النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
وفيات سنة ١٦٠ هـ
وأجزَلَ جائزتَه . وفرَّقَ الْمَهْدِيُّ في أهلِ مكةَ مالاً كثيراً جداً ، كان قد قَدِمَ معه بثلاثينَ ألفَ ألفِ درهم ،
ومئة ألف ثوب ، وجاء من مصرَ ثلاثمئة ألف دينار ، ومن اليمن مئتا ألف دينار ، فأعطاها كلَّها في أهلِ
مكة والمدينة ، وشكَتِ الحَجَبةُ إلى المهدي أنهم يخافون على الكعبة أن تَنْهدمَ من كثرةِ ما عليها من
الكساوَى ، فأمرَ بتجريدِها من الكسوة ، فلما انتهَوْا إلى كساوي هشام بن عبد الملك وَجَدَها من دِیباج
ثخين ، فأمر بإزالتها ، وبقيَتْ كساوي الخلفاء قبلَهُ وبعدَه ، فلمَّا جرَّدَها طلاها بالخَلُوف ، وكساها كسوةً
حسنةً جدّاً ؛ ويُقال إنه استفتى مالكاً في إعادةِ الكعبةِ إلى ما كانتْ عليه من بنايةِ ابنِ الزُّبير ، من توسيعها
على الوجه الذي كان يَوَدُّهُ رسولُ اللهِ وَ له، فقال مالك: دَعْها فإني أخشى أن يتخذَها الملوكُ مَلْعَبة .
فترَكَها على ما هي .
وحمل له محمد بن سليمان نائبُ البصرةِ الثلجَ إلى مكة ، وكان أولَ خليفةٍ حُمل له الثلجُ إليها . ولمَّا
دخل المدينة النبوية وسَّع المسجدَ النبوي ، وكان فيه مقصورة ، فأزالَها وأرادَ أنْ يُنْقصَ من المنبر ما كان
زادَهُ معاوية بن أبي سفيان ، فقال له مالك: إنه يخشى أن ينكسرَ خَشَبهُ العتيقُ إذا زُعزع ، فتركه .
وتزوَّج من المدينة رُقيَّةَ بنتَ عمرو العثمانية ، وانتخبَ من أهلِها خمسَمئةٍ من أعيانِها ليكونوا حولهُ
حرساً بالعراق وأنصاراً ، وأجرى عليهم أرزاقاً غيرَ أُعطياتِهم ، وأقطعَهُمْ أقطاعاً معروفةً بهم .
وفيها توفي :
الربيع بن صبيح .
وسفيان بن حسن أحد أصحابِ الزُّهري .
وشعبةُ بنُ الحَجَّاج بن الورد العَتَكي الأزدي(١): أبو بِسْطَام الواسطي، ثم انتقل إلى البصرة (٢)، رأى
شعبةُ الحسنَ وابنَ سِيرين وروى عن أَممِ من التابعين . وحدَّث عنه خلقٌ من مشايخه وأقرانِهِ وأئمةٍ
الإسلام . وهو شيخ المحدِّثين الملقَّب فيهم بأميرِ المؤمنين ، قاله الثوري .
وقال يحيى بن مَعين: هو إمامُ المثَّقين، وكان في غايةِ الزُّهْدِ والوَرَعِ والتقشُّف والحفظ وحُسنِ الطريقة .
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨٠)، التاريخ الكبير (٢٤٤/٤)، الكنى والأسماء لمسلم (١/ ١٥٤)،
معرفة الثقات للعجلي (٤٥٦/١) ، مشاهير علماء الأمصار ص (١٧٧)، الثقات لابن حبان (٤٤٦/٦)، مولد
العلماء ووفياتهم (٢٠٥/١)، الجرح والتعديل (١٢٦/١)، و(٣٦٩/٤)، رجال مسلم (٢٩٩/١)، رجال
صحيح البخاري (٣٥٤/١)، تاريخ بغداد (٢٥٥/٩)، تهذيب الكمال (٤٧٩/١٢)، الكاشف (٤٨٥/١)،
تذكرة الحفاظ (١٩٣/١)، المقتنى في سرد الكنى للذهبي (١/ ١٧٠)، تهذيب التهذيب (٤/ ٢٩٧)، تقريب
التهذيب ص (٢٦٦)، تعجيل المنفعة ص (٥٤٠)، طبقات الحفاظ ص (٨٩).
(٢) يعني واسطي الأصل ، بصري الدار ، كما جاء في مصادر ترجمته .

٣٨٢
أحداث سنة ١٦١ هـ
وقال الشافعي : لولاه ما عُرف الحديثُ بالعِراق .
وقال الإمامُ أحمد : كان أمةً وحدَهُ في هذا الشأن ، ولم يكن في زمانه مثله .
وقال محمد بن سعد : كان ثقةً مأموناً حُجَّةٌ ، صاحبَ حديث .
وقال وكيع: إني لأرجو أنْ يرفعَ الله لشعبةَ في الجنةِ درجات بِذَبَّهِ عن حديثِ رسولِ الله ◌ِّ .
وقال صالح بن محمد جَزَرة : كان شعبةُ أولَ من تكلّم في الرجال ، وتَبِعَهُ يحيى القطَّان ، ثم أحمد
وابنُ مَعين .
وقال ابن المهدي : ما رأيتُ أعقلَ من مالك، وأشدَّ تقشُّفاً من شعبة ، ولا أنصحَ للأمَّةِ من ابنِ
المبارك ، ولا أحفظ للحديث من الثوري .
وقال مسلم بن إبراهيم : ما دخلتُ على شعبةَ في وقتِ صلاةٍ إلَّ ورأيتُه يُصلِّي ؛ وكان أباً للفقراء ،
وأُقّاً لهم .
وقال النَّصْرُ بن شُميل : ما رأيتُ أرحمَ بِمسكينٍ منه . كان إذا رأى مِسْكيناً لا يزالُ ينظرُ إليه حتى يَغيب
عنه .
وقال غيره : ما رأيتُ أعبدَ منه! لقد عَبَدَ الله حتى لَصِقَ جِلْدُهُ بعظمِه .
وقال يحيى القطان: ما رأيتُ أرقَّ للمِسكين منه ! كان يدخل المسكينُ في مَنْزِلِه فيعطيه ما أمكنه .
قال محمد بن سعد وغيرُه : مات في أول سنة ستين ومئة في البصرة عن ثمانٍ وسبعين سنة .
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومئة
فيها غزا الصائفة ثمامة بن الوليد ، فنزل دابق ، وجاشت الروم عليه ؛ فلم يتمكَّنِ المسلمون من
الدخول إليها بسبب ذلك .
وفيها أمر المهديُّ بحَفْرِ الرَّكايا ، وعمَلِ المصانع ، وبناءِ القُصور في طريقٍ مكة . ووَلَّى يقطين بن
موسى على ذلك ، فلم يزلْ يعملُ في ذلك إلى سنةٍ إحدى وسبعين ومئة مقدارَ عشرٍ سنين ، حتى صارتْ
طريقُ الحجاز من العراق من أرفَقِ الطرقات ، وآمَنِها وأطيبها .
وفيها وسَّعَ المهديُّ جامعَ البَصْرة من قِبْلَتِهِ وغَرْبِهِ . وفيها كتب إلى الآفاق أنْ لا تبقى مقصورةٌ في
مسجدٍ جماعة، وأن تُقصَّرَ المنابرُ إلى مقدارِ منبرِ رسولِ اللهِ وَّه. ففعَلَ ذلك في المدائنِ كلِّها. وفيها
اتَّضعتْ مَنْزلةُ أبي عُبيد الله وزيرِ المهدي ، وظهرَتْ عنده خيانتُه ؛ فضمَّ إليه المهديُّ منْ يُشرفُ عليه ،

٣٨٣
وفيات سنة ١٦١ هـ
وكان ممَّنْ ضُمَّ إليه إسماعيل بن عُلَيَّةِ. ثم أبعدَه وأقصاهُ وأَخَرَجهُ من مُعَسْكَرِه . وفيها ولي القضاء
عافيةُ بن يزيد الأزدي ، وكان يحكُمُ هو وابنُ عُلاثة في عسكرِ المهدي بالرُصافة . وفيها خرجَ رجلٌ يقال له
المقنَّعِ بخُراسان في قريةٍ من قرى مَرْو ، كان يقولُ بالتناسخ ، واتَّبعهُ على ذلك خلقٌ كثير ؛ فجهّز إليه
المهدي عدَّةً من أمرائه ، وأنفذ إليه جيوشاً كثيرة ، منهم معاذ بن مسلم أمير خراسان ، وكان من أمرِهِ
وأمرِهم ما سنذكُرُه . وحجَّ بالناس فيها موسى الهادي بن المهدي .
وفيها تُوفي :
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي .
وزائدة بن قُدامة .
وسفيان بن سعيد بن مَسْروق الثوريّ(١): أحد أئمةِ الإسلام وعُبَّادهم، والمقتدَى به ، أبو عبد الله
الكوفي ، روى عن غيرٍ واحدٍ من التابعين ، وروى عنه خلقٌ من الأئمّة وغيرهم . قال شعبة وأبو عاصم
وسفيان بن عُيينة ويحيى بن معين وغيرُ واحد : هو أميرُ المؤمنين في الحديث .
وقال ابنُ المبارك : كتبتُ عن ألفِ شيخٍ ومئة شيخ هو أفضلُهم .
وقال أيوب : ما رأيتُ كوفيّاً أفضّلُه عليه .
وقال يونس بن عُبيد : ما رأيتُ أفضلَ منه .
وقال عبدُ الله بن داود : ما رأيتُ أفقه من الثَّوري .
وقال شعبة : ساد في الناس بالورَعِ والعِلْم .
وقال سفيان بن عيينة : أصحابُ الحديث ثلاثةُ(٢) : ابن عباس في زمانه ، والشعبي في زمانه ،
والثوري في زمانه .
وقال الإمام أحمد : لا يتقدَّمه في قلبي أحد . ثم قال : تدري منِ الإمام ؟ الإمام سفيانُ الثوري .
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٣٧١/٦)، التاريخ الكبير (٩٢/٤). التاريخ الصغير (٢٥٤/٢)، الكنى
والأسماء لمسلم (٣٨٨/١)، الجرح والتعديل (٥٥/١)، و(٢٢٢/٤)، رجال صحيح مسلم (٣٢٩/١)،
التدوين في أخبار قزوين (٤٨/٣)، تاريخ بغداد (١٥١/٩)، تهذيب الأسماء (٢١٥/١)، تهذيب الكمال
(١٥٤/١١)، سير أعلام النبلاء (٢٢٩/٧)، لسان الميزان (٢٣٣/٧)، تهذيب التهذيب (٩٩/٤)، تقريب
التهذيب ص (٢٤٤)، طبقات الحفاظ للسيوطي ص (٩٥).
(٢) في (ح، ق): ((أصحاب المدينة))، والمثبت من ( ب) وتاريخ بغداد ( ٢٢٧/٣)، وسير أعلام النبلاء
( ٢٤٠/٧ ) .

