النص المفهرس

صفحات 1-20

الَّدُ الَّهُوَالنَّهَالِيَُّ
١٠١ هـ - ٢٠٠ هـ

الطبعة الثانية
1431 هـ - 2010
حقوق الطبع محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع
والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق
إلا بإذن خطي من
دار ابن
للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق - سوريا - ص.ب : 311
حلبوني - جادة ابن سينا - بناء الجابي
صالة المبيعات تلفاكس: 2225877 - 2228450
الإدارة تلفاكس: 2243502 - 2458541
بيروت - لبنان - ص.ب : 113/6318
برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي - بناء الحديقة
تلفاكس: 817857 01 - جوال : 204459 03
www.ibn-katheer.com
info@ibn-katheer.com
الموضوع تاریخ
العنوان: البداية والنهاية 20/1
التأليف: الإمام ابن كثير
التحقيق: مجموعة من العلماء
الورق: كريم
ألوان الطباعة: لونان
عدد الصفحات: 10128
القياس: 17×24
التجليد: فني - لوحة
الوزن: 15215 غ
التنفيذ الطباعي :
مطبعة ايبكس - بيروت
التجليد :
مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد - بيروت
ISBN: 978-9953-520-84-1
9 789953 520841

البَدَايَةِ وَالتَّهَايَ
١٠١ هـ - ٢٠٠ هـ
تأليف
الإمَامِ الْحَافِظِ المُورِّخ أبي الفِدَاءِ إسماعيل بن كثير
٧٠١ - ٧٧٤ هـ
حَقَّقَهُ وَفََّ أَصَادِنَّهُ وَعَلَّوَعَلَيْهِ
مأمون محمَّد سعيد الصاغرمي
رَاجَعَهُ
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط
الدكتور بشارعوادمعروف
الجُزْءُ الْعَاشِرُ
داز ابر كتير
رِقَشق - بَيْرُون

XX
13
تنبيه : الرموز المستخدمة : ح = الأحمدية . ب = برلين . ظ = الظاهرية .
ق = طبعة القاهرة .

٥
أحداث سنة ١٠١ هـ
ثم دخلت سنة إحدى ومئة
فيها كان هربُ يزيدَ بنِ المُهَلَّب من السجن حين بَلَغْهُ مرضُ عمرَ بن عبد العزيز ، فواعد غلمانَهُ يَلْقَوْنه
بالخيل في بعض الأماكن، وقيل بإبلٍ(١)، ثم نزل من مَحْبِسه ومعه جماعة، وامرأتُه عاتكةُ بنت الفُرَاتِ
العامريَّة ، فلما جاء غِلْمانُهُ رَكِبَ رَوَاحلَهُ وسار ، وكتب إلى عمرَ بنِ عبد العزيز : إنِّي والله ما خرجتُ من
سجنك إلَّ حين بَلَغني مرضُكَ ، ولو رَجْوتُ حياتَكَ ما خرَجْتُ ، ولكنِّي خَشِيتُ من يزيد بن عبد الملك
فإنَّه يتوَّدُني بالقَتْل ، وكان يزيد بن عبد الملك يقول : لئن وَلِيْتُ لأقطعنَّ من يزيدَ بنِ المهلَّبِ طائفة٢ً) ؛
وذلك أنه لما وَلِيَ العراقَ عاقبَ أصهارَهُ آل أبي عقيل ، وهم بيتُ الحَجَّاجِ بن يوسف الثَّقَفيّ ، وكان
يزيدُ بن عبد الملك مزوجاً [ بأمّ الحجّاجِ ﴿٣) بنتِ محمد بن يوسف [ أخي الحجاج بن يوسف](٣)، وله
منها ابنهُ الوليد بن يزيد الفاسق المقتول كما سيأتي .
ولما بلغَ عمرَ بنَ عبد العزيز أنَّ يزيدَ بن المهلَّب هرَبَ من السجن قال : اللهمَّ إنْ كان يُريدُ بهذه الأمَّةِ
سوءاً فاكفِهِمْ شرَّه، وازدُدْ كَيْدَه في نحرِه ، ثم لم يزلِ المرضُ يتزايدُ بعمرَ بنِ عبد العزيز حتى مات وهو
بِخُنَاصِرَة ، من دَيْرِ سمعان بين حماة وحَلَب ، في يوم الجمعة ، وقيل في يوم الأربعاء لخمس بقينَ من
رجب من هذه السنة - أعني سنةَ إحدى ومئة - عن تسع وثلاثين سنة وأشهر ، وقيل إنه جاوز الأربعين بأشهر
فالله أعلم .
وكانت خلافتُهُ فيما ذَكَر غيرُ واحدٍ سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام ، وكان حكماً مُقْسطاً ، وإماماً
عادلًا وورِعاً ديّناً ، لا تأخذُه في الله لومةُ لائم . رحمه الله تعالى .
(١) في (ح، ب): ((يلقونه إلى بعض الأماكن بإبلٍ له)) وليس فيهما ذكر الخيل.
في (ق): ((طائفة))، والمثبت من (ح، ب)، وقوله: لأقطعن منه طائفاً. أي بعض أطرافه . والطائفة:
(٢)
القطعة من الشيء . اللسان ( طوف ) .
(٣) ما بين حاصرتين زيادة من (ح، ب )؛ وهذه الزيادة مثال على زيادات كثيرة سوف تأتي ولا أشير إليها تخففاً من
الحواشي التي لا طائل وراءها فكل زيادة على ( ق) هي من (ح، ب، ظ ) ولا أثبت من هذه الزيادات إلا ما أراه
ضرورياً للنص ، وبالمقابل فإن في ( ق ) زيادات ليست مثبتة في (ح، ب ، ظ ) فأبقيتها على ما هي عليه.

٦
ترجمة عمر بن عبد العزيز
وهذه ترجمةُ عمر بن عبد العزيز الإمام المشهور رحمه الله(١)
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بنِ أمية بنِ عبد شمس بنِ عبدِ مَنَاف ،
أبو حفص القُرَشيُّ الأمويُّ المعروف، أميرُ المؤمنين ، وأمه أمّ عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن
الخطاب رضي الله عنهما . ويقال له : أشَجُّ بني مروان ؛ وكان يُقال : الأشُ والناقص أعْدَلا بني مروان ،
فهذا هو الأشج ، وسيأتي ذكر الناقص .
كان عمر تابعيّاً جليلاً ، روى عن أنس بن مالك ، والسائب بن يزيد ، ويوسف بن عبد الله بن سلام
- وهو صحابيٌّ صغير - وروى عن خلقٍ من التابعين . وعنه جماعةٌ من التابعين وغيرِهم .
قال الإمام أحمد بن حنبل : لا أرى (٢) قولَ أحدٍ من التابعين حُجَّةٌ إلا قولَ عمر بن عبد العزيز.
بويع له بالخلافة بعد ابنِ عمِّهِ سليمان بن عبد الملك ، عن عهْدٍ منه له في ذلك كما تقدَّم .
ويقال : كان مولده في سنة إحدى وستين ، وهي السنة التي قتل فيها الحُسين بن علي رضي الله عنهما
بمصر ؛ قاله غير واحد . وقال محمد بن سعد(٣) : ولد سنة ثلاثٍ وستين . وقيل : ولد سنة تسع
وخمسين . فالله أعلم .
وكان له جماعةٌ من الإخوة ، ولكنَّ الذين هم من أبويه ، أبو بكر ، وعاصم ، ومحمَّد .
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة ، عن يحيى بن معين ، عن يحيى بن بُكير ، عن الليث ، قال : بلَغَني أنَّ
عِمْران(٤) بن عبد الرحمن بن شُرَحْبيل بن حسنة ، كان يحدِّثُ أنَّ رجلاً رأى في المنام ليلةَ ولد عمر بن
عبد العزيز - أو ليلة وَلَيَ الخلافة شكَّ أبو بكر - أنَّ منادياً بين السماء والأرض ينادي: أتاكم اللِّينُ
(١) ترجمة عمر بن عبد العزيز في : سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ( ط أحمد عبيد) ، تاريخ يحيى بن معين
(٤٣٢/٢)، تاريخ خليفة (٢٨٦/١)، (٢٦١/٢)، التاريخ الكبير (١٧٤/٦)، المعرفة والتاريخ
(٥٦٨/١، ٦٢٠)، تاريخ الطبري (٥٦٥/٦، ٥٧٣)، الجرح والتعديل (١٢٢/٦)، الأغاني (٢٥٤/٩)،
حلية الأولياء (٢٥٣/٥) تاريخ ابن عساكر (١٠٠/٥٤)، طبقات الشيرازي (٦٤)، الكامل في التاريخ لابن
الأثير (٥٨/٥، ٦٦) مختصر ابن منظور (٩٨/١٩)، تهذيب الكمال (٤٣٢/٢١)، تاريخ الإسلام
(١٦٤/٤)، سير أعلام النبلاء (١١٤/٥)، تذكرة الحفاظ (١١٨/١)، الوافي بالوفيات (٥٠٦/٢٢)، العقد
الثمين (٣٣١/٦)، غاية النهاية (٥٩٣/١)، تهذيب التهذيب (٤٧٥/٧)، تاريخ الخلفاء ( ٢٢٨).
(٢)
في بعض النسخ : لا أدري .
(٣) في الطبقات (٣٣٠/٥).
(٤) هنا يبدأ خرم في (ب) وينتهي في ص (١٠) موضع الحاشية (١) وهو بمقدار صفحة من هذه النسخة ورقمها
(١١٦ / ب ) .

