النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
ذكر دخول مروان الحمار دمشق
وقَدِمَ الخليفةُ إلى دمشق، وأمر بثابتٍ وأصحابِهِ بعدَما كانوا تقطّعوا أنْ يُصَلَّبوا على أبوابِ البلد ، ولم
يستبقِ منهم أحداً إلا واحداً ، وهو عُمَرُ بن الحارث الكلبي، وكان عندَهُ فيما زَعَمَ عِلْمٌ بودائعَ كان ثابتُ بنُ
نُعيم أودَعَها عندَ أقوام ، واستوسَقَ أمرُ الشام لِمَروان ماعدا تَدْمُر، فسار من دمشقَ فَنَزَل القَسْطَلَ من أرضٍ
حِمْص، وبَلَغَهُ أَنَّ أهلَ تَدْمُرَ قد غوَّروا مابينَهُ وبينهم من المياه، فاشتدَّ غَضَبُهُ عليهم ، ومعه جحافِلُ من
الجيوش، فتكلَّم الأبرشُ بنُ الوليد . وكانوا قومَه ، فسأل منه أنْ يُرْسِلَ إليهم أولاً لِيُعْذِرَ إليهم ، فبعث
عمرو بن الوليد أخا الأبرش ، فلمَّا قَدِمَ عليهم لم يَلْتَفِتُوا إليه ولا سمعوا له قولا فرجع ، فهَمَّ الخليفةُ أنْ
يبعثَ الجنود ، فسأله الأبرشُ أنْ يذهبَ إليهم بنفسِه، فأرسلَهُ ، فلما قَدِمَ عليهم الأبرشُ كلَّمهم واستمالَهم
إلى السمع والطاعة ، فأجابَهُ أكثَرُهم وامتَنَعَ بعضُهم ، فكتبَ إلى الخليفةِ يُعلِمُهُ بما وقع ، فأمرَهُ الخليفةُ أن
يَهْدِمَ بعضَ سُورِها ، وأنْ يُقبِلَ بمَنْ أطاعَهُ منهم إليه ، ففعل ، فلمَّا حضروا عندَهُ سارَ بِمَنْ معَهُ من الجنود
نحوَ الرُّصَافةِ على طريق البَرِّيَّةِ ، ومعه من الرؤوسِ إبراهيمُ بنُ الوليد المَخْلوع ، وسليمان بن هشام ،
وجماعةٌ من ولدِ الوليد ويزيد وسليمان ، فأقام بالرُّصَافةِ أياماً ، ثم شخَصَ إلى الرَّقَّة ، فاستأذنه سليمانُ بن
هشام أن يقيمَ هناكَ أيَّاماً ليستريحَ ويَحْمِي ظهرَه . فأذِنَ له، فانحدرَ مروانُ فَنَزَلَ عندَ واسطَ على شَطِّ
الفرات، فأقام ثلاثاً ، ثم مضى إلى قَرْقِيسِيًا وابنُ هُبَيرةَ بها ليبعثَهُ إلى العراق لِمُحاربة الضخَّاك بن قيس
الشيباني الخارجي الحَرُوري ، واشتغل مروانُ بِهذا الأمر ، وأقبلَ عشرةُ آلاف فارسٍ ممَّنْ كان مروانُ قد
بعثَهم في بعض السرايا ، فاجتازوا بالرُّصَافة وفيها سليمانُ بن هشام بن عبد الملك الذي كان استأذن
الخليفةَ في الْمُقَامِ هناك للرَّاحة، فدعَوْهُ إلى البيعةِ له وخَلْعِ مَرْوانَ بن محمد ومحارَبَته، فاستزَلَّهُ
الشيطان ، فأجابهم إلى ذلك، وخلعَ مروانَ ، وسارَ بالجيوشِ إلى قِنَّسْرِين، وكاتَبَ أهلَ الشام ،
فانتهو(١) إليه من كلِّ وَجْه، وكتب سليمانُ إلى ابنِ هُبيرةَ الذي جهّزَهُ مروانُ لقتالِ الضخَّاك بن قيس
الخارجي ، يأمرُهُ بالمسيرِ إليه ، فالتفَّ إليه نَحْوٌ من سبعين ألفاً ، وبعث مروانُ إليهم عيسى بنَ مسلم ، في
نحوٍ من سبعين ألفاً ، فالتقَوْا بأرضٍ قِتَّسْرين، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، وجاء مروانُ والناسُ في حَرْب ،
فقاتلهم أشدَّ قتالٍ فهزمهم ، وقَتَل يومئذٍ إبراهيمَ بنَ سليمان بن هشام ، وكانَ أكبرَ ولدِه ، وقتل منهم نيفاً
وثلاثين ألفاً ، وذهب سليمانُ مغلوباً ، فأتى حِمص ، فالتفَّ عليه مَنِ انْهَزم من الجيش ، فعسكر بهم
فيها ، وبَنَى ما كان مروانُ هدَمَ من سُورِها ، فجاءهم مروان ، فحاصرهم بها ، ونصَبَ عليهم نيِّفاً وثمانين
مَنْجَنِيقاً ، فمكث كذلك ثمانيةَ أشهرٍ يَزْمِيهم ليلاً نهاراً ، ويخرجون إليه كلَّ يوم ، ويقاتلون ثم يَرْجِعون .
هذا وقد ذهب سليمانُ وطائفةٌ من الجيشِ معَهُ إلى تدمرَ وقد اعترضوا جيشَ مروانَ في الطريق ، وهَقُّوا
بالفَتْكِ به ، وأن ينتهبوه ، فلم يُمكْنِهِم ذلك ، وتَهيَّأَ مروانُ فقاتلهم ، فقتلوا من جيشهِ قريباً من ستةٍ آلاف ،
(١) في (ق): ((فانفصوا))، والمثبت من ( ب، ح ).

٢٤٢
ذكر دخول مروان الحمار دمشق
وهم تسع مئة ، وانصرفوا إلى تدمر ، ولَزِمَ مروانُ محاصرةَ حِمص كمال عشرةٍ أشهر ، فلمَّا تتابعَ عليهمُ
البلاءُ ولَزِمَهُمُ الذُّلُّ سألوه أنْ يُؤْمِّنَهم، فأبى إلَّ أنْ يَنْزِلوا على حُكْمِه، ثم سألوه الأمانَ على أنْ يُمكِّنُوهُ من
سعيدِ بنِ هشامُ(١) وابنَيْهِ مروانَ وعثمان ، ومن السَّكْسَكِيِّ الذي كان معه على جيشه ، ومن حُبْشِي - كان
يفتري عليه ويشتمه - فأجابَهم إلى ذلك، فأمَّنَهم وقتلَ أولئك ، ثم سار إلى الضخَّاك .
وكان عبدُ الله بن عمر بن عبد العزيز نائب العراق قد صالح الضخَّاكَ الخارجي على ما بيدِهِ من الكوفةِ
وأعمالِها، وجاءتْ(٢) خيول مروانَ قاصدةً إلى الكوفة، فتلقَّهُمْ نائبُها من جهة الضخَّاكُ مِلْحَانُ
الشيباني ، فقاتَلَهم ، فَقُتِلَ مِلْحان، واستنابَ الضخَّاكُ عليه المثنَّى بنَ عمران من بني عائدة ، وسار
الضخَّاكُ في ذي القعدة إلى المَوْصِل ، وسار ابنُ هُبيرة إلى الكوفة ، فانتزَعَها من أيدي الخوارج ، وأرسل
الضخَّاكُ جيشاً إلى الكوفة فلم يجدْ شيئاً .
وفي هذه السنة خرج الضخَّاكُ بن قيس الشيباني ، وكان سببَ خروجه أنَّ رجلاً يُقالُ له سعيدُ بن بَهْدَل
- وكان خارجياً - اغتنمَ غفلةَ الناس ، واشتغالَهم بمقتلِ الوليد بن يزيد ، فثارَ في جماعةٍ من الخوارج
بالعراق ، فالتفَّ عليه أربعةُ آلاف - ولم تجتمِعْ قبلَها لخارجيّ - فقصَدَتْهم الجيوش، فاقتتلوا معهم ، فتارةً
يَكْسِرون، وتارةً يُكْسَرون ، ثم مات سعيد بن بهدل في طاعونٍ أصابه ، واستخلف على الخوارج من بعدِهِ
الضخَّاكَ بنَ قيس هذا، فالتفَّ أصحابُهُ عليه ، والتقى هو وجيشٌ كثير ، فغلبتِ الخوارجُ وقَتَلُوا خلقاً
كثيراً ، منهم عاصمُ بن عمر بن عبد العزيز ، أخو أميرِ العراق عبدِ الله بن عمر بن عبد العزيز ، فرثاه
بأشعار ، ثم قصَدَ الضخَّاكُ بطائفةٍ من أصحابِهِ مروانَ ، فاجتازَ الكوفة ، فنهضَ إليهِ أهلُها فكسَرَهم ،
ودخل الكوفَة فاستحوذَ عليها ، واستنابَ بِها رجلاً اسْمُهُ حسَّان ، ثم استنابَ مِلْحَان الشيبانيَّ في شعبانَ من
هذه السنة ، وسار في طلب عبدِ الله بن عمر بن عبد العزيز نائبِ العراق ، فالتقَوْا ، فجرَتْ بينَهم حروبٌ
كثيرةٌ يطولُ ذِكْرُها وتَفْصِيلُها .
وفي هذه السنة اجتمعَتْ جماعةٌ من الدُّعَاةِ إلى بني العباس عندَ إبراهيمَ بنِ محمد الإمام ، ومعهم
أبو مسلم الخُرَاساني، فدفعوا إليهِ نفَقَاتٍ كثيرةً ، وأعطَوْهُ خُمْسَ أموالِهم ، ولم ينتَظِمْ لهمْ أمرٌ في هذه
السنة لكثرَة الشُّرورِ المنتشرة ، والفِتَنِ الواقعة بين الناس .
وفي هذه السنة خرج بالكوفة معاويةُ بن عبدِ الله بن جعفر بن أبي طالب ، فدعا إلى نفسِه وخرجَ إلى
محاربة أميرِ العراق وعبدِ الله بن عمر بن عبد العزيز ، فجَرتْ بينهما حروبٌ يطولُ ذكرُها، ثم أجلاهُ
عنها ، فلحِقَ بالجبال ، فتغلب عليها .
(١) جاء في ( ق ) من هذا الموضع علَّق عليها الناسخ أنها زيادة من النسخة المصرية ، قلتُ : هذه الزيادة المشار إليها
بالحاصرتين والحاشية موجودة في نسختي ( ب ، ح ) .
(٢) في (ح): ((وكانت)).