٣٨٤
وفيات سنة ١٦١ هـ
وقال عبدُ الرزاق : سمعت الثوريَّ يقول : ما استودعتُ قلبي شيئاً قطُ فخانني ، حتى إني لأمُ
بالحائك يتغنَّى، فأسدُّ أُذني مخافةَ أنْ أحفظَ ما يقول . وقال: لأن أتركَ عشرةَ آلافِ دينار يُحاسبني الله
عليها أحبُّ إليَّ من أنْ أحتاجَ الناس .
قال محمد بن سعد(١) : أجمعوا أنه توفي في البصرة سنة إحدى وستين ومئة ، وكان عمره يوم مات
أربعاً وستين سنة .
ورآه بعضُهم في المنام يطيرُ في الجنة من نخلةٍ إلى نخلة ، ومن شجرةٍ إلى شجرة ، وهو يقرأ :
اُلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]، الآية.
وقال : إذا ترأس الرجلُ سريعاً أضَرَّ بكثيرٍ من العِلْمُ(٢).
وممن تُوفي فيها :
أبو دُلامَةُ(٣) زَنْد بن الجَوْن، الشاعر الماجِن، أحدُ الظُّرَفاء ، أصلُه من الكوفة ، وأقام ببغداد وحَظِيَ
عند المنصور لأنه كان يُضحِكُه ، ويُنشده الأشعار ويمدَحُه ؛ حضر يوماً جنازةَ امرأةِ المنصور وكانتِ ابنةَ
عمِّه ، يُقال لها حمادة بنت عيسى ، وكان المنصور قد حَزِنَ عليها ، فلما سوَّوْا عليها التراب ، وكان
أبو دُلامة حاضراً . فقال له المنصور : ويحكَ يا أبا دُلامة ! ما أعددتَ لهذا اليوم ؟ فقال: ابنةَ عمِّ أميرٍ
المؤمنين . فضحك المنصورُ حتى استلقَى ، ثم قال : ويحك فضَحْتَنَا .
ودخل يوماً على المهدي يهنّهُ بقدومِهِ من سفرِه وأنشده :
إني حلَفْتُ لئنْ رأيتُكَ سالماً بِقُرَى العراقِ وأنتَ ذو وَفْرٍ
لَتُصَلَِّنَّ على النبيِّ محمدٍ وَلَتملأنَّ دراهماً حِجْرِي(٤)
فقال المهدي: أمَّا الأولى فنعَمْ، نُصلِّي على النبيِّ محمدٍ بَّله، وأما الثانية فلا. فقال: يا أمير
المؤمنين ، هما كلمتان ، فلا تفرِّقْ بينهما . فأمر أنْ يملأ حجرهُ دراهم ، ثم قال له : قم . فقال : إذاً
ينخرق منها قميصي . فأُفرغَتْ منه في أكياسِها ، ثم قام فحملها وذهب .
(١) في الطبقات الكبرى (٣٧١/٦).
(٢) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ١٤٧) (٥٥٤)؛ والبيهقي في شعب الإيمان (٢٥٥/٢) (١٦٧٠) ولفظه: ((من
أسرع الرئاسة أضر بكثير من العلم ، ومن لم يسرع الرئاسة كتب ثم كتب ثم كتب )) .
(٣) ترجمته في تاريخ بغداد (٤٨٨/٨)، أخبار المصحفين للعسكري (٦٢/١)، المنتظم (٢٥١/٨)، وفيات
الأعيان (٣٢٠/٢)، سير أعلام النبلاء (٣٧٤/٧)، العبر (٢٦١/١)، شذرات الذهب (٢٤٩/١).
(٤) البيتان في ديوانه ص (٦٧). والخبر في وفيات الأعيان (٢/ ٣٢٥)، وسير أعلام النبلاء (٧/ ٣٧٥).

٣٨٥
أحداث سنة ١٦٢ هـ
وذكر عنه ابنُ خَلَّكَانُ(١) أنه مَرِض ابنٌ له ، فداواهُ طبيب ، فلمّا عُوفي قال له : ليس عندنا ما نُعطيك
ولكنْ ادَّعٍ على فلان اليهودي بمبلغ ما تستحقُّه عندَنا من أُجرتك حتى أشهدَ أنا وولَدِي بالمبلغ المذكور .
قال : فذهب الطبيبُ إلى قاضي الكوفة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى - وقيل ابن شُبْرُمة - فاذَّعى عليه
عندَه ، فأنكر اليهودي ، فشهد له أبو دُلامة وابنُه ، فلم يستطع القاضي أن يردَّ شهادتهما ، وخاف من
طَلَبِ التزكية(٢) ، فأعطى الطبيبَ المدَّعي المالَ من عندِهَ وأطلَقَ اليهودي ، وجمع القاضي بين
المصالح .
توفي أبو دُلامة في هذه السنة ، وقيل : إنه أدركَ خلافةَ الرشيد سنةً سبعين . فالله أعلم .
ثم دخلت سنة ثنتين وستين ومئة
فيها خرج عبدُ السلام بن هاشم اليشكري بأرضٍ فِتَّسْرِين ، واتَّبَعَهُ خلقٌ كثير ، وقَوِيَتْ شَوْكتهُ ، فقاتله
جماعةٌ من الأمراء فلم يقدِروا عليه ، فجهّز إليه المهديُّ جيوشاً ، وأنفق فيهم أموالاً ، فهزَمَهم مرَّات ، ثم
آلَ الأمرُ به أنْ قُتل بعد ذلك .
وفيها غزا الصائفةَ الحسنُ بن قحطبة في ثمانين ألفاً من المرتزقة ، سوى المتطوِّعة ، فدمَّرَ الروم ،
وحرق بلداناً كثيرة ، وخرّب أماكن ، وأسَرَ خلقاً من الذَّرَاريّ . وكذلك غزا يزيدُ بن أسيد السلمي بلادَ
الروم من باب قالِيقَا(٣) فغَنِم وسَلِم ، وسَبًا خلقاً كثيراً .
وفيها خرجَتْ طائفةٌ بِجُرْجان ، فلَبسوا الحمرةَ مع رجلٍ يُقال له عبد القهار ، فغزاهُ عمر بن العلاء من
طَبَرِسْتان ، فقهر عبد القهار وقتلهُ وأصحابَه .
(١) في وفيات الأعيان (٣٢٥/٢).
(٢) زاد ابن خلكان هنا ما نصّه : فأنشد في الدِّهْلِيز قبل دخوله بحيثُ يسمع القاضي :
إن الناسُ غطّوْني تغطّيْتُ عنهمُ
وإنْ بَحثوا عني ففيهم مَبَاحثُ
ليعلَمَ قومٌ كيف تلك النَّبَائِثُ
وإنْ نَبِئوا بئري نبثتُ بئارَهم
ثم حضرا بين يدي القاضي ، وأدَّيًا الشهادة ، فقال له: كلامُك مسموع ، وشهادتُك مقبولة . ثم غرم المبلغ من عندِه
وأطلَقَ اليهودي .
(٣) ((قالِيقَلا)): بأرْمِينَة العظيمة من نواحي خِلاط، ثم من نواحي منازجرد. قال النحويون: حكم قاليقلا حكم
معديكَرِب ، إلَّا أنَّ قاليقلا غير منوَّن على كلِّ حال ، إلا أن تجعل قالي مضافاً إلى قلا وتجعل قلا اسمَ موضعٍ مذكّر
فتنونه ، فتقول : هذا قاليقلا فاعلم . والأكثر ترك التنوين . وتعمل بقاليقلا هذه البسط المسماة بالقالي ، اختصروا
في النسبة إلى بعض اسمه لثقله ؛ وإليها يُنسب الأديبُ العالم أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي . معجم البلدان
(٢٩٩/٤، ٣٠٠) .

٣٨٦
وفيات سنة ١٦٢ هـ
وفيها أجرى المهدي الأرزاق في سائر الأقاليم والآفاق على المجذومين والمحبوسين ؛ وهذه مثُوبةٌ
عظيمة ، ومكْرُمةٌ جَسيمة .
وفيها حجَّ بالناس إبراهيم بن جعفر بن المنصور .
وفيها توفي من الأعيان :
إبراهيم بن أدهمُ(١) : أحدُ مشاهيرِ العُبَّاد، وأكابر الزُّهَّاد، كانتْ له همَّةٌ عاليةٌ في ذلك ، رحمه الله .
فهو إبراهيمُ بن أدهم بن منصور بن يزيد بن عامر بن إسحاق التميمي ، ويُقال له العِجْلي ؛ أضْلُهُ من بَلْخ ،
ثم سكن الشام ، ودخل دمشق ، وروى الحديثَ عن أبيه ، والأعمش ، ومحمد بن زياد صاحبٍ
أبي هريرة، وأبي إسحاق السَّبِيعي، وخَلْق. وحدَّث عنه خَلْق ، منهم بقِيَّة ، والثوري ، وأبو إسحاق
الفَزَاري ، ومحمد بن حِمَيَر ؛ وحكى عنه الأوزاعي .
وروى ابن عساكر(٢) من طريق عبدِ الله بن عبد الرحمن الجزري ، عن الثوري ، عن إبراهيم بن
أدهم، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، قال: دخلتُ على رسولِ الله ◌ِّهِ وهو يُصلِّي جالساً فقلت :
يا رسولَ الله، إنَّكَ تُصَلِّي جالساً، فما أصابك؟ قال: ((الجوعُ يا أبا هريرة )»؟ قال: فبكَيْت ، فقال :
(( لا تبك ، فإنَّ شدَّةَ يوم القيامةِ لا تُصيبُ الجائعَ إذا احتَسَبَ في دارِ الدُّنيا)(٣).
ومن طريق بقيّة ، عن إبراهيم بن أدهم : حدّثني أبو إسحاق الهمداني ، عن عمارة بن غَزِيَّة ، عن
أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَ لَهُ: ((إنَّ الفتنة تجيءُ فتنسِفُ العبادَ نسفاً، وينجو العالِم منها
بِعِلْمِه )) (٤) .
(١) ترجمته في التاريخ الكبير (٢٧٣/١)، الجرح والتعديل (٨٧/٢)، طبقات الصوفية ص (٢٧)، حلية الأولياء
(٣٦٧/٧، و٣/٨)، الرسالة القشيرية (٥٤/١)، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (٢٧٧/٦)، صفة الصفوة
(١٥٢/٤)، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (٢١٢/١)، الأنساب (٢٨٤/٢)، مختصر تاريخ ابن
عساكر (١٧/٤)، تهذيب الكمال (٢٧/٢)، سير أعلام النبلاء (٣٨٧/٧)، مرآة الجنان (٣٤٩/١)، الوافي
بالوفيات (٣١٨/٥)، فوات الوفيات (١٣/١)، طبقات الأولياء ص (٥)، تقريب التهذيب ص (٨٧)،
تهذيب التهذيب (١٠٢/١)، طبقات الشعراني (٦٩/١)، شذرات الذهب (٢٥٥/١)، الأعلام (٣١/١).
(٢) في تاريخ مدينة دمشق (٢٧٨/٦).
(٣) وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠٩/٧) و(٤٢/٨) وقال: غريب من حديث الثوري ، لم نكتبه إلا من حديث ابن
عيسى عن الجزري .
(٤) أخرجه ابن عساكر (٢٧٩/٦)؛ وأخرجه أيضاً أبو نعيم في الحلية (٨/ ٤١) وقال : غريب من حديث أبي إسحاق
الهمداني وإبراهيم بن أدهم ، لم نكتبه إلا من حديث عطية عن أبيه بقية . وأخرجه القضاعي في مسنده الشهاب
(١٣٩/٢) (١٠٥٦)؛ والقزويني في التدوين في أخبار قزوين (٢/ ١٧٢).

