النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
أحداث سنة ١٢٢ هـ
كنتُ أغازي مع البَطَّال ، وقد أوطأ الرُّومَ ذُلًا. قال البطال : فسألني بعضُ ولاةِ بني أمية عن أعجَبِ ما كان
من أمري في مغازيَّ فيهم ، فقلت فيهم : خرجتُ في سَرِيَّةٍ ليلاً ، فدفعنا إلى قرية ، فقلتُ لأصحابي :
أزْخُوا لُجُمَ خيلِكم ، ولا تحرِّكوا أحداً بقتلٍ ولا بشيء حتى تَشْحَنو١) القرية فإنَّهم في نَوْبة . ففعلوا ،
وافترقوا في أزِقَّتِها ، فدفعتُ في أناسٍ من أصحابي إلى بيتٍ يَزْهرُ سِرَاجُهُ(٢) ، وإذا امرأةٌ تُسكِّتُ ابنَها من
بكائه وهي تقول له : لَتسكتَنَّ أو لأدفعنَّكَ إلى البطَّال يذهَبُ بك. وانتشلَتْهُ من سريره وقالتْ: خُذْهُ
يا بَطَّال. قال: فأخذتُه(٣).
وروى محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم ، عن أبي مروان الأنطاكي ، عن البطال ، قال : انفردتُ
مرَّةً على فرسي ليس معي أحدٌ من الجُند ، وقد سمطتُ (٤) خلفي مِخْلاةً فيها شعير ، ومعي مِنديل فيه خُبز
وشِوَاء ، فبينا أنا أسير لعلِّي ألقَى أحداً منفرداً، أو أطَّلِعُ على خبر ، إذا أنا ببستانٍ فيه بُقولٌ حسنة ، فَزِلْتُ
وأكلتُ من ذلك بالخبزِ والشِّوَاء مع البَقْل ، فأخذَني إسهالٌ عظيم ، قمتُ منه مِراراً ، فخفتُ أنْ أضعُفَ من
كثرةِ الإسهال ، فركبتُ فرسي والإسهالُ مستمِرٌّ على حالِهِ ، وجعلتُ أخشى إنْ أنا نزَلْتُ عن فرسي أنْ
أضعُفَ عن الرُّكوب ، وأفرطَ بي الإسهالُ في السَّرْج حتى خشيتُ أنْ أسقُطَ من الضَّعْف ، فأخذتُ بعِنَانِ
الفرس ، ونمتُ على وجهي ، لا أدري أين يسيرُ الفرسُ بي ، فلم أشعر إلا بِقَرْعِ نعالِهِ على بَلاط ، فأرفعُ
رأسي فإذا دَيْر ، وإذا قد خرج منه نِسْوةٌ صحبةَ امرأةٍ حسناء جميلةٍ جدّاً ، فجعلَتَّ تقولُ بلِسانها أنزِلْنَه .
فَأَنزَلْنَي ، فغسَلْنَ عني ثيابي وسَرْجي وَفَرَسي، ووضَعْنَني على سرير، وعَمِلْنَ لي طعاماً وشراباً ،
فمكثتُ يوماً وليلةً مَسْبوتا٥ً) ثم أقمتُ بقيةَ ثلاثةِ أيام حتى تُردَّ إليَّ حالي ، فبينا أنا كذلك إذْ قيل : جاء
البِطْرِيقُ، وهو يريد أنْ يتزوَّجَها، فأمرَتْ بفرَسي فحُوَّلَ وعُلِّق على الباب الذي أنا فيه، وإذا هو بِطْرِيقٌ
كبيرٌ فيهم، وقد جاء لخطبتها ، فأخبرَهُ منْ كان هنالك بأنَّ هذا البيتَ فيه رجلٌ وله فرَس ، فهمَّ بالهجومِ
عليّ ، فمنعَتْهُ المرأةُ من ذلك، وأرسلَتْ تقولُ له : إنْ فَتح عليه الباب لم أقضِ حاجَته . فثناهُ ذلك عن
الهجومِ عليّ ؛ وأقامَ البِطْرِيقُ إلى آخرِ النهارِ في ضيافتهم ، ثم ركبَ فرسَه ، وركب معه أصحابُهُ وانطلق .
(١) في (ق): ((تستمنوا من القرية ومن سكانها))، والمثبت من ( ب، ح ) ومختصر تاريخ ابن عساكر، ومعنى
تشحنوا : من شَحَنَ البلدَ بالخَيل: مَلأه . وبالبلد شحْنةٌ من الخيل أي رابطة . لسان العرب ( شحن ).
(٢)
زهَرَ السراجُ يَزْهرُ زُهُوراً: ازْدَهَرَ وتلألأ، وكذلك الوجه والقمر والنجم . لسان العرب ( زهر ) .
(٣) مختصر تاريخ ابن عساكر (١٤ / ١٣٧).
(٤) سَمطَ الشيءَ سَمْطاً عَلَّقَهُ. والسِّمْطُ الدِّرْعُ يُعَلِّقُها الفَارسُ على عَجُزِ فرسه . والسُّمْوطِ هي سُيور تُعلَّقُ من السرجِ
سَمَّطَتُ الشيءَ عَلَقْتُه على السُّموط . لسان العرب ( سمط ) .
(٥) في (ب، ق): ((مستويا))، والمثبت من (ح)، يقال: سُبتَ المريضُ فهو مَسْبُوت لا يَتَحرَّكُ؛ والمَسْبُوتُ
المَيِّتُ وَالمَغْشِيُّ عليه، وكذلك العليل إذا كان مُلْقَى كالنائم يُغمِّضُ عينيه في أكثر أحواله . والسُّباتُ نوم المريضِ
والشيخِ المُسنِّ، وهو النَّومةُ الخَفيفة، وأصْلُه من السَّبْتِ الراحة والسُّكون . لسان العرب ( سبت ) .

١٨٢
أحداث سنة ١٢٢ هـ
قال البطال : فنهضتُ في أثَّرِهم ، فهَمَّتْ أنْ تمنعَني خوفاً عليَّ منهم ، فلم أقبلْ ، وسقتُ حتى لَحِقْتُهم ،
فحمَلْتُ عليه، فانفرجَ عنه أصحابُه، وأرادَ الفِرَار ، فألحقُهُ فأضرب عُنقَه، واستلَبْتُهُ، وأخذتُ رأسَه
مُسْمطاً على فرسي ، ورجعتُ إلى الدَّيْر ، فخَرَجْنَ إليَّ ووقَفْنَ بين يديّ ، فقلتُ اركَبْنَ ، فَرَكِبْنَ ما هنالكَ
من الدوابّ ، وسقتُ بهنَّ حتى أتَيْتُ أميرَ الجيش ، فدفعتُهن إليه ، فنفَلَني ما شئتُ منهنَّ ، فأخذتُ تلك
المرأةَ الحسناءَ بعينِها ، فهي أمُّ أولادي . والبِطْرِيقُ في لغةِ الرُّوم عبارةٌ عن الأميرِ الكبيرِ فيهم . وكان أبوها
بِطريقاً كبيراً فيهم . يعني تلك المرأة ، وكان البطالُ بعدَ ذلك يُكاتبُ أباها ويُهادِيه .
وذكر محمد بن عائذ عن الوليد ، سمعتُ عبدَ الله بن راشد مولى خزاعة ، يُخبر عمَّن سمعه من
البطال ، أنَّ هشام بن عبد الملك بن مروان لما ولاه المِصِّيصَة بعثَ البطالُ سَريَّةً إلى أرض الروم ، فغابَ
عنهُ خبرُها ، فلم يَدْرِ ما صنعوا، فركب بنفسِهِ وحدَهُ على فرسٍ له ، وسار حتى وصل عَمُّوريَّة ، فطرَقَ
بابَها ليلاً فقال له البواب : منْ هذا ؟ قال البطال : فقلتُ أنا سيَّافُ المَلِك ورسولُهُ إلى البِطْريق، فأخذَ لي
طريقاً إليه ، فلما دخلتُ عليه إذا هو جالسٌ على سرير ، فجلستُ معه على السَّرير إلى جانبِهِ ، ثم قلتُ
له : إنِّي قد جئتُكَ في رسالة، فمُرْ هؤلاءٍ فَلْيَنصرِفوا. فأمَرَ منْ عندَهُ فذهبُوا ، قال : ثم قام فأغلقَ بابَ
الكنيسة عليَّ وعليه ، ثم جاء فجلس مكانه ، فاخترطتُ سيفي وضربتُ به رأسَه صفحاً وقلتُ له : أنا
البطال ، فاصْدُقْني عمّا أسألُكَ عنه، وإلَّ ضربتُ عُنقكَ الساعة. قال: وما هو ؟ قلتُ : السَّريّة التي
بعثُها ما خبَرُها ؟ فقال : هم في بلادي يَنتهبونَ ما تهيَّأَ لهم ، وهذا كتابٌ قد جاءني يُخبرُ أنهم في وادي
كذا وكذا ، واللهِ لقد صدقتُك . فقلت : هاتِ الأمان . فأعطاني الأمان ، فقلت : ائتني بطعام . فأمر
أصحابَهُ فجاؤوا بطعام ، فوُضعَ لي ، فأكلتُ ، فقمتُ لأنصرف، فقال لأصحابه : اخرُجوا بين يدَيْ
رسولِ الملك . فانطلقوا يتعادَوْنَ بين يديّ ؛ وانطلقتُ إلى ذلك الوادي الذي ذكر ، فإذا أصحابي هنالك ،
فأخذتُهم ، ورجعتُ إلى المِصِّيصَة . فهذا أغربُ ما جرَى .
قال الوليد : وأخبرني بعضُ شيوخِنا أنَّهُ رأى البطالَ وهو قافلٌ من حجَّتِه ، وكان قد شُغل بالجهادِ عن
الحَجّ ، وكان يسأل الله دائماً الحَجَّ ثم الشهادة، فلم يتمكَّنْ من حجَّةِ الإسلام إلا في السنة التي استشهد
فيها . رحمه الله تعالى. وكان سببُ شهادَتِهِ أنَّ ليون مَلِكَ الرُّوم خرج من القُسْطَنْطِينِيَّةِ في مئةِ ألفِ فارس ،
فبعث البِطْريق - الذي البطالُ متزوِّجٌ بابنتِهِ التي ذكّرْنا أمرَها - إلى البطال يُخبرُه بذلك. فأخبرَ البطالُ أميرَ
عساكرِ المسلمين بذلك ، وكان الأميرُ مالك بن شَبيب ، وقال له : إنَّ المصلحةَ تقتضي أنْ نتحَصَّنَ في
مدينةِ حرَّان ، فتكونُ بها حتى يقدَمَ علينا سُليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية ، فأبَى عليهِ ذلك
ودَهِمَهُمُ الجيش ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، والبطّالُ بين يدَي الأبطال، ولا يتجاسَرُ أحدٌ أنْ يُنوِّهَ باسمه خوفاً
عليه من الروم ؛ فاتَّفقَ أن فدَاهُ بعضُهم ، وذكر اسمَه غلطاً منه، فلما سمع ذلك فُرسان الرُّوم حَمَلوا عليه
حملةً واحدة ، فاقتلعوهُ من سَرْجِهِ برماحِهم ، فألقَوْهُ إلى الأرض ، وساقوا وراءَ الناسِ يقتلون ويأسرون ،