٧
ترجمة عمر بن عبد العزيز
والدِّين ، وإظهارُ العمل الصالح في المصلِّين. فقلت: ومَنْ هو؟ فنزل فكتب في الأرض ع م (١).
وقال آدمُ بن أبي إياس : حدثنا ضَمْرة ، حدثنا أبو علي ثَرْوان مولى عمر بن عبد العزيز . قال : دخل
عمر بن عبد العزيز إلى إصْطَبْلِ أبيه وهو غلام، فضربه فَرسٌ فشَجَّه ، فجعلَ أبوهُ يمسحُ الدَّمَ عنه ويقول :
إنْ كنتَ أشجَّ بني أمّيَّة إنَّكَ إذاً لسعيد . رواه الحافظ ابنُ عساكر من طريقِ هارونَ بنِ معروف عن
ضَمْرَةً(٢) .
وقال نُعيم بن حمَّد: حدثنا ضِمَامُ بن إسماعيل عن أبي قَبيل، أنَّ عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلامٌ
صغير ، فبلغ أمَّه ، فأرسلتْ إليه فقالت : ما يُبكيك ؟ قال : ذكرتُ الموت ، فبكَتْ أُمُّه . وكان قد جمع
(٢)
القرآن وهو غلام صغير
وقال الضخَّاك بن عثمان الحِزَامي(٣). كان أبوه قد جعلَه عند صالح بن كَيْسان يؤدِّبُه ، فلما حجَّ أبوه
اجتازَ به في المدينة فسأله عنه فقال: ما خَبَرْتُ أحداً الله أعظمُ في صدرِه من هذا الغلام(٤) .
وروى يعقوبُ بن سفيانُ(٥) ، أنَّ عمرَ بن عبد العزيز تأخّر عن الصلاة مع الجماعةِ يوماً ، فقال له
صالحُ بن كَيْسان : ما شغلَكَ ؟ فقال: كانت مُرَجِّلتي تُسكِّنُ شعري . فقال له : أقدَّمت ذلك على
الصلاة ؟ وكتب إلى أبيه وهو على مصر يُعلِمهُ بذلك، فبعث أبوه رسولًا، فلم يكلِّمْه حتى حلَقَ رأسه .
وكان عمر بنُ عبد العزيز يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمعُ منه، فبلغ عُبيدَ الله أنَّ عمرَ ينتقصُ
علياً ، وأتاه مَرَّةً فأعرض عنه وقام يُصلِّي ، فجلس عمرُ ينتظرُه ، فلما سلَّم أقبل على عمر مُغضباً وقال له :
متى بلغَكَ أنَّ الله سخطَ على أهلِ بَدْر بعدَ أنْ رضي عنهم ؟! قال ففهِمَها عمر وقال : معذرةً إلى الله ثم
إليك ، والله لا أعود . قال : فما سمع بعد ذلك يذكرُ عليّاً إلا بخير(٦)
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : حدثنا أبي ، حدثنا المفضَّل بن عبد الله ، عن داودَ بنِ أبي هند . قال :
دَخَلَ علينا عمرُ بن عبد العزيز من هذا الباب - يعني باباً من أبواب مسجد النبيِّينَ﴾(٢) - فقال رجل من
(١) تاريخ ابن عساكر (١٠٦/٥٤، ١٠٧ ).
(٢) تاريخ ابن عساكر (٥٤/ ١٠٧).
في (ق): ((الخزامي)) تصحيف ، والمثبت من ( ح ) والمشتبه وتبصير المنتبه .
(٣)
(٤)
تاريخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٠٧ ) .
في المعرفة والتاريخ (٥٦٨/١) . وفيه على خلاف في بعض الألفاظ.
(٥)
(٦)
تاریخ ابن عساكر ( ١٠٨/٥٤ ) بنحوه .
(٧) في (ق): ((وأشار إلى باب من أبواب مسجد النبي بَّر)) وما أثبته من (ح) وتاريخ ابن عساكر. وهكذا قد أغير
في متن ( ق ) بآخر من (ح ، ب، ظ ) عندما يوافق المصدر الذي سبق المؤلف ونقل عنه دونما إشارة إلى ذلك فهو
كثير تخففاً من الحواشي .

٨
ترجمة عمر بن عبد العزيز
القوم : بعث إلينا الفاسقُ بابنه هذا يتعلَّم الفرائضَ والسنن ، ويزعمُ أنه لن يموت حتى يكونَ خليفة ،
ويَسير بسيرةٍ عمرَ بنِ الخطّاب ! قال داود: واللهِ ما ماتَ حتى رأينا ذلك فيه(١).
وقال الزُّبير بن بكَّار : حدثني العُثْبِيُّ قال: إنَّ أولَ ما استُبينَ من رُشْدِ عمرَ بنِ عبد العزيز حِرْصُه على
العِلْم ، ورغبتُهُ في الأدب ، أنَّ أباه وَلي مصر وهو حديثُ السِّنّ ، يشكُّ في بلوغه ، فأراد أبوهُ إخراجَهُ مَعهُ
إلى مصر من الشام ، فقال : يا أبَهْ - أو غيرَ ذلك - لعلَّه يكونُ أنفعَ لي ولك ؟ قال : وما هو ؟ قال :
ترخِّلُني إلى المدينة ، فأقعد إلى فقهائها، وأتأذَّبَ بآدابهم ، فعند ذلك أرسله أبوه إلى المدينة ، وأرسلَ
معه الخُدَّام ، فقعد مع مشايخٍ قريش ، وتجئَّب شبابَهُم ، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر ذِكْرُه ، فلمَّا مات
أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فخلَطَهُ بولدِه ، وقدَّمه على كثيرٍ منهم ، وزوَّجَهُ بابنته
فاطمة ، وهي التي يقولُ الشاعرُ فيها :
بنتُ الخليفةِ والخليفةُ جدُّها أُخْتُ الخلائفِ والخليفةُ زوجُها
قال : ولا نعرف امرأة بهذه الصفة إلى يومنا هذا سواها .
قال العُثْبِيّ : ولم يكن حاسدُ عمرَ بنِ عبد العزيز ينقمُ عليه شيئاً سوى متابعته في النعمة ، والاختيالِ
في المشية ، وقد قال الأحنفُ بن قيس: الكامل من عُدَّتْ هفَوَاتُه، ولا تُعدُّ إلَّ من قلَّة. وقد ورث عمر
من أبيه من الأموالِ والمتاع والدواب هو وإخوتُه ما لم يرثْهُ غيرُه فيما نعلم ، كما تقدَّم ذلك ، ودخل يوماً
على عمِّه عبد الملك وهو يتجانَفُ في مشيته فقال له : يا عمر ما لك تمشي غيرَ مشيتك؟! قال: إن فيَّ
جُزْحاً ، فقال: وأينَ هو من جسدك؟ قال: بين الرَّانِفَةِ(٢) والصَّفَنِ - يعني بين طرَفِ الألْيَةِ وجِلْدَةٍ
الخُصْيَة - فقال عبدُ الملك لِرَوْحِ بنِ زِنْبَاع : تالله لو رجلٌ من قومك سُئل عن هذا ما أجابَ بمثل هذا
الجواب (٣) .
قالوا : ولما ماتَ عُّه عبدُ الملك حَزِنَ عليه ولبِسَ المُسوحَ تحت ثيابِهِ سبعينَ يوماً ، ولما وليَ الوليدُ
عامَلَهُ بما كان أبوهُ يعامله به ، وولاه المدينة ومكة والطائف من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين ،
وأقام للناس الحجّ سنةَ تسعٍ وثمانين ، وسنة تسعين ، وحجَّ الوليدُ بالناس سنة إحدى وتسعين ، ثم حج
بالناس عمرُ سنة ثنتين وثلاثٍ وتسعين (٤).
وبنى في مُدَّة ولايته هذه مسجدَ النبيِّ وَّرِ .. ووسَّعه عن أمرِ الوليدِ له بذلك، فأدخل فيه الحُجْرة
(١) تاريخ ابن عساكر (١٠٩/٥٤).
(٢) في (ق): ((الرائقة )) بالقاف ، وهو تصحيف.
(٣) انظر تاريخ ابن عساكر (١٠٩/٥٤).
(٤) انظر تاريخ ابن عساكر (١١٠/٥٤).