٣٨٧
وفيات سنة ١٦٢ هـ
قال النسائي : إبراهيم بن أدهم ثقةٌ مأمون ، أحدُ الزَّهاد .
وذكر أبو نُعيمُ(١) أنه كان ابنُ ملِكِ من مُلوك خُراسان ، وكان قد حُبِّبَ إليه الصَّيد ، قال : فخرجتُ
مرَّةً ، فأثَرْتُ ثعلباً أو أرنباً ، فهتَفَ بي هاتف من قَرَبُوسِ سَزْجي: ما لهذا خُلقت ، ولا بهذا أُمرت . فَتَزَل
عن فرسه ، قال : فوقفتُ وقلت : انتهيت انتهيت ، جاءني نذيرٌ من ربِّ العالمين ؛ فرجعتُ إلى أهلي ،
فخلَّيتُ عن فرَسي وجئتُ إلى بعضِ رعاةٍ أبي ، فأخذتُ منه جُبَّةً وكِسَاءً ، ثم ألقيتُ ثيابي إليه ، ثم أقبلتُ
إلى العراق ، فعملتُ بها أياماً ، فلم يصفُ لي بها الحلال ، فسألتُ بعضَ المشايخ عن الحلال ، فأرشدَني
إلى بلادِ الشام ، فأتيتُ طَرَسُوس ، فعملتُ بها أياماً أنطرُ البساتين ، وأحصدُ الحصاد . وكان يقول :
ما تهنَّيتُ بالعيش إلَّا في بلادِ الشام ، أفِرُّ بديني من شاهِقٍ إلى شاهِق ، ومن جبلٍ إلى جبل ، فمنْ يَرَاني
يقول : هو مُؤَسْوس .
ثم دخل البادية ، ودخل مكة ، وصَحِبَ الثوريّ ، والفُضيل بن عِيَاض ، ودخل الشام ، وماتَ بها .
وكان لا يأكلُ إلَّا من عمَلِ يدَيْه ، مثل الحصاد وعمل الفاعل ، وحفظ البساتين ، وغيرِ ذلك . وما رُوي
عنه أنه وجد رجلاً في البادية فعلَّمه اسم الله الأعظم ، فكان يدعو به حتى رأى الخَضِر ، فقال له : إنما
علَّمكَ أخي داودُ اسمَ الله الأعظم . ذكره القُشيري وابنُ عساكر عنه بإسنادٍ لا يَصِحّ . وفيه أنه قال له : إنَّ
إلياس علَّمك اسمَ الله الأعظم . وقال إبراهيم : أطِبْ مطعَمَك ولا عليك أنْ لا تقومَ الليل ، ولا تصوم
النهار .
وذكر أبو نعيم عنه ، أنه كان أكثر دعائه : اللهمَّ انقلني من ذُلِّ معصيتِك إلى عِزُّ طاعتِك . وقيل له :
إنَّ اللحمَ غلا . فقال: أرْخِصوه . أيْ: لا تشتروه ، فإنه يَرْخُص . وقال بعضُهم : هتف به الهاتف من
فوقه : يا إبراهيم، ما هذا العَبَث؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [ المؤمنون: ١١٥]،
اتَّقِ الله، وعليك بالزَّادِ ليومِ القيامة. فَنَزَل عن دابته، ورَفَض الدنيا، وأخَذَ في عملِ الآخرة .
وروى ابن عساكر(٢) بإسنادٍ فيه نظر من ابتداءِ أمرِه قال: بينما أنا يوماً في مَنْظَرَةٍ بَلْخُ(٣)، وإذا شيخٌ
حسَنُ الهيئة ، حسَنُ اللُّحية ، قد استظلَّ بظِلِّها ، فأخذَ بِمَجَامعٍ قلبي ، فأمرتُ غلاماً فدعاه فدخل ،
فعرضتُ عليه الطعام ، فأبى ، فقلت : من أين أقبلت ؟ قال : من وراء النهر . قلت : أين تُريد ؟ قال :
الحج . قلت : في هذا الوقت ؟ وقد كان أولَ يومٍ من ذي الحِجَّة أو ثانيه . فقال : يفعلُ الله ما يشاء .
(١) في حلية الأولياء (٣٦٨/٧). وفي (ب، ح): ((وذكر الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته أن إبراهيم بن
أدهم كان من أبناء ... )) .
(٢)
في تاريخ مدينة دمشق ( ٦ /٢٨٥).
المنظرة : الْمَرْقَبَة . لسان العرب ( نظر ) .
(٣)

٣٨٨
وفيات سنة ١٦٢ هـ
فقلت : الصحبة . قال : إنْ أحببتَ ذلك فموعِدُك الليل . فلما كان الليل جاءني فقال : ثُمْ بسم الله .
فأخذتُ ثيابَ سَفَري ، وسرنا نمشي كأنما الأرض تجذب من تحتنا ونحن نمر على البلدان ونقول : هذه
فلانة ، هذه فلانة ، فإذا كان الصباحُ فارَقَني ويقول : مَوْعِدُك الليل . فإذا كان الليل جاءني ففَعَلنا مثلَ
ذلك . فانتهينا إلى مدينةِ النبيِّ وَّر، ثم سِرْنا إلى مكة، فجئناها ليلاً، فقضَيْنا الحجَّ مع الناس ثم رجعنا
إلى الشام ، فزُرْنا بيتَ المقدِس ، وقال: إني عازمٌ على المُقام بالشام . ثم رجعتُ أنا إلى بلدي بَلْغ
كسائرِ الضعفاء ، حتى رجَعْنا إليها ولم أسألُهُ عن اسمِه ، فكان ذلك أولَ أمري .
ورُوي من وجهٍ آخر فيه نظر (١).
[ وقال أبو حاتم الرازي: عن أبي نُعيم، عن سفيان الثوري، قال كان إبراهيم بن أدهم يُشبه إبراهيمَ
الخليل ، ولو كان في الصحابة كان رجلاً فاضلاً له سرائر ، وما رأيته يُظهرُ تسبيحاً ولا شيئاً ، ولا أكلَ مع
أحدٍ طعاماً إلَّ كان آخرَ منْ يرفعُ يدَيْه ]٢) .
وقال عبدُ الله بن المبارك(٣) : كان إبراهيمُ رجلاً فاضلاً له سرائرُ ومعاملات بينه وبين الله عزَّ وجلَّ ؛
وما رأيتُه يُظهرُ تسبيحاً ولا شيئاً من عمَلِه ولا أكَلَ مع أحدٍ طعاماً إلا كان آخرَ منْ يرفَعُ يدَه .
وقال بشر بن الحارث الحافي : أربعة رفَعَهمُ الله بطيبِ المطعم : إبراهيم بن أدهم ، وسليمان
الخَوَّاص ، ووُهَيب بن الورد ، ويوسف بن أسباط(٤) .
(١) انظر تاريخ ابن عساكر (٢٨٦/٦ - ٢٨٨).
(٢) ما بين معقوفين ليس في ( ب، ح) وهو زيادة من النسخة المصرية في ( ق) ، يدل على ذلك ما سيأتي في الخبر
التالي .
(٣) كذا في الأصول، وفي تهذيب الكمال (٣٢/٢) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٣٩٠) أنَّ القائل هو سفيان الثوري ، كما
جاء في الخبر السابق. وقد أتى ابن عساكر على كلا الروايتين في تاريخه (٢٨٩/٦) أولهما: ((محمد بن إدريس
الحنظلي قال : سمعت أبا نعيم يقول : سمعت سفيان الثوري يقول : إبراهيم بن أدهم كان يشبه إبراهيم خليل
الرحمن، ولو كان في أصحاب النبي لكان رجلاً فاضلاً)). وثانيهما: (( سليمان بن أيوب قال سمعت
عبد الرحمن بن مهدي يقول : قلتُ لابن المبارك : إبراهيم بن أدهم ممَّن سمع ؟ فقال : قد سمع من الناس ، ولكن
له فضل في نفسه ، صاحب سرائر وما رأيته يظهر تسبيحاً ولا شيئاً من الخير ، ولا أكل مع قوم طعاماً قط إلا كان آخر
من يرفع يديه من الطعام )) .
(٤) أخرج البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٥٧، ٥٨) برقم (٥٧٦٤) بإسناده: عن بشر بن الحارث قال : سمعت
المعافى بن عمران يقول : كان عشرة فيمن مضى من أهل العلم ينظرون في الحلال النظر الشديد ، لا يُدخلون
بطونَهم إلا ما يعرفون من الحلال ، وإلا استفوا التراب . ثم عدَّ بشر : إبراهيم بن أدهم ، وسليمان الخواص ،
وعلي بن فضيل بن عياض ، وأبا معاوية الأسود ، ويوسف بن أسباط ، ووُهَيب بن الورد ، وحذيفة شيخ من أهل
حرَّان ، وداود الطائي .

