النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
وفيات سنة ١١٠ هـ
عقيل بن مَعقل بن مُنبه ، قال : سمعتُ عمِّي وهب بن منبِّه يقول : يابُني ، أخلص طاعة الله بسريرةٍ ناصحة ،
=
يَصدُق بها فعلُكَ في العلانية، فإنَّ من فعلَ خيراً ثم أسَرَّهُ إلى الله فقد أصابَ مَوَاضعَه ، وأبلغهُ قراره ، ووضعهُ عند
حافظه، وإن من أسَرَّ عملاً صالحاً لم يَطّلع عليه إلا الله، فقد اطَّلَع عليه مَن هو حَسْبُه، واستحفظه واستودعه حفيظاً
لا يُضيع أجره . فلا تخافَنَّ يا بُني على مَن عَمِل صالحاً أسَرَّهُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ضَيَاعاً ، ولاتخافنَّ ظُلمَهُ ولا هَضمَه ،
ولا تظنَّنَّ أنَّ العلانية هي أنجح من السريرة ، فإن مثلَ العلانيةِ مع السريرة كمثَلِ ورق الشجر مع عِرقها ، العلانيةُ
وَرَقُها والسريرةُ عِرْقُها ( في الأصل : ( والسريرة أصلها ) المثبت من الحلية. ) ، إن يُحرَقِ العِرق هلكت الشجرةُ
كلُّها ، وإن صَلَحَ الأصلُ صلَحت الشجرةُ ثَمَرها وورَقُها ، والورقُ يأتي عليه حِينٌ يَجفُّ ويصيرُ هَبَاءَ تَذروهُ الرياح ،
بخلافِ العِرق فإنه لا يزالُ ما ظهرَ من الشجرة في خيرٍ وعافية ما كان عِرقُها مستخفياً لايُرى منه شيء ، كذلك الدِّين
والعِلم والعمل ، لا يزالُ صالحاً ما كان له سريرةٌ صالحة ، يصدِّقُ الله بها علانية العبد ، فإنَّ العلانية تنفعُ مع السريرة
الصالحة ، ولا تنفعُ العلانية مع السريرة الفاسدة ، كما ينفعُ عرق الشجرة صلاحُ فرعِها ، وإن كان حياته من قِبَل
عِرِقِها، فإنَّ فَرعَها زينتُها وجمالُها ، وإن كانت السريرةُ هي مِلاكُ الدِّين فإنَّ العلانية معها تُزَيِّنُ الدِّين وتُجَمِّلُهُ إذا
عَمِلَها مؤمنٌ لا يريدُ بها إلا رضاءَ ربِّهِ عزَّ وجلَّ ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦٩/٤، ٧٠). ).
وقال الهيثم بن جميل : حدثنا صالحٌ المُرِّيّ ، عن أبان ، عن وَهب ، قال : قرأتُ في الحكمة : الكُفرُ أربعةُ
أركان، رُكنٌ منه الغضَب، وركنٌ منه الشهوة، وركنٌ منه الطمع، وركنٌ منه الخَوْف ( الحلية (٤/ ٧٠).).
وقال : أوحى الله تعالى إلى موسى : إذا دعوتني فكن خائفاً مشفقاً وَجِلاً، وعَفِّر خَدَّكَ بالتراب ، واسجُد لي
بمكارم وجهك ويديك ، وسلني حين تسألني بخشيةٍ من قلبكَ ووَجَل ، واخشَنِي أيامَ الحياة ، وعلَّم الجُهَّالَ آلائي ،
وقل لعبادي لا يتمادَوا في غِيِّ ما هُم فيه ، فإنَّ أخذي أليمٌ شَدِيد ( المصدر السابق. ) .
وقال وهب : إذا هَمَّ الوالي بالجَور ، أو عَمِل به ، دخل النقصُ على أهلِ مملكته ، وقلَّتِ البركاتُ في التجارات
والزراعاتِ والضروع والمواشي ، ودخلَ المَحقُ في ذلك، وأدخل الله علَيه الذُلَّ في ذاته وفي مُلكه ، وإذا همَّ
بالعدلِ والخير كان عكس ذلك من كثرة الخير ، ونموِّ البركات .
وقال وهب : كان في مصحف ( كذا في ( ق ) ، وفي مصادر التخريج ( صحف ) ، وهو أشبه بالصواب. )
إبراهيم عليه السلام : أيها المَلِك المبتلَى إني لم أبعثكَ لتجمعَ الدنيا بعضها على بعض ، ولا لتَبنيَ البنيان ، وإنَّما
بعثُكَ لترفعَ لي دعوةَ المظلوم ، فإني لا أرُدُّها ولو كانت من كافر ( وقد جاء هذا المعنى في حديث مرفوع رواه أحمد
في المسند ( ١٥٣/٣) من حديث أنس بلفظ (( اتقوا دعوة المظلوم، وإن كان كافراً، فإنه ليس دونها حجاب )) وفي
إسناده ضعف . ) .
وروى ابنُ أبي الدنيا عن محمد بن إسحاق ، عن وهب بن منبِّه ، أنَّ ذا القرنين قال لبعض الملوك : ما بالُ مِلَّتِكم
واحدة ، وطريقتُكم مستقيمة ؟ قال : من قِبَلِ أنَّا لا نُخَادعُ ولا يغتابُ بعضُنا بعضاً.
وروى ابنُ أبي الدنيا عنه ، أنه قال : ثلاثٌّ من كُنَّ فيه أصاب البِرّ ، سخاوةُ النفس ، والصبرُ على الأذى ، وطِيبُ
الكلام ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ١٠ / ٤٧).).
وقال ابنُ أبي الدنيا ( في كتابه الصمت ص (٣١١). ) : حدثني سلمة بن شبيب ، حدثنا سهل بن عاصم بن
سلمة بن ميمون ، عن المعافى بن عمران ، عن إدريس ، قال : سمعتُ وهباً يقول : كان في بني إسرائيل رجلان ،
بلغَت بهما عبادتُهما أنَّهما مشيا على الماء ، فبينما هما يمشيان على البحر ، إذا هما برجلٍ يمشي في الهواء ، فقالا=

١٤٢
أحداث سنة ١١١ هـ
ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومئة
ففيها غزا معاويةُ بن هشام الصائفةَ اليسرى(١) ، وغزا سعيدُ بن هشام الصائفةَ
له : يا عبد الله، بأيِّ شيءٍ أدركتَ هذه المنْزِلة؟ قال: بيسيرٍ من البِرِّ فعَلْتُهُ، ويسيرٍ من الشرِّ تركتُه، فَطَمْتُ نفسي
=
عن الشهوات ، وكففتُ لِساني عمّا لا يعنيني، ورغبت فيما دعاني إليه خالقي ، ولزِمْتُ الصمت ، فإنْ أقسمتُ على
الله عزَّ وجلَّ أَبَرَّ قَسَمي ، وإنْ سألتُهُ أعطاني ( وأخرج الخبر أيضاً ابن الجوزي في ذم الهوى ص (٢١)، وذكره ابن
رجب في جامع العلوم والحكم ص (١١٦). ) .
وقال : حدثني أبو العباس البَصْري الأزدي ، عن شيخ من الأزد ، قال: جاء رجلٌ إلى وَهْب بن منبِّه ، فقال :
علّمني شيئاً ينفعُني الله به . قال : أكثِرْ من ذكرِ الموت ، وأقصِرْ أملَك، وخَصْلةٌ ثالثة إن أنت أصبتَها بلغتَ الغايةَ
القُصوَى، وظفِرْتَ بالعبادةِ الكبرى . قال : وما هي ؟ قال : التوكُّل .
ومِمَّنْ تُوفي فيها من الأعيان :
سليمان بن سعد ( ترجمته في الجرح والتعديل (١١٩/٤)، معرفة الثقات للعجلي (٤٢٩/١)، الثقات لابن
حبان (٣٨٩/٦)، الإصابة (٢٩٦/٣)، الفهرست لابن النديم ص (٣٣٨).): كان جميلا فصيحاً عالماً بالعربية،
وكان يعلِّمُها الناسَ هو وصالح بن عبد الرحمن الكاتب، وتُوفي صالح بعدَهُ بقليل . وكان صالح فصيحاً جميلاً عارفاً
بكتابةِ الديوان ، وبه تخرَّجَ أهلُ العراق من كتابةِ الديوان . وقد ولاه سليمان بن عبد الملك خراجَ العراق .
أم الهذيل ( ترجمتها في طبقات ابن سعد (٤٨٤/٨)، رجال صحيح البخاري (٢/ ٨٥٤)، معرفة الثقات
للعجلي (٤٥٠/٢) تهذيب الكمال (٥١/٣٥) سير أعلام النبلاء (٥٠٧/٤) الكاشف (٥٠٥/٢ )، تهذيب
التهذيب (١٢ /٤٣٨)، الإصابة (٣١٩/٨).): لها رواياتٌ كثيرة، وقد قرأتِ القرآن وعمرُها اثنتا عشرة سنة،
وكانت فقيهةً عالمة ، من خيارِ النساء ، عاشت سبعين سنة .
عائشة بنت طلحة بن عبدالله التميمي ( ترجمتها في طبقات ابن سعد (٤٦٧/٨)، الثقات لابن حبان (٢٨٩/٥)
معرفة الثقات ( ٤٥٥/٢)، رجال صحيح البخاري (٨٥٥/٢)، رجال مسلم (٤٢٤/٢)، تهذيب الكمال
(٢٣٧/٣٥)، الكاشف (٥١٣/٢)، سير أعلام النبلاء (٣٦٩/٤)، تقريب التهذيب ص(٧٥٠).): أمُّها
أمُّ كُلثوم بنتُ أبي بكر ، تزوجت بابنِ خالها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، ثم تزوجت بعده بمصعب بن
الزبير، وأصدقها مئة ألف دينار ، وكانتْ بارعةَ الجمال، عظيمةَ الحُسن ، لم يكنْ في زمانها أجمَلَ منها . تُوفيت
بالمدينة .
عبدالله بن سعيد بن جُبير ( ترجمته في التاريخ الكبير (١٠٣/٥)، رجال صحيح البخاري (٤٠٧/١)، التعديل
والتجريح (٨٤٦/٢)، تهذيب الكمال (٢٦/١٥)، الكاشف (٥٥٨/١)، تقريب التهذيب ص (٣٠٥).) :
له رواياتٌ كثيرة ، وكان من أفضل أهل زمانه .
عبد الرحمن بن أبان ( ترجمته في طبقات ابن سعد ( القسم المتمم ) ص (٢٠٨)، طبقات خليفة ص (٢٥٩)،
التاريخ الكبير (٢٥٤/٥)، الجرح والتعديل (٢١٠/٥)، الثقات لابن حبان (٧/ ٦٦)، صفة الصفوة
(١٤٨/٢) تهذيب الكمال (٤٩٢/١٦)، تهذيب التهذيب (١١٩/٦)، تقريب التهذيب ص (٣٢٥).) بن
عثمان بن عفان : له رواياتٌ كثيرةٌ عن جماعةٍ من الصحابة ] .
(١) جاء في هامش ( ق ) ما نصه : ( أي : البلاد الواقعة في ساحل بلاد الأناضول) .