٢٤٣
وفيات سنة ١٢٧ هـ
وفي هذه السنة خرج الحارث بن سُريَج الذي كان لَحِقَ ببلاد التُّرك، ومالأَهُمْ على المسلمين ، فمَنَّ
اللهُ عليه بالهِداية ، ووفَّقَهُ حتى خرج إلى بلادِ الشام ، وكان ذلك عن دعاءِ يزيدَ بنِ الوليد إلى الرجوع إلى
الإسلام وأهلِه ، فاجابه إلى ذلك ، وخرج إلى خراسان فأكرَمَهُ نَصْرُ بن سيَّار نائبُها ، وفرح المسلمون به ،
وجاؤوا لتهنئته، ثم وقعَ بينه وبين نصر بن سيار سَوْرَهُ(١)، واستمرَّ الحارثُ بن سريج على الدعوةِ إلى
الكتابِ والسنَّة ، وطاعةِ الإمام ، وعنده بعضُ المناوَأَة لنصرِ بنِ سيار .
قال الواقدي وأبو معشر(٢): وحجَّ بالناسِ في هذه السنة عبدُ العزيز بنُ عمر بن عبد العزيز ، أميرُ
الحجاز ومكة والمدينة والطائف ، وأمير العراق النَّضْرُ بن سعيد الحَرَشيّ ، وقد خرج عليه الضخَّاك
الحَرُوريّ وعبد الله بن عبد العزيز ، وأميرُ خراسان نصر بن سَيَّر ، وقد خرج عليه الكَرْماني والحارثُ بن
سُريج .
وممن توفي في هذه السنة :
يُكَير بن الأشج(٣)،
وسعد بن إبراهيم ،
وعبدالله بن دینار ،
وعبدالملك بن مالك الجزري ،
وُمیر بن هانیء ،
ومالك بن دينار ،
ووَهْب بن كَيْسان ،
وأبو إسحاق السَّبِيعِي .
(١) سَوْرَةُ السُّلْطان: سطوته واعتداؤه ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت زينب فقالت: كُلُّ خِلاَلهَا محمودٌ
ما خلا سَوْرَةً مِنْ حِدَّة . اللسان (سور). وما قبل هذه اللفظة في ( ق ) ساقط منها وهو مثبت في ( ب، ح)
ولفظه فيهما ((صورة)) بدل (( سورة)).
(٢) ذكر ذلك الطبري في تاريخه (٢٩١/٤).
في (ق): ((بكر)) وهو تصحيف، والمثبت من (ب، ح)، وهو بكير بن عبد الله بن الأشج ، ترجمته في
(٣)
التاريخ الكبير (١١٣/٢)، معرفة الثقات للعجلي (٢٥٤/١)، الثقات لابن حبان (١٠٦/٦)، التعديل
والتجريح (٤٣٩/١)، تهذيب الكمال (٢٤٢/٤)، الكاشف (٢٧٥/١)، تقريب التهذيب ص (١٢٨).

٢٤٤
أحداث سنة ١٢٨ هـ - مقتل الجهم بن صفوان
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة
فيها كان مقتلُ الحارثِ بن سُريج ، وكان سببُ ذلك أنَّ يزيدَ بن الوليد الناقص كان قد كتبَ إليه كتابَ
أمانٍ حتى خرج من بلادِ التُّرك وصار إلى المسلمين ، ورجَعَ عن موالاةِ المشركينَ إلى نُصْرَةِ الإسلامِ
وأهلِه ، وأنَّهُ وقع بينه وبين نصرٍ بن سيَّار أميرٍ خراسان وَحْشَةٌ ومُنَافسَاتٌ كثيرةٌ يطول ذكرُها ، فلما صارتِ
الخلافةُ إلى مروانَ بنِ محمد استَوْحَش الحارثُ بن سُريج من ذلك، وتولَّى ابنُ هُبيرة نيابةَ العراق ،
وجاءتِ البيعةُ لمروان ، فامتنع الحارثُ من قَبُولِها، وتكلَّمَ في مروان، وجاءهُ مَسْلمَةُ بن أخْوَز أميرُ
الشرطة ، وجماعةٌ من رؤوسِ الأجنادِ والأمراء ، وطلبوا منه أن يكفَّ لسانَهُ ويدَه ، وأن لا يُفرِّقَ جماعةَ
المسلمين ، فأبَى وبرَزَ ناحيةً عن الناس ، ودعا نصرَ بنَ سيارٍ إلى ما هو عليهِ من الدعوةِ إلى الكتابِ
والسنَّة ، فامتنع نصرٌ من موافقتِهِ ، واستمزّ هو على خروجهِ على الإسلام ، وأمرَ الجَهْمَ بنَ صفوانَ مولى
بني راسب - ويُكنَى بأبي محرز ، وهو الذي نُسبَتْ إليه الفرقةُ الجَهْمِيَّةِ - أن يقرأ كتاباً فيه سيرةُ الحارثِ على
الناس ، وكان الحارثُ يقول : أنا صاحبُ الرايات السود ، فبعث إليه نصرٌ يقول : إنْ كنتَ ذاك فلعمري
إنكمُ الذين تُخرِبونَ سُورَ دمشق، وتُزيلون بني أمية، فخُذْ مِنِّي خمسَ مئةِ رأس ، ومئتَي بَعِير ، وما شئتَ
من الأموال ، وإنْ كنتَ تُريدُ غيرَه فقد أهلكتَ عشيرتَك . فبعث إليه الحارثُ يقول : لعمري إنَّ هذا الأمرَ
لكائن ، فقال له نصر: فابدَأُ بالكَزماني أولاً ، ثم ◌ِرْ إلى الرَّيّ وأنا في طاعتِكَ إذا وصلتَها .
ثم تناظَرَ نصرٌ والحارثُ ورَضِيَا أنْ يَحْكُمَ بينهما مُقاتِلُ بن حَيَّن ، والجَهْمُ بن صَفْوان، فحكمًا أنْ
يُعْزَلَ نصرٌ ويكونَ الأمرُ شُورَى، فامتنعَ نصرٌ من قَبُول ذلك، ولَزِمَ الجَهْمُ بنُ صفوان وغيرُه قراءةَ سيرةٍ
الحارثِ على الناس في الجامع والطُرُق، فاستجابَ له خَلْقٌ كَثِير وجمعٌ غفير ، فعند ذلك انتدَبَ لقتالِهِ
جماعاتٌ من الجيوش عن أمرٍ نصرٍ بن سَيَّر ، فقصَدوه، فجاحَفَ(١) دونه أصحابُه، فقُتل منهم طائفةٌ
كثيرةٌ ، منهم الجَهْمُ بن صَفوان ، طعنَهُ رجلٌ في فيهِ فقتلَه .
مقتل الجَهْم بن صَفْوان
ويقال : بل أُسرَ الجهمُ ، فأوقف بين يدَيْ سَلْم بن أحوَز، فأمرَ بقَتْلِهِ ، فقال: إنَّ لي أماناً من أبيك.
فقال : ما كان له أنْ يؤمِّنَك، ولو فعَل ما أمَنْتُك، ولو ملأتَ هذهِ الْمُلاءةَ كواكب ، وأنزلتَ عيسى ابنَ
(١) في (ق): ((فحارب))، والمثبت من (ب، ح)، وجاحف من تَجَاحُف القوم في القِتال: هو تناوُلُ بعضهم
بعضاً بالعِصِيّ والسُّيوف . والجحافُ : مُزاحمةُ الحَرْبِ . لسان العرب ( جحف ) .

٢٤٥
مقتل الجهم بن صفوان
مريم ما نجَوْت ؛ والله لو كنتَ في بطني لشقَقْتُ بَطْني حتى أقْتُلَك. وأمرَ عبد ربه بنَ سيسنُ(١) فقتله ، ثم
اتفق الحارثُ بن سُريج والكَرْماني على نصر ومخالفتِهِ ، والدعوةِ إلى الكتاب والسنَّة ، واتباع أئمةٍ
الهدى ، وتحريم المنكرات ، إلى غير ذلك مما جاءت به الشريعة ، ثم اختلفا فيما بينهما ، واقتتلا قتالاً
شديداً ، فغلب الكَرْمانيُّ وانهزَم أصحابُ الحارث ، وكان راكباً على بغل ، فتحوَّل إلى فرس ، فحرنَتْ أنْ
تمشي ، وهربَ عنه أصحابُه ، ولم يبقَ معهُ منهم سوى مئة ، فأدركه أصحابُ الكَرْماني فقتلوه تحتَ شجرةٍ
زيتون، وقيل: تحت شجرة غُبَيْراء٢ُ) ، وذلك يوم الأحد لستِّ بَقينَ من رجب من هذه السنة ، وقُتل معه
منةٌ من أصحابه ، واحتاط الكرمانيُّ على حواصِلِهِ وأموالِه ، وأخذ أموالَ منْ خرجَ معَه أيضاً ؛ وأمر بصَلْبٍ
الحارث بلا رأس على بابٍ مدينة مَرْو .
ولما بلغ نصرَ بنَ سيَّار مقتلُ الحارثِ قال في ذلك :
بُعْداً وسُحْقاً لكَ منْ هالِكِ
يا مُدْخلَ الذُّلِّ علی قومِهِ
شؤمُكَ أرْدَى مُضَراً كُلَّها
ما كانتِ الأزْدُ وأشياعُها
ولا بني سَعْدٍ إذا ألْجَمُوا
وقد أجابهُ عبَّا(٤) بن الحارث بن سُريج فيما قال :
ألا يا نصرُ قد بَرِحَ الخَفَاءُ
وغَضَّ منْ قَومِكَ بالحارِكِ
تطمعُ في عَمْرٍو ولا مالِكِ
كُلَّ طِمِرٌّ لَوْنُهُ حَالِكِ(٣)
وقد طالَ التمَنِّي والرجاءُ
تُقَضِّي في الحكومةِ ما تشاءُ
وأصبحتِ المزونُ بأرضِ مَرْوٍ
على مُضَرٍ وإِنْ جارَ القضاءُ
يجوزُ قضاؤها في كلِّ حُكْمٍ
تَرَقْرَقُ في رقابِهِمُ الدِّماءُ
وحِمْيَرُ في مجالسها قُعودٌ
فطالَ لها المذلَّةُ والشَّقاءُ
فإنْ مُضَرٌّ بذا رَضِيتْ وذَلَّتْ
فحلَّ على عساكرِها العَفَاءُ
وإنْ هي أعتَبّتْ فيها وإلَّا
(١) في (ق): ((وأمر ابن ميسر فقتله)). والمثبت من ( ب، ح) وتاريخ الطبري (٢٩٥/٤).
(٢) في (ق): ((عبيرا))، وفي (ح): ((عتبرا))، والمثبت من ( ب)، والغبيراء: نباتٌ سُهْلَيّ، وقيل: الغَبراء
شجرته ، والغُبيراء ثمرته ؛ وهي فاكهة ، وقيل : الغُبيراء شجرته ، والغَبراء ثمرته ، بقلب ذلك ، الواحدُ والجمعُ
فيه سواء . وأما هذا الثمر الذي يقال له الغُبيراء فدخيلٌ في كلام العرب . قال أبو حنيفة : الغُبيراء شجرةٌ معروفة ،
سُمِّيتْ غُبيراء لِلَوْن وَرَقِها وثمرتِها إِذا بدَتْ ، ثم تحمُّ حمرةً شديدة . قال : وليس هذا الاشتقاق بمعروف . قال :
ويُقال لثمرتِها الغُبيراء . قال : ولا تُذكر إلا مصغّرة . لسان العرب ( غبر) .
(٣) الخبر مفصلاً والأبيات في تاريخ الطبري (٢٩٨/٤، ٢٩٩)، والكامل لابن الأثير ( ٢٠/٥).
(٤) في (ب، ح): ((غياث بن الحارث))، والمثبت من (ق) وتاريخ الطبري (٢٩٩/٤).

