النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
وفيات سنة ١١٠ هـ
واطفأتَ بالبرهانِ(١) ناراً تضرّما
ونوَّرتَ بالبرهانِ أمراً مدلَّساً
فمنْ مبلغٌ عنّي النبيَّ محمداً
وكلُّ امرىءٍ يُجْزى بما كانَ قدَّما
وكانَ قديماً رُكْنه قد تهدَّما
أقمتَ سبيلَ الحقِّ بعدَ اعوجاجِه
وكانَ مكانُ الله أعلى وأعظَما
تعالى عُلوَّاً فوقَ عرشِ إلَّهنا
فقال عمر : منْ بالباب منهم ؟ فقال عمر بن أبي ربيعة ، فقال : أليس هو الذي يقول :
طفلةٌ ما تُبِينُ رَجْعَ الكلامِ
ثم نَّهتُها فهبَّتْ كعاباً
وَيْلَنا قد عجلتَ يا ابنَ الكرامِ
ساعةً ثم إنها بعدُ قالتْ
تتخطَّى إلى رؤوسِ النيامِ
أعلى غيرِ موعدٍ جئتَ تسري
ولا جئتَ طارقاً لخصامٍ(٢)
ما تجشَّمتَ ما تريدُ من الأمرِ
فلو كان عدؤُّ الله إذْ فجَرَ ، كَتَم ، وستَرَ على نفسه ، لا يدخل [ عليَّ ] والله أبداً، فمن بالبابِ سواه ؟
قال : همَّام بن غالب - يعني الفَرَزْدَق - فقال عمر : أو ليس هو الذي يقولُ في شعره :
هما دلَّياني من ثمانينَ قامةً كما انقضَّ بازٍ أَقْتَمُ الريش كاسِرُهْ
فلما استوَتْ رجلايَ بالأرضِ قالتا أحيٌّ فُيُرجَى أمْ قتيلٌ نُحَاذِرُ(٣)
لا يطأُ والله بساطي وهو كذاب ، فمنْ سواه بالباب ؟ قال : الأخطل ، قال : أو ليس هو الذي يقول :
ولستُ بآكلٍ لحمَ الأضاحي
ولستُ بصائمٍ رمضانَ طوعا٤ً)
إلى بَطْحَاءِ مكّةً للنجاحِ
ولستُ بزاجر عِيساً بكوراً
بمكةَ أبتغي فيهِ صَلاحي
ولستُ بزائرٍ بيتاً بعيداً
قُبَيل الصُّبحِ حَيَّ على الفلاحِ
ولستُ بقائمٍ كالعَيْرِ أذْعو
وأسجُدُ عندَ منبلجِ الصباحٍ
ولكني سأشربها شَمُولاً
والله لا يدخلُ عليَّ وهو كافرٌ أبداً ؛ فهل بالبابِ سوى منْ ذكرتَ ؟ قال : نعم الأخْوَص ، قال : أليس
هو الذي يقول :
(١) فى (ق): ((بالقرآن))، والمثبت من ( ب، ح).
في (ح): ((مخصام))، والمثبت من (ب، ق). والبيتان الأولان في ديوان عمر ص (٣٩٤). والثلاثة في
(٢)
المنتظم (٣٦/٧) لابن الجوزي .
(٣)
البيتان من قصيدة للفرزدق في ديوان ص (٢٠٨).
(٤)
في (ح): ((رمضان عمري))، والمثبت من ( ب ، ق ) والديوان.
(٥) الأبيات فى ديوان الأخطل ص (٤٨٦) ما عدا الثاني والثالث، وهما في المنتظم (٣٦/٧).

١٠٢
وفيات سنة ١١٠ هـ
يفرُّ مني بها وأَتْبَعُهُ
اللهُ بيني وبينَ سيِّدِها
فما هو دونَ منْ ذكرت ، فمَنْ هاهنا غيره ؟ قال جَمِيل بن مَعْمَر ، قال : الذي يقول :
يوافقُ في الموتى ضريحي ضَرِيحُها
ألا ليتنا نَحْيَا جَميعاً وإنْ نَمُتْ
فما أنا في طولِ الحياةِ براغبٍ إذا قيلَ قد سُوِّي عَلَيْها صَفِيحُها(١)
فلو كان عدؤُ الله تمنَّى لقاءَها في الدنيا ليعمل بعد ذلك صالحاً ويتوب ؛ والله لا يدخل عليَّ أبداً ؛ فهل
بالباب أحدٌ سوى ذلك ؟ قلت : جَرير ، قال : أما إنه الذي يقول :
طرَقَتْك صائدةُ القلوبِ وليس ذا حينَ الزيارةِ فارْجِعي بسلامٍ (٢)
فإنْ كان لا بدَّ فأذَنْ لجرير ، فأذن له ، فدخل على عمر وهو يقول :
جعلَ الخلافةَ للإمامِ العادلِ
إنَّ الذي بعثَ النبيَّ محمداً
حتى ازْعوى وأقامَ ميلَ المائلِ
وسعَ الخلائقَ عَدْلُهُ ووفاؤه
والنفسُ مولَعةٌ بحُبِّ العاجلِ(٣)
إني لأرجو منكَ خيراً عاجلاً
فقال له : ويحك يا جرير ، اثَّقِ الله فيما تقول ، ثم إنَّ جريراً استأذن عمرَ في الإنشاد فلم يأذن له ،
ولم يَنْهه ، فأنشده قصيدةً طَويلة يمدَحُهُ بها٤) ، فقال له : ويحك يا جَرير لا أرى لك فيما هاهنا حقاً ،
فقال : إني مِسْكين وابنُ سَبيل . قال: إنَّا وَلينا هذا الأمر ونحنُ لا نملكُ إلا ثلاثَ مئة درهم، أخذتْ أمُ
عبد الله مئة ، وابنها مئة ، وقد بقيَتْ مئة ، فأمر له بها ، فخرج على الشعراء فقالوا : ما وراءك يا جرير ؟
فقال : ما يسوؤكم ، خرجتُ من عندِ أمير المؤمنين وهو يُعطي الفقراء ، ويمنعُ الشعراء وإني عنه لراضٍ ،
ثم أنشأ يقول :
رأيتُ رُقَى الشيطانِ لا تستفزُّه وقدْ كانَ شيطاني منَ الجِنِّ راقيا٥ً)
وقال بعضُهم فيما حكاه المعافَى بنُ زكريا الجريري قالتْ جاريةٌ للحجَّاج بنٍ يوسف : إنك تُدخل هذا
علينا! فقال : إنه ما علمتُ عفيفاً ، فقالت : أما إنك لو أخليتَني أنا وإياه سترى ما يصنع ، فأمر باخلائها
مع جرير في مكان يراهما الحجّاج ولا يريانِهِ ، ولا يشعُر جرير بشيءٍ من ذلك ، فقالت له : يا جرير ،
(١) البيتان في ديوان جميل ص (٦٧).
البيت في ديوان جرير ص (٤٥٢).
(٢)
(٣)
الأبيات في ديوان جرير ص (٣٣١).
انظرهما في المنتظم (٧/ ٣٧)، وهي في ديوانه ص (٢١٠) ومطلعها :
(٤)
لجَّتْ أمامة في لومي وما علمت عَرْضَ السماوةِ رَوْحاتي ولا بُكَري
(٥) أخرج الخبر بطوله ابن الجوزي في المنتظم (٣٥/٧ - ٣٨).

١٠٣
وفيات سنة ١١٠ هـ
فأطرَقَ رأسَه ، وقال : هأنذا ، فقالت: أنشدني من قولك كذا وكذا ـ لشعرٍ فيه رِقَّةٌ وتحنن - فقال : لستُ
أحفظه ولكنْ أحفَظُ كذا وكذا - ويُعرضُ عن ذاك، ويُنشدُها شعراً في مَدْحِ الحجَّاجِ - فقالت : لستُ أُريدُ
هذا، إنما أريدُ كذا وكذا - فُيُعرض عن ذاك ويُنشدها في الحجاج - حتى انقضى المجلس ، فقال
الحجاج : لله دَرُك ، أَبَيْتَ إلا كرماً وتكرُّماً .
وقال أبو عكرمة(١): أنشدتُ أعرابيّاً بيتاً لجرير بن الخَطَفى :
أبدِّلَ الليلُ لا تَسْري كواكبُهُ أو طالَ حتى حَسِبْتُ النَّجْمَ حَيْرانا٢)
فقال الأعرابي : إنَّ هذا حسنٌ في معناه ، وأعوذُ بالله من مثله ، ولكنِّي أُنشدُك في ضدِّه من قولي :
وقصَّرهُ لنا وَصْلُ الحبيبِ
وليلٍ لم يُقَصِّزہُ رُقادٌ
تناوَلْنَا جَنَاهُ مِنْ قَرِيبِ
نعیمُ الحبِّ أورقَ فیهِ حتی
على شكوى ولا عَيْبِ الذنوبِ
بمجلسٍ لذَّةٍ لم نقفُ فيهِ
فترجمَتِ العيونُ عن القلوبِ
خَشينا أنْ نقطِّعهُ بلفظِ
فقلت له : زِدْني ، قال : أما من هذا فحسبك ، ولكنْ أنشدك غيرَه ، فأنشدني :
صحبتُهُمُ وشيمتيَ الوفاءُ
وكنتُ إذا عقدتُ حِبال قومٍ
وأجتنبُ الإساءةَ إنْ أساؤوا
فأُحسنُ حينَ يُحسنُ مُحسنوهمْ
مشيئتَهمْ وأتركُ ما أشاءُ
أشاءُ سوى مشيئتهمْ فآتي
قال ابنُ خلِّكان(٣) : كان جرير أشعر من الفرزدق عند الجمهور ، وأفخر بيت قاله جرير :
إذا غَضبتْ عليكَ بنو تميمٍ حسبتَ الناسَ كلَّهِمُ غِضابا
قال : وقد سأله رجلٌ : منْ أشعرُ الناس ؟ فأخذ بيدِه وأدخلَهُ على أبيه ، وإذا هو يرتضعُ من ثَدْي
عَنْزِ، فاستدعاه ، فنهَضَ واللبنُ يَسيلُ على لحيته ، فقال جريرٌ للذي سأله : أتُبُصرُ هذا؟ قال : نعم .
قال : أتعرفه ؟ قال : لا . قال : هذا أبي، وإنما يشربُ من ضَرْعِ العَنْز لئلا يَحْلِبَها فيسمعَ جيرانُهُ حِسَّ
الحَلْب، فيطلبوا منه لبناً ؛ فأشْعَرُ الناسِ مَنْ فاخرَ بهذا ثمانينَ شاعراً فَغلَبَهُمْ(٤) .
وقد كان بين جرير والفرزدق مُقاولاتٌ ومهاجاةٌ كثيرة جدّاً ، يطولُ ذكرُها ، وقد ماتَ في سنةٍ
(١) في (ق): ((عكرمة))، والمثبت من (ب، ح )، وهو أبو عكرمة عامر بن عمران الضبي.
البيت من قصيدة في ديوان جرير ص (٤٩٠ ).
(٢)
(٣)
انظر وفيات الأعيان (٣٢١/١).
(٤) أخرجه أبو الفرج في الأغاني (٥٣/٨ - ٥٤).

