النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
وفيات سنة ١٦٣ هـ
وكان يتَّخِذُ له وجهاً من ذَهَبَ ، وتابَعهُ على جَهالَتِهِ خلقٌ كثير ، وكان يُري الناسَ قمَراً من مسيرةٍ شهريْن ،
ثم يَغِيب؛ فعَظُمَ اعتقادُهم له، ومنعُوهُ بالسِّلاح؛ وكان يَزْعُم - لعنهُ الله وتعالى عمَّا يقولون عُلُوّاً كبيراً -
أنَّ الله ظهَرَ في صورةٍ آدَم ، ولهذا سجدَتْ له الملائكة ، ثم في نُوح ، ثم في الأنبياء واحداً واحداً ، ثم
تحوَّلَ إلى أبي مسلمٍ الخُراساني ، ثم تحوَّلَ إليه .
ولما حاصرَهُ المسلمون في قلعتِهِ - كان جدَّدَها بناحيةِ کَشّ، ممَّا وراء النَّهْر، ويُقالُ لَها سَنام - تحَسَّی
هو ونساؤه سُمّاً فماتوا ، واستحوذ المسلمون على حَوَاصله وأموالِه .
وفيها جهّز المهديُّ الْبُعوثَ من خُرَاسان وغيرِها من البلاد لغزوِ الرُّوم. وأمَّرَ على الجميع ولَدَهُ هارونَ
الرَّشيد ، وخرج من بغدادَ مُشَيِّعاً له ، فسار معهُ مَرَاحل ، واستخلف على بغدادَ ولدَهُ موسى الهادي ،
وكان في هذا الجيش الحُسين بن فَحْطبة ، والربيع الحاجبُ ، وخالدُ بن بَرْمك - وهو مثلُ الوزيرِ للرَّشيد
وليّ العهد - ويحيى بن خالد وهو كاتبُه ، وإليه النفقات . وما زال المهديُّ مع ولدِهِ مشيِّعاً له حتى بلغ
دروبَ الرُّوم عند جيحَانُ(١)، وارتادَ هناكَ المدينة المسمّاة بالْمَهْدِيَّة في بلادِ الرُّوم ، ثم رجع إلى الشام ،
وزار بيتَ المقدس ، فسار الرشيدُ إلى بلادِ الروم في جحافلَ عظيمة ، وفتح الله عليهم فتوحاتٍ كثيرةٌ ،
وغَنموا أموالاً جزيلةً جدّاً، وكان لِخالدِ بنِ بَرْمَكَ في ذلك أثَرٌ جميلٌ لم يكنْ لغيرِه ؛ وبعثوا بالبشارةِ مع
سُليمان بنِ بَرْمَك إلى المهدي ، فأكرَمهُ المهديُّ وأجزلَ عطاءَه .
وفيها عزَلَ المهديُّ عمَّه عبدَ الصمد بن علي عن الجزيرة ، وولَّى عليها زُفَرَ بن عاصم الهلالي ، ثم
عزله وولَّى عبدَ الله بن صالح بن علي .
وفيها ولَّى المهديُّ ولدَهُ هارونَ الرشيد بلادَ المغرب ، وأذْرَبيجان ، وإزمينيَة ، وجعل على رسائلِه
يحيى بن خالد بن بَرْمَك؛ وولَّى وعزلَ جماعةً من النوَّابِ . وحجَّ بالناس فيها المهدي عليُّ بنُ المهدي .
وفيها تُوِّي :
إبراهيمُ بن طَهْمان .
وحَرِيزُ بن عثمان الحمصي الرَّحبي .
وموسى بن علي اللَّخْميُّ المصريّ .
(١) في (ق): (( ... بلغ الرشيد إلى بلاد الروم))، وفي (ح): ((حتى بلغ دروب المدينة ... ))، وفي (ب):
(( حتى بلغ دروب الروم عند صحار)). وأثبتنا ما في ( ب) بعد تصحيح التصحيف في ((صحار))، من الكامل في
التاريخ لابن الأثير (٢٤٤/٥). وجيحان - بالفتح ثم السكون والحاء مهملة وألف ونون - : نَهْرٌ بالْمَصِّيصَة بالثغر
الشامي ، ومَخْرَجُه من بلاد الروم ، ويمرُّ حتى يصبّ بمدينة تُعرف بكفربيا بإزاء المصيصة . معجم البلدان
(١٩٦/٢ ) .

٤٠٢
أحداث سنة ١٦٤ هـ ووفياتها
وشُعيب بن أبي حمزة .
وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس عمُّ السفّاح، وإليه يُنسب قصرُ عيسى ونهرُ عيسى ببغداد . قال
يحيى بن معين : كان له مذهبٌ جميل ، وكان معتزلًا للسُّلطان ، توفي في هذه السنة عن ثمانٍ وسبعين
سنة .
وهمَّام بن یحیی ،
ويحيى بن أيوب المصري .
وعُبيدة بنت أبي كلاب العابدة ، بكَتْ من خشيةِ الله أربعين سنة حتى عَمَيَتْ . وكانت تقول : أشتهي
الموت ، فإني أخشى أن أجْنيَ على نفسي جنايةً تكونُ سببَ هلاكي يومَ القيامة .
ثم دخلت سنة أربع وستين ومئة
فيها غزا عبدُ الكبير بن عبدِ الحميد بن زَيْد بن الخطّاب بلادَ الرُّوم ؛ فأقبل إليه ميخائيل البِطْريق في
نحوٍ تسعين ألفاً ، فيهم طازاذ الأرمني البِطْريق ، ففشِلَ عنه عبدُ الكبير ، ومنَعَ المسلمين من القتال ،
وانصرف راجعاً . فأراد المهديُّ ضَرْبَ عُنقِه، فَكُلِّمَ فيه ، فحَبَسهُ في الْمُطْبِقِ .
وفي يوم الأربعاء في أواخر ذي القَعْدَة أسَّسَ المهديُّ قصراً من لَبِن بِعِيسَاباء١ٌ) ، ثم عزَمَ على الذهابِ
إلى الحجّ ، فأصابَهُ حُمَّى ، فرجع من أثناءِ الطريق ، فعَطِشَ الناسُ في الرَّجْعَة ، حتى كاد بعضُهم يَهْلِك ،
فغضب المهديُّ على يقطين صاحبِ المصانع ، وبعث من حيثُ رَجَعَ المهلَّبُ بن صالح بن أبي جعفر
لِيَحُجّ بالناس ؛ فحج بهم عامَئِذٍ .
وفيها توفي :
شيبان بن عبد الرحمن النَّحْوي .
وعبدُ العزيز بن أبي سَلَمة الماجشُون .
ومُبارك بن فَضَالة صاحبُ الحسن البصري .
(١) عِيسَابَاذ: ((باذ)) في هذا الاسم مما تستعمله الفرس، ومعنى ((باذ)) العِمَارة، فكأنَّ معناهُ عمارة عيسى، ويُسمُّونَ
العامر أباذان ، هذه مَحَلَّةٌ كانت بشرقيٍّ بغداد منسوبةً إلى عيسى بن المهدي، وأمِّهِ وأمِّ الرشيد ، والهادي الخيزران
هو أخوهما له ، وبها ماتَ موسى بنُ المهدي بن الهادي ، وبنى بها المهديُّ قصرَهُ الذي سمَّاه قصر السلام ، فبلغتِ
النفقةُ عليه خمسين ألف ألف درهم . معجم البلدان (٤/ ١٧٢، ١٧٣ ).

٤٠٣
أحداث سنة ١٦٥ هـ ووفياتها
ثم دخلت سنة خمس وستين ومئة
فيها جهّزَ المهديُّ ولدَهُ الرشيد لغزوِ الصائفة ، وأنفَذَ معه من الجيوش خمسةً وتسعين ألفاً ، وسبعَ مئة
وثلاثةً وتسعين رجلاً ؛ وكان معه من النفقة مئةُ ألف دينار ، وأربعةٌ وتسعون ألف دينار ، وأربعُمئةٍ
وخمسون ديناراً ؛ ومن الفضَّة إحدى وعشرون ألفَ ألفٍ ، وأربعُمئة ألفٍ ، وأربعةَ عشرَ ألفاً وثمان مئةٍ
درهم. قاله ابنُ جرير(١) . فبلغ بجنودِهِ خليجَ البحر الذي على القُسْطَنْطينيّة ، وصاحبُ الروم يومئذٍ
أُغسطةُ امرأةٌ أَلْيون، ومعها ابنُها في حجْرِها من الملك الذي تُوفي عنها ؛ فطلبتِ الصُّلحَ من الرشيد على
أن تدفعَ له سبعينَ ألفَ دينارٍ في كلِّ سنة ، فقَبِل ذلك منها ، وذلك بعدما قَتَلَ من الرُّوم في الوقائع أربعةً
وخمسينَ ألفاً ، وأسَرَ من الذَّرَاري خمسةَ آلاف رأس وستَّمئةٍ وأربعينَ رأساً ، وقتل من الأسرى ألفَيْ قتيلٍ
صَبْراً ، وغَنِمَ من الدَّوَابِّ بأدواتها عشرين ألفَ فرس ، وذبَحَ من البقر والغَنَمِ مئةَ ألفِ رأس ، وبيع البِرْذَوْنُ
بدِرهم ، والبغلُ بأقلَّ من عشرةِ دراهم ، والدِّرْعُ بأقلَّ من درهم ، وعشرون سيفاً بدرهم ، فقال في ذلك
مروانُ بنُ أبي حَفْصَة :
إليها القَنَا حتى اكتسى الذُّلَّ سُورُها
أطُفتَ بِقُسْطَنْطِينةٍ(٢) الرُّومِ مُسْنِداً
بجِزْيَتها والحربُ تَغْلي قدورُها
وما رُمْتَها حتى أتَتْكَ مَلَوكُها
وحجَّ بالناس في هذه السنة صالحُ بن أبي جعفر المنصور .
وفيها تُوِّي :
سليمانُ بن المغيرة .
وعبدُ الله بن العلاء بن زَبْر(٣)
وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان(٤)
ووهب بن خالد .
(١) هو الطبري في تاريخه (٤/ ٥٧٢).
(٢) في (ق): ((بقسطنطينية))، ولا يستقيم بها الوزن، والمثبت من ( ب، ح ) وديوان مروان بن أبي حفصة
ص(٦٦ ).
(٣) في (ق): ((دبر))، وهو تصحيف، والمثبت من (ب، ح)، وترجمته في التاريخ الكبير للبخاري
(١٦٢/٥)، وتقريب التهذيب ص (٣١٧).
(٤) في ( ق): ((عبد الرحمن بن نائب بن ثوبان))، وهو تصحيف ، والمثبت من ( ب، ح)، وترجمته في مشاهير
علماء الأمصار ص (١٨١)، وتاريخ بغداد (١٠ / ٢٢٢)، وتقريب التهذيب ص (٣٣٧).