٢٤٦
مقتل الجهم بن صفوان
وفي هذه السنة بعث إبراهيمُ بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبا مسلم الخُراساني إلى خراسان
وكتب معه كتباً إلى شيعتِهم بها ، إنَّ هذا أبا مسلم فاسمعوا له وأطيعوا ، وقد ولَّيتُهُ على ما غلَبَ عليه من
أرضٍ خُرَاسان ، فلمَّا قَدِمَ أبو مسلم خراسان ، وقرأ على أصحابه هذا الكتاب لم يلتفتوا إليه ، ولم يعملوا
به ، وأعرضوا عنه ، ونبذوه وراء ظهورهم ، فرجع إلى إبراهيم بن محمد أيام الموسم فاشتكاهم إليه ،
وأخبرهُ بما قابلُوهُ من المخالفة ، فقال له : يا عبد الرحمن إنَّك رجلٌ منا أهلَ البيت ، ارجِعْ إليهم ،
وعليك بهذا الحيِّ من اليمن، فأكرِمْهُمُ(١) وانزِلْ بين أظهُرِهم، فإنَّ الله لا يُتَمِّمُ هذا الأمرَ إلَّ بهم . ثم
حذَّرهُ من بقيّةِ الأحياء وقال له : إن استطعتَ أنْ لا تدعَ بتلك البلادِ لساناً عربيّاً فافعلْ ، ومنْ بلَّغَ من أبنائهم
خمسةَ أشبار واتَّهمتَهُ فاقتُلْه ، وعليك بذاك الشيخ فلا تَعْصِهُ(٢) - سليمان بن كثير .
وسيأتي ما كان من أمرٍ أبي مسلم الخُراساني فيما بعدُ إنْ شاء الله تعالى .
وفي هذه السنة قُتل الضخَّاكُ بن قيس الخارجي في قولِ أبي مِخْنَف ، وكان سببُ ذلك أنَّ الضحاك
حاصرَ عبدَ الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط ، ووافقه على مُحَاصرَتِه منصور بن جُمهور ، فكتب
عبدُ الله بن عمر بن عبد العزيز إليه : إنه لا فائدةَ لك في محاصرتي ، ولكنْ عليك بمروان بن محمد ،
فسرْ إليه ، فإن قتلتهُ اتبعتُك . فاصطلحا على مخالفةِ مروانَ بنِ محمد أمير المؤمنين. وترخَّل الضحاك
عنه ، وسارَ قاصداً إلى قتالِ مروانَ بن محمد أميرِ المؤمنين ، فلما اجتازَ الضحَّكُ بالمَوْصل كاتبهُ أهلُها
فمالَ إليهم ، فدخلَها وقتَلَ نائبَها ، واستحوذَ عليها ، وبلغ ذلك مروانَ وهو مُحاصِرٌ حِمص ، ومشغولٌ
بأهلها ، وعدم مبايعتِهم إياه ، فكتب إلى ابنه عبدِ الله بن مروان - وهو نائبُهُ على الجزيرة - يأمرهُ أن يقاتلَ
الضحاك بالموصل ، وسار الضحاكُ إلى عبد الله بن مروان ، وكان الضحاك قد التفّ عليه مئةُ ألفٍ
وعشرون ألفاً ، فحاصروا نَصيبين ، وساق مروانُ في طلبه ، فالتقَيَا هنالك، فاقتتلا قتالاً شديداً جدّاً ،
فاقتحمَ الضحاكُ عن فرسِه ، وترجَّلَ معه جماعةٌ من كُبَراء الأمراء ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فقُتل الضحَّاكُ
في المعركة ، وحجَز الليلُ بين الفريَقَيْن ؛ وفقَدَ أصحابُ الضحاكِ الضحاكَ ، وشُّوا في أمرِهِ حتى
أخبرَهم منْ شاهدَهُ قد قُتل ، فبكَوْا عليه وناحوا ، وجاء الخبرُ إلى مروان ، فبعث إلى المعركةِ بالمشاعل
ومَنْ يعرفُ مكانَهُ بين القتلَى فلمّا وجدوه جاؤوا به إلى مروانَ وهو مقتول ، وفي رأسه ووجههِ نحوٌ من
عشرين ضربة ، فأمرَ برأسِه فطِيفَ به في مدائنِ الجزيرة . واستخلف الضحاكُ على جيشهِ من بعدِهِ رجلاً
يُقالُ له الخَيْبَري ، فالتفَّ عليه بقيةُ جيشِ الضخَّاك ، والتفَّ مع الخيبري سليمانُ بن هشام بن عبدِ الملك
وأهلُ بيتِه ومواليه ، والجيش الذي كانوا قد بايعوه في السنة الماضية على الخلافة ، وخلعوا مروانَ بنَ
(١) في (ح): ((فالزمهم))، وما أثبتناه موافق لتاريخ الطبري.
(٢) في بعض النسخ: ((تقصه)) وما أثبتناه من (ح) وتاريخ الطبري.

٢٤٧
وفيات سنة ١٢٨ هـ
محمد عن الخلافة لأجلِه ، فلما أصبحوا اقتتلوا مع مروان ، فحمل الخيبريُّ في أربعمئة من شجعان
أصحابه على مروانَ وهو في القلب ، فكرَّ منهزماً ، واتَّبعوهُ حتى أخرجوه من الجيش ، ودخلوا عسكرَه ،
وجلس الخيبريُّ على فُرُشِه ، هذا وميمنةُ مروانَ ثابتة ، وعليها ابنُه عبدُ الله ، وميسرتُهُ أيضاً ثابتةٌ وعليها
إسحاق بن مسلم العقيلي ، ولما رأى عبدُ الله العسكر فارِّين مع الخيبري ، وأنَّ الميمنةَ والميسرةَ من
جهتهمُ(١) باقيتان، طَمِعُوا فيه، فأقبلوا إليه بعُمُد الخيام فقتلوه بها ، وبلغ قتلُهُ مروانَ وقد سارَ عن الجيش
نحوَ خمسةِ أميال أو ستة ، فرجع مسروراً ، وانهزم أصحابُ الضحاك وقد ولَّوْا عليهم شَيبان ، فقصَدَهم
مروانُ بعدَ ذلك بمكانٍ يُقال له الکرادیسُ(٢) فهزمهم .
وفيها بعث مروانُ الحمار على إمارةِ العراق يزيدَ بن عمرَ بنِ هُبيرة ليقاتِلَ منْ بها من الخوارج .
وفي هذه السنة حجَّ بالناسِ عبدُ العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، وهو نائبُ المدينةِ مكةَ والطائف ،
وأميرُ العراق يزيدُ بن عمر بن هُبيرة ، وأميرُ خراسان نصر بن سيَّار .
وممن توفي فى هذه السنة :
بكرُ بن سَوَادة ،
وجابرٌ الجُعْفيّ ،
والجَهْمُ بن صَفْوان مقتولاً كما تقدَّم ،
والحارثُ بن سُريج أحَدُ كُبَراء الأمراء - وقد تقدَّمَ شيءٌ من ترجمتِه -
وعاصمُ بنُ بَهْدَلة ،
وأبو حَصِين عثمان بن عاصم ،
ویَزِید بنُ أبي حَبِيب ،
وأبو التَّيَّاح يزيد بن حُميد ،
وأبو جَمْرة الضُّبَعِيُ(٣) ،
(١) في (ح): ((جيشهم)).
(٢) كذا في الأصول، وصُحِّف في (ح) إلى ((الكرادش))، وهو وهمٌ من المؤلف ، فليس ثمة موضع يقال له
الكراديس، وعبارة الطبري تكشف عن هذا الوهم إذْ قال في تاريخه (٣٠٢/٤): ((فقاتلهم مروانُ بعدَ ذلك
بالكراديس وأبطلَ الصفَّ منذَ يومئذٍ )). فلا يقصد بالكراديس اسم الموضع ، وإنما قصدَ طريقة القتال بالكراديس .
وهي جمع كُرْدُوس ، وهو القطعةُ من الخيل العظيمة ، ويقال : كَرْدَسَ القائدُ خيلَه : أيْ جعلَها كتيبةً كتيبة .
(٣) واسمه نصر بن عمران بن عصام. تقريب التهذيب ص (٥٦١).

٢٤٨
أحداث سنة ١٢٩ هـ
وأبو الزبير المكِّيُ(١)،
وأبو عِمْرانَ الجَوْنِيُ(٢)،
وأبو قَبيل الْمَعَافِريّ(٣)؛ وقد ذكَرْنَا تراجِمَهُم في ((التكميل)).
ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومئة
فيها اجتمعتِ الخوارجُ بعدَ الخيبري على شيبانَ بنِ عبد العزيز بن الحليس اليشكري الخارجي ، فأشار
عليهم سُليمان بن هشام أنْ يتحصَّنوا بالمَوصل ، ويجعلوها مَنْزِلًا لهم ، فتحوَّلوا إليها ، وتَبِعهم مروانُ بن
محمد أميرُ المؤمنين ، فعسكروا بظاهرها ، وخندقوا عليهم ممايلي جيشَ مروان ، وقد خندق مروانُ على
جيشِهِ أيضاً من ناحيتهم، وأقام سنةٌ يُحاصِرُهم ويقتلونَ في كُلِّ يومٍ بُكْرَةً وعشيَّةَ. وظَفِرَ مروانُ بابنِ أخٍ
لسليمان بن هشام وهو أمية بن معاوية بن هشام ، أسرَهُ بعضُ جيشِهَ ، فأمر بهِ فقُطعتْ يدَاه ، ثم ضربٌ
عُنقه ، وعقُّه سليمانُ والجيشُ ينظرون إليه؛ وكتب مروان إلى نائبِهِ بالعراق يزيدَ بنِ عمر بن هُبيرة يأمرُهُ
بقتالِ الخوارجِ الذين في بلادِه ، فجرَتْ له معهم وقعاتٌ عديدة ، فظفر بهم ابنُ هُبيرة وأبادَ خَضْراءَهم ،
ولم يبقَ لهم بقيّةٌ بالعراق ، واستنقذَ الكوفة من أيدي الخوارج ، وكان عليها المثنى بن عمران العائذي
- عائذة قريش - في رمضان من هذه السنة . وكتب مروانُ إلى ابنِ هُبيرة لما فَرَغْ من الخوارج أنْ يمُدَّهُ
بعامر بن ضُبَارة٤) - وكان من الشجعان - فبعثه إليه في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف ، فأرسلتِ الخوارجُ إليه
سريّةٌ في أربعةِ آلاف ، فاعترضوه في الطريق ، فهزمهم ابنُ ضُبارة ، وقتل أميرَهم الْجَوْنَ بن كلاب
الشيباني الخارجي ، وأقبل نحو الموصل ، ورجعَ فَلُّ الخوارج إليهم ، فأشار سليمان بنُ هشام عليهم أنْ
يرتحلوا عن الموصل ، فإنه لم يكنْ يُمكِنْهُم الإقامةَ بها ؛ ومروانُ من أمامِهم وابنُ ضُبارةَ من ورائهم ، وقد
قطع عنهم المِيرَة ، حتى يجدوا شيئاً يأكلونَه ، فارتحلوا عنها ، وساروا على خُلْوان إلى الأهواز . فأرسل
مروانُ بن ضُبَارة في آثارِهم في ثلاثةِ آلاف ، فاتَّبعَهم يقتلُ منْ تخلَّف منهم ، ويلحقهم في مواطن
فيقاتلهم، وما زال وراءهم حتى فرَّقَ شَمْلَهم شذَرَ مَذَر وهلك أميرُهم شيبان بن عبد العزيز اليَشْكُرِيُّ
بالأهواز في السنة القابلة ، قتله خالدُ بن مسعود بن جعفر بن خُليد الأزْدي . وركب سليمان بن هشام في
مواليه وأهلٍ بيتِه السُّفُنَ وساروا إلى السِّنْد .
(١) واسمه محمد بن مسلم بن تَدْرُس. تقريب التهذيب ص (٥٠٦).
(٢)
واسمه عبد الملك بن حبيب الأزدي . تقريب التهذيب ص (٣٦٢).
(٣)
واسمه حُيُّ بن هانىء . تقريب التهذيب ص( ١٨٥ ) .
في الأصول: ((عمار بن صبارة))، وهو تصحيف والمثبت من تاريخ الطبري في مواضع عدة .
(٤)