١٨٣
وفيات سنة ١٢٢ هـ
وقُتل الأميرُ الكبير مالك بن شَبيب ، وانكسر المسلمون ، وانطلقوا إلى تلك المدينةِ الخرَاب ، فتحصَّنوا
فيها ، وأصبح ليون ، فوقف على مكانِ المعركة، فإذا البطّالُ بآخرٍ رَمَق ، فقال له ليون : ما هذا
يا أبا يحيى !؟ فقال: هكذا تُقتلُ الأبطال . فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه ، فإذا جراحُهُ قد وصلَتْ إلى
مَقَاتِلِه ، فقال له ليون : هل من حاجةٍ يا أبا يحيى ؟ قال : نعم . قال : وما هي ؟ قال: تأمر منْ معَكَ من
الأسارى من المسلمين ، أنْ يلُوا غَسْلي والصلاةَ عليَّ ودَفْني . ففعل الملكُ ذلك. وأطلقَ لأجلِ ذلك
أولئك الأسارى ، وانطلقَ ليون إلى جيشِ المسلمين الذين تحصَّنوا فحاصرَهم، فبينما هم في تلك الشِّدَّةِ
والحِصار إذْ جاءَتْهُم البُرُدُ بقدوم سليمان بنِ هشام في الجيوش الإسلامية ، ففرَّ ليون في جيشِهِ الخبيث
هارباً ، راجعاً إلى بلاده ، قبَّحه الله، فدخل القُسْطَنْطينيّةَ وتحصَّنَ بها .
قال خليفةُ بن خياط (١) : كانتْ وفاةُ البَطَّال ومَقْتَلُهُ بأرضِ الرُّوم في سنةِ إحدى وعشرين ومئة .
وقال ابنُ جرير (٢) : في سنةٍ ثنتين وعشرين ومئة .
وقال ابنُ حسانَ الزيادي : قُتل في سنةِ ثلاثَ عشرةَ ومئة . قلتُ : وقد قاله غيرُه ، وأنه قُتل هو
والأمير عبد الوهاب بن بُخت في سنةِ ثلاثَ عشرةَ ومئة ، كما ذكرنا ذلك ، فالله أعلم ، ولكنَّ ابنَ جرير لم
يؤرِّخْ وفاتَهُ إلَّ في هذه السنة . والله أعلم .
وقال أبو بكر بن عياش : قيل للبطَّال : ما الشجاعة ؟ قال : صَبْرُ ساعة .
قلتُ : هذا مُلخّصُ ابنِ عساكر في ترجمةِ البطَّال ، مع تقَصِّيهِ للأخبار واطِّلاعِه عليها ، وأمَّا ما يذكره
العامَّةُ عن البطَّالِ من السيرةِ المنسوبة إلى دلهمة والبطال والأمير عبد الوهاب والقاضي عُقبة ، فَكَذِبٌ
وافتراء ، ووضعٌ بارد ، وجهلٌ كبير ، وتخبُطُ فاحش ، لا يُرَوَّجُ ذلك إلَّ على غَبِيٍّ أو جاهلٍ رَديء ؛ كما
يُروَّجُ عليهم سيرةُ عنترةَ العَبْسي المكذوبة ؛ وكذلك سيرة البَكْري والدنف وغير ذلك. والكَذِبُ المفتعلُ
في سيرةِ البكري أشدُّ إثماً وأعظَمُ جُرماً من غيرها، لأنَّ واضعَها يدخل في قول النبي ◌ِّ: ((منْ كَذَبَ
عليَّ متعمِّداً فلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ من النار(٣) .
وممن تُوِّي في هذه السنةِ من الأعيان :
إياسُ الذَّكِيّ(٤) وهو إياسُ بن معاوية بن
(١) في تاريخه ص (٣٥٢).
هو الطبري في تاريخه (٢١٠/٤)، كما تقدم ص (١٨٠).
(٢)
(٣) أخرجه البخاري (١١٠) في باب إثم من كذب على النبي ◌َّر، مسلم (٣) عن أبي هريرة في المقدمة: باب تغليظ
الكذب على رسول الله رَلا فر .
(٤) ترجمته في طبقات ابن سعد (٢٣٤/٧)، التاريخ الكبير (٤٤٢/١)، الجرح والتعديل (٢٨٢/٢)، حلية =

١٨٤
وفيات سنة ١٢٢ هـ
قُرَّ( ١) بن إياس بن هلال بن رئاب بن عَبْد٢ُ) بن دُرَيد بن أوس بن سُوَاءَةً بن عمرو بن سارية بن ثعلبة بن
ذُبيان بن ثعلبةَ بنِ أوْس بن عثمان بن عمرو بن أَدِّ بنِ طابِخَة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن معَد بنِ عدنان .
هكذا نسبَهُ خليفة بن خياط(٣) ، وقيل غيرُ ذلك في نسبه، وهو أبو واثلة المُزَني ، قاضي البصرة ،
وهو تابعيّ ، ولجَدِّهِ صُحبة ، وكان يُضربُ المثلُ بذكائه .
روى عن أبيه عن جَدِّهِ مرفوعاً في الحياء ، وأنس بن مالك ، وسعيد بن جُبير ، وسعيد بن المُسيِّب ،
ونافع، وأبي مِجْلز . وعنه الحمَّادان ، وشعبة ، والأصمعي ، وغيرُهم .
قال عنه محمد بن سيرين : إنَّه لَفَهِم، إنَّه لَفَهِم. وقال محمد بن سعد والعِجْلي وابنُ مَعين
والنسائي : ثقة. زادَ ابنُ سعد(٤) : وكان عاقلاً من الرجال فَطِناً. وزاد العِجْلي(٥): وكان فقيهاً عَفيفاً .
وقد قدم دمشق في أيام عبدِ الملك بن مروان ، ووفد على عمر بن عبد العزيز ، ومرَّةً أخرى حين عزَلَهُ
عَدُّ بن أرطاة عن قضاءِ البَصْرة . قال أبو عُبيدة وغيرُه : تحاكَمَ إياسٌ - وهو صبيٌّ شابٌّ - وشيخٌ إلى
قاضي عبدِ الملك بن مروان بدمشق ، فقال له القاضي : إنَّهُ شيخٌ وأنتَ شابٌ ، فلا تُساوِهِ في الكلام .
فقال إياس : إنْ كان كبيراً فالحقُّ أكبر منه. فقال له القاضي: اسكُتْ . فقال: ومنْ يتكلّمُ بحُجَّتي إذا
سكتُ ؟ فقال القاضي : ما أحسبكَ تنطقُ بحقِّ في مجلسي هذا حتى تقوم . فقال إياس : أشهدُ أنْ لا إله
إلَّا الله . زاد غيرُه : فقال القاضي: ما أظنُّك إلَّ ظالماً له . فقال: ما على ظنِّ القاضي خرجتُ من
منزلي . فقام القاضي ، فدخل على عبدِ الملك ، فأخبرَهُ خبرَه . فقال : اقضِ حاجته ، وأخرِجْهُ الساعةَ
من دمشق لا يُفسد عليَّ الناس .
وقال بعضُهم : لما عزَلَهُ عدِيُّ بن أرطاة عن قضاء البصرة فرَّ منه إلى عمر بن عبد العزيز فوجدَهُ قد
مات . فكان يَجْلسُ في حَلْقَةٍ في جامعٍ دمشق ؛ فتكلَّم رجلٌ من بني أمية ، فردّ عليه إياس ، فأغلظ له
الأموي ، فقام إياس ، فقيل للأموي : هذا إياسُ بن معاوية المزني . فلما عاد من الغد اعتذَر له الأمويُّ
الأولياء (١٢٣/٣)، معرفة الثقات للعجلي (٢٤٠/١)، مشاهير علماء الأمصار ص (١٥٣)، الثقات لابن
=
حبان (٣٥/٤)، صفة الصفوة (٢٦٣/٣)، تهذيب الكمال (٤٠٧/٣)، سير أعلام النبلاء (١٥٥/٥)،
الكاشف (٢٥٩/١)، ميزان الاعتدال (١/ ٤٥٠)، لسان الميزان (٧/ ١٨١)، مختصر تاريخ ابن عساكر لابن
منظور (٩٢/٥)، تهذيب التهذيب (٣٤١/١)، تقريب التهذيب ص (١١٧).
وقع في ( ق ) تصحيف وتحريف في الأسماء كثير ، فأثبتُ الصواب وأضربتُ عن إثقال الحواشي به .
(١)
وقيل: ((عُبيد)) كما في تاريخ ابن عساكر انظر مختصر ابن منظور (٩٢/٥)، وهو بتحقيق كاتب هذه السطور .
(٢)
(٣)
في طبقاته (١/ ٣٧) .
في الطبقات الكبرى (٢٣٤/٧).
(٤)
(٥) في معرفة الثقات (٢٤٠/١).

١٨٥
وفيات سنة ١٢٢ هـ
وقال : لم أعرِفْكَ وقد جلستَ إلينا بثيابِ السُّوقة، وكلَّمتَنَا بكلام الأشراف فلم نحتمِلْ ذلك .
وقال يعقوبُ بن سفيان: حدّثنا نعيم بن حمّاد، حدّثنا ضَمْرَة، عن ابن شَوْذَب ، قال : كان يقال :
يُولدُ في كلِّ مئة سنةٍ رجلٌ تامّ العَقْل. فكانوا يرَوْنَ أنَّ إياسَ بن معاويةَ منهم .
وقال العِجْليّ : دخل على إياس ثلاثُ نِسْوة، فلما رآهنَّ قال: أمَّا إحداهنَّ فمُرْضِع ، والأخرى
بِكْر ، والأخرى ثيِّب . فقيل له : بمَ علمتَ هذا؟ فقال : أمَّ المُرضع فكلما قعدَتْ أمسكتْ ثديَها بيدِها ،
وأمَّ الِكْرِ فكلَّما دخلتْ لم تلتفتْ إلى أحد ، وأمَّا الشَّيِّبُ فكلَّما دخلتْ نظرَتْ وَرَمَتْ بعينها .
وقال يونس بن حَبيب(١) : حدّثنا الأحنفُ بن حَكيم بأصبهان، حدّثنا حماد بن سَلَمة: سمعتُ
إياسَ بنَ معاوية يقول : أعرفُ الليلةَ التي وُلدتُ فيها ، وضعَتْ أُمِّي على رأسي جَفْنة .
وقال المدائني : قال إياسُ بن معاويةَ لأُمِّه : ما شيءٌ سمعتُهُ وأنا صغير ، وله جَلَبةٌ شديدة ؟ قالت :
ذاك طَسْتٌ من نُحاس، سقطَ من فَوْقِ الدَّارِ إلى أسفل ، ففَزِعْتُ فوضعتُكَ تلكَ الساعة .
وقال أبو بكر الخرائطي عن عمر بن شَبَّةَ النُّمَيْري ، قال : بلغني أنَّ إياساً قال : ما يَسُرُني أنْ أكذب
كَذْبَةٌ يَطَّلِعُ عليها أبي معاوية لا أُحاسبُ عليها يوم القيامة ، وأنَّ الدنيا لي بحذافيرها .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدّثنا خلف بن هشام ، حدّثنا حمّاد بن زيد، عن حبيب بن الشهيد ،
عن إياس بن معاوية قال : ما خاصمتُ أحداً من أهلِ الأهواء بعَقْلي كُلِّه، إلَّ القدَرِيَّة، قلتُ لهم :
أخبروني عن الظلم ما هو ؟ قالوا : أخذُ الإنسانِ ما ليس له . قلت : فإنَّ الله له كلُّ شيء.
قال بعضُهم عن إيَاس قال: كنتُ في الكُتَّاب وأنا صبي ، فجعل أولادُ النصارى يضحكونَ من
المسلمين ويقولون : إنهم يزعمون أنَّهُ لا فَضلةَ لطعام أهلِ الجنة . فقلت للفقيه - وكان نصرانياً - ألستَ
تزِعِمُ أنَّ في الطعام ما ينصرفُ في غذاءِ البَدَن ؟ قال : بَلَى. قلت: فما يُنكرُّ أنْ يجعلَ اللهُ طعامَ أهلِ الجنةِ
كلَّهُ غذاءً لأبدانِهِمَ؟ فقال له معلِّمُهُ : ما أنتَ إلَّ شيطان .
وهذا الذي قاله إياس وهو صغير بعقله قد ورَدَ به الحديثُ الصحيح كما سنذكره إنْ شاء الله في صفةٍ
أهلِ الجنة أنَّ طعامَهم ينصرفُ جُشاءً وعَرَقاً كَالِمِسْك، فإذا البطنُ ضامر(٢) .
وقال سفيان : وحين قدم إياس واسط فجاءه ابنُ شُبْرمة بمسائلَ قد أعدَّها ، فقال له : أتأذنُ لي أنْ
أسألكَ ؟ قال : سَلْ وقد ارتبتُ حين سألته عن سبعين مسألةٌ يُجيبُهُ فيها ، ولم يختلفا إلَّ في أربعٍ مسائل ؛
(١) في (ق): ((صلعب)) تصحيف والمثبت من (ب، ح)، وطبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ٨٨)، والخبر فيه .
(٢) رواه مسلم في ((صحيحه)) رقم (٢٨٣٥) من حديث جابر بن عبد الله، وأحمد في ((مسنده)) (٣٦٧/٤ و٣٧١)
من حديث زيد بن أرقم .