٩
ترجمة عمر بن عبد العزيز
النبويَّة ، وقد كان في هذه المدَّة من أحسن الناسِ معاشرةً، وأعدَلِهِم سيرةً، كان إذا وقَعَ له أمرٌ مُشكلٌ
جمَعَ فقهاءَ المدينة عليه ، وقد عيَّنَ عشرةً منهم ، وكان لا يقطعُ أمراً بدونهم ، أو منْ حضر منهم ،
وهم : عروة ، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ،
وأبو بكر بن سليمان بن [ أبي ] حَثْمَةُ(١) ، وسُليمان بن يسار ، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن
محمد بن عمرو بن حَزْم ، وسالم بن عبد الله ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة ، وخارجة بن زيد بن ثابت .
وكان لا يخرجُ عن قولِ سعيدِ بن المُسَيِّب ، وقد كان سعيد بن المسيِّب لا يأتي أحداً من الخلفاء ، وكان
يأتي إلى عمرَ بنِ عبد العزيز وهو بالمدينة .
قال ابن وَهْب : عن عبد الجبار الأيلي ، عن إبراهيم بن أبي عبْلَة: قدمتُ المدينة وبها ابنُ المُسَيِّب
وغيره ، وقد بَذَّهمُ(٢) عمر يومئذٍ رَأْي٣ُ).
وقال ابنُ وَهْب : حدّثني اللَّيث، حدّثني قادِمٌ الْبَرْبَرِيّ أنه ذاكرَ ربيعةً بن أبي عبدِ الرحمن يوماً شيئاً
من قضاء٤ٍ) عمرَ بنِ عبد العزيز إذْ كانَ بالمدينة ، فقال له الربيع : كأنك تقول : أخطأ ، والذي نفسي بيده
ما أخطأ قط .
وثبَتَ من غيرِ وَجْهٍ عن أنسِ بنِ مالك. قال: ما صلَّيتُ وراءَ إمام قط أشبهَ بصلاةِ رسولِ الله وَُّلّ من
هذا الفتى - يعني عمرَ بن عبد العزيز - حين كانَ على المدينة . قالوا : وكان يُتمُّ الركوعَ والسجود ويخفِّفُ
القيام والقعود(٥) .
وفي روايةٍ صحيحة : أنه كان يُسبِّح في الركوع والسُّجود عشراً عشراً .
وقال ابنُ وَهْب : حدّثني الليث ، عن أبي النَّضْرِ المَدِيني، قال : رأيتُ سليمانَ بنَ يسار خارجاً من
عندِ عمرَ بنِ عبد العزيز فقلت له : مِن عند عمر خرجتَ ؟ قال : نعم ! قلت : تعلُّمونه ، قال : نعم ،
فقلت : هو والله أعلمكم(٦) .
(١) في (ق): ((خيثمة))، وفي (ح): ((حزم)) وكلاهما تصحيف ، والمثبت من تاريخ ابن عساكر وترجمته في
تهذيب الكمال (٩٣/٣٣) والإكمال.
(٢) في ( م ) ندبهم.
في أول الخبر سقط وفي آخره تصحيف وتحريف في ( ق ) والاستدراك والتصحيح من (ح) ويعضدها ما جاء في
(٣)
تاريخ ابن عساكر ( ١١٢/٥٤ ).
في (ق): ((قضايا))، والمثبت من (ح ) وتاريخ ابن عساكر. ومثل هذا التصحيف كثير في هذا الجزء وسوف
(٤)
أصححه من غير ما إشارة إليه فيما سيأتي تخففاً من الحواشي .
تاريخ ابن عساكر ١١٤/٥٤ .
(٥)
تاريخ ابن عساكر ٥٤/ ١١٧ .
(٦)

١٠
ترجمة عمر بن عبد العزيز
وقال مجاهد : أتينا عمرَ نعلِّمه، فما برِحْنا حتى تعلَّمن(١) منه . وقال ميمونُ بن مِهْرَان : كانت
العلماءُ عند عمرَ بنِ عبدِ العزيز تلامذةً(٢) .
وفي روايةٍ : قال ميمون : كان عمرُ بن عبد العزيز معلِّمَ العلماء(٣).
وقال اللَّيث : حدّثني رجلٌ كان قد صحب ابنَ عمرَ وابنَ عباس ، وكان عمر بن عبد العزيز يستعملُه
على الجزيرة ، قال : ما التمَسْنا علمَ شيءٍ إلَّ وجَدْنا عمرَ بن عبدِ العزيز أعلمَ الناس بأصله وفرعه ، وما
كان العلماء عند عمر بن عبد العزيز إلا تلامذة .
وقال عبد الله بن طاوس : رأيتُ أبي تواقَفَ هو وعمر بنُ عبد العزيز من بعد صلاة العشاء حتى
أصبحنا ، فلما افترَقًا قلت : يا أبه من هذا الرجل ؟ قال هذا عمر بن عبد العزيز ، وهو من صالحي هذا
البيت - يعني بني أمية(٤) -.
وقال عبدُ اللهِ بن كثير: قلت(٥) لعمرَ بنِ عبد العزيز: ما كان بَدْءُ إنابتك؟ قال : أردتُ ضربَ غلامِ
لي فقال لي : اذكُرْ ليلةً صَبيحتُها يومُ القيامة (٣).
وقال الإمام مالك : لما عُزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة - يعني في سنةِ ثلاثٍ وتسعين - وخرج
منها التفَتَ إليها وبكى. وقال لمولاه: يا مُزَاحِم، نخشى أن نكونَ ممن نفَتِ المدينة (٦) - [ يعني أن
المدينة تنفي خُبْثَها كما يَنْفي الكِيرُ خَبَث الحديد - وينصع طِيبُها ] .
قلتُ: خرجَ من المدينة فنزل بمكانٍ قريب منها يقال له السويداء حينا٧ً) . ثم قدم دمشق على بني عمِّه.
قال محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبي حكيم . قال : سمعت عمر بن عبد العزيز يقول : خرجتُ
من المدينة وما من رجلٍ أعلم مني ، فلمَّا قدمتُ الشام نُسِّيت(٣).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا عفَّان، حدّثنا حماد بن زيد، عن معمر ، عن الزُّهْرِيّ قال: سهرتُ مع
(١) هنا ينتهي الخرم المشار إليه في ص (٦) موضع الحاشية (٤).
(٢)
تاريخ ابن عساكر ٥٤/ ١١٧ .
(٣)
تاريخ ابن عساكر ( ١١٨/٥٤ ) .
(٤)
تاريخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٢٠) .
في تاريخ ابن عساكر: ((قيل)) بدل ((قلت)).
(٥)
إلى هنا الخبر في تاريخ ابن عساكر (١٢٠/٥٤) بنحوه ، وما يأتي بين معقوفين ليس في (ح ، ب ) ولا تاريخ ابن
(٦)
عساكر . وهو مثبت من ( ق ) وحسب .
(٧) السويداء أرض كان يملكها عمر بن عبد العزيز، واستنبط فيها من عطائه عين ماءٍ ، وله فيها قصر مبني وهي على
ليلتين من المدينة [ معجم البلدان ] . ولما تنازل لبيت المال عن جميع ما ورثه عن آبائه أبقى ( السويداء )
و ( خيبر ) لأنه اطمأنّ إلى أنهما حلال خالص ليس فيه أية شبهة . وكان وهو خليفة يأكل من غلتها وينفق ما يزيد عن
الضرورة . انظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص (٦١، ٦٢) وتاريخ ابن عساكر (١٤٦/٥٤).

١١
ترجمة عمر بن عبد العزيز
عمرَ بنِ عبد العزيز ذاتَ ليلة فحدَّثته، فقال: كلُّ ما حدثتَ فقد سمعتُه، ولكنْ حفظتَ ونُسّيتُ(١).
وقال ابن وَهْب ، عن اللَّيث، عن عقيل، عن الزُّهري قال : قال عمر بنُ عبد العزيز : بعث إليَّ
الوليد ذاتَ ساعةٍ من الظهيرة ، فدخلتُ عليه ، فإذا هو عابس ، فأشار إليَّ أن اجلسْ ، فجلستُ بين يديه
فقال : ما تقولُ فيمنْ يَسُبُّ الخلفاء أيُقتل؟ فسكتُّ، ثم أعادَ فسكتُ ، ثم أعادَ فقلت: أقَتَل يا أميرَ
المؤمنين ؟ قال : لا، ولكنْ سبَّ، فقلت: يُتَكَّلُ به ، فغَضِبَ وانصرف إلى أهله، وقال لي ابنُ الرَّيَّان
السيَّافُ: اذهَبْ . قال : فخرجتُ من عندِه وما تهبُّ ريحٌ إلا وأنا أظنُّ أنه رسولٌ يردُّني إليه .
وقال عثمان بن زُفَر(٢) : أقبل سليمان بن عبد الملك وهو أميرُ المؤمنين ومعه عمر بن عبد العزيز على
معسكر سليمان ، وفيه تلك الخيول والجمال والبغال والأثقال والرجال ، فقال له سليمان : ما تقولُ
يا عمرُ في هذا؟ فقال: أرى دنيا يأكلُ بعضُها بعضاً وأنت المسؤول عن ذلك كلِّه ، فلما اقتربوا من
المعسكر إذا غرابٌ قد أخذ لقمة في فيه من فسطاط سليمان وهو طائرٌ بها ، ونَعَبَ نعبةً ، فقال له سليمان :
ما تقولُ في هذا يا عمر ؟ فقال : لا أدري ، فقال : ما ظنُّك أنه يقول ؟ قال(٣): كأنَّه يقول : من أين
جاءَتْ وأين يُذْهَبُ بها ؟ فقال له سليمان : ما أعجبَك؟ فقال عمر: أعجَبُ مِنِّي مَنْ عَرَف الله فعصاه ،
ومن عرف الشيطانَ فأطاعَه ، ومن عرف الدنيا فركن إليها٤).
وتقدَّم أنه لما وقف سليمانُ وعمر بعَرَفَة٥ُ) ، فجَعَلَ سليمان يعجبُ من كثرة الناس ! فقال له عمر :
يا أمير المؤمنين ، هؤلاء رعيَّتُكَ اليوم وأنت مسؤولٌ عنهم غداً. وفي رواية : وهم خصماؤك يومَ
القيامة . فبكى سليمان وقال : بالله نستعين .
وتقدم أنه لما أصابهم في بعض الأسفار رَعْدٌ شديد ، وبَرْقٌ وظلمةٌ شديدة ، فجعل عمر يضحك من
ذلك ، فقال له سليمان : أتضحك ونحن فيما ترى ؟! فقال : نعم هذه آثارُ رحمتِهِ ونحنُ في هذه الحال ،
فكيف بآثارِ غضَبه وعقابِه ؟
وذكر الإمام مالك ، أنَّ سليمان وعُمر تقاولا مرَّةً فقال له سليمان في جملةِ الكلام : كذبتَ ، فقال :
تقول لي كذبت ؟ والله ما كذبتُ منذُ عرفتُ أنَّ الكذبَ يضرُ أهلَه . ثم هجره عمر وعزم على الرحيل إلى
تاريخ ابن عساكر ( ١٢٠/٥٤ ).
(١)
(٢) في (ح، ق): (( عثمان بن زبر)) تصحيف والمثبت من (ب) وتاريخ ابن عساكر ١٢١/٥٤ وترجمته فيه
( ٤٥ / ٢١٧ ) .
(٣) فى (ق): ((قلت)) تصحيف ، والمثبت من ( ح، ب ) وتاريخ ابن عساكر.
(٤)
الخبر في تاريخ ابن عساكر ( ١٢١/٥٤) بنحوه .
(٥) انظر ١٧٩/٩ (ق ).

١٢
ترجمة عمر بن عبد العزيز
مصر ، فلم يمكِّنه سليمان ، ثم بعث إليه فصالحه وقال له : ما عَرَض لي أمرٌ يهمُّني إلا خطرتَ على
بالي (١) .
وقد ذكرنا٢) أنَّه لما حضرتْ سليمان بن عبد الملك الوفاة أوصى بالأمر من بعده إلى عمر بن
عبد العزيز ، فانتظم الأمر على ذلك ، ولله الحمد .
فصل
وقد كان منتظراً فيما يؤثر من الأخبار(٣)
قال أبو داود الطيالسي : حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجِشُون ، حدّثنا عبد الله بن
دينار قال : قال ابنُ عمر : يا عجباً !! يزعمُ الناسُ أنَّ الدنيا لا تنقضي حتى يليَ رجلٌ من آلٍ عمر ، يعمل
بمثلٍ عَملِ عمر ، قال : وكانوا يرَونَهُ بلالَ بنَ عبد الله بن عمر - قال : وكان بوجهه أثر - فلم يكنْ هو ،
وإذا هو عمر بن عبد العزيز ، وأمُّه ابنةُ عاصم بن عبد الله بن عمر بنِ الخطاب(٤) .
وقال البيهقي(٥) : أنبأ الحاكم ، أنبأ أبو حامد أحمد بن علي المقرىء ، حدّثنا أبو عيسى الترمذي،
حدّثنا أحمد بن إبراهيم ، حدّثنا عفان، حدّثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق ، عن جويرية بن أسماء ،
عن نافع ، قال: بلَغَنا أنَّ عمر بن الخطاب قال: إنَّ من ولدي رجلاً بوجهِه شَيْن ، يَلي فيملأُ الأرضَ
عدلاً . قال نافع من قِبَله : ولا أحسبُه إلَّ عمرَ بنَ عبد العزيز .
ورواهُ مبارك بن فضالة عن عبيد الله عن نافع ، قال : كان ابنُ عمر يقول : ليت شعري مَنْ هذا الذي
من ولدِ عمر في وجهه علامة يملأُ الأرضَ عَدْلًا(٦) ؟
قال وهيب بن الورد : بينما أنا نائمٌ رأيتُ كأنَّ رجلاً دخلَ من باب بني شيبةً وهو يقول : يا أيها
الناس ! ولي عليكم كتاب الله . فقلت : مَنْ ؟ فأشار بيده إلى ظهره ، فإذا مكتوبٌ عليه ع م ر ؛ قال:
فجاءَتْ بيعةُ عمر بن عبد العزيز(٧) .
وقال: بَقِيَّةُ عن عيسى بن أبي رَزين: حدّثني الخُزَاعي عن عمر بن عبد العزيز، أنه رأى رسول الله وَيه
(١) انظر تاريخ ابن عساكر (٥٤/ ١٢٢).
(٢) انظر ٩/ ١٨١، ١٨٢ (ق ).
هذا العنوان ليس في (ح ) ، وهو من ( ب ، ق ) .
(٣)
الخبر في تاريخ ابن عساكر (١٢٣/٥٤) من طريق الطيالسي وغيره .
(٤)
في دلائل النبوة ( ٦ / ٤٩٢).
(٥)
(٦)
تاريخ ابن عساكر (١٢٣/٥٤ ).
تاريخ ابن عساكر ( ١٢٤/٥٤) عن حلية الأولياء (٣٣٧/٥).
(٧)