١٠٤
وفيات سنة ١١٠ هـ
عشرٍ ومئة، قاله خليفةُ بنُ خياط (١) وغير واحد، قال خليفة (١) : مات الفرزدقُ وجريرٌ بعدَهُ بأشهر .
وقال الصُّولي : ماتا في سنةِ إحدى عشرةَ ومئة ، ومات الفرزدق قبل جرير بأربعينَ يوما٢ً) .
وقال الكريمي عن الأصمعي ، عن أبيه ، قال : رأى رجلٌ جريراً في المنام بعد موته ، فقال له :
ما فعلَ الله بك ؟ فقال : غفَرَ لي . فقيل : بماذا؟ قال : بتكبيرةٍ كبَّرْتُها بالبادية . قيل له : فما فعل
الفرزدق ؟ قال : أيهات! أهلَكَهُ قَذْفُ المُحْصَنات . قال الأصمعي : لم يدَعْهُ في الحياةِ ولا في الممات .
وأما الفرزدق (٣) : فاسمه همَّام بن غالب بن صَعْصَعة بْنِ ناجيةَ بنِ عِقَالٍ بن محمد بن سفيان بن
مُجَاشع بن دارِم بن مالك بن حنظلة بن زيد بن مناة بن تميم بن مُرِّ بنِ أَدِّ بن طابخة ، أبو فراس بن
أبي خطل(٤) التيميُّ البصريُّ، الشاعرُ المعروف بالفرزدق، وجدُّهُ صَعْصَعةُ بن ناجية صحابيٍّ وَفَد إلى
رسولِ الله ◌ُّل وكان يحيي الموءودة في الجاهلية .
حدث الفرزدقُ عن عليّ، أنَّه وَفَدّ(٥) مع أبيه عليه ، فقال له : منْ هذا ؟ قال : ابني وهو شاعر .
قال : علِّمْهُ القراءة فهو خيرٌ لَهُ من الشعر(٦) .
وسمع الفرزدق الحسين بن عليّ - ورآهُ وهو ذاهبٌ إلى العراق - وأبا هريرة، وأبا سعيدِ الخُدْري
وعَرْفجة بن أسعد ، وزُرَارة بنَ كَرِب ، والطّرِمَّاح بن عديّ الشاعر .
وروى عنه خالد الحذَّاء ومروان الأصْفر (٧)، وحجاج بن حجاج الأحول ، وجماعة .
وقد وَفَدَ على معاوية يطلبُ ميراثَ عمِّه الحُتَات(٨)، وعلى الوليد بن عبد الملك، وقيل: على
هشام بن عبد الملك ، ولم يصحّ ذلك .
(١) في تاريخه ص (٣٤٠).
(٢)
انظر المنتظم (١٤٨/٧).
ترجمته في: طبقات ابن سلام (٢٩٩/١)، الشعر والشعراء ص (٣٨١)، الأغاني (٣٦٧/٩)، معجم المرزباني
(٣)
ص (٤٦٥)، المبهج ص (٥٠)، سمط اللآلي ص (٤٤)، وفيات الأعيان (٨٦/٦)، تاريخ الإسلام (١٧٨/٤)،
سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٠)، لسان الميزان (١٩٨/٦)، مرآة الجنان (١٣٨/١)، سرح العيون ص (٣٨٩
و٤٦٤)، النجوم الزاهرة (٢٦٨/١) الإصابة (٣٩٤/٥)، خزانة الأدب (بتحقيق هارون) (٢١٧/١).
(٤)
في (ح): ((حنظل)) والمثبت من (( ب، ق)).
(٥)
في (ق): ((ورد))، والمثبت من (( ب، ح)).
(٦)
انظر الإصابة (٣٩٥/٥) .
(٧)
في (ق، ب): ((الأصغر)) بالغين، وهو تصحيف، والمثبت من (ح) والإكمال لابن ماكولا (٤٥/٧)،
وتقريب التهذيب ص ( ٥٢٦ ) .
(٨) في (ح، ق): ((الحباب))، تصحيف، والمثبت من (ب) والاستيعاب (٤١٢/١)، والإصابة (٢٩/٢) في
ترجمة الحتات ، والخبر فيه .

١٠٥
وفيات سنة ١١٠ هـ
قال أشعث بن عبد الملك(١) عن الفرزدق، قال: نظر أبو هريرة إلى قدميَّ فقال: يا فرزدق ، إنِّي
أرى قدَّمَيْكَ صغيرتَيْن ، فاطلبْ لهما موضعاً في الجنة. فقلت: إنَّ ذنوبي كثيرة. فقال: لا بأسُ(٢) فإني
سمعتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ يقول: ((إنَّ بالمَغْربِ باباً مفتوحاً للتوبةِ لا يُغلق حتى تطلُعَ الشمسُ منْ
مَغْرِبها (٣) .
وقال معاوية بن عبد الكريم عن أبيه قال : دخلتُ على الفرزدق فتحرَّك ، فإذا في رِجْله قَيْد ، فقلت :
ما هذا ؟ فقال : حلفتُ أنْ لا أنزِعَهُ حتى أحفظَ القرآن .
وقال أبو عمرو بن العلاء : ما رأيتُ بدويّاً أقامَ بالحضَر إلَّ فسَدَ لسانُه إلَّ رؤبة بن العجَّاج والفرزدق ،
فإنهما زادا على طولِ الإقامة جدةً وحِدَّة .
وقال راويته أبو سهل : طلَّقَ الفرزدقُ امرأته النَّوَار ثلاثاً، ثم جاء فأشهدَ على ذلك الحَسَن البصري ،
ثم نَدمَ على طلاقها وإشهادِه الحسنَ على ذلك ، فأنشأ يقول :
نَدِمْتُ نَدَامةَ الكُسَعِيِّ لَمَّا غَدَتْ مِنِّي مُطَلَّقةٌ نَوارُ
كآدَمَ حين أخرجَهُ الضرارُ
وكانتْ جنّتي فخرجْتُ منها
لكانَ عليَّ للقَدَرِ الخِيارُ(٤)
فلو أنِّي مَلَكْتُ يدي وقلبي
وقال الأصمعي وغيرُ واحد : لما ماتتْ النَّوَارُ بنتُ أعين بن ضُبيعة المُجَاشعي امرأةُ الفرزدق ، وكانت
قد أوصَتْ أن يصلِّيَ عليها الحسنُ البصري ، فشهدها أعيانُ أهلِ البصرةِ مع الحسن ، والحسنُ على
بغلته ، والفرزدقُ على بعيرِه ، فسارَ ، فقال الحسنُ للفرزدق : ماذا يقولُ الناس ؟ قال : يقولونَ شهدَ هذه
الجنازةَ اليومَ خيرُ الناس - يعنونك - وشرُّ الناسِ - يعنوني - فقال له: يا أبا فِرَاس، لستُ أنا بخيرِ الناس ،
ولستَ أنتَ بشرِّ الناس . ثم قال له الحسن : ما أعددتَ لهذا اليوم ؟ قال : شهادةَ أنْ لا إله إلا الله منذ
ثمانينَ سنة . فلمَّا أنْ صلَّى عليها الحسن ، مالوا إلى قبرها ، فأنشأ الفرزدقُ يقول :
أخافُ وراءَ القبرِ إنْ لم يُعافِي أشدّ من القبرِ التهاباً وأضيقا
(١) في (ق): ((عبد الله))، والمثبت من (ب، ح) وسير أعلام النبلاء (١٥ / ٧).
(٢) في الكامل للضعفاء: ((فلا تيأس))، وفي سير أعلام النبلاء: ((لا تأس))، وفي لسان الميزان: ((فلا تقنطن)).
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل للضعفاء (٤/ ٨٧)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٧)، وذكره ابن حجر في
لسان الميزان . وفي سنده صلة بن سليمان ، وهو ضعيف ، ويعتبر بحديثه عن أشعث بن عبد الملك . ويغني عنه
الحديث الثابت في صحيح مسلم (٢٧٠٣) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّهو: ((من تاب قبل أن
تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه )) .
(٤) في (ق) ورد البيت الثالث الأول، والمثبت من (ب، ح)، وديوان الفرزدق ص (٢٩٤). وأوردها صاحب
الأغاني ( ١٠/ ٢٩٤) في سياق القصة بألفاظ مقاربة .

١٠٦
وفيات سنة ١١٠ هـ
عَنِيفٌ وسوَّاقٌ يسوقُ الفرزدقا
إذا جاءَني يومَ القيامةِ قائِدٌ
إلى النار مغلولَ القلادةِ أزرقا
لقد خابَ منْ أولادٍ دارِمُ(١) مَنْ مَشَى
سَرابيلَ قطرانٍ لباساً مخرّقا
يُساقُ إلى نارِ الجحيمٍ مُسَربَلاً
تَمَزُّق(٢)
يذوبون من حرِّ الصَّدیدِ
إذا شربوا فيها الصَّديدَ رأيتَهم
قال : فبكى الحسنُ حتى بلَّ الثَّرى. ثم التزمَ الفرزدقَ وقال : لقد كنتَ من أبغضِ الناسِ إليّ ، وإنّك
اليومَ من أحبِّ الناسِ إليّ(٣) .
وقال له بعضُ الناس : ألا تخافُ منَ الله في قذفِ المُحْصنات ؟ فقال : واللهِ للُهُ أحبُّ إليَّ مِنْ عينيَّ
اللتينِ أُبصرُ بهما ، فكيف يُعَذِّبُني ؟ .
وقد قدَّمْنا أنه ماتَ سنةً عشرٍ ومئة ، وأنه تُوفي قبلَ جرير بأربعين يوماً . وقيل : بأشهر . فالله أعلم .
وأما الحسنُ وابنُ سيرين فقد ذكَرْنا ترجمةَ كلٍّ منهما في كتابنا ((التكميل)) مبسوطةً . وحسْبُنا الله ونعم
الوكيل .
فأما الحسن بن أبي الحسن(٤) : فاسمُ أبيه يَسَار ، أبو سعيد البصري مولى زيد بن ثابت ، ويقال :
مولى جابر بن عبد الله ، وقيل غيرُ ذلك؛ وأقُّه خيرة مولاةٌ لأمِّ سلمة ، كانت تخدمها ، وربما أرسلتها في
الحاجةِ فتشتغلُ عن ولدِها الحسن وهو رضيع ، فتشاغلهُ أمُّ سَلَمة بثديَيْها فيدرَّانِ عليه ، فيرتضع منهما ،
فكانوا يَرَوْنَ أنَّ تلك الحكمةَ والعلومَ التي أوتيها الحسنُ من بركةِ تلك الرَّضاعة من الثدي المنسوبِ إلى
رسول الله بِّر. ثم كان وهو صغير تُخرجه أمُّه إلى الصحابةِ فيدعونَ له، وكان في جملةِ منْ يدعو له
عمرُ بن الخطاب قال: اللهمَّ فَقِّهْهُ في الدِّين، وحبّبْهُ إلى الناس . وسئل مرةً أنسُ بنُ مالكٍ عن مسألةٍ
فقال : سلُوا عنها مولانا الحسن ، فإنَّه سمع وسمعْنا ، فحفِظَ ونَسِينا .
(١) في (ب، ح): ((آدم)) بدل ((دارم)).
(٢)
الأبيات في ديوان الفرزدق ص (٣٩).
أخرج الخبر أبو الفرج في الأغاني (٣٩٤/٢١).
ترجمته في: طبقات ابن سعد (١٥٦/٧)، طبقات خليفة ص (٢١٠)، الزهد لأحمد ص (٢٥٨)، تاريخ
(٤ )
البخاري (٢٨٩/٢)، المعارف لابن قتيبة ص (٤٤٠)، المعرفة والتاريخ (٣٢/٢)، أخبار القضاة لوكيع
(٣/٢)، الجرح والتعديل (٤٠/٣)، حلية الأولياء (١٣١/٢)، الفهرست لابن النديم ص (٢٠٢)، الحسن
البصري لابن الجوزي ( كتاب مستقل)، صفة الصفوة ( ٢٣٣/٣)، المختار من مناقب الأخيار (١٨٦/١)،
وفيات الأعيان (٦٩/٢)، تهذيب الكمال (٩٥/٦)، سير أعلام النبلاء (٥٦٣/٤)، تذكرة الحفاظ
(٦٦/١)، الوافي بالوفيات (٣٠٦/١٢)، تهذيب التهذيب (٢٦٣/٢)، طبقات الحفاظ ص (٢٨)، طبقات
الشعراني (٢٩/١)، الكواكب الدرية (٥٦/١).
(٣)