٤٠٤
أحداث سنة ١٦٦ هـ
ثم دخلت سنة ست وستين ومئة
في المحرَّم منها قَدِم الرشيدُ من بلادِ الرُّوم ، فدخل بغدادَ في أَبَّهةٍ عظيمة ، ومعه الرُّومِ يَحْمِلونَ
الجِزْيَةَ من الذهب وغيرِه . وفيها أخذَ المهديُّ البيعةَ لولدِهِ هارونَ من بعدِ موسى الهادي ، ولُقِّبَ
بالرّشيد .
وفيها سَخِطَ المهديُّ على يعقوبَ بنِ داود ، وكان قد حَظِيَ عندَهُ حتى استوزَرَه ، وارتفعَتْ منْزلتُه في
الوزارة ، حتى فوَّض إليه جميعَ أمرِ الخلافة ؛ وفي ذلك يقول بشَّارُ بنُ بُرْد :
إِنَّ الخليفةَ يعقوبُ بنُ داودِ
بني أميةَ هُّوا طالَ نومُكُمُ(١)
خليفةَ الله بين الزِّقِّ والعُودِ(٢)
ضاعَتْ خلافتُكُمْ يا قومُ فاطِّلبوا
فلم تزل الشُّعاةُ والوشاةُ بينه وبين الخليفة حتى أخرجوه عليه ، وكلَّما سعَوْا به إليه دخل إليه فأصلح
أمرَه معَه ، حتى وقَعَ من أمرِهِ ما سأذكرُه ، وهو أنه دخل ذاتَ يومٍ على المهدي في مجلسٍ عظيم ، قد
فُرش بأنواعِ الفُرش، وألوانِ الحرير، وحول ذلك المكان أشجار(٣) مُزهرة بأنواع الأزاهير ، فقال :
يا يعقوب، كيف رأيتَ مجلسَنا هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين ، ما رأيتُ أحسنَ منه! فقال : هو لك بما
فيه ، وهذه الجارية ، لِيَتِمَّ بها سرورُك، ولي إليك حاجةٌ أحبُّ أنْ تقضِيَها . قلت : وما هي يا أميرَ
المؤمنين ؟ فقال : حتى تقولَ نعَمْ ، فقلتُ : نعمْ ، وعلى السمع والطاعة . فقال : الله ؟ فقلت : آلله .
قال : وحياة رأسي ؟ قلت : وحياةٍ رأسك. فقال: ضَعْ يدَكَ على رأسي وقُلْ ذلك. ففعلت، فقال: إنَّ
هاهنا رجلاً من العلويِّين أحبُّ أنْ تَكْفينيهِ - والظاهر أنه الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن
عليٍّ بن أبي طالب - فقلت: نعم. فقال: وعَجل عليّ، ثم أمرَ بتحويل ما في ذلك المجلس إلى
مَنزلي ، وأمرَ لي بمئةِ ألفِ درهم ، وتلك الجارية ، فما فرحتُ بشيءٍ فَرَحي بها ؛ فلمَّا صارتْ بمنزلي
حجبتُها في جانبِ الدار في خِدْر ، فأمَرْتُ بذلك العَلويّ ، فجيء به فجلسَ إليَّ فتكلَّم ، فما رأيتُ أعقلَ
منه ولا أفهَم! ثم قال لي: يا يعقوب، تَلْقَى الله بدَمي وأنا رجلٌ من ولَدِ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِصَلّ؟
فقلتُ : لا والله ، ولكنِ اذهَبْ حيثُ شئتَ وأين شئت . فقال: إنِّي أختارُ بلادَ كذا وكذا. فقلتُ : اذهبْ
كيف شئت ، ولا يظهرَنَّ عليك المهديُّ فَتَهْلِكَ وأهلِك . فخرج من عندي وجهَّزْتُ معه رجلَيْنِ يسفِّرانِهِ
(١) كذا في الأصول، وتاريخ الطبري (٥٧٥/٤)، وفي ديوان بشار (( يا أيها الناس قد ضاعت خلافتكم))، وهو أشبه
بالصواب .
(٢) البيتان في ديوان بشار ص (٣٩٥).
(٣) في ( ق ) : أصحان ، والمثبت من ( ب، ح ) .

٤٠٥
وفيات سنة ١٦٦ هـ
ويُوصلانِهِ بعضَ البلاد ، ولم أشعُرْ بأنَّ الجاريةَ قد أحاطَتْ علماً بما جرَى ، وأنَّها كالجاسوسِ عليّ فَبَعَثَتْ
بخادِمِها إلى المهديِّ فأعلَمتْهُ بما جَرَى ، وتقول له : هذا الذي آثرته بي قد فعل كذا وكذا . فغَضِبَ
المهديّ، فبعث إلى تلك الطريق ، فردُّوا ذلك العلويّ، فحبَسَهُ عندَهُ في بيتٍ من دارِ الخِلافة ، وأرسل
إليَّ من اليوم الثاني ، فذهبتُ إليه ، ولم أشعُرْ منْ أمْرِ العلويِّ بشيء ، فلمَّا دخلتُ عليه قال : ما فعلَ
العلويّ؟ قلتُ: مات. قال : الله؟ قلت : الله . قال: فضَعْ يدَكَ على رأسي واحْلِفْ بحياتِهِ . ففعلتُ ،
فقال : يا غلام ، أخرِجْ ما في هذا البيت . فخرَجَ العلويّ، فأُسقِطَ في يدي ، فقال المهدي: دمُّكَ
حلال . ثم أمَرَ به فأُلقيَ في بئر في الْمُطْبِقِ . قال يعقوب : فكنتُ في مكانٍ لا أسمعُ فيه ولا أُبصِر ،
فذهب بصَرِي وطال شَعْري حتى صرتُ مثلَ البهائم ، ثم مَضَتْ عليَّ مُددٌ متطاولة ، فبينما أنا ذاتَ يوم إذْ
دُعيت ، فخرجتُ من البئر، فقيل لي : سلِّمْ على أميرِ المؤمنين ، فسلَّمْتُ وأنا أظنُه المهدي ، فلما
ذكرتُ المهدي قال : رحم الله المهدي . فقلت : الهادي ؟ فقال : رحم الله الهادي . فقلت : الرشيد ؟
قال : نعم . فقلت : يا أميرَ المؤمنين، قد رأيتَ ما حَلَّ بي من الضَّعْف والعِلَّة، فإنْ رأيتَ أنْ تُطلِقَني .
فقال : أين تُريد؟ قلت : مكة . فقال: اذهَبْ راشداً. فسار إلى مكة ، فما لَبِثَ بها إلَّ قليلاً حتى ماتَ
رحمه الله تعالى .
وقد كان يعقوبُ هذا يَعِظُ المهديَّ في تعاطيهِ شُربَ النَّبِيذِ بين يديه ، وكثرَةٍ سماعِ الغِنَاء ، فكان يَلومُهُ
على ذلك ويقول : ما على هذا استوزَرْتَني ، ولا على هذا صَحِبتُك ، أبَعْدَ الصلواتِ الخمس في المسجدِ
الحرام يُشربُ الخمر؟! ويُغَنَّى بين يديك؟! فيقول له المهدي : فقد سمع عبدُ الله بن جعفر . فقال له
يعقوب : إنَّ ذلك لم يكنْ من حَسَناتِهِ ، ولو كان هذا قُرْبَةً لكان كلَّما داوم عليه العبدُ أفضل . وفي ذلك
يقولُ بعضُ الشعراء حَثّاً للمَهْديِّ على ذلك :
فدَعْ عنكَ يعقوبَ بنَ داودَ جانباً وأقبلْ على صهباءَ طَيِّيةِ النَّشْرِ
وفيها ذهب المهديُّ إلى قصرِه المسمَّى بقصر السلام بِعيساباء(١) - بُي له بالآجُرِّ بعد القصرِ الأول
الذي بناه باللَِّن - فسكنَهُ، وضرَبَ هناك الدراهمَ والدنانير، وفيها أمرَ المهديُّ بإقامةِ البريد بين مكة
والمدينة واليمن ، ولم يفعل أحَدٌ هذا قبلَ هذه السنة . وفيها خرج موسى الهادي إلى جُرْجان . وفيها ولَّى
القضاءَ أبا يوسُفَ صاحبَ أبي حَنِيفَة . وفيها حجَّ بالناس إبراهيمُ بن يحيى بن محمد ، عاملُ المدينة ،
ولم يكنْ في هذه السنةِ صائفةٌ للهُدْنةِ التي كانتْ بينَ الرَّشيد وبين الرُّوم .
فيها توفي :
صدَقَةُ بن عبد الله السَّمِين .
(١) انظر ما تقدم ص (٤٠٢) ح (١).