١٨٦
وفيات سنة ١٢٢ هـ
ردَّهُ إياسٌ إلى قوله، ثم قال له إياس: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم. قال: أتحفظُ قولَهُ: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة: ٣]؟ قال: نعم. قال: وما قَبلَها وما بعدَها؟ قال: نعم . قال: فهل أبقَتْ هذه
الآية لآلِ شُبْرُمة رأياً ؟.
وقال عباس عن يحيى بن مَعِينُ(١) : حدّثنا سعيد بن عامر، حدّثنا عمر بن علي قال: قال رجلٌ
لإياسِ بنِ مُعاوية : يا أبا واثلة ، حتى متى يبقى الناسُ وحتى متى يتوالَدُ الناسُ ويموتون ؟ فقال لجلسائه :
أجيبوه . فلم يكن عندهم جواب ، فقال إياس : حتى تتكاملَ العِدَّتان ، عدَّةُ أهلِ الجنة وعِدَّةُ أهلِ النار .
وقال بعضُهم : اكترى إياسُ بن معاويةَ من الشام قاصداً الحجَّ، فركب معه في المحارة(٢) غيلانُ
القَدَريّ ، ولا يعرفُ أحدُهما صاحبَه ، فمكثا ثلاثاً لا يُكلِّمُ أحدُهما الآخر ، فلما كان بعد ثلاث ، تحادثا
فتعارفا ، وتعجَّبَ كلُّ واحدٍ منهما من اجتماعِهِ مع صاحبه ، لمباينةِ ما بينهما في الاعتقادِ في القدَر ؛ فقال
له إياس: هؤلاء أهلُ الجنة يقولون حين يدخلون الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَّْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ
هَدَنَا الله﴾ [الأعراف: ٤٣]؛ ويقول أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]؛ وتقول
الملائكة: ﴿ سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]. ثم ذكر له من أشعارِ العرَب وأمثالِ العجم
ما فيه إثباتُ القدَر ؛ ثم اجتمع مرَّةً أخرى إياسٌ وغَيلان عندَ عمر بن عبد العزيز ، فناظر بينهما ، فقهره
إياس ، وما زال يحصُرُهُ في الكلام حتى اعترفَ غَيلانُ بالعجز ، وأظهرَ التوبة ، فدعا عليه عمر بن
عبد العزيز إنْ كان كاذباً ؛ فاستجاب الله منه ، فأمكنَ من غَيلان ، فقُتل وصُلب بعد ذلك ، ولله الحمد
والمنة .
ومن كلام إياس الحسَن : لأنْ يكونَ في فعالِ الرجلِ فَضْلٌ عن مقالِهِ خيرٌ من أنْ يكونَ في مقالهِ فضلٌ
عن فعالِه .
وقال سفيان بن حسين : ذكرتُ رجلاً بسُوءٍ عندَ إياسِ بنِ معاوية ، فنظرَ في وَجْهي وقال ؛ أغزوتَ
الرُّوم ؟ قلت : لا . قال : السِّنْدَ ؟ قلت : لا ، قال : والهند ؟ قُلتُ : لا . قال : والتُّرك ؟ قلت : لا .
قال : أَفَسَلِمَ منك الرُّومُ والسِّندُ والهندُ والترك ، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم ؟! قال: فلم أعُدْ بعدَها .
وقال الأصمعي عن أبيه : رأيتُ إياس بن معاوية في بيتِ ثابت البناني ؛ وإذا هو أحمرُ طويلُ الذِّراع ،
غليظ الثياب ، يلُوثُ عِمَامَتَهُ(٣)، وهو قد غلب على الكلام ، فلا يتكلَّمُ معه أحدٌ إلَّا عَلاه . وقد قال له
(١) في تاريخه ( رواية الدوري) (٤/ ٣٤٠).
(٢) المحارة : شبه الهودج . القاموس ( حور ) .
(٣) في (ق): ((يلون عمامته)) تصحيف، والمثبت من (ب، ح) ومعنى يلوثُ من اللَّوث: وهو الطيّ ؛ لُنت
العمامة ألُوثها لَوْئاً : أدرتُها مرَّتيْن . لسان العرب ( لوث ) .

١٨٧
وفيات سنة ١٢٢ هـ
بعضُهم : ليس فيك عَيب سوى كثرةٍ كلامِك . فقال : أفي حقِّ أتكلّمُ أمْ باطل ؟ فقيل : بل في حَقّ .
فقال : كلَّما كثُرَ الحقُّ فهو خير .
ولامَهُ بعضُهم في لبسِهِ الثيابَ الغليظة ، فقال : إنما ألْبَسُ ثوباً يخدمني ولا ألبَسُ ثوباً أخدمُه .
وقال الأصمعي : قال إياسُ بن معاوية: إنَّ أشرفَ خِصَالِ الرجلِ صِدْقُ اللِّسان. ومنْ عُدِمَ فَضِيلة
الصِّدق فقد فُجع بأكرم أخلاقه .
وقال بعضُهم : سأل رجلٌ إياساً عن النَّبيذِ فقال : هو حرام . فقال الرجل : فأخبِرْني عن الماء ؟
فقال: حلال. قال: فالكَشُوت(١) ؟ قال: حلال . قال: فالتمر؟ قال : حلال. قال: فما بالُهُ إذا
اجتمعَ حَرُم ؟ فقال إياس : أرأيتَ لو رَمَيتُكَ بهذه الحفنة من التراب ، أتوجعُك ؟ قال : لا . قال : فهذه
الحفنة من الثِّبْن ؟ قال : لا توجعني . قال : فهذه الغَرْفةُ من الماء ؟ قال : لا توجعني شيئاً . قال :
أفرأيتَ إنْ خلطت هذا بهذا وهذا بهذا حتى صار طِيناً ، ثم تركته حتى استحجَر ، ثم رَمَّيْتُكَ أيوجعُكَ ؟
قال : إي والله وتقتلُني . قال : فكذلك تلك الأشياءُ إذا اجتمعتْ (٢).
وقال المدائني : بعث عمر بن عبد العزيز عَدِيَّ بن أرطاة على البصرة نائباً ، وأمره أن يجمعَ بين إياس
والقاسم بن ربيعة الجَوْشَني ، فأيُّهما كان أفقهَ فَلْيولِّهِ القضاء . فقال إياس - وهو يريدُ أن لا يتولَّى -: أيُّها
الرجل ، سلْ فقيهي البصرةِ الحسنَ وابنَ سيرين . وكان إياسٌ لا يأتيهما ، فعرف القاسم أنَّه إنْ سألهما
أشارًا به [ يعني بالقاسم لأنه كان يأتيهما ] فقال [القاسم ]٣) لعدي: والله الذي لا إله إلا هو ، إن إياساً
أفضَلُ مني وأفقهُ مني وأعلمُ بالقضاء ، فإنْ كنتُ صادقاً فولِّه ، وإنْ كنتُ كاذباً فما ينبغي أن تُولِّيَ كاذباً
القضاء . فقال إياس : هذا رجلٌ أوقف على شفيرِ جهنّم ، فافتدَى منها بيمينٍ كاذبةٍ يستغفرُ الله منها ، فقال
عدي : أما إذْ فَطِنتَ إلى هذا فقد وَلَّيْتُكَ القضاء . فمكث سنةً يَفصِلُ بين الناس ويُصلحُ بينهم ، وإذا تبيَّنَ له
الحقُّ حكم به، ثم هرَبَ [ إلى عمرَ بنِ عبد العزيز بدمشق] (٣) فاستعفاه القضاء ، فولَّى عَدِيٌّ بعدَهُ الحسَنَ
البصري .
قالوا : لما توَلَّى إياسٌ القضاءَ بالبَصْرةِ فَرِحَ بهِ العلماء ، حتى قال أيوب: لقد رَمَوها بِحَجَرِها . وجاء
(١) في ( ق): (( فالكسور)) تصحيف، والمثبت من (ح) وتهذيب الكمال. والكشُوتُ، والأُكْشُوتُ، والكشُوثَى :
كلُّ ذلك نباتٌ مُجْتَثٌّ مقطوعُ الأصل ، وقيل : لا أصل له ، وهو أصْفرُ يتعلق بأطراف الشَّوْكِ وغيره ، ويُجْعلُ في
النبيذ سوَاديَّةٌ ، وقال الجوهري : الكشُوتُ نبتٌ يتعلَّقُ بأغصانِ الشجرِ، من غير أن يَضْربَ بِعِرْقٍ في الأرض ؛ فلا
أصلٌ، ولا وَرَقٌ ، ولا نسيمٌ ، ولا ظِلٌّ، ولا ثَمَرٌّ . ويسميه الناسُ الكَشُوثَ ؛ قال : وبزْرٌ قطُونا ، قال: والمدُّ فيها
أكثر ، وقد يقصران ، وفتح الكاف من كَشُوثاء . لسان العرب ( كشت ) .
(٢) ذكره المزي في تهذيب الكمال (٤١٥/٣) مسنداً مطوّلاً .
(٣) ما مرَّ بين معقوفين ليس في ( ب، ح ) وهو من (ق ).