٣٨٩
وفيات سنة ١٦٢ هـ
وروى ابنُ عساكر من طريق معاوية بن حفص ، قال : إنما سمع إبراهيم بن أدهم حديثاً واحداً فأخذَ
بهِ، فسادَ أهل زمانِه. قال: حدّثنا منصور عن رِبْعيٍّ بن حِرَاش قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله وَلَه فقال:
يا رسول الله، دُلَّني على عملٍ يُحبَّني الله عليه، ويُحِبَّني الناسُ. قال: ((إذا أردتَ أنْ يُحبَّكَ الله فأبغِضِ
الدُّنيا؛ وإذا أردتَ أنْ يُحبَّكَ الناس، فما عندَكَ من فُضولِها فانْبِذْهُ إليهم)(١)
وقال ابنُ أبي الدنيا : حدّثنا أبو ربيع عن إدريس قال : جلس إبراهيمُ إلى بعضِ العلماء ، فجعلوا
يتذاكرون الحديث وإبراهيمُ ساكت ، ثم قال : حدّثنا منصور، ثم سكتَ فلم ينطِقْ بحرفٍ حتى قامَ من
ذلك المجلس ، فعاتبه بعضُ أصحابِه في ذلك ، فقال : إني لأخشَى مضرَّةَ ذلك المجلس في قلبي إلى هذا
اليوم .
وقال رِشْدينُ بن سعد: مَّ إبراهيمُ بن أدهم بالأوزاعيِّ وحَوْلَه حَلْقَة ، فقال: لو أنَّ هذه الحَلْقَة على
أبي هريرة لَعَجز عنهم . فقام الأوزاعيُّ وترَكَهم .
وقال إبراهيم بن بشار : قيل لابن أدهم : لمَ تركتَ الحديث ؟ فقال : إني مشغولٌ عنه بثلاث :
بالشكرِ على النِّعم ، والاستغفارِ من الذنوب ، وبالاستعدادِ للموت . ثم صاح وغُشِيَ عليه ، فسمعوا هاتفاً
يقول : لا تدخلوا بيني وبين أوليائي .
وقال أبو حنيفةَ يوماً لإبراهيمَ بنِ أدهم : قد رُزقت من العبادةِ شيئاً صالحاً ، فليكنِ العلمُ من بالِك ،
فإِنَّهُ رأسُ العبادةِ وقِوَامُ الدِّين . فقال له إبراهيم : وأنت فليكنِ العبادةُ والعملُ بالعِلْم من بالِك، وإلّا
ملكْت .
وقال إبراهيم : ماذا أنعم الله على الفقراء ؛ لا يسألُهم يومَ القيامةِ عن زكاةٍ ، ولا عن حجّ ، ولا عن
جهادٍ ، ولا عن صِلَةِ رَحِم ؛ إنما يسألُ ويحاسبُ هؤلاء المساكينَ الأغنياء .
وقال شقيق بن إبراهيم(٢): لَقيتُ ابن أدهم بالشام وقد كنتُ رأيتُه بالعراق ، وبين يديه ثلاثون
شاكِرِيّا٣ً)، فقلت له : تركتَ مُلكَ خُراسان، وخرجتَ من نعمتِك! فقال: اسكتْ ما تَهََّتُ بالعَيش إلا
هاهنا ، أفِرُّ بديني من شاهِقٍ إلى شاهِقٍ ، فمن يراني يقول هو مُؤَسْوَس، أو حمَّال أو ملاَّح ؛ ثم قال :
(١) وأخرجه بهذا اللفظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٢٧٠)؛ وبنحوه أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٨/ ٤٢،
و٥٣)؛ وابن رجب في جامع العلوم والحكم ص (٢٨٨). وإسناده ضعيف فهو مرسل ، ربعي بن حراش تابعي لم
يدرك النبي 903 .
(٢) في ( ب، ق): ((شقيق بن إبراهيم))، والمثبت من (ح ) وترجمته ومصادرها في المختار من مناقب الأخيار لابن
الأثير (١٠٨/٣) .
(٣) ((الشاكِرِيّ)): الأجير والمستخدم ؛ معرَّب جاكر. القاموس (شكر).

٣٩٠
وفيات سنة ١٦٢ هـ
بلَغَني أنه يُؤتى بالفقير يومَ القيامة ، فيوقَفُ بين يدي الله فيقول له : يا عبدي ، ما لَكَ لم تَحُجّ ؟ فيقول :
يا رب لم تعطني شيئاً أحجُ به. فيقول الله: صَدَقَ عبدي، اذهبوا به إلى الجنَّةُ(١).
وعن إبراهيم بن أدهم قال : أقمتُ بالشام أربعاً وعشرين سنة ، ولم أقُمْ بها لجهادٍ ولا رِبَاط ، إنما
نزَلْتُها لأشبع من خبزِ حلال .
وقال : الحُزْنُ حُزنان : حُزْنٌ لكَ وحُزْنٌ عليك ؛ فحزُنكَ على الآخرة لك ، وحزنُك على الدنيا
وزينتها عليك .
وقال : الزُّهْد ثلاثة : واجبٌ، ومُسْتَحبّ ، وزُهْدُ سلامة؛ فأمَّا الواجب فالزُّهْد في الحرامِ ، والزُّهْد
عن الشهواتِ الحلال مستحَبّ ، والزُّهْد عن الشُّبُهات سلامة .
وكان هو وأصحابُه يَمنعونَ أنفسَهم الحَمَّام ، والماءَ البارد ، والحِذاء ؛ ولا يجعلون في مِلْحِهم
أَبْزاراً. وكان إذا جلس على سُفْرَةٍ فيها طعامٌ طَيِّب، رَمَى بطيِّبها إلى أصحابِهِ ، وأكل هو الخُبْزَ والزَّيتون .
وقال : قِلَّةُ الحِرْصِ والطمعِ ، تُورثُ الصِّدْقَ والوَرَعِ ؛ وكثرةُ الحِرْصِ والطَّمَع تُورثُ الغَمَّ والجَزَع .
وقال له رجل : هذه جُبّةٌ أحبُّ أنْ تقبلَها مني . فقال : إنْ كنتَ غَنِيّاً قَبِلتُها ، وإنْ كنتَ فقيراً لم
أقبَلْها . قال : أنا غنيّ . قال : كم عندَك؟ قال: ألفان . قال: تودُّ أنْ تكونَ أربعةَ آلاف ؟ قال : نعم .
قال فأنتَ فقير ، لا أقبلُها منك .
وقيل له : لو تزوَّجْتَ . فقال : لو أمكَنَني أنْ أُطَلِّقَ نفسي لطلَّقْتُها.
ومكث بمكةَ خمسةَ عشرَ يوماً لا شيءَ له ، ولم يكنْ له زادٌ سوى الرَّمْل بالماء ، وصلى بوضوءٍ واحدٍ
خمسَ عشرةَ صلاةٌ .
وأكَلَ يوماً على حافَةِ الشَّرِيعةِ كُسَيْراتٍ مبلولةً بالماء وضَعَها بين يديه أبو يوسف الغَسُولي ، فأكل منها
ثم قامَ فشرب من الشريعة ، ثم جاء واستَلْقَى على قفاهُ وقال : يا أبا يوسف ، لو علم الملوكُ وأبناءُ الملوك
ما نحن فيه من النَّعيم لجالَدُونا بالسيوف أيامَ الحياةِ على ما نحن فيه من لذيذِ العيش . فقال أبو يوسف :
طلَبَ القومُ الراحةَ والنَّعِيم فأخطؤوا الطريقَ المستقيم . فتبسَّمَ إبراهيمُ وقال : من أين لك هذا الكلام ؟.
وبينما هو بالْمَصِّيصةِ في جماعة من أصحابِهِ إذ جاءَهُ راكبٌ فقال : أيُّكُمْ إبراهيمُ بن أدهم ؟ فأُرْشِدَ إليه
فقال: يا سيدي ، أنا غلامُك، وإنَّ أباك قد ماتَ وترَكَ مالًا هو عند القاضي، وقد جئتُكَ بِعشرةِ آلافٍ
درهمٍ لِتُنفِقَها عليك إلى بَلْخ، وفَرَسٍ وبَغْلة. فسكَتَ إبراهيمُ طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: إنْ كنتَ صادقاً
فالذَّراهمُ والفرسُ والبغلةُ لك، ولا تُخْبز به أحداً . ويُقال : إنه ذهب بعد ذلك إلى بَلْخ، وأخذ المالَ من
(١) انظر حلية الأولياء (٣٦٩/٧)، وإحياء علوم الدين (٢٢٧/٢).