٢٤٩
أول ظهور أبي مسلم الخراساني
ورجعَ مروانُ من الموصل فأقام بِمَنْزِله بِحَرَّان ، وقد وجد سروراً بزوالِ الخوارج ، ولكنْ لم يتمَّ
سرورُه ، بل أعقبه القدَرُ منْ هو أقوى شوكةً، وأعظَمَ أتباعاً ، وأشدَّ بأساً من الخوارج ، وهو ظهور
أبي مسلم الخُراساني ، الداعيةُ إلى دولةٍ بني عباس .
أول ظهورِ أبي مسلم الخُرَاساني
وفي هذه السنة ورَدَ كتابُ إبراهيمَ بنِ محمد الإمامِ العباسي بطلَبِ أبي مسلم الخُراساني من خُراسان ،
فسار إليه في سبعينَ من النُّقَبَاء ، لا يمرُّونَ ببلدٍ إلَّ سَألوهم : إلى أين تذهبون؟ فيقول أبو مسلم : نُريدُ
الحجّ . وإذا توسَّمَ أبو مسلم من بعضِهم ميلاً إليهم دعاهم إلى ما هم فيه ، فيُجيبُّهُ إلى ذلك ، فلما كان
ببعضِ الطريق جاء كتابٌ ثانٍ من إبراهيمَ الإمام إلى أبي مسلم : إني بعثتُ إليك برايةِ النصر ، فارجعْ إلى
خُراسان، وأظهرِ الدَّعْوَة . وأمَرَ قحطبةَ بنَ شبيب أن يسيرَ بما معه من الأموال والتُّحَف إلى إبراهيم
الإمام ، فيوافيه في الموسم .
فرجع أبو مسلم بالكتاب ، فدخلَ خُراسان في أولِ يوم من رمضان ، فرُفعَ الكتاب إلى سليمانَ بنِ
كثير ، وفيه : أنْ أظهرْ دعوتَك ولا تتربَّصْ . فقدَّموا عليهم أبا مسلم الخُراساني داعياً إلى بني العباس ،
فبعث أبو مسلم دُعاتَهُ في بلاد خُراسان ، وأميرُ خُراسان نَصْرُ بن سَيَّارَ مشغولٌ بقتالِ الكَرْماني ، وشيبانَ بنِ
سلمةَ الحَرُوريّ ، وقد بلغ من أمرِه أنه كان يُسلِّم عليه أصحابُه بالخلافة في طوائفَ كثيرةٍ من الخوارج .
فظهر أمْرُ أبي مسلم ، وقصَدَهُ الناسُ من كلِّ جانب ، فكان ممَّنْ قصدَهُ في يومٍ واحدٍ أهلُ ستينَ قريةً ،
فأقام هناك اثنين وأربعين يوماً ، ففُتحت على يديه أقاليمُ كثيرة ، ولما كان ليلةُ الخميس لخمسٍ بَقِين من
رمضان في هذه السنة عقدَ أبو مسلم اللواءَ الذي بعثَهُ إليه الإمامُ - ويُدْعَى الظُّل - على رُمْحِ طولُه أربعةَ عشرَ
ذراعاً؛ وعقَدَ الرايةَ التي بعَثَ بها بها الإمام أيضاً - وتُدْعى السحاب - على رُمح طولُه ثلاثةَ عشرَ ذراعاً ؛
وهما سَوْداوان ، وهو يتلو قولَهُ تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾
[ الحج: ٣٩]؛ ولَبِسَ أبو مسلم وسليمانُ بن كثير ومنْ أجابَهم إلى الدعوة السَّوَاد ، وصارت شعارَهم؛
وأوْقَدوا في هذه الليلة ناراً عظيمةً يَدعونَ بها أهلَ تلكَ النواحي ؛ وكانتْ علامةً بينهم ، فتجمَّعوا ، ومعنى
تسميةٍ إحدَى الرايتَيّن بالسحاب ، أنَّ السحابَ كما يُطبقُ جميعَ الأرض ، كذلك بنو العباس تطبقُ دعوتُهم
أهلَ الأرض . ومعنى تسميةِ الأخرى بالظّلّ أنَّ الأرضَ كما أنَّها لا تخلو من الظُّلّ ، فكذلك بنو العباس
لا تخلو الأرضُ من قائمٍ منهم . وأقبل الناسُ إلى أبي مسلمٍ من كلِّ جانب ، وكثُرُ جيشُه .
ولما كان يومُ عيدِ الفِطْر أمرَ أبو مسلمٍ سليمانَ بن كثير أنْ يُصلِّيَ بالناس، ونَصَبَ له مِنْبراً ، وأن
يُخالفَ في ذلك بني أمية ، ويعملَ بالسُّنَّةَ ؛ فَنُودِيَ للصلاة الصلاة جامعة، ولم يؤذِّنْ ولم يُقِم ، خلافاً
لهم ، وبدأ بالصلاةِ قبلَ الخُطْبة ، وكَبَّرَ سبعاً في الأولى قبلَ القراءة لا أربعاً ؛ وخمساً في الثانية لا ثلاثاً ،

٢٥٠
أول ظهور أبي مسلم الخراساني
خلافاً لهم ، وابتدأ الخطبةَ بالذِّكْرِ والتكبير ، وختمها بالقراءة . وانصرف الناس من صلاة العيد وقد أعدَّ
لهم أبو مسلمٍ طعاماً ، فوضعه بين يدي الناس ، وكتب إلى نصر بن سيَّار كتاباً بدأ فيه بنفسه ثم قال :
إلى نصرِ بنِ سَيَّار ، بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد، فإن الله عَيَّرَ أقواماً في كتابِهِ فقال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ
◌ِاللَّهِ جَهْدَ أَتْمَتِهِمْ لَيِنْ جَهُمْ نَذِيرٌ لَّكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَّمِ﴾ إلى قوله: ﴿ تَحْوِيلًا﴾ [ فض ٤٢ -٤٣].
فعَظُمَ على نصر أنْ قَدَّمَ اسمَهُ على اسمِه ، وأطال الفِكْرَ وقال : هذا كتابٌ لهُ جواب .
قال ابنُ جرير(١) : ثم بعث نصرُ بن سيار خيلاً عظيمةً لمحاربةِ أبي مسلم ، وذلك بعد ظهورِهِ بثمانيةَ
عشرَ شهراً ، فأرسل أبو مسلم إليهم مالكَ بن الهيثم الخُزَاعِي ، فالتقَوْا ، فدعاهُمْ مالكٌ إلى الرِّضا عن آلِ
رسولِ الله ◌ٌِّ، فأبوا ذلك، فتصافُوا من أوَّلِ النَّهار إلى العصر ، فجاء إلى مالكِ مدَد ، فقَوي عليهم
واستظهر ، فظَفِرَ بهم مالك ، وكان هذا أولُ موقفٍ اقتَتَلَ فيه دعاةُ بني العباس وجندُ بني أمية .
وفي ذي اقَعْدةٍ من هذه السنة غلَبَ خازمُ بن خزيمة على مَرْوِ الرُّوذ ، وقَتَلَ عاملَها من جهةٍ نصرٍ بن
سَيَّر ، وهو بِشْرُ بن جعفر السَّعدي، وكتب بالفَتْحِ إلى أبي مسلم ، وكان أبو مسلم إذْ ذاك شاباً قد اختاره
إبراهيمُ لدعوتِهم ، وذلك لشهامتِهِ وصرَامتِهِ ، وقوةٍ فَهْمِهِ وجَوْدةِ ذِهْنه ، وأصلُهُ من سوادٍ الكُوفة ؛ وكان
مولَّ لإدريسَ بنِ مَعْقل العِجْلي ، فاشتراهُ بعضُ دعاةِ بني العباس بأربع مئةِ دِرْهم ، ثم أخذه محمدُ بن
علي ، ثم آلَ وَلاؤهُ لآلِ العباس ، وزوَّجهُ إبراهيمُ الإمامُ بابنةِ أبي النَّجْم إسماعيلَ بنِ عمران ، وأصدَقَها
عنه ، وكتب إلى دُعاتِهِم بخراسان والعراق ، أنْ يسمعوا له . فامتثلوا أمرَهُ في هذه المدَّة ، وقد كانوا في
السَّنة الماضية قبلَ هذه السنة ردُّوا عليه أمرَهُ لِصِغَرِهِ فيهم ؛ فلمَّا كانتْ هذه السنةُ أَّدَ الإمام كتابهُ إليهم في
الوصاةِ به وطاعته ، وكان في ذلك الخيرُ له ولهم ، ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرَّا مَّقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: ٣٨].
ولمَّا فَشَا أمرُ أبي مسلم بخراسان تعاقدَتْ طوائفُ من أحياءِ العربِ الذين بها على حَرْبِهِ ومُقاتلته ، ولم
يُكرَهِ الكرماني وشيبان لأنّهما خرجا على نصر ، وأبو مسلم مخالفٌ لنصر كحالِهما ، وهو مع ذلك يَدْعو
إلى خَلْعِ مروانَ الحمار ، وقد طلب نصرٌّ من شيبانَ أنْ يكونَ معهُ على حَرْب أبي مسلم أو يكفَّ عنه حتى
يتفرغَ لحَرْبِهِ ، فإذا قتلَ أبا مسلم عادا إلى عداوتِهما ؛ فأجابه إلى ذلك فبلغَ ذلك أبا مسلم ، فبعث إلى
الكَرْمانِيِّ يُعلمُه بذلك، فلام الكرمانيُ شيبانَ على ذلك وثناه عن ذلك ، وبعث أبو مسلم إلى هَرَاة
النضرَ بنَ نُعيم ، فأخذها من عاملها عيسى بن عقيل الليثيّ ، وكتب إلى أبي مسلم بذلك ، وجاء عاملُها
إلى نصرٍ هارباً ، ثم إنَّ شيبانَ وادَعَ نصرَ بن سيَّارٍ سنةً على تَرْك الحرب بينه وبينه، وذلك عن كُرْهٍ من
الكَرْمانيّ ، فبعث ابنُ الكرماني إلى أبي مسلم : إني معك على قتالِ نصر ، ورَكِبَ أبو مسلم في خدمةِ ابنِ
الكَرْمانيّ ، فَنَزْلَ عنده ، واجتمعا فاتفقا على حربِ نصرٍ ومخالفتِهِ ، وتحول أبو مسلمٍ إلى موضعٍ فسيح ،
(١) هو الطبري في تاريخه (٣٠٨/٤).