١٠٧
وفيات سنة ١١٠ هـ
وقال أنسٌ مرَّةً : إني لأغبِطُ أهلَ البصرةِ بهِذَيْنِ الشيخَيْن : الحسَنِ وابنٍ سيرين .
وقال قتادة : ما جالستُ رجلاً فقيهاً إلَّ رأيتُ فضلَ الحسَنِ عليه .
وقال أيضاً : ما رأت عيناي أفقه من الحسن .
وقال أيوب : كان الرجلُ يجالسُ الحسنَ ثلاثَ حِجَجٍ ما يسألُه عن مسألةٍ هيبةً له .
وقال الشعبيُّ لرجلٍ يريدُ قدومَ البصرة : إذا نظرتَ إلى رجلٍ أجملِ أهلِ البصرةِ ، وأهْيِيِهم فهو
الحسن ؛ فأقرئهُ مني السلام .
وقال يونس بن عُبيد : كان الرجلُ إذا نظرَ إلى الحسنِ انتفَعَ بهِ وإنْ لم يرَ عملَه ، ولم يسمع كلامَه .
وقال الأعمش : ما زال الحسنُ يعي الحكمةَ نطق بها .
وكان أبو جعفر إذا ذكرَهُ يقول : ذاك الذي يُشبه كلامُهُ كلامَ الأنبياء .
وقال محمد بن سعد(١) : قالوا : كان الحسنُ جامعاً للعلم والعمل ، عالماً رفيعاً فقيهاً ثقةً مأموناً ،
عابداً زاهداً ناسكاً ، كثيرَ العلم والعمل ، فصيحاً ، جميلاً، وسيماً، وقدمَ مكة(٢) ، فأُجلس على
سرير، وجلس العلماء حولَه ، واجتمع الناسُ إليه فحدَّثهم . وكان فيهم مجاهد ، وعطاء ، وطاوس ،
وعمرو بن شعيب ، فقالوا : لم نر مثل هذا قط .
قال أهل التاريخ : مات الحسنُ عن ثمانٍ وثمانينَ سنة ، عامَ عشرٍ ومئة ، في مستهلِّ رجبٍ منها ، بينه
وبين محمد بن سيرين مئة يوم .
وأما : ابنُ سيرين(٣) : فهو محمد بن سيرين ، أبو بكر بن أبي عمرو الأنصاري مولى أنس بن
مالك النَّضْريّ . كان أبو محمد من سَبْي عينِ الثَّمْر ، أسرَهُ خالد بن الوليد في جملةِ السَّبي ، فاشتراه
أنسٌ ثم كاتبه ، ثم وُلد له من الأولاد الأخيار جماعةٌ : محمد هذا، وأنس بن سيرين ، ومعبد ،
(١) في الطبقات الكبرى (٧/ ١٥٧).
زاد ابن سعد هناك « وكان ما أسند من حديثه وروى عمن سمع منه فحسنٌ حُجَّة ؛ وما أرسل من الحديث فليس
(٢)
بحُجَّة )).
(٣) ترجمته في: طبقات ابن سعد (١٩٣/٧)، الزهد لأحمد بن حنبل ص (٤٣٠)، تاريخ خليفة ص (١١٨،
٣٤٠)، طبقات خليفة ص (٢١٠)، المعارف (٤٤٢)، التاريخ الكبير (٩٠/١)، أخبار القضاة لوكيع
(٣٢٦/٢)، الجرح والتعديل (٧/ ٢٨٠)، الثقات لابن حبان (٣٤٨/٥)، حلية الأولياء (٢٦٣/٢)، تاريخ
بغداد ( ٣٣١/٥)، صفة الصفوة (٢٤١/٣)، المختار من مناقب الأخيار (٣٧٧/٤)، تهذيب الأسماء واللغات
(٨٢/١)، وفيات الأعيان (١٨١/٤)، مختصر تاريخ دمشق (٢١٧/٢٢)، تهذيب الكمال (٣٤٤/٢٥)،
سير أعلام النبلاء (٦٠٦/٤)، تذكرة الحفاظ (٧٣/١)، مرآة الجنان (٢٣٢/١)، الوافي بالوفيات
(١٤٦/٣)، طبقات الشعراني (٣٦/١)، الكواكب الدرية (٤٢٦/١).

١٠٨
وفيات سنة ١١٠ هـ
ويحيى ، وحفصة ، وكريمة ؛ وكلُّهم تابعُّون ، ثقاةٌ أجلاء ، رحمهم الله .
قال البخاري(١): ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان.
وقال هشام بن حسان : هو أصدقُ مَنْ أدركتُ من البشر .
وقال محمد بن سعد٢): كان ثقةً مأموناً ، عالماً رفيعاً ، فقيهاً إماماً ، كثيرَ العلم ، ورعاً ، وكان به
صَمَم .
وقال مؤَرِّق العجلي : ما رأيتُ رجلاً أفقهَ في ورَعِه ، وأورِعَ في فقهِه منه .
قال ابن عون : كان محمد بن سيرين أرجى الناس لهذه الأمة ، وأشدَّ الناسِ إزراءً على نفسه ،
وأشدَّهم خوفاً عليها٣) .
قال ابن عون : ما بكى في الدنيا مثلُ ثلاثة : محمد بن سيرين في العراق ، والقاسم بن محمد في
الحجاز ، ورجاء بن حَيْوة بالشام ؛ وكانوا يأتون بالحديثِ على حروفه .
وكان الشعبيُّ يقول : عليكم بذاك الأصمّ - يعني محمد بن سيرين.
وقال ابن شَوْذَب : ما رأيتُ أحداً أجرأ على تعبيرِ الرؤيا منه .
وقال عثمان البَتِّي : لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء منه .
قالوا : وماتَ في تاسعِ شوال من هذه السنة ، بعدَ الحسن بمئة يومُ(٤) .
في التاريخ الكبير (٩١/١).
(١)
في الطبقات ( ٧/ ١٩٣ ).
(٢)
ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤ / ٦١٥ ) .
(٣)
هنا تبتدىء زيادة من ( ق ) أقحمت على المتن أثبتناها هنا في الحاشية وهي :
(٤)
[ كان اللائقُ بالمؤلّف أنْ يذكرَ تراجمَ هؤلاء العلماء الأخيار قبلَ تراجم الشعراءِ المتقدِّم ذكرُهم ، فيبدأ بهم ثم
يأتي بتراجم الشعراء . وأيضاً فإنَّه أطالَ القولَ في تراجم الشعراء ، واختصرَ تراجمَ العلماء ؛ ولو كان فيها حسن
وحِكَمٌ ينتفعَ بها مَنْ وقف عليها ، ولعلّها أفيَدُ من مَدْحِهم والثناءِ عليهم ولا سيما كلام الحسنِ ، وابنِ سِيرينٍ ،
ووَهْب بنِ مُنِّه ، كما ذكره بعد ، وكما سيأتي ذكرُ ترجمتِه في هذه الزيادة ؛ فإنَّه قدِ اختصرَهُ جدّاً وإنَّ المؤلِّفَ أقْدرُ
وأوسع عَلَماً. فما ينبغي أن يُخِلَّ ببعضِ كلامهم وحِكَمِهم ، فإنَّ النفوسَ مستشرفةٌ إِلى معرفةِ ذلك ، والنظرِ فيهِ .
فإنَّ أقوالَ السَلَفِ لها موقعٌ من القلوب. والمؤلِّفُ - غالباً في التراجم - يُحِيلُ على ما ذَكَرَ في ((التكميل)) الذي صنَّفَهُ
في أسماءِ الرجال . وهذا الكتاب لم نقفْ عليه نحنُ ولا منْ سألْناه عنه من العلماء . فإنَّا قد سألنا عنه جماعةً من أهلِ
الفنُ ، فلم يذكرْ غيرُ واحدٍ أنه اطّلع عليه ، فكيف حالُ غيرهمْ ( هكذا قال ، وقد ذكر كتاب التكميل أبو المحاسن
محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني الدمشقي في ذيل تذكرة الحفاظ ص (٥٨) في ترجمة ابن كثير ، فقال:
فمن تصانيفه (( كتاب التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل)) ، جمَعَ بين كتاب التهذيب والميزان ، وهو
خمس مجلدات . وذكرهُ أيضاً أبو الطيب محمد بن أحمد الفاسي المكي في ذيل التقييد (١/ ٤٧٢) في ترجمة ابن=

١٠٩
وفيات سنة ١١٠ هـ
كثير، وأنه من مؤلفاته ، وهو كتاب معروف مذكور مشهور وصل إلينا مخطوطاً، فتنظر مقدمة (( تهذيب الكمال))
=
بتحقيق الدكتور بشار عواد . ) . وقد ذكرتُ في غالب التراجم زياداتٍ على ما ذَكَره المؤلف ، مما وصلتْ إليه
معرفتي ، واطلعنا عليه ، ولو كان عندي كتبٌ لأشبعتُ القولَ في ذلك ؛ إذِ الحكمةُ هي ضالَّةُ المؤمن ، ولعلَّ أنْ
يقفَ على هذا راغبٌ في الآخرة ، طالبٌ ما عندَ الله عزَّ وجلَّ ، فينتفع به أعظم مما ينتفعُ به منْ تراجم الخلفاء
والملوك والأمراء ، وإنْ كانتْ تلك أيضاً نافعةً لمعتبرٍ ومزدجر ، فإنَّ ذكرَ أئمةِ العَدْلِ والجَوْرِ بعدَ موتِهِم فيها فضلُ
أولئك وغَمُّ هؤلاء ، ليعلمَ الظالمُ أنَّه وإن ماتَ لم يمتُ ما كان متلبِّساً به من الفسادِ والظلم ، بل هو مدوَّنٌ في الكتب
عندَ العلماء . وكذلك أهل العدلِ والصلاح والخير ، فإنَّ الله قد قَصَّ في القرآن أخبارَ الملوكِ والفراعنةِ والكفارِ
والمفسدين ، تحذيراً من أحوالهم ، وما كانوا يعملون ؛ وقصَّ أيضاً أخبارَ الأتقياء والمحسنينَ والأبرار والأخيارِ
والمؤمنين ، للاقتداء والتأسِّي بهم ، والله سبحانه أعلم . فنقول وبالله التوفيق :
أما : الحسن ( تقدمت مصادر ترجمته في ص (٢٦٦) في الحاشية . ) : فهو أبو سعيد البصري الإمام الفقيه
المشهور ، أحد التابعينَ الكبارِ الأجلاءِ عِلْماً وعملاً وإخلاصاً .
فروى ابنُ أبي الدنيا عنه قال : كان الرجلُ يتعبَّدُ عشرين سنةً لا يَشْعُر بهِ جارُه ، وأحَدُهم يصلِّي ليلةً أو بعضَ
ليلةٍ، فيصبحُ وقد استطالَ على جارِه . وإنْ كان القومُ ليجتمعون فيتذاكرون، فتجيءُ الرجل عَبْرَتُهُ فيردُّها
ما استطاع ، فإن غُلب قامَ عنهم .
وقال الحسن : تنفّس رجلٌ عندَ عمرَ بنِ عبد العزيز فلَكَزَهُ عمرُ - أو قال : لكمه - وقال : إنَّ في هذا لفتنة . وقد
ذكره ابنُ أبي الدنيا عن الحسن ، عن عمر بن الخطاب .
وروى الطبرانيُّ عنه أنه قال : إنَّ قوماً أَلْهَتْهُمْ أمانيُّ المغفرة، ورجاءُ الرحمة ، حتى خرجوا من الدنيا وليستْ لهم
أعمالٌ صالحة؛ يقولُ أحدهم إني لَحَسنُ الظنِّ بالله، وأرجو رحمةَ الله؛ وكَذَبَ ، لو أحسن الظنَّ بالله لأحْسَنَ العمل
لله ، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمالِ الصالحة ، يوشكُ منْ دخل المفازةَ من غيرِ زادٍ ولا ماءٍ أن يَهْلِك .
وروى ابنُ أبي الدنيا عنه قال : حادثوا هذه القلوب فإنها سريعةُ الدُّنُور ، وأقنِعُوا هذه الأنفُسَ فإنها تَنْزِعُ إلى شرِّ
غاية .
وقال مالكُ بن دينار : قلت للحسن : ما عقوبةُ العالم إذا أحبَّ الدنيا؟ قال : موتُ القلب ، فإذا أحبَّ الدنيا
طلبها بعمَلِ الآخرة ( أخرجه عبد الله بن المبارك في الزهد ص (٥٣٢)؛ والبيهقي في شعب الإيمان (٢٩٦/٢)
( ١٨٣٧) .).
فعند ذلك تَزْحلُ عنه بركاتُ العِلْم ، ويبقى عليه رَسْمُه .
وروى العُنْبي عن أبيه قال: عادَ الحسنُ عليلاً ، فوجدَهُ قد شُفي من علَّتِهِ ، فقال : أيها الرجل ، إنَّ الله قد ذكرَكَ
فاذْكُرْه، وقد أقالَكَ فاشكُرْه . ثم قال الحسن : إنما المرضُ ضربةُ سَوْطٍ مِنْ ملَكِ كَريم ، فإما أنْ يكونَ العليلُ بعدَ
المرضِ فَرَساً جواداً ، وإمَّا أنْ يكونَ حماراً عثوراً مَعْقُوراً .
وروى العتبي عن أبيه أيضاً قال: كتب الحسنُ إلى فرقد : أمَّا بعد ، فإنِّي أوصيكَ بتقوى الله ، والعملِ بما علَّمَك
الله، والاستعدادٍ لما وعدَ الله مما لا حيلَة لأحدٍ في دفعه، ولا ينفعُ الندمُ عند نزولِه، فاحْسِرْ عن رَأْسِكَ قِنَاعَ
الغافلين ، وانتبه من رَقْدَةِ الجاهلين، وشمِّرِ الساق ، فإنَّ الدنيا ميدانُ مسابقة ، والغايةُ الجنةُ أو النار ، فإن لي ولك
من الله مقاماً يسألُني وإياكَ فيه عن الحقيرِ والدقيق ، والجليلِ والخافي ، ولا آمنُ أنْ يكونَ فيما يسألني وإياك عنه ، =