١٤٣
أحداث سنة ١١٢ هـ
اليمنى (١) حتى بلغَ قيْسَارِيَّةَ من بلادِ الروم .
وفيها عزلَ هشامُ بنُ عبد الملك أشرس بن عبد الله السُّلمي عن إمرةٍ خُراسان ، وولَّى عليها الجُنيد بن
عبد الرحمن المُرِّي، وولَّى الجرّاح بن عبد الله الحَكَمِي أزمِينيّة .
وفيها قصدتِ التُّركُ بلاد أذْرَبيجان، فَلَقِيَهُمُ الحارث بن عمرو فهزَمَهُم، ولما وصَلَ الجُنيد بن
عبد الرحمن إلى خراسان تلقَّتْهُ خيولُ الأتراكِ منهزِمين من المسلمين ، وهو في سبعة آلاف ، فتصافُوا
واقتتلوا قتالاً شديداً، وطمِعوا فيه وفيمن معه لقلَّتِهِم بالنسبة إليهم ، ومعهم مَلِكُهم خاقان ، وكادَ الجنيدُ
أن يَهْلك ، ثم أظفَرَهُ الله بِهِم فهزمهم هزيمةً مُنكرَة ، وأسرَ ابن أخي ملكِهم ، وبعث به إلى الخليفة .
وحجَّ بالناسِ في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي ، وهو أميرُ الحرمَيْن والطائف ،
وأمير العراق خالدٌ القَسْرِيّ، وأميرُ خراسان الجُنيد بن عبد الرحمن المُرِّيّ(٢)
ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومئة
فيها غزا معاويةٌ بن هشام الصائفة ، فافتتح حصوناً من ناحيةِ مَلطية . وفيها سارَت التُّركُ من اللَّن
فلقيهم الجرّاح بن عبد الله الحَكَمِيّ فيمَنْ معهُ من أهلِ الشام ، وأذْرَبِيِجان ، فاقتتلوا قبلَ أن يتكاملَ إليه
جيشُه ، فاستشهد الجرّاح رحمه الله وجماعةٌ معه بِمِرْجِ أرْدَبيل ، وأخذَ العدوُّ أرْدَبِيل ، فلما بلغ ذلك هشامَ
ابن عبد الملك بعث سعيد بن عمرو الحَرَشي (٣) بجيش، وأمرَهُ بالإسراع إليهم ، فلحق التُّرك وهم يَسِيرون
بأسارى المسلمين نحو ملكِهم خاقان ، فاستنقذ منهم الأسارى ومَنْ كانَ معهم من نساء المسلمين ، ومن
أهلِ الذِّمَّة أيضاً، وقتلَ من التُّرك مقتلةً عظيمةً جدّاً، وأسرَ منهم خلقاً كثيراً ، فقتلَهم صَبْراً، وشَفَى ما كان
تغلث(٤) من القلوب ، ولم يكتفِ الخليفة بذلك ، حتى أرسل أخاه مسلمة بن عبد الملك في إثرِ التُّرك
فسار إليهم في بردٍ شديد ، وشتاءٍ عظيم ، فوصل إلى باب الأبواب . واستخلف عنه أميراً ، وسار بمَنْ معَهُ
في طلب الأتراك مَلِكِهم خاقان ، وكان من أمْرِه معهم ما سنذكرُه ، ونهض أمير خراسان في طلَبِ الأتراك
أيضاً في جيشٍ كثيف ، فوصلَ إلى نهر بَلْخ ، ووجَّه إليهم سريّةً ثمانيةَ عشرَ ألفاً ، وأخرى عشرة آلاف يمنةً
ويسرة ، وجاشتِ التركُ وجِيَّشَتْ ، فأتَوا سَمَرْقَند ، فكتب أميرُهم إليه يُعلمه بِهم ، وأنَّه لا يقدِرُ على صَوْنٍ
جاء في هامش ( ق ) ما نصه : ( أي بر الأناضول من جهة البلاد الداخلية ) .
(١)
(٢)
ينظر تاريخ الطبري ٧ / ٦٧ - ٦٩ .
في (ح، ق): (الجرشي) بالجيم ، وهو تصحيف، والمثبت من (ب) والإكمال لابن ماكولا (٢٣٨/٢).
(٣)
كذا في ( ق) وسقطت العبارة من (ب، ح). ومعنى تَغَلَّثَ: خالطه السّمّ، وهو من الغَلْثَى ، مقصور، على
(٤)
مثال السلوى وهو طعامٌ يُخلَط للنسر فيه سم فيأكله فيقتله فيؤخذ ريشه فتراش به السهام . وقيل : العَلْثَى اسم شجرة
إذا أطعم ثمرها السباع قتلتها . اللسان ( غلث ) .

١٤٤
وفيات سنة ١١٢ هـ
سمرقنْدَ منهم ، ومعهم ملِكُهم الأعظم خاقان ، فالغوثَ الغوثَ . فسار الجُنيدُ مسرعاً في جيشٍ كثيف نحو
سمرقند ، حتى وصل إلى شِعب سَمَرْقند ، ويقي بينه وبينها أربعةُ فراسخ ، فصبَّحَه خاقانُ في جَمِعٍ عظيم،
فحمل خاقان على مقدمة الجُنيد ، فانحازوا إلى العسكر ، والتركُ تتبَعُهم من كلِّ جانب، فتراءى الجَمعَان
والمسلمون يتغذّون ، ولا يشعرونَ بانهزام مقدّمتهم وانحيازها إليهم ، فنهضوا إلى السلاح واصطفُوا على
منازلهم ، وذلك في مجالٍ واسع ، ومكانٍ بارز ، فالتقَوْا ، وحملتِ التركُ على ميمنةِ المسلمين وفيها بنو
تميم والأزْد ، فقتل منهم ومن غيرِهم خَلْقٌ كثيرٌ ممن أراد الله كرامتَهُ بالشهادة ، وقد برزَ بعضُ شجعانِ
المسلمين لجماعةٍ من المشركينُ(١) ، فناداهُ ترجمان الملك خاقان إنْ صِرْتَ إلينا جعَلْناك ممن يرفضُ الصنمَ
الأعظم فنعبدَك . فقال: ويحكم! إنما أقاتلكم على أن تعبدوا الله وحدَهُ لا شريكَ له . ثم قاتلهم حتى قُتل
رحمه الله، ثم تَنَاخَى المسلمون، وتداعَتِ الأبطالُ والشجعانُ من كلِّ مكان ، وصبروا وصابروا ، وحملوا
على التُّرك حملةَ رجلٍ واحد ، فهزمَهم الله عزَّ وجلَّ، وقتلوا منهم خَلْقاً كثيراً ، ثم عطفتِ التُّرِكُ عليهم ،
فقتلوا من المسلمين خلقاً ، حتى لم يبقَ سوى ألفين، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وقُتل يومئذٍ سَوْرةُ بن الحرِّ ،
واستأسروا من المسلمين جماعةٌ كثيرة، فحملوهم إلى الملِك خاقان ، فأمَرَ بقَتْلِهم عن آخرِهم فإنا لله وإنا
إليه راجعون. وهذه الوقعة يُقالُ لها وقعةُ الشِّعْب، وقد بسطها ابنُ جريرٍ جدّا٢ً) .
وممن توفي فيها من الأعيان :
رجاء بن حَيْوَةَ الكِنْدِيّ(٣) أبو المِقْدام: ويقال أبو نَصْر الشامي، وهو تابعيٌّ جَلِيل، كبيرُ القَدْر، ثقةٌ
فاضلٌ عادل ، وزيرُ صِدقٍ لخلفاء بني أمية . وكان مَكْحُول إذا سُئل يقول : سَلُوا شيخَنا وسيدنا رجاء بن
حَيْوَة . وقد أثنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة ، ووثَّقوه في الرواية ، وله رواياتٌ وكلامٌ حَسن ، رحمه الله .
شَهْرُ بن حَوْشَب الأشعريُّ الحِمْصِيّ(٤) ويقال : إنه دمشقيٌّ تابعيٌّ جليل ، روى عن مولاتِه أسماء بنت
يزيد بن السَّكَن وغيرِها .
(١) في (ق): ( وقد برز شجعان المسلمين لجماعة من شجعان الترك فقتلهم ، فناداه منادي خاقان: إن ... )،
والمثبت من ( ب ، ح ) .
(٢)
انظر تاريخ الطبري (١٤٦/٤).
ترجمته في طبقات ابن سعد (٤٥٤/٧)، طبقات خليفة (٣١٠)، التاريخ الكبير (٣١٢/٣)، المعارف
(٣)
(٤٧٢)، الجرح والتعديل (٥٠١/٣)، ثقات ابن حبان (٢٣٧/٤)، تاريخ دمشق (٣١٢/٨)، المختار من
مناقب الأخيار لابن الأثير (٣٨٨/٢)، تهذيب الكمال (١٥١/٩) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٥٧)، تذكرة الحفاظ
(١١٨/١)، العبر (١٣٨/١) الوافي بالوفيات (١٤/ ت١٢٤)، تهذيب التهذيب (٢٦٥/٣).
(٤) ترجمته في طبقات ابن سعد (٤٤٩/٧)، التاريخ الكبير (٢٥٨/٤)، الجرح والتعديل (١٤٤/١،
و٣٨٢/٤)، معرفة الثقات للعجلي (٤٦١/١)، الكامل في الضعفاء لابن عدي (٣٦/٤)، الضعفاء للعقيلي
(١٩١/٢)، رجال مسلم (٣١٢/١)، تهذيب الكمال (٥٧٨/١٢)، سير أعلام النبلاء (٣٧٢/٤)، ميزان=

١٤٥
أحداث سنة ١١٣ هـ ووفياتها
وحدث عنه جماعةٌ من التابعين وغيرِهم ، وكان عالماً عابداً ناسكاً ، لكنْ تكلّم فيه جماعةٌ بسبب أخذِه
خريطةً من بيتِ المالِ بغيرِ إذنِ وليِّ الأمر ، فعابوه ونزكوا عرضهُ(١)، وتركُوا حديثَه ، وأنشدوا فيه الشعر(٢)؛
منهم شُعبة وغيرُه . ويقال إنه سرق غيرَها ، فالله أعلم . وقد وثّقه جماعةٌ آخرونُ(٣) ، فالله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومئة
ففيها غَزَا مُعاويةُ بن هشام أرضَ الرُّوم من ناحيةِ مَرْعَش ، وفيها صار جماعةٌ من دُعاة بني العباس إلى
خُراسان ، وانتشروا فيها وقد أخذ أميرُها رجلاً منهم فقتلَه ، وتوعَّدَ غيرَه بمثلٍ ذلك، وفيها وَغَلَ
مسلمةُ بن عبدِ الملك في بلاد التُّرْك فقتَلَ منهم خلقاً كثيراً ، وأُمَما منتشرةً ، حتى قتلَ ابنَ خاقان ، وفتح
بلاداً كثيرة ، ودانَتْ له تلك الممالكُ من ناحيةِ بَلَنْجَر(٤) وأعمالِها .
وفيها حجَّ بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك . قاله الواقدي ، وأبو معشر ؛ وقال ابن جرير عن
بعضهم : إنه حج بالناس إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي ؛ فالله أعلم(٥) .
ونوَّاب البلاد هم المذكورون في التي قبلَها .
وممن تُوفي فيها من الأعيان :
قال ابن جرير(٦) : فيها كان مَهْلِكُ :
الأمير عبد الوهاب بن بخت (٧) : وهو مع البطَّال عبدِ الله بأرضِ الروم ، قُتل شهيداً. وهذه ترجمته ،
الاعتدال (٣٨٩/٣)، تهذيب التهذيب (٣٢٤/٤)، تقريب التهذيب ص (٢٦٩)، تعجيل المنفعة ص (٥٤١).
=
أي : طعنوا في عرضه .
(١)
انظر ما تقدم ص ( ١٣٣).
(٢)
وهذه زيادة أخرى مقحمة من زيادات ( ق ) وهي :
(٣)
[وقَبِلُوا روايَتَه وأثنَوْا عليه، وعلى عبادَتِه ودينِه واجتهادِه ، وقالوا: لا يَقدحُ في روايتِه ما أخذَهُ من بيتِ المالِ إنْ
صحَّ عنه ، وقد كان والياً عليه ، متصرِّفاً فيه ، فالله أعلم .
قال الواقدي ( انظر طبقات ابن سعد (٧/ ٤٤٩) . ): تُوفي شهرٌ في هذه السنة . أعني سنة اثنتي عشرةَ ومئة ،
وقيل قبلها بسنة ، وقيل سنة مئة ] .
(٤)
تقدم التعريف ببلنجر في ص ( ٥٧ ) حاشية (١).
انظر تاريخ الطبري (١٤٩/٤). وصحفت وسقطت بعض الألفاظ من ( ق )، والمثبت من ( ب، ح) وتاريخ
(٥)
الطبري .
(٦) في تاريخ الطبري (١٤٩/٤).
(٧) أخباره في تاريخ الطبري (١٤٩/٤)؛ شذرات الذهب (١٤٦/١)، التحفة اللطيفة للسخاوي (٢٢١/٢).