٣٩١
وفيات سنة ١٦٢ هـ
الحاكم وجعَلَهُ كلَّهُ في سبيل الله . وكان معَهُ بعضُ أصحابِهِ ، فمكثوا شهرَيْن لم يَحصُلْ لهم شيءٌ يأكلونه ،
فقال له إبراهيم : ادخُلْ إلى هذه الغَيْضة - وكان ذلك في يوم شاتٍ - قال : فدخلتُ ، فوجدتُ شجرةٌ
عليها خَوْخٌ كثير ، فملأتُ منه جِرَابي ، ثم خرجْتُ . فقال: ما معَك؟ قلت : خَوْخ . فقال : يا ضعيفَ
اليقين ، لو صبَرْتَ لوجدتَ رُطَباً جَنيّاً كما رُزقَتْ مَرْيَمُ بنتُ عِمران .
وشكا إليه بعضُ أصحابهِ الجُوعِ ، فصلَّى رَكعتَيْن ، فإذا حولَهُ دنانيرُ كثيرة ، فقال لصاحبه : خُذْ منها
ديناراً . فأخذَهُ واشترى لهم به طعاماً .
وذكروا أنه كان يعملُ بالفاعل، ثم يذهب فيشتري البيضَ والزُّبْدَة، وتارةً الشِّوَاءَ والجُوذابات(١)،
والخَبِيص (٢)، فيُطْعِمه أصحابَهُ وهو صائم، فإذا أفطَرَ يأكلُ من رَديءِ الطعام ويَحْرِم نفسَهُ المطعمَ الطَّيب
لِيَبَرَّ بِهِ الناسَ تأليفاً لهم وتَحَبُباً وتوَدُّداً إليهم .
وأضاف الأوزاعيُّ إبراهيمَ بنَ أدْهَمَ ، فقَصَّرَ إبراهيمُ في الأكل ، فقال : مالكَ قصَّرْت ؟ فقال : لأنك
قَصَّرْتَ في الطعام ؛ ثم عَمِلَ إبراهيمُ طعاماً كثيراً ودَعَا الأوزاعيَّ، فقال الأوزاعي : أما تخافُ أنْ يكونَ
سرَفاً ؟ فقال : لا ، إنَّما السَّرَفُ ما كان في معصية الله، فأمَّ ما أنفَقَهُ الرجلُ على إخوانهِ فهو من الدِّين .
وذكروا أنه حصَدَ مرَّةً بعشرينَ ديناراً، فجلَسَ مرَّةً عند حَجَّام هو وصاحبٌ له لِيَحْلِقَ رؤوسهم
ويَحْجِمَهُمْ ، فكأنَّه تَبَرَّمَ بهم واشتغَلَ عنهم بغيرِهم، فتأذَّى صاحبُه من ذلك ، ثم أقبل عليهمُ الحجَّام
فقال : ماذا تريدون ؟ قال إبراهيم : أريدُ أن تَحْلِقَ رأسي وتَحْجِمني. ففعل ذلك، فأعطاه إبراهيمُ
العِشْرين ديناراً ، وقال : أردتُ أنْ لا تَحْقِرَ بعدَها فقيراً أبداً .
وقال مضاء بن عيسى : ما فاق إبراهيمُ أصحابهُ بصَوْمٍ ولا صلاة ، ولكنْ بالصدقةِ والسَّخَاء .
وكان إبراهيمُ يقول: فِرُّوا من الناس كفِرَارِكُم من الأسَدِ الضاري ، ولا تَخَلَّفوا عن الجُمعةِ والجماعة .
وكان إذا سافر مع أحدٍ من أصحابه يُحدِّثُهُ إبراهيم، وكان إذا حَضَرَ في مجلس فكأنما على رؤوسِهم
الطَّرِ هَيْبةً وإجلالاً .
ورُبَّما تسامرَ هو وسفيانُ الثَّوري في الليلةِ الشاتِيَةِ إلى الصباح ، وكان الثورُّ يتحرَّزُ معهُ في الكلام .
ورأى رجلاً قيل له : هذا قاتِلُ خالِك . فَذَهَبَ إليه فسلَّمَ عليه، وأهدَى له وقال: بلَغَني أنَّ الرجلَ
لا يَبْلُغُ درجةَ اليقين حتى يأمَنَهُ عدؤُه .
(١) في (ق): ((والجوذبان))، وفي (ح): ((والجذابات))، والمثبت من (ب ) والجُوذابات: جمع ، مفرده
جُوذاب: وهو طعامٌ يُصنعُ بسُكَّرٍ وأرُزِّ ولَحْم . لسان العرب .
(٢) ((الخَبيص)): الطعام المعمول من التمر والسمن. القاموس ( خبص ).

٣٩٢
وفيات سنة ١٦٢ هـ
وقال له رجل : طوبَى لك! أفنيتَ عُمرَك في العبادة ، وتركتَ الدنيا والزوجات ! فقال : أَلَكَ
عِيَال ؟ قال : نعم . فقال : لَرَوْعةُ الرجلِ بِعِيَالِه - يعني في بعض الأحيان - من الفاقَةِ أفضلُ من عبادةِ كذا
وكذا سنة .
ورآهُ الأوزاعيُّ ببيروت وعلى عُنقه حُزْمةُ حطَب ، فقال: يا أبا إسحاق ، إنَّ إخوانَكَ يَكْفُونَك هذا.
فقال له: اسكُتْ يا أبا عمرو، فقد بلَغَني أنه إذا وُقف الرجلُ موقفَ مَذَلَّةٍ في طَلَبِ الحلال وجَبَتْ له الجنَّة.
وخرج ابنُ أدهمَ من بيتِ المقدس ، فمرّ بطريق ، فأخذَتْهُ المَسْلَحةُ في الطريق ، فقالوا : أنتَ عبد ؟
قال : نعم. قالوا : آبق ؟ قال: نعم . فسَجَنوه، فبلَغَ أهلَ بيتِ المقدس خبّرُه ، فجاؤوا بِرُمَّتِهِمْ إلى
نائبٍ طَبَرِيَّة فقالوا : علامَ سجنتَ إبراهيم بن أدهم؟ قال: ما سَجَنْتُهُ . قالوا: بلَى ، هو في سِجْنِك .
فاستحضره ، فقال : عَلامَ سُجنتَ ؟ فقال: سَلِ الْمَسْلَحَة . قالوا : أنتَ عَبْد؟ قلت : نعم وأنا عبدُ الله .
قالوا : آبق ؟ قلتُ : نعم ، وأنا عبدٌ آبقٌ من ذنوبي. فخَلَّى سَبِيلَه .
وذكروا أنَّهُ مَرَّ مع رُفْقَةٍ ، فإذا الأسَدُ على الطريق ، فتقدَّمَ إليه إبراهيمُ بن أدهم ، فقال له : يا قَسْوَرَة ،
إنْ كنتَ أُمِرْتَ فينا بشيءٍ فامضٍ لِمَا أُمِرْتَ به ، وإِلَّ فَعَوْدُكَ على بَدْئك. قالوا: فولَّى السَّبُعُ ذاهباً يَضْرِبُ
بذَنَبه ؛ ثم أقبلَ علينا إبراهيمُ فقال: قولوا اللهمَّ راعِنا بِعَيْنكَ التي لا تَنَام، واكْتُفْنا بِكَتَفِكَ الذي لا يُرام ،
وازْحَمْنَا بِقُدْرَتِكَ علينا ، ولا نَهْلِكُ وأنتَ رجاؤنا ، يا الله، يا الله ، يا الله . قال خلفُ بنُ تَميم : فما زلتُ
أقولُها منذُ سمعتُها ، فما عَرضَ لي لِصِّ ولا غيرُه .
وقد رُوي لهذا شواهدُ من وجوهٍ أُخَر . ورُوي أنه كان يصلِّي ذاتَ ليلة، فجاءه أُسْدٌ ثلاثة، فتقدَّم إليه
أحدُهم ، فشَمَّ ثيابَهُ ثم ذهبَ فَرَبَضَ قريباً منه، وجاء الثاني ففعَلَ مثلَ ذلك ، وجاء الثالثُ ففعل مثلَ
ذلك ، واستمرّ إبراهيمُ في صلاتِهِ ، فلمَّا كان وقتُ السَّحَر قال لهم: إنْ كنتُمْ أُمِرْتُمْ بشيءٍ فِهَلُُوا، وإلَّا
فانصرفوا . فانصرَفوا .
وصَعِدَ مرَّةً جبلاً بمكَّة ومعه جماعة ، فقال لهم لو أنَّ وليّاً من أولياء الله قالَ لِجَبَلٍ: زُلْ لَزَالَ . فتحرَّك
الجبلُ تحتَهُ ، فَوَكَزَهُ بِرِجْلِه وقال: اسْكُنْ ، فإنَّما ضرَبْتُكَ مثلاً لأصحابي . وكان الجبلُ أبا قُبَيس .
وركب مرَّةً سفينةً، فأخذهُمُ الموجُ من كلِّ مكان ، فَلَفَّ إبراهيمُ رأسَهُ بكِسَائِهِ واضْطَجَع ، وعَجَّ
أصحابُ السفينةِ بالضَّجيج والدُّعاء ، وأيقظوه وقالوا : ألا تَرَى ما نحنُ فيه من الشِّدَّة ؟! فقال : ليس هذه
شِدَّة، وإنما الشِّدَّةُ الحاجَةُ إلى الناس . ثم قال: اللهمَّ أَرَيْتَنَا قُدْرَتَك، فأرِنَا عَفْوك . فصار البحرُ كأنه
قدَحُ زَيْت . وكان قد طالبه صاحبُ السفينةِ بِأُجْرَةٍ حَمْلِهِ دينارَيْن، وألَعَّ عليه ، فقال له : اذهَبْ معي حتى
أعطيَكَ دينارَيْك. فأتى إلى جزيرةٍ في البحر ، فتوضَّأ إبراهيمُ وصلَّى ركعتَيْن ، ودَعًا، وإذا ما حَوْلهُ قد
مُلىء دنانير ، فقال له: خُذْ حَقَّك ولا تَزِدْ ، ولا تذكُرْ هذا لأحد .