١٣
ترجمة عمر بن عبد العزيز
في روضةٍ خضراء فقال له : (( إنَّك سَتَلي أمرَ أمتي فرُغْ عن الدم، فرُغْ عن الدمُ(١)، فإنَّ اسمك في الناس
عمر بن عبد العزيز ، واسمك عند الله جابر)) .
وقال أبو بكر بن المقري : حدّثنا أبو عَرُوبة الحسين بن محمد بن مَوْدود الحرَّاني ، حدّثنا أيوب بن
محمد الوزَّان، حدّثنا ضَمْرة بن ربيعة، حدّثنا السَّريُّ بن يحيى، عن رياح بن عبيدة . قال : خرج
عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة ، وشيخ متوكّىٌ على يده ، فقلت في نفسي: إنَّ هذا الشيخ جافٍ ، فلمَّا
صلَّى ودخل لحقتُه فقلت : أصلحَ الله الأمير ، من هذا الشيخ الذي كان متكئاً على يدك ؟ فقال : يا رياح
رأيتَه ؟ قلت: نعم! قال : ما أحسبك يا رياح إلَّ رجلاً صالحاً ، ذاك أخي الخَضر ، أتاني فأعلمني أنّي
سألي أمرَ هذه الأمة ، وأني سأعدلُ فيها ٢) .
وقال يعقوب بن سفيان(٣): حدّثنا أبو عمير، حدّثنا ضمرة، عن علي بن أبي حملة (٤) عن
أبي أعْيَسُ(٥) ، قال : كنتُ جالساً مع خالد بن يزيد بن معاوية فجاء شاب عليه مُقَطَّعات (٦) فأخذ بيدِ
خالد ، فقال : هل علينا من عَيْن ؟ فقال أبو أعْيَس : فقلت عليكما من الله عينٌ بصيرة ، وأُذنٌّ سميعة ،
قال : فترقرقَتْ عينا الفتى، فأرسلَ يده من يدِ خالد وولَّى ، فقلت : من هذا؟ قال : هذا عمر بن
عبد العزيز ، ابنُ أخي أميرِ المؤمنين ، ولئن طالَتْ بك حياة لتريَّه إمامَ هُدى .
قلتُ : وقد كان عند خالد بن يزيد بن معاوية شيءٌ جيِّدٌ من أخبار الأوائل وأقوالهم ، [ وكان ينظر في
النجوم والطب]٧) . وقد ذكرنا في ترجمة سليمان بن عبد الملك(٨) أنه لما حضرَتْهُ الوفاة عزَمَ أن يكتب
العهد باسم أحد أولاده ، فما زال به وزيرُه الصادق رجاء بن حَيْوَة حتى صرفه عن ذلك وأشار عليه أن
يجعل الأمر من بعده لأصلح الناس لهم ، فألهم الله الخليفة رشده فعيَّن لها ابن عمه عمرَ بن عبد العزيز
(١) في (ق): ((فزع عن الدم)) والمثبت من (ح، ب) وتاريخ ابن عساكر (١٢٤/٥٤) ومعناهما متقارب.
(٢)
تاريخ ابن عساكر ( ٥٤ / ١٢٤ ) .
في المعرفة والتاريخ (٥٧٨/١) ونقله عنه ابن عساكر في التاريخ (١٢٤/٥٤، ١٢٥)، وأخرجه أحمد في الزهد
(٣)
ص (٢٩٠، ٢٩١) بنحوه .
في (ق): ((علي بن خولة)) تصحيف، والمثبت من ( ح، ب ) وتاريخ ابن عساكر وترجمته في تاريخ ابن عساكر
(٤)
المختصر ( ٢٧٦/١٧) .
(٥) في (ق): ((أبي عنبس))، وفي (ح) بالإهمال، وفي (ب): ((عن أبي الأعبس)) بالباء الموحدة في
الموضعين ، والمثبت من تاريخ ابن عساكر وترجمته في الإكمال (١٠٠/١) وتهذيب الكمال (١٥٠/١٧
و٤٧/٣٣) ، وهو أبو الأعيس الخولاني اسمه عبد الرحمن بن سلمان من أصحاب عمر بن عبد العزيز ، يروي عنه
وعن خالد بن يزيد بن معاوية .
(٦) المقطّعات: القصار من الثياب، الواحد: ثوب، ولا واحد له من لفظه، أو بُرد عليه وشي. القاموس (قطع).
(٧) ما بين معقوفين ليس في (ب، ح)، وهو مثبت من (ق).
(٨) انظر ٩/ ١٨١، ١٨٢ (ق) وموضع الحاشية (٢) من الصفحة السابقة. والعبارة المثبتة من ( ب، ح ).

١٤
ترجمة عمر بن عبد العزيز
فجوَّد رأيه رجاء بن حيوة وصوَّبه ، وكتب سليمان العهد من بعده لعمر بن عبد العزيز في صحيفة
وختمها ، ولم يشعر بذلك عمر ولا أحدٌ من بني مروان سوى الخليفة سليمان والوزير رجاء ، ثم أمر
صاحبَ الشرطة بإحضار الأمراء ورؤوس الناس من بني مروانَ وغيرهم ، فبايعوا سليمان على ما في
الصحيفة المختومة ، ثم انصرفوا ، ثم لما مات الخليفة استدعاهم رجاءُ بن حَيْوةً فبايعوا ثانية لمن في
الصحيفة ثم فتحَها فقرأها عليهم ، فإذا فيها البيعة لعمر بن عبد العزيز ، فأخذوهُ فأجلسوه على المِنْبر
وبايعوه فانعقدت له البيعة .
وقد اختلف العلماءُ في مثل هذا الصنيع في الرجل يُوصي الوصيّةَ في كتاب ، ويُشهد على ما فيه ، من
غيرِ أن يُقرأ على الشهود . ثم يشهدون على ما فيه فيُنفَّذ ، فسؤَّغَ ذلك جماعاتٌ من أهل العلم ، قال
القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجَريري : أجاز ذلك وأمضاه ، وأنفذ الحكم به جمهورُ أهلِ
الحِجاز ، ورُوي ذلك عن سالم بن عبد الله . وهو مذهب مالك ومحمد بن مسلمة المخزومي ،
ومكحول ، ونمير بن أوس ، وزُرعة بن إبراهيم ، والأوزاعي ، وسعيد بن عبد العزيز ، ومن وافقهم من
فقهاء الشام . وحكى نحو ذلك خالدُ بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه وقضاة جُندِه ؛ وهو قول الليث بن سعد
فيمن وافقه من فقهاء أهلِ مصر والمغرب ، وهو قول فقهاءِ أهل البصرة وقضاتهم . ورُوي عن قتادةَ ،
وعن سؤَّار بن عبد الله ، وعبيد الله بن الحسن ، ومعاذ بن معاذ العَنْبريّ فيمن سلك سبيلهم ؛ وأخذ بهذا
عددٌ كثيرٌ من أصحابِ الحديث ، منهم أبو عبيد وإسحاق بن راهويه . قلت : وقد اعتنى به البخاري في
صحيحه .
قال المعافى الجَرِيري : وأبَى ذلك جماعةٌ من فقهاءِ العراق ، منهم إبراهيم وحماد والحسن ، وهو
مذهب الشافعي وأبي ثَوْر قال : وهو قول شيخِنا أبي جعفر ، وكان بعضُ أصحابِ الشافعي بالعراق يذهب
إلى القول الأول . قال الجَريري : وإلى القول الأول نذهب (١) .
وتقدَّمُ(٢) أن عمر بن عبد العزيز لما رجع من جنازة سليمان أُتي بمراكب الخلافة ليركبها فامتنع من
ذلك وأنشأ يقول :
فلولا التَُّى ثم النُّهى خشيةَ الرَّدَى لعاصَيْتُ في حُبّ الصِّبَا كلَّ زاجِر
قَضَى ما قَضى فيما مَضَى ثم لا تُرَى له صبوة أخرى الليالي الغوابر
ثم قال : ما شاءَ الله لا قوة إلا بالله . قدِّموا إليَّ بغلتي.
(١) ساق اختلاف العلماء في ذلك ابن عساكر في تاريخه (٥٤/ ١٣٢). نقلاً عن المعافى بن زكريا الجريري .
(٢) انظر ٩/ ١٨٣ (ق). وليس فيه ذكر البيتين، والخبر والبيتان في تاريخ ابن عساكر (١٣٥/٥٤، ١٣٦).

