النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ ذكر إسحاق بن إبراهيم وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز ، وقدَّمنا في حديث أبي هريرة ، عن رسول الله وَّ: ((إنَّ الكريمَ بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)(١) . وذكرَ أهلُ الكتاب أنَّ إسحاقَ لما تزوَّج ((رفقا )) بنت بثوابيل في حياة أبيه ، كان عمرُه أربعينَ سنة ، وأنها كانت عاقراً فدعا الله لها فحملَتْ، فولدت غلامين توأمين: أولهما سمَّوه (( عيصو)) وهو الذي تُسميه العربُ العيصَ، وهو والد الروم الثانية (٢) . والثاني خرجَ وهو آخذٌ بعقبِ أخيه فسمَّوه ((يعقوبَ )(٣) وهو إسرائيل الذي ينتسبُ إليه بنو إسرائيل . قالوا: وكان إسحاق يحبُّ ((العيصو)) أكثر من ((يعقوب)) لأنه بِكرُه، وكانت أُمُّهما (( رفقا )) تحبُّ يعقوبَ أكثر ؛ لأنَّه الأصغرُ . قالوا : فلما كبرَ إسحاق وضعفَ بصرُه، اشتهى على ابنه (( العيص)) طعاماً وأمرَه أن يذهبَ فيصطادَ له صيداً ويطبخَه له ، ليُباركَ عليه ويدعوَ له . وكان العيص صاحبَ صيد ، فذهبَ يبتغي ذلك ، فأمرت ((رفقا)) ابنَها يعقوب أن يذبحَ جديين من خيار غنمه، ويصنع منهما طعاماً كما اشتهاه أبوه ، و يأتي إليه به قبل أخيه ليدعوَ له ، فقامت فألبسته ثيابَ أخيه، وجعلتْ على ذراعيْه وعُنُقُه من جلدِ الجَدْيَيْنِ ، لأن العيصَ كان أشعرَ الجسد ، ويعقوبُ ليس كذلك ، فلما جاء به وقرَّبه إليه ، قال : من أنت ؟ قال : ولدُك. فضمَّه إليه وجسَّه ، وجعلَ يقولُ : أما الصوتُ فصوتُ يعقوب، وأما الجسُّ والثياب فالعيصُ ، فلما أكلَ وفرغَ دعا له أن يكونَ أكبرَ إخوتِهِ قَدْراً ، وكلمتُه عليهم وعلى الشعوب بعدَه ، وأن يكثرَ رزقُه وولدُه . فلما خرجَ من عنده جاء أخوه العيصُ بما أمرَه به والده ، فقرَّبه إليه ، فقال له : ما هذا يا بنيَّ ؟ قال : هذا الطعام الذي اشتهيتَه . فقال : أما جئتني به قبلَ الساعة وأكلتُ منه ، ودعوتُ لك ؟ فقال : لا والله ، وعرفَ أنَّ أخاه قد سبقَه إلى ذلك، فوجَدَ في نفسه عليه وَجْداً كثيراً . وذكروا أنَّه تواعده بالقتل إذا مات أبوهُما ، وسألَ أباه فدعا له بدعوةٍ أخرى، وأن يجعلَ لذريَّته غليظَ الأرض ، وأنْ يُكثِرَ أرزاقهم وثمارَهم ، فلما سمعت أمُّهما ما يتواعدُ به العيصُ أخاه يعقوبَ ، أمرت ابنهَا يعقوبَ أن يذهبَ إلى أخيها ((لابان )) الذي بأرض حرَّان، وأن يكونَ عندَه إلى حين يسكنُ غضبُ أخيه عليه ، وأن يتزوج من بناته . وقالت لزوجها إسحاق أن يأمرَه بذلك ويُوصيه ويدعو له ففعلَ . فخرجَ يعقوبُ عليه السلام من عندِهم من آخر ذلك اليوم ، فأدركَه المساء في موضعٍ فنامَ فيه ، وأخذ (١) تقدم الحديث وتخريجه . (٢) سقطت من المطبوع . (٣) في هامش ب : ذكر يعقوب ، وهو إسرائيل عليه السلام . ٢٨٢ ذكر إسحاق بن إبراهيم حجراً فوضعَه تحت رأسِه ونام ، فرأى في نومه ذلك مِعْراجا١ً) منصوباً من السماء إلى الأرض ، وإذا الملائكةُ يصعدون فيه وينزلون ، والربُّ تباركَ وتعالى يخاطبُه ، ويقولُ له : إني سأُباركُ عليك وأكثر ذريّتك ، وأجعلُ لك هذه الأرض ولعقبك من بعدك . فلما هبَّ من نومه فرحَ بما رأى ، ونذرَ الله لَئِن رجعَ إلى أهله سالماً ليبنينَّ في هذا الموضع معبداً لله عزَّ وجلَّ ، وأن جميع ما يُرزقه من شيء يكونُ لله عشره ، ثم عمدَ إلى ذلك الحجر فجعلَ عليه دُهناً يتعرَّفه به ، وسمَّى ذلك الموضعَ (( بيت إيل)) أي : بيت الله ، وهو موضع بيت المقدس اليوم ، الذي بناه يعقوبُ بعد ذلك كما سيأتي . قالوا: فلما قدمَ يعقوبُ على خاله أرضَ حرَّان إذا له ابنتان، اسم الكبرى ((ليا )) واسم الصغرى ((راحيل)) [ فخطب إليه راحيل]٢)، وكانت أحسنهما وأجملهما، فأجابه إلى ذلك بشرط أنْ يرعى على غنمه سبع سنين ، فلما مضت المدة على خاله ((لابان)) صنعَ طعاماً وجمعَ النَّاس عليه، وزفَّ إليه ليلاً ابنته الكبرى ((ليا)) وكانت ضعيفةَ العينين قبيحة المنظر. فلما أصبحَ يعقوبُ إذا هي (( ليا)) فقال لخاله: لم غدرتَ بي؟ وأنت إنما خطبتُ إليكَ ((راحيل)) فقال: إنه ليس من ستَّتنا أن نُزوِّجَ الصغرى قبل الكبرى ، فإن أحببتَ أختَها فاعملْ سبعَ سنين أخرى ، وأزوّجكها . فعملَ سبع سنين وأدخلَها عليه مع أُختها ، وكان ذلك سائغاً في ملَّتهم ثم نُسخ في شريعة التوراة . وهذا وحده دليلٌ كافٍ على وقوع النسخ ، لأن فعلَ يعقوب عليه السلام دليلٌ على جواز هذا وإباحتِهِ ، لأنه معصوم . ووهبَ ((لا بان)) لكلِّ واحدة من ابنتيْه جاريةً، فوهبَ لليا جاريةً اسمها ((زلفى)) ووهب لراحيل جاريةً اسمها (( بلهى)). وجبرَ الله تعالى ضعفَ ((ليا)) بأن وهبَ لها أولاداً، فكان أول من ولدت ليعقوب روبيل، ثم شمعون، ثم لاوي، ثم يهوذا. فغارت عند ذلك ((راحيل)) وكانت لا تحبلُ، فوهبت ليعقوبَ جاريتها ((بلهى)) فوطئِها فحملتْ، وولدتْ له غلاماً سمَّته ((دان)) وحملتْ وولدتْ غلاماً آخر سمَّته ((نيفتالي)) فعمدتْ عند ذلك ((ليا)) فوهبت جاريتَها ((زلفى)) من يعقوب عليه السلام، فولدت له ((حاد)) و( أشير)) غلامين ذكريْن، ثم حملت ((ليا)) أيضاً فولدت غلاماً خامساً منها وسمَّته ((إيساخر)). ثم حملتْ وولدت غلاماً سادساً سمته ((زابلون)) ثم حملت وولدت بنتاً سمَّتها ((دنا)) فصار لها سبعة من يعقوب . ثم دعتِ الله تعالى ((راحيل)) وسألتْه أن يهبَ لها غلاماً من يعقوب ، فسمع الله نداءها وأجاب دعاءها فحملت من نبيِّ الله يعقوب فولدت له غلاماً عظيماً شريفاً حسناً جميلا سمَّته يوسفَ، كل هذا وهم مقيمون بأرض حرَّان، (١) معراجاً: المعراج : ما يُرتقى به . (٢) ما بين حاصرتين سقط من المطبوع ومن أ ، وأثبتهما من ب. ٢٨٣ ذكر إسحاق بن إبراهيم وهو يرعى على خاله غنمَه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى ، فصار مدَّة مقامه عشرين سنة . فطلبَ يعقوبُ من خاله ((لابان)) أن يُسرِّحه ليمرَّ إلى أهله. فقال له خاله: إنِّي قد بُورك لي بسببك فسلني من مالي ما شئتَ . فقال : تعطيني كلّ حَملٍ يُولد من غنمك هذه السنة أبقعُ(١)، وكلَّ حَمْل ملمع أبيض بسواد، وكلّ أملحُ(٢) ببياض، وكل أجلح(٣) أبيض من المعز . فقال : نعم . فعمد بنوه فأبرزوا من غنم أبيهم ما كانَ على هذه الصفات من التُّيوس ، لئلا يُولد شيء من الحملان على هذه الصفات ، وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم . قالوا : فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز ودلب ، فكان يُقشِّرها بُلْقاً وينصبها في مساقي الغنم من المياه ، لينظرَ الغنمُ إليها فتفزعَ وتتحرَّك أولادُها في بطونها ، فتصيرُ ألوان حملانها كذلك ، وهذا يكونُ من باب خوارق العادات ، وينتظمُ في سلْكِ المعجزات ، فصار ليعقوبَ عليه السلام أغنامٌ كثيرة ودوابٌّ وعبيد ، وتغيَّر له وجه خاله وبنيه ، وكأنهم انحصروا منه . وأوحى الله تعالى إلى يعقوبَ أن يرجعَ إلى بلاد أبيه وقومه ، ووعدَه بأن يكون معه ، فعرضَ ذلك على أهله فأجابُوه مبادرينَ إلى طاعته ، فتحمَّلَ بأهله ومالِه ، وسرقت ((راحيل)) أصنام أبيها ، فلما جاوزوا وتحيَّزوا عن بلادهم، لحقَهم ((لابان)) وقومُه، فلما اجتمع (( لابانُ )) بيعقوبَ عاتبَه في خروجه بغير علمه ، وهلاَّ أعلمَه فيُخرجهم في فرحٍ ومزاهرَ وطُبولٍ ، وحتَّى يُودِّعَ بناتِهِ وأولادهنَّ ، ولما أخذوا أصنامَه معهم ، ولم يكن عند يعقوبَ علمٌ من أصنامِه ، فأنكرَ أن يكونَ أخذوا له أصناماً ، فدخلَ بيوتَ بناتِهِ وإمائهنَّ يفتش فلم يجد شيئاً، وكانت راحيلُ قد جعلتهنَّ في بَرْدَعة٤ِ) الحِمْل وهي تحتَها ، فلم تقمْ واعتذرتْ بأنَّها طامِثٌ، فلم يقدر عليهنَّ، فعند ذلك توائقُوا على رابية هناكَ ، يُقال لها ((جلعاد)) على أنَّه لا يهين بناته ولا يتزوَّج عليهن، ولا يُجاوز هذه الرابية إلى بلادِ الآخر ، لا لابان ولا يعقوب ، وعملا طعاماً وأكلَ القومُ معهم وتوذَّعَ كلٌّ منهما من الآخر ، وتفارقوا راجعينَ إلى بلادهم . فلما اقتربَ يعقوبُ من أرض (( ساعير)) تلقَّتْه الملائكةُ يُشِّرونه بالقدوم ، وبعثَ يعقوب البرد إلى أخيه العيص يترفَّق له ويتواضع له ، فرجعت البرد وأخبرتْ يعقوبَ بأن العيص قد ركبَ إليك في أربعمئة راجل ، فخشيَ يعقوبُ من ذلك ودعا الله عزَّ وجلَّ وصلَّى له وتضرَّع إليه وتمسكنَ لديه ، وناشدَه عهده ووعدَه الذي وعدَه به ، وسأله أن يكفَّ عنه شرَّ أخيه العيص، وأعدَّ لأخيه هديَّةً عظيمةً ، وهي مئتا شاة ، (١) أبقع: خالط لونه لونٌ آخر . (٢) أملح : خالط بياضَه سواءٌ . (٣) أجلح : لا قرنَ له . (٤) بردعة : هي ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه ، كالسَّرْج للفرس . ٤ ٢٨ ذكر إسحاق بن إبراهيم وعشرون تيساً ومئتا نعجةٍ، وعشرون كبشاً، وثلاثون لَقْحَة١ٌ)، وأربعون بقرة، وعشرة من الثيران ، وعشرون أتاناً، وعشرة من الحُمُر، وأمرَ عبيدَه أن يسوقوا كلاً من هذه الأصناف وحدَه ، وليكنْ بين كلِّ قطيعٍ وقطيع مسافةٌ ، فإذا لقيهم العيصُ ، فقال : للأوَّل لمن أنت ؟ ولمن هذه معكَ ؟ فليقل : لعبدك يعقوب أهداها لسيِّدي العيصُ. وليقل الذي بعدَه كذلك ، وكذا الذي بعدَه ، ويقولُ كلٌّ منهم وهو جاءٍ بعدنا . وتأخَّر يعقوبُ بزوجتيْه وأمتيْه وبنيه الأحد عشرَ بعد الكلِّ بليلتين، وجعل يسيرُ فيهما ليلاً ، ويكمنُ نهاراً ، فلما كان وقتُ الفجر من الليلة الثانية تبدَّى له ملَكٌ من الملائكة في صُورة رجلٍ ، فظنَّه يعقوبُ رجلاً من النَّاس ، فأتاه يعقوبُ ليُصارعه ويُغالبه ، فظهرَ عليه يعقوبُ فيما يرى، إلا أنَّ المَلَك أصابَ وِرْكَه ، فعرجَ يعقوبُ ، فلما أضاءَ الفجر قال له الملك ما اسمكَ ؟ قال: يعقوب . قال : لا ينبغي أن تُدعى به اليوم إلا إسرائيل. فقال له يعقوب: ومنْ أنتَ وما اسمكَ؟ فذهبَ عنه، فعلمَ أنَّه مَلَكٌ من الملائكة ، وأصبحَ يعقوبُ وهو يعرجُ من رِجْلِه، فلذلك لا يأكلُ بنو إسرائيل عِزْقَ النَّسَا ، ورفعَ يعقوبُ عينيْه فإذا أخوه ((عيصو)) قد أقبلَ في أربعمئة راجل ، فتقدَّم أمام أهله ، فلما رأى أخاه العيص سجدَ له سبع مرَّاتٍ ، وكانت هذه تحيَّتُهم في ذلك الزمان ، وكان مشروعاً لهم ؛ كما سجدتِ الملائكةُ لآدمَ تحيَّة له ، وكما سجدَ إخوةٌ يوسفَ وأبواه له كما سيأتي ، فلما رآه العيص تقدَّم إليه واحتضنَه وقبّله وبكى ، ورفعَ العيصُ عينيْه ونظرَ إلى النساء والصِّبيان ، فقال : من أين لك هؤلاء ؟ فقال : هؤلاء الذين وهبَ الله لعبدكَ، فدنتِ الأمتان وبنوهما فسجدوا له ودنت (( ليا )) وبنوها فسجدوا له ، ودنت (( راحيل)) وابنها يوسف فخرًا سُجَّداً له ، وعرضَ عليه أن يقبلَ هديَّته وألحّ عليه ، فقبلَها ورجعَ العيصُ ، فتقدَّم أمامَه ولحقَه يعقوبُ وما معه من الأنعام والمواشي والعبيد قاصدينَ جبالَ ساعير . فلما مرَّ بساحور ابتنى له بيتاً ولدوابه ظلالاً ، ثم مرَّ على أورشليم قرية شخيم ، فنزل قبل القرية ، واشترى مزرعةً شخيم بن جمور بمئة نعجة ، فضربَ هنالك فسطاطَه ، وابتنى ثَم مذبحاً ، فسمَّاه (( إيل)) إلَه إسرائيل، وأمر الله ببنائه ليُستعلنَ له فيه . وهو بيتُ المقدس اليوم ، الذي جدَّده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما السلام ، وهو مكان الصخرة التي أعلمَها بوضع الدُّهن عليها قبل ذلك ، كما ذكرنا أولاً . [ وذكر أهلُ الكتاب هنا قصة (( دينا)) بنت يعقوب بنت (( ليا)) وما كان من أمرها مع (( شخيم )) بن جمور الذي قهرَها على نفسها ، وأدخلَها منزلَه ثم خطبها من أبيها وإخوتها ، فقال إخوتها : إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا ، فإنا لا نُصاهر قوماً غلفاً ، فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلُّهم ، فلما كان اليوم الثالث واشتدَّ وجعُهم من ألم الخِتان ، مالَ عليهم بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم ، وقتلوا (١) لَقْحة : ناقة حلوب غزيرة اللبن. ٢٨٥ ذكر إسحاق بن إبراهيم (( شخيماً)) وأباه ((جمور)) لقبيح ما صنعوا إليهم ، مضافاً إلى كفرهم ، وما كانوا يعبدونه من أصنامهم ، فلهذا قتلهم بنو يعقوب ، وأخذوا أموالهم غنيمة ](١) . ثم حملت ((راحيل)) فولدت غلاماً وهو (( بنيامين)) إلا أنها جهدت في طلقها به جهداً شديداً وماتت عقيبه، فدفنَها يعقوبُ في ((أفراث)) وهي بيت لحم، وصنعَ يعقوبُ على قبرها حجراً ، وهي الحجارةُ المعروفة بقبر راحيل إلى اليوم . وكان أولاد يعقوب الذكور اثني عشر رجلاً ؛ فمن ((ليا)): روبيل ، وشمعون ، ولاوي ، ويهوذا ، وايساخر ، وزايبلون . ومن راحيل : يوسف ، وبنيامين . ومن أمة راحيل : دان ، ونيثالي . ومن أمة (( ليا)) : جاد وأشير ، عليهم السلام . وجاء يعقوبُ إلى أبيه إسحاق ، فأقام عنده بقرية حبرون ، التي في أرض كنعان ، حيث كان يسكنُ إبراهيم ، ثم مرضَ إسحاقُ ومات عن مئة وثمانين سنة ، ودفنَه ابناه العيصُ ويعقوبُ مع أبيه إبراهيم الخليل في المغارة التي اشتراها ، كما قدَّمنا . **** (١) ما بين حاصرتين سقط من أ، وهو في ب والمطبوع. ٢٨٦ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف ذکر ما وقعَ من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل وقد أنزل الله عزَّ وجلَّ في شأنه ، وما كان من أمره ، سورة من القرآن العظيم ليتدبّر ما فيها من الحِكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرّحِيَةِ. الرتِلْكَ ءَايَنتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَهُ قُرْءَنَّا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ اٌلْغَفِلِينَ﴾ [ يوسف: ١ -٣]. وقد تكلَّمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة ، فمن أراد تحقيقه فلينظره ثَمَّ ، وتكلَّمنا على هذه السورة مستقصى فى موضعها من التفسير ، ونحن نذكر هاهنا نبذا مما هناك على وجه الإيجاز والنجاز . وجملةُ القول في هذا المقام : أنه تعالى يمدحُ كتابه العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم بلسانٍ عربيٍّ فصيح بيِّنٍ واضح جليّ ، يفهمُه كلُّ عاقل ذكيّ زكي ، فهو أشرف كتابٍ نزلَ من السماء ، أنزلَه أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان ، بأفصح لغة وأظهر بيان ، فإن كان السياق في الأخبار الماضية أو الآتية : ذكرَ أحسنها وأبينها ، وأظهرَ الحق مما اختلف الناس فيه ، ودمغَ الباطلَ وزيَّفه وردّه ، وإن كان في الأوامر والنواهي : فأعدلُ الشرائع وأوضحُ المناهج ، وأنْيَنُ حكماً وأعدلُ حكماً ، فهو كما قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدَّلًا﴾ [ الأنعام: ١١٥]. يعني صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأوامر والنواهي . ولهذا قال تعالى: ﴿ ◌َّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ﴾ [ يوسف: ٣] أي بالنسبة إلى ما أوحي إليك فيه، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَّهْدِى ◌ِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَأْ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥) صِرَطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضُِّ أَلَا إِلَى اَللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [ الشورى: ٥٢ -٥٣]. وقال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَّ وَقَدْ ءَ انَيْنَكَ مِن لَّدُنَا ذِكْرًا (٦) مَّنْ أَغْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا: ﴿ خَلِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ [ طه: ٩٩ - ١٠١]. يعني : منْ أعرضَ عن هذا القرآن واتَّبعَ غيرَه من الكتب فإنه ينالُه هذا الوعيد ، كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي: عن أمير المؤمنين عليٍّ مرفوعاً وموقوفاً: (( من ابتغى الهدى في غيره أضلَّه اللهُ(١) . (١) أخرجه أحمد (١/ ٩١) والترمذي (٢٩٠٦) في فضائل القرآن، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وإسناده مجهول ، وفي الحارث مقال . فهو ضعيف في المرفوع ، وبعضهم وقفه على علي رضي الله عنه . ٢٨٧ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف وقال الإمام أحمد : حدَّثنا سريج بن النعمان : حدَّثنا هشيم ، أخبرنا مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر: أنَّ عُمَرَ بن الخطاب أتى النبيَّ وَ لّ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبيِّ وَّ: قال فغضب وقال: (( أتتهوكون (١) فيها يا بن الخطاب! والذي نفسي بيده لقد جئتُكم بها بيضاء نقيّة ، لا تسألوهم عن شيءٍ فيخبرونكم بحقِّ فتُكذِّبونه ، أو بباطل فتُصدِّقونه ، والذي نفسي بيده لو أنَّ موسى كان حيّاً ما وسعَه إلا أن يتبعني)) . إسناد صحيح(٢) ورواه أحمد من وجهٍ آخر(٣): عن عمر، وفيه فقال رسول الله وَالر: ((والذي نفسي بيده لو أصبحَ فيكم موسى ثم اتَّعتمُوه وتركتُموني لضَلَلْتُم . إنَّكم حَظّي من الأمم وأنا حَظُكم من النَبِّين ». وقد أوردتُ طرقَ هذا الحديث وألفاظَه في أول سورة يوسف (٤)، وفي بعضها أن رسول الله وَلهم خطبَ النَّاسَ ، فقال في خطبته: « أيُّها الناس ! إني قد أوتيتُ جوامعَ الكلم وخواتيمَه ، واختُصرَ لي اختصاراً ، ولقد أتيتُكم بها بيضاءَ نقيَّةً فلا تتهوَّكوا ، ولا يغرَّنكم المُتَهوِّكون (٥) . ثم أمر بتلك الصحيفة فمُحيت حرفاً حرفاً . ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَيُهُمْ لِى سَجِدِينَ ﴿ قَالَ يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُوْ يَاكَ عَلَىَّ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَنِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْنَبِكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ اُلْأَحَادِيثِ وَيُنِؤُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىّ ءَالِ يَعْقُوبَ كُمَآ أَتَمَّهَا عَلَىَ أَبَوَيِّكَ مِن قَبْلُ إِنْرَهِيَمَ وَإَِّقَّ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [ يوسف : ٤ _ ٦ ] . [ قد قدَّمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولداً ذكراً وسمَّيناهم، وإليهم تُنسب أسباط بني إسرائيل كلهم ، وكان أشرفَهم وأجلَّهم وأعظمَهم يوسفُ عليه السلام ، وقد ذهبَ طائفةٌ من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبيٌّ غيره ، وباقي إخوته لم يُوحَ إليهم ، وظاهرُ ما ذُكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصّة يدلُ على هذا القول . ومن استدلَّ على نبؤَّتهم بقوله: ﴿قُلْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ عَلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [ آل عمران: ٨٤] وزعمَ أن هؤلاء هم الأسباط ، فليس استدلاله بقوي ، لأن المرادَ (١) ((أتتهوكون)): التهوُّك: كالتهوّر، وهو الوقوع في الأمر بغير روية، والمُتهوِّك: المتحيِّر. (٢) في المسند (٣٨٧/٣) وفيه : أمتهوِّكون ، أقول : وإسناده ضعيف. (٣) أخرجه أحمد فى المسند (٤٧١/٣) و(٢٦٦/٤) وإسناده ضعيف. (٤) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٥٧٦) . (٥) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧٣) وقال : رواه أبو يعلى ، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق ، ضعَّفه أحمد وجماعة . ٢٨٨ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف بالأسباط شعوبُ بني إسرائيل ، وما كان يُوجد فيهم من الأنبياء الذين ينزلُ عليهم الوحي من السماء ، والله أعلم . ومما يؤيّد أن يوسف عليه السلام هو المختصُّ من بين إخوته بالرسالة والنبوة ، أنه نصّ على واحد من إخوتِهِ سواه ، فدلَّ على ما ذكرناه ، ويُستأنس لهذا بما قال الإمام أحمد : حدَّثنا عبدُ الصمد ، حدَّثنا عبد الرحمن، عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر، أنَّ رسولَ اللهِوَ ◌ّ قال: ((الكريمُ ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (١) . انفردَ به البخاريُّ ، فرواه عن عبد الله بن محمد ، وعبدة ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به . وقد ذكرنا طرقَه في قصَّة إبراهيم بما أغنى عن إعادته هاهنا - ولله الحمد والمنة (٢) - . قال المفسرون وغيرهم : رأى يوسفُ عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم كأن ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوَكِبًا ﴾ [ يوسف: ٤] وهم إشارة إلى بقية إخوته ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [ يوسف: ٤] وهما عبارة عن أبويه ، قد سجدوا له ، فهالَه ذلك ، فلما استيقظَ قصَّها على أبيه ، فعرفَ أبوه أنَّه سينالُ منزلةً عاليةً ورِفْعةً عظيمة في الدنيا والآخرة ، بحيث يخضعُ له أبواه وإخوته فيها ، فأمرَه بكتمانها ، وألَّ يقصَّها على إخوته كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل (٣)، ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر، وهذا يدلُّ على ما ذكرناه . ولهذا جاء في بعض الآثار : استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها ، فإن كل ذي نعمة محسود (٤) . وعند أهل الكتاب أنه قصَّها على أبيه وإخوته معاً وهو غلطٌّ منهم ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ أي: وكما أراكَ هذه الرؤيا العظيمة فإذا كتمتَها ﴿يَجْنَبِكَ رَبُّكَ﴾ أي: يخصُّك بأنواع اللطف والرحمة ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ﴾ أي: يُفهمُكَ من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمُه غيرك ﴿ وَيُنِؤُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي: بالوحي إليك ﴿ وَعَلَّ ◌َالِ يَعْقُوبَ﴾ أي: بسببك ويحصل لهم بك خيرُ الدنيا والآخرة ﴿كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَّ أَبَوَيِّكَ مِن قَبْلُ إِبْرَهِيَمَ وَإِشْمَقَّ﴾ أي: يُنعم عليك ويُحسن إليك بالنبوة، كما أعطاها أباك يعقوب وجدَّك إسحاق، ووالد جدِّك إبراهيم الخليل ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. (١) البخاري في الأنبياء (٣٣٨٢) و(٣٣٩٠). (٢) ما بين الحاصرتين سقط من أ، وأثبته من هامش ب وهو في المطبوع. (٣) ((الغوائل)): الدواهي والمصائب. (٤) رواه العقيلي وابن عديٍّ والطبراني وأبو نعيم والبيهقي، عن معاذ بن جبل، كما في فيض القدير (٤٩٣/١) والمقاصد الحسنة (ص٥٦)، وتمييز الطيب من الخبيث (ص٢٧) وكشف الخفاء (١٣٥/١) وفي إسناده ضعف . ٢٨٩ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف ولهذا قال رسول الله رَّة: لما سُئل أيُّ النَّاس أكرم؟ قال: (( يوسفُ نبيُّ الله ابن نبيِّ الله ابن نبيِّ الله ابن خليل الله) (١) . وقد روى ابن جرير(٢) ، وابن أبي حاتم ، في تفسيريهما ، وأبو يعلى ، والبزَّار ، في مسنديهما : من حديث الحكم بن ظُهَير - وقد ضعَّفه الأئمة - عن الشُّدِّي ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن جابر ، قال : أتى النبيَّ ◌ََّ رجلٌ من يهود يقال له: (( بستانة اليهودي)) فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسفُ أنها ساجدة له ما أسماؤها؟ قال: فسكتَ النبيُّ نَّهِ فلم يُجبْه بشيء. ونزلَ جبريل عليه السلام بأسمائها . قال : فبعثَ إليه رسولُ الله، فقال: (( هل أنت مؤمن إن أخبرتُك بأسمائها ؟ قال : نعم . فقال : هي حرثان ، والطارق ، والذيَّال ، وذو الكتفان ، وقابس ، ووثَّاب ، وعمردان ، والفيلق ، والمصبح ، والضروح، وذو الفرع، والضياء ، والنور)). فقال اليهوديُّ: إي والله إنها لأسماؤها٣). وعند أبي يعلى فلما قصَّها على أبيه . قال: هذا أمرٌ مُشتَّتْ يجمعُه الله. والشمس : أبوه ، والقمر: أمه . ﴿﴿ لَقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ:مَايَتٌ لِلِسَآءِلِينَ ﴿ إِذْقَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَتُ إِلَى أَبِنَا مِنَّا وَتَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانَا ◌َ أَقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ أَطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيَكُمْ وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِحِينَ ﴾ قَالَ قَآئِلٌ مِنْهُمْلَا لَفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ ٨ نَفْئُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَفِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنْتُمْ فَعِلِينَ﴾ [ يوسف: ٧ -١٠]. يُنِّه تعالى على ما في هذه القصَّة من الآيات والحِكم والدَّلالاتِ والمواعظ والبَيِّنات، ثم ذكرَ حسدَ إخوة يوسف له على محبّة أبيه له ولأخيه - يعنونَ شقيقَه لأمِّه بنيامين - أكثر منهم ، وهم عُصْبة ، أي : جماعة . يقولون : فكنّا نحن أحقُّ بالمحبَّة من هذين ﴿إِنَّ أَبَّنَا لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: بتقديمه حبَّهما علينا . ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسفَ أو إبعاده إلى أرضٍ لا يرجعُ منها ، ليخلوَ لهم وجهُ أبيهم ، أي : لتتمخَّضَ(٤) محبَّتُه لهم، وتتوفر عليهم، وأضْمَروا التوبةَ بعد ذلك، فلما تمالؤوا على ذلك وتوافقوا عليه ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ﴾ قال مجاهد: هو شمعون . وقال الشُّدِّي : هو يهوذا . وقال قتادة ومحمد ابن إسحاق: هو أكبرُهم روبيل: ﴿لَا نَقْئُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِ غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: المارة (١) أخرجه البخاري (٣٣٧٤) في الأنبياء. (٢) انظر تفسير الطبري (١٤٨/٧). (٣) أخرجه سعيد بن منصور ، والبزار ، وأبو يعلى ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والعقيلي ، وابن حبان في الضعفاء ، وأبو الشيخ ، والحاكم وصححه ، وأبو نعيم والبيهقي معاً في دلائل النبوة ؛ كما في الدر المنثور (٤ / ٤٩٨) . أقول : وإسناده ضعيف كما قال المصنف . (٤) ((لتتمخَّض محبَّتُه)): لتكون خالصة، لا تشوبها شائبة . ٢٩٠ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف من المسافرين ﴿ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ﴾ ما تقولون لا محالة ، فليكن هذا الذي أقول لكم فهو أقربُ حالاً من قتله أو نفيه وتغريبه ، فأجمعوا رأيهم على هذا فعند ذلك: ﴿قَالُواْ يَكَأَبَنَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَصِحُونَ ﴿لَا أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَزْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ () قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُفِىّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ رَِّ قَالُواْ لَبِنْ أَكَلَهُ الذِّثْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّآَ إِذَا لَّخَسِرُونَ ﴾ [ يوسف: ١١ - ١٤]. طلبوا من أبيهم أن يرسلَ معهم أخاهم يوسفَ ، وأظهروا له أنهم يُريدون أن يرعى معهم ، وأن يلعبَ وينبسطَ ، وقد أضمروا له ما الله به عليم ، فأجابهم الشيخ عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم : يا بنيَّ يشقُّ عليّ أن أفارقَه ساعةً من النهار ، ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه ، فيأتي الذئبُ فيأكلَه ، ولا يقدرُ على دفعه عنه لصغره وغفلتِكم عنه. ﴿قَالُوْ لَبِنْ أَكَلَهُ الذِّثْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّآ إِذَا لَّخَسِرُونَ ﴾ أي : لئن عدا عليه الذئبُ فأكلَه من بيننا ، أو اشتغلنا عنه حتى وقعَ هذا ونحن جماعة ، إنا إذاً لخاسرون ، أي : عاجزون هالكون . وعند أهل الكتاب : أنه أرسلَه وراءَهم يتبعُهم ، فضلًّ عن الطريق ، حتى أرشدَه رجلٌ إليهم . وهذا أيضاً من غَلطِهِم وخَطئِهم في التعريب ، فإن يعقوبَ عليه السلام كان أحرصَ عليه يبعثَه معهم ، فكيف يبعثه وحده ؟! ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُوْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِ غَيَبَتِ الْجُنَّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِنَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُونَ وَجَاءُ وَّ ١٥ أَبَاهُمْ عِشَآءَ يَبْكُونَ (١) قَالُواْ يَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّتْبُ وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ (١) وَجَآءُو عَلَى قَبِيصِهِ، بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [ يوسف: ١٥ - ١٨]. لم يزالوا بأبيهم حتى بعثَه معهم ، فما كان إلا أن غابوا عن عينيْه ، فجعلوا يشتمونَه ويُهينونه بالفِعال والمقال ، وأجمعُوا على إلقائه في غيابت الجبِّ ، أي : في قعره ، على راعوفته - وفي الصخرة التي تكون في وسطه ، يقف عليها المائحُ ، وهو الذي ينزل ليملي الدِّلاء إذا قلَّ الماء ، والذي يرفعُها بالحبل يُسمَّى الماتح - فلما ألقوْه فيه أوحى الله إليه أنَّه لا بُدَّ لك من فرجٍ ومخرجٍ من هذه الشِّدَّة التي أنت فيها ، ولتخبرنَّ إخوتك بصنيعهم هذا في حالٍ أنت فيه عزيزٌ ، وهم محتاجون إليك ، خائفونَ منكَ ، وهم لا يشعرون . قال مجاهد وقتادة : لا يشعرون بإيحاء الله إليه ذلك(١). وعن ابن عباس: وهم لا يشعرون أي : لتخبرتَّهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها . رواه ابن جرير(٢) عنه . فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه أخذوا قميصَه فلطَّخوه بشيء من دم ، ورجعوا إلى أبيهم عِشَاءً وهم يبكون ، أي : على أخيهم . ولهذا (١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥٨/٧) والتاريخ (٣٣٢/١). (٢) أخرجه ابن جرير في التاريخ (٣٣٣/١). ٢٩١ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف قال بعضُ السلف : لا يغرّنكَ بكاءُ المتظلّم ، فرُبَّ ظالم وهو باكٍ . وذكرَ بكاء إخوة يوسف ، وقد جاءوا أباهم عشاءً ييكون ، أي: في ظلمة الليل، ليكون أمشى لغدرهم لا لعُذْرهم ﴿ قَالُواْ يَأَبَنَآ إِنَّاذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَعِنَا﴾ أي: ثيابنا ﴿ فَأَكَلَهُ الذِّثْبُ﴾ أي : في غيبتنا عنه في استباقنا ، وقولهم : ﴿ وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ﴾ أي : وما أنت بمصدِّقٍ لنا في الذي أخبرناكَ من أكل الذئب له ولو كنَّا غير مُتَّهمين عندك، فكيف وأنت تتَّهِمنا في هذا؟! فإنك خشيتَ أن يأكله الذئبُ ، وضمنًّا لك ألا يأكلَه لكثرتنا حوله ، فصرنا غير مُصدَّقين عندكَ ، فمعذورٌ أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه . - ﴿ وَجَآءُو عَلَى قَيصِهِ، بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: مكذوب مُفتعل؛ لأنهم عمَدوا إلى سخلةٍ ذبحوها، فأخذوا من دمِها فوضعُوه على قميصه ، ليُوهموا أنَّه أكله الذئبُ. قالوا : ونسوا أن يَخْرُقُوهُ، وآفةُ الكذب النسيان . ولما ظهرت عليهم علائمُ الرِّيبة لم يَرُجْ صنيعُهم على أبيهم ، فإنه كان يفهم عداوتَهم له وحسدَهم إيَّاه على محبَّتِه له من بينهم أكثر منهم ، لما كان يتوسّم فيه من الجَلالة والمَهابة التي كانت عليه في صغره ، لما يُريد الله أن يخصَّه به من نبوته . ولما راودُوه عن أخذِهِ ، فبمجرَّد ما أخذوه أعدموه وغيَّبوه عن عينيْه، جاؤوا وهم يتباكون ، وعلى ما تمالؤا عليه يتواطؤون ، ولهذا ﴿قَالَ بَلْ سَوَلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًّا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ . وعند أهل الكتاب : أن (( روبيل)) أشار بوضعه في الجُبِّ ليأخذه من حيث لا يشعرون، ويردّه إلى أبيه ، فغافلوه وباعوه لتلك القافلة. فلما جاءَ ((روبيلُ)) من آخر النهار ليخرجَ يوسفَ لم يجدْه ، فصاحَ وشقَّ ثيابَه ، وعمدَ أولئك إلى جَدْيٍ فذبحوه ولطَّخوا من دمه جبَّة يوسف . فلما علمَ يعقوبُ شقَّ ثيابَه ولبسَ مِثْزراً أسودَ ، وحزنَ على ابنه أيَّاماً كثيرة ، وهذه الركاكة جاءتْ من خطئهم في التعبير والتصوير . وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَةٍ قَالَ يَبُشْرَى هَذَا غُلَمْ وَأَسَرُوهُ بِضَعَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ () وَشَرَوْهُ ◌ِشَمَنْ نَخْسِ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَنُهُ مِن مِصْرَ لِأَمْرَأَتِهِ- أَكْرِمِ مَثْوَنُهُ عَسَىّ أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدَّأَ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَلُ مِن تَأْوِيِلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ( ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ﴾ [ يوسف: ١٩ -٢٢] يُخبر تعالى عن قصَّة يوسفَ حين وُضع في الجُبِّ ، أنَّه جلسَ ينتظرُ فرجَ الله ولُّطْفه به ، فجاءتْ سيّارة ، أي : مسافرون . قال أهلُ الكتاب : كانت بضاعتُهم من الفُسْتق والصَّنوبر والبُظْمُ(١) ، قاصدينَ ديار مصر من الشام. (١) (( البُطْمُ)): الحبة الخضراء، من الفصيلة الفستقية، شجرتها من أربعة إلى ثمانية أمتار، تنبت في الأراضي الجبلية ، ثمرتها حَسَكٌ مفرطعةٌ خضراء ، تنقشر عن غلاف خشبي يحوي ثمرة واحدة ، تُؤكل في بلاد الشام والعراق . ٢٩٢ ذكرى وقع من الاسار العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف فأرسلوا بعضَهم ليستقُوا من ذلك البئر ، فلما أدلى أحدُهمٍ دلوه تعلَّق فيه يوسفُ ، فلما رآه ذلك الرجلُ ﴿ قَالَ يَبُشْرَى﴾ أي: يا بشارتي ﴿ هَذَا غُلَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَعَةٌ﴾ أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة مَتْجَرهم ﴿ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: هو عالمٌ بما تمالأ عليه إخوته وبما يسَّره واجدوه ، من أنه بضاعة لهم ، ومع هذا لا يغيره تعالى ؛ لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقَدر السابق والرحمة بأهل مصرَ ، بما يجري الله على يديْ هذا الغلام ، الذي يدخلُها في صورة أسير رقيق ، ثم بعد هذا يُملِّكه أزمَّة الأمور ، وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يُحدُّ ولا يُوصف . ولما استشعرَ إخوةُ يوسفَ بأخذ السيّارة له لحقُوهم ، وقالوا : هذا غلامنا أبَقَ منا فاشتروه منهم بثمنٍ بخسٍ ، أي : قليل نَزْر ، وقيل : هو الزيف ﴿ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ﴾. قال ابن مسعود وابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطيّة العوفي : باعوه بعشرين درهماً ، اقتسموها درهمين درهمين . وقال مجاهد : اثنان وعشرون درهماً . وقال عكرمة ومحمد بن إسحاق : أربعون درهماً ، فالله أعلم . وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَنُهُ مِن مِّصْرَ لِأَمْرَأَتِهِ: أَكْرِمِ مَثْوَنُهُ﴾ أي: أحسني إليه ﴿ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآَ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَذََّ ﴾ وهذا من لُطْف الله به ورحمته وإحسانه إليه بما يريد أن يُؤْهِّلَه له ويُعطيه من خيري الدنيا والآخرة . قالوا : وكان الذي اشتراه من أهل مصرَ عزيزُها ، وهو الوزيرُ بها ، الذي الخزائنُ مُسلَّمة إليه . قال ابن إسحاق : واسمه إطفير١) بن رُوحيب . قال : وكان مَلِكُ مصرَ يومئذ الريَّان بن الوليد ، رجل من العماليق. قال: واسم امرأة العزيز ((راعيل)) بنت رعاييل. وقال غيره: كان اسمها (( زليخا)) [ والظاهر أنه لقبها ]٢). وقيل: ((فكا)) بنت ينوس . رواه الثعالبي عن أبي هشام الرفاعي. وقال محمد بن إسحاق : عن محمد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، كان اسم الذي باعَه بمصر يعني الذي جلبَه إليها مالكَ بن زعر بن نويب بن عفقا بن مديان بن إبراهيم ، فالله أعلم . وقال ابن إسحاق : عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود ، قال : أفرسُ الناس ثلاثة : عزيز مصر حين قال لامرأته: ﴿أَكْرِى مَثْوَنَهُ﴾ [ يوسف ٢١] والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى: ﴿يَكَأَبَتِ أُسْتَفْجِرَةٌ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَثْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] وأبو بكر الصديق حين استخلفَ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنهما . (١) في هامش أوب : قطفير . (٢) ما بين الحاصرتين سقط من أ ، وهو في ب والمطبوع . ٢٩٣ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف ثم قيل : اشتراه العزيز بعشرين ديناراً . وقيل : بوزنه مِسْكاً ، ووزنه حريراً ، ووزنه وَرِقاً . فالله أعلم . وقوله : ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: وكما قيَّضْنا هذا العزيز وامرأتَه يُحسنان إليه ويعتنيان به ، مكنًا له في أرض مصر ﴿ وَلِنُعَلِمَهُ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ﴾ أي: فهمها . وتعبير الرؤيا من ذلك - :وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِء﴾ أي: إذا أراد شيئاً فإنه يُقَيِّضُ له أسباباً وأموراً لا يهتدي إليها العباد ، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ يوسف: ٢٢] فدلَّ على أن هذا كلَّه كان وهو قبل بلوغ الأشدِّ ، وهو حدُّ الأربعينَ الذي يُوحي الله فيه إلى عباده النَّبيِّنَ عليهم الصلاة والسلام من ربِّ العالمين . وقد اختلفوا في مُدَّة العمر الذي هو بلوغُ الأَشُد١ُ)، فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي : هو الحلم . وقال سعيد بن جبير : ثماني عشرة سنة . وقال الضَّحاك : عشرون سنة . وقال عكرمة : خمس وعشرون سنة . وقال السُّدِّي : ثلاثون سنة . وقال ابن عبّاس ومُجاهد وقتادة : ثلاث وثلاثون سنة . وقال الحسن: أربعون سنة. ويشهدُ له قولُه تعالى: ﴿حَّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ﴾ [ الأحقاف: ١٥]. ﴿ وَرَوَدَتَّهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْنِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَّ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَنْوَىّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ زَّهَا بُرْهَنَ رَبِّهٍ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ الشُّوَءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [٣] وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَّدَتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا جَ قَالَ هِىَ رَوَدَتْنِى عَن نَفْسِىَّ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ،وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ فَلَمَّارَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ اْخَاطِئِينَ﴾ [ يوسف : ٢٣ - ٢٩]. يذكرُ تعالى ما كان من مُراودة امرأة العزيز ليوسفَ عليه السلام عن نفسه ، وطلبها منه ما لا يليقُ بحاله ومَقامه ، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب ، وكيف غلَّقتِ الأبوابَ عليها وعليه ، وتهيَّتْ له ، وتصنَّعتْ، ولبستْ أحسنَ ثيابها ، وأفخرَ لباسها ، وهي مع هذا كله امرأة الوزير . قال ابن إسحاق : وبنت أخت الملك الريَّان بن الوليد صاحب مصر . وهذا كلُّه مع أنَّ يوسفَ عليه السلام شابٌّ بديعُ الجمال والبهاء إلا أنَّه نبيٌّ من سُلالة الأنبياء ، فعصمَه ربّه عن الفحشاء ، وحماه عن مَكْر النساء ، فهو سَيِّدُ السادة النُّجباء السبعة الأتقياء ، المذكورينَ في الصحيحين عن خاتم الأنبياء ، في قوله عليه الصلاة والسلام من ربِّ الأرض والسماء : (( سبعةٌ يُظلُّهم الله (١) انظر أقوال السلف في معنى الأشد في تفسير الطبري (٧/ ١٧٦ - ١٧٧). ٢٩٤ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلاظِلُهُ: إمامٌ عادل، ورجلٌ ذكرَ الله خالياً ففاضت عيناه، ورجلٌ مُعلَّقٌ قلبُه(١) بالمسجد إذا خرجَ منه حتَّى يعودَ إليه ، ورجلان تحابًا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه ، ورجلٌ تصدقَ بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُهُ ما تنفقُ يمينُهُ ، وشابٌ نشأ في عبادة الله ، ورجلٌ دعتْه امرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجمالٍ فقال: إنِّي أخافُ الله)(٢) والمقصود : أنها دعتْه إليها وحرصتْ على ذلك أشدَّ الحِرْص، فقال: ﴿ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ ﴾ يعني زوجها صاحب المنزل سيِّدي ﴿أَحْسَنَ مَثْوَاِىٌّ﴾ أي: أحسنَ إليّ وأكرمَ مقامي عنده ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الَّلِمُونَ﴾ وقد تكلَّمنا على قوله ﴿وَلَقَدْهَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَّءَابُرْهَنَ رَيِّهِ،﴾ بما فيه كفاية ومقنع في التفسير . وأكثرُ أقوال المفسرين هاهنا متلقَّى من كتب أهل الكتاب ، فالإعراض عنه أولى بنا . والذي يجبُ أن يُعتقد أنَّ الله تعالى عصمَهُ(٣) وبرَّأه ، ونزَّهه عن الفاحشة ، وحماه عنها، وصانَه منها . ولهذا قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي : هربَ منها طالباً إلى الباب ليخرجَ منه فِراراً منها ، فاتَّبعتْه في أثره ﴿ وَأَلْفَيَا ﴾ [ أي: وجدا }ُ" سَيِّدَهَا﴾ أي: زوجَها لدى الباب، فبدرتْه بالكلام وحرَّضْته عليه ﴿ قَالَتْ مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أنَّهمته وهي المتَّهَمة، وبرَّأَتْ عِرْضَها ونزَّهَتْ ساحتَها . فلهذا قال يوسف عليه السلام : ﴿هِىَ رَوَدَتْنِ عَن نَّفْسِىَّ ﴾ احتاج إلى أن يقولَ الحقَّ عند الحاجة ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ قيل : كان صغيراً في المهد ، قاله ابن عباس ، ورُوي عن أبي هريرة ، وهلال بن يساف ، والحسن البصري ، وسعيد بن جُبير ، والضَّخَّاك، واختاره ابن جرير(٥) . وروى فيه حديثاً مرفوعاً عن ابن عباس(٦) ، ووقفَه غيرُه عنه . وقيل: كان رجلاً قريباً إلى ((أطفير)) بعلها . وقيل: قريباً إليها . وممن قال : إنه كان (١) في هامش ب : في نسخة : بالمساجد ، وفيها : متعلق . (٢) أخرجه البخاري (٦٦٠) في الأذان، ومسلم (١٠٣١ ) في الزكاة. انظر عصمة الأنبياء للفخر الرازي ، ففيه ما يشفي الغليل من إثبات عصمة يوسف عليه السلام ( ص٥١ ) . (٣) (٥) انظر تفسير الطبري (٧/ ١٩٤). (٤) سقطت من الأصول ، وأثبتها من المطبوع . (٦) أخرجه ابن جرير في تفسيره ( ٧/ ١٩٢). ٢٩٥ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف رجلا١ً) : ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، ومحمد بن إسحاق ، وزيد بن أسلم . فقال: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ أي: لأنه يكونُ قد راودَها فدافعْته حتى قَدّتْ(٢) مُقَدَّم قميصه ﴿ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾ أي: لأنه يكونُ قد هربَ منها ، فاتّبعتْه وتعلَّقَتْ فيه ، فانشقَّ قميصُه لذلك ، وكذلك كان . ولهذا قال تعالى: ﴿ فَلَمَّارَءَا قَمِيصَهُ، قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ أي : هذا الذي جرى من مكركنَّ ، أنتِ راودتِهِ عن نفسه . ثم اتَّهمْتِهِ بالباطل ، ثم ضربَ بعلُها عن هذا صفحاً ، فقال : ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي: لا تذكره لأحدٍ، لأنَّ كتمانَ مثل هذه الأمور هو الأليقُ والأحسنُ ، وأمرَها بالاستغفار لذنبها الذي صدرَ منها ، والتوبة إلى ربِّها، فإنَّ العبدُ(٣) إذا تاب إلى الله تابَ الله عليه . وأهلُ مصرَ وإن كانوا يعبدون الأصنامَ إلا أنَّهم يعلمونَ أنَّ الذي يغفرُ الذنوبَ ويُؤاخذ بها هو الله وحدَه لا شريكَ له في ذلك ، ولهذا قالَ لها بعلها ، وعذرَها من بعض الوجوه ، لأنها رأتْ ما لا صبرَ لها على مثله ، إلا أنه عفيفٌ نزيهٌ بريءُ العِرْضِ، سليم الناحية، فقال: ﴿ وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِّ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ اْخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: ٢٩]. ﴿﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُزَوِدُ فَتَنْهَا عَن نَّفْسِةِ، قَدْ شَغَفَهَا حُبَّا إِنَّالَرَنَهَا فِ ضَلَلِ مُِينٍ فَلَمَّاً سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَمُنَّ مُتَكَثًا وَتَتْ كُلَّ وَحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِينًا وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَلَئِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبْنَهُ وَقَطّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلَّ مَلَكٌ كَرِيٌْ ﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَِّ فِيَّةٍ وَلَقَدْ رَوَدَتُهُ عَن نَّفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمِّ وَلَيِنِ لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَا مِنَ الصَّنْفِرِينَ (٢) قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ وَإِلَّا نَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ، فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٠ - ٣٤]. يذكرُ إِلَيْهِنَّ وَكُ مِّنَ الْجَهِينَ تعالى ما كان من قِبَل نساء المدينة من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز ، وعيبها ، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها ، وحُبِّها الشديد له ، تعنين : وهو لا يساوي هذا ؛ لأنه مولى من الموالي، وليس مثله أهلاً لهذا ، ولهذا قلن ﴿ إِنَّا لَتَرَهَا فِ ضَلَالٍ تُبِينٍ ﴾ أي: في وضعِها الشيء في غير محلّه ﴿ فَلَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَ﴾ أي: بتشنيعهنَّ عليها، والتنقُّص لها، والإشارة إليها بالعيب والمذمَّة بحبِّ مولاها وعِشْقِ فتاها ، فأظهرنَ ذمَّاً وهي معذورةٌ في نفس الأمر ، فلهذا أحبَّتْ أن تبسطَ عذرَها عندهنَّ ، وتُبيِّن أنَّ هذا الفتى ليس كما حسبنَ ، ولا من قبيل ما لديهنَّ . فأرسلتْ إليهنَّ فجمعتهنَّ في منزلها ، (١) انظر هذه الأقوال في تفسير الطبري (٧/ ١٩٢ - ١٩٣). (٢) ((قدَّت)): قطعت ومزَّقت . (٣) كذا في أوب ، وفي المطبوع : العبد المذنب. ٢٩٦ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف وأعتدت لهنَّ ضِيافة مثلهنَّ، وأحضرتْ في جملة ذلك شيئاً مما يُقَطَّعُ بالسكاكين؛ كالأَتْرُجُ(١) ونحوه. وآتتْ كلَّ واحدةٍ منهنَّ سكِّيناً ، وكانت قد هيَّأتْ يوسفَ عليه السلام ، وألبستْه أحسنَ الثياب ، وهو في غاية طراوة الشباب ، وأمرته بالخروج عليهنَّ بهذه الحالة . فخرجَ وهو أحسنُ من البَدْر لا محالة ﴿ فَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: أعظمنَه وأجللنَه وهِبْنه، وما ظننَّ أن يكونَ مثل هذا في بني آدم ، وبهرهنَّ حُسْنِه، حتى اشتغلنَ عن أنفسهن، وجعلنَ يحززنَ في أيديهنَّ بتلك السكاكين ، ولا يشعرنَ بالجراح ﴿ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلََّ مَلَكُ كَرِيمٌ﴾. وقد جاء في حديث الإسراء ((فمررتُ بيوسفَ وإذا هو قد أعطي شَطْرَ الحُسْن )(٢) . قال السهيلي(٣) وغيره من الأئمة: معناه أنَّه كان على النِّصْفِ من حُسْن آدمَ عليه السلام ، لأن الله تعالى خلقَ آدمَ بيده، ونفخَ فيه من روحه ، فكان في غاية نهايات الحُسْنِ البشريِّ ، ولهذا يدخلُ أهلُ الجنّةِ الجنَّةَ على طُولِ آدمَ وحُسْنه، ويُوسف كان على النِّصفِ من حُسْنِ آدمَ ، ولم يكن بينهما أحسن منهما ، كما أنَّه لم تكن أنثى بعد حوَّاء أشبه بها من سَارَة امرأة الخليل عليه السلام . قال ابن مسعود : وكان وجهُ يوسفَ مثل البرق، وكان إذا أتته امرأةٌ لحاجةٍ غطَّى وجهه . وقال غيره : كان في الغالب مبرقعاً لئلا يراه النَّاسُ ، ولهذا لمَّا قام عذرن امرأة العزيز في محبَّتِها لهذا المعنى المذكور ، وجرى لهنَّ وعليهنَّ ما جرى من تقطيع أيديهنَّ بجِراح السكاكين ، وما ركبهنَّ من المهابة والدَّهش عند رؤيتِه ومعاينتِه . ﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ﴾ ثم مدحتْه بالعِقَّة٤ُ) النَّامَّة، فقالت: ﴿ وَلَقَدْ رَوَدَنُ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَسْتَعْضَمّ ﴾ أي: امتنع ﴿ وَلَيِنِ لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوْنَا مِّنَ الصَّغِرِينَ﴾ وكان بقيَّةُ النساء حرَّضْنَهُ على السمع والطاعة لسيدته ، فأبى أشدَّ الإباء ، ونأى لأنه من سلالة الأنبياء ، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين ﴿ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَفِىّ إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَكُ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ يعني إن وَكَلْتني إلى نفسي فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ، ولا أملكُ لنفسي نفعاً ولا ضَرَّاً إلا ما شاء الله ، فأنا ضعيفٌ إلا ما قوَّيتني وعصمتني وحفظتني، وحُطتني بحولك وقوَّتك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (﴿َ) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اُلْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى حِينٍ (٢) وَدَخَلَ مَعَهُ اٌلْسِّجْنَ فَشَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّ أَرَنِيَّ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُّ إِنَّ أَرَبِّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزَا تَأْكُلُ الَّيْرُ مِنْهُ نَبِئْنَا بِتَأْوِيلِ: إِنَّا نَرَكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿ قَالَ لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَفَانِ: إِلَّا نَبَّأْتِّكُمَا بِتَأْوِيِلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِيِّ إِّ تَرَكْتُ (١) ((الأَتْرُج)): شجر يحمل ثمراً كالليمون، حامض الطعم، ويُسمَّى: تفاح العجم. (٢) أخرجه أحمد في المسند ( ١٤٨/٣ و٢٨٦) ومسلم (١٦٢) في الإيمان . (٣) انظر الروض الأنف للسهيلي (١٢٩/١). (٤) كذا في أوب ، وفي المطبوع: بالعصمة . ٢٩٧ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف مِلََّ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ (٢) وَأَتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ إِنْزَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُشْرَِ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣) يَنَصَحِ السِّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِفُونَ خَيْرُّ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ: إِلَّ أَسْمَآءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَّ أَنَزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِنَّهِّ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ يَصَحِي اُلِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًّا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهٍ، قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْنَفْتِيَانِ ﴾ [ ، سف ٣٤ - ٤١]. يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم ، أي : ظهرَ لهم من الرأي بعدما علموا براءةَ يوسفَ أن يسجنوه إلى وقتٍ ، ليكونَ ذلك أقلّ لكلام الناس في تلك القضية وأخمد لأمرها ، وليظهروا أنه راودَها عن نفسها فسُجن بسببها ، فسجنوه ظلماً وعدواناً ، وكان هذا مما قدَّر الله له ، ومن جملة ما عصمَه به ، فإنَّه أبعدُ له عن معاشرتِهم ومخالطتهم ، ومن هاهنا استنبطَ بعضُ الصوفية ، ما حكاه عنهم الشافعي : أن من العصمة ألَّ تجد(١) !. قال الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ قيل: كان أحدُهما ساقي الملك واسمه فيما قيل ((نبو))، والآخر خبّازه، يعني الذي يلي طعامَه، وهو الذي يقول له الترك (( الجاشنكير )) واسمه فيما قيل ((مجلث )) كان الملك قد اتَّهمَهما في بعض الأمور فسجنَهما . فلما رأيا يوسفَ في السجن أعجبَهما سَمْتُه وهديُه ودلُّه ، وطريقته وقولُهُ وفعلُه ، و کثرةُ عبادته ربّه ، وإحسانه إلى خلقه ، فرأی کلُّ واحد منهما رؤيا تُناسبُه . قال أهلُ التفسير : رأيا في ليلة واحدة ، أما الساقي فرأى كأن ثلاثَ قضبان من حَبَلةٍ(٢) ، وقد أورقت وأينعتْ عناقيدَ العِنبِ(٣) ، فأخذَها فاعتصرَها في كأسِ الملك وسقاه . ورأى الخبَازُ على رأسه ثلاثَ سِلالٍ من خبزٍ وضَواريَ الطيور تأكلُ من السَّلِّ الأعلى، فقصَّاها عليه ، وطلبا منه أن يُعبِّرهما لهما وقالا : ﴿ إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبرَهما أنه عليمٌ بتعبيرها، خبيرٌ بأمرها و﴿ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَ قَائِ: إِلَّ نَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَّا﴾. قيل: معناه مهما رأيتُما من حلم فإني أعَبِّره لكم قبلَ وقوعه ، فيكونُ كما أقول . وقيل : معناه إني أخبرُكما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئهِ حلواً أو حامضاً ، كما قال عيسى : ﴿ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِ يُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. وقال لهما : إن هذا من تعليم الله إياي ، لأني مؤمنٌ به مُوحِّد له ، مُتَّبعٌ مِلَّة آبائي الكرام إبراهيم (١) . أي: ألا تجد ما فيه الابتلاء. (٢) ((الحَبَلة)): الأصل أو القضيب من شجرة الأعناب. (٣) كذا في ب ، وفي أ : عنباً ، فبدا العنبُ . ٢٩٨ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف الخليل وإسحاق ويعقوب ﴿ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا ﴾ أي: بأن هدانا لهذا ﴿ وَعَلَى النَّاسِ﴾ أي: بأن أمرنا أن ندعوَهم إليه، ونرشدَهم وندلَّهم عليه، وهو في فِطَرِهم مركوزٌ وفي جِبِلَّتِهِم مغروزٌ ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. ثم دعاهم إلى التوحيد ، وذمّ عبادة ما سوى الله عزَّ وجلَّ، وصغَّر أمرَ الأصنام وحقَّرَها ، وضعَّفَ أمرَها، فقال: ﴿يَصَحِتَى السِّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّفُونَ خَيْرَّ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ (٣) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ أَسْمَاءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا بِنَّهِّ أَمَرَ أَلَّ تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ يوسف: ٣٩ - ٤٠] أي: هو المتصرف في خلقه، الفعّال لما يُريد، الذي يَهدي منْ يشاءُ، ويُضلُّ منْ يشاء ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ أي: وحدَه لا شريك له و﴿ ذَلِكَ الذِينُ اَلْقَيِّمُ﴾ أي: المستقيم والصراط القويم ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فهم لا يَهتدون إليه ، مع وضوحه وظهوره ، وكانت دعوتُه لهما في هذه الحال في غاية الكمال ، لأنَّ نفوسَهما مُعظّمةٌ له ، منبعثة على تلقّي ما يقول بالقبول ، فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه . ثمَّ لما قام بما وجبَ عليه وأرشدَ إلى ما أرشدَ إليه ، قال: ﴿ يَصَحَِى السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا﴾ قالوا: وهو الساقي، ﴿ وَأَمَّا الْأَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّرُ مِن رَّأْسِهِ،﴾ قالوا: وهو الخبّاز ﴿قُضِىَ اُلْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْنَفْتِيَانِ﴾ أي: وقعَ هذا لا محالةَ، ووجبَ كونُه على حالة، ولهذا جاء في الحديث (( الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبَّرْ فإذا عُبِّرَتْ وقعتْ)(١) وقد رُوي عن ابن مسعود ، ومجاهد ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أنهما قالا لم نرَ شيئاً . فقال لهما : ﴿ قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْنَفْتِيَانِ ﴾ . ﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجِ مِنْهُمَا أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَنُهُ الشَّيْطَنُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِى السّجْنِ يِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]. يُخبر تعالى أنَّ يوسفَ عليه السلام قال للذي