النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ ترجمة الأوزاعي رحمه الله في الزُّكوع والرفع منه ؛ واحتجَّ الثوريُّ بحديثِ يزيدَ بنِ أبي زياد ، فغضِبَ الأوزاعيُّ وقال : تُعارضُ حديثَ الزهري بحديثِ يزيدَ بن أبي زياد وهو رجلٌ ضعيف ؟! فاحمارَّ وجهُ الثوري ، فقال الأوزاعي : لعلَّكَ كرهتَ ما قلتُ ؟ قال : نعم . قال : فقُمْ بنا حتى نلتعنَ عندَ الرُّكْن أيُّنا على الحق . فسكت الثوريُّ . وقال مِقْلُ بن زِيَاد : أفَتَى الأوزاعيُّ في سبعينَ ألفِ مسألةٍ بحدَّثَنَا وأخبرَنا . وقال أبو زُرعة : روي عنه ستونَ ألفَ مسألة . وقال غيرُهما : أفتى في سنةِ ثلاثَ عشرةَ ومئة ، وعمرُه إذْ ذاك خمسٌ وعشرون سنة ؛ ثم لم يزلْ يُفتي حتى مات ، وعَقْلُهُ زاكٍ . وقال يحيى القطَّان عن مالك: اجتمع عندي الأوزاعيُّ والثوريُّ وأبو حنيفة ، فقلتُ : أيُّهم أرجح ؟ قال : الأوزاعي . وقال محمد بن عَجْلان : لم أرَ أحداً أنصَحَ للمسلمينَ من الأوزاعي . وقال غيره : ما رُئِيَ الأوزاعيُّ ضاحكاً مقهقِهاً قطّ، ولقد كان يَعِظُ الناس ، فلا يَبقَى أحدٌ في مجلسه إلَّا بَكَى بعينهِ وبقلبِهِ ؛ وما رأيناهُ يَبْكي في مجلسِهِ قطّ، وكان إذا خَلا بكَى حتى يُرْحَم . وقال يحيى بن معين: العلماءُ أربعة: الثوريُّ ، وأبو حنيفة ، ومالك ، والأوزاعي . قال أبو حاتم : كان ثقةٌ مُتَبعاً لما سمِع . قالوا : وكان الأوزاعيُّ لا يَلْحَنُ في كلامِه، وكانت كُتُبُه تَردُ على المنصور فينظرُ فيها ويتأمَّلُها ويتعجّبُ من فصاحتِها وحلاوةِ عباراتِها ؛ وقد قال المنصورُ يوماً لأحْظَى كُتَّابِهِ عندَه - وهو سليمانُ بن مجالد - : ينبغي أنْ نجيبَ الأوزاعيَّ على ذلك دائماً لنستعينَ بكلامِهِ فيما نُكاتبُ به إلى الآفاق إلى منْ لا يعرفُ كلامَ الأوزاعي . فقال : والله يا أميرَ المؤمنين ، لا يَقدِرُ أحدٌ من أهلِ الأرضِ على مثلِ كلامِه ، ولا على شيءٍ منه . وقال الوليد بنُ مسلم : كان الأوزاعي إذا صلَّى الصُّبْح جلس يذكرُ الله سبحانه وتعالى حتى تطلُعَ الشمس ؛ وكان يَأْثِرُ عن السلف ذلك، قال : ثم يقومون فيتذاكرون في اللغةِ والفقهِ والحديث . وقال الأوزاعي : رأيتُ ربَّ العزَّةِ في المنام فقال: أنت تأمرُ بالمعروف وتنهَى عن المنكر ؟ فقال : بفَضْلِكَ أيْ ربّ ؛ ثم قلت : يا ربّ ، أمِتْني على الإسلام . فقال: وعلى السُّنَّة . وقال محمد بن سابور: قال لي شيخٌ بجامعٍ دمشق: أنا ميتٌ في يومٍ كذا وكذا . فلمّا كان في ذلك اليوم رأيتُهُ في صحنِ الجامع يتفلَّى، فقال لي : اذهبْ إلى سريرِ الموتى فأحرِزْهُ لي عندك قبل أن تُسبق إليه . فقلت : ماذا تقول؟ فقال : هو ما أقولُ لك ، وإني رأيتُ كأنَّ قائلاً يقول : فلانٌ قَدَري ، وفلان ٣٦٢ ترجمة الأوزاعي رحمه الله كذا ، وعثمانُ بن أبي العاتكة نعمَ الرجل ، وأبو عمرو الأوزاعي خيرُ منْ يمشي على وجه الأرض ؛ وأنتَ مَيِّتٌ في يوم كذا وكذا . قال محمد بن شُعيب : فما جاء الظهر حتى مات ، وصلَّينا عليه بعدَها ، وأُخرجت جنازتُه . ذكر ذلك ابنُ عساكر(١) . وكان الأوزاعي رحمه الله كثيرَ العبادة ، حسنَ الصلاة ، وَرِعاً ناسِكاً ، طويلَ الصمت ، وكان يقول : مِنْ أطالَ القيامَ في صلاة الليل هَوَّنَ الله عليه طُولَ القيام يوم القيامة . أخذَ ذلك من قولِهِ تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّيْلِ فَأَسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلَا طَوِيلًا (٢َهَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمَا تَّقِيلًا ﴾ [ الإنسان: ٢٦ - ٢٧]. وقال الوليد بن مسلم : ما رأيتُ أحداً أشدَّ اجتهاداً من الأوزاعي في العبادة . وقال غيره : حجَّ فما نامَ على الراحلة ، إنما هو في صلاة ، فإذا نَعَسَ استندَ إلى القَتَب ؛ وكان من شدّة الخشوع كأنه أعمى . ودخلتِ امرأةٌ على امرأةِ الأوزاعي ، فرأتِ الحصيرَ الذي يُصلِّي عليه مبلولًا، فقالت لها : لعلَّ الصبيَّ بال هاهنا . فقالت : هذا أثرُ دموعِ الشيخ من بكائهِ في سجودِهِ هكذا يصبحُ كلَّ يوم . وقال الأوزاعي : عليك بآثارٍ منْ سلَفَ وإنْ رَفَضَكَ الناس ، وإياك وأقوالَ الرجالِ وإنْ زخرفوهُ وحسَّنوه ، فإنَّ الأمر ينجلي وأنت منه على طريقٍ مستقيم . وقال أيضاً : اصْبِرْ على السُّنَّة، وقفْ حيثُ يقفُ القوم، وقل ما قالوا، وكُفَّ عمَّا كُفُوا؛ ولْيُسَعُكَ ما وَسِعَهم . وقال : العلمُ ما جاء عن أصحابِ محمد ، وما لم يجىء عنهم فليس بعلم . وكان يقول : لا يجتمعُ حبُّ عليٍّ وعثمانَ إلَّا في قلبٍ مؤمن . وإذا أراد الله بقومٍ شرّاً فتح عليهم باب الجدَل، وسدَّ عنهم باب العِلم والعمل . قالوا : وكان الأوزاعيُّ من أكرم الناسِ وأسخاهم ، وكان له في بيت المال على الخلفاء إقطاعٌ صار إليه في بني أمية ، وقد وصل إليه من خلفاء بني أمية وأقاربهم وبني العباس نحو سبعين ألف دينار ، فلم يُمسِكْ منها شيئاً ، ولا اقتنى شيئاً من عقارٍ ولا غيرِه ، ولا ترك يومَ ماتَ سوى سبعةِ دنانيرَ كانتْ جهازه ؛ بل كان يُنفق ذلك في سبيل الله وفي الفقراء والمساكين . ولما دخل عبدُ الله بن علي [ عمُّ السفّاح الذي أجلى بني أمية عن الشام ، وأزال الله سبحانه وتعالى دولتهم على يدِهِ }٢) دمشقَ فطلبَ الأوزاعي، فتغيَّب عنه ثلاثةَ أيام ، ثم حضَرَ بين يديه ، قال الأوزاعي : دخلتُ عليه وهو على سرير ، وفي يده خَيْزُرَانة ، والمسوِّدَةُ عن يمينِهِ وشمالِهِ ، معهم السيوفُ مُصْلَنَة ، (١) في تاريخه (١٩٤/٣٥). (٢) ليس ما بين المعقوفين في ( ب، ح)، وهو من ( ق ). ٣٦٣ ترجمة الأوزاعي رحمه الله والعُمد الحديد ، فسلمتُ عليه فلم يَرُدّ ، ونَكَتَ بتلك الخيْزُرَانة التي في يده ثم قال : يا أوزاعي ، ما ترى فيما صنَعْنا من إزالةِ أيدي أولئك الظلمةِ عن العباد والبلاد ؟ أجهاداً ورِباطاً هو ؟ قال : فقلت : أيّها الأمير ، سمعتُ يحيى بن سعيد الأنصاريَّ يقول : سمعتُ محمد بن إبراهيم التيميَّ يقول : سمعتُ علقمةَ بن وقَّاصٍ يقول: سمعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: سمعتُ رسولَ اللهِوَ لَه يقول: ((إنما الأعمالُ بالنَّات ، وإنما لكلِّ امرىءٍ ما نَوَى، فمنْ كانتْ هجرَتُهُ إلى اللهِ ورسولِه ، فهجرتُهُ إلى الله ورسوله ، ومنْ كانتْ هجرتُهُ لِدُنيا يُصيبها، أو امرأةٍ يتزوَّجُها فهجرتُهُ إلى ما هاجَرَ إليه(١). قال: فنكَتَ بالخَيْزُرانةِ أشدَّ مما كان ينكُت ؛ وجعل منْ حَوْلهُ يقبضُونَ أيديَهم على قبضاتِ سُيوفِهم ؛ ثم قال : يا أوزاعيّ ، ما تقولُ في دماء بني أمية. فقلت: قال رسولُ الله ◌ِ له: ((لا يَحِلُّ لمسلم دَمُ امْرىءٍ مسلم إلَّ بإحدى ثلاث: النفسُ بالنفس ، والتَّيِّبُ الزَّاني، والتاركُ لدينه المفارقُ للجماعة)(٢). فنَكَتَ بها أشدَّ من ذلك، ثم قال : ما تقولُ في أموالِهم ؟ فقلت : إنْ كانتْ في أيديهم حراماً فهي عليك أيضاً ؛ وإنْ كانتْ لهم حلاًّ فلا تَحِلُّ لك إلا بطريقٍ شرعي. فنَكَتَ أشدَّ ممَّا كان ينكُتُ قبلَ ذلك ؛ ثم قال : ألا نُوَلِّيك القضاء؟ فقلت : إنَّ أسلافَكَ لم يكونوا يَشُقُّونَ عليَّ في ذلك، وإني أُحِبُّ أن يتمَّ ما ابتدؤوني به من الإحسان . فقال : كأنَّكَ تحبُّ الانصراف. فقلت: إنَّ ورائي حُرَماً ، وهم محتاجونَ إلى القيامِ عليهنَّ وسترِهنّ ، وقلوبُهنَّ مشغولةٌ بسبي. قال: وانتظرتُ رأسي أنْ يسقُطَ بين يدي؛ فأمَرَني بالانصراف، فلما خرجتُ إذا برسولِهِ من ورائي، وإذا معه مئتا دينار ، فقال : يقولُ لك الأمير : استنفِقْ هذه . قال: فتصدَّقْتُ بها . وإنما أخذتُها خوفاً. قال : وكان في تلك الأيام الثلاثة صائماً ، فيقال: إنَّ الأمير لمّا بلغه ذلك عرَضَ عليه الفِطْرَ عندَهُ فأبَى أن يُفطِرَ عندَه . قالوا : ثم رحل الأوزاعيُّ من دمشق ، فنزل بيروتَ مُرابطاً بأهله وأولاده . قال الأوزاعي : وأعجبني في بيروت أنِّي مررتُ بقبورِها ، فإذا امرأة سوداءُ في القبور فقلتُ لها : أين العِمَارةُ يا هَنَتَاهُ(٣) ؟ فقالت : إِنْ أردتَ العِمَارَةَ فهي هذه - وأشارت إلى القبور - وإنْ كنتَ تُريدُ الخرابَ فأمامَك - وأشارت إلى البلد - فعزمتُ على الإقامةِ بها . وقال محمد بن كثير : سمعتُ الأوزاعيَّ يقول : خرجتُ يوماً إلى الصحراء ، فإذا رِجْلُ جراٍ(٤) ، (١) أخرجه البخاري (٣/١) (١)؛ ومسلم (١٥١٥/٣) (١٩٠٧). (٢) أخرجه البخاري (٢٥٢١/٦) (٦٤٨٤)؛ ومسلم (١٣٠٣/٣) (١٦٧٦)؛ وغيرهما . (٣) يا هنتاه: قال الخطابي: معناه يا هذه، يقال للمذكر إذا كُني عنه: هَنٌّ، وللمؤنث هَنَةٌ. وقد ذكر الحُميدي أنَّ معناه البَلْهاء ، فهو نسبةٌ إلى البَلَهِ وقِلَّة المعرفة. غريب الحديث لابن الجوزي (٥٠٢/٢، ٥٠٣). (٤) الرِّجْل: الطائفةُ من الشيء، أنثى؛ وخصَّ بعضُهم بهِ القطعةَ العظيمةَ من الجراد والجمع أرجال ؛ وهو جمعٌ على غير لفظ الواحد . لسان العرب ( رجل ) . ٣٦٤ ترجمة الأوزاعي رحمه الله وإذا شخصٌ راكبٌ على جَرَادةٍ منها وعليه سلاحُ الحديد ، وكلَّما قال بيدِهِ هكذا - إلى جهةٍ - مالَ الجرادُ مع يده وهو يقول : الدنيا باطل باطل باطل ، وما فيها باطل باطل باطل . وقال الأوزاعي : كان عندنا رجلٌ يخرجُ يومَ الجمعةِ إلى الصيد ، ولا ينتظرُ الجمعة ، فخُسف ببغلتِهِ ، فلم يبقَ منها إلا أُذُناها . وخرج الأوزاعيّ(١) يوماً من بابِ مسجدٍ بيروت، وهناك كان فيه رجلٌ يبيعُ النَّاطِف (٢) ، وإلى جانبِهِ رجلٌ يبيع البصل وهو يقول له : يا بصل أحلى من العسل ؛ أو قال : أحلى من الناطف . فقال الأوزاعي : سبحان الله! [ أيظنُّ هذا أنَّ شيئاً من الكذبِ يُباح؟ فكأنَّ هذا ]٣) ما يَرَى في الكذبِ بأساً . وقال الواقدي : قال الأوزاعي : كُنَّا قبل اليوم نضحكُ ونلعب، أمَّا إذْ صِرْنا أئمَّةً يُقتدى بنا فلا نرى أنْ يسعَنا ذلك ، وينبغي أن نتحفّظ . وكتب إلى أخٍ له : أمَّا بعد ، فقد أُحيط بك من كلِّ جانب ، وإنه يُسارُ بك في كلِّ يومٍ وليلة ، فاحذرٍ الله والقيامَ بين يديه ، وأنْ يكون آخرَ العهدِ بك ، والسلام . وقال ابنُ أبي الدنيا٤) : حدّثني محمد بن إدريس، سمعتُ أبا صالحٍ كاتبَ اللَّيث يذكُرُ عن الهِقْل بنِ زياد، عن الأوزاعي أنه وعَظَ فقالَ في موعظته: أيها الناس تقوَّوا بهذه النِّعَم التي أصبحتم فيها على الهرَبِ من نار الله الموقدة ، التي تطَّلِعُ على الأفئدة، فإنَّكم في دارِ الثَّوَاءُ فيها قليل ، وأنتم عمَّا قليل عنها راحلون ، خلائف بعدَ القرون الماضية ، الذين استقبلوا من الدنيا آنَقَها وزهرتَها ، فهم كانوا أطولَ منكم أعماراً، وأمَذَّ أجساماً، وأعظمَ أحلاماً، وأكثرَ أموالًا وأولاداً؛ فخدَّدوا الجبال ، وجابوا الصخرَ بالواد ، وتنقَّلوا في البلاد، مؤيّدينَ ببطشٍ شديد وأجسادٍ كالعماد ، فما لَبِثَتِ الأيامُ والليالي أنْ طوَتْ آثارَهم ، وأخربتْ منازلَهم وديارَهم ، وأَنْسَتْ ذكرَهم ، فـ ﴿ هَلْ تُحِسُ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ﴾ [ مريم: ٩٨]، كانوا بِلَهْوِ الأمل آمنين ، وعن ميقاتِ يومٍ موتِهم غافلين ، فآبوا إيابَ قوم نادمين ، ثم إنكم قد علمتمُ الذي نزَلَ بساحتِهم بياتاً من عقوبة الله ، فأصبح كثيرٌ منهم في ديارِهم جائِمينَ ، وأصبح الباقون المتخلِّفون يُبصرون في نعمةِ الله، وينظرون في آثار نِقْمَتِهِ ، وزوالِ نعمتِهِ عمَّنْ تقدَّمَهم من الهالكين ، ينظرونَ واللهِ في مساكنَ خاليةٍ خاوية ، وقد كانتْ بالعِزِّ مَخْفوفة ، وبالنعم معروفة ، والقلوب إليها (١) من هنا إلى كلمة الأوزاعي في الخبر التالي ساقط من نسخة ( ب ) . (٢) الناطف: القُبَّيْط، لأنه يتنطف قبل استضرابه أي يسيل ويقطرُ قبل خثورته، وهو نوعٌ من الحلواء، يسمَّى القُتَيْطَى إذا أنَّثوه، وإذا ذَّروه قالوا : قُبَّيْط. لسان العرب (نطف ). (٣) ما بين معقوفين زيادة من ( ق ). (٤) في كتابه الشكر ص (١٤) (٣٠). ٣٦٥ ترجمة الأوزاعي رحمه الله مصروفة ، والأعين نحوها ناظرة ، فأصبحتْ آيةً للذين يخافونَ العذابَ الأليم ، وعبرةً لمن يَخْشَى ، وأصبحتُم بعدَهم في أجلٍ مَنْقوص، ودنيا منقوصة ، في زمانٍ قد وَلَّى عَفْوُه، وذهب رجاؤه وخَيْرُهُ وصفؤُه، فلم يبقَ منه إلَّ جُمَّةُ شَرُ(١)، وصُبَابَةُ كَدَر ، وأهاويلُ عِبَر ، وعُقوباتُ غِيَر ، وإرسال فتن ، وتتابع زلازل ، ورذالة خَلَف؛ بهم ظهر الفسادُ في البرِّ والبحر، [ يضيِّقونَ الديار، ويُغلونَ الأسعار ، بما يرتكبونه من العارِ والشَّنَار}(٢)؛ فلا تكونوا أشباهاً لِمَنْ خَدَعَهُ الأمل، وغَرَّهُ(٣) طولُ الأجَل ، ولعبَتْ به الأماني ؛ نسألُ الله أن يجعلَنا وإيَّاكم ممَّنْ إذا دُعي بَدَر، وإذا نُهي انتهى وعَقَل مثواه٤ُ) ، فمهد لنفسه . وقد اجتمع الأوزاعيُّ بالمنصور حين دخل الشام ، ووعَظَهُ وأحبَّهُ المنصور وعظّمه ، ولما أراد الانصرافَ من بين يديه استأذنه في أنْ لا يلبسَ السواد ، فأذِنَ له ، فلما خرج قال المنصور للربيع الحاجب : الْحَقْهُ فاسألُهُ لِمَ كَرِهَ لُبْسَ السواد ؟ ولا تُعلِمْهُ أَنِّي قلتُ لك. فسألَّهُ الربيع، فقال : لأني لم أرَ مُخْرِماً أحرَمَ فيه ، ولا ميتاً كُفِّن فيه ، ولا عروساً جُليَتْ فيه ، فلهذا أكرهُه . وقد كان الأوزاعيُّ في الشام معظّماً مُكَرَّماً ، أمرُهُ أعزُّ عندَهم من أمرِ السلطان ، وقد همَّ به بعضُ الولاةِ مرَّةً ، فقال له أصحابُه : دَعهُ عنك، واللهِ لو أمرَ أهل الشامِ أنْ يقتلوك لقتلوك . ولما مات جلس على قبرِهِ بعضُ الولاة فقال : رحمك الله ، فوالله لقد كنتُ أخافُ منك أكثرَ ممَّا أخافُ من الذي ولَّاني - يعني المنصور . وقال ابنُ أبي العشرين : ما مات الأوزاعيُّ حتى جلسَ وحدَه ، وسمع شَتْمهُ بأذنه . وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : حدّثنا محمد بن عُبيد الطَّنَافسي ، قال : كنتُ جالساً عند الثوري ، فجاءه رجلٌ فقال : رأيتُ كأنَّ ريحانةً من المغرب - يعني قُلعَتْ - قال : إنْ صدقَتْ رؤياك فقد مات الأوزاعي . فكتبوا ذلك ، فجاء موتُ الأوزاعيِّ في ذلك اليوم . وقال أبو مُشْهر : بلَغَنا أنَّ سببَ موتِهِ أنَّ امرأته أغلقَتْ عليه بابَ حمَّام فمات فيه ، ولم تكنْ عامدةً ذلك، فأمَرَها سعيدُ بن عبدِ العزيز بِعثْقِ رقبة . قال: وما خَلَّفَ ذهباً ولا فضَّةً ولا عَقَاراً ، ولا متاعاً ، إلَّ ستةً وثمانين