١٥
ترجمة عمر بن عبد العزيز
ثم أمر ببيع تلك المراكب الخليفيَّة فيمن يزيد ، وكانت من الخيول الجياد المثمَّنة ؛ فباعها وجعل
أثمانها في بيت المال .
قالوا : ولما رجع من الجنازة وقد بايعه الناس واستقرَّتِ الخلافة باسمه ، انقلب وهو مغتمٌّ مهموم ،
فقال له مولاه : مالك هكذا مغتماً مهموماً وليس هذا بوقت هذا ؟ فقال : ويحك ! وما لي لا أغتمُّ وليس
أحدٌ من أهل المشارق والمغاربِ من هذه الأمة إلا وهو يطالبُني بحقِّه أنْ أُؤْدِّيهُ إليه ؛ كتبَ إليَّ في ذلك أو
لم يكتبْ ، طلبه مني أو لم يطلبْ؟! قالوا : ثم إنه خَيَّرَ امرأته فاطمةَ بَيْنَ أنْ تُقيمَ معه على أنه لا فراغ له
إليها ، وبَيْنَ أنْ تلحقَ بأهلها ؛ فبكَتْ وبكى جواريها لبكائها ، فسمعت ضجة في داره ، ثم اختارت مقامها
معه على كلِّ حالٍ رحمها الله .
وقال له رجل : تفرُغُ لنا يا أمير المؤمنين ؟ فأنشأ يقول :
قدْ جاءَ شغلٌ شاغلُ وعدَلْتَ عن طرقِ السلامَةْ
غَ لنا إلى يومِ القيامَهُ(١)
ذهبَ الفراغُ فلا فرا
وقال الزُّبير بن بكَّار : حدّثني محمد بن سلاَّم عن سلاَّم بن سُليم قال : لما وَلي عمر بن عبد العزيز
صعِدَ المنبر وكان أوَّل خطبةٍ خطبَها ، حمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ، من صحبنا فليصحَبْنا
بخمس ، وإلَّ فَلْيفارِقْنا. يَرفع إلينا حاجةَ مَنْ لا يستطيعُ رفعَها ، ويُعيننا على الخير بجهده ، ويدلُّنا من
الخير على ما لانهتدي إليه ؛ ولا يغتابنَّ عندنا الرعيَّة ، ولا يعرضنَّ فيما لا يعنيه . فانقشع عنه الشعراءُ
والخطباء ، وثبتَ معه الفقهاءُ والزُّهَّاد، وقالوا : ما يسَعُنا أن نفارقَ هذا الرجلَ حتى يخالفَ فعله
قوله(١) .
وقال سفيانُ بن عيينة : لما ولي عمرُ بن عبد العزيز بعث إلى محمد بن كعب ورجاءٍ بن حَيْوَة
وسالم بن عبد الله فقال لهم : قد ترَوْنَ ما ابتُليتُ به ، وما قد نزلَ بي ، فما عندكم ؟ فقال محمد بن
كعب : اجعل الشيخَ أباً ، والنَّصَفَ أخاً ، والشابًّ ولد(٢) ، فِرَّ أباك وصِلْ أخاك، وتعطّفْ على ولدِك.
وقال رجاء : ارضَ للناسِ ما تَرْضَى لنفسك ، وما كرهتَ أن يؤتى إليك فلا تأتِهِ إليهم ، واعلم أنك
أوَّل خليفةٍ تموت .
(١) تاريخ ابن عساكر (١٣٨/٥٤) .
في (ح): ((والضعيف أخاً والشابَّ ولداً))، وفي (ب): (( والضيف أخاً والشابَّ ولداً))، وفي ( ق):
(( والشاب أخاً والصغير ولداً))، والمثبت من تاريخ ابن عساكر (١٣٩/٥٤)، والنصف : الكهل ، كأنه بلغ نصف
عمره . اللسان ( نصف ) .
(٢)

١٦
ترجمة عمر بن عبد العزيز
وقال سالم : اجعلِ الأمر يوماً واحداً ، وصُمْ فيه عن شهواتِ الدنيا ، واجعلْ آخرَ فِطْرِك فيه الموت ،
فكأنّ قد . فقال عمر: لا حول ولا قوة إلا بالله(١) .
وقال غيرُه : خطب عمر بن عبد العزيز يوماً الناسَ فقال - وقد خنقَتْهُ العَبْرة - : أيُّها الناس أصلحوا
آخرتَكم يُصلح لكم دنياكم، وأصلحوا سرائركم يُصلح لكم علانيتكم ، والله إنَّ عبداً ليس بينه وبين آدمَ أبٌ
إلَّا قد مات، إنه لمُعْرَقٌ له في الموت (٢).
وقال في بعض خطبه : كم من عامٍ موثقٍ(٣) عمَّا قليلٍ يَخْرَب ، وكم من مقيم مغتبطٍ عمَّا قليلٍ
يظعَن . فأحسِنوا رحمكم الله من الدنيا٤) الرِّحلةَ بأحسنِ ما بحضرَتِكم من النُّقَلة ، بيناً ابنُ آدمَ في الدنيا
ينافسُ قرير العين فيها قائع ، إذْ دعاهُ الله بقدَرِه ، ورماه بيوم حَتْفه ، فسلبه آثاره ودُنياه ، وصيَّر إلى قومٍ
آخرينَ مصانعه ومَغْناه، إنَّ الدُّنيا لا تَسُؤُ بقدَرِ ما تَضُرّ ، تسرُ قليلاً وتُحزِن طويلاً .
وقال إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر قال : لما استخلف عمر بن عبد العزيز قام في الناس
خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس! إنه لا كتابَ بعد القرآن، ولا نبيَّ بعد محمدٍ بَِّ ، وإني
لستُ بقاضٍ ، ولكنِّي مُنفَّذ، وإني لستُ بمُبتدع، ولكنِّي متَّبع، إنَّ الرجل الهاربَ من الإمام الظالمٍ ليس
بظالم ، ألا أنَّ الإمامَ الظالمَ هو العاصي ، ألا لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالقِ عزَّ وجلّ(٥) .
وفي روايةٍ أنه قال فيها : وإني لستُ بخيرٍ من أحدٍ منكم ، ولكنِّي أثقلكم حملا ، ألا لا طاعةً لمخلوق
في معصية الله ، ألا هل أسمعت .
وقال أحمد بن مروان : حدّثنا أحمد بن يحيى الحلواني ، حدّثنا محمد بن عبيد، حدّثنا إسحاق بن
سليمان ، حدّثنا شعيب بن صفوان حدّثني ابنٌ لسعيد بنِ العاص قال : كان آخر خطبة خطبها عمر بن
عبد العزيز، حَمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنَّكم لم تُخلقوا عبئاً ، ولم تُتركوا سُدَى، وإنَّ لكم
معاداً ينزل الله فيه للحكم فيكم والفَصْل بينكم، فخابَ وخسِرَ منْ خرج من رحمةِ الله تعالى، وحُرم جنّة
عَرْضُها السمواتُ والأرض ، ألم تعلموا أنه لا يأمنُ غداً إلا من حَذِرَ اليومَ الآخِرَ وخافه ، وباع نافِداً
باقٍ(٦)، وقليلاً بكثير، وخوفاً بأمان ، ألا ترَوْنَ أنَّكم في أسلاب الهالكين ، وستكون من بعدِكم
تاريخ ابن عساكر ( ١٣٩/٥٤).
(١)
تاريخ ابن عساكر (١٤٠/٥٤). وقوله: ((معرق له في الموت)) أي: إنَّ له فيه عرقاً وأنه أصيل في الموت.
(٢)
النهاية ( عرق ) .
(٣)
في ( م ) مؤنّق .
في (ح، ب) وتاريخ ابن عساكر (١٤٠/٥٤): ((فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة))، والمثبت من ( ق).
(٤)
(٥)
تاریخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٤٠) .
في ( ق): ((وباع فانياً بباق، ونافذاً بما لا نفاد له، وقليلاً بكثير)»، والمثبت من ( ح، ب ) وتاريخ ابن عساكر
(٦)
( ٥٤ / ١٤٢ ) .