١١٠
وفيات سنة ١١٠ هـ
وساوسَ الصُّدور، ولحظَ العيون، وإصغاءَ الأسماع، وما أعجز عنه ( انظر حلية الأولياء ( ٢٤١/٨) ، وصفة
=
الصفوة (٢٦٣/٤)، وإحياء علوم الدين (٢/ ١٨٣)، فبعض ما روي في هذا الخبر كتبه يوسف بن أسباط إلى
حذيفة المرعشي . ) .
وروى ابنُ قتيبة ( كذا في (ق)، والذي يرويه عن الحسن كما في الحلية (٢/ ١٥٠، ١٥١) هو فضيل بن
جعفر. وفي رواية عند ابن الجوزي في صفة الصفوة ( ٢٣٦/٣) الذي يرويه عنه أبو همام الكلاعي. ) عنه، أنه مرَّ
على بابِ ابنِ هُبَيرة ، فرأى القرَّاء - وكانوا همُ الفقهاء - جلوساً على باب ابنٍ هُبيرة فقال: فَرْطَخْتُم ( في ( ق ):
((طفحتم))، والمثبت من صفة الصفوة.) نعالَكم، وبيَّضْتُمْ ثيابَكم، ثم أتيتمْ إلى أبوابهم تسعَوْن؟! ثم قال
لأصحابه : ما ظنُّكم بهؤلاء الحذّاء ؟ ليست مجالسهُم من مجالسِ الأتقياء ، وإنما مجالسُهم مجالسُ الشرط
( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥٠، ١٥١)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢٣٦/٣).).
وروى الخرائطي عن الحسن ، أنه كان إذا اشترى شيئاً وكان في ثمنه كسرٌ جبرَهُ لصاحبِه .
ومرَّ الحسنُ بقوم يقولون: نقَصَ دانِقٌ - أيْ عن الدرهم الكامل والدينار الكامل - أما أنْ يكونَ درهماً ينقُصُ نصفاً
أو رُبعاً، والعشرةُ تّسعة ونصف، وقِسْ على هذا؛ فكان الحسنُ يستحبُّ جبرانَ هذه الأشياء ، وإن كان اشترى
السلعةَ بدرهم ينقص دانقاً كمَّلَهُ درهماً أو بتسعةٍ ونصف كمَّلَها عشرةً مروءةً وكرماً .
وقال عبد الأعلى السمسار : قال الحسن: يا عبدَ الأعلى، أما يبيعُ أحدُكُمُ الثوبَ لأخيه فُيُنقِص درهمَيْنِ أو
ثلاثة ؟ قلت : لا والله ولا دانِقٌ واحد، فقال الحسن : إنَّ هذه الأخلاق ، فما بقي من المروءة إذاً ؟ قال : وكان
الحسنُ يقولُ لا دينَ إلا بمروءة . وباع بغلةً له فقال له المشتري : أما تحطُّ لي شيئاً يا أبا سعيد ؟ قال : لك خمسون
درهماً ، أزيدُك ؟ قال : لا رَضيت . قال : بارك الله لك.
وروى ابنُ أبي الدنيا عن حمزةَ الأعمى قال : ذهبَتْ بي أمِّ إلى الحسن فقالت : يا أبا سعيد ، ابني هذا قد أحببتُ
أن يلزمَك . فلعل الله أن ينفعَهُ بك . قال : فكنتُ أختلف إليه فقال لي يوماً : يا بُني أدِمِ الحُزنَ على خيرِ الآخرة ،
لعله أن يوصلَك إليه ؛ وابكِ في ساعاتِ الليلِ والنهارِ في الخَلْوة لعلّ مولاك أن يطَّلِعَ عليكَ فيرحمَ عبرَتَكَ فتكون من
« الفائزين . قال : وكنتُ أدخل على الحسن مَنْزِله وهو يبكي ، وربما جئتُ إليه وهو يصلّي فأسمعٍ بكاءه ونَحيبه ،
فقلتُ له يوماً : إنك تُكثرُ البكاء ! فقال : يا بُني ، ماذا يصنعُ المؤمنُ إذا لم يبكِ ؟ يا بُني ، إنَّ البكاء داعٍ إلى
الرحمة ، فإن استطعتَ أنْ تكون عمرَكَ باكياً فافعلٌ ، لعله تعالى أنْ يرحمَك ؛ فإذا أنتَ نَجَوتَ من النار .
وقال : ما هو إلا حلول الدار، إمَّ الجنة، وإمَّا النار، ما هناك منْزلٌ ثالث .
وقال : بلغنا أنَّ الباكي من خشية الله لا تقطرُ من دموعِه قطرةٌ حتى تُعتق رقبتُه من النار . وقال : لو أنَّ باكياً بكى
في ملأٍ من خشية الله لَرُحموا جميعاً ، وليس شيءٌ من الأعمال إلا له وَزْن، إلا البكاء من خشية الله ، فإنه لا يقوِّمُ الله
بالدمعةِ منه شيئاً . وقال : ما بكى عبدٌ إلَّا شهد عليه قلبُهُ بالصدق أو الكذب .
وروى ابن أبي الدنيا عنه في كتاب (( اليقين )) قال : من علاماتِ المسلم قوَّةُ دين ، وحزمٌ في لين ، وإيمانٌ في
يَقين ، وحكمٌ في عِلْم، وحبسٌ في رِفْقٍ، وإعطاءٌ في حَقّ ، وقَصْدٌ في غِنَى ، وتحمُّل في فاقة ، وإحسانٌ في
قُدْرَة ، وطاعةٌ معها نصيحة ، وتورُعٌ في رَغْبَةٍ وتعفُّف، وصَبْرٌ في شدَّةٍ لا تُزِدِيهِ رغبته ، ولا يبدُّرُهُ لسانُه، ولا يسبقه
بصرُه ، ولا يَغْلِه فَرْجه ، ولا يَميلُ به هواه، ولا يفضَحُهُ لسانُه، ولا يستخفُّه حِرصُه، ولا تقصِّرُ به نِيَّتُه .
كذا ذَكَرَ هذه الألفاظَ عنه ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن صالح عن الحكم بن ظهير ، عن يحيى بن المختار عن
الحسن ... فذكره ( يعني ابن أبي الدنيا؛ انظر إحياء علوم الدين (١٦٦/٣). ).
وقال فيه أيضاً عنه : يا بن آدم ، إنَّ مِنْ ضَعف يقينك أنْ تكونَ بما في يدِك أوثقَ منك بما في يديِ اللهِ عزَّ وجلَّ . =

١
١١
وفيات سنة ١١٠ هـ
وقال ابنُ أبي الدُّنيا : حدثنا علي بن إبراهيم اليشكري ، حدثنا موسى بن إسماعيل الجبلي ، حدثنا حفصُ بن
=
سليمان أبو مقاتلٍ ، عن عون بن أبي شدَّاد، عن الحسن ، قال لقمان لابنه : يا بُني ، العمَلُ لا يستطاعُ إلا باليقين ،
ومَنْ يضعفْ يقينُهُ يضعفْ عملُه . وقال: يا بُني، إذا جاءك الشيطانُ من قِبَلِ الشكِّ والرِّيَب، فاغِلِبْهُ باليقين
والنصيحة، وإِذا جاءكَ من قِبَلِ الكَسَلِ والسآمة فاغلِبْهُ بذكر القبر والقيامة، وإذا جاءك من قِبَلِ الرغبةِ والرَّهْبةِ فأخِرْهُ
أنَّ الدنيا مفارقةٌ متروكة .
وقال الحسن: ما أيقنَ عبدٌ بالجنة والنارِ حقَّ يقينِهما إلَّ خشَعَ وذَبُل ، واستقام واقتصد ، حتى يأتيَّهُ الموت .
وقال : باليقين طلبتُ الجنة ، وباليقين هربتُ من النار ، وباليقين أدَّيتُ الفرائضَ على أكمل وجهها ، وباليقين
أصبرُ على الحقّ ، وفي معافاةِ اللهِ خيرٌ كثير ، قد والله رأيناهم يتعاونونَ في العافية ، فإذا نزل البلاء تفارقوا .
وقال : الناسُ في العافية سواء . فإذا نزل البلاءُ تبيَّنَ عنده الرجال . وفي رواية : فإذا نزل البلاء تبيَّنَ مَنْ يعبد الله
وغيره . وفي رواية : فإذا نزل البلاء سكنَ المؤمن إلى إيمانه ، والمنافق إلى نفاقه.
وقال الفِزْيَابي في (( فضائل القرآن)) : حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر ، عن يحيى بن المختار ، عن
الحسن قال : إنَّ هذا القرآن قد قرأهُ عَبِيدٌ وصِبْيان ، لا علمَ لهم بتأويله ، لم يأتوا الأمر من قبل أوله ؛ قال الله
عزّ وجلّ: ﴿كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبٌَّ لِيَدَّبَّرُوْءَايَتِهِ، وَلَنَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْنَبِ﴾ [ص: ٢٩]. وما تدبُّرُ آياتِهِ إلا اتِّباعُه، أما
والله ما هو بحِفْظِ حروفِهِ وإضاعةِ حدودِه ، حتى إنَّ أحدَهم ليقول: قد قرأتُ القرآنَ كلَّه ، فما أسقط منه حرفاً
واحداً . وقد والله أسقطَهُ كلَّه، ما يرى له القرآن في خُلُقٍ ولا عمل، حتى إنَّ أحدهم ليقول : والله إني لأقرأ السورةَ
في نفَسِ ، لا والله ما هؤلاءِ بالقرَّاء ولا بالعلماء ولا الحكماء ولا الورَعَة . ومتى كانتِ القراءةُ هكذا - أو يقول مثل
هذا - لاَ أكثرَ الله في الناس مثلَ هؤلاء ( أخرجه عبد الله بن المبارك في الزهد ص (٢٧٤) برقم ( ٧٩٣ ) ، وأبو بكر
البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٥٤١) برقم (٢٦٥٣).).
ثم روى الحسن عن جُنْدَب ، قال : قال لنا حذيفة : هل تخافونَ من شيء؟ قال : قلتُ والله إنَّك وأصحابَكَ
لأهوَنُ الناسِ عندنا . فقال: أمَا والذي نفسي بيده، لا تؤتَوْنَ إلا من قِبَلنا ومع ذلك نَشءٌ آخر يقرؤون القرآن ،
يكونون في أَخر هذه الأمَّة ينثرونه نَثْرَ الدَّقَل ( الدَّقَلُ: أردأ التمر . ) ، لا يجاوزُ تراقيَهم تسبقُ قراءتُهم إيمانَهم
( أخرج البخاري في التاريخ الكبير (٣٠١/٤) في ترجمة صلت بن مهران ، بإسناده إلى معتمر : سمعت أبي عن
قتادة عن الحسن عن جندب بلغه عن حذيفة أو سمعه عن النبي ◌َّ ذكر ناساً يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل يتأولونه
على غير تأويله . وقال موسى : حدّثنا حماد أنبأنا يونس عن الحسن عن جندب عن حذيفة قوله بهذا . وقال : ابن
أبي الأسود حدّثنا ابن علية عن يونس بهذا . اهـ . ) .
وروى ابنُ أبي الدنيا عنه في (( ذم الغيبة)) له قال : والله لَلْغِيبةُ أسرعُ في دينِ المؤمن من الأكلة في جسده ( ذكره
الغزالي في إحياء علوم الدين (١٤٣/٣).).
وكان يقول : ابنَ آدم ، إنك لن تُصيبَ حقيقةَ الإيمانِ حتى لا تُصيبَ الناسَ بعَيبٍ هو فيك، وحتى تبدأ بصلاح
ذلك العيب ، فتصلحَهُ من نفسك ، فإذا فعلتَ ذلك كان ذلك شغلك في طاعة نفسك وأحبُّ العباد إلى الله منْ كانَ
هكذا ( أخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا في الصمت ص (١٣١) برقم (١٩٧) والبيهقي في شعب الإيمان (٣١٢/٥)
برقم ( ٦٧٦٢)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة ( ٢٣٤/٣)، والغزالي في إحياء علوم الدين
(١٤٣/٣).) .
وقال الحسن : ليس بينك وبين الفاسق حُزْمة . وقال : ليس لمبتدع غِيبَة . وقال أصلت بن طريف : قلت
للحسن : الرجل الفاجر المعلِنُ بفجوره ذِكري له بما فيه غِيبة ؟ قال : لا ولا كرامة . وقال : إذا ظهرَ فجورُهُ فلا غِيبةَ=