١٨٨
وفيات سنة ١٢٢ هـ
الحسنُ وابنُ سِيرين فسلَّمَا عليه، فبكى إياس، وذكر الحديث (( القُضاةُ ثلاثة : قاضيانِ في النار وواحدٌ
في الجنة)(١). فقال الحسن: فقد قال الله تعالى: ﴿ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ ﴾ [ الأنبياء: ٧٨]
إلى قوله: ﴿ وَكُلَّا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، قال: ثم جلس للناسِ في المسجد ، واجتمعَ
عليه الناسُ للخصومات ، فما قام حتى فصل سبعين قضيّة ، حتى كان يُشبَّهُ بشُرَيح القاضي .
ورُوِي عنه أنَّه كان إذا أشكل عليه شيءٌ بعث إلى محمد بن سيرين فسأله عنه .
وقال إياس: إني لأكلِّمُ الناسَ بنصفِ عَقْلي، فإذا اختصم إليَّ اثنان جمعت لهما عقلي كُلَّه . وقال له
رجل : إنَّك لُتعجّبُ بِرأيك. فقال: لولا ذلك لم أقْضٍ به . وقال له آخر : إنَّ فيك خِصالاً لا تُعجبُنِي .
فقال: تحكمُ قبلَ أنْ تفهم ، ولا تجالسُ كلَّ أحد ، وتَلَبَسُ الثيابَ الغَلِيظة . فقال له: أيُّها أكثر ، الثلاثة
أو الاثنان ؟ قال : الثلاثة . فقال ما أسرَعَ ما فهِمتَ وأجبتَ! فقال: أوَ يَجهَلُ هذا أحد ؟! فقال :
وكذلك ما أحكمُ أنا بِهِ . وأما مجالستي لكلِّ أحَد فأنْ أجتمعَ بِمَنْ يَعرِفُ لي قدري أحَبُّ إلي من أنْ أجتمع
بِمَنْ لا يَعرِفُني . وأما الثيابُ الغِلاظ فأنا ألْبَسُ منها ما يَقِيني لا ما أقيهِ أنا .
قالوا : وتحاكمَ إليه اثنانٍ قد أودَعَ أحدُهما عندَ الآخرِ مالاً، وجحَدَهُ الآخر ، فقال إياس للمُودِعِ :
أين أودعتَهُ ؟ قال : عند شجرةٍ في بُستان ، فقال انطِلقْ إليها فقِفْ عندَها لعلَّكَ تتذكَّرُ - وفي رواية : أنه قال
له : هل تستطيعُ أنْ تذهبَ إِليها فتأتيَ بورقٍ منها؟ قال : نعم - قال : فانطلق وجلس الآخر ، فجعلَ إياسٌ
يحكُمُ بين الناس، ويلاحظُه، ثم استدعاهُ فقال له : أوَصَلَ صاحبُكَ بعدُ إلى المكان ؟ فقال: لا بعدُ
أصلحكَ الله. فقال له : قُمْ يا عَدُوَّ الله، فأدّ إليه حَقَّه، وإلَّ جعلتُكَ نَكَالًا. وجاء ذلك الرجل ، فقام معه
فدفع إليه ودیعتَهُ بكمالِها .
وجاء آخَرُ فقال له : إنِّي أودَعْتُ عندَ فلانٍ مالاً، وقد جَحَدني . فقال له : اذهَبِ الآنَ وأُتِنِي غداً .
وبعثَ من فَوْرِهِ إلى ذلك الرجل الجاحِدِ فقال له : إنَّه قدِ اجتمعَ عندَنا هاهنا مال ، فلم نرَ لَهُ أميناً نضَعُهُ
عندَهُ إلَّ أنت، فضَعْهُ عندَكَ في مكانٍ حَرِيز . فقال له : سمعاً وطاعةً . فقال له : اذهبِ الآن وأُتِي غداً .
وأصبح ذلك الرجلُ صاحبُ الحق ، فجاء فقال له : اذهَبِ الآن إليه ، فقل له : أعطِنِي حَقِّي وإلَّ رفعتُكَ
إلى القاضي . فقال له ذلك ، فخافَ أنْ لا يُودِعَ القاضي عنده المال فدفع إليه حقَّه وجاء إلى إياس فأعلمَهُ
ثم جاء ذلك الرجلُ من الغَدِ رجاءَ أنْ يُودِعِ ، فانتهرَهُ إياسٌ وطَرَدَهُ وقال له : أنت خائن .
وتحاكَمَ إليه اثنان في جارية ، فاذَّعَى المشتري أنَّها ضعيفةُ العَقْلِ ، فقال لها إياس : أيُّ رجلَيْكِ
أطول ؟ فقالت : هذه . فقال لها : أتذكرينَ ليلةَ وُلدتِ ؟ فقالت: نعم . فقال البائع: رُدَّ رُدّ .
(١) أخرجه الترمذي (٦١٣/٣) (١٣٢٢) عن بريدة في الأحكام: باب ما جاء عن رسول الله وم طهر في القاضي،
وأبو داود ( ٢٩٩/٣) (٣٥٧٣) في الأقضية : باب في القاضي يخطىء ، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.

١٨٩
وفيات سنة ١٢٢ هـ
وروى ابن عساكر أنَّ إياساً سمع صوت امرأةٍ من بيتِها فقال : هذه امرأةٌ حامِلٌ بصَبي . فلمَّا ولدتْ
ولدتْ كما قال ، فسئل : بِمَ عرفتَ ؟ قال : سمعتُ صوتَها ونفَسُها معه ، فعلمتُ أنَّها حامل ، وفي
صوتِها صَحَل(١) ، فعلمتُ أنَّهُ غلام .
قالوا : ثم مرَّ يوماً ببعضِ المكاتب ، فإذا صبيٌّ هنالك فقال : إنْ كنتُ أدري شيئاً فهذا الصبيُّ ابنُ تلك
المرأة . فإذا هو ابنُها .
وقال مالك عن الزهري ، عن أبي بكر ، قال : شهد رجلٌ عندَ إياس ، فقال له : ما اسمُك . فقال :
أبو العُنْقُر(٢) . فلم يقبلْ شهادتَه .
وقال سفيان الثوري عن الأعمش: دَعَوني إلى إياس، فإذا رجلٌ كلَّما فرَغَ من حديثٍ أخَذَ في آخر .
وقال إياس : كلُّ رجلٍ لا يَعْرِفُ عَيبَ نفسِه فهو أحمق . فقيل له : ما عَيْبُك ؟ فقال : كثرةُ الكلام .
قالوا : ولما ماتت أمُّهُ بَكَى عليها ، فقيل له في ذلك ، فقال : كان لي بابانِ مفتوحانٍ إلى الجنة ،
فغُلِقَ(٣) أحدُهما .
وقال له أبوه : إنَّ الناسَ يلدونَ أبناءً، ووَلَدْتُ أنا أباً.
وكان أصحابهُ يجلِسُون حولَه ويكتبون عنه الفِرَاسة ، فبينما هم حَوْلَه جلوس ، إذْ نظرَ إلى رجلٍ قد
جاء ، فجلس على دَّةٍ حانوت(٤)، وجعل كلَّما مَرَّ أحَدٌ ينظرُ إليه . ثم قام فنظر في وجه الرجل ، ثم عاد
فقال لأصحابه : هذا فقيهُ كُتَّاب، قد أبَقَ له غلامٌ أعور، فهو يتطلّبُه، فقاموا إلى ذلك الرجل فسألوه ،
فوجدوهُ كما قال إياس ، فقالوا لإياس : مِنْ أينَ عرفتَ ذلك ؟ فقال: لَمَّا جلسَ على دَّةِ الحانوت علمتُ
أنَّهُ ذو ولاية . ثم نظرتُ فإذا هو لا يصلحُ إلا لفَقاهةِ المكتب، ثم جعل ينظرُ إلى كلِّ مَنْ مَرَّ بِهِ ، فعرفتُ أنَّهُ
فَقَدَ غلاماً ، ثم لما قامَ فنظرَ إلى وجهِ ذلك الرجل من الجانب الآخر عرفتُ أنَّ غلامَهُ أعوَر .
وقد أورد ابنُ خَلِّكَان أشياء كثيرةً في ترجمته (٥) ، من ذلك أنَّه قال: شَهِدَ عندَهُ رجلٌ في بستان فقال
(١) وفي صَوْتِها صَحَل: يريد فيه كالبُخَّة وهو أنْ لا يكون حادّاً، والصَّحَلُ الْبُخَّة، ومثله الجَشَّة : وهي شدة الصوت مع
بحة، غريب الحديث للخطابي (١/ ٤٣٧)، ولابن قتيبة (١/ ٤٧٢).
(٢) نقله من تاريخ دمشق (٣٠/١٠). والعُنْقُر يضم القاف وفتحها أولاد الدهاقين، وبالضم ناقة منجبة ، كما في
القاموس المحيط .
(٣) أَغْلَقَ الباب فهو مُغْلَقٌ والاسم الغَلْقُ. وغَلَقَهُ لغة رديئة متروكة. وغَلَّق الأبواب: شُدِّدَ للكثرة . مختار الصحاح
( غلق ) .
(٤) الدَّكَّةُ: بناءٌ يسطح أعلاه يقعد عليه. لسان العرب ( دكك ).
(٥) في وفيات الأعيان (٢٤٧/١ - ٢٥٠).

١٩٠
أحداث سنة ١٢٣ هـ ووفياتها
له : كم عدَدُ أشجارِهِ ؟ فقال له : كم عدَدُ جذوع هذا المجلس الذي أنتَ فيه من مُدَّةٍ سِنين ؟ فقلت :
لا أدري . وأقرَرْتُ شهادتَه .
قال خليفة (١) وغيرُ واحد : توفي بواسط سنة ثنتين وعشرين ومئة .
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومئة
ذكر المدائني عن شيوخه أنَّ خاقانَ ملكَ التُّرْك لما قُتل في ولايةِ أسَدٍ بن عبد الله القَسْرِيّ على خُراسان
تفرَّقَ شملُ الأتراك، وجعل بعضُهم يُغِير على بعض ، وبعضُهم يقتلُ بعضاً ، حتى كادَتْ أنْ تخرَبَ
بلادُهم . واشتغلوا عن المسلمين .
وفيها سأل أهلُ الصُّغْد من أمير خُراسان نصرِ بنِ سَيَّر أن يردّهُمْ إلى بلادهم ، وسألوه شروطاً أنكرها
العلماء ، منها أن لا يعاقب من ارتدَّ منهمْ عن الإسلام ، ولا يؤخذُ أسيرُ المسلمينَ منهم ، وغير ذلك ، فأراد
أنْ يوافِقَهم على ذلكِ لِشِدَّةِ نكايتِهم في المسلمين ، فعاب عليه الناسُ ذلك، فكتب إلى هشام في ذلك ،
فتوقّف، ثم رأى أنَّ هؤلاءِ إذا استمرُّوا على معانَدَتِهِم٢ْ) للمسلمين كان ضرَرُهم أشَدَّ أجابَهُمْ إلى ذلك. وقد
بعثَ يوسفُ بن عمر أميرَ العراق وفداً إلى أميرِ المؤمنين يسألُ منه أنْ يَضُمَّ إليهِ نِيَابَةَ خُرَاسان ، وتكلَّموا في
نَصْرٍ بن سَيَّار، بأنَّهُ وإنْ كانَ شَهْماً شجاعاً إلَّ أنَّه قد كَبِرَ وضَعُفَ بصَرُه ، فلا يَعرِفُ الرجلَ إلَّ من قَرِيبٍ
بصَوْتِهِ ، وتكلَّموا فيه كلاماً كثيراً ، فلم يَلْتَفِتْ إلى ذلك هشام ، واستمرَّ به على إمرَةِ خُراسانَ وولايتِها .
قال ابنُ جرير(٣) : وحجَّ بالناسِ فيها يزيدُ بن هشام بن عبدالملك .
والعُمَّالُ فيها مَنْ تقدَّمَ ذِكْرُهم في التي قبلَها .
وتُوفِّيَ في هذه السنة :
رَبيعةُ بن يزيد القصير من أهل دمشق .
وأبو يونس سليمان بن جُبير .
وسِمَاك بن حَرْب .
ومحمد بن واسع بن حيان، وقد ذكَرْنا تراجِمَهم في كتابنا ((التكميل)) ولله الحمد(٤) .
(١) في طبقاته (١/ ٢١٢) .
(٢)
في (ح): ((معاداتهم)).
هو الطبري في تاريخه (٢١٤/٤) .
(٣)
(٤) وهذه زيادة مقحمة أيضاً وهي :
11