٢٥١
مقتل ابن الكرماني
وكَثُرَ جُندُه، وعَظُمَ جيشُه ، واستعمل على الحَرَسِ والشُّرطِ والرسائلِ والديوان وغير ذلك مما يحتاج إليه
الملك عمّالًا، وجعل القاسم بن مجاشع التميميَّ - وكان أحد النقباء - على القضاء ؛ وكان يصلِّي
بأبي مسلم الصلوات ، ويقصُّ بعض القصص ، فيذكر محاسن بني هاشم ، ويذم بني أمية ، ثم تحوَّل
أبو مسلم إلى قريةٍ يُقالُ لها بالين ، وكان في مكانٍ منخفض ، فخشيَ أنْ يقطعَ عنه نصرُ بن سيارٍ الماء ،
وذلك في سادسِ ذي الحجّة من هذه السنة ، وصلَّى بهم يوم النَّحْر القاضي القاسم بن مجاشع ، وسار
نصرُ بنُ سيار في جحافلَ كالسحاب قاصداً قتالَ أبي مسلم ، واستخلف على البلاد نُؤَاباً ، وكان من أمرهما
ما سنذكرُه في السنةِ الآتية .
مقتل ابن الكرماني
ونَشِبتِ الحرب بين نصرِ بن سيارٍ وبين ابنِ الكَرْماني ، وهو جديع بن علي الكَرْماني ، فقُتل بينهما من
الفريقَيْن خَلْقٌ كَثير ، وجعل أبو مسلم يُكاتبُ كلاَّ من الطائفتين ، ويستميلُهم إليه ، يكتبُ إلى نصر ، وإلى
ابنِ الكَرْماني: إنَّ الإمامَ قد أوصاني بكُمْ خيراً ، ولستُ أعدو رأيَهُ فيكم . وكتب إلى الكُور يَدْعو إلى بني
العباس ، فاستجاب له خَلْقٌ كَثير، وجَمٌّ غَفِير، وأقبل أبو مسلمٍ فَنزلَ بين خندقِ نصر ، وخندقِ ابن
الكرماني ، فهابَهُ الفريقان جميعاً ، وكتب نصرُ بن سيَّارٍ إلى مروانَ يُعلِمُهُ بأمرِ أبي مسلم وكثرةٍ منْ معه ،
وأنه يدعو إلى إبراهيمَ بنِ محمد ، وكتب في جملةِ كتابِه :
وأخْرَى أنْ يكونَ لَهُ ضِرَامُ
أرى بين الرَّمَادِ وَمِيضَ جَمْرٍ
وإِنَّ الحربَ مَبْدؤها الكلامُ
فإنَّ النارَ بالعِيدانِ تُذْكَى
أأيقاظُ أميةُ أمْ نيامُ(١)
فقلتُ من التعُّب ليتَ شِعْري
فكتب إليه مروان : الشاهِدُ يرَى ما لا يراهُ الغائب. فقال نصر : إنَّ صاحبَكمْ قد أخبرَكم أنْ لا نَصْرَ
عندَه .
وبعضُهم يرويها بلفظٍ آخر :
فيوشكُ أنْ يكونَ لَها ضِرَامُ
أرى خَلَلَ الرَّمَادِ وَمِيضَ نارٍ
ونارُ الحربِ أوَّلُها كلامُ
فإنَّ النارَ بالزَّيْدَيْنِ تُورَى
يكونُ وقودَها جُثَثٌ وهامُ
فإن لم يُطْفِها عقلاءُ قومٍ
أآيقاظٌ أميةُ أمْ نِيَامُ
فقلتُ من التعجُّبِ ليتَ شِعْري
(١) الخبر والأبيات في تاريخ الطبري (٣١٤/٤) .

٢٥٢
مقتل ابن الكرماني
فإنْ كانوا لِحَيْنِهِمُ نياماً فَقُلْ قوموا فقد حانَ القيامُ(١)
قال ابنُ خَلِّكان(٢) : وهذا كما قال بعضُ عَلَوتَةِ الكُوفة حين خرجَ محمدٌ وإبراهيمُ ابنا عبدِ الله بن
الحسن على المنصور أخي السفاح :
لهَا في كلِّ ناحيةٍ شُعَاعُ
أرى ناراً تشبُّ على بِقَاعٍ
وباتَتْ وهي آمنةٌ رِتَاعُ
وقد رَقَدَتْ بنو العباسِ عنها
تُدَافعُ حين لا يُغْنِيِ الدِّفَاعُ
كما رقدَتْ أمیةُ ثم هَبَّتْ
وكتبَ نصرُ بن سيَّار أيضاً إلى نائبِ العراق يزيدَ بنِ عمر بنِ هُبيرة يستمِدُّه ، وكتب إليه :
وقد تبيَّنْتُ أنْ لا خيرَ في الكذِبِ(٣)
أبلغْ يزيدَ وخيرُ القولِ أصدقُهُ
بَيْضاً لو افْرَخَ قد حدَّثْتُ بالعَجَبِ (٤)
بأنَّ أرضَ خُراسانٍ رأيتُ بها
لَمَّا يَطِرْنَ وقد سُرْبِلْنَ بالزَّغَبِ
فِرَاغُ عامَيْنٍ إلَّ أنَّها كَبِرَتْ
يُلْهِبنَ نِيرانَ حَرْب أَيَّما لَهَبٍ (٥)
فإنْ يَطِزْنَ ولم يُحْتَلْ لَهُنَّ بها
فبعث ابنُ هُبِيرةَ بكتابِ نصرٍ إلى مروان ، واتَّفَقَ في وصولِ الكتابِ إليه أنْ وجدوا رسولاً من جهةٍ
إبراهيم الإمام ، ومعه كتابٌ منه إلى أبي مسلم ، وهو يشتُمُه فيه ويسُبُه، ويأمرُهُ أنْ يُناهضَ نصرَ بنَ سَيَّارٍ
وابنَ الكَرْماني ، ولا يترُك هناك منْ يُحْسنُ العربية . فعند ذلك بعثَ مروانُ وهو مقيمٌ بحَرَّانَ كتاباً إلى نائبهِ
بدمشق ، وهو الوليد بن معاوية بن عبد الملك ، يأمرُهُ أنْ يرسل كتاباً إلى نائبهمْ بالبَلْقاء ، أنْ يَذْهب إلى
الحُمَيْمَةُ(٦) - وهي البلدةُ التي فيها إبراهيمُ بن محمد الإمام - فيُقَيِّدَه ويُرسلَهُ إليه. فبعثَ نائبُ دمشقَ إلى
نائبِ البَلْقاء ، فذهب إلى مسجدِ البلدةِ المذكورة ، فوجدَ إبراهيمَ الإمام جالساً ، فقَّدهُ وأرسل به إلى
دمشق ، فبعثه نائبُ دمشقَ من فَوْرِهِ إلى مروان ، فأمرَ بِهِ فسُجنَ ثم قُتل كما سيأتي .
وأمَّا أبو مسلم فإنَّه لَمَّا توسَّطَ بين جيشٍ نصرٍ وابنِ الكَرْمَانِيّ ، كاتَبَ ابنَ الكرماني : إني معك . فمالَ
إليه ، فكتبَ إليه نصر : وَيْحَك! لا تَغْتَرَ ، فإنَّهُ إنما يُريد قتلَكَ وقتلَ أصحابِك ، فهَلُمَّ حتى نكتبَ كتاباً
بيننا بالْمُؤَادَعَةِ . فدخلَ ابنُ الكَرْمانِيِّ دارَهُ ثم خرج إلى الرَّحْبَةِ في مئةٍ فارس ، وبعث إلى نصر هَلُمَّ حتى
(١) الأبيات والخبر في وفيات الأعيان (١٤٩/٣، ١٥٠).
(٢)
في وفيات الأعيان (١٥٠/٣).
في (ق): ((وقد تحققت))، والمثبت من ( ب، ح ) .
(٣)
في (ق ): (( بيضاً إذا أفرخت))، والمثبت من ( ب، ح) .
(٤)
الأبيات والخبر في تاريخ الطبري (٣١٤/٤) .
(٥)
(٦) الحميمة: بلفظ تصغير الحُمَة . بلدٌ من أرض الشراة من أعمال عَمَّان، في أطرافِ الشام ، كانتْ منزلَ بني
العباس . معجم البلدان (٢/ ٣٠٧).

٢٥٣
مقتل ابن الكرماني
نتكاتبَ ، فأبصرَ نَصْرٌ غِرَّةً من ابنِ الكَرْمانيِّ فنهض إليهِ في خلْقٍ كثير ، فحمَلوا عليه فقتلوه ، وقتلوا من
جماعتهِ جماعةً ، وقُتل ابنُ الكرمانيِّ في المعركة، طعَنَهُ رجلٌ في خاصِرَتِهِ ، فخَرَّ عن دابَتِهِ ، ثم أمر نصرٌ
بصَلْبِهِ وصَلَب معه جماعةً ، وصلَبَ معه سمكة ، وانضافَ وَلَدُهُ إلى أبي مسلم الخُراساني ، ومعه طوائفُ
من الناسِ من أصحابِ ابنِ الكَرْماني ، فصاروا كَتِفاً واحداً على نصر .
قال ابنُ جرير(١) : وفي هذه السنة تغلَّبَ عبدُ الله بن معاوية بنِ عبد الله بن جعفر على فارسَ وكُورِها ،
وعلى حُلْوان ، وقُومس، وإصْبهان ، والرَّيّ ، بعدَ حَرْبٍ يطولُ ذكرُها ؛ ثم التقى عامر بن ضُبَارة معه
بإصْطَخر ، فهزمه ابنُ ضُبَارة وأسَرَ من أصحابِهِ أربعينَ ألفاً ، فكان منهم عبدُ الله بن علي بن عبد الله بن
عباس ، فنسبه ابنُ ضُبارة وقال له : ما جاء بكَ معَ ابنِ معاوية وقد علمتَ خِلافهُ لأمير المؤمنين ؟ فقال :
كان عليَّ دَيْنٌ فأتَيْتُهُ فيه . فقامَ إليه حَرْب بن قَطَنِ بن وهب الهلالي فاستوهَبَهُ منه وقال: هو ابنُ أختنا .
فوهَبَهُ لهُ وقال : ما كنتُ لأقدِمَ على رجلٍ من قريش . ثم استعلَمَ ابنُ ضُبارةَ منه أخبارَ ابنِ معاوية ، فَذَقَّهُ
ورَمَاهُ هو وأصحابَه باللّوَاطِ ؛ وجيء من الأسارَى بمئةٍ غلامٍ عليهم الثيابُ المصبغة ، وقد كان يعملُ معهمُ
الفاحشة . وحمل ابنُ ضُبارة عبدَ الله بن علي على البريد لابن هُبيرة لِيُخبرَهُ بما أخبر به ابنُ ضبارة عن ابنِ
معاوية ، وقد كتب الله عزَّ وجلَّ أنَّ زوالَ مُلكِ بني أمية يكونُ على يديْ هذا الرجل ، وهو عبدُ الله بن
علي بن عبد الله بن عباس ، ولا يَشْعُرُ واحدٌ منهم بذلك .
قال ابنُ جرير(٢) : وفي هذه السنة وافَى(٣) الموسمَ أبو حمزةَ الخارجي ، فأظهر التحكيمَ والمخالفة
لمروانَ، وتبرَّأ منه. فراسلهم عبدُ الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذٍ أميرُ مكَّةَ والمدينةِ
والطائف ، وإليهِ أمرُ الحَجِيج في هذه السنة ، ثم صالحهم على الأمانِ إلى يومِ النَّفْر، فوقفوا على حِدَةٍ
بين الناس بعرفات، ثم تحيَّوا عنهم ، فلما كان يومُ النَّفْرِ الأولِ تعَجَّلَ عبدُ الواحدِ وتَرَكَ مكةَ فدخلها
الخارجيُّ بغيرِ قتال ، فقال بعضُ الشعراء في ذلك :
دِينَ الإِلّهِ فَفَرَّ عبدُ الواحدِ
زارَ الحَجِيجَ عصابةٌ قد خالَفُوا
ومَضَى يُخبّطُ كالبعيرِ الشَّارِدِ
ترَكَ الحلائلَ والإمارةَ هارباً
لصَفَتْ موارِدُهُ بِعِزْقِ الوالِدِ
لو كان والدُهُ تنصَّلَ عِزْقَهُ
ولما رجع عبدُ الواحِدِ إلى المدينة شرَعَ في تجهيز السرايا إلى قتالِ الخارجي ، وبَذْلِ النَّفَقات ، وزادَ
(١) في تاريخه (٣١٥/٤) .
(٢) هو الطبري في تاريخه (٤/ ٣١٧).
(٣) في (ح، ق): ((ولي))، والمثبت من ( ب) وتاريخ الطبري.

٢٥٤
وفيات سنة ١٢٩ هـ - أحداث سنة ١٣٠ هـ - مقتل شيبان الحروري
في أعطيةِ الأجناد ، وسيَّرَهم سريعاً ، وكان أمير العراق يزيد بن هُبيرة ، وأمير خُراسان نصر بن سَيَّار ،
وقد استحوذَ على بعضِ بلادِه أبو مسلم الخراساني .
ومِمَّنْ تُوِّي فيها من الأعيان :
سالم أبو النَّضْر .
وعليُّ بن زيد بن جُدْعان في قول .
ويحيى بن أبي كثير. وقد ذكَرْنا تراجِمَهم في (( التكميل)) ولله الحمد .
سنة ثلاثين ومئة
في يوم الخميس لتسع خلَوْنَ من جُمَادَى الأولى منها دخل أبو مسلم الخُراساني مدينةَ مَرْو ، ونزَلَ دارَ
الإمارةِ بِها وانتزَعَها من يَدِ نَصْرٍ بن سَيَّر ، وذلك بمساعدة علي بن الكَرْماني ، وهرَبَ نصرُ بن سيَّار في
شِرْذِمةٍ قليلةٍ من الناس، نحو من ثلاثة آلاف، ومعه امرأتُهُ الْمَرْزُبانة ، ثم عجَّلَ الهَربَ حتى لَحِقَ
سَرْخَس، وترك امرأتَهُ وراءَهُ ونَجَا بنفسِه ، واستفحلَ أمْرُ أبي مسلم جدّاً، والتَفَّتْ عليه الطوائفُ من
الناس وجماعةٌ من أحياء العرب .
مَقْتَلُ شيبانَ بن سَلَمَةَ الحَرُوِي
ولما هربَ نصرُ بن سيَّار بَقِيَ شيبان ، وكان مُمالئاً له على أبي مسلم ، فبعث إليه أبو مسلم رسلاً ،
فحَبسَهم ، فأرسل أبو مسلم إلى بسَّام بن إبراهيم مولى بني ليث ، يأمرُه أنْ يركبَ إلى شيبانَ فِيُقاتِلَه ، فسار
إليه ، فاقتتلا ، فهزمه بسَّامٌ فقتَلَه، واتَّبَعَ أصحابَهُ يقتُلُهم ويأسِرُهم ، ثم قتلَ أبو مسلمٍ عليّاً وعثمانَ ابني
الكَرْماني . وكان سببُ ذلك أنَّ أبا مسلم كان وَجَّه موسى بن كعب إلى أبِيوَرْدَ فافتتحهَا ، وكتبَ إلى أبي
مسلم يعلمه بذلك ، ووجَّهَ أبا داودَ إلى بَلْخِ فأخذَها من زياد بن عبد الرحمن القُشَيْري ، فجمعَ زيادٌ خلقاً
من الجنود من أهلِ تلك الناحية لقتالِ السُّود ، فنهضَ إليهم أبو داود ، فقاتلهم حتى كَسَرَهم ، واستباحَ
معسكرَهم، وقتل منهم خلقاً واصطفى أموالًا جَزِيلة ، واستفحلَ أمرُهُ هناك، ثم وقعت كائنةٌ اقتضَتْ أن
أَنَّفَقَ رأيُ أبي مسلم مع أبي داود على قَتْلِ عثمان بن الكَرْماني في يومٍ كذا وكذا ، وفي ذلك اليوم بِعَيْنِه يقتل
أبو مسلم عليَّ بن جديع الكَرْماني ، فوقع ذلك كذلك .
وفي هذهِ السنةِ وجَّهَ أبو مسلم فَحْطَبَةَ بن شَبيب إلى نَيْسابورَ لقتالٍ نَصْرٍ بن سيَّار، ومع قحطبةَ جماعةٌ
من كبارِ الأمراء ، منهم خالدُ بن بَرْمَك ، وخلقٌ منهم ، فالتقَوْا مع تميم بن نَصْرِ بن سيَّار وقد وجَّهَهُ أبوهُ
لقتالِهِم بِطُوس ، فقتلَ قحطبةٌ من أصحاب نصرٍ نحواً من سبعةَ عشرَ ألفاً في المعركة ، وقد كان أبو مسلم

٢٥٥
ذكر دخول أبي حمزة الخارجي المدينة النبوية
بعث إلى قحطبةَ مدداً نحو عشرةِ آلاف فارس ، عليهم عليّ بنُ مَعْقِل ، فاقتتلوا ، فقتلوا من أصحابِ نصرٍ
خلقاً كثيراً ، وقتلوا تميمَ بنَ نَصْر ، وغَنِموا أموالًا جَزِيلة جداً ، ثم إنَّ يزيدَ بنَ عمر بنِ هُبيرةَ نائبَ مروانَ
على العراق ، بعث بسَريَّةٍ مدداً لنصرِ بنِ سَيَّر ، فالتقى معهم قحطبةُ في مُستَلِّ ذي الحِجَّة ، وذلك يوم
الجُمعة، فقام قحطبةُ في الناس خطيباً ، فحثَّهم على الجهادِ والقتال ، وذكّرهم ، وأمرهم بالمصابَرَة ،
ووعدَهم عن الإمام أنهم يُنصَرون في هذا اليوم ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فانهزم جندُ بني أمية ، وقُتل من
أهل الشام وغيرِهم عشرةُ آلاف، منهم أميرُ المدد نُبَاتَةُ بن حنظلة عاملُ جُرْجان ورساتيقها لابن هُبيرة ،
فبعث قحطبةٌ برأسِهِ إلى أبي مسلم .
ذكرُ دخولِ أبي حمزةَ الخارجي المدينةَ النبويَّةَ
واستيلائِهِ عليها مدة ثلاثة أشهر حتى ارتحل منها
قال ابنُ جرير(١) : وفي هذه السنةِ كانت وقعةٌ بقُدَيد من أرض الحجاز ، بين أبي حمزةَ الخارجي
الذي كان عامَ أول في أيام الموسم ، فقتل من أهلِ المدينة من قريش وغيرهم خلقاً كثيراً ، ثم دخل المدينةَ
وهرَبَ نائبُها عبدُ الواحد بنُ سليمان ، فقتل الخارجيُّ من أهلِها خلقاً ، وذلك لتسعَ عشرةَ ليلةً خلَتْ من
صفرَ من هذه السنة، ثم خطبَ على مِنبرِ رسولِ الله وََّ، فوبَّخَ أهلَ المدينة وأنَّبَهمْ، وكان فيما وبَّخهمْ به
أنْ قال : يا أهل المدينة ، إني مررتُ بكمْ أيامَ الأحول - يعني هشامَ بنَ عبدِ الملك - وقد أصابَتُكُمْ عاهةٌ في
ثمارِكم فكتبتُمْ إليه تسألونَهُ أنْ يضَعَ الخَرْصَ (٢) عن ثمارِكم فوضعه، فزاد غَنِيَّكم غِنِىّ ، وزاد فقيرَكم
فقراً ، فكتبتم إليه : جزاكَ الله خيراً ، فلا جَزَاهُ الله خيراً . في كلام طويل . فأقام عندَهم ثلاثةَ أشهر بقيةَ
صفر وشهرَيْ ربيع ، وبعض جُمَادَى الأولى فيما قال الواقدي وغيرُه(٤).
وقد روى المدائني ، أنَّ أبا حمزةَ رَقِي يوماً منبرَ رسولِ الله وَ ل﴿ فحمد الله ثم أثنى عليه ، ثم قال :
تعلمون يا أهل المدينة أنَّا لم نخرُجْ من ديارِنا وأبنائنا بطَراً ولا أشَراً ، ولا عبثاً ، ولا لِدَوْلةِ مَلِكِ نُريد أن
(١) هو الطبري في تاريخه (٣٢٨/٤).
(٢) الخَرْصُ: حَزْرُ ما على النَّخْل من الرُّطَبِ تمراً، وقد خَرَصْت النخلَ والكرْمَ أخْرُصُه خَرْصاً ، إذا حَزَرَ ما عليها من
الرُّطب تمراً ، ومن العِنَبِ زبيباً ، وهو من الظنّ لأن الحَزْر إنما هو تقديرٌ بِظَنٍ، وخرَصَ العدَدَ يَخْرُصُه ويَخْرِصُه
خَرْصاً وخِرْصاً: حَزَرَه ، وقيل : الخَرْصُ المصدرُ والخِرْصُ، بالكسر ، الاسمُ . يقال : كم خِرْصُ أرْضِك وكم
خِرْصُ نَخْلِكَ؟ بكسر الخاء، وفاعلُ ذلك الخارِصُ ، وكان النبيّ يبعَث الخُرَّاص على نَخِيل خَيْبَر عند إذْراك
ثَمرِها ، فَيحزِرونه رُطباً كذا وتَمراً كذا ، ثم يأخذهم بمَكِيلة ذلك من التمر الذي يجب له وللمساكين . لسان العرب
( خرص ) .
(٣) انظر قول الواقدي في تاريخ الطبري (٣٣٠/٤).