١١٢
وفيات سنة ١١٠ هـ
له ( أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت ص (١٤٤) برقم (٢٣١)، وذكره الغزالي في إحياء علوم الدين
(١٥٣/٣). ) .
وقال : ثلاثةٌ لا تَحْرُمُ عليك غيبتُهم : المجاهرُ بالفِسْق، والإمامُ الجائر ، والمبتدع ( ذكره الغزالي في إحياء
علوم الدين ( ١٥٣/٣).) .
وقال له رجل : إنَّ قوماً يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلاً . فقال: هَوِّن عليك يا هذا ، فإني
أطمعتُ نفسي في الجنان فطمِعَتْ ، وأطمعتُها في النجاةِ من النار فطمِعَت ، وأطمعتُها في السلامةِ من الناس فلم أجدْ
إلى ذلك سبيلاً ؛ فإنَّ الناسَ لم يَرْضوا عن خالقِهم ورازِقهم ، فكيف يرضَوْنَ عن مخلوقٍ مثلهم؟ ( أخرجه أبو نعيم
في الحلية (٣٠٥/٦).)
وقال كانوا يقولون : منْ رَمى أخاهُ بذنبٍ قد تاب منه ، لم يمتْ حتى يصيبَ ذلك الذنبَ ( أخرجه ابن أبي الدنيا
في الصمت ص (١٧٠) برقم (٢٨٩) بنحوه .).
وقال الحسن : قال لقمانُ لابنِه : يا بُني ، إياكَ والكَذِب ، فإنه شهيٌّ كلَحْم العُصفور ، عما قليل يقلاهُ صاحبُه
( أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت ص (٢٥٧) برقم (٥٣٨) . وأخرجه ضمَن حديث طويل البيهقي في شعب
الإيمان (٢٣١/٤) برقم (٤٨٩١).).
وقال الحسن : اعتبروا الناسَ بأعمالِهِم، ودعوا أقوالَهم، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يدَغْ قولًا إلَّ جعل عليه دليلاً من
عمَل ، يصدِّقه أو يكذَّبه ، فإنْ سمعتَ قولًا حسناً فرويداً بصاحبه ، فإنْ وافقَ قولٌ عملاً فنعمَ ونعمةُ عَيْن ! آخِهِ وأخِْبْه
( في ( ق) صحفت العبارة إلى ((نعمت عين أخته وأخيه))، والصواب المثبت من مصادر التخريج . ) ؛ وإذا
خالف قولٌ عملاً فماذا يشبه عليك منه؟ أم ماذا يَخفى عليك منه؟ إياك وإياه لا يخدعَنَّكَ كما خدَع ابنَ آدم . إنَّ لك
قولاً وعملاً، فعملك أحقُّ بك من قولِك ؛ وإنَّ لك سريرةً وعلانيةً فسريرتكَ أحقُّ بكَ من علانيتك، وإنَّ لك عاجلةً
وعاقبة ، فعاقبتُك أحقُّ بك من عاجلتك ( أخرجه ابن المبارك في الزهد ص (٢٦) برقم ( ٧٧ ) ، وابن أبي الدنيا في
الصمت ص (٢٨٠)، برقم (٦٢٦).).
وقال ابنُ أبي الدنيا ( في الصمت ص٢٨١ برقم (٦٢٨)، وما يأتي بين معقوفين منه. ) حدثنا حمزة بن
العباس ، أنبأنا عبدان بن عثمان ، [ أنبأنا عبد الله ]، أنبأنا معمر، عن يحيى بن المختار ، عن الحسن ، قال : إذا
شئتَ لَقِيتَ الرجلَ أبيضَ ، حديدَ اللسان ، حديدَ النظر ، ميتَ القلبِ والعمل ، أنتَ أبصرُ به من نفسِه ، ترى أبداناً
ولا قلوباً ، وتسمعُ الصوت ولا أنيس ، أخصب ألسنةً، وأجدب قلَوباً؛ يأكلُ أحدُهم من غيرِ مالِه ، ويبكي على
عمَّاله، فإذا كَظَتْهُ البِطْنَةُ قال: يا جارية - أو يا غلام - إيتني بهاضم، وهل هضمتَ يا مسكينُ إلاَّ دينَك.
وقال : منْ رَقَّ نَوَبُه رَقَّ دِينُهُ، ومِنْ سَمِنَ جَسَدُهُ هَزُلَ دينُه، ومن طاب طعامُه أنتَنَ كسبُه .
وقال فيما رواه عنه الآجُرِّيّ: رأسُ مالِ المؤمن دينٌ حيثُ ما زالَ زالَ منعه لا يُخَلَّفُهُ في الرِّحال ( الرِّحال :
مفردها رَحْل وهو منزل الرجل ومسكنه وبيته . والرَّحْل أيضاً : مَرْكبٌ للبعير والناقة . اللسان ( رحل ). ) ولا
يأتمنُ عليه الرجال .
وقال في قوله تعالى: ﴿ وَلَّ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَََّّمَةِ﴾ [ القيامة: ٢]، قال: لا تلْقَى المؤمنَ إلا يلومُ نفسَه: ما أردتِ
بكلمةِ كذا ؟ ما أردتِ بأكْلَةِ كذا؟ ما أردتِ بمجلسٍ كذا؟ وأمَّا الفاجرُ فَيَمْضي قُدُماً قُدُماً، لا يلومُ نفسَه ( ذكره ابن
القيم في مدارج السالكين (٧/٢). ).
وقال : تصبّروا وتشدَّدوا، فإنما هي ليالٍ تُعَدّ ، وإنَّما أنتم رَكْبٌ وقوف، يوشكُ أنْ يُدعَى أحدُكم فيُجيب ولا
يلتفت ؛ فانقلِبُوا بصالح ما بحضرَتِكم ، إنَّ هذا الحقَّ أجهدَ الناس ، وحالَ بينهم وبين شهواتهم ؛ وإنما يصبرُ على=

١١٣
وفيات سنة ١١٠ هـ
هذا الحقِّ منْ عَرَفَ فضلَه وعاقبتَه ( ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين (٤/ ٤٦٠).).
وقال : لا يزالُ العبدُ بخيرٍ ما كان له واعظٌ من نفسِه ، وكانتِ المحاسبةُ من هِمَّتِه ( أخرجه ابن المبارك في الزهد
ص (٣٨٩) برقم (١١٠٣)، وأبو نعيم في الحلية (١٤٥/٢، ١٤٦).).
وقال ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) : حدثنا عبد الله، حدثنا إسماعيل بن زكريا ، حدثنا عبد الله بن المبارك
عن معمر ، عن يحيى بن المختار ، عن الحسن ، قال : المؤمنُ قوَّامٌ على نفسه، يحاسِبُ نفسَه للهِ عزَّ وجلّ ، وإنما
خفَّ الحسابُ يومَ القيامةِ على قوم حاسبوا أنفسَهم في الدنيا ، وإنما شقَّ الحسابُ يومَ القيامةِ على أقوام أخذوا هذا
الأمرَ من غيرِ محاسبة ؛ إنَّ المؤمنَ يَفْجَؤُهُ الشيءُ، ويعجبه فيقول: واللهِ إِنَّكَ لَمِنْ حاجتي، وإني لأشتهيّك ، ولكنْ
واللهِ ما مِنْ صِلَةٍ إليك، هيهاتَ! حِيلَ بيني وبينك. ويفرطُ منه الشيءُ فيرجعُ إلى نفسِه فيقول : ما أردتُ إلى هذا
[ ما لي ولهذا؟ والله لا أعودُ إلى هذا] ( سقط ما بين المعقوفين من ( ق) استدركناه من مصادر التخريج. ) أبداً إن
شاء الله . إنَّ المؤمنين قومٌ قد أوثقَهم القرآن ، وحالَ بينَهُمْ وبينَ هلكتِهِم ، إنَّ المؤمنَ أسيرٌ في الدنيا . يسعَى في
فكاكِ رقَبته ، لا يأمنُ شيئاً حتى يَلْقَى الله عزَّ وجلَّ، يعلمُ أنه مأخوذٌ عليه في سمعه وبصَرِهِ ولسانه ، وفي جَوَارِحِه
كلّها ( أخرجه ابن المبارك في الزهد ص (١٠٣) برقم (٣٠٧)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥٧)، وذكره ابن
القيم في إغاثة اللهفان (٧٩/١)، وابن الجوزي في صفة الصفوة ( ٢٣٤/٣، ٢٣٥).) .
وقال : الرضا صعبٌ شديد ، وإنما معوَّل المؤمنِ الصبر .
وقال : ابنَ آدم، عن نفسك فكَايِسْ ( فكايسْ : من كايسَ ، يقال كايَسني فكِسْتُهُ أي كنتُ أَكْيَس منه ، وفي
حديث جابر ((إنما كِسْتُك لآخُذَ جملك)) أي غَلَبْتُك بالكَيْس . النهاية ( كيس). ) ، فإنك إنْ دخلتَ النارَ لم تُجْبَرْ
بعدها أبداً ( أخرجه ابن المبارك في الزهد ص (٥٤٥) برقم (١٥٦٤).).
وقال ابنُ أبي الدنيا : أنبأ إسحاق بن إبراهيم قال : سمعتُ حمَّاد بن زيد يذكر عن الحسن ، قال : المؤمنُ في
الدنيا كالغريب ، لا ينافسُ فِي عِزِّها ( صحفت اللفظة في ( ق) إلى (( غيرها )) والصواب المثبت من مصادر
التخريج. ) ولا يجزَعُ من ذَلَها ؛ للناسِ حال ، وله حال ، الناسُ منه في راحة، ونفسه منه في شُغل ( أخرج شطره
الأول الآجري في الغرباء ص (٢٣) برقم (٧)، وذكره ابن القيم بتمامه في مدارج السالكين (١٩٧/٣).).
وقال : لولا البلاء ما كان في أيام قلائل ما يُهلكُ المرءُ نفسه .
وقال : أدركتُ صدرَ هذه الأمة وَخيارَها ، وطالَ عُمري فيهم، فواللهِ إنّهم كانوا فيما أحلّ اللهُ لهم أزهد منكم فيما
حرَّم الله عليكم ؛ أدركتُهم عاملينَ بكتابِ رَبِّهم ، مُتَبعين سنَّةَ نبيِّهم ، ما طوى أحدُهُمْ ثوباً ، ولا جعل بينه وبين
الأرِضِ شيئاً ، ولا أمرَ أهلَه بصُنع طعام ؛ كان أحدُهم يدخلُ منْزِلِه ، فإنْ قُرَّبَ إليه شيءٌ أكل ، وإلَّ سكت ، فلا
يتكلَّمُ في ذلك ( أخرج بعضه ابن أبي الدنيا في الورع ص (٥٦) برقم (٤٥) وابن الجوزي في صفة الصفوة
(٢٢٧/٣).).
وقال : إنَّ المنافقَ إذا صلَّى صلَّى رِيَاءً، أو حياءً من الناسِ أو خَوْفاً، وإذا صلَّى صلَّى فقراؤهم للدنيا، وإن فاتَتْهُ
الصلاةُ لم يندَمْ عليها ، ولم يحزُنْهُ فواتُها .
وقال الحسن فيما رواه عنه صاحب كتاب (( النُّكَت)): منْ جعلَ الحمد لله على النعم حِصْناً وحابساً ، وجعل أداءَ
الزكاةِ على المالِ سياجاً وحارساً ، وجعل العلمَ له دليلاً وسائساً ، أمِنَ العَطَبِ، وبلغ أعلى الرُّتَب ؛ ومنٍ كان للمالِ
قانصاً ، وله عن الحقوق حابساً ، وشغلَهُ وألهاه عن طاعةِ الله كان لنفسِه ظالماً، ولقلبِهِ بما جَنَتْ يداهُ وسلّطُهُ اللهُ على
مالِهِ سالباً وخالساً ، ولم يأمَنِ العطَبَ في سائرٍ وجودِ الطلب. وقيل: إنَّ هذا لغيرِه واللهُ أعلم .
وقال الحسن : أربعٌ منْ كُنَّ فيه ألقى الله عليه محبَّتَه، ونشر عليه رحمتَه: مَنْ رَقَّ لوالديه ، ورَقَّ لِمَمْلُوكِه ، -