١٤٦
وفيات سنة ١١٣ هـ
هو عبدُ الوهاب بن بُخْت أبو عُبيدة، ويقال أبو بكر مولى آلِ مروان، مَكِّيٌّ سكنَ الشام . ثم تحوّل إلى المدينة ،
روى عن ابن عُمر ، وأنس ، وأبي هريرة ، وجماعةٍ من التابعين ، وعنه خَلْق ، منهم أيُّوب ، ومالك بن أنس ،
ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وعُبيد الله العمري. حديثُهُ عن أنس مرفوعاً: (( نَضَّرَ الله امرَأْ سمع مَقَالتي هذه
فوَعَاها ، ثم بلَّغَها غيرَه ، فرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هو أفقهُ منه . ثلاثٌ لا يَغلُّ عليهنَّ صَدْرُ مؤمن : إِخْلاصُ العمَلِ
الله، ومُنَاصَحَةُ أولي الأمر، ولزومُ جماعةِ المسلمين ، فإن١ّ) دَعْوَتَهُمْ تُحيطُ من ورائهم)(٢)
وروي عن أبي الزَّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ ◌ّ: ((إذا لَقَيَ أحدُكم
أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عليه، فإنْ حالَتْ بينهما شجرة، ثم لَقيه، فَلْيُسلِّمْ عليه(٣) . وقد وثَّق عبدَ الوهاب هذا
جماعاتٌ منْ أئمَّةِ العلماء .
وقال مالك : كان كثيرَ الحَجِّ والعُمْرَةِ والغَزْو حتى استشهد ، ولم يكنْ أحقَّ بما في رَحْلهِ من رفقائِهِ .
وكان سَمْحاً جَوَاداً . استشهد ببلادِ الروم مع الأمير أبي محمد عبدِ الله البطَّال ، ودُفِن هناك رحمه الله .
وكانتْ وفاتُه في هذه السنة . قاله خليفةُ وغيرُه . وذلك أنَّهُ لَقَيَ العدو ، ففرّ بعضُ المسلمين ، فجعلَ
يُنادي ويركض فرسَهُ نحو العدوّ أنْ هَلُمُوا إلى الجنَّةُ، ويحكمْ! أفِراراً من الجنَّة ؟! أتفِرُونَ من الجنة!؟
إلى أين ؟ ويحكم ! لا مُقَامَ لكم في الدنيا ولا بقاء . ثم قاتَلَ حتى قُتل رحمه الله .
مكحول الشامي(٤) : تابعيٌّ جليلٌ، كَبير القَدْر، إمامُ أهلِ الشام في زمانه ، وكان مولَّى لامرأةٍ من
هُذيل ، وقيل : مولى امرأةٍ من آلِ سعيدِ بن العاص ، وكان نُوبِيّاً ، وقيل : من سَبْي كابُل ؛ وقيل : كان
من الأبناء، من سُلالةِ الأكاسرة. وقد ذكرنا نسَبه في كتابنا (( التكميل)).
وقال محمد بن إسحاق : سمعتُهُ يقول : طُفتُ الأرض كلَّها في طلبِ العلمُ(٥) .
(١) في (ق): ((كأن))، والمثب من ( ب، ح ) ومسند أحمد.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٢٥/٣) (١٢٩٣٧)؛ ابن ماجه (٢٣٦) في المقدمة : باب من بلغ علماً ،
وهو حديث صحيح .
رواه أبو داود رقم (٥٢٠٠) وأبو يعلى في مسنده رقم ( ٦٣٥١) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده .
(٣)
ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٤٥٣)، طبقات خليفة (٣١٠)، تاريخ خليفة (٢٠٦)، (٣٤٥)، التاريخ
(٤ )
الكبير (٢١/٨)، التاريخ الصغير (٣٠٦/١، ٣٠٧)، المعارف (٤٥٢)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٠٧)،
ثقات ابن حبان ( ٤٤٦/٥)، حلية الأولياء (١٧٧/٥)، طبقات الشيرازي (٧٥)، المختار من مناقب الأخيار
لابن الأثير (٥٢/٥)، وفيات الأعيان (٢٨٠/٥)، مختصر تاريخ دمشق (٢٢٤/٢٥)، تهذيب الكمال
(٤٦٤/٢٨)،، سير أعلام النبلاء (١٥٥/٥)، تذكرة الحفاظ (١٠٧/١)، ميزان الاعتدال (٤/ ١٧٧)،
النجوم الزاهرة (٢٧٢/١)، طبقات الحفاظ (٤٢)، طبقات الشعراني (٤٥/١)، الكواكب الدرية
(٤٥٥/١)، شذرات الذهب (١٤٦/١).
(٥) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥١١/٣)؛ وذكره الخطيب في الرحلة في طلب الحديث ص (١٩٩) رقم
( ٩٧ ) وغيره .

١٤٧
أحداث سنة ١١٤ هـ
وقال الزهري : العلماء أربعة : سعيد بن المُسيِّب بالحِجاز ، والحسن البصري بالبصرة ، والشعبي
بالكوفة ، ومكحول بالشام(١) .
وقال بعضهم : كان لا يستطيعُ أن يقول : قُلْ ، وإنما يقول : كُلْ . وكان له وجاهةٌ عند الناس مهما
أمَرَ به من شيء يُفعل .
وقال سعيد بن عبد العزيز : كان أفقه أهلِ الشام، وكان أفقه من الزهري(٢).
وقال غير واحد : توفي في هذه السنة - وقيل بعدَها - والله أعلمُ(٣).
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومئة
فيها غَزَا معاويةُ بن هشام الصائفةَ اليسرى ، وعلى اليمنى سليمانُ بن هشام بن عبد الملك ، وهما ابنا
أميرِ المؤمنين هشام ، وفيها التقَى عبدُ الله البطَّال وملكُ الروم المسمَّى فيهم قُسْطَنْطِين، وهو ابنُ هِرَقْلَ
الأول الذي كتب إليهِ النبيُّ بَلَهَ، فأسرَهُ البطَّال، فأرسلَهُ إلى سليمان بن هشام ، فسار به إلى أبيه .
وفيها عَزَلَ هشامٌ عن إمرةِ مكةَ والمدينةِ والطائفِ إبراهيم بن هشام بن إسماعيل ، وولَّى عليها أخاهُ
محمد بن هشام ؛ فحجَّ بالناس في هذه السنة - في قول - وقال الواقدي وأبو معشر : إنما حجَّ بالناس
خالد بن عبد الملك بن مروان . والله أعلم (٤) .
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٧٨/٥، ١٧٩)؛ والخطيب في تاريخ بغداد (٢٢٨/١٢)؛ والمزي في تهذيب
الكمال ( ٢٨ / ٤٧١ ) .
(٢) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٥٩/٥).
(٣)
وهذه زيادة أيضاً مقحمة وهي :
[ مَكْحُول الشامي: هو ابن أبي مسلم، واسم أبي مسلم شهراب ( في ( ق): ((شهزاب)) ، بالزاي ، وهو
تصحيف والمثبت من الإكمال لابن ماكولا (١/٥).) بن شاذل. كذا نقَلْتُهُ من خطِّ عبدِ الهادي.
وروى ابنُ أبي الدنيا عنه، أنه قال: من نظّف ثَوْبَه قَلَّ هَتُه، ومَنْ طابَ رِيْحُهُ زِيدَ في عَقْلِه ( أخرجه أبو نعيم في
الحلية ( ١٨٤/٥). ونسب القول إلى الشافعي في صفة الصفوة (٢٥٦/٢) وإحياء علوم الدين (١٨١/١).).
وقال مكحول : في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُشْتَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ اٌلَّحِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، قال: باردِ الشراب ، وظلالٍ
المساكن ، وشِبَع البطون ، واعتدالِ الخَلْقِ، ولَذَاذَةِ النَّوْم ( ذكره السيوطي في الدر المنثور في تفسير الآية ، عن
عياض بن غنم مرفوعاً ، ولم يذكر مكحولًاً . ) .
وقال : إذا وضع المجاهدون أثقالَهم عن دوابهم أتَتْها الملائكةُ فمسحَتْ ظهورَها ، ودَعَتْ لها بالبَرَكة إلّا دابّة في
عُنقها جرَس ] .
(٤) ينظر تاريخ الطبري ٧ / ٩٠ - ٩١ .

١٤٨
وفيات سنة ١١٤ هـ
وممن تُوفي فيها من الأعيان :
عطاء بن أبي رباحُ(١) الفِهْرِي: مولاهم أبو محمد المكِّيّ ، أحدُ كبارِ التابعينَ الثقاتِ الرفعاء. يُقال:
إنَّه أدرك مئتي صحابي . وقال ابن سعد(٢): سمعت بعضَ أهل العِلم يقول: كان عطاء أسودَ أعورَ أفْطس
أشلَّ أعرج ، ثم عَمي بعد ذلك ؛ وكان ثقةً فقيهاً عالماً كثيرَ الحديث .
وقال أبو جعفر الباقر وغيرُ واحد : ما بقي أحدٌ في زمانِهِ أعلمَ بالمناسكِ منه . وزاد بعضهم : وكان
قد حجَّ سبعين حجَّة، وعُمِّرَ مئةَ سنة ؛ وكان في آخرٍ عُمرِهِ يُفطرُ في رمضان من الكِبَرِ والضعف ، ويَفْدي
إفطارَهُ ويتأول الآية: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ وكان يُنادي منادي بني
أمية في أيَّامٍ مِنَى : لا يُفْتي الناسَ في الحجِّ إلّا عَطاءُ بنُ أبي رَبَاح .
وقال أبو جعفر الباقر : ما رأيتُ فيمَنْ لَقِيتُ أفقه منه! وقال الأوزاعي : مات عطاء يومَ مات وهو
أرضى أهلِ الأرضِ عندَهم .
وقال ابن جُريج : كان في المسجد فراش عطاء عشرين سنةً ، وكان من أحسَنِ الناسِ به صلاةٌ(٣).
وقال قتادة : كان سعيدُ بن المُسَيِّب ، والحسن ، وإبراهيم ، وعطاء ، هؤلاءِ أئمَّةُ الأمصار .
وقال عطاء : إنَّ الرجلَ ليُحدِّثني بالحديث فأُنْصتُ له، كأني لم أكنْ سمعتُهُ وقد سمعتُهُ قَبْلَ أن يُولد ،
فأُريه أنِّي إنما سمعتُهُ الآن منه. وفي رواية: أنا أحفظُ منه له ، فأريهِ أني لم أسمَعْه (٤) .
والجمهور على أنه ماتَ في هذه السنة . رحمه الله تعالى . والله أعلم(٥).
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٣٨٦/٢ و٤٦٧/٥)، تاريخ ابن معين (٤٠٢/٢)، طبقات خليفة (٢٨٠)، تاريخ
خليفة (٣٤٦)، التاريخ الكبير (٤٦٣/٦)، المعارف (٤٤٤)، المعرفة والتاريخ (٧٠١/١)، الجرح
والتعديل (٣٣٠/٦). الثقات لابن حبان (١٩٨/٥)، طبقات الشيرازي (٦٩)، حلية الأولياء (٣١٠/٣)،
صفة الصفوة (٢١١/٢)، تاريخ مدينة دمشق (١١ / الورقة ٣١٥ب)، المختار من مناقب الأخيار (٥٦٥/٣)،
وفيات الأعيان (٢٦١/٣)، مختصر تاريخ دمشق (٦٥/١٧)، تهذيب الكمال (٦٩/٢٠)، سير أعلام النبلاء
(٧٨/٥)، ميزان الاعتدال (٧٠/٣)، تذكرة الحفاظ (٩٨)، العقد الثمين (٨٤/٦)، غاية النهاية
(٥١٨/١)، النجوم الزاهرة (٢٧٣/١)، طبقات الحفاظ (٣٠٩)، طبقات الشعراني (٣٩/١).
(٢) في الطبقات الكبرى (٥/ ٤٧٠).
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣١٠/٣)؛ وذكره المزي في تهذيب التهذيب (٢٠/ ٨٠)، والذهبي في سير أعلام
النبلاء ( ٨٤/٥) .
(٤)
ذكره الذهبي في السير (٨٦/٥).
(٥) وهنا زيادة أيضاً وهي :
أُسنَدَ أبو محمد عطاء بنُ أبي رَبَاح - واسم أبي رباح أسلم - عن عددٍ كثيرٍ من الصحابة، منهم ابن عُمَر، وابنُ =

١٤٩
وفيات سنة ١١٤ هـ
عَمْرو، وعبد الله بن الزُّبير، وأبو هريرة، وزيد بن خالد الجُهَني، وأبو سعيد. وسمع منِ ابنِ عباس التفسيرَ وغيرَه.
=
وروى عنه من التابعين عِدَّة ؛ منهم الزُّهري ، وعمرو بن دِينار ، وأبو الزُّبير ، وقَتَادة ، ويحيى بن كثير ،
ومالك بن دينار ، وحَبيب بن أبي ثابت ، والأعمش ، وأيوب السّخْتِيَاني ، وغيرهم من الأئمة والأعلام كثير .
قال أبو هِزَّان : سمعتُ عطاء بن أبي رباح يقول : منْ جلسَ مجلسَ ذِكْر ، كَفَّرَ الله عنه بذلك المجلس عشرَ
مجالسَ من مجالِس الباطل ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٣١٣)؛ ذكره ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم
ص (١٦٨).) .
قال أبو هِزَّان : قلت لعطاء : ما مجلسُ الذكر ؟ قال : مجالسُ الحلال والحرام ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(١٩٥/٥).). كيف تُصَلِّي، كيف تصوم، كيف تَنْكِحُ وتُطَلِّق ، وتَبِيعِ وَتَشْتَرِي ؟.
وقال الطبراني : حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق ( في المصنف ( ٨/ ١٣٠) برقم (١٤٥٩٦) إلى
قوله : (( يقرضون الدراهم)). )، عن يحيى بن ربيعة الصَّنْعَاني، قال : سمعتُ عطاء بن أبي رباح يقول في قوله
تعالى: ﴿وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]، قال: كانوا يُقرِضُونَ
الدراهم ( إلى هنا أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣١٥/٥) من طريق عبد الرزاق . وأورده المصنف في التفسير
(٣٦٩/٣) في تفسير الآية ، وفيه بعد هذه العبارة : يعني أنهم كانوا يأخذون منها وكأنهم كانوا يتعاملون بها عدداً
كما كان العرب يتعاملون . ). قيل : كانوا يقصُّونَ منها ويقطعونها .
وقال الثوري: عن عُبيد الله ( في (ق) وحلية الأولياء: ((عبد الله)) تصحيف ، والمثبت من الإكمال لابن
ماكولا (٧/ ٣٠٧)، وتقريب التهذيب ص (٣٧٥). ) بن الوليد - يعني الوَصَّافي - قال: قلتُ لعطاء: ما ترى في
صاحبٍ قَلَم إنْ هو كتبَ به عاش هو وعيالُه في سَعَة ، وإنْ هو تركه افتقر؟ قال : من الرأس ؟ قلت : القَسْري
لِخالد. قالَ عطاء: قال العبدُ الصالح: ﴿رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيْرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [ القصص: ١٧] (أخرجه
أبو نعيم في الحلية (٣١٥/٣). ).
وقال: أفضلُ ما أُوتي العبادُ العقلَ عن الله وهو الدِّين ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٣١٥/٣)، ورويته : قيل
لعطاء : ما أفضل ما أُعطي العباد ؟ قال : العقل عن الله عزَّ وجلَّ ، وهو المعرفة بالدين . ) .
وقال عطاء: ما قال العبدُ يا رب يا رب - ثلاث مرات - إلا نظرَ الله إليه. قال : فذكرتُ ذلك للحسن ، فقال : أما
تقرؤون القرآن: ﴿رَّبَّنَآَ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُوا بِرَبَّكُمْ فَقَامَنَاْ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَاسَيِّئَاتِنَا ﴾
إلى قوله : ﴿فَأُسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [ آل عمران: ١٩٣ - ١٩٥]. الآيات (أورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم
ص (١٠٦).) .
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : حدّثنا أبو عبد الله السلمي، حدّثنا ضمرةُ عن عمر بن الورد ( كذا في ( ق )
والحلية: ((عمر بن الورد))، وفي الزهد لابن أبي عاصم ص (٣٧٧): ((عمرو بن الورد)) ولم نقف على ترجمة
له . )، قال : قال عطاء : إن استطعتَ أن تخلوَ بنفسِكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فافْعَلْ ( أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد
ص (٣٧٧)؛ وأبو نعيم في الحلية (٣١٤/٣)؛ كلاهما بهذا الإسناد. ).
وقال سعيد بن سلام البصري : سمعتُ أبا حنيفة النعمان يقول : لَقِيتُ عطاء بمكة ، فسألتُهُ عن شيء ، فقال :
من أين أنت ؟ فقلت : من أهلِ الكوفة . قال : أنتَ من أهلِ القرية الذين فرَّقوا ( في (ق): ((فارقوا))، والمثبت
من الحلية . ) دينهم وكانوا شِيعاً؟ قلت : نعم ، فمنْ أيِّ الأصناف أنتَ ؟ قلت : ممن لا يسبُّ السَّلف، ويؤمنُ =

١٥٠
وفيات سنة ١١٤ هـ
بالقدَر ، ولا يُكَفِّرُ أحداً من أهلِ القِبْلَة بذَنْب . فقال عطاء : عرفتَ فالْزَمْ ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٣١٤/٣).) .
=
وقال عطاء : ما اجتمعتْ عليه الأمة أقوى عندنا من الإسناد ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣١٤/٣).).
وقيل لعطاء : إنَّ هاهنا قوماً يقولون: الإيمانُ لا يزيدُ ولا يَنْقُصُ. فقال: ﴿ وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ [ محمد:
١٧] ، فما هذا الهُدَى الذي زادَهمْ؟ قلت: ويزعمون أنَّ الصلاةَ والزكاةَ ليستا من دين الله . فقال : قال تعالى:
﴿ وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّه ◌ُخْلِصِينَ لَهُ اَلْدِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْنُواْ الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [ البينة: ٥]، فجعل ذلك دِيناً
( المصدر السابق . ) .
وقال يَعلَى بن عُبيد: دخلنا على محمد بن سُوقَة فقال: ألا أحدِّئكم بحديثٍ لعله أنْ ينفعكم، فإنَّه نفعَني ، قال
لي عطاء بن أبي رباح: يا بنَ أخي ، إنَّ منْ كانَ قبلَكم كانوا يكرهون فُضولَ الكلام ، وكانوا يعدُّونَ فضول الكلام
إثماً ما عدا كتاب الله أنْ يُقْرَأ ، أو أمْرٍ بمعروف ، أو نَهي عن منكر ، أو ينطِقَ العبدُ بحاجتهِ في معيشتهِ التي لابدَّ لَهَ
منها؛ أَتُنكرون ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ (٥ كِرَامًا كَنِينَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١]، و﴿عَنِ أَلْيَمِينِ وَعَنِ التِمالِ فَعِيدٌ (٦) مَّا يَلْفِظُ مِن
قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عِيدٌ﴾ [ق: ١٧ -١٨]، أمَا يَسْتحي أحدُكم لو نُشِرَتْ عليه صَحِيفتُهُ التي أمْلاها صَدْرَ نَهارِه ، فرأى
أكثرَ ما فيها ليس مِنْ أمْرِ دينه ولا دُنياه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣١٥/٣).).
وقال : إذا أنتَ خِفْتَ الحَرَّ مِنَ اللَّيل، فاقرَأْ بسم الله الرحمن الرحيم ، أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم ( كذا في
(ق ) وفي الحلية : إذا تناهقت الحمر من الليل فقولوا بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . ) .
وروى الطبراني وغيرُه ، إنَّ الحَلْقَة في المسجد الحرام كانتْ لابنِ عباس ، فلما ماتَ ابنُ عباس كانتْ لِعَطاء بنِ
أبي رباح .
وروى عثمان بن أبي شيبة عن أبيه ، عن الفضل بن دُكَين ، عن سفيان، عن سلمةَ بنِ كُهَيْل ، قال : ما رأيتُ
أحداً يَطلُبُ بعمَلِه ما عندَ الله تعالى إلّ ثلاثةً : عطاء، وطاوس، ومجاهد ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٣١١/٣).).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا ابنُ نمير ، حدّثنا عمر بن ذَرّ ، قال : ما رأيتُ مثلَ عطاءٍ قطُ ، وما رأيتُ على عطاءٍ
قميصاً قَطُّ ، ولا رأيتُ عليه ثوباً يساوي خمسةَ دراهم ( ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢١٢/٢) والذهبي في
سير أعلام النبلاء ( ٨٧/٥). ).
وقال أبو بلال الأشعري : حدّثنا قيس ، عن عبد الملك بن جُريج، عن عطاء ، أنَّ يَعْلَى بنَ أمية كانتْ لهُ صُحبة ،
وكان يَقعدُ في المسجد ساعةٌ يَنْوي فيها الاعتكاف ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٣١٢/٣).).
وروى الأوزاعي عن عطاء ، قال: إنْ كانتْ فاطمةُ بنتُ رسولِ اللهِ وَلِّ لَتَعْجن، وإنْ كانتْ قُصَّتُها ( القُصَّة : شعر
الناصية، وقُصَّة المرأةِ: ناصيتُها. ) لَتَضْرِبُ بالجَفْنَة (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣١٢/٣).).
وعن الأوزاعي، عنه، قال: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ الَّهِ﴾ [ النور: ٢]، قال: ذلك في إقامةِ الحَدِّ عليهما
( المصدر السابق . ) .
وقال الأوزاعي: كنتُ باليمامة وعليها رجلٌ والٍ يَمْتحنُ الناسَ [برجلٍ ] من أصحابِ رسولِ الله وَّل أنه منافق وما
هو بمؤمِن ، ويأخذُ عليهمْ بالطلاقِ والعَتَاق، أنْ يُسمِّيَ المسيءَ منافقاً، وما يُسمِّيه مؤمناً ؛ فأطاعوه على ذلك
وجعلوه له . قال : فَلَقيتُ عطاء فيها بعدُ، فسألتُهُ عن ذلك فقال: ما أرى بذلك بأساً يقولُ الله تعالى: ﴿إِلَّ أَن

