سجونُ المشركينَ قبورُها (١) وفيها رابطَ القاسمُ بنُ الرشيد بمَرْجِ دابِقٍ يُحاصِر الرُّوم . وفيها حجَّ بالناس العباسُ بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس . ذكرُ من تُوفي فيها من الأعيان : علي بن حمزة بن عبد الله بن فَيْرو(٢) أبو الحسن الأسدِي مولاهم ، الكوفي ، المعروف بالكِسائي ، لإحرامهِ في كِسَاء ؛ وقيل: لاشتغالِهِ على حمزةَ الزيَّات في كِسَاء . كان نَحْوِيّاً لُغَويّاً، أحدَ أئمةِ القُرّاء . أصله من الكوفة، ثم استوطنَ بغداد، فأذَّبَ الرشيد وولدَهُ الأمين . وقد قرأ على حَمْزةَ بنِ حَبيبِ الزَّيَّاتِ قراءتَه ؛ وكان يُقرىء بها ، ثم اختارَ لنفسِهِ قراءةً ، وكان يقرأ بها . وقد روَى عن أبي بكرِ بن عيَّاش، وسفيان بن عيينةَ وغيرِهما . وعنه يحيى بنُ زياد الفرّاء ، وأبو عُبيد . قال الشافعي : منْ أرادَ النحوَ فهو عيالٌ على الكِسَائي . أخذَ الكسائيُّ عن الخليل صناعةَ النَّحْو ، فسألَهُ يوماً عن من أخذتَ هذا العلم ؟ قال : منْ بَوَادي الحِجاز . فرحَلَ الكِسَائيُّ إلى هناك ؛ فكتبَ عن العرب شيئاً كثيراً ، ثم عاد إلى الخليل ، فإذا هو قد مات ، وتصدَّرَ في موضِعِه يونس ؛ فجرَتْ بينهما مناظراتٌ أقَرَّ له فيها يونُسُ بالفَضْل وأجلسه في موضعه . قال الكِسَائي : صليت يوماً بالرشيد ، فأعجَبَتْني قراءتي ، فغَلِطتُ غلطةً ما غَلِطَها صبيّ ، أردتُ أنْ أقول ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فقلت: لعلَّهم يرجعين، فما تَجاسَرَ الرشيدُ أنْ يردَّها، فلما سلَّمْتُ قال: أيُّ لغةٍ هذه ؟ فقلتُ : إنَّ الجوادَ قد يَعْثُر. فقال: أمَّا هذا فنعَمْ . وقال بعضُهم : لَقِيتُ الكِسَائِيّ ، فإذا هو مهموم ، فقلت : ما لَك ؟ فقال : إنَّ يحيى بنَ خالدٍ قد وجَّهَ إليَّ لِيسألَني عن أشياء ، فأخشى من الخطأ . فقلت: قُلْ ما شئت، فأنتَ الكِسَائي. فقال : قطعَهُ الله - يعني لسانَه - إنْ قلتُ ما لم أعلمْ . وقال الكسائيُّ يوماً : قلتُ لنجَّار: بكم هذانِ البابان ؟ فقال: بسَلْحَتان يا مَصْفَعان(٣). (١) الخبر والبيتين في تاريخ الطبري (٤/ ٦٧٥). (٢) ترجمته في التاريخ الكبير (٢٦٨/٦)، الكنى والأسماء لمسلم (٢١٨/١)، مولد العلماء ووفياتهم (٤٢٧/١)، تاريخ بغداد (٤٠٣/١١)، الفهرست (٩٧)، المنتظم لابن الجوزي (١٦٨/٩)، وفيات الأعيان (٢٩٥/٣)، المقتنى في سرد الكنى (١٧٩/١)، سير أعلام النبلاء (١٣١/٩)، تهذيب التهذيب (٢٧٥/٧)، نزهة الألباب في الألقاب (٣٠٧/٢). (٣) في (ق): (( بسالجيان))، في (ح) والمنتظم (١٧٣/٩): ((بسلحتان))، يقال: سلح الطائر سلحاً؛ كالتغوط =