١٩١
أحداث سنة ١٢٤ هـ
ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومئة
فيها غزا سليمانُ بن هشام بن عبد الملك بلادَ الروم فلقي اليون فقاتله ، فسَلِمَ سليمانُ وغَنِم .
وفيها قَدِمَ جماعةٌ من دُعاةٍ بني العباس من بلاد خُراسان قاصدينَ إلى مكة ، فمرُوا بالكوفة ، فَبَلَغهم
[ قال محمد بن واسع ( ترجمته في طبقات ابن سعد (٢٤١/٧)، طبقات خليفة (٢١٥) ، تاريخ خليفة
=
(٣٧٨)، التاريخ الكبير (٢٥٥/١)، التاريخ الصغير (٣٥٤)، الجرح والتعديل (١١٣/٨)، ثقات ابن حبان
(٣٦٦/٧)، حلية الأولياء (٣٤٥/٢)، صفة الصفوة (٢٦٦/٣)، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير
(٤٦٩/٤)، مختصر تاريخ دمشق (٢٨٦/٢٣)، تهذيب الكمال (٥٧٦/٢٦)، سير أعلام النبلاء
(١١٩/٦)، العبر (٢٩٠/١)، ميزان الاعتدال (٢٥٨/٤)، الوافي بالوفيات (١٧٢/٥)، تهذيب التهذيب
(٤٩٩/٩)، طبقات الشعراني (٣٦/١)، الكواكب الدرية (٤٣٠/١). ): أولُ من يُدْعَى يومَ القيامةِ إلى
الحساب القُضاة . وقال : خمسُ خِصَالٍ تُمِيتُ القلب : الذنبُ على الذنب ، ومجالسةُ الموتى - قيل له : ومَنِ
الموتَى ؟ قال: كلُّ غنيٌّ مُتْرَفٍ وسلطانٍ جائر - وكثرةُ مُشاقَّةِ النساء وحديثهنّ ، ومُخَالطةُ أهلِه .
وقال مالكُ بن دينار : إني لأغبطُ الرجلَ يكونُ عيشُهُ كَفَافَ فيقنَعُ به . فقال محمد بن واسع : أغبَطُ منهُ والله عِندي
مَنْ يُصبِحُ جائعاً وهو عن الله راضٍ .
وقال : ما آسى على الدنيا إلا على ثلاث: صاحبٌ إذا اعوجَجْتُ قوَّمَني، وصلاةٌ في جماعة يُحمَلُ عنِّي سَهْوُها
وأفوزُ بفضلِها ، وقُوتٌ من الدنيا ليس لأحدٍ فيه مِنَّة ، ولا للهِ عليَّ فيه تَبِعَة .
وروى زياد ( في ( ق): ((رواد بن الربيع)) تصحيف ، والمثبت من مصادر تخريج الخبر.) بن الربيع [ عن
أبيه ] قال: رأيتُ محمد بن واسع بسوق مرو ( في (ق): (( بسوق بزور))، والمثبت من مصادر تخريج الخبر ،
وفي بعضها ((بسوق مرَّةً)). ) وهو يعرِضُ حماراً له للبيع ، فقال له رجل: أتَّرْضاهُ لي ؟ فقال : لو رضيتُه لم أبِعْه
( أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢٥٥/١) في ترجمة محمد بن واسع، وأبو نعيم في الحلية (٣٤٩/٢)،
والخطيب في تاريخ بغداد (١٦/١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٣٠/٤) (٥٢٩٦)، وابن الجوزي في
صفة الصفوة ( ٣/ ٢٧٠). ).
ولما تَقُلَ محمد بن واسع كَثُرَ عليهِ الناسُ في العِيَادة ، قال بعضُ أصحابه : فدخلتُ عليه فإذا قومٌ قُعود ، وقومٌ
قِيَّام ، فقال : ماذا يُغني هؤلاء عنِّي إذا أُخِذَ بناصيتي وقدَمي غداً ، وأُلقيت في النار ؟ !.
وبعثَ بعضُ الخلفاء مالاً مستكثَراً إلى البصرة ليفرَّقَ في فقراء أهلها، وأمرَ أنْ يُدفَعَ إلى محمد بن واسعٍ منه ، فلم
يقبَلْهُ ولم يلتمِسْ منه شيئاً . وأمَّ مالك بن دينار فإنه قَبِلَ ما أَمِرَ له به ، واشترى به أرِقَّاء وأعتقهم ولم يأخذُ لنفسِهِ منه
شيئاً ، فجاءه محمد بن واسع يلومُه على قَبُولِهِ جوائزَ السلطان ، فقال له : يا مالك ، قَبِلتَ جوائزَ السلطان !؟ فقال
له مالك: يا أبا عبد الله ، سَلْ أصحابي ماذا فعلتُ منه، فقالوا له : إنه اشترى به أرِقَّاء وأعتقهم. فقال له : سألتُكَ
بالله أقلبُكَ الآنَ لهم مثلُ ما كانَ قبلَ أنْ يَصِلوك؟ فقام مالك وحَشَى على رأسِهِ الترابَ وقال : إنما يعرفُ اللهَ محمدُ بن
واسع ، إنما مالِكٌ حمار ، إنما مالك حمار .
وكلامُ محمدِ بن واسع كثيرٌ جِدّاً رحمه الله ] .

١٩٢
وفيات سنة ١٢٤ هـ
أنَّ في السجنِ جماعةً من الأمراء من نُوَّابِ خالد بن عبد الله القَسْري ، قد حبسَهم يوسفُ بن عمر ، وفيهم
عيسى بن معقل العجلي ، فاجتمعوا بهم في السجن ، فدعَوْهُمْ إلى البيعةِ لبني العباس وإذا عندَهم من ذلك
جانبٌ كبير ، فقَبِلوا منهم ، ووجدوا عندهم في السجن أبا مسلم الخُراساني ، وكان إذْ ذاكَ غلاماً يَخدِمُ
عيسى بن معقل العِجْلي ، وكان محبوساً فأعجَبَهم شهامَتُه وقوَّتُهَ، واستجابته مع مولاه إلى هذا الأمر ،
فاشتراهُ بكرُ بن ماهان بأربعمئةِ درهم ، خرَجوا بهِ معَهم، فاستندَبُوهُ لهذا الأمر ، فكانوا لا يوجِّهونَهُ إلى
مكان إلَّ ذهب ونَتَج ما يوجّهونه إليه ، ثم كان من أمرِهِ ما سنذكرُه إن شاء الله تعالى فيما بعد .
قال الواقدي : ومات في هذه السنة محمد بن علي بن عبدالله بن عباس ، وهو الذي يدعو إليه دعاةٌ
بني العباس ، فقام مقامَهُ ولدُه أبو العباس السَّفَّاح، والصحيح أنَّهُ إنَّما تُوفِّي في التي بعدَها .
قال الواقدي وأبو معشر : وحجَّ بالناس فيها عبدُ العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك ومعه امرأته أم
سلمة بنت هشام بن عبد الملك . وقيل : إنما حجَّ بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل . قاله الواقدي ،
والأول ذكره ابنُ جرير(١) ، والله أعلم .
وكان نائبُ الحجاز محمد بن هشام بن إسماعيل يَقِفُ على باب أم سلمة ويهدي إليها الألطاف والتُّحَف،
ويعتذِرُ إليها من التقصير ، وهي لا تلتفتُ إلى ذلك. ونوَّابُ البلاد هُمُ المذكورون في التي قبلَها .
وفيها تُوقِّيَ :
القاسم بن أبي بَزَّة٢ً) أبو عبد الله المكِّي القارىء ، مولى عبدِ الله بن السائب ، تابعيٌّ جليل .
روى عن أبي الطُّفيل عامر بن واثلة ، وعنهُ جماعة ، ووثَّقَه الأئمة .
وكانتْ وفاتُهُ في هذه السنة على الصحيح ، وقيل بعدَها بسنة ، وقيل : سنةَ أربعَ عشرة ، وقيل : سنة
خمسَ عشرة ، فالله أعلم .
الزُّهْرِيّ(٣) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَة بن
(١) تاريخ الطبري (٢١٥/٤) .
(٢) ترجمته في طبقات ابن سعد (٤٧٩/٥)، التاريخ الكبير (١٦٧/٧)، معرفة الثقات للعجلي (٢٠٩/٢)، رجال
صحيح البخاري ( ٦١٧/٢)، تهذيب الكمال (٣٣٨/٢٣)، الكاشف (١٢٧/٢)، تهذيب التهذيب
(٢٧٨/٨)، تقريب التهذيب ص (٤٤٩).
(٣) ترجمته في طبقات ابن سعد (٣٨٨/٢)، والقسم المتمم ( ١٥٧)، طبقات خليفة (٢٦١)، تاريخ خليفة
(٢١٨)، (٣٥٦)، التاريخ الكبير (٢٢٠/١)، التاريخ الصغير (٣٥٦/١)، الجرح والتعديل (٧١/٨)،
ثقات ابن حبان (٣٤٩/٥)، حلية الأولياء (٣٦٠/٣)، الأنساب (٣٢٨/٦)، طبقات الشيرازي (٦٣)، صفة
الصفوة (١٣٦/٢)، المختار من مناقب الأخيار (٤٣٨/٤)، تهذيب الأسماء واللغات (٩٠/١)، وفيات الأعيان
(١٧٧/٤)، مختصر تاريخ دمشق (٢٢٧/٢٣)، تهذيب الكمال (٤١٩/٢٦)، سير أعلام النبلاء (٣٢٦/٥)، =