٤٠٦
أحداث سنة ١٦٧ هـ ووفياتها
وأبو الأشهب العُطَارِديّ .
وأبو بكر النَّهْشَليّ .
وعُفير بن مَعْدَان .
ثم دخلت سنة سبع وستين ومئة
فيها وجَّه المهديُّ ابنَهُ موسى الهادي إلى جُرْجان في جيشٍ كَثيف لم يُرَ مثلُه ، وجعل على رسائِلِه
أبان بن صدَقة ، وفيها تُوفي عيسى بن موسى الذي كان وليَّ العَهْد من بعدِ المهدي ، مات بالكوفة ،
فأشهدَ نائبُها روحُ بن حاتم على وفاته القاضيَ وجماعةً من الأعيان ، ثم دُفن . وكان قد امتنع من الصلاةِ
عليه، فكتب إليه المهديُّ يُعنَّقُهُ أشدَّ التَّعْنيف، وأمَرَ بِمُحاسَبَتِهِ على عمَلِه . وفيها عزل المهديُّ
أبا عُبيد الله معاويةَ بنَ عبيد الله عن ديوانِ الرسائل وولَّهُ الربيعَ بنَ يونس الحاجب ، فاستخلف فيه
سعيدَ بن واقد ؛ وكان أبو عبيد الله يدخلُ على مرتبتِهِ ، وفيها وقع وباءٌ شديد ، وسُعالٌ كثيرٌ ببغدادَ
والبصرة ، وأظلمتِ الدنيا حتى كانتْ كالليل، حتى تعالَى النهار، وكان ذلك لِلَيَالِ بَقينَ من ذي الحجّة
من هذه السنة . وفيها تتبّع المهديُّ جماعةً من الزنادقة في سائر الآفاق ، فاستحضرَهم وقتلهم صَبْراً بين
يديه (١) ، وكان المتولي أمْرَ الزنادقة عمرُ الكَلْوَاذي . وفيها أمرَ المهديُّ بزيادةٍ كثيرةٍ في المسجد الحرام ،
فدخل في ذلك دورٌ كثيرة ، وولَّى ذلك لِيَقْطين بن موسى الموّلِ بأمرِ الحرمَيْن ، فلم يزل في عمارةِ ذلك
حتى مات المهدي - كما سيأتي - ولم يكنْ للناسِ صائفةٌ للهُدْنة . وحجَّ بالناس في هذه السنة نائبُ المدينة
إبراهيمُ بن محمد ، وتوفي بعد فراغِهِ من الحجِّ بأيام ، وولَّى مكانه إسحاق بن عيسى بن علي بن
عبد الله بن عباس .
وممَّنْ تُوفي فيها من الأعيان :
بَشَّارُ بنُ بُرْد أبو مُعَاذ الشاعر(٢): مولى عُقَيل، وُلد أعمَى، وقال الشعرَ وهو دون عشرٍ سنين ، وله
التشبيهاتُ التي لم يهتدِ إليها البُصَراء ؛ وقد أثنى عليه الأصمعيّ ، والجاحظ ، وأبو تمام ، وأبو عبيدة
وقال : له ثلاثةَ عشرَ ألفَ بيتٍ من الشعر، فلمَّا بلغَ المهديَّ أنه هَجَاه ، وشهد عليه قومٌ أنَّه زِنْديق ، أمَرَ به
(١) كلُّ ذي رُوحِ يُصْبَرُ حيّاً ثم يُزْمى حتى يُقتل. فقد قُتل صبراً . لسان العرب ( صبر ) .
(٢)
ترجمته في الأغاني ( ١٢٧/٣)، الإكمال لابن ماكولا (١٨٤/٧)، الفهرست ص (٢٢٧)، تاريخ بغداد
(١١٢/٧)، المنتظم (٢٨٩/٨)، الكامل في التاريخ (٢٥٤/٥)، وفيات الأعيان (٢٧١/١)، سير أعلام
النبلاء (٢٤/٧)، لسان الميزان (١٥/٢)، النجوم الزاهرة (٥٣/٢)، شذرات الذهب (٢٦٤/١).

٤٠٧
وفيات سنة ١٦٧ هـ
فضُرب حتى مات ، عن بضع وسبعين سنةً . وقد ذكره ابنُ خلِّكَانَ في الوفيات فقال(١): بشارُ بنُ بُرْد بن
يَرْجُوخِ العُقَيلي مولاهم،، قد نَسَبَهُ صاحبُ الأغاني(٢) فأطالَ نَسَبه، وهو بصريٌّ قَدِمَ بغداد ، أصلُهُ من
طَخَارِسْتَال٣ُ) ؛ وكان ضخماً عظيمَ الخَلْقِ، وشِعرُه في أوَّلِ طبقاتِ المولَّدين ؛ ومن شعرِهِ البيتُ
المشهور :
هل تعلمينَ وراءَ الحُبِّ مَنْزِلةً تُدْني إليكِ فإنَّ الحُبَّ أقصاني (٤)
وقوله :
أنا واللهِ أشتهي سِحْرَ عَيْنَيْـ ـكِ وأخْشَى مصارعَ العُشَّاقِ(٥)
وله :
والأذنُ تعشَقُ قبل العينِ أحيانا
يا قومُ أُذْنِي لبعضِ الحَيِّ عاشقةٌ
الأذنُ كالعينِ تؤتي القلبَ ما كان(٦)
قالوا لِمَنْ لا تَرَى تَهْذي فقلتُ لهم
وله :
بِحَزْمِ نَصيحٍ أو نَصِيحةِ حازِمٍ
إذا بَلَغَ الرأيُ التشاؤُرَ فَاسْتَعِنْ
فَرِيشُ الخَوَافِي قُوَّةٌ للقَوَادِمِ
ولا تَجْعلِ الشُّورَى عليكَ غَضَاضةً
وما خيرُ سيفٍ لم يُؤْيَّدْ بقائِمُ(٧)
وما خيرُ كَفِّ أمَسَكَ الغُلُّ أختَها
كان بشارٌ يَمدحُ المهدي، حتى وَشَى إليه الوزيرُ أنَّهُ هجاهُ وقَذَفَهُ، ونسَبَه إلى شيءٍ من الزَّنْدَقة، وأنَّهُ
يقولُ بتَفْضِيلِ النارِ على التُّراب ، وعَذَرَ إبليسَ في الشُّجودِ لآدَم ، وأنَّه أنشد :
(١) وفيات الأعيان (١/ ٢٧١).
(٢)
الأغاني ( ١٢٧/٣ ).
طَخَارِسْتان - بالفتح وبعد الألف راء ثم سين ثم تاء مثناة من فوق - ويُقال طَخِيرستان : هي ولايةٌ واسعةٌ كبيرة ،
(٣)
تشتملُ على عِدَّةٍ بلاد ، وهي من نواحي خُراسان ، وهي طخارستان العليا والسفلى ، فالعليا شرِقِي بَلْخ ، وغربيٍ نهر
جِيحُون ، وبينها وبين بَلْخ ثمانيةٌ وعشرون فرسخاً ؛ وأمَّا السُّفلى فهي أيضاً غربي جيحون ، إلَّ أنَّها أبعدُ من بلَغْ ،
وأضربُ في الشرق من العليا . ومن مُدُنها خلم وسمنجان ويغلان وسكلكند ووروراليز . قال الإصطخري : وأكبرُ
مدينةٍ بطخارستان طالقان . معجم البلدان (٢٣/٤) .
(٤)
البيت من مقطعةٍ في ديوان بشار ص ( ٦١٨).
البيت من مقطّعةٍ في ديوان بشار ص( ٥٦٥ ) .
(٥)
البيتان في ديوان بشار ص (٦١٢) مع بيت ثالث .
(٦)
الأبیات في دیوان بشار ص( ٥٩٢ ).
(٧)

٤٠٨
أحداث سنة ١٦٨ هـ
الأرضُ مُظلمةٌ والنارُ مُشرقةٌ والنارُ معبودةٌ مُذْ كانتِ النارُ(١)
فأمَرَ المهديُّ بضَرْبِهِ ، فضُرب حتى مات . ويُقال : إنَّه غَرق ، ثم نُقُل إلى البصرة في هذِهِ السنة .
فيها تُوفي :
الحسن بن صالح بن حَيّ .
وحمَّاد بن سَلَمة .
والربيعُ بن مسلم .
وسعيد بن عبد العزيز بن مسلم .
وعُتبة الغلام؛ وهو: عُثْبة بن أبان بن صَمَعَةُ(٢): أحدُ العُبَّادِ المشهورين ، البَكَّائين المذكورين ؛
كان يأكُلُ من عَمِلَ يَدِهِ في الخُوص، ويصومُ الذَّهر ، ويُفطِرُ على الخُبزِ والمِلح .
والقاسم الحذَّاء .
وأبو هلال محمد بن سليم .
ومحمد بن طلحة .
وأبو حمزة السُّكَّريّ(٣) محمد بن ميمون .
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومئة
فيها في رَمَضان منها نَقضتِ الزُّوم ما بينهم وبين المسلمينَ من الصُّلحِ الذي عقدَهُ هارون الرَّشيد عن
أمرٍ أبيهِ المهدي ، ولم يستمرُّوا على الصلحِ إلَّ اثنيْنِ وثلاثين شهراً، فبعَثَ نائبُ الجزيرةِ خيلاً إلى
الرُّوم ، فقتلوا وأسرُوا وغَنِموا وسَلِموا .
وفيها اتَّخَذَ المهديُّ دواوينَ الأزمَّة، ولم يكنْ بنو أُميَّةَ يعرفون ذلك(٤).
(١) البيت في ديوان بشار ص (٥٣٩).
ترجمته في حلية الأولياء (٢٢٦/٦)، صفة الصفوة (٣/ ٣٧٠)، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير
(٢)
(٥٤٨/٣)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٦٢)، طبقات الشعراني (٤٧/١).
في بعض النسخ: (( اليشكري)) مصحف ، وهو من رجال التهذيب (بشار ).
(٣)
أول من عمل ديوان الزمام عمر بن بزيع في خلافة المهدي ، وذلك أنه لما جُمعت له الدواوين تفكّر فإذا هو
(٤)
لا يضبطُها إلَّا بزِمامٍ يكون له على كلِّ ديوان؛ فإنَّخذَ دواوين الأزمَّة ، وولَّى كلَّ ديوانٍ رجلاً ، فكان واليه على زِمَامٍ
ديوانِ انْخَرَاج إسماعيل بن صبيح ، ولم يكنْ لبني أمية دواوين أزِمَّة. تاريخ الطبري (٤/ ٥٨٢ ).