١٧
ترجمة عمر بن عبد العزيز
للباقين ، كذلك حتى تُرَدَّ إلى خيرِ الوارثين ؛ ثم إنكم في كلِّ يوم تُشَيِّعُون غادياً ورائحاً إلى الله لا يرجع ،
قد قَضَى نحبه ، حتى تُغَيِّوه في صَدْعٍ من الأرض، في بطنِ صَدْعٍ غير مُوَسَّد ولا مُمَّد ، قد فارق
الأحباب ، وباشَرَ التراب وواجه الحساب ، فهو مُرْتَهنٌ بعمله ، غنيٌّ عما ترك ، فقيرٌ إلى ما قدَّم ، فاتقوا
الله قبل انقضاءِ مُراقبته، ونزولٍ(١) الموت بكم ، أما إني أقول هذا، ثم وضع(٢) طَرَف ردائه على وجهه ،
فبكى وأبكى مَنْ حوله (٣) .
وفي رواية : وايمُ الله ، إني لأقول قولي هذا ولا أعلم عند أحدٍ منكم من الذنوبِ أكثرَ مما أعلم من
نفسي ، ولكنها سُننٌ من الله عادلة ، أمرَ فيها بطاعته ، ونهى فيها عن معصيتِه ، وأستغفرُ الله ، ووضع كُمَّه
على وجهه فبكى حتى بلَّ لحيته ، فما عاد لمجلسه حتى مات رحمه الله(٤).
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا عن عمرَ بن عبد العزيز أنه رأى رسولَ اللهِ وَّل في النوم وهو يقول له :
(((ادْنُ يا عمر، ادن يا عمر، ادن يا عمر، قال: فدنوتُ حتى خشيتُ أنْ أصيبه))، فقال: (( إذا وَليت
فاعملْ نحواً من عمل هذين))، فإذا كهلانِ قدِ اكتَنفاهُ، فقلت: ومَنْ هذان؟ قال: (( هذا أبو بكر وهذا
عمر (٥) .
ورؤِّيْنا أنه قال لسالم بن عبد الله بن عمر : اكتبْ لي سيرةَ عمر حتى أعمل بها . فقال له سالم : إنك
لا تستطيعُ ذلك . قال : ولم؟ قال : إنك إن عملت بها كنتَ أفضلَ من عمر ، لأنه كان يجدُ على الخير
أعواناً ، وأنت لا تجدُ مَنْ يعينكَ على الخير(٦) .
وقد رُوي أنه كان نقشُ خاتمه لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
وفي رواية: آمنت بالله. وفي رواية : الوفاء عزيز(٧) .
وقد جمعَ يوماً رؤوسَ الناس فخطبهم فقال: إنَّ فَدَك(٨) كانتْ بيدِ رسولِ اللهِ لَهِ يضَعُها حيثُ أراه
(١) في (ق): ((قبل القضاء، راقبوه قبل الموت)) وفي (ب): ((قبل القضاء تراقبه وترون الموت))، وكلاهما
تصحيف ، والمثبت من ( ح ) وتاريخ ابن عساكر .
(٢)
في تاريخ ابن عساكر: ((رفع طرف ردائه »، وهو أشبه بالصواب .
(٣)
الخبر في تاريخ ابن عساكر (١٤١/٥٤، ١٤٢) وتخريجه ثمة .
(٤)
الخبر في تاريخ ابن عساكر ( ١٤٢/٥٤) .
(٥)
تاريخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٤٣ ).
(٦)
انظر تاريخ ابن عساكر (٥٤/ ١٤٣ ).
(٧)
انظر تاريخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٤٥).
فدَك: قرية بالحجاز ، بينها وبين المدينة يومان - وقيل ثلاثة - أفاءها الله على رسوله ◌َّها في سنة سبع منصرفه من
(٨)
خيبر صلحاً ، وفيها عين فوارة ونخيل كثيرة . وذكر ياقوت في معجم البلدان (٤/ ٢٣٨ - ٢٤٠) قصتها مع الخلفاء
وما آلت إليه .

١٨
ترجمة عمر بن عبد العزيز
الله، ثم وليها أبو بكر وعمر كذلك - قال الأصمعي : وما أدري ما قال في عثمان - قال: ثم إنَّ مروانَ
أقطَعها فحصَلَ لي منها نصيب ، ووهبني الوليدُ وسليمانُ نصيبَهما ، ولم يكنْ من مالي شيءٌ أرد عليَّ
منها، وقد ردَدْتُها في بيتِ المال على ما كانتْ عليه في زمانِ رسول الله وَّهِ. قال: فيئسَ الناسُ عند ذلك
من المظالم .
ثم أمر بأموال جماعةٍ من بني أمية فردّها إلى بيت المال وسمَّاها أموال المظالم ، فاستشفعوا إليه
بالناس ، وتوسلوا إليه بعمته فاطمة بنت مروان فلم ينجَعْ فيه شيءٌ ، ولم يرده عن الحق شيء ، وقال
لهم : لتَدَعُنِّي وإلا ذهبتُ إلى مكة فنزلتُ عن هذا الأمر لأحقِّ الناسِ به . وقال: والله لو أقمتُ فيكم
خمسينَ عاماً ما أقمتُ فيكم إلا ما أريدُ من العَدْل، وإني لأريدُ الأمر فما أَنْفِذُه إلا مع طَمعٍ من الدنيا حتى
تسكنَ قلوبُهم(١)
وقال الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن أبيه عن وهب بن منبه أنه قال : إن كان في هذه الأمة مهديٌّ فهو
عمر بن عبد العزيز . ونحو هذا قال قتادة وسعيد بن المُسيِّب وغيرُ واحد(٢) .
وقال طاوس : هو مهديٌّ وليس به ، إنه لم يستكمل العَدْلَ كلَّه ، إذا كان المهديُّ تيب (٣) على المسيءِ
من إساءته ، وزيد المحسن في إحسانه ، سمحٌّ بالمال ، شديدٌ على العمال ، رحيمٌ بالمساكين .
وقال مالك عن عبد الرحمن بن حَرْمَلة ، عن سعيد بن المسيِّب ، أنه قال : الخلفاء أبو بكر
والعُمَرَان ، فقيل له : أبو بكر وعمر قد عرفناهما، فمنْ عمرُ الآخر ؟ قال : يوشكُ إنْ عشتَ أن تعرفه .
يريدُ عمرَ بن عبد العزيز(٤)
وفي رواية أخرى عنه أنه قال : هو أشجُّ بني مروان .
وقال عبَاد السمَّاك وكان يجالسُ سفيان الثوري - : سمعتُ الثوريَّ يقول: الخلفاءُ خمسة ، أبو بكر ،
وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعمر بن عبد العزيز(٥).
وهكذا روي عن أبي بكر بن عياش والشافعي وغير واحد (٥).
وأجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمةِ العَدْل وأحدِ الخلفاء الراشدين والأئمة المهديِّين . وذكره غيرُ
انظر تاريخ ابن عساكر (١٤٨/٥٤) .
(١)
(٢)
انظر تاريخ ابن عساكر ( ١٥٣/٥٤).
في (ق): (( ثبت))، وفي (ح) بمهملات، والمثبت من (ب) وتاريخ ابن عساكر (٥٤/ ١٥٤).
(٣)
(٤)
انظر تاريخ ابن عساكر ( ١٥٥/٥٤) .
تاريخ ابن عساكر (١٥٦/٥٤ ).
(٥)