١٥١
أحداث سنة ١١٥ هـ ووفياتها
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومئة
ففيها وقع طاعونٌ بالشام ، وحجَّ بالناسِ فيها محمد بن هشام بن إسماعيل ، وهو نائبُ الحرمَيْن
والطائف ، والنُّوَّابُ في سائرِ البلاد هُمُ المذكورون في التي قبلَها . والله أعلم .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أبو جعفر البَاقِر(١): وهو محمد بن عليٍّ بن الحسين بن عليٍّ بنِ أبي طالب القرشيُّ الهاشميُّ أبو جعفر
تََّقُواْ مِنْهُمْ ثُقَنَّةٌ﴾ [آل عمران: ٢٨] (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣١٢/٣، ٣١٣)، وما مرّ بين معقوفين منه.).
=
وقال الإمامُ أحمد : حدّثنا سفيان بن عُيَينة، حدّثنا إسماعيل بن أمية ، قال : كان عطاء يُطيل الصَّمْت ، فإذا
تكلّم يُخيَّلُ إلينا أنَّه يؤيَّد ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣١٣/٣).) .
وقال في قولِهِ تعالى: ﴿لَّا تُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَ بَيْعُّ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧]، قال: لا يلهيهم بيعٌ ولا شراءٌ عن
مواضِع حُقوقِ الله تعالى التي افْتَرَضها عليهم أنْ يؤدُّوها في أوقاتِها ، وأوائلِها ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٣١٢/٣).) .
وقال ابنُ جَرِير : رأيتُ عطاء يَطُوفُ بالبيت، فقال لقائده: أمْسِكوا ، احفظوا عني خمساً : القَدَرُ خيرُهُ وشؤُّه
حُلُوهُ ومُرُّهُ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وليس للعبادِ فيهِ مَشيئةٌ ولا تَفْويض ؛ وأهلُ قِبْلَتنا مؤمنون، حَرَامٌ دماؤهم وأموالُهم إلَّا
بحقِّها؛ وقتالُ الفئةِ الباغيةِ بالأيدي والنعالِ والسلاح ( كذا في (ق)، وفي الحلية: (( بالأيدي والنعال ،
لا بالسلاح)».)؛ والشهادةُ على الخوارج بالضَّلالةِ ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣١٢/٣).).
وقال ابن عمر : تجمعون لي المسائل وَفيكم عطاءُ بن أبي رباح ( المصدر السابق (٣١١/٣).)؟ !.
وقال معاذ بن سعد : كنتُ جالساً عند عطاء ، فحدَّث بحديث فعرض رجلٌ له في حديثه ، فغضِبَ عطاء وقال :
ما هذه الأخلاق ؟! وما هذه الطبائع ؟ والله إني لأسمعُ الحديثَ من الرجل وأنا أعلمُ بهِ منه، فأُريهِ أني لا أُحسن شيئاً
منه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٣١١/٣).).
وكان عطاء يقول : لأنّ أرى فى بيتى شيطاناً خيرٌ من أن أرى فيه وسادة ، لأنّها تَدْعو إلى النوم.
وروى عثمان بن أبي شيبة عن علي بن المديني ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابنِ جرير ، قال : كان عطاء بعدما كَبِرَ
وضَعُف يقومُ إلى الصلاة ، فيقرأ مئتي آيةٍ من سورة البقرة وهو قائمٌ لا يزولُ منه شيء ، ولا يتحرَّك ( أخرجه أبو نعيم
في الحلية (٣٧٧/١ و١٤٨/٣ و٣١٠)؛ وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٨٧/٥). ).
وقال ابن عيينة : قلتُ لابن جرير : ما رأيتُ مصلِّياً مثلَك! فقال: لو رأيتَ عطاء ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٣١٠/٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢١٣/٢).) !.
وقال عطاء : إنَّ الله لا يُحبُّ الفتى يَلْبسُ الثوب المشهور ، فيُعرضُ الله عنه حتى يضعَ ذلك الثوب.
وكان يقال : ينبغي للعبد أنْ يكونَ كالمريض ، لا بدَّله من قُوت ، وليس كلُّ الطعام يوافقُه .
وكان يقول : الدعوةُ تعمي عينَ الحكيم ، فكيف بالجاهل ؟ ولا تَغْبِطَنَّ ذا نِعْمةٍ بما هو فيه ، فإنك لا تدري إلى
ماذا يصيرُ بعدَ الموت ] .
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٠)، تاريخ خليفة (٣٤٩)، طبقات خليفة (٢٥٥)، التاريخ الكبير (١٨٣/١)،=

١٥٢
وفيات سنة ١١٥ هـ
البَاقِرِ. وأُمُّهُ أُمُ عبدِ الله بنتُ الحُسين بن علي وهو تابعيٌّ جَلِيلُ القَدْر، كثيرُ العِلْم ، أحَدُ أعلام هذه الأمّةِ
عِلْماً وعمَلاً وسيادةً وشرفاً ، وهو أحَدُ مَنْ تَذَّعِي فيه طائفةُ الشيعةِ أنَّهُ أحَدُ الأئمة الاثني عَشَر ، ولم يكنِ
الرجلُ على طريقِهم ، ولا على مِنْوَالِهم ، ولا يَدينُ بما وقع في أذهانِهِم وأوْهامِهم وخيالِهم ، بل كان مِمَّنْ
يُقَدِّمُ أبا بكرٍ وعمر ، وذلك صحيحٌ عنهُ في الأثَر ، وقال أيضاً : ما أدركتُ أحَداً مِنْ أهلِ بيتي إلَّ وهو
يتولّهما . رضي الله عنهما .
وقد روى عن غيرٍ واحدٍ من الصحابة ، وحدَّث عنه جماعةٌ من كبارِ التابعين وغيرِهم ، فَمِمَّن رَوَى عنه
ابنُه جعفر الصادق ، والحكم بن عتيبة ، وربيعة ، والأعمش ، وأبو إسحاق السَّبِيعي ، والأوزاعي ،
والأعرج - وهو أسَنُّ منه - وابنُ جُريج ، وعَطاء ، وعمرو بن دِينار ، والزُّهْرِي .
وقال سفيان بن عيينة : عن جعفر الصادق ، قال : حدثني أبي وكان خيرَ محمديٍّ يومئذٍ على وجه
الأرض(١) .
وقال العِجْلي : هو مدنيٌّ تابعيٌّ ثقة .
وقال محمد بن سعد٢): كان ثقةً كثيرَ [ العلم و] الحديث، وكانتْ وفاتُه في هذه السنةِ في قول ،
وقيل في التي قبلها ، وقيل في التي بعدها أو في التي هي بعدَها ، وبعدَ بعدِها ، والله أعلم . وقد جاوزَ
السبعين . وقيل : لم يجاوزِ الستين. فالله أعلم(٣).
المعارف (٢١٥)، الجرح والتعديل (٢٦/٨)، الثقات لابن حبان (٣٤٨/٥)، حلية الأولياء (١٨٠/٣)،
=
طبقات الفقهاء ( ٦٤)، صفة الصفوة (٢/ ١٠٨) ، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (٤٠٩/٤)، مختصر
تاريخ دمشق ( ٧٧/٢٣)، تهذيب الكمال (١٣٦/٢٦)، تذكرة الحفاظ (١١٧/١)، سير أعلام النبلاء
(٤/ ٤٠١)، العبر (١٤٢/١)، الوافي بالوفيات (١٠٢/٤) تهذيب التهذيب (٩/ ٣٥٠)، طبقات الشعراني
(٣٢/١)، طبقات الحفاظ (٤٩)، شذرات الذهب (١٤٩/١)، الكواكب الدرية (٤٤٠/١).
(١) أخرجه الرامهر مزي في المحدث الفاصل ص (١٩٨)، وساق حديثاً بإسناده. وذكره المزي بهذا الإسناد في تهذيب
الكمال (٢٦ / ١٤٠ ).
في كتابه الطبقات الكبرى (٣٢٣/٥) وما بين معقوفين منه .
(٢)
وهنا زيادة مقحمة وهي :
(٣)
[ فصل :
أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن عليٍّ بن أبي طالب، كان أبوهُ عليٍّ زينُ العابدين وجَدُّهُ الحسين قُتلا
شهيدَيْنِ بالعراق، وسُمِّيَ الباقِرَ لِبَقْرِهِ العلومَ ، واستنباطِهِ الحُكْم .
كانَ ذاكراً خاشعاً صابراً، وكانَ من سُلالةِ النبوَّة، رفيعَ النسَب ، عاليَ الحسَب، وكان عارفاً بالخَطَرات ، كثيرً
البُكاءِ والعَبَرات، مُعْرِضاً عن الجِدَالِ والخُصومات .
قال أبو بلال الأشعري : حدثنا محمد بن مروان عن ثابت ، عن محمد بن علي بن الحسين في قوله تعالى : -

١٥٣
وفيات سنة ١١٥ هـ
﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الفرقان: ٧٥]، قال: الغُرْفَةُ الجَنَّة، بما صبروا على الفقرِ في الدنيا
=
( أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٤٧ و١٨١/٣، ١٨٢). ) .
وقال عبد السلام بن حَرْب ، عن زيد بن خَيْثَمة ، عن أبي جعفر ، قال : الصواعِقُ تُصيب المؤمنَ وغيرَ المؤمن ،
ولا تُصِيبُ الذاكرَ ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ١٨١/٣)، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٣٠/٥)
(١١٦٢) عن زياد الجعفي عن أبي جعفر، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١٠٨/٢)، والذهبي في سير
أعلام النبلاء (٤/ ٤٠٨). ) .
قلت : وقد رُوي نحو هذا عن ابنِ عباس قال : لو نزلَ من السماءِ صوَاعِقُ عَدَدَ النجوم ، لم تُصِبِ الذاكرَ .
وقال جابر الجعفي: قال لي محمد بن علي: يا جابر، إني لَمَحزون، وإني لَمُشتغِلُ القَلْب . قلت : وما
حُزْنُكَ وشُغْلُ قلبِك ؟ قال : يا جابر ، إنَّه مَنْ دخلَ قلبَهُ صافي دينِ الله عزَّ وجلَّ شغَلهُ عمَّا سواه ، يا جابر ، ما الدنيا
وماعسى أنْ تكون ؟ هل هي إلا مركباً رَكِبْتَه؟ أو ثوباً لبسته ؟ أو امرأة أصَبْتَها؟ يا جابر، إنَّ المؤمنين لم يطمئنُوا إلى
الدنيا لِبَقاءٍ فيها، ولم يأمنوا قدومَ الآخرةِ عليهم، ولم يَصِمُّهُمْ عن ذكرِ اللهِ ما سمعوا بآذانهمْ من الفِتْنَة ، ولم يُعْمِهِمْ
عن نورِ الله ما رأوا بأعينهم من الزِّينة، ففازوا بثوابِ الأبرار ، إنَّ أهل التقوى أيسَرُ أهلِ الدنيا مؤونةً ، وأكثرُهم لكَ
مَعُونةً ، إنْ نَسِيتَ ذَكَّروك ، وإنْ ذكرتَ أعانوك، قَوَّالينَ بحق الله، قوَّامينَ بأمْرِ الله، قُطعوا لمحبة ربِّهم عزَّ وجلَّ ،
ونظروا إلى الله وإلى محبتهِ بقلوبِهم ، وتوخَّشوا من الدنيا لطاعةِ محبوبِهم ، وعلموا أنَّ ذلك من أمْرِ خالِقهم ، فأنزلوا
الدنيا حيثُ أنزلَها مَلِيكُهم ، كمَنْزِلٍ نزلوهُ ثم ارتحلوا عنه وتركوه ، وكما أصبتَهُ في منامِك ، فلما استيقظتَ إذا ليس
في يدِكَ منه شيء ، فاحفظِ الله فيما استرعاك من دِينه وحكمتِه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ١٨٢/٣)، وذكره ابن
الجوزي في صفة الصفوة (١٠٨/٢، ١٠٩). ).
وقال خالد بن يزيد : سمعتُ محمد بن عليٍّ يقول : قال عمر بن الخطاب: إذا رأيتُمُ القارىءَ يُحِبُّ الأغنياء،
فهو صاحبُ الدنيا ، وإذا رأيتُموه يلزَمُ السلطانَ فهو لِصِّ ( كذا في ( ق) ورواية أبي نعيم في الحلية (٣/ ١٨٤ )
وإسناده فيه هكذا: (( حدثنا حبيب بن الحسن حدّثنا أبو شعيب الحراني ، حدّثنا خالد بن يزيد ، حدّثنا أبو داود أنه
سمع محمد بن علي يقول إذا رايتم القارىء يحب الأغنياء فهو صاحب الدنيا ، وإذا رأيتموه يلزم السلطان من غير
ضرورة فهو لص)) . ) .
وكان أبو جعفر يصلِّي كلَّ يوم وليلةٍ [ خمسين ركعة ] بالمكتوبة ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ١٨٢/٣)، وما
بين معقوفين منه ، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٠٤، ٤٠٥). ).
وروى ابنُ أبي الدنيا عنه قال : سلاحُ اللئام قَبِيحُ الكلام ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٨٢/٣، ١٨٣)، وذكره
ابن الجوزي في صفة الصفوة (١٠٩/٢). ).
وروى أبو الأحوص عن منصور ، عنه قال : لكلِّ شيءٍ آفة وآفة العلم النسيان ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(١٨٣/٣).) .
وقال لابنه : إياك والكسلَ والضجر، فإنَّهما مفتاحُ كلِّ خَبِيئة، إنك إذا كسلت لم تؤدِّ حقّاً ، وإنْ ضَجِرتَ لم
تصبر على حَقّ ( المصدر السابق. ) .
وقال : أشدُّ الأعمال ثلاثة : ذكرُ اللهِ على كلِّ حال، وإنصافُكَ من نفسِك، ومواساةُ الأخ في المال ( المصدر
السابق . ) .
=