٤٠٩
وفيات سنة ١٦٨ هـ
وفيها حجَّ بالناس عليُّ بن محمد المهدي الذي يُقال له ابنُ رَيْطَة .
وفيها توفي :
الحسن بن زيد بن علي بن أبي طالب (١) ، ولَّهُ المنصورُ المدينةَ خمسَ سنين ، ثم غَضِبَ عليه ،
فضرَبَهُ وحبَسَه، وأخذَ جميعَ مالِه(٢) .
وخارجةُ بن مُصْعَب .
وُبِيدُ الله بن الحسن بن الحُصَيْن بن أبي الحُرّ العَنْبَريّ(٣) : قاضي البصرة بعد سَوَّار . سمع خالداً
الحذَّاءِ ، وداود بن أبي هِنْد وسعيداً الجُرَيْري ، وروى عنه ابنُ مهدي ، وكان ثقةً فقيهاً ، له اختياراتٌ
تُعزَى إليه ، غريبةٌ في الأصول والفروع ، وقد سُئل عن مسألةٍ فأخطأ في الجواب ، فقال له قائل : الحُكمُ
فيها كذا وكذا ، فأطرَقَ ساعةً ثم قال : إذاً أرجع وأنا صاغِر ، لأنْ أكونَ ذَنبَاً في الحق ، أحَبُّ إليَّ منْ أكونَ
رأساً في الباطل .
توفي في ذي القَعْدَة من هذه السنة ، وقيل بعدَ ذلك بعشرِ سنين ، فالله أعلم .
غَوْثُ بن سليمان بن زياد بن ربيعة (٤) أبو يحيى الحَضْرَمي (٥) : قاضي مصر ، كان من خِيَارِ الحُكَّام ؛
وَلَيَ الديارَ المصريَّةَ ثلاثَ مرَّات ، في أيامِ المنصور ، والمهدي .
وفُليح بن سليمان(٦)
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (القسم المتمم) ص (٣٨٦). وتصحَّف في (ق) إلى ((الحسن بن يزيد بن حسن)).
(٢) جاء في نسخة ( ق ) زيادة محصورة بين معقوفين ، وكذا في ( ب)، وهذه الزيادة ليست في (ح)، ولا تصحّ لأن
ترجمة حماد عجرد تقدمت في ص (٣٥٧) في وفيات سنة (١٥٥) من نسخة ( ق ) من هذا الجزء ، وهذه الزيادة
هي: [وحَمَّاد عَجْرَد كان ظريفاً ماجناً شاعراً، وكان ممَّنْ يُعاشر الوليد بن يزيد، ويُهاجي بشارَ بنَ بُرْد، وقدِمَ على
المهدي ، ونزلَ الكوفة ، واتُّهم بالزندقة . قال ابن قتيبة في طبقات الشعراء : ثلاثةٌ حمَّادون بالكوفة يُرْمَوْنَ
بالزندقة : حماد الراوية ، وحماد عَجْرَد ، وحماد بن الزِّبْرِقان النَّحْوي ؛ وكانوا يتشاعرون ويتماجنون ] .
(٣) في الأول: ((عبد الله بن الحسن بن الحصين بن أبي الحسن البصري))، وقد صُحِّف في اسمه اسم أجداده في
الأصول وكثير من المصادر ، وما أثبتُّه من ترجمته في: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨٥)، والجرح والتعديل
(٣١٢/٥)، ومشاهير علماء الأمصار ص (١٥٩)، والثقات لابن حبان (١٥٢/٧)، وتاريخ بغداد
(٣٠٦/١٠)، والإكمال لابن ماكولا (٢٨/١)، ورجال مسلم (١٠/٢)، ولسان الميزان لابن حجر
(٢٩٦/٧)، وتقريب التهذيب ص (٣٧٠).
(٤) ترجمته في طبقات ابن سعد (٥١٧/٧)، التاريخ الكبير للبخاري (١١١/٧)، الجرح والتعديل (٧/ ٥٧)،
مشاهير علماء الأمصار ص (١٩١)، الثقات لابن حبان (٧/ ٣٠).
(٥) في (ق): ((الجرمي))، وهو تصحيف ، والمثبت من ( ب، ح) ومصادر ترجمته .
(٦) هذا الاسم معطوف على عُبيد الله بن الحسن بن الحصين ، المتقدِّم.

٤١٠
أحداث سنة ١٦٩ هـ - ترجمة محمد بن عبد الله بن عباس
وقيسُ بن الربيع في قول .
ومحمد بن عبد الله بن علاثة بن علقمة بن مالك (١): أبو اليَسَر العُقَيلي، قاضي الجانب الشرقي من
بغداد للمَهْدي ، هو وعافية بن يزيد . وكان يُقال لابنِ عُلاثةَ قاضي الجنّ ، لأنه كانَتْ بئرٌ يُصابُ من أخذَ
منها شيئاً ، فقال : أيُّها الجِنّ، إنَّا حَكَمْنا أنَّ لكمُ الليل ، ولنا النهار، فكان من أخذَ منها شيئاً في النهار
لم يُصِبْهُ شيء . قال ابنُ مَعين : كان ثقةً . وقال البخاري : في حفظِهِ شيءٍ .
ثم دخلت سنة تسع وستين ومئة
فيها في المحرَّم منها توفي المهديُّ بنُ المنصور بمكانٍ يُقال له ماسَبِذَانُ(٢) بالحُمَّى ، وقيل مسموماً ،
وقيل : عَضَّهُ فرسٌ فمات . هذه ترجمتُهُ ، هو :
محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس(٣)
أبو عبد الله المهدي ، أميرُ المؤمنين ، وإنما لُقِّب بالمهدي رجاءَ أنْ يكونَ الموعودَ به في الأحاديث ،
فلم يكنْ به ، وإن اشتركا في الاسم ، فقد افترقا في الفِعل ، ذاك يأتي آخرَ الزمان ، عند فسادِ الدنيا ،
فيملأ الأرضَ عدلًا كما مُلئت جَوْراً وظُلْماً ؛ وقد قيل: إنَّ في أيامِهِ يَنْزِلُ عيسى ابنُ مريم بدمشق ، وسيأتي
ذِكرُ ذلك في أحاديث الفِتَنِ والملاحم ، وذكرُ المهدي ونزول عيسى ابن مريم إنْ شاء الله وبه الثّقة . وقد
جاء في حديثٍ من طريق عثمان بن عقَّان ، أنَّ المهديَّ من بني العباس ، وجاء موقوفاً على ابنِ عباس ،
وكعب الأحبار - ولا يَصِحّ - وبتقديرِ صِحَّةِ ذلك لا يَلْزِمُ أنْ يكونَ على التعيين ، وقد ورد في حديثٍ آخر ،
أنَّ المهديَّ من ولدِ فاطمة(٤) ، فهو يعارض هذا ، والله أعلم .
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٤٨٣)، التاريخ الكبير (١٣٢/١)، التاريخ الصغير (١٨٧/٢)، الجرح
والتعديل (٣٠٢/٧)، الضعفاء للعقيلي (٩٢/٤)، الكامل في الضعفاء لابن عدي (٢٢٢/٦) الضعفاء
لأبي نعيم الأصبهاني ص (١٤٢)، تاريخ بغداد (٣٨٨/٥)، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ، الكاشف
(١٨٩/٢)، لسان الميزان (٣٦٤/٧).
(٢) ماسَبَذَان: بفتح السين والباء الموحدة والذال معجمة وآخره نون؛ وأصلُهُ ماه سَبَذان، مضافٌ إلى اسم القَمَر،
ماه ، ومن هذه المدينة إلى الروذ بالراء عدة فراسخ ، وبها قبر المهدي ، وليس له أثر إلا بناء قد تعفَّتْ رسومُه ، ولم
يبق منه إلا الآثار. معجم البلدان ج : (٥) ص : ( ٤١ ) .
(٣) ترجمته في تاريخ خليفة ص (٤٣٦، ٤٤٠)، تاريخ بغداد (٣٩١/٥)، التدوين في أخبار قزوين (١/ ٤٣١)،
التحفة اللطيفة (٢/ ٥٠١)، تاريخ الخلفاء ص (٢٧١).
(٤) رواه ابن ماجه في سنة رقم (٤٠٨٦) من حديث أم سلمة، وأبو داود (٤٢٨٤)، والحاكم (٤/ ٥٥٧) وإسناده =

٤١١
ترجمة محمد بن عبد الله بن عباس
وأمُّ المهديِّ بن المنصور أمُّ موسى بنت منصور بن عبدِ الله الحِمْيَري .
وروى عن أبيه ، عن جدِّهِ، عن أبيه عبدِ الله بن عباس، أنَّ رسولَ الله وَلَهَ جَهَرَ ببسم الله الرحمن
الرحيم. رواهُ عنه يحيى بن حمزة البَتَلْهيّ(١)، قاضي دمشق، وذكر أنَّهُ صلَّى خلفَ المهدي حين قدم
دمشق فجَهَر في السورتَيْنِ بالبسملة، وأسند ذلك عن رسولِ اللهِ وَله، ورواه غيرُ واحدٍ عن يحيى بن
حمزة ؛ ورواهُ المهدي عن المباركِ بنِ فضالَة ؛ ورواه عنه أيضاً جعفر بنُ سليمانَ الصُّبَعيّ ، ومحمد بن
عبد الله الرقاشي ، وأبو سفيان سعيد بن يحيى بن المهدي(٢).
وكان مَوْلد المهدي في سنةِ ستٍّ أو سبعٍ وعشرين ومئة ، أو في سنةٍ إحدى وعشرين ومئة ؛ وَلِيَ
الخلافةَ بعدَ موتِ أبيه في ذي الحجَّة سنة ثمانٍ وخمسين ومئة ، وعمرُه إذْ ذاك ثلاثٌ وثلاثونَ سنةً ، ولد
بالحميمة من أرض البلقاء ، وتوفي في المحرم من هذه السنة أعني سنة تسع وستين ومئة عن ثلاثٍ أو ثمانٍ
وأربعين سنة ؛ وكانتْ خلافتُهُ عشرَ سنين وشهراً وبعضَ الشهر ؛ وكان أسمرَ طويلاً ، جعدَ الشعر ، على
إحدى عينَيَّهِ نُكتةٌ بيضاء ، قيل : على عينه اليمنى ، وقيل : اليسرى .
قال الربيع الحاجب : رأيتُ المهديَّ يُصلِّي في ليلةٍ مُقمرة ، في بَهْوِ لَه ، عليه ثيابٌ حسنة ، فما أدري
هو أحسنُ أمِ القمر أمْ بَهْوُهُ أم ثيابُه؟ فقرأ: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِعُوْأَزْحَامَكُمْ﴾
[ محمد: ٢٢]، الآية؛ ثم أمَرَني فأحضَرتُ رجلاً من أقاربِهِ كان مسجوناً ، فأطلَقَه .
ولما جاء خبرُ موتِ أبيه بمكةَ - كما تقدَّم - كَتَمَ الأمرَ يومَيْن ، ثم نُودي في الناسِ يومَ الخميس :
الصلاة جامعة . فقام فيها خَطيباً ، فأعلَمَهُمْ بموتِ أبيه وقال: إنَّ أميرَ المؤمنين دُعيَ فأجاب ، فعندَ الله
أحتسبُ أميرَ المؤمنين ، وأستعينُه على خلافةِ المسلمين ، ثم بايَعهُ الناسُ بالخلافةِ يومئذ ؛ وقد عزَّاهُ
أبو دُلامة ، وهنّأْهُ في قصيدةٍ له ، يقولُ فيها :
بأميرِها جَذْلَى وأخرى تَذْرِفُ
عينايَ واحدةٌ تُرَى مسرورةٌ
ما أنكرتْ ويَسُرُّها ما تَعْرِفُ
تبكي وتضحَكُ تارةً ويَسُوؤها
ضعيف ، لضعف زياد بن بيان في إسناده . وقد ساق العقيلي في ضعفائه ، وقال البخاري : في إسناده نظر ، وقال
=
ابن عدي في الكامل بعد أن أورد حديثه هذا: (( والبخاري إنما أنكر من حديثه هذا الحديث ، وهو معروف به .
وقال الذهبي في الميزان : لم يصح حديثه وانظر بلا بد تعليقي على هذا الحديث في سنن ابن ماجه بتحقيقي
( بشار ) .
(١) في (ق): ((النهشلي))، وهو تصحيف، والمثبت من (ب، ح)، وترجمت في سير أعلام النبلاء (٣٥٤/٨)،
ومصادر ترجمته ، وهو نسبة إلى بيت لِهْيا ، قريةٍ مشهورةٍ في غوطة دمشق. انظر معجم البلدان (١/ ٥٢٢).
(٢) أخرجه الدار قطني في سننه (٣٠٣/١) في باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم والجهر بها ؛ والصيداوي في
معجم الشيوخ ص ( ١٧٢، ١٧٣)؛ وذكره ابن حجر في تلخيص الحبير (٢٣٥/١).