٢٥٦
ذكر دخول أبي حمزة الخارجي المدينة النبوية
نخوضَ فيه ، ولا لِثأرٍ قَدِيم نِيلَ منَّا. ولكنَّا لما رأينا مصابيحَ الهُدَى عُطَّلَتْ(١)، وضَعُفَ القائلُ بالحق،
وقُتل القائمُ بالقسط ، ضاقَتْ علينا الأرضُ بما رَحُبَتْ ، وسمعنا داعياً يدعو إلى طاعةِ الرحمن وحُكُم
القرآن، فأجَبْنا داعيَ الله ﴿ وَمَنْ لَّا يُحِبْ دَاعِىَ الَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجٍِ فِ الْأَرْضِ﴾ [ الأحقاف: ٣٢]، أقبَلْنَا من قبائل
شَتَّى ، النَّفَرُ مِنَّا على بعيرٍ واحد ، عليهِ زادُهُمْ وأَنْفُسُهم، يتَعَاوَرُونَ لِحَافاً واحداً ، قليلونَ مُسْتَضْعَفونَ في
الأرض فَآوانا الله وأيَّدَنا بنصرهِ ، فأصبَحْنا والله بنعمةِ الله إخواناً ، ثم لَفِيَنا رجالُكُمْ بِقُدَيْد ، فدعَوْناهم إلى
طاعةِ الرحمنِ وحُكْمِ القُرآن ، ودعَوْنا إلى طاعة الشيطانِ وحُكم بني مروان ، فشَتَّنَ لعمرُ الله ما بين الغَيِّ
والرُّشْد، ثم أقبلوا نحوَنا يُهْرَعُونَ ، قد ضربَ الشيطانُ فيهم بِجِرَانِهِ ، وغلَتْ بدمِائِهِم مَرَاجِلُه ، وصدَق
عليهم ظَنُّهُ فَاتَّبِعوه، وأقبلَ أنصارُ الله عصائبَ وكتائبَ، بكُلِّ مُهَنَّدٍ ذي رونق ، فدارَتْ رَحَانا ،
واستدارَتْ رَحَاهُمْ بضربٍ يَرْتابُ منه المُبْطِلون . وأنتم يا أهل المَدينة ، إنْ تَنْصُروا مروانَ يُسْحِتكُمُ الله
بعذابٍ من عنده أو بأيدينا ويَشْفِ صدورَ قوم مؤمنين ، ياأهلَ المدينة ، أؤَلُّكُمْ خيرُ أول، وآخِرُكم شَؤُ
آخِر . يا أهلَ المدينة، الناسُ مِنَّا ونحن منهم، إلَّ مُشْرِكاً عابِدَ وَثَن، أو كافراً أهلَ كتاب ، أو إماماً
جائراً ، يا أهل المدينة، مَنْ زَعَم أنَّ الله يُكَلِّفُ نفساً فوق طاقَتِها ، أو يسألها ما لم يؤتِها فهو لله عدوّ ، وأنا
له حَرْب ، يا أهلَ المدينة ، أخبِروني عن ثمانيةِ أسْهُم فرَضَها الله في كتابهِ على القويِّ والضعيف ، فجاءَ
تاسِعٌ ليس له منها ولا سهمٌ واحد ، فأخذها لنفسِهِ مُكابِراً محارِباً لِرَبِّه، يا أهلَ المدينة ، بَلَغَني أنكم
تَنْتَقِصونَ أصحابي ، قلتُمْ شَبَابٌ أحداث، وأعرابٌ جُفَاةٌ أجلاف ، وَيْحكم! فهل كان أصحابُ
رسولِ اللهِوَ﴿ إِلَّ شباباً أحداثاً؟ شُبَانٌ والله مُكْتَهِلُون في شَبَابِهِم، غَضَّةٌ عن الشرِّ أعينُهم، تَقِيلةٌ عن السَّعْيِ
في الباطل أقدامُهم ، قد باعوا للهِ أنفساً تموت ، بأنفسِ لا تموت ، قد خالطوا كلالَهم بكلالِهم ، وقيامَ
ليلِهم بصيام نهارهِم ، مُنحَنِيةٌ أصلابُهم على أجزاءِ القرآن ، كلَّما مرُوا بآيةٍ خوفٍ شَهَقُوا خوفاً من النار ،
وإذا مُؤُوا بآيةٍ شَوْقٍ شَهَقوا شوقاً إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد انتُضيَتْ، وإلى الرِّمَاحِ قد شُرعتْ
وإلى السهام قد فُوَّقَتْ، وأرعدَتِ الكتيبةُ بصواعقِ الموت استخفُوا واللهِ وَعِيدَ الكتيبةِ لِوَعِيدِ الله في
القرآن ، ولم يستخقُوا وَعِيدَ الله لِوَعيدِ الكتيبة ، فطُوبِى لهم وحسنُ مَآب . فكم من عينٍ في مناقيرِ الطيرِ
طالما فاضَتْ في جَوْفِ الليلِ من خشيةِ الله ؟ وطالما بكَتْ خاليةً من خوفِ الله ! وكم من يدٍ زالَتْ عن
مَفْصِلها طالما ضرَبَتْ في سبيل الله! وجاهدَتْ أعداءَ الله ، وطالما اعتمَدَ بها صاحبُها في طاعةِ الله ! أقولُ
قولي هذا وأستغفرُ اللهَ من تقصيري ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توّلتُ ، وإليه أُنِيب(٢) .
ثم روى المدائني عن العباس ، عن هارون ، عن جَدِّه ، قال : كان أبو حمزةَ الخارجي قد أحسن
(١) في (ق): ((مصابيح الحق طمست))، والمثبت من (ب، ح ).
(٢) أخرج الخبر الطبري في تاريخه (٤/ ٣٣٠).

٢٥٧
وفيات سنة ١٣٠ هـ
السيرةَ في أهلِ المدينة ، فمالوا إليه حتى سمعوهُ يقول : بَرِحَ الخَفَاء ، أين عن بابِك نذهب ؟ ثم قال : مَنْ
زَنَا فهو كافر، ومَنْ سَرَقَ فهو كافر . فعند ذلك أبغضوهُ ورجَعُوا عن محبَّتِه ، وأقام بالمدينةِ حتى بعث
مروانُ الحمار عبدَ الملك بن محمد بن عَطِيَّةِ ، أحَدَ بني سعدٍ في خيلِ أهلِ الشام أربعة آلاف ، قدِ انتخَبَها
مروانُ من جيشِه ، وأعْطَى كلَّ رجلٍ منهم مئةَ دينار ، وفرساً عربيّةً ، وبَغْلاً لِثَقَلِهِ، وأمرَهُ أنْ يُقاتِلَهُ ولا
يَرْجعَ عنه، ولو لم يَلْحَقْهُ إلَّ باليمن فَلْيَتْبَعْهُ إليها، ولْيُقاتِلْ نائبَ صنعاء عبدَ الله بن يحيى، فسارَ ابنُ عطيَّة
حتى بلَغَ وادي القُرَى ، فتلقَّاهُ أبو حمزةَ الخارجيّ قاصداً قتالَ مروانَ بالشام ، فاقتتلوا هنالكَ إلى الليل ،
فقال له : وَيْحَكِ يا ابنَ عطيّة، إنَّ الله قد جعلَ الليلَ سَكَنَاً، فأخِّرْ إلى غد . فأبى عليهِ أنْ يُقلعَ عن قتاله ،
فما زال يُقاتلهم حتى كسرَهم فولَّوْا، ورجع فَلُّهم إلى المدينة ، فنَهَضَ إليهم أهلُ المدينة ، فقتلوا منهم
خلقاً كثيراً ، ودخل ابنُ عطيةَ المدينة وقد انهزَمَ جيش أبي حمزةَ عنها ، فيقال إنه أقامَ بِها شهراً ثم استخلف
عليها ، ثم استخلف على مكَّة وسار إلى اليمن ، فخرج إليه عبدُ الله بن يحيى نائبُ صنعاء فاقتتلا ، فقَتَله
ابنُ عَطِيَّةَ وبعث برأسِهِ إلى مروان ، وجاء كتابُ مروانَ إليه يأمرُهُ بإقامةِ الحجِّ للناس في هذِه السنة ،
ويستعجلُه في المسيرِ إلى مكة، فخرجَ من صنعاءَ في اثني عشر راكباً، وتركَ جيشَه بصنعاء ومعه خُرْجُ(١)
فيه أربعون ألف دينار ، فلما كان ببعضِ الطريق نزلَ مَنْزِلًا إذْ أقبل إليه أميرانِ يُقال لهما ابنا جُمانة ، من
ساداتِ تلك الناحية، فقالوا : وَيْحَكم ! أنتم لصوص. فقال: أنا ابنُ عَطِيَّةَ وهذا كتابُ أميرِ المؤمنينَ إليَّ
بإِمْرَةِ الحَجّ ، فنحن نُعَجِّلُ السيرَ لِنُدرِكَ المَوْسِم، فقالوا: هذا باطل، ثم حَمَلوا عليهم فقتلوا ابن عطيةً
وأصحابهُ ولم يُفلِتْ منهم إلَّ رجلٌ واحد ، وأخذوا مامعَهم من المال .
قال أبو معشر : وحجَّ بالناس في هذه السنة محمدُ بن عبد الملك بن مروان ، وقد جُعلت إليه إمرةُ
المدينةِ ومكةَ والطائفِ، ونائبُ العراق ابنُ هُبيرة ، وإمرةُ خُراسان إلى نَصْرِ بن سيار ، غيرَ أنَّ أبا مسلمٍ قدِ
استحوَذَ على مُدُنٍ وَقُرىٌ كثيرةٍ من خُراسان وكُوراً ورَسَاتِيق، وقد أرسل نصرٌ إلى ابنِ هُبيرةَ يستَمِّدُّهُ
ويستنجِدُهُ ، ويطلبُ أن يُمِدَّهُ من عندِهِ بعشرةِ آلافٍ قبلَ أنْ لا يكفيَهُ مئةُ ألف ، وكتبَ أيضاً إلى مروانَ
يستَمِدُّه ، فكتب مروانُ إلى ابنِ مُبيرةَ يُمِدُّه بما أراد .
ومِمَّنْ تُوفِّي فيها من الأعيان :
شُعيب بن الحَبْحَاب .
وعبدُ العزيزِ بنُ صُهيب .
وعبدُالعزيزِ بنُ رُفَيع .
وكعب بن علقمة .
(١) الخُرْجُ: وعاء معروف، عربيٍّ صحيح، والجمع خِرَجَة، وزان عنبة. المصباح المنير ( خرج).

٢٥٨
أحداث سنة ١٣١ هـ
ومحمد بن المُنْكَدِر .
والله سبحانه أعلم .
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومئة
في المحرَّم منها وجَّهَ فَخْطَبَةُ بن شَبِيب ولدَهُ الحسن إلى قُومِسَ لِقِتالِ نصرِ بنِ سيَّار، وأردَفَهُ
بالأمْداد ، فخامَرَ بعضُهم إلى نصر ، وارتحل نصرٌ فَنَزَلَ الرَّيّ ، فأقام بها يومين ، ثم مَرِضَ فسار منها إلى
هَمَذَان، فلمَّا كان بسَاوَهُ(١) ، قريباً من هَمَذان، تُوفِّيَ لمُضِيِّ ثنتَيْ عشرةَ ليلةً خلَتْ من ربيع الأول من هذه
السنة، عن خمسٍ وثمانينَ سنة . فلَّما ماتَ نصرٌ تمكَّنَ أبو مسلم وأصحابُه من بلادِ خُراسان ، وقَوِيَتْ
شَوْكتُهم جداً ، وسار قحطبةُ من جُرْجَان ، وقَدِمَ أمامَهُ زيادُ بن زُرَارَةَ القُشَيري ، وكان قد نَدِم على اتباعِ
أبي مسلم ، فترك الجيشَ وأخذَ جماعةً معه، وسلك طريقَ أصبَهَان ليأتِيَ ابنَ ضُبَارَة ، فبعثَ قحطبةُ وراءَةً
جيشاً ، فقتلوا عامَّةً أصحابِه ، وأقبل قحطبةُ ورَاءَهُ ، فقَدِمَ قُومِسَ وقد افتتحها ابنُهُ الحسن ، فأقام بها
وبعث ابنَهُ بين يديه إلى الرَّي، ثم ساق وراءَهُ فوجدَهُ قد افتتحها ، فأقام بها . وكتبَ إلى أبي مسلمٍ
بذلك، وارتحلَ أبو مسلم من مَرْوَ ، فَنَزَل نَيْسابور، واستفحل أمرُه ، وبعث قحطبةُ بعدَ دخولِهِ الرَّي ابنَهُ
الحسن بين يديه إلى هَمَّذان ، فلما اقتربَ منها خرجَ منها مالكُ بن أدهم وجماعةٌ من أجنادِ الشام
وخُراسان، فَنَزِلوا نَهَاوَنْد ، فافتتح الحسنُ هَمَذان، ثم سار وراءَهُم إلى نَهَاوَنْد، وبعث إليه أبوهُ
بالأمداد ، فحاصرَهم حتى افتتحَها .
وفي هذه السنة مات عامرُ بن ضُبَارة، وكان سببُ ذلك أنَّ ابنَ هُبَيرةَ كتب إليهِ أنْ يسيرَ إلى قحطبةَ
وأمَدَّهُ بالعساكر ، فسار ابنُ ضُبَارةَ حتى التقى مع قحطبة ، وابنُ ضُبَارةَ في مئةٍ وخمسين ألفاً ، وكان يقالُ
له عسكر العساكر ، وقحطبة في عشرين ألفاً ، فلما تواجَهَ الفريقان رفَعَ قحطبةٌ وأصحابُهُ المصاحفَ ونادى
المنادي : يا أهلَ الشام إنَّا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف، فشَتَموا المنادِيَ وشتموا قحطبة ، فأمر
قحطبةُ أصحابَهُ أنْ يحمِلوا عليهم ، فلم يكنْ بينَهم كبيرُ قتال حتى انهزم أصحابُ ابنِ ضُبَارَة ، واتّبعهم
أصحابُ قحطبةَ فقتلوا منهم خلقاً كثيراً ، وقتلوا ابنَ ضُبَارةَ في العسكر [ لشجاعَتِه، فإنَّه لم يُوَلِّ ]٢)
وأخذوا منْ عسكرِهم ما لا يُحدُّ ولا يُوصَف .
(١) سَاوَهْ: بعد الألف واو مفتوحة، بعدَها هاءٌ ساكنة: مدينةٌ حسنةٌ بين الرَّيِّ وهَمَذان، في وَسَط ، بينها وبين كلِّ واحدٍ
من همذان والري ثلاثون فرسخاً ، وكان بها دارُ كتب ، لم يكن في الدنيا أعظمُ منها ، بلغني أنهم أحرقوها ، اهـ
معجم البلدان ( ١٧٩/٣ ).
(٢) ما بين معقوفين ليس في الأصول ، وهو مثبت هكذا بين الحاصرتين في ( ق).