١٩
ترجمة عمر بن عبد العزيز
واحدٍ في الأئمة الاثني عشرَ ، الذين جاء فيهم الحديث الصحيح : (( لا يزال أمرُ هذه الأمةِ مستقيماً حتى
يكون فيهم اثنا عشر خليفةً كلُّهم من قريش (١) .
وقد اجتهد رحمه الله في مُدَّة ولايته - مع قِصَرِها - حتى ردَّ المظالم ، وصرف إلى كلِّ ذي حقِّ حقه ،
وكان مناديه في كلِّ يوم ينادي : أين الغارمون ، أين الناكحون ؟ أين المساكين ؟ أين اليتامى ؟ حتى أغنى
كلاَّ من هؤلاء(٢) .
وقد اختلف العلماء أيَّ الرجل أفضل هو أو معاوية بن أبي سفيان ؟ ففضَّل بعضُهم عمر لسيرته ومَعْدِلته
وزهده وعبادته . وفضّل آخرون معاوية لسابقته وصحبته ، حتى قال بعضهم : ليومٌ شهده معاوية من
رسول الله وَّل خيرٌ من عمر بن عبد العزيز وأيامه وأهل بيته .
وذكر الحافظ ابنُ عساكر في تاريخه(٣) أنَّ عمر بن عبد العزيز كان يُعجبه جارية من جواري زوجته
فاطمة بنت عبد الملك ، فكان سألها إياها إمَّا بيعاً أو هِبَةً ، فكانتْ تأبَى عليه ذلك ، فلما ولي الخلافة
ألبسَتْها وطَّبَتْها وأهدَتْها إليه ووهبتها منه ، فلما أخلتْها به أعرضَ عنها ، فتعرَّضت له الجارية فصدف
عنها ، فقالت له : يا سيدي فأين ما كان يظهر لي من محبَّتك إيَّاي؟ فقال: والله إنَّ محَبَّتَكِ لباقيةٌ كما
هي ؟ ولكنْ لا حاجة لي فيك ، فقد جاءني أمرٌ شَغلني عنك وعن غيرِك ، ثم سألها عن أصلها ومن أين
جلبوها ، فقالت : يا أمير المؤمنين إنَّ أبي أصابَ جنايةً ببلادِ المغرب(٤) فصادره موسى بن نصير فأُخذتُ
في الجناية ، وبعث بي إلى الوليد فوهبَني الوليدُ إلى أخته فاطمةَ زوجتك ، فأهدَتْني إليك . فقال عمر :
إنا لله وإنا إليه راجعون ، كِدْنا والله نفتضح ونَهْلِك ، ثم أمرَ بردِّها مكرّمةً إلى بلادها وأهلها .
وقالت زوجته فاطمة : دخلتُ يوماً عليه وهو جالس في مُصَلاَّه، واضعاً خذَّه على يده ، ودموعه
تسيلُ على خذَّيه ، فقلت : ما لك ؟ فقال : ويحك يا فاطمة ، قد وُلِّيتُ من أمر هذه الأمة ما وُلِّيت ،
فتفكّرت في الفقير الجائع ، والمريض الضائع ، والعاري المجهور(٥) ، والمظلوم المقهور ، والغريبِ
الأسير ، والشيخ الكبير ، وذي العيال الكثير ، والمال القليل ، وأشباهِهم في أقطار الأرض وأطرافِ
(١) أخرجه مسلم (١٨٢١ و١٨٢٢) في الإمارة: باب الناس تبع لقريش؛ وأبو داود (٤٢٧٩) في كتاب المهدي ؛
وأحمد (٢٠٢٨١ و٢٠٢٩٠ و٢٠٢٩٨ و٢٠٣٠٧ و٢٠٣١٩ و٢٠٣٤٧ و٢٠٥٠٨ و٢٠٥٢٨) مطولًا ومختصراً،
كلهم عن جابر بن سمرة .
(٢)
انظر تاريخ ابن عساكر (١٥٨/٥٤) .
تاريخ ابن عساكر ( ١٥٨/٥٤، ١٥٩) ، والخبر فيه بألفاظ مقاربة .
(٣)
(٤)
في تاريخ ابن عساكر أنها كانت جارية من البربر .
(٥) زادت (ق) هنا ما نصه: (( واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة)) وليست هذه الزيادة في ( ح، ب) ولا في تاريخ
ابن عساكر .

٢٠
ترجمة عمر بن عبد العزيز
البلاد، فعلمتُ أنَّ ربِّي عزَّ وجلَّ سيسألُني عنهم يوم القيامة، وأنَّ خَصْمي دونهم محمد نَّهِ، فخشيتُ أنْ
لا يثبت لي حجَّة عند خصومته ، فرحمتُ نفسي فَبَكيت(١).
وقال ميمون بن مِهْران : ولَّاني عمر بن عبد العزيز عمالة ثم قال لي : إذا جاءك كتابٌ مني على غير
الحق فاضرِبْ به الأرض (٢) .
وكتب إلى بعض عماله : إذا دَعتْكَ قدرتُك على الناس إلى ظلمهم ، فاذكُرْ قدرةَ الله عليك ، ونفادَ
ما تأتي إليهم ، وبقاءً ما يأتون إليك(٣).
وقال عبد الرحمن بن مَهْدي عن جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم قال: كتب عمرُ بن عبد العزيز إلى
عديٍّ بن عديّ : إنَّ للإِسلام سُنناً وشرائع وفرائض ، فمن استكملَها استكملَ الإيمان ، ومن لم يستكمِلْها
لم يستكملِ الإيمان ، فإنْ أعشْ أبيّنْها لكم لتعملوا بها ، وإنْ أمتْ فما أنا على صحبتِكم بحريص (٣).
وذكره البخاري في صحيحه تعليقاً مجزوماً به(٤) .
وذكَّرَ الصُّوليُّ أنَّ عمرَ كتب إلى بعض عمَّاله : عليك بتقوى الله ، فإنها هي التي لا يقبلُ غيرَها ولا
يرحم إلا أهلَها ، ولا يثابُ إلَّ عليها، وإنَّ الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل(٣).
وقال : منْ علم أنَّ كلامه من عمله ، قلَّ كلامُه إلَّ فيما يعنيه وينفعه ، ومن أكثر ذكر الموت اجتزأ من
(٥)
الدنيا باليسير(٥) .
وقال أيضاً : من لم يعدَّ كلامه من عمله كثرت خطاياه ، ومن عبدَ الله بغيرِ علم كان ما يُفسده أكثرَ مما
يصلحه(٥) .
وكلَّمه رجلٌ يوماً حتى أغضبه ، فهمَّ به عمر ثم أمسك نفسه ، ثم قال للرجل : أردتَ أنْ يستفزَّني
الشيطانُ بعزَّةِ السلطان ، فأنال منك ما تنالُه مني غداً؟ قم - عافاك الله - لا حاجة لنا في مقاولتك (٦).
وكان يقول: إنَّ أحبَّ الأمور إلى الله القَصْدُ في الجِد(٧) ، والعفو في المَقْدرة ، والرفق في الولاية،
وما رَفَق عبدٌ بعبدٍ في الدنيا إلَّ رفق الله به يوم القيامة .
تاريخ ابن عساكر ( ١٥٩/٥٤، ١٦٠).
(١)
(٢)
انظر تاريخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٦٢ ).
(٣)
تاريخ ابن عساكر ( ٥٤/ ١٦٤ ) .
أخرجه البخاري معلقاً مجزوماً في الإيمان: باب قول النبي ◌َّه ((بني الإسلام على خمس)) في ترجمة الباب في
(٤)
أوله .
انظر تاريخ ابن عساكر (٥٤/ ١٦٥).
(٥)
انظر تاريخ ابن عساكر (١٦٦/٥٤) .
(٦)
(٧) كذا في (ق، ح، ب)، وفي تاريخ ابن عساكر (١٦٧/٥٤). ((الجِدَة)) وهو أشبه بالصواب.