١٥٤
وفيات سنة ١١٥ هـ
وقال خلف بن حوشب : قال أبو جعفر : الإيمان ثابتٌ في القلب ، واليقينُ خَطَرات ، فيمزُّ اليقينُ بالقلب فيصيرُ
11
كأنَّهُ زُبَرُ الحَدِيد ( الزُّبَرُ : جمع زُبْرَة، وهي قطعة الحديد. وزُبَرُ الحديد: قِطَعُه. مختار الصحاح (زبر). )،
ويخرج منه فيصير كأنَّه خِرقَةٌ بالية ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٣/ ١٨٠ ).).
وما دخل قلبَ عبدٍ شيءٌ من الكِبْر إلَّ نَقَصَ من عَقْلِهِ بِقَدْرِهِ أو أكثر منه ( المصدر السابق ، وذكره المصنف في
تفسيره (١٨٠/٣).).
وقال لجابر الجعفي: ما يقولُ فقهاءُ العراق في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ زَّءَا بُرْهَنَ رَبٍِّ،﴾ [ يوسف: ٢٤]؟ قال:
رأى يعقوبَ عاضّاً على إنهامه . فقال: لا، حدَّثني أبي عن جَدِّي عليٍّ بنِ أبي طالب أنَّ البرهانَ الذي رآه أنَّها حين
هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها ، أيْ طَمِعَ فيها ، قامتْ إلى صَنَم لها مكَّللٍ بالدُّرِّ والياقوت في ناحيةِ البيت ، فستَرَتْهُ بثوبٍ أبيض ،
خشيةَ أنْ يراها أو استحياءً منه ، فقال لها يوسف : ما هذا؟ فقالت إلَهي أستحي منه أنْ يراني على هذه الصورة .
فقال يوسف : تستحينَ من صنّم لا ينفعُ ولا يَضُرّ ، ولا يسمَعُ ولا يُبصِر ، أفلا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائمٌ على
كلِّ نفسٍ بما كسبت !؟ ثم قال: والله لا تنالينَ مني أبداً. فهو البرهان [ الذي رأى ] ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(١٨١/٣) وما بين معقوفين منه.).
وقال بشرُ بن الحارث الحافي : سمعتُ سفيان الثوريَّ يقول : سمعت منصوراً يقول : سمعتُ محمد بن عليٍّ
يقول : الغِنَى والعِزُّ يجولانِ في قلبِ المؤمن، فإذا وصلا إلى مكانٍ فيه التوكُّل أوطَنَاه ( أوطناه : أيْ اتخذ الغنى
والعز قلبَ المؤمنِ وطناً . والخبر أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٨١/٣). ).
وقال: إنّ الله يُلقِي في قلوب شيعتِنا الرُّعْب، فإذا قام قائمُنا وظهرَ مَهْدِيُّنا ( في (ق): ((مديننا))، تصحيف،
والمثبت من الحلية. ) كان الرجلُ منهم أجراً من لَيث، وأمضى من سيف ( في الحلية: ((وأمضى من سنان))
والخبر فيه ( ٣/ ١٨٤). ) .
وقال : شيعتُنا من أطاعَ الله عزَّ وجلَّ واتقاه ( المصدر السابق . ) .
وقال : إياكم والخصومة ، فإنها تُفسِدُ القلب، وتُورِثُ النِّفاق ( المصدر السابق. ).
وقال : الذين يخوضون في آياتِ الله هم أصحابُ الخصومات ( المصدر السابق. ) .
وقال عروة بن عبد الله: سألتُ أبا جعفر محمد بن علي عن حِلْيةِ السيف فقال: لا بأسَ به ، قد حَلَّى أبو بكرٍ
الصديقُ سيفَه . قال : قلتُ وتقولُ الصِّدِّيق ؟! قال : فوثب وثبةً واستقبل القِيْلَةَ ثم قال: نَعَمْ الصِّدِّيق ( العبارة في
الحلية ((نعم الصديق)) قيلت مرة واحدة. )، نعم الصِّدِّيق، فمَنْ لم يقل الصُّدِّيق فلا صدَّق الله له قولاً في الدنيا
والآخرة ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٣/ ١٨٥). ).
وقال جابر الجُعفي : قال لي محمد بن علي : يا جابر ، بلغَني أنَّ قوماً بالعراق يزعمون أنَّهم يُحِبُّونا ، ويتناولون
أبا بكرٍ وعمرٍ ، ويزعمون أني أمَرْتُهم بذلك، فأبلغْهُمْ عني أنِّي إلى اللهِ منهم بَريء ، والذي نفسُ محمد بيدِه - يعني
نفسه - لو وُلِّيتُ لتقرَّبْتُ إلى الله بدمائهم، ولا نالَتْني شفاعةُ محمد ◌ِّهَ إنْ لم أكنْ أستغْفِرُ لهما وأتَرَخَّم عليهما. إن
أعداء الله لغافلونَ عن فضلِهما وسابقتِهما، فأبلغْهُمْ أني بريءٌ منهم ومِمَّن تبرَّأ من أبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما
( المصدر السابق . ) .
وقال : مَنْ لم يعرفْ فضلَ أبي بكر وعمر فقد جَهل السُّنَّة ( المصدر السابق . ).
وقال في قوله تعالى: ﴿ إِنََّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: ٥٥] الآية، قال: هم أصحابُ محمدٍ رَّ =

١٥٥
وفيات سنة ١١٥ هـ
قال : قلتُ يقولون هو عليّ ؟ قال : عليٍّ من أصحاب محمد ( المصدر السابق. ).
=
وقال عبد الله بن عطاء : ما رأيتُ العلماءَ عند أحدٍ أصغرَ منهم عند أبي جعفر محمد بن علي . قال : رأيتُ
الحكيم عنده كأنه مُتعلِّم ( الحلية ( ١٨٥/٣، ١٨٦).).
وقال : كان لي أخٌّ في عيني عظيم ، وكان الذي عظَّمَه في عيني صِغَرُ الدنيا في عينه ( الحلية (١٨٦/٣).).
وقال جعفر بن محمد : ذهبتْ بَغْلَةُ أبي. فقال لئن ردَّها الله علي لأحمَدَنَّهُ بمحامدَ يرضاها . فما كان بأسرع من
أنْ أُتَيَ بها بسَرْجِها لم يُفقَدْ منها. فقامَ فركِبَها ، فلما استوى عليها وجمع إليه ثيابَه رفع رأسه إلى السماء وقال :
الحمد لله . لم يَزِدْ على ذلك ، فقيل له في ذلك ، فقال : فهل تركْتُ أو أبْقَيْتُ شيئاً ؟ جعلتُ الحمدَ كلَّه للهِ عِزَّ وجلَّ
( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ١٨٦/٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٦/٤) (٤٣٩٢). ).
وقال عبد الله بن المبارك : قال محمد بن عليٍ: مَنْ أُعطِيَ الخُلُقَ والِرَّفْقَ فقد أُعْطِيَ الخيرَ والراحةَ، وحَسُنَ حالُه
في دنياه وآخرتِهِ ، ومَنْ حُرِمَهُما كان ذلك سبيلاً إلى كُلِّ شَرِّ وبَلِيَّة، إلَّا مَنْ عصَمَهُ الله ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
١٨٦/٣) .).
وقال : أيُدْخِلُ أحَدُكُمْ يدَهُ في كُمِّ صاحبِه فيأخذُ مايُريد تامّاً؟ قال: قلنا: لا ( في (ق): (( إلا قال )) بدل
(( قال: قلنا: لا))، وهو تحريف، والمثبت من الحلية. ). قال: فلستم إخواناً كما تزعمون ( أخرجه أبو نعيم
في الحلية ( ١٨٧/٣).).
وقال : اعرِف مودَّةَ أخيكَ لكَ ، بما لَهُ في قلبِك من المودّة فإنَّ القلوبَ تتكافأ ( المصدر السابق ، وليست فيه
الجملة الأخيرة «فإن القلوب تتكافأ)» . ) .
وسمع عصافيرَ يَصِحْنَ فقال : أتدري ماذا يَقُلْن؟ قلت: لا . قال: يُسَبِّحْنَ الله، ويسألْنَهُ رزقَهُنَّ يوماً بيوم
( المصدر السابق . ) .
وقال: ندعو الله بما نُحب، وإذا وقع الذي نكره لم نخالفِ الله عزَّ وجلَّ فيما أحَبّ ( في ( ق): (( تدعو الله بما
يحب ، وإذا وقع الذي تكره لم تخالف الله عز وجل فيما أحب))، والمثبت من الحلية والخبر فيه ( ٣/ ١٨٧).).
وقال : ما مِنْ عبادةٍ أفضلُ من عِفَّةِ بَطْنٍ أو فَرْج، وما من شيءٍ أحَبُّ إلى الله عزَّ وجلَّ من أنْ يُسأل ، وما يدَفعُ
القضاءَ إلا الدُّعاء، وإِنَّ أسرعَ الخيرِ ثواباً البِرّ ، وأسرعَ الشرِّ عقوبةَ البَغْي، وكفى بالمرء عَيباً أنْ يُبْصِرَ من الناس
ما يَعْمَى عليه من نفسه، وأنْ يأمُرَ الناسَ بما لا يَستطيعُ أنْ يفعلَه، ويَنهَى الناسَ بما لا يستطيعُ أنْ يتحوَّل عنه ، وأنْ
يؤذي جليسَهُ بما لا يَعْنِيه ( الحلية (١٨٨/٣).) .
هذه كلماتٌ جوامعٌ موانع ، لا ينبغي لعاقل أن يفعلها ( كذا ، ولعل الصواب يغفلها ) .
وقال : القرآنُ كلامُ اللهِ عزَّ وجلَّ غيرُ مخلوق ( المصدر السابق . ) .
وقال أبو جعفر : صَحِب عمرَ بن الخطاب رجلٌ إلى مكة ، فمات في الطريق ، فاحتبس عليه عمر حتى صلَّى عليه
ودَفنه ، فقلَّ يومٌ إلَّ كان عمرُ يتمثَّلُ بهذا البيت :
وبالغُ أمْرٍ كانَ يأمُلُ دوَنهُ وَمُخْتَلَجٌ من دونٍ ما كان يَأْمُلُ
( المصدر السابق . )
وقال أبو جعفر : والله لَمَوْتُ عالم أحَبُّ إلى إبليسَ من موتِ ألفِ عابد .
وقال : ما اغرورقَتْ عينُ عبدٍ بمائِّها إلا حرَّمَ الله وجهَ صاحبها على النار ، فإنْ سالَت على الخذَّين لم يَرْهَقْ وجهَهُ