٣٩٣
وفيات سنة ١٦٢ هـ
وقال حُذيفةُ الْمَرْعشيّ : أوَيْتُ أنا وإبراهيمُ إلى مسجدٍ خرابٍ بالكوفة ، وكان قد مَضَى علينا أياماً لم
نأكُلْ فيها شيئاً ، فقال لي : كأنَّك جائع . قلت : نعم . فأخذ رُقْعةً فكتب فيها : بسم الله الرحمن
الرحيم ، أنت المقصودُ إليه بكلِّ حال ، المشار إليه بكلِّ مَعْنى :
أنا جائعٌ أنا حاسرٌ أنا عاري
أنا حامدٌ أنا ذاكرٌ أنا شاكرٌ
فَكُنِ الضَّمينَ لنصِفِها يا باري
هي ستّةٌ وأنا الضَّمينُ بنصفِها
فأجِرْ عُبَيْدَكَ من دخولِ النّارِ
مَدْحِي لغیرِك وَهُْ نارٍ خُضتُها
ثم قال : اخرُجْ بهذهِ الرُقْعَة ولا تُعَلِّقْ قَلَبَكَ بغيرِ الله سبحانه وتعالى، وادْفَعْ هذه الرقعةَ لأوَّلِ رجلٍ
تلقاه .
فخرجتُ فإذا رجلٌ على بغلة ، فدفعتُها إليه ، فلما قرأها بكى ، ودفع إليَّ ست مئة دينارٍ وانصرَفَ ؛
فسألتُ رجلاً : منْ هذا الذي على البغلة ؟ فقالوا : هو رجلٌ نصرانيّ . فجئتُ إبراهيمَ ، فأخبرتُهُ فقال :
الآن يجيء فيُسْلِم. فما كان غيرَ قريب حتى جاء ، فأكبَّ على رأسِ إبراهيمَ وأسلمُ(١) .
وكان إبراهيمُ يقول : دارُنا أمامَنا، وحياتُنا بعدَ وفاتِنا ، فإمَّا إلى الجنة وإما إلى النار، مَثِّلْ لبَصَرِكَ
حضورَ ملَكِ الموتِ وأعوانِهِ لقبضِ رُوحِك، وانظرْ كيف تكونُ حينئذٍ، ومَثِّلْ له هَوْلَ الْمَصْجَع، ومساءلةً
مُنْكَرٍ ونَكير ، وانظُرْ كيف تكون ؟ ومَثِّلْ له القيامةَ وأهوالَها وأفزاعَها ، والعَرْضَ والحساب ، وانظُرْ كيف
تكون ؟ ثم صرَخَ صرخةٌ خَرَّ مَغْشيّاً عليه .
ونظر إلى رجلٍ من أصحابه يَضْحَك ، فقال له : لا تطمَعْ فيما لا يكونُ ولا تَنْسَى ما يكون ، فقيل له :
كيف هذا يا أبا إسحاق ؟ فقال : لا تطمَعْ في البقاءِ والموتُ يَطْلُبُك ، فكيف يَضْحكُ منْ يَموتُ ولا يَدْري
أين يُذْهَبُ به، إلى جنَّةِ أمْ إلى نار؟ ولا تنسَ ما يكون، الموتُ يأتيك صباحاً أو مساءً . ثم قال أوَّةْ،
أوَّه ! . ثم خرَّ مَغْشياً عليه .
وكان يقول : ما لنا نَشْكُو فقرنا إلى مِثْلِنا، ولا نسألُ كَشْفَهُ من ربّنا؟! ثم يقول: ثَكِلَتْ عبداً أُمُّهُ أحبَّ
الدنيا ونَسِيَ ما في خزائنٍ مولاه .
وقال : إذا كنتَ بالليل نائماً ، وبالنهارِ هائماً ، وفي المعاصي دائماً ، فكيف تُرْضي منْ هوَ بأمورك
قائماً ؟.
ورآه بعضُ أصحابِهِ ، وهو بمسجدِ بَيْرُوت ، وهو يَبْكي ويَضْرِبُ بيدَيْه على رأسه ؛ فقال :
ما يُبْكيك ؟ فقال : ذكرتُ يوماً تَقَلَّبُ فيه القلوبُ والأبصار .
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٨/٨)، وابن عساكر ( انظر المختصر ٤/ ٣٠)، وابن الأثير في المختار من مناقب
الأخيار (٢٣٦/١) .

٣٩٤
وفيات سنة ١٦٢ هـ
وقال : إنَّك كلَّما أمعنتَ النظرَ في مرآةِ الثَّوبة بانَ لك قُبْحُ شَيْنِ المعْصِيَة .
وكتب إلى الثَّوْريّ : منْ عرَف ما يطلُب هانَ عليه ما يَبْذُل ؛ ومِنْ أطلَقَ بصرَهُ طالَ أسَفُه ، ومن أطلَقَ
أمَلَه ساء عمَلُهُ ، ومن أطلق لسانَه قتَلَ نفسَه .
وسأله بعضُ الولاء١) : من أين مَعِيشتُك ؟ فأنشأ يقول :
نُرَقِّعُ دنيانا بتَمْزِيقِ ديننا فلا دِينُا يَبْقَى ولا مَا نُرَقِّعُ
وكان كثيراً ما يتمَثَّلُ بهذه الأبيات :
يكونُ بكاءُ الطفلِ ساعةَ يوضَعُ
لِمَا تُوعِدُ الدُّنيا به من شُرورِها
لأرْوَحُ ممَّا كان فيه وأوْسَعُ
يرى ما سَيَلْقَى من أذاها ويَسْمعُ(٢)
وإلَّا فما يبكيهِ منها وإنَّها
إذا أبصرَ الدُّنيا استهلَّ كأنما
وكان يتمثَّل أيضاً :
ويُورِثُها الذُّلَّ إذْمَانُها
رأيتُ الذنوبَ تُميتُ القلوبَ
وخيرٌ لنفسِكَ عِصْيَانُها
وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوبِ
وأحْبَارُ سَوْءٍ ورُهْبانُها
وما أفسدَ الدينَ إلا الملوكُ
ولم تَغْلُ بالبيع أثْمَانُها
وباعوا النفوسَ فلم يَرْبَحوا
يبينُ لِذِي اللُّبِّ إنَتَانُها(٣)
لقد رَتَعَ القومُ في جيفةٍ
وقال : إنما الورعُ بتَسْويةِ كُلِّ الخلقِ في قلِك ، والاشتغال عن عُيُوبِهِم بذنبِك، وعليك باللَّفْظِ
الجميل من قلبٍ ذَليل ، لِرَبِّ جَليل ؛ فكِّرْ في ذنبِك وتُبْ إلى ربِّك، يَنْبُتِ الوَرَعُ في قلبِك ؛ واقْطَعِ الطمعَ
إلَّا من ربِّك .
وقال : ليس من أعلام الحُبِّ أنْ تُحبَّ ما يُبْغضُهُ حَبيبُك؛ ذمَّ مولانا الدُّنيا فمَدَحْناها، وأبغَضَها
(١) هو أبو جعفر المنصور كما في حلية الأولياء (١٠/٨). وينسب البيت لعبد الله بن المبارك، وهو في ديوانه
ص (٨٦) وبعده :
ففي كلِّ يوم يَبْتَديك بنعمةٍ منه وأنت لشُكْرٍ ذاك مُضَيِّعُ
(٢) الأبيات لابن الرومي وهي في ديوانه بألفاظ مقاربة ص (٣٩٢)، وله أيضاً بقافية الدال ص (٣٧٣):
يكون بكاءُ الطفل ساعةً يُولدُ
لمَا تُؤذن الدنيا به من صروفها
لأفْسَحُ ممَّا كان فيه وأرْغَدُ
وإلا فما يبكيه منها وإنها
بما سوف يلقى من أذاها يُهدَّدُ
إذا أبصرَ الدنيا اسْتَهلَّ كأنه
(٣) الأبيات لعبد الله بن المبارك وهي في ديوانه ص (٦٦).

٣٩٥
وفيات سنة ١٦٢ هـ
فأحبَبْناها، وزَهَّدَنا فيها فَثَرْنا وَرَغِبْنا في طَلِها ؛ ووعَدَكم خرابَ الدُّنيا فحصَّنْتُموها ، ونَهاكم عن طلَبِها
فطلبتُموها، وأنذرَكُمُ الكُنُوزِ فكنَزْتُموها، دَعَتْكُمْ إلى هذه الغَزَّارةِ دواعيها فأجبتُمْ مُسْرِعينَ مُناديِها ،
خَدَعتُكُمْ بِغُرورها ومَنَّتْكُمْ فانقَدْتُمْ خاضعين لأمانيها ؛ تتمرَّغُونَ في زَهَراتِها وزَخارِفِها وتَنَّغَّمون في
لذَّاتها ، وتتقلبَّون في شهَواتها ، وتتلوَّثونَ بتَبِعَاتِها ، تَنْشُونَ بِمَخالِبِ الحِرْصِ عن خزائنِها ، وتحفِرونَ
بمعَاوِلِ الطمَعِ في معادنِها .
وشكى إليه رجلٌ كثرةَ عِيَالِهِ فقال : ابعَثْ إليَّ منهم منْ لا رِزْقُهُ على الله . فسكتَ الرجل . وقال :
ومررتُ في بعضٍ جبال ، فإذا حجرٌ مكتوب عليهِ بالعربية :
كُلُّ حي وإنْ بَقِي
فمِنَ العَيْشِ يَسْتَقِي
واحْذَرِ الموتَ يا شَقي
فاعمَلِ اليومَ واجتهدْ
قال : فبينما أنا واقفٌ أقرأُ وأبْكي، وإذا برجلٍ أشعَرَ أغْبَر ، عليه مِدْرَعةٌ من شَعر ، فسَلَّمَ وقال: ممَّ
تبكي ؟ فقلت : من هذا. فأخَذَ بيدي ومَضَى غيرَ بعيد ، فإذا بصخرةٍ عظيمةٍ مثلِ الْمحْراب ، فقال : اقرَأْ
وابْكِ ولا تقصِّرْ . وقام هو يُصلِّي ، فإذا في أعلاهُ نَقْشٌ بَيِّنٌ عَرَبي :
لا تَبْغِيَنْ جاهاً وجاهُكَ ساقِطُ عندَ المليكِ وكُنْ لجاهِكَ مُصْلحا
وفي الجانب الآخر نقشٌ بَيِّنٌّ عَرَبي :
منْ لم يَثِقْ بالقضاءِ والقَدَرِ
لاقَى هُموماً كثيرةَ الضَّرَرِ
وفي الجانب الأيْسَرِ نَقْشٌ بَيِّنٌ عربي :
ما أزْيَنَ التِّقَى، وما أقبح الخنا ، وكلٌّ مأخوذٌ بما جَنا ، وعند الله الجزا .
وفي أسفل المحراب فوق الأرض بذراعٍ أو أكثر :
إنَّما الفَوْزُ والغِنَى فِي تُقَى اللهِ والعَمَلْ
قال : فلمَّا فرَغْتُ من القراءة التفَثُّ ، فإذا ليس الرجلُ هناك، فما أدري ، أنصرفَ أمْ حُجِب عني ؟.
وقال : أثقل الأعمال في الميزان أثقَلُها على الأبدان ، ومنْ وَفَى العمل وُفِّي له الأجر ؛ ومنْ لم يعمَلْ
رَحَلَ من الدنيا إلى الآخرةِ بلا قليلٍ ولا كثير .
وقال : كُلُّ سلطانٍ لا يكونُ عادلًا فهو واللصُّ بمَنْزلةٍ واحدة ؛ وكلُّ عالِمٍ لا يكونُ وَرِعاً فهو والذئبُ
بمَنْزلةٍ واحدة ؛ وكلُّ منْ خدَم سوى الله فهو والكلبُ بمَنْزلةٍ واحدة .
وقال : ما ينبغي لمَنْ ذَلَّ للهِ في طاعتِهِ ، أنْ يَذِلَّ لغيرِ الله في مَجَاعَتِهِ ؛ فكيف بمنْ هو يتقلَّبُ في نِعَمٍ
الله وكِفَایته .