١٩٣
وفيات سنة ١٢٤ هـ
كلاب بن مُرَّة ، أبو بكر القُرشيُّ الزُّهْرِي، أحَدُ الأعلام من أئمةِ الإسلام . تابعيٌّ جليل ، سمع غيرَ واحدٍ
من التابعين وغيرِهم .
روى الحافظُ ابنُ عساكر عن الزُّهْري ، قال : أصابَ أهلَ المدينةِ جَهْدٌ شَديد ، فارتحلتُ إلى
دمشق ، وكان عندي ◌ِيَالٌ كثيرة ، فجئتُ جامعَها ، فجلستُ في أعظم حَلْقَة ، فإذا رجلٌ قد خرج من عندِ
أميرِ المؤمنين عبدِ الملك فقال : إنَّهُ قد نزلَ بأمير المؤمنين مسألة - وكان قد سمع من سعيد بن المسيِّب
فيها شيئاً وقد شذَّ عنه في أمَّهاتِ الأولاد يرويهِ عن عمر بن الخطاب - فقلتُ : إنِّي أحفظُ عن سعيد بن
المسيِّب عن عمرَ بن الخطاب ، فأخذني ، فأدخلني على عبدِ الملك ، فسألني مِمَّنْ أنت ؟ فانتسبتُ له ،
وذكرتُ له حاجتي وعِيَالي فسألني: هل تحفَظُ القرآن. قلت: نَعَمْ والفرائضَ والسُّنَن ، فسألَني عن ذلك
كلِّه فأجبتُه(١)، فقَضَى دَيْنِي، وأمَرَ لي بجائزةٍ وقال لي : اطلبِ العِلم ، فإني أَرَى لكَ عَيناً حافظة ، وقلباً
ذَكيّاً . قال : فرجعتُ إلى المدينةِ أطلبُ العِلْم وأتتَبَّعُه، فبلغني أنَّ امرأةً بقُبَاء رأتْ رؤيا عَجيبة فأتيتُها
فسألتُها عن ذلك ، فقالتْ : إنَّ بعلي ماتَ وترك لنا خادماً وداجناً ونُخيلاتٍ نشربُ من لبنها ، ونأكلُ من
ثمرها ، فبينما أنا بين النائمةِ واليقظَى رأيتُ كأنَّ ابني الكبير وكان مشتدّاً قد أقبل ، فأخذ الشفرةَ فذبح ولدَ
الداجنِ وقال : إنَّ هذا يُضَيِّقُ علينا اللَّبَن ، ثم نَصَب القِدْرَ، وقطّعها ووضعها فيه، ثم أخذ الشفرةَ فذبح
بها أخاه ، وأخوه صغير ، كما قد جاء ، ثم استيقظتُ مذعورةً ، فدخل ولدي الكبير فقال : أين اللَّبَن ؟
فقلت : يا بُني ، شَرِبَهُ ولدُ الدَّاجن . فقال: إنَّهُ قد ضَيَّقَ علينا اللبن ، ثم أخذ الشفرةَ فذبحَهُ وقطَّعَهُ في
القِدْر ، فبَقِيتُ مشفِقَةً خائفةً ممَّا رأيت، فأخذتُ ولديّ الصغير، فغَيَّيْتُهُ في بعضِ بيوتِ الجيران ، ثم
أقبلتُ إلى المنْزِل وأنا مشفِقةٌ جدّاً مِمَّا رأيت ، فأخذَتْني عيني فِمت ، فرأيتُ في المنام قائلاً يقول : ما لك
مغتمَّة ؟ فقلت : إنِّي رأيتُ مناماً ، فأنا أحذَرُ منه ، فقال : يا رؤيا يا رؤيا ، فأقبلتِ امرأةٌ حسناءُ جميلةٌ ،
فقال : ما أردتِ من هذه المرأة الصالحة ؟ قالتْ: ما أردتُ إلَّا خيراً. ثم قال: يا أحلام ، يا أحلام ،
فأقبلتِ امرأةٌ دونها في الحُسن والجمال ، فقال : ما أردتِ إلى هذ المرأة الصالحة ؟ فقالت : ما أردتُ إلا
خيراً . ثم قال : يا أضغاث ، يا أضغاث، فأقبلتِ امرأةٌ سوداءُ شَعِشَة ، فقال : ما أردتِ إلى هذه المرأة
الصالحة ؟ فقالت : إنها امرأةٌ صالحة ، فأحببتُ أنْ أعَلِّمَها ساعة . ثم استيقظتُ ، فجاء ابني فوضعَ
الطعامَ وقال : أين أخي ؟ فقلت : إنّه دَرَجَ إلى بيوتِ الجيران، فذهب وراءه ، فكأنما هُدِيَ إليه ، فأقبل
به يُقَبِّلُه، ثم جاء فوضَعَه، وجلَسْنا جميعاً، فأكلنا من ذلك الطعام(٢).
تاريخ الإسلام (١٣٦/٥)، تذكرة الحفاظ (١٠٨/١)، ميزان الاعتدال (٤٠/٤)، العبر (١٥٨/١)، الوافي
=
بالوفيات (٢٤/٥)، طبقات القراء (٢٦٢/٢)، تهذيب التهذيب (٤٤٥/٩)، النجوم الزاهرة (٢٩٤/١)،
طبقات الحفاظ (٤٢)، شذرات الذهب (١٦٢/١)، الكواكب الدرية (٤٣٩/١، و٥٤١/٤).
(١) في (ب، ح): (( وسأله عن ذلك كله فأجاد)).
(٢) انظر مختصر تاريخ دمشق (٢٢٩/٢٣ -٢٣١).

١٩٤
وفيات سنة ١٢٤ هـ
ولد الزُّهري في سنةٍ ثمانٍ وخمسين في آخرِ خلافةِ معاوية ، وكان قصيراً قليلَ اللَّخْية ، له شعراتٌ
طوال ، خفيفَ العارضَيْن . قالوا : وقد قرأ القرآن في نَحوِ من ثمانٍ وثمانينَ يوماً . وجالس سعيدَ بن
المُسيِّب ثمانَ سنين، تَمَسُّ ركبتُهُ ركبتَه، وكان يخدمُ عبدَ الله(١) بن عبدِ الله يستقي له الماء المالح ،
ويدورُ على مشايخِ الحديث ومعه ألواٌ يكُتبُ عنهم فيها الحديث ، ويكتبُ عنهم كلَّ ما سمِعَ منهم ، حتى
صار من أعلم الناس ، وأعلمهم في زمانه ، وقد احتاج أهلُ عصرِهِ إليه .
وقال عبدُ الرزاق : أخبرنا معمرٌ عن الزُّهري قال : كُنَّا نكرَهُ كتابَ العلم حتى أكرَهَنا عليه هؤلاءِ
الأمَراء ، فرأينا أنْ لا نَمْنعَهُ أحداً من المسلمين (٢)
وقال ابنُ إسحاق : كان الزُّهري يرجِعُ من عندٍ عُروةَ فيقولُ لجاريةٍ عندَه فيها لُكْنَة : حدثنا عروة ، ثنا
فلان . ويسرُّدُ عليها ما سَمِعَهُ منه ، فتقول له الجارية : والله ما أدري ما تقول . فيقول لها : اسكتي لَكَاعِ
فإني لا أريدُك ، إنما أُريدُ نفسي(٣).
ثم وفد على عبدِ الملك بن مروان بدمشق - كما تقدَّم - فأكرمَهُ وقضَى دَينه ، وفرَضَ له في بیتِ
المال ، ثم كان بعدُ من أصحابِهِ وجلسائه ، ثم كان كذلك عندَ أولادِهِ من بعدِه الوليدُ وسليمان ، وكذا عند
عُمر بن عبد العزيز ، وعند يزيد بن عبد الملك ، واستقضاهُ يزيدُ مع سليمانَ بن حَبيب ، ثم كان حَظِيّاً عند
هشام ، وحجَّ معَه ، وجعله معلِّم أولادِهِ إلى أنْ تُوفي في هذه السنة قبلَ هشام بسنة .
وقال ابنُ وَهْب : سمعتُ اللَّيثَ يقول : قال ابنُ شهاب : ما استودعتُ قلبي شيئاً قطُ فَنَسِيتُهُ . قال:
وكان يكرَهُ أكلَ التفّاح وسؤرَ الفَأْرِ ويَقُول: إنَّهُ يُنْسِي، كان يشربُ العَسلَ ويقول: إنَّهُ يُذكِّر(٤)
وفيه يقولُ فائدُ بنُ أقْرم :
واذكرْ فواضِلَهُ على الأصحابِ
زُزْ ذا وأثنٍ على الكريم محمدٍ
قِيل الجوادُ محمدُ بنُ شهابٍ
وإذا يقالُ مَنِ الجوَادُ بماِلِهِ
وربيعُ نادِيِه على الأعرابِ
أهل المدائنِ يعرفونَ مَكانَهُ
بِكُسورِ أثباجُ(٥) وفَتْقِ لُبَّابِ
يَشْرِي وفاءَ حِفَانِهِ وَمُدُّها
(١) في بعض النسخ : عُبيد الله .
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣٨٩/٢)، والقسم المتمم ص (١٦٩).
(٣) مختصر تاريخ دمشق ( ٢٣٢/٢٣).
(٤) أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٦٤) (١٨٠٣)، وذكره المزي في تهذيب الكمال
(٢٦/ ٤٣٤)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٣٢/٥).
(٥) في (ق): ((انتاج))، والمثبت من (ب، ح)، والأثباج: جمع ثَبَج، وهو ما بين الكاهل إلى الظهر. لسان
العرب (ثبج). والأبيات ما عدا الأخير في سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٣٢).

١٩٥
وفيات سنة ١٢٤ هـ
وقال ابنُ مَهْدي : سمعتُ مالكاً يقول : حدَّث الزهريُّ يوماً بحديث ، فلما قام أخذتُ بِلِجام دابته
فاستفهمته ، فقال : أتستفهمُني ؟! ما استفهمتُ عالماً قطّ، ولا ردَدْتُ على عالم قطّ. ثم جعل ابنُ
مهدي يقول : فتلك الطِّوَال ، وتلك المغازي(١) .
وروى يعقوبُ بن سُفيان عن هشام بن خالد السلامي ، عن الوليد بن مسلم ، عن سعيد - يعني ابنَ
عبد العزيز - أنَّ هشام بن عبد الملك سأل الزُّهريَّ أن يكتُبَ لِبَنِيهِ شيئاً من حديثِهِ ، فأملَى على كاتِبِهِ أربع
مئة حديث ، ثم خرج على أهلِ الحديث فحدَّثهم بها ، ثم إنَّ هشاماً قال للزُّهْري : إنَّ ذلك الكتابَ ضاع ،
فقال : لا عليك . فأملى عليهم تلك الأحاديث ، فأخرج هشامُ الكتابَ الأول ، فإذا هو لم يغادر حَرفاً
واحداً ، وإنما أرادَ هشامٌ امتحانَ حِفظِه(٢) .
وقال عمر بنُ عبد العزيز : ما رأيتُ أحداً أحسَنَ سَوْقاً للحديث إذا حدَّث من الزُّهري .
وقال سفيان بنُ عُيَينة عن عمرو بن دينار : ما رأيتُ أحداً أنصَّ للحديثِ من الزُّهري ، ولا أهونَ من
الدينارِ والدرهم عندَه! وما الدراهمُ والدنانيرُ عندَ الزُّهريِّ إلا بِمَنْزِلةِ الْبَعْر . قال عمرو بن دينار : ولقد
جالستُ جابراً وابنَ عباس وابنَ عمر وابنَ الزبير ، فما رأيتُ أحداً أسْيَقَ للحديثِ من الزُّهري .
وقال الإمامُ أحمد : أحسنُ الناسِ حديثاً وأجوَدُهم إسناداً الزُّهري .
وقال النسائي : أحسنُ الأسانيد : الزُّهريُّ عن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن جدِّه عليّ ، عن
رسول الله وَله .
وقال سعيد عن الزهري : مكثتُ خمساً وأربعينَ سنةً أختلفُ من الحجازِ إلى الشام ، ومن الشام إلى
الحجاز ، فما كنتُ أسمعُ حديثاً أستطرفُه .
وقال الليث : ما رأيتُ عالماً قطُ أجمعَ من ابن شهاب ، ولو سمعتَه يحدِّثُ في الترغيبِ والترهيب
لقلتَ : ما يُحسنُ غيرَ هذا ؛ وإن حدث عن الأنبياء وأهلِ الكتاب قلت: لا يُحسنُ إلَّ هذا؛ وإنْ حدَّثَ
عن الأعرابِ والأنسابِ قلت : لا يُحسنُ إلَّ هذا؛ وإنْ حدَّث عن القرآن والسُّنَّةَ كانَ حديثُهُ بِدْعاً جامعاً ؛
وكان يقول : اللهمَّ إني أسألكَ من كلِّ خيرٍ أحاطَ به ◌ِلمُك، وأعوذُ بك من كلِّ شرّ أحاطَ به علمُكَ في
الدنيا والآخرة .
قال الليث : وكان الزهريُّ أسخَى منْ رأيت ، يُعطِي كلَّ منْ جاءَ وسألَه ، حتى إذا لم يبقَ عندَهُ شيءٌ
(١) انظر مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٣٣/٢٣).
(٢) انظر مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ( ٢٣٤/٢٣).