١٥٦
أحداث سنة ١١٦ هـ
ثم دخلت سنة ست عشرة ومئة
ففيها غزا معاويةُ بن هشام الصائفةَ ، وفيها وقع طاعونٌ عظيمٌ بالشام والعراق ، وكان عُظْمُ ذلك في
واسط .
وفي المحرَّم منها تُوقِّي الجُنيد بن عبد الرحمن المُرِّي أميرُ خُراسان من مرضٍ أصابَه في بطنِه ، وكان قد
تزوَّجَ الفاضلةَ بنتَ يزيدَ بنِ المهلَّب، فتغضَّبَ عليه أميرُ المؤمنين هشامُ بن عبد الملك، فعزلَهُ وولَّى مكانَهُ
عاصمَ بنَ عبدِ الله على خُراسان وقال له : إنْ أدركتَهُ قبلَ أن يموتَ فأزهِقْ رُوحه . فما قَدِمَ عاصمُ بن عبد الله
خُراسان حتى مات الجُنيد في المحرَّم منها بِمَرْو . وقد قال فيه أبو الجرير(١) عيسى بنُ عِصْمَةً يَرْثيه:
فعلى الجُودِ والجُنيدِ السلامُ
هَلكَ الجُودُ والجُنَيْدُ جميعاً
ما تَغَنَّى على الغصونِ الحَمَامُ
أصبحا ثاوِيَيْنٍ في بَطْنٍ مَرْوٍ
مُثَّ مات النَّدَى وماتَ الكراُ(٣)
كنتُما نُهْزَة٢ُ) الكرامِ فلمَّا
ولما قَدِم عاصم بنُ عبد الله خُراسانَ أخَذَ نُؤَابَ الجُنيد بالضربِ البَلِيغ وأنواع العقوبات ، وعَسَفَهُمُ(٤)
في المصادراتِ والجنايات ، فخرج عن طاعتِهِ الحارثُ بن شريح، فبارَزَهُ بالحَرْب ، وجرَتْ بينهما أمورٌ
يطولُ ذكرُها . ثم هُزِمَ في آخرِ الأمر الحارثُ بن شُريح ، وظهر عاصمٌ عليه .
قال الواقدي : وفيها حَجَّ بالناس الوليد بن يزيد بن عبد الملك(٥) وهو وليُّ الأمرِ من بعد عَمِّهِ
قَتَّمٌ ولا ذِلَّةٌ، وما من شيءٍ إلّا وله جزاء، إلَّ الدمعةَ فإنَّ الله يُكَفِّرُ بِها بحورَ الخطايا، ولو أنَّ باكياً بكى من خشيةِ الله
=
في أُمَّةٍ ، رَحِم اللهُ تلك الأمَّة ( أخرجه ابن الجوزي في صفة الصفوة ( ١٠٩/٢ ) بنحوه. ) .
وقال: بئس الأخُ أخٌ يَرْعاك غَنِيّاً ويَقْطَعُكَ فقيراً ( أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق ص (٩٤) والإخوان له
ص (٢١٧)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ١١٢).).
قلت ( القائل هو من كتب الزيادة التي في ( ق ) . ) : البيتُ الذي يتمثَّل قبلَه بيتانِ وهو ثالثهما، وهذه الأبيات
تتضمَّنُ حِكَماً وزُهْداً في الدنيا . قال :
بِمَنْزِلةٍ ما بعدَها متحوَّلُ
لقد غرَّت الدُّنيا رجالاً فأصبحوا
وراضٍ بأمرٍ غيرُهُ سَيُبَدَّلُ
فساخِطُ أمْرٍ لا يُبَدَّلُ غيرُهُ
ومُخْتَلجٌ من دونِ ما كان يَأْمُلُ ]
وبالغُ أمْرٍ كَانَ يأمُلُ دَوَنهُ
كذا في الأصول (ب، ح، ق)، وفي تاريخ الطبري: ((أبو الجُوَيْرِية)) ولم أقف على ترجمته .
(١)
في ( ق) وتاريخ الطبري: ((نزهة)» والمثبت من ( ب، ح ).
(٣) أخرجه الطبري في تاريخه (٧/ ٩٤) والأبيات فيه بألفاظ مقاربة
(٢)
((عسفَهُم)): أخذهم بلا تدبيرٍ ولا رَويَّة، من العَسف، وهو ركوب الأمرِ بلا تدبُّرٍ ولا رَوِيَّة، يقال: عسَفَه يعسِفُهُ
(٤)
عَسفاً . اللسان ( عسف ) .
(٥) كذا في الأصول، وتاريخ الطبري (٩٨/٧)، وفي تاريخ خليفة (٣٤٧): ((وأقام الحج الوليد بن يزيد بن=

١٥٧
أحداث سنة ١١٧ هـ ووفياتها
هشام بن عبد الملك أمير المؤمنين كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومئة
فيها غزا معاويةُ بن هشام الصائفة اليسرى ، وسليمانُ بن هشام الصائفةَ اليُمنى ، وهما ابنا أمير
المؤمنين هشام .
وفيها بعث مروان بن محمد - وهو مروانُ الحمارُ(١) - وهو على أزْمِينِيَةَ بَعْثَيْن ، ففتح حصوناً من بلاد
اللَّن ، ونزل كثيرٌ منهم على الأمان ، وفيها عَزَلَ هشامٌ عاصمَ بن عبد الله الهلالي عن إمرةٍ خُراسان ،
وضمَّها إلى خالد بن عبدِ الله القسري مع العراق(٢) ، مُعادةً إليه جَزْياً على ما سبق له من العادة ، وكان
ذلك عن كتاب عاصم بن عبد الله الهلالي المعزول عنها ، وذلك أنه كتب إلى أمير المؤمنين هشام ، أنَّ
ولايةَ خُراسان لا تصلحُ إلّ مع ولايةِ العراق، رجاءَ أنْ يُضيفَها إليه ، فانعكس الأمرُ عليه ، فأجابه هشام
إلى ذلك قبولاً لِنَصيحِتِهِ وأضافَها إلى خالدِ القَسْري .
وفيها توفي :
قَتَادَةُ بنُ دِعَامَةَ السَّدُوسِيّ(٣) أبو الخطاب البصري الأعمَى: أحد علماء التابعين، والأئِمَّة العاملين.
عبد الملك ويقال عيسى بن مقسم مولى الوليد بأمر الوليد)» والذي في الطبقات الكبرى ( القسم المتمم
=
ص (١٦٤)) عن الواقدي محمد بن عمر قال : حدثني محمد بن عبد الله ، عن الزهري أن هشاماً استعمل ابنه
أبا شاكر واسمه مسلمة بن هشام على الحج سنة ست عشرة ومئة ، وأمر الزهري أن يسير معه إلى مكة .
(١) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٧٤/٦) في سبب تلقيبه بالحمار: وكان مروان بطلاً شجاعاً داهية رزيناً جباراً ،
يصل السير بالسرى ولا يجف له لبد ، دوَّخ الخوارج بالجزيرة ، ويقال : بل العرب تسمي كل مئة عام حماراً ، فلما
قارب ملكُ آلِ أمية مئةَ سنة لقَّبوا مروان بالحمار ، وذلك ماخوذٌ من موتِ حمارِ العزير عليه السلام وهو مئة عام ثم
بعثهم الله تعالى .
في ( ق ) في هذا الموضع زيادة وتحريف ، وأثبتنا ما جاء في ( ب، ح ).
(٢)
(٣)
ترجمته في طبقات ابن سعد (٢٢٩/٧)، طبقات خليفة (٢١٣)، تاريخ خليفة (٢٣٢)، (٣٤٨)، التاريخ
الكبير (١٨٥/٧)، التاريخ الصغير (٣١٨/١)، المعارف (٤٦٢)، المعرفة والتاريخ (٢٧٧/٢)، الجرح
والتعديل (١٣٣/٧)، ثقات ابن حبان (٣٢١/٥)، حلية الأولياء (٣٣٣/٢)، طبقات الفقهاء (٨٩)،
الأنساب (٥٨/٧)، صفة الصفوة (٢٥٩/٣)، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (٢٢٤/٤)، معجم
الأدباء (٩/١٧)، تهذيب الأسماء واللغات (٥٧/٢)، وفيات الأعيان (٨٥/٤)، تهذيب الكمال
(٤٩٨/٢٣)، سير أعلام النبلاء (٢٦٩/٥)، تذكرة الحفاظ (١٢٢/١)، ميزان الاعتدال (٣٨٥/٣)، العبر
(١٤٦/١)، مرآة الجنان (٢٥١/١)، طبقات القراء (٢٥/٢)، تقريب التهذيب (٤٥٣)، النجوم الزاهرة
(٢٧٦/١)، الكواكب الدرية (٤٠٦/١ و٥٠٨/٤)، شذرات الذهب (١٥٣/١).