٣٩٦
وفيات سنة ١٦٢ هـ
وقال : أعرَبْنا في كلامِنا فلم نَلْحنْ، ولَحَنَّاً في أعمالنا فلم نُعْرِبْ.
وقال : كُنَّا إذا رأينا الشابَّ يتكلَّمُ في المجلس أيسْنا من خيرِه .
وقال : جانبوا الناس ، ولا تنقطعوا عن جُمعةٍ ولا جَماعة .
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب : أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين (١) بن محمد بن
رامين (٢) الإستراباذي ، قال : أنبأ عبدُ الله بن محمد الشِّيرازي ، أنبأ القاضي أحمد بن محمود بن خَرَّزاد
الأهوازي ، حدّثني علي بن محمد القصري ، حدّثني أحمد بن محمد الحلبي ، سمعتُ سَريّاً السَّقَطيَّ
يقول : سمعتُ بشرَ بن الحارث الحافي يقول : قال إبراهيمُ بن أدهم : وقفتُ على راهبٍ ، فأشرف عليَّ
فقلت له : عِظْني . فأنشأ يقول :
كي يظنُّوك راهبا
خُذْ عن الناس جانبا
قد أراني العجائيا
إنَّ دَهْراً أظلَّني
قَلِّبِ الناس كيف شِئْ ـتَ تَجِدْهُمُ عَقَارِيا
قال بشر : فقلت لإبراهيم : هذه موعظة الراهب لك ، فعِظْنِي أنت . فأنشأ يقول :
تَوَخَّشْ من الإخوانِ لا تَبْغِ مُؤنساً ولا تتخِذْ خِلاً ولا تَبْغِ صاحبا
وكُنْ أوحَدِيّاً ما قَدَرْتَ مُجانِبا
وكُنْ سامِرِيَّ الفعلِ من نسلِ آدمٍ
فلستَ ترى إلَّ مَذُوق(٣) وکاذِبا
فقد فسد الإخوانُ والحُبُّ والإخَا
وتُنْكر حالاتي لقد صِرْتُ راهبا
فقلتُ ولولا أنْ يُقالَ مُدَهْدَ(٤)
قال سَرِيّ : فقلتُ لِبشر : هذه موعظةُ إبراهيمَ لك ، فِعِظْني أنت . فقال: عليك بالخُمول ، ولُزومٍ
بيتِك . فقلت : بلَغَني عن الحسن أنه قال: لولا الليلُ وملاقاةُ الإخوان ما بالَيْتُ متى مِتْ .
فأنشأ بشرٌ يقول :
(١) في الأصول وتاريخ ابن عساكر: ((أبو محمد الحسن بن الحسن))، والمثبت من تاريخ بغداد (٧/ ٣٠٠) في
ترجمته ، ومواضع كثيرة منه ، ومن مؤلفات الخطيب البغدادي ، إذ هو شيخ أبي بكر الخطيب .
(٢) في (ق): ((زامين)) بالزاي، والمثبت من (ح ) والمصادر المذكورة في الحاشية السابقة.
(٣) كذا في الأصول، والوجه أن يقول: ((مِذَاقاً))، جاء في لسان العرب (مذق): الْمُمَاذقةُ في الوُدّ : ضدُّ
المُخالصَة. ومَذَق الوُدَّ لم يُخلِصْهُ. ورجلٌ مَذَّاق: كذُوب. ورجلٌ مَذِق، ومَذَّاق ومُماذِق: بَيِّنُ الْمِذَاق.
مَلُول . وفي الصِحاح غيرُ مُخْلص ، وهو الْمِذَاق .
(٤). ((دَهْدَهَ الشيءَ فَتَدَهْدَهَ)): حَدَرهُ من عُلوٍ إلى سُفْل تَدَخْرُجاً. ودَهْدَهَهُ: قَلَبَ بعضَهُ على بعض، فهو مُدَهْدَه. لسان
العرب ( دهده ) .

٣٩٧
وفيات سنة ١٦٢ هـ
مُهْلاً أمِنْتَ مَكَابِدَ الشيطانِ
يا مَنْ يُسرُّ برؤيةِ الإخوانِ
وتشاغلوا بالحِرْصِ والخُسْرانِ
خَلَتِ القلوبُ من الْمَعادِ وذِكْرِهِ
في هَتْكِ مَسْتُورٍ ومَوْتِ جَنَادُ (١)
صارَتْ مجالسُ مِنْ تَرَى وحديثُهم
قال الحلبي : فقلتُ لِسَريّ : هذه موعظةُ بشر، فعِظْني أنت . فقال : عليك بالإخْمال . فقلت :
أحبُّ ذاك . فأنشأ يقول :
إنْ كان حقّاً فاستعِدَّ خِصالا
يا منْ يَرُومُ بزَعْمِهِ إحْمالاً
واجعَلْ خروجَكَ للصلاةِ خَيَالا
تَرْكَ المجالِسِ والتذاكُرِ يا أخي
لا يَرْتَجي منه القريبُ وِصَالا
بل كُنْ بها حَيّاً كأنَّكَ مَّيِّتٌ
قال محمد بن محمد القَصْري : قلتُ للحلبي : هذه موعظةُ سَريٍّ لك ، فعِظْني أنت . قال : يا أخي
أحَبُّ الأعمالِ إلى الله ما صَعِدَ إليه من قلبِ زاهدٍ في الدُّنيا ؛ فازْهَدْ في الدنيا يُحبَّكَ الله ثم أنشأ يقول :
فتأهَّبْ لِشَتّاتِكْ
أنتَ في دارٍ شَتاتٍ
صمْتَهُ عن شَهَواتِكْ
واجعلِ الدُّنيا كيومٍ
ما صُمْتَهُ يومَ وفاتِكْ
واجعلِ الفِطْـرَ إذا
قال ابنُ خُرَّزاد : فقلت لعلي : هذه موعظةُ الحلبيِّ لك، فعِظْني أنت . فقال لي: احفَظْ وقتَك،
واسخُ بنفسِك اللهِعزَّ وجلَّ ، وانْزِعْ قيمةَ الأشياءَ من قلبِك، يَصْفُ لك بذلك سِرُك، ويَذْكُو به ذِكْرُك . ثم
أنشدَ يقول :
مضَى نَفَسٌ منها انْتَقَصْتَ بهِ جُزْءا
حياتُكَ أنفاسٌ تُعدُّ فكلَّما
ومالَكَ مَعْقولٌ تُحسنُّ بك رُزْءا
فتصبحُ فِي نَقْصٍ وتُمْسِي بِمِثْلِهِ
ويَحدُوكَ حادٍ ما يَزِيدُ بِكَ الْهُزءا
يُميتُكَ ما يُخييكَ في كلِّ ساعةٍ
قال أبو محمد : قلتُ لأحمد : هذه موعظةُ عليٍّ لك، فعِظْني. فقال: يا أخي، عليك بلُزومٍ
الطاعة ، وإِيَّاك أنْ تُفارقَ بابَ القناعة، وأصْلِحْ مَثْواك، ولا تُؤْثِرْ هَوَاك، ولا تَبَعْ آخرَتَكَ بِدُنياك ؛
واشتغِلْ بما يَعْنيكَ بِتَرْكِ ما لا يَعْنيك . ثم أنشد :
ومنْ يَتَبِعْ ما تشتهي النفسُ يَنْدَمِ
نَدِمْتُ على ما كانَ مِنِّي نَدَامةٌ
ستَلْقَوْنَ رَبّاً عادِلا ليس يَظْلِمُ(٢)
فخافوا لكيما تأمنوا بعدَ موتِكُمْ
سَيَنْدِمُ إِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ فَاعْلَمٍ
فليس لِمَغْرورٍ بِدُنْياهُ زاجِرٌ
(١) في (ب، ح): ((وخلق قران))، بدل ((وموت جنان))، والمثبت من ( ق ) .
(٢) كذا في الأصول، بإقواءٍ في القافية، ولعلّ الصواب: ((لم يُظَلَّم)) ، أي لم ينسب إلى الظُّلْم أبداً.

٣٩٨
وفيات سنة ١٦٢ هـ
قال أبو محمد بن رامين : فقلتُ لأبي محمد : هذه موعظةُ أحمد لك ، فعِظْني أنت . فقال : اعلَمْ
رَحِمكَ الله أنَّ الله عزَّ وجلَّ يُنْزِلُ العَبيد حيثُ نَزَلَتْ قلوبُهم بهُمومها ، فانظُرْ أين يَنْزِلُ قلبُك؟ واعلَمْ أنَّ الله
سبحانه يَقْرُبُ من القلوب على حَسَبِ ما قُرَّبَ إليها١) ؛ فانظُرْ منِ القريبُ من قلِك . وأنشدني :
وأرواحُهم فيما هناك حُلولُ
قلوبُ رجالٍ في الحجابِ نُزُولُ
بإفرادِ تَوْحيدِ المَلِيكِ تَجُولُ
تَروحُ نَعِيمُ الأنسِ في عزِّ قُرْبِهِ
عوائدُ بَذْلٍ خَطْبُهُنَّ جَليلٌ
لهم بِفَناءِ القُرْبِ من مَحْضٍ بِّهِ
قال الخطيب : فقلتُ لابنٍ رَامين (٢) هذه موعظةُ الحميدي لك، فعِظْني أنت . فقال : اتَّقِ الله وثِقْ
به ، ولا تَتَّهِمْه ، فإنَّ اختبارَهُ لك خيرٌ من اختبارِكَ لنفسِك . وأنشدني :
أَّخِذِ(٣) الله صاحبا ودَعِ الناسَ جانبا
جَرِّبِ الناسَ كيف شِئْ ـتَ تَجِدْهُمُ عَقَاربا
قال أبو الفرج غَيْثُ الصُّوري : فقلتُ للخطيب : هذه موعظةُ ابن رامين لك ، فعِظْني أنت . فقال :
احذَرْ نفسَك التي هي أعْدَى أعدائِكَ أنْ تُتَابِعَها على هَوَاها، فذاك أعْضَلُ دائك، واستَشْرِفِ الخوفَ من
الله تعالى بخِلافها ، وكَرِّرْ على قلبك ذكرَ نُعوتِها وأوصافِها فإنَّها الأمَّارةُ بالسُّوءِ والفحشاء ، والْمُوردَةُ منْ
أطاعَها موارد العَطَبِ والبَلاء ، واعْمِدْ في جميع أمورِك إلى تَحرِّي الصِّدْق، ﴿ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن
سَبِيلِ الَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقد ضَمِنَ الله لمنْ خالَفَ هواهُ أنْ يجعلَ له جنَّةَ الخُلِدِ قَرَارَهُ ومأواه . ثم أنشد
لنفسه :
إنْ كنتَ تَبْغِي الرَّشَادَ مَحْضاً في أمْرِ دُنْيَاكَ والْمَعَادِ
إنَّ الهوى جامعُ الفَسَارِ(٤)
فخالفِ النفسَ في هواها
قال ابن عساكر(٥) : المحفوظ أنَّ إبراهيم بن أدهم تُوفِّي سنة ثنتين وستين ومئة. وقال غيره : إحدى
وستين . وقيل : سنة ثلاث . والصحيحُ ما قاله ابنُ عساكر، والله أعلم . وذكروا أنه تُوفِّي في جزيرةٍ من
جزائرِ الرُّوم ، وهو مُرَابط ، وأنه ذهَبَ إلى الخَلاء ليلةَ مات نحواً من عشرين مرَّة وفي كلِّ مرَّةٍ يُجدِّدُ
(١) أقحمت عبارة في هذا الموضع في ( ق )، ليست في ( ب، ح )، ولا في بغية الطلب.
(٢) في (ق): ((زامين))، انظر الحاشية على هذا الاسم في صدر الخبر.
(٣)
كذا في الأصول، والصواب: (( تَخِذِ))، ليستقيم وزن البيت .
ساقه بطوله ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (٣٤٥/٦ - ٣٤٨)، وابن العديم بن أبي جرادة في بغية الطلب
(٤)
(١٠٨٠/٢-١٠٨٣) بإسنادهما عن الخطيب البغدادي .
(٥) في تاريخ مدينة دمشق (٦/٦ -٣٤٩).