١١٤
وفيات سنة ١١٠ هـ
٠
وكَفَلَ اليتيم ، وأعان الضعيف .
وسئل الحسنُ عن النفاق فقال : هو اختلافُ السرِّ والعلانية ، والمدخل والمخرج .
وقال : ما خافَهُ إلا مؤمن، ولا أمِنَهُ إلا منافق. يعني النفاق. وحلف الحسن ما مَضَى مؤمنٌ [ قط ]، ولا بقي
إلا وهو يخاف النفاق ؛ وفي رواية : إلّ وهو من النفاق مشفِق؛ ولا مضى منافقٌ [ قط ] ولا بقي إلا وهو من النفاق
آمن ( ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم ص (٤٣٤)، وروى أوله ابن القيم في مدارج السالكين
(٣٥٨/١).) .
وكتبَ عمرُ بن عبد العزيز إلى الحسن : كيف حبُّك الدينارَ والدرهم ؟ قال : لا أحبُّهما . فكتب إليه : تولَّ فإنك
تعدل .
وقال إبراهيم بن عيسى : ما رأيتُ أطولَ حُزْناً من الحسن، وما رأيتُه قطُ إلَّ حسبتهُ حديثَ عهدٍ بمصيبة ( أخرجه
أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٣٣).).
وقال مسمع : لو رأيتَ الحسن لقلتَ قد بُثَّ عليه حُزنُ الخلائق .
وقال يزيدُ بن حَوْشَب : ما رأيتُ أحزَنَ من الحسنِ وعمرَ بنِ عبد العزيز ، كانَّ النارَ لم تُخلقْ إلَّ لهما .
وقال ابن أسباط : مكث الحسن ثلاثين سنةً لم يضحك، وأربعين سنةً لم يمزحْ ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٨/ ٢٤٠)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢٣٤/٣). ).
وقال : ما سمع الخلائقُ بعورةٍ بادية ، وعين باكية ، مثل يوم القيامة .
وقال: ابنَ آدم، إنَّك ناظرٌ غداً إلى عملك، يُوزن خيرُهُ وَشؤُّه، فلا تحقِرَنَّ شيئاً من [ الخير وإن هو صَغُر،
فإِنَّكَ إذا رأيتَه سرَّكَ مكانُه، ولا تحقِرَنَّ من ] الشرِّ أنْ تَتَّقِيَه، فإنَّكَ إذا رأيتَهُ غداً في ميزانِك ساءكَ مكانُه ( أخرجه
أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٤٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢٣٥/٣)، وما مرَّ بين معقوفين والتصحيح
منهما . ) .
وقال : ذهبتِ الدنيا [ يحالي مآلها ] وبقيَتْ أعمالُكم قلائدَ في أعناقكم ( الحلية (١٤٣/٢)، وما بين معقوفين
منه . ) .
وقال : ابنَ آدم ، بِعْ دنياك بآخرتِك تربَحْهما جميعاً ، ولا تبع أخرتَك بدنياك فتخسرهما جميعاً ( أخرجه أبو نعيم
في الحلية (١٤٣/٢، و٣٥/٧)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢٣٦/٣). ). وهذا مأثورٌ عن لقمانَ
أنه قاله لولدِه .
وقال الحسن : تجدُ الرجلَ قد لبس الأحمر والأبيض ، وقال : هلُمُوا فانظروا إلي. قال الحسن : قد رأيناك
يا أفسق الفاسقين، فلا أهلاً بكَ ولا سهلاً ؛ فأمَّا أهلُ الدنيا فقدِ اكتسبوا بنظرِهم إليك مزيدَ حرصٍ على دنياهم ،
وجرأةً على شهواتِ الغَنَى في بطونهم وظهورهم ؛ وأما أهلُ الآخرة فقد كرهوكَ ومقتوك .
وقال : إنَّهم وإنْ هملجتْ بهمُ البَرَاذِين ، وزفرَتْ بهمُ البِغالُ، ووَطِئَتْ أعقابهم الرجال ، إنَّ ذُلَّ المعاصي
لا يفارقُ رقابَهم، يأبَى الله إلا أنْ يُذِلَّ مَنْ عصاه (ذكره ابن القيم في إغاثة اللهفان (٤٨/١ و١٨٨)، والجواب
الكافي له ص (٣٨، ٣٩)، بنحوه.).
وقال فرقد : دخلنا على الحسن فقلنا : يا أبا سعيد ، ألا يعجبك من محمد بن الأهتم ؟ فقال : ما له ؟ فقلنا :
دخلنا عليه آنفاً وهو يجودُ بنفسِه فقال : انظروا إلى ذاك الصندوق - وأومأ إلى صندوق في جانب بيتِه - فقال : هذا
الصندوق فيه ثمانونَ ألف دينار - أو قال درهم - لم أؤدِّ منها زكاةً، ولم أصِلْ منها رحماً ، ولم يأَكل منها محتاج .
فقلنا : يا أبا عبد الله، فِلِمَنْ كنتَ تجمَعُها ؟ قال : لَرَوْعَةِ الزمان ، ومُكاثرةِ الأقران ، وجفوةِ السلطان . فقال : =

١١٥
فيات سنة ١١٠ هـ
انظروا من أين أتاهُ شيطانُه، فخوَّفَهُ روعةَ زمانِه ومكاثرةَ أقرانِهِ ، وجفوةً سلطانِهِ . ثم قال : أيُّها الوارث ،
لا تُخدَعَنَّ كما خُدِعَ صُوَيْحِبُكَ ؛ بالأمس جاءك هذا المال ، لم تتعبْ لك فيه يَمين ، ولم يعرَقْ لكَ فيه جَبين ،
جاءك ممن كان له جَمُوعاً مَنُوعاً، من باطلٍ جمعَه، من حقِّ مَنَعَه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٤٥/٢)
بنحوه. ). ثم قال الحسن: إنَّ يومَ القيامةِ لذَوِ حَسَرات؛ الرجل يجمَعُ المالَ ثم يموتُ ويدَعُهُ لغيرِه ، فيرزقه الله
فيه الصلاحَ والإنفاق في وجوهِ البِرّ ، فيجدُ مالَه في ميزانِ غيرِه . وكان الحسن يتمثل بهذا البيت في أول النهار
يقول :
ولا حيٌّ على الدنيا بباقٍ
وما الدنيا بباقيةٍ لحيٍّ
وبهذا البيت في آخر النهار :
يسرُّ الفتى ما كان قدَّم من تُقّى
( ذكر البيتين البيهقي في شعب الإيمان ( ٧ / ٤٠٨ ). )
إذا عرفَ الداءَ الذي هو قاتِلُهْ
ولد الحسن في خلافةِ عمرَ بنِ الخطاب وأُتَيَ به إليه ، فدعا له وحنَّكه ، ومات بالبصرة في سنة عشرٍ ومئة . والله
سبحانه وتعالى أعلم .
محمد بن سيرين ( تقدمت مصادر ترجمته في ص (١٠٧) حاشية (٣). ) أبو بكر بن أبي عمرو الأنصاري :
مولى أنس بن مالك النَّضْري . كان أبوه من سَبْي عينِ التَّمْر . أسرَهُ في جملةِ السَّبِي خالدُ بنُ الوليدُ ، فاشتراه أنس ،
ثم كاتَبَه ، وقد وُلد له من الأخيار جماعةٌ : محمد هذا ، وأنس بن سيرين ، ومَعْبد ، ويحيى ، وحفصة ، وكريمة ،
وكلّهمْ تابعيُّونَ ، ثقاتٌ أجلاء ، رحمهم الله تعالى .
قال البخاري ( انظر ما سبق في ص (١٠٨) موضع الحاشية (١). ): ولد محمد لسنتَيْنِ بقيتا من خلافة
عثمان . وقال هشام بن حسان : هو أصدقُ مَنْ أدركتُ من البشر . وقد تقدم هذا كلُّه فيما ذكره المؤلف .
كان ابنُ سيرين إذا ذُكر عنده رجلٌ بسُوءٍ ذَكرَهُ بأحسِنِ ما يَعلم .
وقال خلف بن هشام : كان محمد بن سيرين قد أَغَّطَيَ هَدْياً وسَمْتاً وخُشوعاً . وكان الناس إذا رأوهُ ذَكَروا الله .
ولما ماتَ أنسُ بن مالك أوصَى أنْ يغسِّلَه محمد بن سيرين ؛ وكان محمدٌ محبوساً ، فقالوا له في ذلك ، فقال : أنا
محبوس . فقالوا : قد أستأذنًّا الأميرَ في إخراجِك . قال: إنَّ الأمير لم يحبِسْني إنما حبسني مَنْ له الحق ، فأذِنَ له
صاحبُ الحقِّ ، فغسَّله .
وقال يونس : ما عرضَ لمحمد بن سيرين أمرانٍ إلَّ أخذ بأوثقِهما في دِينه ، وقال : إني لأعلمُ الذنبَ الذي
حُملتُ بسببه ، إني قلتُ يوماً لرجلٍ يا مُفْلسٍ . فذُكر هذا لأبي سليمان الداراني ، فقال قلَّتْ ذنوبُهم فعرفوا من أين
أَتوا . ومثلُنا قد كثرتْ ذنوبنا فلم نَدْرِ من أين نُؤْتى ، ولا بأيِّ ذنبٍ نُؤخذ ( انظر سير أعلام النبلاء (٦١٦/٤).).
وكان إذا دُعيَ إلى وَلِيمة يدخلُ منزلَهُ فيقول : ائتوني بشربةِ سَوِيق . فيشربها ويقول : إنِّي أكرَهُ أنْ أحملَ جُوعي
إلى موائدهم وطعامِهم .
وكان يدخلُ السوقَ نصفَ النهار ، فيكبِّرُ الله ويسبِّحُه ويذكره ويقول : إنَّها ساعةُ غَفلةِ الناس . وقال: إذا أراد الله
بعيدٍ خيراً جعلَ له واعظاً من قلبه ، يأمرُه وينهاه .
وقال : ظلمٌ لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلمُ منه ، وتكتم خيره .
وقال : العُزْلة عبادة . وكان إذا ذكر الموتَ ماتَ منه كلُّ عضو على حِدَتِهِ . وفي رواية : كان يتغيَّرُ لَوْنه، ويُنكَرُ
حاله ، حتی کأنه ليس بالذي كان .
وكان إذا سئل عن الرؤيا قال للسائل : اتَّقِ اللهَ في اليقظة ، ولا يغرَّكَ ما رأيتَ في المنام .
=