٤١٢
ترجمة محمد بن عبد الله بن عباس
ويَسُرُّها أنْ قام هذا الأزْأفُ
فيسوؤها موتُ الخليفةِ مُخْرِماً
شَعَراً أُرَجِّلُهُ وَآخِرَ يُنْتَفُ
ما إنْ رأيت كما رأيتُ ولا أرَى
وأتاكُمُ من بعدِهِ منْ يَخْلُفُ
هَلَكَ الخليفةُ يِالَ أُمَّةِ أحمدٍ
ولِذاكَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ تُؤَخْرَفُ (١)
أهدَى لِهِذا اللهُ فَضْلَ خلافةٍ
وقد قال المهديُّ يوماً في خطبة :
أيُّها الناس، أسِرُوا مثلَما تُعْلِنون من طاعَتِنا تَهْنِكُمُ العافية، وتَحْمَدوا العاقبة ؛ واخفضوا جناحَ
الطاعةِ لمنْ ينشُرُ مَعْدِلَتَهُ فيكم ، ويَطْوِي ثوبَ الإصْرِ عنكم ، وأهالَ عليكم السلامةَ ولينَ المعيشةِ من حيثُ
أراهُ الله، مقدِّماً ذلك على فعلٍ من تقدَّمَه ؛ والله لأفْنِيَنَّ عُمري من عقوبتِكم، ولأحملَنَّ نفسي على
الإحسانِ إليكم . قال : فأشرَقَتْ وجوهُ الناسِ من حُسنٍ كلامِه ؛ ثم استخرج حوَاصلَ أبيه من الذهبِ
والفِضَّةِ التي كانتْ لا تُحدُّ ولا تُوصفُ كثرةً؛ ففرَّقَها في الناس ، ولم يُعطِ أهلَهُ وموالِيَهُ منها شيئاً ، بل
أجْرَى لهم أرزاقاً بحَسَبِ كفايتهم من بيتِ المال ، لكلِّ واحدٍ خمس مئةٍ في الشهر ، غير الأُعطيات . وقد
كان أبوهُ حريصاً على توفيرٍ بيتِ المال ، وإنما كان يُنفقُ في السنة ألفَيْ درهم ، من مال السَّرَاة . وأمر
المهديُّ ببناء مسجدِ الرُّصافة ، وعُمل خندقٌ وسُورٌ حولَها . وبَنى مُدُناً ذكرناها فيما تقدَّم .
وذُكر له عن شريك بن عبد الله القاضي أنه لا يرى الصلاةَ خلفَه ، فأحضره فتكلَّم معه ، ثم قال له
المهدي في جملةِ كلامه : يا ابنَ الزانية ! فقال له شريك: مَهْ، مَهْ يا أميرَ المؤمنين ، فلقد كانتْ صوَّامةً
قوَّامة . فقال له : يا زِنْديق، لأقتلنَّك. فضحك شريك فقال: يا أمير المؤمنين ، إنَّ للزنادقةِ علاماتٍ
يُعرفون بها ، شربهم القهوات ، واتخاذهم القينات . فأطرَقَ المهدي ، وخرج شريك من بين يديه .
وذكروا أنه هاجتْ ريحٌ شديدة في زمن المهدي ، فدخل المهديُّ بيتاً في دارِهِ ، فألزَقَ خذَّهُ بالتراب
وقال : اللهمَّ إنْ كنتُ أنا المطلوب بهذه العقوبةِ دون الناس فها أنا ذا بين يديك ؛ اللهمَّ لا تُشْمتْ بي
الأعداء من أهلِ الأديان . فلم يزل كذلك حتى انجلَتْ .
ودخل عليه رجلٌ يوماً ومعه نَعْل، فقال: هذه نعلُ رسولِ اللهِوَّةِ قد أهديتُها لك. فقال: هاتها.
فناوله إيّاها فقبَّلَها ووضعها على عينَّه، وأمر له بعشرة آلاف درهم؛ فلما انصرف الرجل قال المهدي: والله
إني لأعلمُ أنَّ رسولَ الله وَِّ لم ير هذه النعل ، فضلاً عن أن يلبسَها ، ولكنْ لو ردَدْتُه لذهب يقولُ للناس
أهديتُ إليه نعلَ رسولِ اللهِ وَرَ فِردَّها عليّ. فتصدِّقه الناس، لأنَّ العامَّةَ تميلُ إلى أمثالِها، ومن شأنِهِم
نصرُ الضعيفِ على القَوي إنْ كان ظالماً ، فاشترينا لسانَهُ بعشرة آلاف درهم ، ورأينا هذا أرجحَ وأصلح .
(١) الأبيات في ديوان أبي دلامة ص (٨٢ ) . وبعدها بيت واحد:
فابْكُوا لِمَصْرَعِ خَيْرِكُمْ وَوَلِيَكُمْ وَاسْتَشْرِفُوا لِمَقَامٍ ذا وتَشَرَّفُوا

٤١٣
ترجمة محمد بن عبد الله بن عباس
واشتهر عنه أنه كان يحبُّ اللَّعِبَ بالحمَام ، والسَِّاق بينها ، فدخل عليه جماعةٌ من المحدِّثين فيهم
غياث بن إبراهيم ، فحدَّثه بحديث أبي هريرة (( لا سَبْقَ إلَّ في خُفٍّ أو نَصْلٍ أو حافِرِ)) وزادَ الحديث : أو
جَنَاحِ، فأمر له بعشرةِ آلاف، ولما خرج قال: والله إني أعلمُ أنَّ غِياناً كذَبَ على رسولِ اللهِوَ له. ثم أمرَ
بالحمَام فذَبَحه ، ولم يذكُرْ غِياثاً بعدَها .
وقال الواقدي : دخلتُ على المهديِّ يوماً ، فحدَّثته بأحاديث ، فكتبها عني ، ثم قام فدخل بيوتَ
نسائه ، ثم خرج وهو ممتلىءٌ غيظاً ، فقلت : ما لك يا أمير المؤمنين ؟! فقال : دخلتُ على الخَيْزران ،
فقامَتْ ومزَّقَتْ ثَوْبي ، وقالت : ما رأيتُ منك خيراً ، وإني والله يا واقدي إنما اشتريتُها من نَخَّاس ، وقد
نالَتْ عندي ما نالت ، وقد بايعتُ لولدَيْها بإمرَةِ المؤمنينَ من بعدي . فقلت: يا أميرَ المؤمنين ، إنَّ
رسولَ اللهِ ◌ّر قال: ((إنَّهِنَّ يغلِيْنَ الكرام، ويغلِبُهُنَّ اللئام)(١). وقال: (( خيرُكم خيرُكم لأهلِه وأنا
خيرُكم لأهلي )(٢) . وقد خُلقَتِ المرأةُ من ضِلَعِ أعْوَج ، إنْ قَوَّمْتَهُ كسَرْتَه . وحدَّثتُه في هذا الباب بكلام
حضَرَني ، فأمرَ لي بألفَيْ دينار ، فلمَّا وافَيْتُ المِنْزِل إذا رسولُ الخيزران قد لَحِقني بألفَيْ دينارٍ إلَّ عشرةً
دنانير ، وإذا معه أثوابٌ أَخَر ؛ وبعثَتْ تشكرُني وتُثني عليَّ معروفاً.
وذُكر أن المهديَّ كان قد أهدَرَ دمَ رجلٍ من أهلِ الكوفة ، وجعل لمن جاء به مئة ألف ، فدخل الرجلُ
بغدادَ متنكِّراً ، فلقيه رجل ، فأخذ بمَجَامِعٍ ثوبِهِ ، ونادى : هذا طَلِبةُ أميرِ المؤمنين . وجعل الرجلُ يريد أن
يُفْلِتَ منه فلا يَقدِر ، فبينما هما يتجاذبان، وقد اجتمع الناس عليهما إذْ مَرَّ أميرٌ في مَوْكِبه ، وهو مَعْنُ بن
زائدة ، فقال الرجل : يا أبا الوليد ، خائفٌ مستجير! فقال معن: وَيْلَك! ما لَكَ ولَه ؟ فقال : هذا طَلِبةُ
أمير المؤمنين ، جعل لِمَنْ جاء به مئةَ ألف . قال معن : أما علمتَ أنِّي قد أجَرْتُه ؟ أرسِلْهُ من يدِك . ثم أمر
بعضَ غلمانِهِ فترجَّل، وأركبَهُ وذهَبَ به إلى مَنْزِلِه ؛ وانطلق ذلك الرجلُ إلى بابِ الخليفة ، وأنْهَى إليهمُ
الخبر ، فبلَغَ المهديَّ ، فأرسل إلى معن ، فدخل عليه، فسلَّمَ ولم يردَّ عليه السلام وقال: يا معن ، أبَلَغَ
من أمرِك أنْ تُجيرَ عليّ ؟ قال : نعم . قال : ونَعَمْ أيضاً؟! نَعَمْ ، قد قتلتُ في دولتِكم أربعةَ آلاف مُصَلِّ ،
فلا يُجارُ لي رجلٌ واحد ؟ فأطرَقَ المهديُّ ثم رفع رأسَهُ إليه وقال : وقد أجَرْنا من أجَرْتَ يا مَعْن . فقال :
يا أمير المؤمنين إنَّ الرجلَ ضعيف، فأمر له بثلاثينَ ألفاً ، فقال : إنَّ جريمتَهُ عظيمة ، وإنَّ جوائزَ الخلفاء
(١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٤٣٠)، بهذا السياق . وذكره ابن حجر في شرح حديث أم زرع في فتح
الباري (٢٦٥/٩)، منسوباً إلى معاوية .
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٢٠٥) عن عبد الله بن شداد؛ وابن حبان في صحيحه (٩/ ٤٨٤) (٤١٧٧) عن
عائشة، و(٤٩١/٩) (٤١٨٦) عن ابن عباس؛ والترمذي (٧٠٩/٥) (٣٨٩٥) باب فضل أزواج النبي ◌َّ؛
وابن ماجه (٦٣٦/١) (١٩٧٧) باب حسن معاشرة النساء؛ وأبو نعيم في الحلية (١٣٨/٧)، والخطيب في
تاريخه ( ١٤/ ٤٣٠) بهذا السياق، و(٧/ ١٣) عن أبي هريرة، وهو حديث صحيح كما قال الترمذي.