٣٩٩
وفيات سنة ١٦٢ هـ
الوُضوء بعدَها . وكان به البَطْن ، فلما كانتْ غشيةُ الموت قال: أَوْتروا لي قَوْسي . فأوْتَروه ، فقَبَضَ
عليه ، فماتَ وهو قابضٌ عليهِ يُريدُ الرَّمْيَ به إلى العدو، رحمه الله وأكرَمَ مَثْواه .
وقد قال أبو سعيد بنُ الأعرابي : حدّثنا محمد بن علي بن يزيد الصائغ قال : سمعتُ الشافعيَّ يقول :
سمعتُ السَّريَّ بن حيالُ(١) يقول - وكان سفيانُ معجباً به - :
كذلك ذو التقوى عن العيش مُلجَما
أجاعتهمُ الدُّنيا فجاعو(٢) ولم يزل
ومنهم وُهيبٌ والعريبُ ابنُ أدْهَما
أخو طِيئٍ داودُ منهم ومِسْعٌ
وفي الوارثِ الفاروقِ صِدْقاً مُقَدَّما
وفي ابنِ سعيدٍ قدوةُ البرِّ والنُّهَى
ويوسفَ إنْ لم يألُ أنْ يَتَلَّما
وحَسْبُكَ منهم بالفُضَيل مع ابنهِ
فصلَّى عليهم ذو الجلالِ وسَلَّما
أولئك أصحابي وأهلُ موذَّتي
وما زال ذو التقوى أعَزَّ وأكْرَما
فما ضرَّ ذا التقوى تَضَاؤلُ نِسْبةٍ(٣)
وما زالتِ التقوى تُرِيكَ على الفَتَّى
إذا مَخَّضَ التقوى من العِزِّ مَبْسَمَا٤)
وروى البخاري في كتاب الأدب(٥) عن إبراهيم بن أدهم . وأخرج الترمذي في جامعه حديثاً مُعلَّقاً في
◌َ. (٦)
وأما : داود الطائي(٧) : فهو داودُ بنُ نُصيْر الطائي ، أبو سليمان الكوفي الفقيه الزاهد ، أخَذَ الفقه عن
المسح على الخُفَّيْنُ(٦)
(١) كذا في (ب، ح) وحلية الأولياء، وسقط الاسم من (ق)، وفي تاريخ ابن عساكر: (( سمعت السري بن
جمكان )) ، ولم أقف على ترجمة له .
(٢)
في (ق): ((فخافوا))، والمثبت من ( ب، ح ).
في (ب): (( يصال بسبه))، وفي (ح): (( يضاد سبه))، وفي تاريخ ابن عساكر: ((نصال أسنة))، والمثبت من
(٣)
حلية الأولياء .
في (ب، ق) وتاريخ ابن عساكر: ((ميسما))، والمثبت من (ح) وحلية الأولياء والخبر والشعر فيه
(٤)
(٣٧٥/٦)، وفي تاريخ ابن عساكر (٣٤٩/٦).
(٥) كتاب الأدب المفرد للبخاري ص (٤٢٨) برقم (١٢٥٣)، يروي البخاري فيه خبراً عن محمد بن عبد العزيز
العمري ، بإسناده إلى إبراهيم بن أدهم ، فذكر قصة زيارته إلى يحيى بن حسان البكري .
جامع الترمذي برقم ( ٩٤) في الطهارة : باب في المسح على الخفين معلقاً ، ورواه مسنداً الترمذي برقم ( ٦٧١ )
(٦)
و (٦١٢) وهو حديث صحيح.
ترجمته في طبقات ابن سعد (٣٦٧/٦)، التاريخ الكبير (٢٤٠/٣)، المعارف ص (٥١٥)، مشاهير علماء
(٧)
الأمصار ص (١٦٨)، حلية الأولياء (٣٣٥/٧)، تاريخ بغداد (٨/ ٣٤٧)، الرسالة القشيرية (٨١/١).
الأنساب (٣٠٦/٨)، مناقب الأبرار لابن خميس ص (٤٨/ ب)، المختصر لابن خميس ص (٤٥ / أ)، صفة
الصفوة (١٣١/٣)، الكامل لابن الأثير (٥٠/٦)، وفيات الأعيان (٢٥٩/٢)، تهذيب الكمال (٤٥٥/٨)، =

٤٠٠
أحداث سنة ١٦٣ هـ
أبي حنيفة . قال سفيانُ بن عُيَيْنة : ثم تَرَك داودُ طلَبَ الفقه، وأقبلَ على العِبَادَةِ، ودَفَن كُتبَه .
قال عبدُ الله بن المبارك : وهل الأمر إلَّ ما كان عليه داودُ الطائي؟ .
قال ابنُ مَعين : كان ثقةً ، وفد على المهدي ببغداد ، ثم عاد إلى الكوفة .
ذكرَهُ الخطيب البغدادي وقال : مات في سنة ستين ومئة ؛ وقيل : سنة خمسٍ وستين ومئه (١).
قلتُ : وقد ذكرَ شيخُنا الذهبي في تاريخه أنَّهُ تُوفِّي في هذه السنة - أعني سنةً ثنتين وستين ومئة . فالله
أعلم .
ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومئة
فيها حُصر المقنَّعِ الزَّنْديق الذي كان قد نَبَّغَ بخُرَاسان ، وقال بالتناسخ ، واتَبَعهُ على جَهَالَتِهِ وضلالِتِهِ
خَلْقٌ من الطَّغَامِ ، وسُفَهاءِ الأنام ، والسِّفْلَةِ من العَوَام ؛ فلما كان في هذا العام ، لَجَأ إلى قلعةِ كَشَ (٢) ،
فحاصَرَهُ سعيدٌ الحَرَشِيِّ(٣) فَأَلَحَّ عليه في الحصار ، فلمَّا أحسنَّ بالغَلَبة تَحَسَّى سُمّاً، وسمَّ نساءَهُ فماتوا
جميعاً؛ عليهم لعائنُ الله . ودخل الجيشُ الإسلامي قلعتَه ، فاحتزُّوا رأسَه ، وبَعُوهُ إلى المهدي ؛ وكان
المهديُّ بحلب .
قال ابنُ خَلِّكَانُ(٤) : كان اسمُ المقنَّع عَطاء ، وقيل: حَكيم ، والأول أشهر. وكان أولًا قَصَّاراً [ من
أهل مَرْو ، وكان يعرفُ شيئاً من السِّحْر والنِّيرَجَات(٥) ]، ثم اذَّعى الرُّبوبيَّةَ مع أنه كان أعوَرَ قبيحَ المنظر ،
سير أعلام النبلاء ( ٤٢٢/٧)، الوافي (٤٩٥/١٣)، طبقات ابن الملقن ص (٢٠٠)، تهذيب التهذيب
=
(٢٠٣/٣)، طبقات الشعراني (٧٦/١)، شذرات الذهب (٢٥٦/١).
في (ح، ق) : سنة ست وخمسين ومئة، والمثبت من (ب) وتاريخ بغداد للخطيب (٨/ ٣٥٤).
(١)
(٢)
كَشّ - بالفتح ثم التشديد - : قريةٌ على ثلاثةِ فراسخَ من جُرْجانَ على جَبَل، وتقال ((قلعة كس)) بالسين، وتُسمَّى
أيضاً ((قلعة سَنَام)) كما سيأتي. معجم البلدان (٤/ ٤٦٢، و١٩١/٣). وقال ابنُ خَلِّكان في وفيات الأعيان
(٢٦٤/٣): ولم أر أحداً ذكر هذه القلعة وأين هي حتى أذكرها ، ثم رأيت في كتاب الشهاب ياقوت الحموي الذي
وضعه في معرفة المواضع المشتركة ، فقال في باب (( سَنَام)) بفتح السين: إنها أربعة مواضع ، والموضع الرابع منها
سنام، قلعة عمرها المقنّع الخارجي بما وراء النهر. اهـ. وفيان الأعيان ج: ٣ ص: (٢٦٥) . والله أعلم
والظاهر أنها هذه القلعة ثم وجدت في أخبار خراسان أنها هي وأنها من رستاق كش والله أعلم .
في (ح ، ق ) : الحريثي ، وهو تصحيف ، والمثبت من (ب ) وتاريخ الطبري (٤/ ٥٦٦).
(٣)
(٤)
في ترجمته في وفيات الأعيان ( ٢٦٣/٣)، وما سيأتي بين معقوفين منه .
(( النِّيرجات، واحدُها نِيرَج)): أُخذٌ تُشْبِهُ السِّحْرَ وليستْ بحقيقته، ولا كالسِّحْر، إنما هو تشبيهٌ وَتَلْبيس . لسان
(٥)
العرب ( نرج ) .