١١٦
وفيات سنة ١١٠ هـ
وقال له رجل : رأيتُ كأني أصبُّ الزيتَ في الزيتون . فقال: فتِّثْ على امرأتك ، فإنَّهَا أُمُّك. ففتَّشَ فإذا هي
أُّه، وذلك أنَّ الرجلَ أُخِذَ من بلادِهِ صغيراً سَبِيّاً، ثم مكثَ في بلاد الإسلام ، إلى أن كَبِر ، ثم سُبِيَتْ أمُّه ، فاشتراها
جاهلاً أنَّها أمُّه ، فلما رأى هذه الرؤيا وذكرها لابن سيرين ، فأمره أن يفتِّش على ذلك، ففتَّش فوجدَ الأمرَ على
ما ذكرَه .
وقال له آخر : رأيتُ كأني دَسْت ، أو قال : وطئتُ تمرةً فخرجتْ منها فأرة . فقال له : تزوَّج امرأةً . أو قال :
تطأُ امرأةً صالحةً تلِدُ بنتاً فاسقة . فكان كما قال .
وقال له آخر : رأيتُ كأنَّ على سطح بيتي حبَّاتُ شعير، فجاء ديكٌ فلقَطَها. فقال له: إنْ سُرق لك شيءٌ في هذه
الأيام فأتِني . فوضعوا بساطاً على سطحهم ، فسُرق ؛ فجاء إليه فأخبره ، فقال: اذهبْ إلى مؤذِّن محلَتِك، فخذْهُ
منه . فجاء إلى المؤذِّن ، فأخذَ البِساطَ منه .
وقال له رجل : رأيتُ الحمَامَ تلقَطَ الياسمين . فقال: مات علماءُ البصرة .
وأتاه رجلٌ فقال : رأيتُ رجلاً عُزياناً واقفاً على مزبلة ، وبيده ◌ُنْبورٌ يضربُ به ، فقال له ابنُ سيرين : لا تصلحُ
هذه الرؤيا في زماننا هذا إلا للحسَنِ البصري . فقال : الحسَن هو واللهِ الذي رأيت . فقال: نعم، لأنَّ المزبلةَ
الدنيا ، وقد جعلها تحتَ رجلَيْهِ وعُزْيُه تجرُّدُه عنها، والُّنْبور يضرب به هي المواعظُ التي يَقْرَعُ بها آذانَ الناس .
وقال له آخر : رأيتُ كأنِّي أستاكُ والدمُ يَسيل . فقال له : أنت رجلٌ تقعُ في أعراض الناس ، وتأكلُ لحومَهم ،
وتخرج في بابه وتأتيه ( كذا في الأصول ولم نقف على مصدر للخبر . ) .
وقال له آخر : رأيتُ كأني أرى اللؤلؤ في الحَمْأة. فقال له : أنت رجلٌ تضعُ القرآنَ والعلم عندَ غيرِ أهلِه ومَنْ
لا ينتفعُ به .
وجاءته امرأةٌ فقالتْ رأيتُ كأنَّ سِنَّوْراً أدخل رأسَه في بطنِ زوجي فأخذَ منه قطعةً . فقال لها ابن سيرين : سُرق
لزوجِك ثلاثُ مئةِ درهم وستةَ عشرَ درهماً . فقالت : صدقت ، من أين أخذته ؟ فقال : من هجاء حروفه ، وهي
حسابُ الجُمَّل ؛ فالسين ستون ، والنون خمسون ، والواو ستة ، والراء مئتان ، وذلك ثلاث مئة وستة عشر ،
وذكرت السِّور أسودَ ، فقال: هو عبدٌ في جوارِكم . فالزموا عبداً أسود كان في جوارِهم، وضُرب فأقرَّ بالمال
المذكور .
وقال له رجل : رأيتُ لحيتي قد طالتْ وأنا أنظرُ إليها . فقال له : أمؤذِّنٌ أنت ؟ قال : نعم . قال له : اتق الله ولا
تنظر إلى دُور الجيران .
وقال له آخر : رأيتُ كأنَّ لحيتي قد طالتْ حتى جزَزْتُها ونسجتُها كساءً وبعتُهُ في السوق . فقال له : اتقِ الله فإنَّك
شاهد زور .
وقال له آخر : رأيتُ كأني آكلُ أصابعي . فقال له : تأكلُ من عمل يدِك .
وقال لرجل : انظر هل ترى في المسجد أحداً ؟ فذهب فنظر ثم رجع إليه فقال : ليس في المسجد أحد . فقال :
أليس أمرتُك أنْ تنظرَ هل ترى أحداً قد يكون في المسجد من الأمراء ؟
وقال عن رجلٍ ذُكر له : ذلك الأسود ؟ ثم قال : أستغفرُ الله ، ما أراني إلا قد اغتبتُ الرجل . وكان الرجل
أسود .
وقال: اشترك سبعةٌ في قتل امرأة، فقتلهم عمر ، فقال: لو أنَّ أهلَ صنعاء اشتركوا في قتلِها لأبَدْتُ خضراءَهم ].
=

١١٧
وفيات سنة ١١٠ هـ
وفيها توفي :
وَهْبُ بن مُنَبِّه اليَمَانيُ(١) : تابعيٌّ جليل، وله معرفةٌ بَكُتُبِ الأوائل ؛ وهو يُشْبه كعب الأحبار ؛ وله
صلاحٌ وعبادة ، وتُروى عنه أقوالٌ حسنة، وحِكَمٌ ومواعظ. وقد بسَطْنا ترجمته في كتابنا ((التكميل)) ولله
الحمد .
قال الواقدي (٢) : تُوفي بصنعاء سنة عشرٍ ومئة . وقال غيره : بعدَها بسنة . وقيل بأكثر ، والله أعلم .
ويزعم بعضُ الناس أنَّ قبرَهُ غربيٌّ بصري بقريةٍ يُقال لها عُصْمُ(٣) ؛ ولم أجدْ لذلك أصلاً. والله أعلمُ(٤) .
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٥٤٣/٥)، تاريخ خليفة ص (٣٤٠)، طبقات خليفة ص (٢٨٧)، الزهد للإمام
أحمد ص (٣٧١)، التاريخ الكبير (١٦٤/٨)، المعارف ص (٤٥٩)، الجرح والتعديل (٢٤/٩)، ثقات ابن
حبان (٤٨٧/٥)، حلية الأولياء (٢٣/٤)، طبقات الشيرازي ص (٧٤)، الأنساب (١٢٢/١)، صفة الصفوة
(٢٩١/٢)، المختار من مناقب الأخيار (١٠٨/٥)، معجم الأدباء (٢٥٩/١٩)، وفيات الأعيان (٣٥/٦)،
مختصر تاريخ دمشق (٣٨٥/٢٦)، تهذيب الكمال (١٤٠/٣١)، سير أعلام النبلاء (٥٤٤/٤) ، تذكرة الحفاظ
(١٠٠/١)، ميزان الاعتدال، (٣٥٢/٤)، تهذيب التهذيب (١٦٦/١١)، طبقات الحفاظ ص (٤١)،
طبقات الشعراني (٤٠/١)، الكواكب الدرية (٤٧٧/١)، شذرات الذهب (١٥٠/١).
عُضم : حصن لبني زبيد باليمن . معجم البلدان (٤ / ١٢٨ ).
(٢)
طبقات ابن سعد ( ٥٤٣/٥) .
(٣)
هنا تبدأ زيادة أخرى من زيادات نسخة ( ق ) وليست في ( ب، ح ) ، وهي :
[ أدرك وَهْبُ بن مُنَبِّه عدَّةً من الصحابة، وأسندَ عن ابن عباس، وجابر، والنعمان بن بشير. وروى عن معاذ بن
(٤)
جَبَل ، وأبي هريرة ، وعن طاوس . وعنه من التابعين عدَّة .
وقال وَهْب : مَثَلُ مَنْ تعلَّم علماً لا يعمل به كمثَلِ طبيبٍ معه شفاءً لا يتداوى به .
وعن مُنير مولى الفضل بن أبي عياش قال : كنتُ جالساً مع وَهْب بن مُنَبِّه فأتاه رجلٌ فقال له : إني مررتُ بفلانٍ
وهو يشتُمُك . فغضِبَ وقال : ما وَجَد الشيطانُ رسولًا غيرَك ؟ فما برحتُ من عندِه حتى جاءه ذلك الشاتم ، فسلّم
على وهب، فردَّ عليه السلام ، ومدَّ يدَه إليه وصافحه وأجلسهُ إلى جنبه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٧١)،
وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢٩٥/٢).).
وقال ابن طاوس : سمعتُ وهباً يقول: ابنَ آدم ، احتلْ لدينك، فإنَّ رزقكَ سيأتيك ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٤/ ٧٢ ) .) .
وقال وهب : كُسي أهلُ النار ، والعُزْيُ كان خيراً لهم ، وطَعِموا والجوعُ كان خيراً لهم ، وأُعطوا الحياةَ والموتُ
كان خيراً لهم ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٤/ ٧١). ) .
وقال : قال داود عليه السلام : اللهمَّ أيُّما فقيرٍ سأل غَنيّاً فتصامَّ عنه فأسألك إذا دعاك فلا تُجِبْه ، وإذا سألك فلا
تُعطِه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٧١).).
وقال : قرأتُ في بعضٍ كُتب الله : ابنَ آدمٍ ، لا خيرَ لك فِي أنْ تعلمَ ما لم تعلمْ ، ولم تعملْ بما قد علمت ؛ فإنَّ
مثلك كمثَلِ رجلٍ احتطب حَطباً ، فحزم حُزمةً ، فذهب يحملُها فعجز عنها ، فضمَّ إليها أخرى ( أخرجه أبو نعيم في =

١١٨
وفيات سنة ١١٠ هـ
الحلية (٤/ ٧١). ) .
=
وقال : إنَّالله ثمانية عشر ألف عالَم ، الدنيا منها عالمٌ واحد ، وما العِمَارةُ في الخراب إلا كفُسْطاطِ في الصحراء
( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٧٠ ). ).
وروى الطبراني عنه أنه قال : إذا أردتَ أن تعملَ بطاعةِ الله عزَّ وجلَّ ، فاجتهدْ في نُصحك وعملك الله ، فإنَّ العملَ
لا يقبلُ ممنْ ليس بناصح، والنُّصْحُ لله لا يكمُّل إلا بطاعةِ الله، كمثَل الثمرة الطَِّّبة، ريحُها وطعمُها، كذلك مثلُ
طاعةِ الله، النُّصح ريحُها ، والعمَل طعمُها. ثم زَيِّنْ طاعتَك بالحِلْم والعقل، والفِقْه والعمَل؛ ثم أكْبِرْ نفسَك عن
أخلاق السفهاء ، وعبيدِ الدنيا ، وعبِّدْها على أخلاقِ الأنبياء والعلماء العاملين، وعَوِّدْها فعلَ الحكماء ، وامنَعْها
عمَلَ الأشقياء، وألزِمْها سيرةَ الأتقياء واعْزُبُها ( في الحلية: ((فاعزلها)). ) عن سُبلِ الخبثاء ؛ وما كان لك من
فَضْلِ فَأَعِنْ به مَنْ دونك، وما كان فيمن دونك من نَقْص فأعِنْهُ عليه حتى يبلغَه، فإنَّ الحكيمَ منْ جَمَعَ فواضلَه ،
وعاد بها على منْ دونه . وينظُر في نقائصٍ، دونَه فيقوِّيها، ويُرَجِّبُها حتى يبلغَه ؛ إنْ كان فقيهاً حمَلَ منْ لا فقه له إذا
رأى أنه يريدُ صحابته ومعونتَه، وإذا كانَ له مالٌ أعطى منه منْ لا مالَ له ، وإذا كان مصلحاً استغفر للمذنب ورجا
تَوْبته ، وإذا كان محسناً أحسنَ إلى منْ أساء إليه ، واستوجبَ بذلك أجرَه ؛ ولا يغترّ بالقول حتى يُحسن منه الفعل ،
فإذا أحسنَ الفعلَ نظرَ إلى فَضْلِ الله وإحسانِه إليه ؛ ولا يتمنَّى الفعلَ حتى يفعله، فإذا بلغ من طاعةِ الله مبلغاً حَمِدَ الله
على ما بلغَ منها فيها ؛ ثم طلَبَ ما لم يبلغْ منها ، وإذا ذكر خطيئةً سترَها عن الناس ، واستغفر اللهَ الذي هو قادرٌ على
أن يغفرَها ، وإذا علم من الحكمة شيئاً لم تُشْبِعْهُ ، بل يطلبُ ما لم يبلغْ منها ، ثم لا يستعين بشيءٍ من الكذب ، فإنَّ
الكذب كالأكَلَةِ في الجسد ، تكادُ تأكلُه ، أو كالأكَلَةِ في الخشب ، يُرى ظهرُها حسناً ، وجوفها نَخِرٌ ، تَغُرُّ من يراها
حتى تنكسر على ما فيها ، وتُهلك من اغترَّ بها ؛ وكذلك الكذب في الحديث ، لا يزالُ صاحبُه يغترُ به ، يظنُّ أنَّهُ
مُعينُهُ على حاجته ، ورائدٌ له في رغتبه ، حتى يعرفَ ذلك منه ، ويتبيَّن لذوي العقول غرورُه . فتستنبط الفقهاءُ
ما كان يستخفي له عنه ، فإذا اطلعوا على ذلك من أمره ، وتبيَّن لهم كذَّبوا خبَرَه، وأباروا شهادتَه ، واتهموا صِدْقَه ،
وحقروا شأنه ، وأبغضوا مجلسَه ، واستخفُوا منه بسرائرِهِم ، وكتموهُ حديثَهم ، وصرفوا عنه أماناتِهم ، وغيّوا عنه
أمرَهم ، وحَذِروه على دينهم ومعيشتِهم ، ولم يحضروه شيئاً من محاضرهم ، ولم يأمنوه على شيءٍ من سرِّهم ،
ولم يُحَكِّموه فيما شجر بينهم ( أخرجه بطوله أبو نعيم في الحلية ( ٣٦/٤، ٣٧). ) .
وروى عبدُ المنعم بن إدريس عن أبيه ، عن وَهْب ، قال: قال لقمانُ لابنه : إنَّ مثلَ أهلِ الذِّكْر والغفلة كمَثَل
النُّور والظُلمة .
وقال : قرأتُ في التوراة أربعةً أسطرٍ متواليات : منْ قرأ كتابَ الله ، فظنَّ أنه لا يُغفر له فهو من المستهزئين بآيات
الله؛ ومنْ شكا مصيبةً نزلَتْ به ، فإنما يشكو ربَّه عزَّ وجلَّ من أسفٍ على ما فاته من الدنيا ، سخِطَ قضاءَ ربِّه
عزَّ وجلّ، ومن تَضَعْضَع لِغَنِيِّ ذهب ثلثُ ( في شعب الإيمان: (( ثلثا)). ) دينه ( أخرجه الإمام أحمد في الزهد
ص (٨٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣٨/٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢١٣/٧) برقم (١٠٠٤٣).).
وقال وهب : قرأتُ في التوراة : أيُّما دارٍ بُنيت بقوةِ الضعفاء جُعلت عاقبتُها إلى الخراب ؛ وأيُّما مالٍ جُمع من غيرِ
حلِّه أسرع الفقر إلى أهله .
وقال عبد الله بن المبارك ( في كتابه الزهد ص (١٠٨) برقم (٣١٨). ): حدّثنا معمر عن محمد بن عمرو ،
قال : سمعتُ وَهْبَ بن مُنَبِّه يقول : وجدتُ في بعض الكتب ؛ يقول الله تعالى: إذا أطاعني عبدي استجبتُ له من=