ظنَّه ناجياً منهما وهو الساقي ﴿ أَذْكُرْنِي عِندَ رَيِّكَ﴾ يعني : اذكرْ أمري وما أنا فيه من السجن بغير حُزْمٍ عند الملك. وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب . ولا ينافي ذلك التوكل على ربِّ الأرباب . وقوله ﴿فَأَنسَنْهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، ﴾ أي: فأنسى النَّاجي منهما الشيطانُ أن يذكرَ ما وصَّاه به يوسف عليه السلام . قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد، وهو الصواب، وهو منصوصُ أهل الكتاب ﴿ فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ يِضْعَ سِنِينَ ﴾ والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع. وقيل : إلى السبع . وقيل : إلى الخمس . وقيل : ما دون العشرة . حكاها الثعلبي . ويقال : بضع نسوة ، وبضعة رجال . ومنعَ الفَرَّاءُ استعمالَ البضع فيما دون العشر . قال : وإنما يُقال : نيف . (١) أخرجه أحمد فى المسند (١٠/٤)، وابن ماجه (٣٩١٤) في تعبير الرؤيا، والدارمي (١٢٦/٢) في الرؤيا ، وهو حديث صحيح . ٢٩٩ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصة يوسف وقال الله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فِ بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] وهذا ردٌّ لقوله . قال الفراء : ويُقال بضعة عشر، وبضعة وعشرون إلى التسعين ، ولا يُقال : بضع ومئة ، ويضع وألف . وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر ، فمنعَ أن يُقال : بضعة وعشرون إلى تسعين . وفي الصحيح: ((الإيمان بضعٌ وستون)) وفي رواية: (( وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق (١) . ومن قال : إن الضمير في قوله: ﴿فَأَنَسَنُهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ،﴾ عائد على يوسفَ، فقد ضُعِّفَ ما قاله ، وإن كان قد رُوي عن ابن عباس وعكرمة ، والحديث الذي رواه ابنُ جرير(٢) في هذا الموضع ضعيفٌ من كل وجه . تفرَّد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي(٢) المَكِّيّ، وهو متروك. ومُرسلُ الحسن وقتادة لا يُقبل ولا هاهنا بطريق الأولى والأحرى ، والله أعلم . فأما قول ابن حبَّان في صحيحه(٣) عند ذكر السبب الذي من أجله لبثَ يوسف في السجن ما لبثَ : أخبرنا الفضل بن الحباب الجُمحيّ، حدَّثنا مُسدَّد بن مُسَرهدٍ، حدَّثنا خالد بن عبدِ الله، حدَّثنا محمّدُ بن عمرٍو ، عن أبي سلمةً، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّر: ((رحمَ الله يوسفَ لولا الكلمة التي قالها ﴿ أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ ما لبثَ في السجن ما لبثَ ، ورحم الله لوطاً إن کان لیأوي إلی رُكُنٍ شديد، إذ قال لقومه: ﴿لَوْ أَنَّلِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَّكْنِ شَدِيدٍ﴾ [ هود: ٨٠] قال: فما بعثَ الله نبيّاً بعده إلا في ثروة من قومه)). فإنه حديث منكر من هذا الوجه ، ومحمد بن عمرو بن علقمة، له أشياء ينفردُ بها، وفيها نكارة ، وهذه اللفظة من أنكرها وأشدِّها . والذي في الصحيحينُ(٤) يشهدُ بغلطها ، والله أعلم . وَقَالَ الْمَلِكُ إِنَّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَا بِسَتٍ يَأَيُّهَا اٌلْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُءْيَنَىَ إِن كُنتُمْ لِلُّغْيَا تَعْبُرُونَ ﴿ قَالُواْ أَضْغَثُ أَحْلَهِ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحَِْ بِعَلِمِينَ ﴿﴿ وَقَالَ الَّذِى نَجَا ◌َ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِ سَبْعِ بَقَرَتٍ سِمَانٍ بَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَأْ أَنَِّنُكُم بِتَأْوِيلِهِ، فَأَرْسِلُونِ ! عِبَانٌ وَسَيْعِ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَا بِسَتٍ لَّعَلَى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَبَ فَا حَصَدْتُم فَذَرُوهُ فِ سُنُبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّعَّا نَأْكُونَ (٥٦) ثُمَ يَأْتِ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا فَدَّ مْتُمْ لَنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (٥) ثُمَ يَأْتِى (١) أخرجه البخاري رقم (٩) ومسلم ( ٣٥) في الإيمان، وأحمد (٢/ ٤٤٥) وأبو داود ( ٤٦٧٦) في السنة ، والترمذي (٢٦١٧) في الإيمان، والنسائي (٨/ ١١٠) في الإيمان، وابن ماجه (٥٧) في المقدمة . (٣) الإحسان (٦٢٠٦) وهو حديث حسن . والثروة : الكثرة والمنعة. (٢) في التفسير (٢٢١/٧). (٤) أخرجه البخاري (٣٣٧٢) في الأنبياء، ومسلم (١٥١) (٢٣٨) في الإيمان. ٣٠٠ ذكر ما وقع من الأمور العجيبة لإسرائيل وقصه يوسف مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [ برسم ٤٣ -٤٩ ]هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والإكرام ، وذلك أن مَلِكَ مصرَ ، وهو الريَّان بن الوليد بن ثروان بن أراشه بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح رأى هذه الرؤيا . قال أهل الكتاب : رأى كأنَّه على حافة نهر ، وكأنَّه قد خرجَ منه سبع بقرات سمان ، فجعلنَ يرتعنَ في روضة هناك، فخرجتْ سَبْعٌ هُزال ضعاف من ذلك النهر ، فرتعنَ معهنَّ ، ثم مِلْنَ عليهنَّ فأكلنهنَّ ، فاستيقظ مذعوراً، ثم نامَ فرأى سبعَ سنبلات خُضْرٍ في قصبةٍ واحدةٍ ، وإذا سبع أُخرُ دقاقٌ يابسات ، يأكلنهنَّ، فاستيقظَ مذعوراً . فلما قصَّها على ملئِهِ وقومِه ، لم يكن فيهم من يُحسنُ تعبيرَها ، بل ﴿ قَالُواْ أَضْغَثُ أَعْلَةٍ ﴾ أي : أخلاط أحلام من الليل، لعلَّها لا تعبيرَ لها، ومع هذا فلا خبرةَ لنا بذلك، ولهذا قالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ اُلْأَعْلَِ بِعَلِمِينَ﴾ فعند ذلك تذكَّرَ النَّاجي منهما الذي وصَّاه يوسفُ بأن يذكرَه عند ربّه فنسيَه إلى حينه هذا، وذلك عن تقدير الله عزَّ وجلَّ، وله الحكمة في ذلك، فلما سمعَ رؤيا الملكِ ورأى عَجْزَ النَّاس عن تعبيرها، تذكَّرَ أمرَ يوسف، وما كان أوصاه به من التَّذْكار، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ ﴾ أي : تذكَّر ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعدَ مدَّةٍ من الزمان، وهو بضعُ سنينَ، وقرأ بعضهُم كما حُكيَ عن ابن عبّاس وعكرمة والضَّخَاك ﴿ وَأَذَّكَرَ بَعْدَأُمَّةٍ ﴾ أي: بعد نسيان، وقرأها مجاهد ( بعد أمْهٍ ) بإسكان الميم ، وهو النسيان أيضاً ، يقال : أمِهَ الرجلُ يأمَهُ أمْهاً وأمَهاً : إذا نسي ، قال الشاعر : [ من الوافر ] أمِهْتُ وكنتُ لا أنسى حديثاً كذاكَ الدهرُ يردي بالعقولُ(١) فقال لقومه وللملك : ﴿ أَنَأْ أُنِّيِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ، فَأَرْسِلُونِ﴾ أي: فأرسلوني إلى يوسفَ ، فجاءه فقال : ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِ سَيْعِ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ وَسَيْعِ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتٍ لَعَلَى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ . وعند أهل الكتاب أن الملكَ لما ذكرَه له الساقي استدعاه إلى حضرتِهِ ، وقصَّ عليه ما رآه ، ففسَّره له. وهذا غَلَطْ ، والصوابُ ما قصَّه الله في كتابه القرآن، لا ما غُرَّ به هؤلاء الجهلة الثيران، من قرَّايٍ وَرَبَّانُ(٢). فبذلَ يوسفُ عليه السلام ما عندَه من العلم بلا تأخّرٍ ولا شرطٍ ، ولا طلبٍ للخروج(٣) سريعاً ، بل أجابَهم إلى ما سألوا ، وعبَّرَ لهم ما كان من منام الملك الدَّالِّ على وقوع سبع سنين من الخصب ، ويعقُبها سبعٌ جدب. ﴿ ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يعني: يأتيهم الغيث والخِصْبُ والرفاهية (١) أمِهْتُ: نسيتُ. وفي تفسير القرطبي (٩/ ٢٠١): يُودي بالعقول. (٢) كذا في أوب ؛ وقرّاي: كثير القراءة ، والمراد : القرَّاء والعلماء من يهود. (٣) في المطبوع: ولا طلبَ الخروجَ. وفي ((أ)) كلمة (( الخروج )) غير واضحة.