١٩٦
وفيات سنة ١٢٤ هـ
استسلف. وكان يُطعم الناسَ الثَّريد، ويسقيهم العسَل، وكان يسمُرُ على شرابِ العَسَل كما يسمُرُ أهلُ
الشرابِ على شرابهم ويقول : اسقونا وحدِّثونا . فإذا نَعَسَ أحدُهم يقول له : ما أنتَ من سمَّارٍ قُريش .
وكانتْ له قُبَّةٌ معصفَرة ، وعليه مِلْحفةٌ معصفَرة ، وتحتَهُ بساطٌ معصفرٌ .
وقال الليث : قال يحيى بن سعيد : ما بقي عندَ أحدٍ من العلم ما بقي عندَ ابنِ شهاب .
وقال عبد الرزاق : أنبأ معمر قال : قال عمر بن عبد العزيز : عليكم بابنِ شهاب ، فإنه ما بقي أحدٌ
أعلمُ بسنَّةٍ ماضيةٍ منه ، وكذا قال مَكْحول .
وقال أيوب : ما رأيتُ أحداً أعلَمَ من الزّهري! فقيل له : ولا الحسَن ؟ فقال : ما رأيتُ أعلمَ من
الزهري !
وقيل لمكحول : منْ أعلَمُ من لَقيت ؟ قال الزهري : قيل : ثم من ؟ قال : الزهري . قيل : ثم منْ ؟
قال : الزهري .
وقال مالك : كان الزهريُّ إذا دخل المدينةَ لم يحدِّثْ بها أحداً حتى يخرج .
وقال عبدُ الرزاق عن ابنِ عُيَينة : محدّثو أهلِ الحجاز ثلاثة : الزهري ، ويحيى بن سعيد ، وابنُ
جُريج .
وقال عليُّ بن المَدِيني : الذين أفتَوْا أربعة: الزُّهْري، والحكم، وحماد ، وقتادة ، والزُّهري
أفقَهُهُمْ عندي .
وقال الزهري : ثلاثةٌ إذا كُنَّ في القاضي فليس بقاضٍ : إذا كَرِهَ المَلاوم ، وأحبَّ المحامِد ، وكَرِه
العزل .
وقال أحمد بن صالح : كان يُقال : فُصَحاء زمانِهِم الزُّهري ، وعمر بن عبد العزيز ، وموسى بن
طلحة ، وعُبيد الله ، رحمهم الله .
وقال مالك عن الزهري أنه قال؛ إنَّ هذا العلم الذي أدَّبَ اللهُ بهِ رسولَ اللهِ وَّهِ، وأدَّب رسولُ الله بهِ
أُمَّتَه أمانةُ الله إلى رسولِهِ ليؤدِّيَهُ على ما أُدِّيَ إليه، فمَنْ سَمِعَ علماً فَلْيَجعَلْهُ أمامَهُ حُجَّةً فيما بينه وبين الله
عزَّ وجلَّ .
وقال محمد بن الحسين عن يونس ، عن الزهريِّ قال: الاعتصام بالسنَّةِ نجاةً(١).
وقال الوليد عن الأوزاعي عن الزهري، قال: أمِرُوا أحاديثَ رسولِ الله وَليل كما جاءت.
(١) أخرجه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٥٦/١).

١٩٧
وفيات سنة ١٢٤ هـ
وقال محمد بن إسحاق عن الزهري : إنَّ من غوائلِ العلم أنْ يُترَك العالِمُ حتى يذهبَ عِلمهُ(١) .
وقال أبو زرعة عن نعيم بن حماد ، عن محمد بن ثَوْر ، عن معمر ، عن الزهري ، قال : القراءةُ على
العالِمِ والسماعُ عليه سواءٌ إن شاء الله تعالى .
وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : إذا طال المجلسُ كان للشيطانِ فيه حظٍّ ونَصيب . وقد
قضَى عنه هشامٌ مرَّةً ثمانين ألف درهم . وفي رواية : سبعةَ عشرَ ألفاً . وفي رواية : عشرين ألفاً .
وقال الشافعي: عَتَبَ رجاءُ بنُ حَيْوة على الزّهري في الإسراف، وكان يَدَّان (٢) ، فقال له: لا آمنُ أنْ
يحبِسَ هؤلاء القومُ ما بأيديهم عنك ، فتكون قد حملتَ على أمانيك . قال : فوعده الزهرُّ أنْ يُقْصِر ،
فمَرَّ به بعد ذلك وقد وضعَ الطعامَ ونصبَ موائدَ العَسَل ، فوقف به رجاء وقال : يا أبا بكر ، ما هذا بالذي
فارقْتَنَا عليه . فقال له الزهري : انزِلْ فإنَّ السَّخِيَّ لا تؤدِّبُهُ التجارِب(٣).
وقد أنشدَ بعضُهم في هذا المعنى :
أمطارُها الفِضَّةُ البيضاءُ والذهبُ
له سحائبُ جودٍ في أنامِلِهِ
أقصَرْتُ عن بعضِ ما أُعطي وما أهَبُ
يقول في العُسْرِ إِنْ أَيْسَرتُ ثانيةً
رأيتَ أموالَهُ في الناسِ تُنْتَهَبُ
حتى إذا عادَ أيامُ اليسَارِ لَهُ
وقال الواقدي(٤) : ولد الزهريُّ سنة ثمانٍ وخمسين ، [ في آخرِ خلافةِ معاوية بن أبي سفيان ، وهي
السنةُ التي ماتتْ فيها عائشةُ زوجُ النبيِّ ◌ََّ]، وقَدِمَ في سنةٍ أربع وعشرين ومئة إلى أمواله بثلاث(٥):
بِشَغْب وبَدَا (٦) فأقام بها ، فمرض هناك ومات . وأوصَى أنْ يُدفَنَّ على قارعة الطريق وكانتْ وفاتُه لسبعَ
عشرةَ من رمضان في هذه السنة ، وهو ابنُ خمسٍ وسبعين سنة . قالوا : وكان ثقةً كثيرَ الحديث والعلم
(١) وهذه زيادة مقحمة أيضاً وهي :
[ وفي رواية: أنْ يترُكَ العالِمُ العمل بالعلم حتى يذهب، فإنَّ منْ غوائِلِهِ قِلَّةَ انتفاع العالِمِ بعِلْمِه ]، و1 من
غوائله ] النِّسيان والكذب ، وهو أشدُّ الغوائل .
(٢) في (ق): ((يستدين)) والمثبت من ( ب، ح )، وكلاهما بمعنى يستقرض.
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٥١).
(٤) انظر قول الواقدي في طبقات ابن سعد القسم المتمم ص (١٨٥) وما بين معقوفين منه.
(٥) كذا في (ق)، وفي (ب، ح): ((بثلثة))، وفي طبقات ابن سعد ( بثلية )، ولم أهتد إلى وجه الصواب فيه .
(٦) شَغْب - بفتح أوله وسكون ثانيه وآخره باء موحدة -: هي ضيعة خلف وادي القرى ، كانت للزُّهري وبها قبره ، يُروى
مقصوراً ، ويروى بغير ألف ، يُنسب إليها زكرياء بن عيسى الشغبي مولى الزهري ، وقيل : شَغْبَى - وبَدا بالفتح
والقصر - موضعان بين المدينة وأيلة من ساحل البحر . وقيل بوادي القرى ، وقيل بوادي عذرة . معجم البلدان
(٣٥٦/١، و٣٥١/٣ و٣٥٢).

١٩٨
وفيات سنة ١٢٤ هـ
والرواية ، فقيهاً جامعاً . وقال الحسين بن المتوكّل العَسْقلاني: رأيتُ قبرَ الزهري بشَغْب وبَدَ(١) من
فِلَسْطِينَ مُسَنَّماً مُجَصَّصاً .
وقد وقف الأوزاعى يوماً على قبرهِ فقال :
يا قبر كم فيك من علم ومن حلم يا قبر كم فيك من علم ومن كرم
(٢)
وكم جمعتَ رواياتٍ وأحكاما
وقال الزُّبير بن بكار : توفي الزهري بأموالِهِ بِشَغْب(٣) ليلةَ الثلاثاء لسبعَ عشرةَ ليلةً خلتْ من رمضان
سنة أربعٍ وعِشرين ومئة، عن ثنتين وسبعينَ سنة ، ودُفن على قارعةِ الطريق ، ليدعُوَ له المارَّة . وقيل :
إنه تُوفي سنةَ ثلاثٍ وعشرين ومئة . وقال أبو معشر : سنةَ خمسٍ وعشرين ومئة . والصحيح الأول . والله
أعلم(٤) .
(١) في طبقات ابن سعد ( القسم المتمم) ص (١٨٦): ((رأيت قبر الزهري بأُدْمى وهي خلف شَغْب وبَدا، وهي أول
أعمال فلسطين .. )) .
(٢) كذا في (ق)، وأما ( ب، ح) فلم يذكر سوى قوله: (( يا قبر كم فيك من علم وحلم)) .
(٣)
في (ق): (( بشغب ثنين))، وهو تصحيف ، والمثبت من ( ب، ح )، وقد تقدم التعريف بشغب.
(٤) وهذه زيادة مقحمة أيضاً وهي :
[ فصل ( هذا الفصل ليس في ( ب، ح )، وهو زيادة من ( ق). ) :
وروى الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم ، حدّثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، قال : أخبرني صالح بن كيسان ، قال :
اجتمعتُ أنا والزهري ونحن نطلبُ العِلْم، فقلنا: نحنُ نكتُبُ السُّنَن؛ فكتبنا ما جاء عن النبي وَّر . ثم قال لي:
هَلُمَّ فَلْنكتُبْ ما جاء عن أصحابه ، فإنه سُنَّة . فقلت: إنه ليس بِسُنَّة ، فلا نكتُبه . قال : فكتب ما جاء عنهم ولم
أكتب، فأنجحَ وضَيَّعتُ ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٣/ ٣٦٠) عن الطبراني . وأخرجه وابن سعد في طبقاته
( القسم المتمم ) ص (١٦٨)؛ وأبو الوليد الباجي في التعديل والتجريح (٢/ ٧٨٣) عن عبد الرزاق.).
وروى الإمام أحمد عن معمر ، قال : كنَّا نرى أنَّا قد أكثَرْنا عن الزُّهري حتى قُتل الوليد، فإذا الدفاترُ قد حُمِلَتْ
على الدوابٍّ من خزانته ، يقول: من علم الزُّهري ( حلية الأولياء (٣٦١/٣). ).
ورُوي عن الليث بن سعد قال : وضع الطَّسْتُ بين يديِ ابنِ شهاب، فتذكَّر حديثاً، فلم تزلْ يدُهُ في الطَّسْت حتى
طلعَ الفَجْر [ حتى ] صحَّحَه ( المصدر السابق ، وما بين معقوفين منه . ) .
وروى أصبغ بن الفرج عن ابن وَهْب ، عن يونس ، عن الزُّهري ، قال : للعلم وادٍ ، فإذا هبطتَ واديَهُ فعليك
بالتُّؤَدة ، حتى تخرجَ منه ، فإنك لا تَقطَعُه حتى يقطعَ بك .
وقال الطبراني : حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب، حدّثنا الزُّبير بن بكَّار ، حدّثني محمد بن الحسن بن زَيَالَة ، عن
مالك بن أنس ، عن الزُّهري ، قال : خدَمْتُ عُبيد الله بن عُثْبة ، حتى إنْ كان خادمُه ليخرُجُ فيقول : منْ بالباب ؟
فتقول الجارية : غلامُك الأعمش ، فتظنُّ أنَّي غلامُه، وأنِّي كنتُ لأخدمه حتى أستقيَ وضوءَه .
وروى عبدُ الرحمن بن أحمد ، عن محمد بن عبّاد ، عن الثوري ، عن مالك بن أنس - أُراهُ عن الزُّهري - قال :
تبعت سعيدَ بن المُسيِّب ثلاثةَ أيَّامٍ في طلَبِ حديث .
=