١١٩
وفيات سنة ١١٠ هـ
قَبْلِ أنْ يدعُوَني ، وأعطيتُه من قبلِ أن يسألني ؛ وإنَّ عبدي إذا أطاعني ، لو أنَّ أهلَ السماواتِ وأهلَ الأرض أجلبوا
=
عليه جعلتُ له المخرجَ من ذلك ؛ وإنّ عبدي إذا عَصَاني قطعتُ يدَيْهِ من أبواب السماء ، وجعلتُه في الهواء ، فلا
يمتنعُ من شيءٍ أرادَهُ مِنْ خَلْقي (وأخرجه أيضاً أبو نعيم في الحلية (٣٨/٤).).
وقال ابنُ المبارك أيضاً ( في كتابه الزهد ص (١٦١) برقم (٤٧٠). ): حدّثنا بكَّارُ بنُ عبد الله، قال : سمعتُ
وَهْبَ بن مُنَبِّه يقول : قال الله تعالى فيما يَعيبُ به أحبارَ بني إسرائيل : تفقَّهون لغير الدين ، وتتعلَّمون لغير العمل ،
وتبتغونَ (في (ق) والزهد لابن المبارك: (( وتبتاعون))، وفي الحلية: (( وتتنازعون))، والمثبت من الزهد
لأحمد . ) الدنيا بعمل الآخرة ، وتلبسون جلودَ الضأن، وتخفون أنفس الذئاب ، وتنفون القَذَى من شرابكم ( في
(ق): (( وتحملون نفس الذباب ، وتتغذون الغذاء من شرابكم)) وهو تصحيف ، والمثبت من الزهد لابن
المبارك . ) ، وتبتلعون أمثالَ الجبالِ من الحرام، وتُثقلون الدَّينَ على الناس أمثالَ الجبال ، ثم لا تعينونَهم برفع
الخناصر ؛ تطيلون الصلاة ، وتبيِّضون الثياب، تنتقصون بذلك مالَ اليتيم والأرْمَلة؛ فبعزَّتي حلفتُ ، لأضربنَّكم
بفتنةٍ يَضِلُّ فيها رأيُ ذي الرأي ، وحكمةُ الحكيم ( وأخرجه أيضاً الإمام أحمد في الزهد ص ( ٥٣)، وأبو نعيم في
الحلية (٣٨/٤، ٣٩). ).
وقال الطبراني: حدّثنا عبد الله بن محمد الصنعاني، حدّثنا همَّام بن مَسْلَمة، حدّثنا غَوْث بن جابر، حدّثنا
عَقيل بن مَعْقل ، قال : سمعتُ وهبَ بن مُنَتَّه يقول: إنَّ الله ليس يَحْمَدُ أحداً على طاعة، ولا ينالُ أحدٌ من الله خيراً
إلا برحمته ، وليس يرجو الله خيرَ الناسِ ولا يخافُ شرَّهم ، ولا يعطِفُ الله على الناس إلا برحمتِهِ إياهم، إنْ مَكَروا
به أبادَ مكرَهم ، وإنْ خادعوه ردَّ عليهم خداعَهم ، وإنْ كاذبوه كُذِب بهم ، وإن أدبروا قطعَ دابرهم ، وإن أقبلوا قَبِل
منهم ، ولا يقبلُ منهم شيئاً من حيلة ، ولا مَكْر ، ولا خداع، ولا سُخط ، ولا مشادَّة ، وإنما يأتي بالخير من
الله تعالى رحمتُه ( في الحلية: (( ولا يستخرج أحد من الله شيئاً من الخير بحيلةٍ ولا مكرٍ ولا مخادعةٍ ولا أوبةٍ ولا
سخطٍ ولا مشاورةٍ ولكن يأتي بالخير من الله رحمته)). ) ؛ ومَنْ لم يبتغ الخيرَ من قبلِ رحمته لا يجدُ باباً غيرَ ذلك
يدخلُ منه ؛ فإنَّ الله تعالى لا ينالُ الخيرَ منه إلا بطاعته ، ولا يعطِفُ الله على الناس شيئاً إلا تعبدهم له ، وتضرعهم
إليه حتى يرحمهم، فإذا رَحِمَهم استخرجتْ رحمتُهُ منه حاجتهم ، وليس ينالُ الخيرَ من الله مِنْ وجهٍ غير ذلك ،
وليس إلى رحمة الله سبيلٌ تؤتى من قِبَله إلا تعبدَ العبادَ له وتضرعهم إليه ، فإنَّ رحمةَ الله عزَّ وجلَّ بابُ كلِّ خير يُبتَغَى
من قِبَلهِ ، وإنَّ مفتاحَ ذلك البابِ التضرُّعُ إلى الله عزَّ وجلَّ، والتعبُّد له ؛ فمنْ تركَ المفتاحَ لم يُفتح له ؛ ومن جاء
بالمفتاحِ فُتَح له به ؛ وكيف يُفتح البابُ بغير مفتاح؟ ولله خزائنُ الخيرِ كلِّه، وبابُ خزائنِ الله رحمتُهُ . ومفتاحُ رحمةٍ
الله التذلّلَ والتضرّع والافتقار إلى الله ؛ فمنْ حَفِظ ذلك المفتاح فتحت له الخزائن ودخل ، فله فيها ما تشتهي
الأنفس ، وتلذُّ الأعين ، وفيها ما تشاؤون ، وما تدعونَ في مقام أمين ، لا يجلون عنه ، ولا يخافون ، ولا
يَنْصَبُون ، ولا يَهرمون ، ولا يفتقرون، ولا يموتون، في نعيم مقيم، وأجرٍ عظيم ، وثوابٍ كريم ، نزلاً من غفورٍ
رحيم ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٩/٤، ٤٠). ).
وقال سفيان بن عُيَينة : قال وهب : أعوَنُ الأخلاقِ على الدِّين الزهادةُ في الدنيا ، وأسرعُها ردّاً اتباعُ الهوى ،
وحبُّ المالِ والشرف ؛ ومِنْ حُبِّ المالِ والشرف تُنتهكُ المحارم ، ومن انتهاكِ المحارم يَغْضَبُ الربّ، وغضَبُ الله
ليس له دواء ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤١/٤). ).
وقال : يقولُ الله تعالى في بعضٍ كتبه يعتبُ به بني إسرائيل: إني إذا أُطعت رَضيت ، وإِذا رَضيتُ باركتُ ، وليس =

١٢٠
وفيات سنة ١١٠ هـ
٠
لَبَّركتي نهاية، وإذا عُصيت غَضبت، وإذ غضبت لعنتُ، وإنَّ اللعنةَ مني تبلغُ السابعَ من الولد (أخرجه أبو نعيم في
=
الحلية (٤١/٤)، وأبو الفرج بن الجوزي في ذم الهوى ص (١٨٢)، وابن القيم في الجواب الكافي
ص (٣٤).).
وقال : كان في بني إسرائيل رجلٌ عصى الله عزَّ وجلَّ مئتي سنة ، ثم مات ، فأخذوا برِجلِه فألقَوْهُ على مزبلة ،
فأوحى الله إلى موسى أنْ صلِّ عليه ، فقال: يا ربِّ، إنَّ بني إسرائيل شهدوا أنه قد عصاك مئتي سنة . قال الله له :
نعم هكذا كان ، إلا أنه كان كلَّما نَشَر التوارةَ ورأى اسم محمد بِّهِ قَبَّله ووضعَهُ على عينيه، وصلَّى عليه ، فشكرتُ
ذلك له ، فغفرتُ له ذنوبَه، وزوَّجته سبعين حَوْراء ، كذا رُوي ، وفيه عِلَل ، ولا يصحُ مثلُه ، وفي إسناده غرابة ،
وفي مَتْنه نَكارةٌ شديدة ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٢).).
وروى ابنُ إدريس عن أبيه ، عن وهب قال : قال موسى : يا رب ، احبِنْ عنِّي كلامَ الناس ، فقال الله له :
يا موسى ، ما فعلتُ هذا بنفسي ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤٢). ).
وقال : لما دُعي يوسفُ إلى الملِك وقف بالباب وقال : حَسْبِي ديني من دنياي، حَسْبِي رَبِّي من خَلْقِه ، عزَّ
جارُك، وجلَّ ثناؤك ، ولا إله غيرك . ثم دخلَ على الملك، فلما نظر إليه الملك نزَل عن سريره، وخَرَّ له ساجداً ،
ثم أقعدَه الملكُ معه على السرير وقال: ﴿ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ (٥) قَالَ أَجْعَلْنِ عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِّ إِّ حَفِيظُ عَلِيمٌ ﴾
[ يوسف: ٥٤ - ٥٥ ]، حفيظُ بهذه السنين وما استودعتَني فيها، عليمٌ بلغةٍ منْ يأتيني ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٤ / ٤٢). ) .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا منذرُ بن النعمان الأفطس، أنه سمع وَهْباً يقول: لما أمرَ الله الحوت أن لا يضرَّه، ولا
يكلُّمَه - يعني يونس - قال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّمُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينِّ (١) لَبِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ﴾ [ الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]،
قال : من العابدين قبل ذلك ، فذكَّره الله بعبادتِه المتقدِّمة ، فلما خرج من البحر نام ، فأنبت الله شجرةٌ من يَقْطين ،
وهو الدَُّّاء، فلما رآها قد أظلَّته، ورأى خُضْرتها فأعجبَتْه، ثم نام ، فاستيقظ فإذا هي قد يَبِسَتْ ، فجعل يتحزَّنُ
عليها ، فقيل له : أنت لم تخْلُقْ ، ولم تسقِ ، ولم تُنبت ، وتحزَنُ عليها !؟ وأنا الذي خلقتُ منةَ ألفٍ من النار أو
يزيدون، ثم رَحِمْتُهم ، فشقَّ ذلك عليك ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤٢/٤، ٤٣) ، وذكره القرطبي في تفسيره
( ١٥/ ١٣٠) بنحوه. )؟!
وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن خالد الغسَّاني ، حدثنا رباح ، حدثني عبد الملك بن عبد المجيد بن
خشك ، عن وهب ، قال : لما أمر نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين قال : يا رب ، كيف أصنع بالأسد والبقر ؟
وكيف أصنع بالعناق والذئب ( العناق : الأنثى من أولاد المعزى إذا أتت عليه سنة . )؟ وكيف أصنع بالحمام
والهرِّ ؟ قال : من ألقى بينهم العداوة ؟ قال: أنت يا رب. قال : فإني أؤلّف بينهم حتى لا يتضرَّرون ( أخرجه أبو
نعيم في الحلية (٤٣/٤). ).
وقال وهب لعطاء الخراساني : ويحك يا عطاء! ألم أُخبَزْ أنك تحمل علمك إلى أبواب الملوك وأبناء الدنيا
وأبواب الأمراء ؟! ويحك يا عطاءٍ ، أتأتي من يغلق عنك بابه ، ويُظهرُ لك فقرَه ، ويواري عنك غناه ، وتترك باب
من يقول: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]؟ ويحك يا عطاء، إن كان يغنيك ما يكفيك، فأوهَى ( في
الحلية : ( فأدنى ) وهو أشبه بالصواب . ) ما في الدنيا يكفيك ، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك ، فليس في الدنيا
شيء يكفيك . ويحك يا عطاء ، إنما بطنك بحر من البحور ، ووادٍ من الأودية، لا يَمْلؤه شيءٌ إلَّ التراب ( أخرجه=