٤١٤
ترجمة محمد بن عبد الله بن عباس
على قَدْرِ جرائم الرَّعِيَّة . فأمر له بمئة ألف ، فحملَتْ بين يدَيْ معنٍ إلى ذلك الرجل ، فقال له معن : خُذٍ
المال وادْعُ لأميرِ المؤمنين ، وأصْلِحْ نِيَّتَكَ في المستقبل .
وقَدِمَ المهديُّ مرَّةً البصرة ، فخرج ليُصلِّيَ بالناس ، فجاء أعرابيٌّ فقال: يا أمير المؤمنين ، مُرْ هؤلاءٍ
فلينتظروني حتى أتوضأ - يعني المؤذّنين - فأمرَهُمْ بانتظارِهِ ، ووقف المهديُّ في المِحراب لم يُكَبِّرْ حتى
قيل له : هذا الأعرابيُّ قد جاء فكبّرَ . فتعجَّبَ الناسُ من سمَاحة أخلاقِهِ .
وقَدِمِ أعرابيٌّ ومعه كتابٌ مَخْتوم ، فجعل يقول : هذا كتابُ أميرِ المؤمنين إلى ابنِ الرجل الذي يُقال له
الربيع الحاجب . فأخذ الكتابَ وجاء به إلى الخليفة ، وأوقف الأعرابيَّ وفتح الكتاب ، فإذا هو قطعةُ
أديم ، فيها كتابةٌ ضعيفة ، والأعرابيُّ يزعُمُ أنَّ هذا خطُ الخليفة ؛ فتبسَّم المهديُّ وقال : صدَقَ الأعرابي،
هذا خطَّي إني خرجتُ يوماً إلى الصَّيد ، فضِعْتُ عن الجيش ، وأقبل الليل ، فتعوَّذْتُ بتعويذِ
رسولِ الله ◌ََّ، فرُفع لي نارٌ من بعيد، فقصدتُها، فإذا هو الشيخُ وامرأتُه في خِبَاء يوقِدان ناراً، فسلَّمْتُ
عليهما ، فردًا السلام ، وفرش لي كساءً ، وسقاني من لَينٍ مَشُوبٍ بماءٍ ، فما شربتُ شيئاً إلَّ وهو أطيبُ
منه ، ونمتُ نومةً على تلك العباءة ، ما أذكرُ أني نِمْتُ أحْلَى منها . فقام إلى شُوَيْهةٍ فذبحها ، فسمعتُ
امرأتَهُ تقول له : عمَدْتَ إلى مَكْسَبِكَ ومعيشةٍ أولادِك فذبحتَها ! أهلكتَ نفسَك وعيالَك . فما التفتَ
إليها . واستيقظْتُ فاشتَوَيْتُ من لَحم تلك الشُّويهِ وقلت له : أعندَكَ شيءٌ أكتُبُ لك فيه كتاباً ؟ فأتاني
بهذه القطعة ، فكتبتُ له بعودٍ من ذلكَ الرَّمَاد خمسَمئةِ ألف ، وإنما أردتُ خمسين ألفاً ، والله لأنفِذَنَّها له
كلَّها ، ولو لم يكنْ في بيتِ المالِ سواها . فأمَرَ له بخمسمئةِ ألف. فقَبضَها الأعرابيُّ واستمرَّ مقيماً في
ذلك الموضع في طريقِ الحاجٌّ من ناحيةِ الأنبار، فجعَلَ يَقْري الضَّيفَ ومنْ مَرَّ به من الناس، فعُرف منْزِلُهُ
بِمَنْزِلِ مُضيفِ أميرِ المؤمنين المهدي .
وعن سؤَّارٍ صاحبِ رَحْبَةِ سوَّار قال : انصرفتُ يوماً من عندِ المهدي ، فجئتُ منْزلي ، فوُضع لي
الغداء ، فلم تُقبلْ نفسي عليه ، فدخلتُ خلوتي لأنامَ في القائلة ، فلم يأخُذْني نوم ، فاستدعَيْتُ بعضَ
حَظَايَايَ لاَتَلَهَى بها ، فلم تنبَسِطْ نفسي إليها ، فنهضتُ فخرجتُ من المنْزِل ، وركبتُ بغلتي ، فما
جاوَزْتُ الدارَ إلَّ قليلاً حتى لقيَني رجلٌ ومعه ألفا درهم ، فقلت : من أين هذه؟ فقال : من مُلكِكَ
الجديد . فاستصحبتُه معي ، وسرتُ في أزِقَّةٍ بغداد لأتشاغلَ عمَّا أنا فيه من الضجَر ، فحانَتْ صلاةُ العصر
عند مسجدٍ في بعض الحارات ، فنزلْتُ لأصلِّي فيه ، فلما قُضيتِ الصلاة إذا برجل أعمى ، قد أخذَ بثيابي
فقال : إنَّ لي إليك حاجة . فقلت : ما حاجتُك ؟ فقال : إني رجلٌ ضرير ، ولكني لما شممْتُ رائحةً
طيبك ظننتُ أنكَ من أهلِ النِّعمةِ والثَّروة ، فأحببتُ أن أُفْضِي إليك بحاجتي . فقلت : وما هي ؟ فقال :
إنَّ هذا القصرَ الذي تجاه المسجد كان لأبي ، فسافر منه إلى خُراسان ، فباعَهُ وأخذَني معه وأنا صغير ،
فافترَقْنا هناك، وأصابني أنا الضررُ فرَجَعْنا إلى بغداد بعد أن مات أبي ، فجئتُ إلى صاحبِ هذا القصر

٤١٥
ترجمة محمد بن عبد الله بن عباس
أطلبُ منه شيئاً أتبلَّغُ به ، لعلِّي أجتمعُ بسَوَّار ، فإنه كان صاحباً لأبي ، فلعله أن يكونَ عنده سَعةٌ يجودُ منها
عليّ . فقلت : ومن أبوك؟ فذكر رجلاً كان أصحبَ الناس إليّ ، فقلت : إنِّ أنا سؤَّار صاحبُ أبيك،
وقد منعني الله في يومك هذا النومَ والقرارَ والأكلَ والراحة ، حتى أخرجني من منْزلي لأجتمعَ بك ،
وأجلَسَني بين يديك ، وأمرتُ وكيلي فدفع له الألفَي الدرهم التي معه ، وقلت له : إذا كان الغَدُ فَأْتِ
مِنْزلي في مكانٍ كذا وكذا . وركبتُ فجئتُ دارَ الخلافةِ وقلت : ما أتحفَ المهديَّ الليلةَ في السَّمَرِ بأغربَ
من هذا . فلما قصصتُ عليه القصّة تعجَّب من ذلك جدّاً ، وأمر لذلك الأعمى بألفَيْ دينارٍ وقال لي : هل
عليك دَيْن ؟ قلت : نعم . قال : كم ؟ قلت : خمسون ألفَ دينار . فسكت ، وحادثني ساعةً ، ثم قمتُ
من بين يديه ، فوصلت المنْزل ، إذا الحمَّالون قد سبقُوني بخمسينَ ألفَ دينار ، وألفَيْ دينار للأعمى ،
فانتظرتُ الأعمى أن يجيءَ في ذلك اليوم ، فتأخّر ، فلمَّا أمسى عدتُ إلى المهدي ، فقال : قد فكّرتُ في
أمرك فوجدتُكَ إذا قضيتَ دَيْنَك لم يبقَ معك شيء ، وقد أمرتُ لك بخمسين ألفَ دينارٍ أخرى . فلمَّا كان
اليومُ الثالث جاءني الأعمى ، فقلت : قد رزقني الله بسببك خيراً كثيراً ، ودفعتُ له الألفَيْ دينارٍ التي من
عند الخليفة ، وزدتُهُ من عندي أيضاً .
ووقفتِ امرأةُ المهدي فقالت : يا عُصبةَ رسولِ الله ، اقضٍ حاجتي . فقال المهدي : ما سمعتُها من
أحدٍ غيرِها ، اقضوا حاجتَها ، وأعطُوها عشرة آلاف درهم .
ودخل ابنُ الخياط على المهدي فامتدحَه ، فأمر له بخمسينَ ألفَ درهم ، ففرَّقها ابنُ الخيَّاط وأنشأ
يقول :
ولم أدرِ أنَّ الجودَ من كَفِّهِ يُعْدِي
أخذتُ بكفي كفَّه أبتغي الغِنَى
أَفَدْتُ وأعداني فبدَّدْتُ ما عندي
فلا أنا منه ما أفادَ ذوو الغنى
قال : فبلغ ذلك المهدي ، فأعطاه بدَلَ كلِّ درهمٍ ديناراً .
وبالجملة فإنَّ للمهدي مآثرَ ومحاسنَ كثيرة، وقد كانت وفاتُهُ بِمَا سَبَذان(١) ، كان قد خرجَ إليها ليبعثَ
إلى ابنِهِ الهادي، ليحضُرَ إليه من جُرْجان ، حتى يخلَعَهُ من ولايةِ العَهْد ، ويجعلَهُ بعدَ هارون الرشيد ،
فامتنعَ الهادي من ذلك ، فركب المهديُّ إليه قاصداً إحضارَه ، فلما كان بماسَبَذَان مات بها ، وكان قد رأى
في النوم وهو بقصرِهِ ببغداد ، وأظنُّهُ المسمَّى بقصر السلامة ، كأنَّ شيخاً وقف ببابِ القصر ، ويُقال إنه
سمع هاتفاً يقول :
وأوحشَ منه رَبْعُهُ ومنازِلُهْ
كأنِّي بهذا القصرِ قد بادَ أهلُهُ
ومُلكِ إلى قبرٍ عليه جنادِلُهْ
وصار عَميدُ القومِ منْ بعد بَهْجةٍ
(١) انظر التعريف بماسبذان في حاشية (٢) في الصفحة (٤١٠) من هذا الجزء.

٤١٦
ترجمة محمد بن عبد الله بن عباس
تنادي عليه مُعْولاتٍ حلائلَةْ
ولم يبقَ إلَّ ذكرُهُ وحديثُهُ
فما عاش بعدَها إلَّ عشراً حتى مات . رحمه الله وسامحه وأدخله الجنة ، برحمته آمين .
ویُروی أنه لما قال له الهاتف :
كأنِّي بهذا القصرِ قد بادَ أهلُهُ وقد درسَتْ أعلامُهُ ومنازلُه
فأجابه المهدي :
كذاكَ أمورُ الناسِ يَبْلَى جَديدُها وكلُّ فَتَّى يوماً ستبلَى فعائلُهْ
فقال الهاتف :
تزوَّدْ من الدنيا فإنك مَيِّتُ وإنك مسؤولٌ فما أنتَ قائلُه ؟
فأجابه المهدي :
وذلك قولٌ ليس تُحصَى فضائلُهْ
أقولُ بأنَّ الله حَقٌّ شهِدْتُهُ
فقال الهاتف :
وقد أزِفَ الأمرُ الذي بك نازلُهُ
تزوَّدْ من الدنيا فإنك راحلٌ
فأجابه المهدي :
سأفعلُ ما قد قلتَ لي وأعاجِلُهُ
متى ذاك خَبِّرْني هُديتَ فإنني
فقال الهاتف :
تَلَّثْ ثلاثاً بعد عشرينَ ليلةً إلى مُنْتَهى شهرٍ وما أنتَ كاملُه
قالوا : فلم يعِشْ بعدَها إلا تسعاً وعشرينَ يوماً حتى مات . رحمه الله تعالى .
وقد ذكر ابنُ جرير (١) اختلافاً في سبَبِ موتِه ؛ فقيل إنه ساق خلفَ ظنيٍ والكلابُ بين يديه ، فدخل
الظبيُّ إلى خَرِبَةٍ ، فدخلتِ الكلابُ وراءَهُ ، وجاء الفرس ، فحمل بمشواره ، فدخل الخَرِبة ، فكُسر
ظهرُه ، وكانت وفاته بسببٍ ذلك .
وقيل : إنَّ بعض حظاياهُ بعثَتْ إلى أخرى لبناً مسموماً ، فمرَّ الرسولُ بالمهدي ، فأكل منه فمات .
وقيل : بل بعثَتْ إليها بصينيّةٍ فيها الكُمَّثْرَى ، وفي أعلاها واحدةٌ كبيرةٌ مسمومة ، وكان المهديُّ يُعجبُه
الكُمَّثْرَى ، فمرَّتْ به الجاريةُ ومعها تلك الصينية ، فرآها فاستدعاها ، فأخذ التي في أعلاها ، فأكلها
(١) هو الطبري في تاريخه (٤/ ٥٨٣).

٤١٧
خلافة موسى الهادي بن المهدي - وفيات سنة ١٦٩ هـ
فماتَ من ساعتِهِ . فجعلتِ الحظيَّة تندبُهُ وتقول : واأميرَ المؤمنيناه ! أردتُ أنْ يكونَ لي وحدي قتلتُه
بيدي . وكانت وفاته في المحرَّم من هذه السنة ، أعني سنةً تسع وستين ومئة . وله من العمر ثلاثٌ
وأربعون سنةً على المشهور . وكانت خلافتُهُ عشرَ سنين وشهراً وكسوراً . ورثاهُ الشعراء بمراثيَ كثيرة ، قد
ذكرها ابنُ جرير وابنُ عساكر .
وفيها توفي من الأعيان :
عبيد الله بن زياد .
ونافع بن عمر الجمحي .
ونافع بن أبي نعيم القاري .
خلافة موسى الهادي بن المهدي
تُوفي أبوه في المحرَّم من أول سنةٍ تسعٍ وستين ومئة ، وكان وليّ العهد من بعدٍ أبيه ، وكان أبوه قد
عزم قبلَ موته على تقديم أخيه الرشيد عليه في ولاية العهد ، فلم يتفِقْ ذلك حتى مات المهدي بماسَبَذَان ؛
وكان الهادي إذْ ذاك بجُرْجان ، فهمَّ بعضُ رجال الدولةِ منهم الربيع الحاجب وطائفةٌ من القُوَّاد على تقديم
الرشيد عليه ، والمبايعةِ له ، وكان الرشيدُ حاضراً ببغداد ، وعزموا على النفقة على الجُند لذلك ، تنفيذاً
لِما رآه المهديُّ من ذلك، فأسرع الهادي السيرَ من جُرْجان إلى بغداد ، حين بلغَهُ الخبر ، فساق منها إليها
في عشرين يوماً ، فدخل بغداد ، وقام في الناس خطيباً ، وأخذ البيعةَ منهم فبايعوه ، وتغيَّبَ الربيعُ
الحاجب ، فتطلَّبه الهادي حتى حضَرَ بين يديه ، فعفا عنه، وأحسن إليه ، وأقرَّهُ على وظيفته الحُجوبيّة ،
وزادَهُ الوِزَارة وولاياتٍ أُخَر ، وشرع الهادي في تطلُّبِ الزنادقةِ من الآفاق فقتل منهم طائفةً كثيرة ، واقتدى
في ذلك بأبيه .
وقد كان موسى الهادي من أفْكَهِ الناس مع أصحاب في الخلوة ، فإذا جلس في مقام الخِلافة كانوا
لا يستطيعونَ النظرَ إليه، لما يعلوهُ من المهابةِ والرِّيَاسة . وكان شابّاً حسناً وقوراً مَهيباً .
وفيها - أعني سنةً تسع وستين ومئة - خرج بالمدينة الحسينُ بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن
أبي طالب ، وذلك أنه أصبح يوماً وقد لبس البياض ، وجلس في المسجد النبويّ ، وجاء الناسُ إلى
الصلاة ، فلما رأوه ولَّوْا راجعين ، والتفَّ عليه جماعةٌ فبايعوه على الكتابِ والسنَّة والرِّضًا من أهلِ البيت ؛
وكان سببُ خروجه أنَّ متولِّيُّها خرج منها إلى بغداد لِيُهَنِّىءَ الخليفةَ بالولاية ، ويُعزِّيَهُ في أبيه ؛ ثم جرتْ
أمورٌ اقتضَتْ خروجَه ؛ والتفَّ عليه جماعةٌ من أهلِ البيت وغيرهم ، وجعلوا مأواهمُ المسجد النبوي ،
منعوا الناسَ من الصلاةِ فيه ، ولم يُجِبْهُ أهلُ المدينةِ إلى ما أرادَه ، بل جعلوا يدعون عليه لانتهاکِهِ

٤١٨
أحداث سنة ١٧٠ هـ
المسجد ؛ حتى ذُكِرَ أنَّهم كانوا يقدرون في جنباتِ المسجد ، وقد اقتتلوا مع المسوِّدَة مرّات ، فقُتل من
هؤلاء وهؤلاء . ثم ارتحل إلى مكة فأقام بها إلى زمن الحجّ ، فبعث إليه الهادي جيشاً ، فقاتلوه بعدَ فراغ
الناسِ من المؤْسِم، فقتلوه وقتلوا طائفةً من أصحابه ، وهرَب بقيتُهم وتفرَّقوا شَذَرَ مَذَر. فكان مُدَّةً
خروجِه إلى أن قُتل تسعةً أشهرٍ وثمانيةَ عشرَ يوماً . وقد كان كريماً في أجودِ الناس ، دخل يوماً على
المهدي ، فأطلق له أربعينَ ألف دينار ، ففرَّقها في أهلِهِ وأصدقائِهِ من أهلِ بغدادَ والكوفة ، ثم خرج من
الكوفة وما عليه قميص ، إنما كان فَرْوة ، وليس تحتها قميص .
وفيها حجّ بالناسِ سليمان بن أبي جعفر ، عمُّ الخليفة ، وغزا الصائفةَ من طريقِ دَرْبِ الرَّاهب
معتوق بن يحيى ، في جَحْفَلٍ كثيف ، وقد أقبلتِ الرُّوم مع بِطْرِيقِهَا ، فبلغوا الحدث .
وفيھا تُوفي :
الحسين بن علي بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ، قُتل في أيام التشريق . كما تقدم .
والربيع بن يونس الحاجب مولى المنصور ، وكان حاجبَهُ ووزيرَه ، وقد وَزَرَ للمهدي والهادي ،
وكان بعضهم يطعنُ في نسبه ، وقد أورد الخطيبُ في ترجمتِهِ حديثاً من طريقه ، ولكنه مُنكر ؛ وفي صحتِه
عنه نَظَر . وقد وَليَ الحُجُوبِيَّةَ بعدَهُ ولدُهُ الفضلُ بن الربيع ، ولَّه إياها الهادي.
ثم دخلت سنة سبعين ومئة من الهجرة النبوية
وفيها عزَمَ الهادي على خَلْع أخيه هارونَ الرشيدِ من الخلافةِ وولايةِ العَهْد لابنِهِ جعفر بن الهادي ،
فانقادَ هارونُ لذلك ، ولم يظهر عليه منازعة ، بل أجاب ، واستدعى الهادي جماعةً من الأمراء فأجابوهُ
إلى ذلك ، وأبَتْ أمُّهما الخَيْزُران ، وكانت تميلُ إلى ابنِها هارون أكثرَ من موسى ، وكان الهادي قد منعَها
من التصرُّف في شيءٍ من المملكةِ لذلك بعدَما كانتْ قد استحوذَتْ عليه في أول ولايِتِهِ ؛ وانقلبتِ الدولُ
إلى بابِها والأُمراء إلى جانبها ؛ فحلف الهادي لئن عاد أميرٌ إلى بابها ليضربَنَّ عُنقه ولا يقبَلُ منه شفاعة .
فامتنعتْ من الكلام في ذلك ، وحلفَتْ لا تكلِّمُه أبداً ، وانتقلَتْ عنه إلى مَنْزلٍ آخر ، وألحّ هو على أخيه
هارون في الخَلْعِ، وبعث إلى يحيى بن خالد بن بَرْمَك، وكان من أكابرِ الأمراء الذين هم في صفِّ الرشيد،
فقال له : ماذا ترى فيما أريد من خلع هارون وتوليةٍ ابني جعفر ؟ فقال له يحيى بن خالد : إنِّي أخشى أن
تَهُونَ الأيمانُ على الناس ، ولكنَّ المصلحةَ تقتضي أنْ تجعلَ جعفراً وليَّ العهد من بعدِ هارون ، وأيضاً
فإنِّي أخشَى أنْ لا يُجيب أكثرُ الناسِ إلى البيعةِ لجعفر لأنه دون البلوغ ، فيتفاقَمُ الأمرُ ويختلفُ الناس ،
فأطرَقَ مليّاً، وكان ذلك ليلاً ، ثم أمر بسَجْنِه ، ثم أطلقَه، وجاء يوماً إليه أخوهُ هارون الرشيد ، فجلس
عن يمينه بعيداً ، فجعل الهادي ينظرُ إليه مليّاً ثم قال: يا هارون ، تطمعُ أنْ تكونَ وليّاً للعَهْد حقّاً ؟ فقال :