٢٥٩
أحداث سنة ١٣٢ هـ
وفيها حاصرَ قحطبةُ نَهَاونْدَ حصاراً شديداً، حتى سألَهُ أهلُ الشام الذين بِها أنْ يُمْهِلّ(١) أهلَها حتى
يفتحوا له الباب ، ففتحوا له الباب وأخذوا لهم منه أماناً ، فقال لهم مَنْ بها من أهلِ خُرَاسان : ما فعلتُمْ ؟
فقالوا : أخَذْنا لنا ولكم أماناً . فخرجوا ظائِّين أنهم في أمان ، فقال قحطبةُ للأمراء الذين معه : كلُّ مَنْ
حَصَل عندَه أسيرٌ من الخراسانيِّين فَلْيضرِبْ عُنقَه، وَلْيأْتَنَا برأسِه، ففعلوا ذلك، ولم يبقَ ممن كان هرَبَ
من أبي مسلم أحدٌ . وأطلقَ الشاميِّين وأوفى لهم عَهْدَهم ، وأخذَ عليهمُ الميثاق أنْ لا يُمالئوا عليه عدوّاً.
ثم بعث قحطبةُ أبا عَوْن إلى شَهْرَزُور عن أمر أبي مسلم في ثلاثين ألفاً ، فافتتحها وقتل نائبَها عثمانَ بن
سفيان ، وقيل : لم يُقتَل ، بل تحوَّلَ إلى المَوْصِل والجزيرة ، وبعث إلى قحطبةَ بذلك ، ولما بلغ مروانَ
خبرُ قحطبةَ وأبي مسلم وما وقع من أمرِهما تحوَّلَ مروانُ من حَرَّان ، فنزل بمكانٍ يُقال له الزابُ الأكبر .
وفيها قصد قحطبةُ في جيشٍ كثيف نائبَ العراق يزيدَ بن عمر بن هُبيرة ، فلما اقتربَ منه تقهقر ابنُ
هُبيرةَ إلى ورائه ، وما زال يتقهقَرُ إلى أنْ جاوز الفُرَات ، وجاء قحطبةُ فجازها وراءَه ، وكان من أمرِهما
ما سنذكرُهُ في السنةِ الآتيةِ إنْ شاءَ الله تعالى .
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومئة
في المحرَّمِ منها جاز قحطبةُ بنُ شَبِيب الفرات ، ومعه الجنودُ والفرسان ، وابنُ هُبيرةَ مُخيِّمٌ على فَمٍ
الفرات مما يلي الفَلُوجَه٢ُ) في خلقٍ كثير ، وجَمِّ غَفِير، وقد أمِدَّ مروان بجنودٍ كثيرة ، وانضاف إليه كلُّ مَنِ
انهزَمَ من جيشِ ابن ضُبَارة ، ثم إنَّ قحطبةَ عدَلَ إلى الكوفةِ ليأخذَها ، فاتبعهُ ابنُ هُبيرةَ ، فلما كانتْ ليلةُ
الأربعاء لثمانٍ مضَيْنَ من المحرم اقتتلوا قتالا شديداً ، وكَثُرَ القتلُ في الفريقَيْن ، ثم ولَّى أهلُ الشامِ
مُنْهَزِمين ، واتبعهم أهلُ خُراسان ، وفُقد قحطبةُ من الناس ، فأخبرهم رجلٌ أنه قُتَلَ وأوصى أنْ يكونَ أميرً
الناسِ من بعده ولدُهُ الحسنُ حاضراً عند الجيش ، فبايعوا حُمَّيد بن قحطبةَ لأخيهِ الحسن ، وذهبَ البريدُ
إلى الحسن ليحضُر ، وقُتل في هذه الليلةِ جماعةٌ من الأمراء ، والذي قتلَ قحطبةَ مَعْنُ بن زائدة ويحيى بنُ
حصين ، وقيل : بل قتلَهُ رجلٌ ممن كان معه آخذاً بثأرِ ابني نصرِ بن سيَّار ، فالله أعلم ، ووُجدَ قحطبةُ في
القتلى ، فدُفن هنالك .
(١)
في (ب، ح): ((يشغل)) بدل (يمهل)).
الفَلَّوجَة: بالفتح ثم التشديد ، وواو ساكنة ، وجيم : قال الليث : فَلاليجُ السواد قُراها، وإحداها الفَلُوجّة ،
(٢)
والفلوجة الكبرى ، والفلوجة الصغرى ، قريتان كبيرتان من سوادٍ بغدادَ والكوفة ، قربَ عين التمر ، ويقال الفلوجة
العليا ، والفلوجة السفلى أيضاً ، وفي الصحاح : الفلوجة : الأرض المصلحة للزرع ، ومنه سُمِّي موضعٌ على
الفرات الفلوجة ، والجمع فلاليج . معجم البلدان ( ٤/ ٢٧٥ ) ، وهي اليوم مدينة معروفة بغربي بغداد تبعد عنها
(٧٠) كيلو متراً .

٢٦٠
ذكر مقتل إبراهيم بن محمد الإمام
وجاءَ الحسَنُ بنُ قحطبةَ فسار نحو الكوفة ، وقد خرج بها محمدُ بن خالد بن عبد الله القَسْري ، ودعا
إلى بني العباسِ وسَوَّد، وكان خروجُهُ ليلةَ عاشوراء المحرم من هذه السنة ، وأخرج عامِلَها من جهةِ ابنِ
هُبيرةَ وهو زيادُ بن صالح الحارثي ، وتحول محمد بن خالد إلى قَصْرِ الإمارة ، فقصد حَوْثَرَةَ في عشرين
ألفاً من جهةِ ابنِ هُبيرة ، فلما اقترب من الكوفة أصحابُ حَوْثرَة يذهبون إلى محمد بن خالد ، فيبايعونه
لبني العباس ، فلما رأى حوثرةُ ذلك ارتحل إلى واسط . ويقال : بل دخل الحسنُ بن قحطبةَ الكوفة ،
وكان قحطبةُ قد جعل في وصيَّته أنْ تكون وزارةُ الخلافةِ إلى أبي سلمةَ حفصِ بنِ سليمان مولى السَّبِيع
الكوفي الخلاَّل ، وهو بالكوفة ، فلمَّا قَدِموا عليه أشار إلى أن يذهب الحسنُ بن قحطبةَ في جماعةٍ من
الأمراء إلى قتالِ ابنِ هُبيرة بِوَاسِط ، وأنْ يذهبَ أخوهُ إلى المدائن ، وبعثَ البعوثَ إلى كلِّ جانبٍ
يفتتحونَها، وفتحوا البصرة ، افتتحها مسلمُ بن قُتيبة لابنِ هُبيرة ، فلما قُتل ابنُ هُبيرةَ جاء أبو مالك
عبدُ الله بنُ أسيد الخُزَاعي ، فأخذ البصرة لأبي مسلم الخُراساني(١) .
وفي هذه السنة ليلة الجمعة لثلاثَ عشرةَ خلَتْ من ربيع الآخر أُخذتِ البيعةُ لأبي العباس السفّاح ،
وهو عبدُ الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب . قاله أبو معشر وهشام الكلبي .
وقال الواقدي : في جُمَادَى الأولى من هذه السنة ، فالله أعلم .
ذكر مقتل إبراهيم بن محمد الإمام
وقد ذكرنا في سنةٍ تسع وعشرين ومئة ، أنَّ مروانَ اطَّلَعَ على كتابٍ من إبراهيمَ الإمام إلى أبي مسلم
الخراساني يأمرُهُ فيه بأن لا يُبْقِي أحداً بأرضٍ خُراسانَ مِمَّنْ يتكلَّمُ بالعربيةِ إلَّا أبادَه(٢) ، فلما وقف مروانُ
على ذلك سأل عن إبراهيمَ فقيل له : هو في البَلْقاء ، فكَتَبَ إلى نائبٍ دمشقَ أنْ يحضُر ، فبعث نائبُ دمشق
بريداً ومعَهُ صِفَتُهُ ونَعْتُه، فذهب الرسولُ فوجد أخاهُ أبا العباس السفَّحَ، فاعتقَدَ أنَّهُ هو ، فأخذَهُ ، فقيل
له : إنه ليس به ، وإنما هو أخوه. فدُلَّ على إبراهيم، فأخذَهُ وذهبَ معَهُ بأمِّ وَلَدٍ كان يُحِبُّها ، وأوصَى
إلى أهلهِ أنْ يكونَ الخليفةَ من بعدِهِ أخوهُ أبو العباس ، وأمرَهم بالمسيرِ إلى الكوفة ، فارتحلوا من يومِهِم(٣)
إليها ، وكانوا جماعةً ، منهم أعمامُه الستة ، وهم : عبدُ الله، وداودُ ، وعيسى ، وصالح ، وإسماعيل ،
وعبدُ الصمد بنو علي ، وأخواه أبو العباس عبد الله السفاح ، ويحيى ابنا محمد بن علي ، وابناه محمد
وعبد الوهاب ابنا إبراهيم الإمام الممسوك ، وخَلْقٌ سِواهم ، فلمَّا دخلوا الكوفة أنزَلَهم أبو سلمة الخلاَّل
(١) انظر تاريخ الطبري (٣٤٣/٤).
(٢) انظر ما سبق ص (٢٤٦ و٢٥٢).
(٣) في (ب، ح): (( فورهم)).