١٥٨
وفيات سنة ١١٧ هـ
روَى عن أنس بن مالك ، وجماعةٍ من التابعين ، منهم سعيدُ بن المُسَيِّب ، والبصري ، وأبو العالية ،
وزُرَارَةُ بنُ أوفى ، وعطاء ، ومجاهد ، ومحمد بن سيرين ، ومسروق ، وأبو مِجْلَز ، وغيرهم .
وحدَّث عنه جماعاتٌ من الكبار ، كأيُّوب، وحماد بن سَلَمة، وحُمَيد الطويل ، وسعيد بن
أبي عَروبة ، والأعمش، وشُعبة، والأوزاعي، ومِسْعَر ، ومَعْمَر ، وهَمَّام .
قال سعيد بن المسيِّب : ما جاءني عراقيٌّ أفضلُ منه ، وقال بكر المزني : ما رأيتُ أحفظَ منه . وقال
محمد بن سيرين : هو من أحفَظِ الناس ، وقال مَطَر الورَّاق: كان قتادةُ إذا سمع الحديث يأخذُه العَوِيلُ
والزَّوِيلُ(١) حتى يحفظَه .
وقال الزُّهْري: هو أعلَمُ من مَكْحُول . وقال معمر : ما رأيتُ أفقهَ من الزُّهري وحَمّاد وقتادة .
وقال قتادة : ما سمعتُ شيئاً إلَّ وعاهُ قلبي .
وقال أحمد بن حنبل : هو أحفظُ أهلِ البصرة ، لا يسمع شيئاً إلَّ حَفِظُه. وقُرىءَ عليه صحيفةُ جابٍ
مرَّةً واحدة ، فحفِظَها . وذُكر يوماً فأثنى على علمهِ وفقههِ ومعرفتهِ بالاختلاف والتفسير وغير ذلك .
وقال أبو حاتم(٢): كانت وفاتُه بِوَاسط في الطاعون . يعني في هذه السنة، وعمرُه ستّ أو سبعٌ
(٣)
وخمسون سنة (٢)
وفيها تُوفي :
أبو الحُبَاب سعيدُ بن يَسَار ، والأعرج .
(١) جاء في غريب الحديث للخطابي (١٥٤/٣): عن مطر الوراق: الزَّويل: الزماع والقلق وهو أن لا يستقر على
المكان وأصله من زال الشيء عن مكانه يزول عنه زوالً وزويلا . وفي لسان العرب ( زول ) : وورد في حديث قتادة
أخذَه العَوِيلُ والزَّوِيلُ : أي القَلَقَ والانزعاج بحيث لا يستقرُّ على المكان ، وهو والزَّوَال بمعنى.
(٢)
في الجرح والتعديل (٧/ ١٣٣).
(٣) وهذه زيادة مقحمة أيضاً وهي :
[ قال قتادة: منْ وَثِقَ بالله ( كذا في (ق)، وفي الحلية (٢/ ٣٤٠) وصفة الصفوة (٢٥٩/٣): ((من يتق
الله)). ) كان الله معه ، ومنْ يكنِ الله معه تكنْ معَهُ الفئةُ التي لا تُغلب ، والحارسُ الذي لا ينام ، والهادي الذي
لا يَضِلّ ، والعالم الذي لا يَنْسى.
وقال : في الجنة كُوَّى إلى النار ، [ فيطلع أهل الجنة من تلك الكُوَى إلى النار ] فيقولون: ما بالُ الأشقياء دخلوا
النار ؟ وإنما دخلنا الجنة بفضلٍ تأديبكم؟ فقالوا: إنَّا كنّا نأمرُكُمْ ولا نأتمر ، وننهاكم ولا نَنْتَهي ( أخرجه أبو نعيم في
الحلية (٢/ ٣٤٠)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٢٥٩/٣)، وما بين معقوفين منهما. ).
وقال : بابٌ من العلم يحفَظُه الرجلُ يطلبُ به صلاحَ نفسِهِ ، وصلاحَ دينِهِ ، وصلاحَ الناس ، أفضلُ من عبادةِ
حَوْلٍ كامل ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٤١/٢).).
وقال قتادة : لو كان يُكتفى من العلم بشيء لاكتَفَى موسى عليه السلام بما عنده ؛ ولكنَّه طلبَ الزِّيادة ] .

١٥٩
وفيات سنة ١١٧ هـ
وابنُ أبي مُلَيكة .
وعبد الله بن أبي زكريا الخُزَاعِي .
ومَيْمون بن مِهْران بن موسى بن وردانُ(١)
(١) وهذه زيادة أيضاً وهي :
[ فصل :
فأما سعيدُ بن يسار فكان من العُبَّاد الزُّهَّاد ؛ روى عن جماعةٍ من الصحابة، وكذلك الأعرج ، وابنُ أبي مليكة
وأمَّا مَيْمون بن مِهْران ( ترجمته في طبقات ابن سعد ( ٤٧٧/٧) ، طبقات خليفة (٣١٩)، تاريخ خليفة
(٣٤٧)، التاريخ الكبير (٣٣٨/٧)، التاريخ الصغير (٣١٩/١، ٣٢١)، الجرح والتعديل (٢٣٣/٨)،
ثقات ابن حبان ( ٤١٧/٥)، حلية الأولياء (٨٢/٤)، طبقات الشيرازي (٧٧)، صفة الصفوة (١٩٣/٤)،
المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (٧٩/٥)، مختصر تاريخ دمشق (٦٠/٢٦)، تهذيب الكمال
(٢١٠/٢٩)، سير أعلام النبلاء (٧١/٥)، تذكرة الحفاظ (٩٨/١)، العبر (١٤٧/١)، تهذيب التهذيب
(٣٩٠/١٠)، طبقات الحفاظ (٣٩)، طبقات الشعراني (٤٠/١)، الكواكب الدرية (٤٦٣/١)، شذرات
الذهب (١٥٤/١). ): فهو من أجلاَءٍ علماءِ التابعينَ وزُمَّادِهم وعُبَّادِهم وأئمَّتِهِم. كان ميمون إمامَ أهلِ
الجَزيرة .
روى الطبرانيُّ عنه أنه قيل له : ما لك لا يُفارقك أخٌ لك عن قِلِىّ؟ قال: لأني لا أماريه ولا أُشاريه ( أورده المزي
في تهذيب الكمال ( ٢٢١/٢٩). ).
قال عمرو بن ميمون : ما كان أبي يُكثر الصلاةَ ولا الصيام ، ولكنْ كان يكرَهُ أن يُعصى الله عزَّ وجلَّ ( ذكره ابن
الجوزي في صفة الصفوة ( ٤/ ١٩٣) . ) .
وروى ابنُ أبي عَدِي عن يونس ، عنه قال: لا تُمَاريَنَّ عالماً ولا جاهلاً ، فإنكَ إنْ مارَيْتَ عالماً خَزَنَ عنكَ عِلْمَه ،
وإنْ مَا رَيْتَ جاهلاً خَشِنَ بصدرِك ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٨٢ )، وذكره المزي في تهذيب الكمال
(٢٢٢/٢٩). ) .
وقال عمرو بن ميمون : خرجتُ بأبي أقودُهُ في بعضِ سككِ البصرة ، فمرَرْنا بِجَدْول ، فلم يستطِعِ الشيخُ أنْ
يتخطَّاه، فاضجَعْتُ له فمرَّ على ظَهْري، ثم قمتُ فأخذَتُ بيدِه ، ثم دَفَعْنا إلى مَنْزِل الحسن ، فطرقت الباب ،
فخرجَتْ إلينا جاريةٌ سُدَاسية فقالت : منْ هذا؟ فقلت : هذا مَيمونُ بن مِهِران أرادَ لقاءَ الحسن . فقالت : كاتبُ
عمر بن عبد العزيز ؟ قلت لها : نعم . قالتْ: يا شَقيّ ، ما بقاؤك إلى هذا الزمان السوء ؟ قال : فبكى الشيخ ،
فسمع الحسنُ بكاءَه ، فخرجَ إليه فاعتنقا ، ثم دخلا ، فقال ميمون : يا أبا سعيد ، إني قد أنسْتُ من قلبي غِلْظة ،
فاستلِنْ ( في (ق): ((فاستكن))، والمثبت من الحلية. ) لي منه. فقرأ الحسنُ: ﴿ أَفَرَعَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ
مَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]. فسقط الشيخ مغشياً عليه، فرأيتُهُ
ثُرَّجَآءَ هُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ
يَفْحصُ برجلَيْهِ كما تفحصُ الشاءُ إذا ذُبحت ، فأقامَ طويلاً ، ثم جاءتِ الجاريةُ فقالت : قد أتعبتُمُ الشيخ ، قوموا
تفرَّقوا . فأخذتُ بيدِ أبي ، فخرجتُ فقلت : يا أبتِ أهذا هو الحسن ؟ قال : نعم . قلت : قد كنتُ أحسبُ في
نفسي أنَّهُ أكبرُ من هذا . قال : فوكَزَ في صدري وَكْزةً ثم قال : يا بُني ، لقد قرأ علينا آيةً لو فهمتَها بقلبِك لألفَيْتَ لها
فيه كلوماً ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٨٢، ٨٣). ).
=

١٦٠
وفيات سنة ١١٧ هـ
وروى الطبراني عنه أنه قال : ما أُحبُّ أني أعطَيْتُ درهماً في لَهْو ، وأنَّ لي مكانه مئةَ ألف ، أخشَى أنْ تصيبني هذه
الآية: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ لقمان: ٦]، الآية (أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٤ / ٨٣). ) .
وقال جعفر بن برقان عن ميمون بن مِهْران قال : كنتُ عند عمر بن عبد العزيز ، فلما قمتُ قال عمر : إذا ذهب
هذا وأضرابُه لم يبقَ من الناس إلَّ رَجَاج (في (ق): ((مجاجة))، والمثبت من المصدر السابق، ولسان العرب إذ
جاء فيه : في حديث عمر بن عبد العزيز : الناس رجاجٌ بعد هذا الشيخ ، يعني مَيْمون بنَ مِهْرانَ؛ هم رَعاعُ الناس
وجُهَّالُهم . اللسان ( رجج ) . ) .
وروى الإمام أحمد عن معمر بن سليمان الرَّقِّي، عن فُرَات بن سليمان ، عن ميمون بن مِهْران ، قال : ثلاثٌ
لا تبلو نفسَك بهنّ : لا تدخلْ على سلطان، وإن قلتَ آمُرُه بطاعةِ الله ؛ ولا تدخلْ على امرأةٍ وإنْ قلتَ أعلِّمُها كتابَ
الله؛ ولا تُصغيَنَّ بسمعكَ إلى ذي هَوَى ، فإنك لا تدري ما يَعْلَقُ بقلبك من هواه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٨٤/٤، ٨٥)، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٧٧/٥).).
وروى عبد الله بن أحمد عنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِنْ صَادًا﴾ [النبأ: ٢١]، و﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ﴾
[الفجر: ١٤]، فقال: التَمِسوا هذين المِرْصادَيْن جوازاً (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٨٤).).
وفي قوله: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، فيها وَعيدٌ شديد للظّالم وتعزيةٌ
للمظلوم ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤ / ٨٣، ٨٤). ).
وقال : لو أنَّ أهلَ القرآن صلَحُوا لصَلَحَ الناس .
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدّثنا عيسى بن سالم الشاشي، حدّثنا أبو الْمَليح قال: سمعتُ ميمون بن
مِهْران يقول : لا خيرَ في الدنيا إلَّا لِرجلَيْن : رجل تائب - أو قال : يتوب - من الخطيئات ؛ ورجل يعملُ في
الدرجات ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨٣/٤)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ١٩٤).).
فلا خِيرَ في العيش والبقاء في الدنيا إلَّ لهذَيْن الرجلَيْن ؛ رجل يعملُ في الكفَّارات ؛ ورجل يعملُ في الدرجات ،
وبقاءُ ما سواهما وبالٌ عليه .
وقال جعفر بن بُرْقان : سمعتُ ميمونَ بن مِهْران يقول : إنَّ هذا القرآن قد خُلق في صدور كثيرٍ من الناس ،
فالتمسوا ما سواه من الأحاديث ، وإنَّ فيمن يتبع هذا العلم قوماً يتخذونه بضاعة يلتمس بها الدنيا ؛ ومنهم منْ يُريد أن
يُماري به ، وخيرُهم منْ يتعلَّمه ويُطيعِ اللهَ عزَّ وجلَّ به .
وقال : مَنِ اتَّبَعَ القرآن قادَهُ القرآنُ حتى يحلَّ به الجنة، ومنْ ترك القرآنَ لم يدَعْهُ القرآنُ يَشَّبِعُه حتى يَقْذِفَهُ في النار
( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٨٤). ).
وقال الإمامُ أحمد : حدّثنا خالد بن حيان ، حدّثنا جعفر بن بُرْقان ، عن مَيمون بن مِهْران ، قال: لا يَسْلمُ للرجلِ
الحلالُ حتى يجعلَ بينهُ وبينَ الحَرَام حاجزاً من الحَلال ( المصدر السابق . ) .
وقال ميمون : منْ كان يُريد أنْ يعلمَ ما مَنْزلتُهُ عندَ الله فَلْيَنْظُرْ في عمَلِه، فإنه قادمٌ عليه كائناً ما كان ( المصدر
السابق . ) .
وقال عبدُ الله بن أحمد بن حنبل : حدّثنا يحيى بن عثمان الحَرْبي ، حدّثنا أبو المَليح عن ميمون بن مِهْران قال:
نظرَ رجلٌ من المهاجرينَ إلى رجلٍ يُصلِّي، فأخفَّ ( في (ق): ((فأخفى))، والمثبت من الحلية (٤/ ٨٤ ) والخبر