١٩٩
وفيات سنة ١٢٤ هـ
وروى الأوزاعيُّ عن الزهري قال: كنَّا نأتي العالِم ، فما نتعلَّمُ من أدبِه أحبُّ إلينا من عِلْمه.
وقال سفيان : كان الزُّهري يقول : حدّثني فلان وكان من أوعيةِ العِلم . ولا يقول : كان عالماً .
وقال مالك : أولُ مَنْ دَوَّنَ العِلم ابنُ شهاب ، وقال أبو المَلِيح : كان هشامٌ هو الذي أكرَهَ الزهريَّ على كتابةِ
الحديث ، فكان الناسُ يكتبونَ بعد ذلك .
وقال رشيد بن سعد ( كذا في ( ق)، ولعل الصواب فيه: ((رشدين بن سعد)). ) : قال الزهري : العلمُ
خزائن ، وتفتحُها المسائل .
وقال الزهري : كان يُصطادُ العلمُ بالمسألة كما يُصادُ الوحش .
وكان ابنُ شهاب يَنْزِلُ بالأعراب يُعلِّمُهم لئلا يَنسَى العلم . وقال : إنما يُذهبُ العلمَ النسيانُ وتَرْكُ المذاكرة .
وقال : إنَّ هذا العلم إنْ أخذتَهُ بالمُكابرَةَ غَلَبَكَ ولم تظفَرْ منه بشيء، ولكنْ خُذْهُ مع الأيام والليالي أخذاً رَفيقاً
تظفرْ به .
وقال : ما أحدث الناسُ مروءةٌ أعجبَ إليَّ من الفصاحة .
وقال : العلمُ ذكَرٌ ، لا يُحبُّهُ إلَّ الذكورُ من الرجال، ويكرَهُهُ مؤنَّثُوهم .
ومرَّ الزُّهريُّ على أبي حازم وهو يقول: قال رسولُ الله ◌ِّل، فقال: ما لي أرى أحاديثَ ليس لها خُطُمٌ ولا
أزِمَّة ؟ .
وقال : ما عُبِدَ اللهُ بشيءٍ أفضلَ من العلم .
وقال ابن مسلم أبي عاصم ( كذا في ( ق )، والخبر في حلية الأولياء (٣/ ٣٦٥، ٣٦٦)، وفيه : عبد الله بن
محمد بن جعفر عن أبي عاصم. ) : حدّثنا دُحَيم ، حدّثنا الوليد بن مسلم، عن القاسم بن هِزَّان، أنَّه سمع
الزُّهْري يقول : لا يوثقُ الناسُ بعلم عالمٍ لا يعمل به ، ولا يؤمن بقولٍ عالمٍ لا يرضى .
وقال ضمرة عن يونس ، عن الزهرَيّ، قال : إياك وغلولَ الكُتب ، قلت : وما غلولُها ؟ قال : حَبْسُها عن
أهْلِها .
وروى الشافعيُّ عن الزهري قال : حضور المجلِسِ بلا نُسخةٍ ذُلّ .
وروى الأصمعي عن مالك بن أنس ، عن ابن شهاب قال : جلستُ إلى ثعلبةَ بنِ أبي مَعين ، فقال : أراكَ تُحبُّ
العلم . قلتُ : نعم . قال : فعليك بذاك الشيخ . يَعني سعيدَ بن المُسيِّب ، قال : فلزِمْتُ سعيداً سبعَ سنين ، ثم
تحوَّلْتُ عنه إلى عروة ، ففجَّرتُ تَبَجَ بحرِه .
وقال الليث : قال ابنُ شهاب : ما صبرَ أحدٌ على علم صَبْري، وما نشرهُ أحدٌ قطُّ نشري. فأمَّا عروةُ بن الزُبير
فبئرٌ لا تُكدِّرُهُ الدِّلاء ، وأمَّا ابنُ المسيِّب فانتصب للناس ، فَذهب اسمُه كلَّ مذهب .
وقال مكي بن عبدان : حدّثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الله الأوسي ، حدثنا مالك بن أنس أنَّ ابنَ شهاب سأله
بعضُ بني أمية عن سعيد بن المسيِّب ، فذكر علمَهُ بخير ، وأخبرَهُ بحالِه ؛ فبلغ ذلك سعيداً ، فلما قدم ابنُ شهاب
المدينةَ جاء فسلّم على سعيد، فلم يردّ عليه ولم يكلِّمْه، فلما انصرف سعيد مَشَى الزهريُّ معه ، فقال : ما لي
سلَّمْتُ عليك فلم تكلِّمْني ؟ ماذا بلغك عني ؟ وما قُلتُ إلَّ خيراً . قال له : ذكرتَني لبني مروان .
قال أبو حاتم : حدّثنا مكي بن عبدان ، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثني عطّاف بن خالد المخزومي ، عن
عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة ، عن ابن شهاب قال : أصاب أهلَ المدينةِ حاجةٌ زمانَ فتنةِ عبدِ الملك بنِ =

٢٠٠
وفيات سنة ١٢٤ هـ
.
مروان ، فعمَّتْ أهلَ البلد ، وقد خُيِّلَ إليَّ أنَّه قد أصابنا أهلَ البيتِ من ذلك ما لم يصِبْ أحداً من أهلِ البلد ؛ وذلك
=
لخبرتي بأهلي ، فتذكَّرْتُ هل من أحدٍ أمُثُّ إليهِ بِرَحِم أو موَدَّةٍ أرجو إنْ خرَجْتُ إليه أنْ أُصيبَ عندَهُ شيئاً ؛ فما علمتُ
من أحدٍ أخرُجُ إليه . ثم قلتُ إن الرزقَ بيدِ الله عزَّ وجلَّ . ثم خرجتُ حتى قدمتُ دمشق ، فوضعتُ رَحْلي ، ثم أتيتُ
المسجدَ ، فنظرتُ إلى أعظم حَلْقَةٍ رأيتُها وأكبرِها ، فجلست فيها ، فبينا نحنُ على ذلك إذْ خرجَ رجلٌ من عندِ أميرٍ
المؤمنين عبد الملك كأجسمَ الرجالِ وأجمَلِهم وأحسنِهِم هيئةً! فجاء إلى المجلس الذي أنا فيه فَتحثحثوا له - أي
أوسعوا - فجلس ، فقال : لقَد جاء أميرَ المؤمنين اليومَ كتابٌ ما جاءه مثله منذُ استخلفَهُ الله . قالوا : ما هو ؟ قال :
كتب إليه عاملُهُ على المدينة هشام بن إسماعيل يذكر أنَّ ابناً لمُصعب بنِ الزُّبير من أمِّ ولد مات، فأرادَتْ أمُّه أنْ تأخذَ
ميراثاً منه ، فمنعَهُ عروةُ بن الزبير ، وزعم أنَّهُ لا ميراثَ لها . فتوهّم أميرُ المؤمنين حديثاً في ذلك سمِعَهُ مِن سعيدِ بن
المسيِّب يذكرُ عن أمير المؤمنين عمرَ بن الخطاب في أمَّهات الأولاد ، ولا يحفَظُهُ الآن ، وقد شذَّ عنه ذلك
الحديث . قال ابنُ شهاب : فقلتُ : أنا أحدَّثُه به . فقام إليَّ قَبيصةُ حتى أخذ بيدي ، ثم خرج حتى دخل الدارَ على
عبد الملك فقال : السلام عليك . فقال له عبد الملك مجيباً : وعليك السلام . فقال قبيصة : أنَدْخل ؟ فقال
عبدُ الملك : ادخلْ . فدخلَ قَبِيصَةُ على عبدِ الملك وهو آخذٌ بيدي . وقال : هذا يا أميرَ المؤمنين يحدِّثُكَ بالحديث
الذي سمعتَهُ من ابنِ المُسَيِّب في أمَّهاتِ الأولاد . فقال عبدُ الملك : إيهِ . قال الزهري : فقلت : سمعتُ سعيد بن
المسيِّب يذكر أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر بأُمَّهات الأولاد أن يقوَّمْنَ في أموال أبنائهنَّ بقيمةِ عَدْلٍ ثم
يُعتقن. فكتبَ عمرُ بذلك صدراً من خلافتِهِ ، ثم توفّي رجلٌ من قريش كان لهُ ابنٌ من أُمِّ ولَد ، وقد كان عمر يعْجبُ
بذلك الغُلام . فمرَّ ذلك الغلامُ على عمرَ في المسجد بعدَ وفاةٍ أبيهِ بليالٍ ، فقال له عمر : ما فعلتَ يا بنَ أخي في
أُمِّك ؟ قال : فعلتُ يَا أميرَ المؤمنين خيراً؛ خيَّروني بين أنْ يَسترقُوا أَمِّي [ أو يُخرِجوني من مِيراثي من أبي، فكان
ميراثُ أبي أهونَ عليَّ من أنْ يسترقُّوا أمي] ( ما بين معقوفين ناقص في ( ق ) واستدركتُهُ من حلية الأولياء
(٣٦٨/٣). ) . فقال عمر: أو لستُ إنما أمرتُ في ذلك بقيمةِ عَدْل؟ ما أرى رأياً وما أمرتُ بأمرٍ إلَّ قلتم فيه .
ثم قامٍ فجلَسَ على المِنْبَر ، فاجتمعَ الناسُ إليه، حتى إذا رَضيَ من جماعتِهِم قال : أيُّها الناس ، إنّي قد كنتُ أَمَرْتُ
في أُمَّهاتِ الأولاد بأمرٍ قد علمتموه ، ثم حدَثَ رأيٌ غيرُ ذلك، فأيُّما امرىءٍ كان عندَهُ أمُّ ولد، فمَلَكَها بيمينه
ما عاش ، فإذا ماتَ فهي حُرَّةٌ لا سبيلَ لهُ عليها . فقال لي عبدُ الملك: منْ أنت ؟ قلتُ : أنا محمد بن مُسلم بن
عُبيد الله بن شهاب . فقال : أما واللهِ إنْ كان أبوكَ لأباً نَعَّاراً في الفتنة ، مؤذياً لنا فيها . قال الزهري : فقلت:
يا أميرَ المؤمنين، قلْ كما قال العبدُ الصالحُ: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ يَغْفِرُ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢]. فقال :
أجل. ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَّوْمِّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
قال : فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين ، افرِضْ لي فإني منقطعٌ من الديوان . فقال: إنَّ بلدك ما فرَضْنا فيه لأحدٍ منذُ
كان هذا الأمر . ثم نظر إلى قبيصة وأنا وهو قائمان بين يديه ، فكأنه أومأ إليه أن افرضْ له ؛ فقال : قد فرضَ إليك
أميرُ المؤمنين . فقلت : إني واللهِ ما خرَجْتُ من عندِ أهلي إلَّ وهم في شدَّةٍ وحاجةٍ ما يعلَمُها إلا الله وقد عمَّتِ
الحاجةُ أهلَ البلد . قال : قد وصلك أميرُ المؤمنين . قال : قلت: يا أميرَ المؤمنين، وخادمٌ يخدمُنا فإنَّ أهلي ليس
لهم خادِمٌ إلَّ أختي فإنها الآن تعجنُ وتخبزُ وتطحَن . قال : قد أخدمكَ أميرُ المؤمنين .
وروى الأوزاعي عن الزهري، أنه روى أنّ رسولَ الله ◌َّيه قال: ((لا يَزني الزَّاني حين يَزْني وهو مؤمن». فقلتُ
للزُّهْري: ما هذا؟ فقال: من اللهِ العِلْم، وعلى رسولِهِ البلاغ، وعلينا التسليم، أمرُّوا أحاديثَ رسولِ الله وَّل كما =