فضَلَتْ من عَطَائِهِ . وكان قد اكتُتِبَ في ديوانِ السَّاحل . (١) في الشكر لابن أبي الدنيا: ((حمة)) بالحاء المهملة، والمثبت من الأصول. والحُمَّة - بالحاء المهملة وتخفيف الميم - : هي الإبرة التي تضرب بها الحية والعقرب والزنبور ونحو ذلك أو تلدغ بها ، وسُمُّ كل شيء يلدغ ويلسع. لسان العرب ( حمم ، جمم ) . ما بين المعقوفين زيادة من ( ق )، ليست في ( ب، ح ) ولا في كتاب الشكر لابن أبي الدنيا. (٢) (٣) في (ق): (( وغَيَّرَهُ))، والمثبت من ( ب، ح) . (٤) كذا في (ق)، وفي كتاب الشكر ((ممن وعى نفسه فانتهى وعقل مسراه))، وفي (ح): ((ممن دعى بدره))، وفي (ب): ((ممن وعى نذره وبلغ انتهى وعقل مثواه)). ٣٦٦ أحداث سنة ١٥٨ هـ وقال غيره : كان الذي أغلَقَ عليه بابَ الحمّام صاحبُ الحمّام ، أغلقَهُ وذهبَ لحاجةٍ له ، ثم جاء ففتح الحمَّام فوجدَهُ ميتاً قد وضع يدَهُ اليُمنَى تحت خدِّه وهو مستقبل القبلة . رحمه الله . قلتُ : لا خلافَ أنه ماتَ ببيروتَ مُرَابطاً ، واختلفوا في سنةٍ وفاتِهِ ، فروى يعقوبُ بن سفيان عن سلمة ، قال : قال أحمد : رأيتُ الأوزاعيَّ وتوفي سنةَ خمسين ومئة . قال العباس بن الوليد البيروتي : تُوفي يومَ الأحد أول النهار لليلتين بقيتا من صفر سنة سبع وخمسين ومئة ، وهو الذي عليه الجمهور ، وهو الصحيح ، وهو قولُ أبي مُسهر ، وهشام بن عمار ، والوليد بن مسلم - في أصحِّ الرواياتِ عنه - ويحيى بن معين ، ودُحَيم ، وخليفة بن خياط ، وأبي عبيد ، وسعيد بن عبد العزيز ، وغير واحد . قال العباس بن الوليد : ولم يبلغ سبعين سنة . وقال غيره : جاوز السبعين . والصحيح سبع وستون سنة ، لأنَّ ميلادَهُ في سنةِ ثمانٍ وثمانين على الصحيح . وقيل : إنه ولد سنة ثلاثٍ وسبعين . وهذا ضعيف . وقد رآه بعضُهم في المنام فقال له : دُلَّني على عملٍ يُقرِّبُني إلى الله . فقال: ما رأيتُ في الجنةِ درجةً أعلى من درجةِ العلماء العاملين ثم المحزونين . ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومئة فيها تكامل بناء قصرِ المنصور المسمَّى بالخُلْد ، وسكنَهُ أياماً يسيرَة ثم مات وتركَه . وفيها مات طاغيةُ الروم . وفيها وجَّه المنصور ابنَهُ المهديَّ إلى الرقة ، وأمرَهُ بعَزْل موسى بن كعب عن الموصل ، وأن يُولِّيَ عليها خالد بن بَرْمَك ، وكان ذلك بعد نُكْتَةٍ غريبةٍ اتفقتْ ليحيى بن خالد ، وذلك أنَّ المنصور كان قد غَضِبَ على خالد بن بَرْمَك، وألزَمَهُ بِحَمْلِ ثلاثةِ آلاف ألف ، فضاق ذَرْعاً بذلك ، ولم يبقَ له مالٌ ولا حال ، وعجَزَ عن أكثرٍ ما طلَبَهُ منه، وقد أجَّلَهُ ثلاثةَ أيام ، وأن يحمل ذلك في هذه الثلاثة أيام وإلَّ فدَمُهُ هَدَر. فجعل يُرسِلُ ابنَهُ يحيى إلى أصحابِهِ من الأمراء يستقرضُ منهم ، فكان منهم مَنْ أعطاهُ مئةَ ألف ، ومنهم أقلَّ وأكثر . قال يحيى بن خالد : فبينا أنا ذاتَ يومٍ من تلك الأيام الثلاثة على جسرٍ بغداد وأنا مَهْمُومٌ في تحصيلِ ما طُلب منَّا مِمَّا لا طاقةَ لنا به إذْ وثَبَ إليّ زاجرٌ من أولئك الذين يكونون عند الجسر ، من الطُّرُفِيَّة ، فقال لي : أبشِرْ. فلم ألتفِتْ إليه، فتقدم حتى أخذ بلجام فرسي ثم قال لي : أنت مَهْمومٍ ، لَيُفَرَّجَنَّ الله هَمَّك، ولَتَمُرَّنَّ غداً في هذا الموضع واللواءُ بين يديك، فَإنْ كان ما قلتُ لكَ حقّاً فلي عليك خمسةُ آلاف . فقلت : نعم ، ولو قال خمسون ألفاً لقلتُ نعم ، لِيُعْدِ ذلك عندي ، وذهبت الشأني ، وقد بقي علينا من الحمل ثلاثُ مئة ألف، فوَرَدَ الخَبَرُ إلى المنصور بانتقاضِ المَوصِل ، وانتشارِ الأكرادِ فيها ، فاستشار المنصورُ الأمراءَ مَنْ يصلحُ للمَوْصل ؟ فأشار بعضُهم بخالد بن بَرْمَك ، فقال له المنصور : أوَ يَصْلُحُ لذلك بعد ما فعَلْنا به؟ فقال: نعم، وأنا الضَّامِنُ أنه يصلُحُ لها . فأمر بإحضارِهِ ، ٣٦٧ ترجمة المنصور فولاهُ إياها ، ووضَعَ عنه بقيَّةً ما كان عليه، وعقَدَ له اللِّوَاء ، ووَلَّى ابنَهُ يحيى أذْرَبِيجان، وخرج الناسُ في خدمتِهما . قال يحيى : فمرَرْنا بالجِسْر ، فثار لي ذلك الزاجِرُ فطالَبَني بما وعدتُهُ بِهِ ، فأمَرْتُ له به ، فقَبَضَ خمسةَ آلاف . وفي هذه السنة خرج المنصور إلى الحج ، فساق الهَدْيَ معه ، فلما جاوز الكوفةَ بمرَاحِل أخذَهُ وجَعُهُ الذي ماتَ به ، وكان عنده سوءُ مِزَاج، فاشتدَّ عليه من شدَّةِ الحَرِّ وركوبِهِ في الهواجِر، وأخَذَهُ إسهال ، وأفرَطَ به ، فقَوِيَ مرضهُ ، ودخل مكةَ فتُوفِّي بها ليلةَ السبت، لِسِتِّ مَضَيْنَ من ذي الحِجَّة، وصُلَِّ عليه ، ودُفن بكَدَاء عندَ ثَنِيَّةِ بابِ الْمَعْلَاةِ التي بأعلى مكة ، وكان عُمُرهُ يومئذٍ ثلاثاً - وقيل أربعاً وقيل خمساً - وستين ، وقيل : إنه بلغ ثمانياً وستين ، والله أعلم . وقد كتَمَ الربيعُ الحاجبُ موتَهُ حتى أخذَ البيعة للمَهْدِيِّ من القُوَّاد ورؤوس بني هاشم ، ثم دُفن . وكان الذي صلَّى عليه إبراهيمُ بن يحيى بن محمد بن علي ، وهو الذي أقام للناسِ الحجَّ في هذه السنة . (١) وهذه ترجمة المنصور هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم ، أبو جعفر المنصور ، وكان أكبرَ من أخيه أبي العباس السفّاح ، وأمُّه أم ولد ، اسمها سلامة . وروى عن جدِّه عن ابن عباس ، أنَّ رسول الله وَ لهكان يتختَّم في يمينه. أورده ابن عساكر(٢) من طريق محمد بن إبراهيم السلمي عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن أبيه المنصور به . بُويع له بالخلافة بعد أخيه في ذي الحِجَّة سنةَ ستٍّ وثلاثين ومئة ، وعمره يومئذٍ إحدى وأربعون سنة ، لأنه وُلد سنةَ خمسٍ وتسعين على المشهور في صفر منها بالحُمَيْمَة من بلادِ البَلْقَاء ، وكانت خلافتُهُ ثنَتَيّن وعشرين سنة إلَّ أياماً، وكان أسمر اللَّون، موفََّ اللِّمَّةِ، خفيفَ اللَّحْيَة، رَحْبَ الجَبْهَةِ، أَقْنَى الأنف، بَيِّنَ القَنَا، أَعْيَن ، كأنَّ عينَيْهِ لسانانِ ناطقان، يخالطه أُبَّهَةُ الملك(٣)، وتقبله القلوب ، وتتبعه العيون ، يعرفُ الشرف في مواضِعِه(٤)، والعِتْق في صورته ، والليث في مشيته . هكذا وصفه بعضُ مَنْ رآه(٥) . (١) ترجمته في طبقات المحدثين بأصبهان (٤٣٥/١)، تاريخ بغداد (٦٢/١)، تاريخ ابن عساكر (٢٩٨/٣٢)، تهذيب الأسماء للنووي (٤٩٠/٢)، المقتنى في سرد الكنى للذهبي (٣٤٢/١)، نزهة الألباب لابن حجر ( ٢٠٢/٢، ٢٩٢). تاريخ ابن عساكر (٢٩٩/٣٢). (٢) في تاريخ ابن عساكر ((أبهة الملوك)). (٣) في تاريخ ابن عساكر (« تواضعه)). (٤) تاريخ ابن عساكر ( ٣٠١/٣٢) . (٥) ٣٦٨ ترجمة المنصور وقد صحَّ عن ابن عباس أنه قال: منَّا السفّاح والمنصور . وفي رواية : حتى نسلمَها إلى عيسى ابن مريم . وقد رُوي مرفوعاً ولا يَصِحّ ، ولا وَقْفُهُ أيضاً . وذكر الخطيبُ أنَّ أُمَّهُ سلامة قالتْ : رأيتُ حين حملتُ به كأنه خرجَ مني أسَد ، فزَأرَ واقفاً على يدَيْهِ ، فما بقي أسدٌ حتى جاء فسجَدَ له . وقد رأى المنصورُ في صغره مناماً غريباً ، كان يقول : ينبغي أنْ يُكتَبَ في ألواحِ الذهب، ويُعلَّق في أعناقِ الصبيان، فقال : رأيتُ كأنِّي في المسجد الحرام، وإذا رسول الله وَّر في الكعبة والناسُ مجتمعون حولَها ، فخرج من عندِهِ منادٍ أين عبدُ الله ؟ فقام أخي السفَّاعُ يتخطَّى الرجالَ حتى جاء بابَ الكعبة ، فأخذ بيده، فأدخلَهُ إيَّها ، فما لبِثَ أنْ خرجَ ومعه لواء أسود ، ثم نودي أين عبد الله ؟ فقمت أنا وعمي عبد الله بن علي نستبق، فسبقته إلى باب الكعبةِ فدخلتُها، فإذا رسولُ الله ◌ِّهِ وأبو بكر وعمر وبلال، فعقَدَ لي لواءً وأوْصَاني بأُمَّتِهِ وعَمَّمَني عِمَامةً كُورُها ثلاثةٌ وعشرون كُوراً، وقال: (( خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة (١) . وقد اتَّقَ سجنُ المنصور في أيام بني أمية ، فاجتمع به نوبَخْتُ المنجِّم ، وتوسَّمَ فيه الرِّيَاسة فقال له : مِمَّنْ تكون ؟ فقال : من بني العباس . فلمَّا عرف منه نسَبَه وكنيتَه قال: أنتَ الخليفةُ الذي تلي الأرض . فقال له : وَيْحَك ! ماذا تقول؟ فقال: هو ما أقولُ لك، فضَعْ لي خطَّك في هذه الرُقْعةِ أنْ تُعطيَني شيئاً إذا وَلِيت . فكتب له ، فلمّا ولي المنصور أعطاه ، وأسلم نوبختُ على يديه ، وكان قبلَ ذلك مَجُوسيّاً ، ثم كان من أخصِّ أصحابِ المنصور . وقد حجَّ المنصورُ بالناس سنةَ أربعين ومئة ، وأحرَمَ من الحِيرَة . وفي سنةٍ أربعٍ وأربعين ، وفي سنة سبعٍ وأربعين ، وفي سنةٍ ثُنتَيْنٍ وخمسين ، ثم في هذه السنةِ التي ماتَ فيها . وبَنَى بغدادَ والرُّصَافة، والرَّافِقَة ، وقصرَهُ الخُلْد . قال الربيعُ بن يونس الحاجب : سمعتُ المنصور يقول : الخلفاءُ أربعة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي. والملوكُ أربعة: معاوية، وعبدُالملك بن مروان، وهشامُ بن عبد الملك، وأنا٢) . وقال مالك : قال لي المنصور : مَنْ أفضَلُ الناسِ بعدَ رسولِ الله ◌ِّهِ؟ فقلت: أبو بكر ، وعمر. فقال : أصبت . وذلك رأيُ أميرِ المؤمنين . وعن إسماعيل الفِهْري قال : سمعتُ المنصور على مِنبر عرَفَة يوم عَرَفةَ يقول : أيها الناس ، إنمَّا أنا سلطانُ الله في أرضِه ، أسوسُكم بتوفيقِهِ ورُشْدِه ، وخازنُهُ على مالِه ، أقسِمُه بإرادته وأُعطيه (٣) بإذنه ، وقد (١) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٦٤/١، ٦٥)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (٣٠٥/٣٢ ، ٣٠٦ ) . (٢) تاريخ ابن عساكر (٣٠٩/٣٢). (٣) في الأصل: وأعطيتُه، وفي بعض النسخ: وأُعطيه بإذنه. ٣٦٩ ترجمة المنصور جعلني الله عليه قُفْلاً ، فإنْ شاء أن يفتحَني لأُعطياتِكُمْ وقَسْم أرزاقِكم فتَحَني ، وإذا شاء أن يقفِلَني قفلني فارغبوا إلى الله أيها الناس ، وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وَهبَكم فيه من فضلِه ما أعلمكم به في كتابهِ إذ يقول: ﴿اَلْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [ المائدة: ٣]، أنْ يُوفَّقَني للصواب ، ويُسَدِّدَني للرّشاد، ويُلْهِمَني الرأفةَ بكم، والإحسان إليكم ، ويفتحَني لأَعطياتِكم ، وقسم أرزاقكم بالعَدْلِ عليكم ، فإنه سميعٌ مُجِيبٍ(١) وقد خطب يوماً فاعترضَهُ رجلٌ وهو يُثني على اللهِ عزَّ وجلَّ فقال: يا أمير المؤمنين ، اذكُرْ مَنْ أنتَ ذاكرهُ، واتَّقِ الله فيما تأتيهِ وتذَره . فسكتَ المنصورُ حتى انتهى كلامُ الرجل ، فقال : أعوذُ بالله أنْ أكونَ مِمَّنْ قال الله عزَّ وجلَّ فيه ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّهُ بِآلْإِثْرِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، أو أنْ أكونَ جَبَّاراً عَصِيّاً ، أيها الناس ، إنَّ الموعظةَ علينا نزلَتْ ، ومن عندِنا نبتَتْ . ثم قال للرجل : ما أظنُّكَ في مقالتكَ هذه تريدُ وجهَ الله ، وإنما أردتَ أنْ يُقالَ عنك: وَعَظَ أميرَ المؤمنين. أيُّها الناس، لا يغرَّنَّكم هذا، فتفعلوا كفعلِه . ثم أمَرَ به فاحتفِظَ به وعاد إلى خُطبِهِ فأكملَها، ثم قال لِمَنْ هو عندَه : اعرِضْ عليه الدنيا ، فإنْ قبِلَها فأعلِمْني، وإن رَدَّها فأعلِمني . فما زال الرجلُ الذي عنده حتى أخذَ المالَ ومالَ إلى الدنيا ، فولَاهُ الحِسْبَةَ والمظالم، وأدخلَهُ على الخليفة في بِزَّةٍ حسنَةَ ، وثيابٍ وشارةٍ وهيئةٍ دُنيويَّة ، فقال له الخليفة: ويحك! لو كنتَ مُحِقّاً مُريداً وجهَ اللهِ بما قلتَ على رؤوس الناس لَمَا قَبِلْتَ شيئاً مِمّا أرى، ولكنْ أردتَ أنْ يُقالَ عنك : إنَّكَ وعظتَ أميرَ المؤمنين، وخرجتَ عليه. ثم أمَرَ بِهِ فضُرِبَت عُنقُه . وقد قال المنصور لابنه الْمَهْدي : إنَّ الخليفةَ لا يُصِلحُه إلَّ التقوى، والسلطانُ لا يُصِلحهُ إلَّ الطاعة، والرعيَّةُ لا يُصلِحُها إلَّ العَدْل، وأولى الناسِ بالعَفْوِ أَقَدَرُهم على العُقوبة ، وأنقَصُ الناسِ عقلاً مَنْ ظَلَمَ مَنْ دونَه . وقال أيضاً : يا بُني ، استدِمِ النعمةَ بالشُّكر ، والقُدرةَ بالعَفْو ، والطاعةَ بالتأليف ، والنصرَ بالتواضُعِ والرحمةِ للناس ، ولا تنسَ نصيبَكَ من الدنيا ، ونصيبَكَ من رحمةِ الله . وحضَرَ عندَهُ مباركُ بن فَضَالةَ يوماً وقد أمَرَ برجلٍ أنْ يُضربَ عُنقُه، وأحضرَ النُّطْعُ والسيف ، فقال له مبارك : سمعتُ الحسين يقول: قال رسول الله وَله: ((إذا كان يومَ القيامةِ نادَى منادٍ: لِيَقُمْ مَنْ كان أجرُهُ على الله . فلا يقوم إلَّ مَنْ عَفَا)). فأمَرَ بالعَفْوِ عن ذلك الرجل. ثم أخَذَ يُعَدِّدُ على جُلسائه عظيمَ جرائمٍ ذلك الرجل ، وما صنَعَه . وقال الأصمعي : أُتي المنصورُ برجلٍ ليعاقِبَه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، الانتقامُ عَدْل ، والعَفْوُ فَضْل، ونُعِيذُ أميرَ المؤمنين بالله أنْ يَرْضَى لنفسِهِ بأوْكَسِ النَّصِيبَيْن، وأدْنَى القِسْمَيْن ، دون أرفعِ الدرجتَيَّن . قال : فعَفَا عنه . (١) تاريخ ابن عساكر (٣١٠/٣٢، ٣١١). ٣٧٠ ترجمة المنصور وقال الأصمعي : قال المنصورُ لرجلٍ من أهلِ الشام : احْمَدِ اللّهَ يا أعرابي الذي دفع عنكم الطاعونَ بولايتنا . فقال: إنَّ الله لا يَجْمَعُ علينا حَشَفاً وسُوءَ كَيْلُ(١) ؛ ولايتكم والطاعون. والحكاياتُ في ذكرٍ حِلْمِهِ وعفوِهِ كثيرةٌ جدّاً. ودخل بعضُ الزُّهَّاد إلى المنصور فقال: إنَّ اللهَ أعطاكَ الدنيا بأسرِها ، فاشترِ نفسَكَ ببعضِها، واذكُرْ ليلة تبيتُ في القبر لم تَبِتْ قبلَها ، ليلةً تَمْخَضُ عن يومٍ لا ليلةَ بعدَه . قال : فأفحَمَ المنصورَ قولُه، وأمَرَ له بمال ، فقال : لو احتجتُ إلى مالك لما وعَظْتُك . ودخل عمرو بن عُبيد القدَرِيُّ على المنصور، فأكرَمَهُ وعظَّمَهُ وقرَّبَه ، وسأله عن أهلِهِ وعِيَالِه ، ثم قال له : عِظْنِي. فقرأ عليه سورةَ الفَجْر ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاُلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]. فبكى المنصورُ بُكاءً شديداً ، حتى كأنَّهُ لم يسمَعْ بِهذه الآياتِ من قبل ، ثم قال له : زِدْنِي . فقال : إنَّ الله قد أعطاكَ الدنيا بأسرِها فاشترٍ نفسَكَ ببعضِها . وإنَّ هذا الأمرَ كان لِمَنْ قبلَكَ ثم صار إليك، ثم هو صائرٌ لِمَنْ بعدَك، واذكُرْ ليلةً تُسْفِرُ عن يوم القيامة . فبكى المنصورُ أشدَّ من بُكائه الأول ، حتى اختلفَت أجفانُه(٢) ؛ فقال له سليمان بن مجالد : رِفْقاً بأميرِ المؤمنين . فقال عمرو : وماذا على أميرِ المؤمنين أنْ يبكيَ من خشيةِ الله عزَّ وجلّ ؟! ثم أمر له المنصور بعشرة آلاف درهم ، فقال : لا حاجةَ لي فيها . فقال المنصور : والله لتأخذَنَّها . فقال: واللهِ لا أَخَذْتُها . فقال له المهدي وهو جالسٌ في سوادِه وسيفِه إلى جانبِ أبيه : أيحلفُ أميرُ المؤمنين وتحِلفُ أنت ؟ فالتفت إلى المنصور فقال : ومَنْ هذا؟ فقال: هذا ابني محمد الْمَهْدِي، ولميُّ العَهْدِ من بعدي . فقال عمرو إنَّك سَمَّيتَهُ اسماً لم يستحقَّه بعملِهِ هذا، وألبستَهُ لَبُوساً ما هو لَبُوسُ الأبرار ، ولقد مهدتَ له أمراً أمتَعُ ما يكونُ به أشغَلُ ما يكونُ عنه . ثم التفتَ إلى المهديِّ فقال : يا ابنَ أخي ، إذا حلَفَ أبوكَ وحَلَفَ عَمُّك فلأَنْ يَحْنَثَ أبوكَ أيْسَرُ من أن يَحنث عمُّك، لأنَّ أباك أقدَرُ على الكفَّارَةِ من عمِّك . ثم قال المنصور : يا أبا عثمان هل مِنْ حاجة ؟ قال : نعم . قال : وما هي ؟ قال : لا تبعَثْ إليَّ حتى آتِيكَ ، ولا تعطِني حتى أسألَك. فقال المنصور: إذاً والله لا نلتقي. فقال عمرو: عن حاجتي سألتَني. فودَّعَهُ وانصرف . فلمّا وَلَّى أمَدَّهُ بصَرَهُ وهو يقول : (١) قال أبو عبيد: من أمثالهم: أحَشَفاً وسُوءَ كَيْل! قال أبو بكر: يُقال: كِلْتُ الشيءَ أَكِيلُهُ كَيْلاً، وأوفاني كيلة حَسَنة. ومن أمثالهم أحشَفاً وسوءَ كِيْلَة ! هكذا أتى المثل كِيْلة لا كَيْل . فصل المقال في شرح كتاب الأمثال ص (٣٧٤) . وفي مجمع الأمثال (١ /٢٠٧): الكِيلَةُ فِعْلَة من الكَيْلِ ، وهي تدلُّ على الهيئة والحالة ، نحو الركبة والجِلْسة ، والحَشَفُ أردَاً التمر ، أيْ أتجمعُ حشَفَاً وسُوءَ كَيْل؟ يُضرَبُ لِمَنْ يَجْمَعُ بين خصلتَيْنِ مكروهتين . وفي جمهرة الأمثال (١٠١/١) ونصبوا حَشَفاً بفعلٍ مضمر يريدون : أتجمع حشفاً؟ وعطفوا الكِيلَةَ عليه. (٢). كذا في (ق) وفي (ب): ((اختلف جنباه))، وفي (ح): ((احتلف جفناه))، ولعل الصواب ((احتفلت أجفانه )) ، بالحاء المهملة ، أي امتلأت بالدموع . ٣٧١ ترجمة المنصور كلُّكمْ يمشي رُوَيْدْ كُلُّكُم يَطْلُبُ صَيْدْ غيرَ عَمْرِو بِنِ عُبَيْد ويقال : إنَّ عمرو بن عبيد أنشد المنصورَ قصيدةً في موعظتِهِ إياه وهي قوله : يا أيهذا الذي قد غَرَّهُ الأمَلُ ودُونَ ما يأمُلُ التنغيصُ والأجَلُ كمَنْزِلِ الرَّكْبِ حَلُّوا ثُمَّتَ ارتحلوا ألا تَرَى أنَّما الدنيا وزينتها حُوفُها رَصَدٌ وعَيشُها نَكَدٌ تَظَلُّ تُفْزِعُ بالرَّوعاتِ ساكنَها وصَفؤُهُا كَدَرٌّ ومُلْكُها دُوَلُ فما يَسُوغُ له لِينٌ ولا جَدَلُ تظلُّ فيه بناتُ الدَّهْر تَنْتَضِلُ(١) كأنَّهُ للمنَايا والرَّدَى غَرَضٌ منها المصيبُ ومنها المخطىءُ الزَّلِلُ تُدِيرُهُ ما أدارَتْهُ(٢) دوائرها وكلُّ عَثْرَةِ رِجلٍ عندَها جَلَلُ والقبرُ وارثُ ما يَسْعَى له الرجل(٣) والنفسُ هاربةٌ والموتُ يطلبُها والمرءُ يسعى بما يسعى لوارِثِهِ وقال ابن دُريد عن الرِّياشي ، عن محمد بن سلام ، قال : رأتْ جاريةٌ للمنصور ثوبَهُ مرقوعاً ، فقالتْ : خليفةٌ وقميصُهُ مَرْقوع! فقال : ويحك ! أمَا سمعتِ ما قاله ابنُ هَرْمَة : خَلَقٌ وبعضُ قميصِهِ مَرْقوعُ قد يُدرِكُ الشرفَ الفتى ورداؤه ومن (٤) شعرِهِ لَمَّا عزَمَ على قتلِ أبي مسلم : فإنَّ فسادَ الرأيِ أنْ يترَدَّدا إذا كنتَ ذا رأيٍ فَكُنْ ذا عَزِيْمَةٍ وبادِرْهُمُ أنْ يَمْلِكوا مثلَها غَد٥ُ) ولا تُمْهِلِ الأعداءَ يوماً لِغَدْرَةٍ (١) في ( ب، ق): تنتقل، وفي (ح): تنتفل، والمثبت من المدهش لابن الجوزي ص (١٩٤). (٢) في (ق): ((تديره ما تجور به دوائرها))، وهو خطأ، وفي (ب): ((أردته))، وفي (ح): ((أرادته))، والمثبت من تاريخ بغداد والمدهش . الأبيات بتمامها في تاريخ بغداد (١٦٦/١٢)، والمنتظم لابن الجوزي (٥٨/٨، ٥٩)، وفي المدهش (٣) ص (١٩٤) ما عدا البيت السادس . في نسخة ( ق) كرّر الناسخ الخبر الذي مضى في الصفحة السابقة الذي يبتدىء بقوله: (( ودخل بعض الزهاد )). (٤) وليس هذا التكرار في ( ب ، ح ) . (٥) البيت الأول في جمهرة الأمثال (٢/ ٥٠)، وهما في الحلة السيراء (٣٤/١)، والمنتظم (١٠/٨)، وتاريخ الخلفاء ص ( ٢٦٨)، وبعده في المستطرف (١ / ١٦٧) منسوباً إلى علي رضي الله عنه: وإن كنت ذا عزمٍ فأنفِذْهُ عاجلاً فإنَّ فسادَ العَزْمِ أن يتقيَّدا . وروايتهم (( بقدرة )) بدل (( بغدرة )) . ٣٧٢ ترجمة المنصور ولما قتله ورآه طَريحاً بين يديه قال : جَلَبْنَ عليك مَحْتوم الحِمَام قد اكتنفَتْك خَلَّتٌ ثلاثٌ وقَوْدُكَ للجماهيرِ العِظَامِ خِلافُكَ وامتناعُكَ من يَمِيني ومن شعره أيضاً : ـش وطولُ عُمْرٍ قد يَضُرُّه المرءُ يأمُلُ أنْ يَعِيـ ـقى بعدَ حُلْوِ العيشِ مُرُّهْ تَبْلَی بشاشَتُهُ ويَبْ سَتَّى لا يَرَى شيئاً يَسُرُّهْ وتَخُونُهُ الأيامُ حَتْـ كم شامِتٍ بي إنْ هَلَكْ ـتُ وقائلٍ للهِ دَرُ(١) قالوا : وكان المنصور في أول النهار يتصدَّى للأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر ، والولايات والعزل ، والنظر في مصالح العامَّة ، فإذا صلى الظهر دخل منْزِلَهُ واستراح إلى العصر ، فإذا صلاًّها جلس الأهلِ بيتِه ، ونظرَ في مصالحِهِم الخاصَّة ، فإذا صلَّى العِشاء نظر في الكتب والرسائل الواردَةِ من الآفاق ، وجلس عندَهُ مَنْ يُسَامِرُهُ إلى ثلثِ الليل. ثم يقومُ إلى أهله ، فينامُ في فراشِهِ إلى الثُّلُثِ الآخِرِ ، فيقومُ إلى وضوئه وصلاتِهِ حتى يتفجر الصباح ، ثم يخرجُ فيُصَلِّي بالناس ، ثم يدخلُ فيجِلسُ في إيوانِهِ . وقد وَلَّى بعضَ العُمَّال على بلد، فبلَغَهُ أنه قد تصدَّى للصَّيد، وأعَدَّ لذلك كِلاباً وبُزَاةً ، فكتب إليه : ثَكِلَتْكَ أمُّك وعشيرتُك، وَيْحك! إنا إنما استكفيناكَ واستعمَلْناك على أمورِ المسلمين ، ولم نستكفِكَ أمورَ الوحوش في البَراري ، فسَلِّمْ ما تَلِي من عَمَلِنا إلى فلان ، والْحَقْ بأهلك مَلُوماً مَدْحوراً . وأُتِي يوماً بخارجيّ قد هزَمَ جيوشَ المنصور غيرَ مرَّة ، فلمّا وقف بين يدَيْهِ قال له المنصور : وَيُحَك يا بن الفاعلة، مِثْلُكَ يَهْزِمُ الجيوش ! فقال الخارجي: وَيْلَك! سوأةً لك، بيني وبينك أمسِ السيفُ والقتل واليومَ القَذْفُ والسبّ، وما يؤمنكَ أنْ أرُدَّ عليكَ وقد يئستُ من الحياة فما أستقبلُها أبداً. قال : فاستَحى منه المنصورُ وأطلقَه ، فما رأى له وجهاً إلى الحَوْل . وقال لابنِهِ لَمَّا ولَهُ العَهْدَ: يا بُنَيّ، ائتدِم النعمةَ بالشُّكر، والقُدْرةَ بالعَفْو، والنصرَ بالتواضُع، والتأَلُّفَ بالطاعة . ولا تنسَ نَصِيبَك من الدنيا ، ونَصيبَكَ من رحمةِ الله . وقال أيضاً : يا بُنَيّ ، ليس العاقلُ مَنْ يحتالُ للأمرِ الذي وقَعَ فيه حتى يخرُجَ منه ، ولكنِ العاقلُ الذي يحتالُ للأمرِ الذي غَشِيَهُ حتى لا يقعَ فيه . وقال المنصور : يا بُني ، لا تجلسْ مجلساً إلَّ وعندَكَ من أهلِ (١) الأبيات في تاريخ بغداد (٦٠/١٠). ٣٧٣ ترجمة المنصور العِلْمُ(١) مَنْ يُحَدِّثُك، فإنَّ الزُّهْريَّ قال: علمُ الحديثِ ذَكَرٌ لا يُحِبُّه إلا ذُكْرانُ الرجال، ولا يكرَهُهُ إلَّ مؤنَّئوهم . وصدَقَ أخو زُهْرَة . وقد كان المنصورُ في شيبتِهِ يطلبُ العلمَ من مظانِّه ، والحديثَ والفقه ، فنال جانباً جيداً وطرفاً صالحاً ، وقد قيل له يوماً : يا أميرَ المؤمنين ، هل بقي شيءٌ من اللذَّاتِ لم تَلْهُ؟ قال: شيءٌ واحد . قالوا : وما هو ؟ قال : قول المحدِّث للشيخ: مَنْ ذكرتَ رحمك الله . فاجتمع وزراؤه وكتّابه وجلسوا حولَهُ وقالوا : لِيُمْلِ علينا أميرُ المؤمنينَ شيئاً من الحديث . فقال: لَسْتُم بِهم، إنما هُمْ الدَّنِسَةُ ثيابُهم ، المشقّقةُ أرجلُهم ، الطويلةُ شعورُهم ، رُؤَادُ الآفاق ، وقُطَّاع المسافات ، تارةً بالعِراق ، وتارةً بالحِجَاز ، وتارةً بالشام ، وتارةً باليمن ، فهؤلاءِ نَقَلَةُ الحديث . وقال يوماً لابنه المهدي : كم عندَكَ من دائّة ؟ فقال : لا أدري . فقال : هذا هو التقصير ، فأنتَ لأمرٍ الخلافةِ أشدُّ تضييعاً ، فاتق الله يا بُني . وقالتْ خالصةُ إحدى حَظِيَّاتِ المهدي : دخلتُ يوماً على المنصور وهو يشتكي ضِرْسَه ، ويداهُ على صُدْغَيْهِ ، فقال لي : كم عندكِ من المال يا خالصة ؟ فقلت : ألفُ دِرهم . فقال : ضَعِ يدَكِ على رأسي واحلِفِي . فقلتُ : عندي عشرةُ آلافِ دينار . قال : اذهبي فاحمليها إليّ . قالت : فذهبتُ حتى دخلتُ على سيِّدي المهدي وهو مع زوجتِهِ الخَيْزُرَان ، فشكَوْتُ ذلك إليه ، فوكزَنِي برجلِهِ وقال : وَيْحَك ! إنه ليس بِهِ وَجَع، ولكنِّي سألتُه بالأمس مالا فتمارض، وإنَّه لا يسَعُكِ إلا ما أمَرَكِ به . فذهبَتْ إليه خالصةُ ومعها عشرة آلاف دينار ، فاستدعَى بالمهدي ، فقال له : تشكو الحاجةَ وهذا كلُّه عند خالصة ؟ ! وقال المنصور لخازِنِهِ : إذا علمتَ بِمَجِيء المهدي فأتِنِي بِخُلْقَان الثياب قبلَ أنْ يجيء . فجاء بها فوضعَها بين يديه ، ودخل المهدي والمنصور يُقَلِّبُها، فجعلَ المهديُّ يضحك(٢)، فقال: يا بُني، مَنْ ليس لَهُ خَلَقٌ ليس له جديد ، وقد حَضَر الشتاء ، فنحتاج نُعِين العيالَ والولد . فقال المهدي : عليَّ كسوةٌ أمير المؤمنين وعيالهِ . فقال : دونك فافعَلْ . وذكر ابنُ جرير(٣) عن الهيثم ، أنَّ المنصور أطلَقَ في يوم واحد لبعضِ أعمامِهِ ألفَ ألفِ درهم ، وفي هذا اليوم فرَّق في بيته عشرةَ آلاف درهم ، ولا يُعلم خليفةٌ فرَّق مثلَ هذا في يوم واحد . وقرأ بعضُ القرَّاء عند المنصور ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]. فقال: والله لولا أنَّ المالَ (١) في (ق): ((من أهل الحديث))، والمثبت من ( ب، ح ) . (٢) في (ح): ((فجعل المنصور يضحك))، والمثبت من ( ب، ق ). (٣) يعني الطبري في تاريخه (٤/ ٥٣٢). ٣٧٤ ترجمة المنصور حِصْنٌ للسُّلطان، ودِعَامَةٌ للدِّين والدُّنيا وعِزّهما ما بِتُّ ليلةً واحدةً وأنا أخزُن١ُ) منه ديناراً ولا درهماً، لِمَا أجِدُ لِبَذْلِ المالِ من اللذَّة ، ولِمَا أعلمُ في إعطائه من جزيلِ المثوبة . وقرأ عنده قارىءٌ آخر ﴿ وَلَا تَّجْعَلْ يَدَلَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، الآية فقال : ما أحسَنَ ما أدَّبَنَا رَبُّنا عزَّ وجلّ !. وقال المنصور : سمعتُ عليَّ بنَ عبدِ الله يقول : سادةُ أهلِ الدنيا الأسخياء ، وسادةُ أهلِ الآخرةِ الأتقياء . ولما عزَمَ المنصورُ على الحج هذه السنة - أعني سنة ثمان وخمسين ومئة - دعا ولدَهُ المهديَّ فأوصاهُ في خاصَّةِ نفسِه، وبأهلِ بيتِهِ ، وبسائرِ المسلمين خيراً ، وعلَّمه كيف يفعلُ الأشياء ، وتُسَدُّ الثغور ، وأوصاه بوصايا يطولُ بَسْطُها . وحَرَّجَ عليه أنْ لا يفتَحَ شيئاً من خزائنِ المسلمينَ حتى يتحقَّق وفاتَه ، فإنَّ بِها من الأموالِ ما يكفي المسلمين لو لم يُجْبَ إليهم من الخراجِ درهمٌ عشرَ سنين . وعهد إليه أن يقضيَ ما عليه من الدَّين وهو ثلاثمئة ألف دينار ، فإنه لم يرَ قضاءَها من بيتِ المال . فامتثل المهديُّ ذلك كلَّه . وأحرم المنصورُ بِحٍَّ وعُمرة من الرُّصافة ، وساقَ بَدَنَةً وقال : يا بُني إني وُلدت في ذي الحِجَّة ، وقد وقع لي أنْ أموتَ في ذي الحِجَّة، وهذا الذي حَدَا بي (٢) على الحجِّ عامي هذا. وودَّعَهُ وسار . واعتراهُ مرضُ الموتِ في أثناءِ الطريق ، فما دخل مكة إلَّ وهو ثَقِيلٌ جدّاً، فلمَّا كان بآخرٍ مَنْزلٍ نزلَهُ دون مكة إذا في صدر مَنْزله مكتوب : [ بسم الله الرحمن الرحيم }٣) سِنُوكَ وأمرُ الله لا بُدَّ واقعُ أبا جعفرٍ حانَتْ وفاتُك وانقضَتْ بك اليومَ من كَرْبِ المنيَّةِ مانعُ أبا جعفر هل كاهنٌ أو منجِّمٌ فدعا بالحَجَبَة ، فأقرأهم ذلك ، فلم يرَوْا شيئاً ، فعرف أنَّ أجلَهُ قد نُعِيَ إليه . قالوا : ورأى المنصور في منامه ، ويُقال بل هتف به هاتف وهو يقول : إنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَكِ أما وربِّ السُّكُونِ والحَرَكِ أحسنتِ يا نفسُ كان ذاكَ لكِ عليكِ يا نفسُ إنْ أسأتٍ وإنْ دارَتْ نجومُ السماءِ في الفَلَكِ ما اختلف الليلُ والنهارُ ولا إذا انقَضَى مُلْكُهُ إلى مَلِكِ إلَّ بِنَقْلِ السُّلطانِ عن مَلِكٍ في (ق): ((أحرز))، والمثبت من ( ب، ح ) . (١) في (ق): ((جرأني))، تصحيف ، والمثبت من ( ب، ح). (٢) (٣) هذه البسملة انفردت بها نسخة ( ق ). ٣٧٥ ترجمة المنصور ما عِزُّ سلطانِهِ بِمُشْتَرِك١ِ) حتى يُصِيرَانِهِ إلى مَلِكِ ذاك بَدِيعُ السماءِ والأرضِ والْ مُرسِي الجبالِ المسخِّرُ الفَلَكِ(٢) فقال المنصور : هذا أوانُ حضورِ أجَلِي وانقضاءٍ عُمري . وكان قد رأى قبل ذلك في قصرِهِ الخُلد الذي بناهُ وتأثَّقَ فيه مناماً أفزَعَه ، فقال للربيع : ويحكَ يا ربيع! لقد رأيتُ مناماً هالَني، رأيتُ قائلاً وقف في بابِ هذا القصرِ وهو يقول : وأوحشَ منهُ أهلُهُ ومنازِلُه كأنِّي بهذا القصر قد بادَ أهلُهُ. إلى جدَثٍ تُبْنَى عليه جَنَادِلُهُ(٣) وصار رئيسُ القصرِ من بعدِ بَهْجةٍ فما أقام في الخُلد إلا أقلَّ من سنةٍ حتى مرض في طريقِ الحجّ ؛ ودخل مكة مُدْنفاً ثقيلاً ، وكانتْ وفاتُه ليلةَ السبت ، لست - وقيل لسبع - مضَيْنَ من ذي الحجّة، وكان آخرَ ما تكلَّمَ به أنْ قال : اللهمَّ بارك لي في لقائِك . وقيل : إنه قال : يا ربّ ، إنْ كنتُ عصَيْتُكَ في أمور كثيرة ، فقد أطعتُكَ في أحبِّ الأشياءِ إليك ؛ شهادة أنْ لا إلَهَ إلَّ الله مُخْلصاً. ثم مات. وكان نقشُ خاتِمِه : الله ثقة عبدِ الله، وبه يؤمن . وكان عمرُهُ يومَ وفاته ثلاثاً وستين سنةً على المشهور، منها ثنتان وعشرون سنةً خليفةً، ودُفن بباب الْمَعْلاة رَحِمهُ الله . قال ابنُ جَرِير(٤) : ومما رُئِيَ به قولُ سَلْم الخاسِر الشاعر : كيف فاهَتْ بِمَوْتِهِ الشفتانِ عجَباً للذي نَعَى الناعيانِ مَلِكٌ إنْ عَدَا على الدهرِ يوماً ليت كَفّاً حَثَتْ عليهِ تُراباً حين دانَتْ له البلادُ على العَسْـ أين رَبُّ الزوراءِ قد قلَّدَتْهُ الـ إنَّما المرءُ كالزنادِ إذا ما ليس يَثْنِي هَواهُ زَجْرٌ ولا يَقْ قَلَّدَتْهُ أعِنَّةُ الملكِ حتى أصبح الدهرُ ساقطاً للجِرَانِ لم تَعُدْ في يمينِها بِبَنَانِ ـفٍ وأغْضَى من خَوْفِهِ الثَّقَلانِ ـمُلْكَ عشرين حِجَّةٌ واثنتانِ أخذَتْهُ قوادِحُ النيرانِ ـدَحُ في حَبْلِهِ ذوو الأذهانِ قادَ أعداءَهُ بغيرِ عِنَانِ ـدي من خَوْفِهِ على الأذقانِ یکسرُ الطَّرْفُ دُونُ وتری الأيـ (١) كذا في (ق) وتاريخ الطبري والكامل في التاريخ، ورواية (ب، ح): ((لا ينقضي ملكُهُ إلى مَلِكِ)). الأبيات في تاريخ الطبري (٥٤٣/٤)، والكامل في التاريخ (٢١٥/٥). (٢) (٣) البيتان في المنتظم (٢٢٠/٨). (٤) في تاريخه تاريخ الطبري (٥٣٩/٤، ٥٤٠). ٣٧٦ ذكر أولاد المنصور - ذكر خلافة المهدي خَلْفَ أَقْصَاهُمُ ودون الدَّاني ضمَّ أطرافَ مُلْكِهِ ثم أضْحَى ـلَ على غاربِ الشَّرُودِ الهدَانِ هاشميُّ التَّشْميرِ لا يَحْمِلُ الثّقْـ فَ وعَزْم يَلْوي بكُلِّ جَنانٍ ذو أناةٍ يَنْسى لها الخائفُ الخَوْ غيرَ أنَّ الأرواحَ في الأبدالُ(١) ذهبَتْ دونه النفوسُ حِذَاراً وقد دُفن عند باب الْمَعْلَاةِ بمكة ، ولا يُعْرَفُ قَبْرُه ، لأنه أعمى قبرَه ، فإنَّ الرَّبيعَ الحاجِبَ حَفرَ مئةَ قبرٍ ودفنه في غيرِها لئلا يُعرف . ذكرُ أولادِ المنصور محمد الْمَهْدي ، وهو وليُّ عَهْدِهِ ، وجعفر الأكبر ، مات في حياته ، وأمُّهما أزْوَى بنتُ منصور، وعيسى ، ويعقوب ، وسليمان ، وأمُهم فاطمةُ بنتُ محمد، من ولَدِ طَلْحَة بنِ عُبيدِ الله . وجعفر الأصغر من أُمّ ولدٍ كُرْدِيَّة . وصالحُ المسكين من أُمَّ ولَدِ رُومِيَّة ، ويُقال لها : قالى الفراشة . والقاسم من أُمّ ولَدٍ [ أيضاً، والعَاليةُ ] من امرأةٍ من بني أُمِيَّة . ذكرُ خِلافةِ المَهْديِّ بنِ المنصور لمَّا ماتَ أبوه لِسِتُّ أو لِسَبْعِ مَضَيْنَ من ذي الحجَّة من سنةِ ثمانٍ وخمسين ومئة ؛ أُخذتِ البيعةُ للمَهْدي من رؤوسٍ بني هاشم، والقُوَّاد الذين هُمْ مع المنصور في الحِّ قبلَ دَفْنِهِ؛ وبعَثَ الربيعُ الحاجبَ بالبَيْعَةِ وبالبُرُدِ والقَضيب(٢) إلى الْمَهْدي وهو ببغداد ؛ فدخل عليه البريدُ بذلك يومَ الثلاثاء النصف من ذي الحجّة، فسلّم عليه بالخلافة، وأعطاه الكُتبَ بالبيعة ، وبايَعَهُ أهلُ بغداد . ونفَذَتْ بيعتُهُ إلى سائرٍ الآفاق . وذكر ابنُ جرير(٣) أنَّ المنصور قبلَ موتِهِ بيوم تَحَامَلَ وتَسَاند، واستدعَى بالأمراء ، فجدَّدَ البيعةَ لابنِهِ المهدي ، فتسارعوا إلى ذلك ، وتبادروا إليه . وحجَّ بالناس في هذه السنةِ إبراهيمُ بنُ يَحْيِى بنِ محمد بنِ علي بن عبدِ الله بنِ عباس ؛ عن وصيَّةِ عمِّهِ الأبيات والخبر في تاريخ الطبري (٥٤٠/٤ ). (١) (٢) في (ق) :... بالبيعة مع البرد إلى المهدي، والمثبت من ( ب، ح). ورواية الطبري تاريخه (٤ / ٥٤٥ - ٥٤٧) مطولة، وفيها: ((وبعثا بعد بقضيب النبي ◌َّر وبردته التي يتوارثها الخلفاء مع الحسن الشروري؛ وبعث أبو العباس الطوسي بخاتم الخلافة مع منارة ، ثم خرجوا من مكة ، وسار عبد الله بن المسيب بن زهير بالحربة بين يدي صالح بن المنصور على ما كان يسير بها بين يديه في حياة المنصور)) . (٣) في تاريخه تاريخ الطبري (٤/ ٥٤٦). ٣٧٧ وفيات سنة ١٥٨ هـ ـ أحداث سنة ١٥٩ هـ المنصور ، وهو الذي صلَّى عليه . وقيل : إنَّ الذي صلى على المنصور عيسى بن موسى وليُّ العهد من بعدِ المهدي ، والصحيح الأول ، لأنه كان نائبَ مكةَ والطائف ، وعلى إمرةِ المدينة عبدُ الصمد بن علي ، وعلى الكوفة عمر بن زهير الضبِّي أخو المسيب بن زهير أمير الشرطة للخليفة ، وعلى خراسان حُميد بن قَخْطَبة ، وعلى خَرَاجِ البصرةِ وأرضِها عمارة بن حمزة ، وعلى صلاتها وقضائها عبدُ الله بن الحسن العَنْبَري ، وعلى أحداثها سعيد بن دَعْلَج . قال الواقدي(١): وأصابَ الناسَ في هذه السنة وباءٌ شديد ؛ فُونِّي فيه خلقٌ كثير، وجٌَّ غَفير ، منهم: أفلح بن حُمید . وحَيْوَةٌ بن شُريح . ومعاوية بن صالح بمكة . وزُفَر بن الهذيل (٢) بن قيس بن سُليم بن مكمل بن ذُهْل بن ذُؤيب بن جَذِیمة بن عمرو بن حنجور بن جُنْدب بن العَنْبَر بن عمرو بن تميم بن مر بن أُدِّ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعَدٍّ بن عدنان(٣) التميميُّ العَنْبَرِيُّ الكوفيُّ الفقيهُ الحنفي ؛ أقدَمُ أصحابِ أبي حنيفةَ وفاةً وأكثَرُهُم استعمالاً للقِيَاس . وكان عابداً اشتغل أولًا بعِلْم الحديث ، ثم غلَبَ عليه الفقهُ والقياس ، وُلد سنةَ ستَّ عشرةَ ومئة ، وتُوفي سنةً ثمانٍ وخمسين ومئة عن ثنتين وأربعين سنة رحمه الله وإيانا . ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومئة استُهلَّتْ هذه السنةُ وخليفةُ الناس أبو عبدِ الله محمد بن المنصور المهدي ؛ فبعث في أولها العباس بن محمد إلى بلادِ الرُّوم في جيشٍ كثيف ، وركب معَهم مُشَيِّعاً لهم ، فساروا إليها ، فافتتحوا مدينةً عظيمةٌ الرُّوم ، وغَنِموا غنائمَ كثيرةً ورجَعوا سالِمِينَ لم يُفقَدْ منهم أحد . وفيها تُوفي حُميد بن قَحْطبة نائبُ خراسان ، فولَّى المهديُّ مكانَهُ أبا عَوْن عبد الملك بن يزيد ، ووَّی حمزةَ بن مالك سِجِسْتان ، وولَّى جبريلَ بنَ يحيى سَمَرْ قَنْد . (١) انظر تاريخ الطبري (٤/ ٥٤٧). (٢) ترجمته في تسمية فقهاء الأمصار ص (١٨٢) للنسائي، مشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص (١٧٠)، طبقات المحدثين بأصبهان (٤٥٠/١)، الفهرست لابن النديم ص (٢٨٥)، طبقات الفقهاء ص (١٤١)، وفيات الأعيان (٣١٧/٢)، سير أعلام النبلاء (٣٨/٨)، العبر (٢٢٩/١)، الجواهر المضية في طبقات الحنفية ص (٢٤٣)، النجوم الزاهرة (٣٢/٢)، شذرات الذهب (٢٤٣/١). (٣) بدل هذا النسب في (ق): قوله: ((ثم ساق نسبه إلى معد بن عدنان))، والمثبت من ( ب، ح) . ٣٧٨ أحداث سنة ١٥٩ هـ وفيها بنى المهديُّ مسجدَ الرُّصافة وخندقَها . وفيها جهّز جيشاً كثيفاً إلى بلادِ الهند ، فوصلوا إليها في السنة الآتية ، وكان من أمرِهم ما سنذكرُه . وفيها تُوفي نائبُ السِّند مَعْبَد بن الخليل فولَّى المهديُّ مكانَهُ رَوْحَ بن حاتم بمشورةٍ وزيرِه أبي عبدِ الله . وفيها أطلق المهديُّ مَنْ كان في الشُّجون إلَّا منْ كان محبوساً على دم ، أو منْ سَعَى في الأرض فساداً، أو منْ كان عندَهُ حَقٌّ لأحد . وكان من جُملة من أُخرج من الْمُطْبَق يعقوبُ بن داود مولى بني سُليم ، والحسن بن إبراهيم بن عبدِ الله بن حسن ، وأمرَ بصيرورةٍ حسنٍ هذا إلى نصير الخادم لِيَحْتَرِزَ عليه . وكان الحسنُ قد عَزَمَ على الهرَبِ من السِّجْنِ قبلَ خروجِهِ منه ، فلما خرجَ يعقوبُ بن داود ناصَحَ الخليفةَ بما كان عزَمَ عليه ؛ فنقله من السجن وأودَعَه عند نصير الخادم ليحتاطَ عليه . وحَظِيَ يعقوبُ بن داود عند المهدي جدّاً حتى صار يدخلُ عليه في الليلِ بلا استئذانٍ ؛ وجعله على أمورٍ كثيرة ، وأطلق له مئةَ ألفِ درهم ؛ وما زال عنده كذلك حتى تمكَّنَ المهديُّ من الحسن بن إبراهيم ، فسقطت منْزِلةُ يعقوب عنده . وقد عزل المهديُّ نُوّاباً كثيرةً عن البلاد ، وولَّى بدلهم . وفي هذه السنة تزوَّج المهديُّ بابنةِ عمِّه أمّ عبدِ الله بنت صالح بن علي ، وأعتق جاريتَهُ الخَيْزُرَان ، وتزوَّجَها أيضاً ، وهي أمُّ الرَّشيد، وفيها وقَعَ حريقٌ عظيم في السُّفُنِ التي في دِجْلَةِ بغداد . ولمّا وَلِيَ المهديُّ سأل عيسى بنَ موسى - وكان وليَّ العَهْدِ بعدَه - أنْ يَخلَعَ نفسَهُ من الأمر ؛ فامتنع على الْمَهْدِيّ ؛ وسألَ المهديَّ أنْ يُقيم بأرضِ الكوفة في ضيعةٍ له ، فأذِنَ له وكان قد استقرَّ على إمرةِ الكوفة رَوْحُ بن حاتم ، فكتب إلى المهدي : إنَّ عيسى بن موسى لا يأتي الجمعةَ ولا الجماعةَ مع الناس إلا شَهْرين من السنة ؛ وإنه إذا جاء يدخلُ بدوابّه داخلَ بابِ المسجد ، فتروثُ دوابُه حيثُ يُصلِّي الناس . فكتب إليه المهدي أنْ يعملَ خشباً على أفواهِ السِّكَكِ حتى لا يَصِلَ الناسُ إلى المسجدِ إلا مُشاةً . فعلم بذلك عيسى بن موسى ، فاشترى قبلَ الجمعة دارَ المختارِ بن أبي عُبيد من ورَثَتِه ، وكانت ملاصقةً للمسجد ، وكان يأتي إليها من يوم الخميس فإذا كان يومُ الجمعة ركب حماراً إلى بابِ المسجد ، فنَزَل إلى هناك، وشهد الصلاة مع الناس ، وأقام بالكلية بالكوفةِ بأهلِه، ثم أَلَعَ عليه المهديُّ في أنْ يخلعَ نفسَهُ ، وتوغَّدَهُ إنْ لم يفعلْ ، ووعَدَه إنْ فعل . فأجابه إلى ذلك ، فأعطاه أقطاعاً عظيمةً ، وأعطاهُ من المال عشرةَ آلافِ ألف ، وقيل عشرين ألفَ ألف ، وبايع المهديُّ لولدَيْه من بعده موسى الهادي ، ثم هارون الرشيد كما سيأتي . وحجَّ بالناس يزيدُ بن منصور خالُ المهدي ، وكان نائباً على اليمن ، فولاهُ الموسم ، واستقدمه عليه شوقاً إليه . وغالبُ نوَّاب البلاد عزَلَهم المهدي ، غيرَ أنَّ إفْرِيقَةَ مع يزيدَ بنِ حاتم ، وعلى مصر محمد بن سليمان أبو ضَمْرَة ، وعلى خُرَاسان أبو عَوْن ، وعلى السِّنْد بِسْطامُ بن عمرو ، وعلى الأهواز وفارس عمارة بن حمزة ، وعلى اليمن رجاء بن رَوْح ، وعلى اليمامةِ بشر بن المنذر ، وعلى الجزيرة الفضلُ بن صالح، وعلى المدينة عُبيد الله بن صفوان الجُمَحي ، وعلى مكةَ والطائف إبراهيم بن يحيى ، وعلى ٣٧٩ وفيات سنة ١٥٩ هـ - أحداث سنة ١٦٠ هـ - ذكر البيعة لموسى الهادي وهارون الرشيد أحداث الكوفة إسحاق بن الصباح الكندي ، وعلى خراجها ثابت بن موسى وعلى قضائها شريك بن عبد الله النَّخعي وعلى أحداثِ البصرة عمارة بن حمزة ، وعلى صلاتِها عبدُ الملك بن أيوب بن ظبيان النَّمَري ، وعلى قضائها عُبيد الله بن الحسن العَنْبَري . وفيها تُوفي : عبد العزيز بن أبي رَوَّاد . وعكرمة بن عمار . ومالك بن مِغْوَل . ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني ، نَظِير مالك بن أنس في الفقه ، وربما أنكر على مالك أشياءَ تَرَكَ الأخذَ فيها ببعضِ الأحاديث كان يراها مالكٌ من إجماع أهلِ المدينة ، وغير ذلك من المسائل . ثم دخلت سنة ستين ومئة فيها خرج رجلٌ بِخُراسان على المهدي مُنكراً عليه أحوالَهُ وسيرتَه ، وما يتعاطاه ؛ يُقال له يوسف البرم، والتفَّ عليه خلقٌ كثير ، وتفاقَمَ الأمر ، وعَظُم الخطبُ به ، فتوجَّه إليه يزيدُ بنُ مَزْيَد ، فَلَقِيَهُ فاقتتلا قتالاً شديداً حتى تنازلا وتعانقا ، فأسر زيدُ بن مزيد يوسُفَ هذا ، وأسَرَ جماعةً من أصحابِهِ ، فبعثهم إلى المهدي ، فأُدخلوا عليه وقد حُملوا على جمالٍ مُحَوَّلة وجوهُهم إلى ناحيةِ أذنابِ الإِبِل ، فأمر الخليفةُ هَرْثَمَةَ أَنْ يقطعَ يدي يوسُفَ ورجلَيْه ثم يضربَ عُنقَه وأعناقَ منْ معه وصَلَبَهم على جسرِ دِجْلَةَ الأكبر مما يلي عسكر المهدي، وأطفأ الله نائرَتَهمُ(١) وكفَى شرَّهم . ذكر البيعة لموسى الهادي وهارون الرشيد ذكرنا أنَّ المهدي ألحّ على عيسى بن موسى أنْ يخلَعَ نفسَه، وهو مع كلِّ ذلك يمتنعُ وهو مُقيمٌ بالكوفة ، فبعث إليه المهدي أحدَ القوَّادِ الكبار ، وهو أبو هريرة محمد بن فرُّوخ في ألفٍ من أصحابِهِ لإحضارِهِ إليه ، وأمَرَ كلَّ واحدٍ منهم أنْ يحملَ طبلاً، فإذا واجهوا الكوفةَ عند إضاءةِ الفجر ضَرَبَ كلُّ واحدٍ منهم على طبلِه . ففعلوا ذلك، فارتَجَّتِ الكوفة ، وخاف عيسى بنُ موسى فلمَّا انتهَوْا إليه دعَوْهُ إلى حضرةِ الخليفة ، فأظهرَ أنه يَشتكي ، فلم يقبلوا ذلك منه ، بل أخذوه معهم ، فدخلوا به على الخليفة في (١) ((النائرة)): العداوة والشحناء والفتنة؛ ونار الحرب ونائرتها: شرُّها وهيجها. لسان العرب (نور). وإطفاء النائرة : عبارة عن تسكين الفتنة وهي فاعلة من النار. المصباح المنير . والمغرب (٣٣٢/٢) (نور). ٣٨٠ ذكر البيعة لموسى الهادي وهارون الرشيد يوم الخميس لثلاثٍ خلَوْنَ من المحرَّم من هذه السنة ، فاجتمع عليه وجوهُ بني هاشم والقضاةُ والأعيان وسألوه في ذلك وهو يَمتنع ، ثم لم يزلِ الناسُ به بالرغبةِ والرَّهْبَةِ حتى أجابَ يومَ الأربعاءُ(١) لأربعٍ مضَيْنَ من المحرَّم بعد العصر ، وبويع لولدَي المهدي موسى وهارون الرشيد صباحةَ يوم الخميس ، لثلاثٍ بقينَ من المحرَّم . وجلس المهديُّ في قُبَّةٍ عَظِيمة في إيوان الخِلافة ، ودخل الأمراءُ فبايعوه ، ثم نَهَضَ فَصَعِدَ المنبرَ وجلَسَ ابنُه موسى الهادي تحتَه ، وقام عيسى بنُ موسى في أولِ درجة ، وخطَبَ المهديُّ فأعلَمَ الناسَ بما وقع من خَلْع عيسى بن موسى نفسَه ، وأنه قد حلَّلَ الناسَ من الأيمانِ التي له في أعناقِهم ، وجعل ذلك إلى موسى الهادي ، فصدَّقَ عيسى بنُ موسى ذلك ، وبايع المهديَّ على ذلك . ثم نَهَض الناسُ فبايعوا الخليفةَ على حسَبِ مراتِبهم وأسنانِهِم ، وكتَبَ على عيسى بنِ موسى مكتوباً مؤكّداً بالأيمان البالغة ، من الطَّلاق والعَتَاق، وأشهد عليه جماعةَ الأمراءِ والوزراء ، وأعيانَ بني هاشم وغيرَهم ، وأعطاهُ ما ذكَرْنا من الأموال وغيرِها . وفيها دخلَ عبدُ الملك بن شِهاب المسمعي مدينةَ بارْبَد من الهند في جحفلٍ كبير ، فحاصرها ونصبوا عليها المجانيق ، ورَمَوْها بالنِّفْط ، فأحرقوا منها طائفة ، وهلك بشرٌ كثيرٌ من أهلِها ، وفتحوها عَنْوةً ، وأرادوا الانصراف فلم يُمكنهم ذلك لاعتلاءِ البحر ، فأقاموا هنالك ، فأصابَهم داءٌ في أفواهِهِم يُقالُ له حُمام قُرِّ ، فمات منهم ألفُ نفس ، منهم الربيع بن صُبيح ، فلما أمكَّنَهم المسيرُ ركبوا في البحر ، فهاجت عليهم ريح ، فغرق طائفةٌ أيضاً ، ووصل بقيتُهم إلى البصرة ومعهم سَبْيٌّ كثير ، فيهم بنتُ ملكِهم(٢) . وفيها حَكَمَ المهديُّ بإلحاق ولدِ أبي بكر الثقفي إلى ولاءِ رسولِ الله ◌َِّةٍ، وقَطْعِ نسَبِهِم من ثَقِيف ، وكتَبَ بذلك كتاباً إلى والي البصرة ، وقطَعَ نسبه من زياد ، ومن نسَبِ نافع ؛ ففي ذلك يقولُ بعضُ الشعراء وهو خالد النجار : بَكرَة عِندي من أَعْجَبِ العَجَبِ ٥ إنَّ زياداً ونافعاً وأبَا ذا قُرشيٍّ كما يقولُ وذَا مولّى وهذا بزَغْمِهِ عَرَبي وقد ذكر ابنُ جرير أنَّ نائبَ البصرةِ لم يُنفِذْ ذلك(٣). وفي هذه السنة حجَّ بالناس المهدي ، واستخلف على بغداد ابنَهُ موسى الهادي ، واستصحَبَ مَعَهُ ابنه هارونَ الرَّشيد، وخَلْقاً من الأمراء ، منهم يعقوبُ بنُ داود على مَنْزِلَته ومكانِه ، وكان الحسنُ بنُ إبراهيم قد هرَبَ من الخادم ، فلَحِقَ بأرضِ الحِجَاز، فاستأمَنَ لهُ يعقوب بن داود ، فأحسن المهديُّ صِلَتَه ، (١) في ( ق): يوم الجمعة، وهو تصحيف والمثبت من ( ب، ح) وتاريخ الطبري (٤/ ٥٥٣). (٢) الخبر في تاريخ الطبري (٤/ ٥٥٥). (٣) انظر تاريخ الطبري (٥٥٦/٤).