٤١٩
ترجمة الهادي
إي والله، ولئن كان ذلك لأصِلَنَّ منْ قطَعْت، ولأُنصِفَنَّ منْ ظلمت، ولأَزوَّجَنَّ بَنيكَ من بناتي . فقال :
ذاك الظنُّ بك . فقام إليه هارون يُقبِّلُ يدَه ، فحلَفَ الهادي ليجلسنَّ معه على السرير ، فجلس معه ، ثم أمر
له بألف ألف دينار، وأنْ يدخُلَ الخزائنَ فيأخذ منها ما أراد ؛ وإذا جاء الخراجُ دَفَعَ إليه نصفَه ، ففُعل ذلك
کلُه ، ورضي الهادي عن الرشيد .
ثم سافر الهادي إلى حديثة الموصل بعد الصُّلح، ثم عاد منها ، فمات بعِيسابادُ(١) ليلة الجمعة
للنصف من ربيع الأول ؛ وقيل آخر سنةٍ سبعين ومئة ، وله من العمر ثلاثٌ وعشرون سنة ، وكانت خلافتُه
ستةَ أشهر وثلاثة وعشرينَ يوماً ، وكان طويلاً جميلاً أبيض ، بشفته العليا تقلُّص .
وقد تُوقِّي في هذه الليلة خليفة ، وهو الهادي ، وؤُلِّيَ خليفةٌ وهو الرشيد ، ووُلد خليفةٌ وهو
المأمون بنُ الرشيد ، وقد قالتِ الخيزُرَانُ أمُّهما في أولِ الليل : إنه بلغني أنْ يولَدَ خليفة ، ويموتَ
خليفة ، ويُولَّى خليفة . يقال إنَّها سمعتْ ذلك من الأوزاعي قبلَ ذلك بمدَّة ؛ وقد سرَّها ذلك جدّاً.
ويقال : إنها سمَّتْ ولدَها الهادي خوفاً منها على ابنها الرشيد ، ولأنه كان قد أبعدها وأقصاها ، وقرَّبَ
حَظَيَّتَه خالصةَ وأدناها ، فالله أعلم .
وهذا ذكرُ شيءٍ من ترجمةِ الهادي(٢)
هو موسى بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبو محمد
الهادي ، وَلَيَ الخلافةَ في مُحَرَّم سنة تسعٍ وستين ومئة ، ومات في النصف من ربيع الأول أو الآخر سنةً
سبعين ومئة ، وله من العمر ثلاثٌ - وقيل أربعٌ ، وقيل ستِّ - وعشرون سنة، والصحيح الأول ، ويقال
إنه لم يَلِ الخلافةَ أحدٌ قبلَهُ في سنِّه، وكان حسناً جميلاً أبيض ، وكان طويلاً ، وكان قويَّ البأس ، يَئِبُ
على الدابَةِ وعليه دِرْعان ، وكان أبوه يُسمِّيه ريحانتي .
وذكر عيسى بن دأب قال : كنتُ يوماً عند الهادي إذْ جيء بطَسْتٍ فيه رأسُ جاريتين قد ذُبحا وقُطعا ،
لم أرَ أحسنَ صوراً منهما ، ولا مثلَ شعورهما ، وفي شعورهما اللآلىء والجواهر منضَّدة ولا رأيت مثل
طيبٍ ريحِهما ، فقال لنا الخليفة : أتدرونَ ما شأنُ هاتَيْن ؟ قلت : لا ، فقال: إنه ذُكر أنه تركبُ إحداهما
الأخرى يفعلانِ الفاحشة ، فأمرتُ الخادمَ فرصدَهما ، ثم جاءني فقال : إنهما مجتمعتان فجئتُ فوجدتُهما
(١) ((عيساباذ)): محلة كانت بشرقي بغداد، ومعنى باذ العمارة فكأن معناه عمارة عيسى ويُسمُّون العامر أباذان ، وهي
منسوبة إلى عيسى بن المهدي وأمه وأم الرشيد والهادي الخيزران هو أخوهما . معجم البلدان (٤/ ١٧٢).
(٢) ترجمته في تاريخ خليفة بن خياط ص (٤٤٥)، تاريخ الطبري (٦٠٤/٤)، تاريخ بغداد للخطيب (٢١/١٣)،
تاريخ اليعقوبي (٤٠٤/٢)، المنتظم (٣٠٥/٨)، العبر (٢٥٧/١)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٤١)، شذرات
الذهب ( ١/ ٢٧١) .

٤٢٠
ترجمة الهادي
في لحافٍ واحد ، وهما على الفاحشة ، فأمرتُ بجزِّ رقابِهما . ثم أمر برفع رؤوسِهما من بين يديه ، ورجعَ
إلى حديثِه الأول كأنه لم يصنَعْ شيئاً . وكان شهماً خبيراً بالْمُلك ، كريماً . ومن كلامه : ما أُصلحَ الملكُ
بمثل تعجيلِ العُقوبة للجاني ، والعفو عن الزلَّت ، ليقلَّ الطمعُ عن الملك.
وغضِبَ يوماً من رجل ، فاستَرْضَى عنه ، فرَضِي ، فشرَعَ الرجلُ يعتذِر ، فقال الهادي : إنَّ الرِّضا
كفاكَ مؤنة الاعتذار .
وعزَّى رجلاً في ولدِه فقال له : أسرَّك وهو عدوٌّ وفتنة، وأحزَنَكَ وهو صلاةٌ ورحمة ؟.
وروى الزُّبير بن بكَّار أنَّ مروان بن أبي حَفْصَة أنشدَ الهادي قصيدةً له منها قوله :
تشابَهَ يوما بأسُه ونوالُه فما أحدٌ يَذْري لأيّهما الفضلُ
فقال له الهادي : أيُّما أحبُّ إليك؟ ثلاثون ألفاً معجَّلة ؟ أو مئةُ ألفٍ تدورُ في الدواوين ؟ فقال :
يا أمير المؤمنين ، أوَ أحسنُ من ذلك؟ قال : ما هو ؟ قال : ثلاثون ألفاً معجَّلة، ومئةُ ألفٍ تدورُ
بالدواوين . فقال : أو أحسنُ من ذلك ؟ نعجِّل الجميع لك . فأمَرَ له بمئة ألفٍ وثلاثين ألفاً معجَّلة .
قال الخطيب البغدادي(١) : حدّثني الأزهري حدّثنا سهل بن أحمد الديباجي حدّثنا الصولي حدّثنا
[ ابنُ ] الغلابي ، حدّثني محمد بن عبد الرحمن التيمي المكي، حدّثني المطلب بن عُكاشة الْمُزني،
قال : قدمنا على أبي محمد الهادي شهوداً على رجلٍ منَّا أنه شتَمَ قريشاً وتخطَّى إلى ذكرِ رسولِ الله وَلَِّ ،
فجلس لنا مجلساً أحضَرَ فيه فقهاءَ أهلِ زمانِهِ ، ومنْ كان بالحضرةِ على بابه ، وأُحضر الرجلُ ، وأحضرنا
فَشَهِدنا عليه بما سمعنا منه ، فتغيَّرَ وجهُ الهادي ، ثم نكس رأسه ، ثم رفعه ، ثم قال : إني سمعتُ أبي
المهدي يحدِّثُ عن أبيه المنصور عن أبيه محمد ، عن أبيه عليٍّ بن عبدِ الله بن عباس قال : منْ أهانَ قريشاً
أهانَهُ الله. وأنتَ يا عدوَّ الله، لم ترضَ بأنْ أردتَ ذلك من قريش، حتى تخطَّيتَ إلى ذكرِ رسولِ الله ◌ِّ !
اضربوا عنقه . فما بَرِحْنَا حتى قُتل .
تُوقِّي الهادي في ربيع الأول من هذه السنة ، وصلَّى عليه أخوهُ هارون، ودُفن في قصرٍ بناهُ وسمَّاه
الأبيض بعيساباذ من الجانب الشرقيٍّ من بغداد . وكان له من الوَلَد تسعة ، سبعةٌ ذُكور وابنتان ، فالذكور :
جعفر ، وعباس ، وعبدُ الله، وإسحاق ، وإسماعيل ، وسليمان ، وموسى الأعمى ، الذي ولد بعد
وفاته ، فسُمِّيَ باسمٍ أبيه . والبنتان هما: أمُّ عيسى التي تزوَّجها المأمون، وأمّ العباس تُلقَّب تَوْبَة .
(١) في تاريخ بغداد (٢٢/١٣، ٢٣)، وما يأتي بين معقوفين منه.