النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ قصة قوم لوط عليه السلام وقال في سورة القمر: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّدُرِ (٣٦) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ تَّخَيْنَهُمْ بِسَحَرٍ (٢) نِعْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ ﴿ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِالنُّذُرِ ﴿ وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بَكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَفِرٌ ﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ ﴿٣) وَلَقَدْ يَسَرْنَا الْقُزْءَانَ لِذَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَكِرِ ﴾ [القمر: ٣٣ -٤٠]. وقد تكلَّمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السور في التفسير . وقد ذكرَ الله لوطاً وقومَه في مواضع أُخرَ من القرآن ، تقدَّمَ ذِكرها مع قوم نوح وعادٍ وثمود ، والمقصودُ الآن إيرادُ ما كانَ من أمرهم، وما أحلَّ الله بهم مجموعاً من الآيات والآثار ، وبالله المستعان . وذلك أنَّ لوطاً عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريكَ له ، ونهاهم عن تعاطي ما ذكرَ الله عنهم من الفواحش ، فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به ، حتى ولا رجل واحد منهم ، ولم يتركُوا ما عنه نهُوا، بل استمرُّوا على حالهم، ولم يرعوو(١) عن غيِّهم وضَلالهم وهمُّوا بإخراج رسولهم من بين ظَهْرَانيهم ، وما كانَ حاصلُ جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا: ﴿ أَخْرِجُوَاْءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] فجعلوا غاية المدح ذمّاً يقتضي الإخراج ، وما حملَهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج . فطهَّره الله وأهله إلا امرأته ، وأخرجهم منها أحسنَ إخراج ، وتركهم في محلّتهم خالدين ، لكنْ بعدما صِيَّرها عليهم بحرةً منتنةً ذات أمواج ، لكنَّها عليهم في الحقيقة نار تأجَّج ، وحرٍّ يتوهَّجُ ، وماؤها مِلْحٌ أجاج . وما كان هذا جوابُهم إلا لما نهاهم عن الطَّامَّةِ العظمى والفاحشة الكبرى ، التي لم يسبقْهم إليها أحدٌ من أهل الدنيا ، ولهذا صاروا مُثْلةً فيها ، وعبرةً لمن عليها . وكانوا مع ذلك يقطعون الطريقَ ، ويخونونَ الرفيقَ ، ويأتون في ناديهم - وهو مجتمعهم ومحلّ حديثهم وسمرهم - المنكرَ من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه ، حتى قيل : إنهم كانوا يتضارطُون في مجالسِهم ولا يستحيُّونَ من مُجالسيهم ، وربما وقعَ منهم الفعْلةُ العظيمةُ في المحافل ، ولا يستنكفون، ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نميمة من ناقل (٢) ، وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضلُّ سبيلاً ، ولم يُقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ، ولا ندموا على ما سلفَ من الماضي ، ولا رامُوا في المستقبل تحويلاً ، فأخذَهم الله أخذاً وبيلاً، وقالوا له فيما قالوا: ﴿ آثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ﴾ [ العنكبوت: ٢٩] فطلبوا منه وقوعَ ما حذَّرهم من العذاب الأليم ، وحلول البأس العظيم، فعند ذلك (١) كذا في أوب . وفي المطبوع: ولم يرتدعوا . (٢) كذا في أوب وفي المطبوع : ولا نصيحة من عاقل . ولعلها الأصوب . ٢٦٢ قصة قوم لوط عليه السلام دعا عليهم نبيُهم الكريم ، فسألَ من ربِّ العالمين وإلّه المرسلين ، أن ينصرَه على القوم المفسدين ، فغارَ لغَيْرتِهِ وغضب لغَضْبَتِهِ ، واستجابَ لدعوتِهِ ، وأجابه إلى طُلْبَتَهِ ، وبعثَ رسلَه الكرام وملائكتَه العظام ، فمزُوا على الخليل إبراهيم ، وبشَّرُوه بالغلام العليم ، وأخبرُوه بما جاؤوا له من الأمر الجَسيم والخَطْب العَميم. ﴿﴿ قَالَ فَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٢) قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ (٢َ) لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ (® مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ [الذاريات: ٣١ -٣٤]. وقال: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَهِمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ اَلْقَرْيَةٌ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَلِمِينَ لَّ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَأَ قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيَها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِرِينَ ﴾ [ العنكبوت: ٣١ - ٣٢ ] . وقال الله تعالى: ﴿ فَلَّا ذَهَبَ عَنْ إِنْزَهِيَمَ الرَّوْعُ وَجَآءَتَّهُ الْبُشْرَى يُحَدِّلْنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]. وذلك أنه كان يرجو أن يُنيبوا ويُسلموا، ويُقلعوا ويرجعوا، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ إِنَرْهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّةٌ مُّنِبٌ (٢) يَإِنَزَهِيمُ أَغْرِضْ عَنْ هَذَّا إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَيْكٌ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [ هود: ٧٥ - ٧٦] أي: أعرضْ عن هذا وتكلَّمْ في غيره ، فإنه قد حتمَ أمرُهم، ووجبَ عذابُهم وتدميرُهم وهلاكُهم ﴿ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَفْرُ رَيِّكَ﴾ [هود: ٧٦] أي: قد أَمر به من لا يُردُّ أمرُه، ولا يُردُّ بأسه، ولا مُعَقِّبَ لحكمِه ﴿ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ [ هود: ٧٦]. وذكر سعيدُ بن جُبير ، والسُّدِّي وقتادة ومحمد بن إسحاق : أنَّ إبراهيمَ عليه السلام جعلَ يقول : (( أتُهلكون قريةً فيها ثلاثمئة مؤمن ؟ قالوا : لا . قال : فمئتا مؤمن ؟ قالوا : لا . قال : فأربعون مؤمناً؟ قالوا: لا. قال: فأربعة عشرَ مؤمناً؟ قالوا: لا)) قال ابن إسحاق إلى أن قال ((أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا. ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَأَ قَالُواْ نَحْرُ أَعْلَمُ بِمَن فِيَهَا﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآية (١))). وعند أهل الكتاب أنه قال : يا ربِّ أتُهلكهم وفيهم خمسون رجلاً صالحاً ؟ فقال الله : لا أُملكهم وفيهم خمسونَ صالحاً . ثم تنازلَ إلى عشرة فقال الله : لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون . قال الله تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطَا سَِّ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ﴾ [ هود: ٧٧] قال المفسرون : لما فصلتِ الملائكةُ من عند إبراهيم : جبريل وميكائيل وإسرافيل ، أقبلوا حتى أتوا أرض سدُوم في صُور شبَّان حِسَان ، اختباراً من الله تعالى لقوم لوط ، وإقامةٌ للحجَّة عليهم ، فاستضافوا لوطاً عليه السلام وذلك عند غروب الشمس ، فخشيَ إنْ لم يُضْفهم يُضَيِّفهم غيرُه ، وحسبَهم بشراً من النَّاس ◌َِّ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]. قال ابن عبّاس (٢) ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق : شديدٌ بلاؤُه . وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم ، كما كان يصنعُ بهم في (١) أخرجه ابن جرير الطبري في التاريخ (١/ ٢٩٧). (٢) انظر تفسير الطبري (٧/ ٨٠ - ٨١). ٢٦٣ قصة قوم لوط عليه السلام غيرهم ، وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يُضَيِّفَ أحداً ، ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه . وذكر قتادة : أنَّهم وَرَدُوا عليه وهو في أرضٍ له يعملُ فيها ، فتضيَّفُوا ، فاستحيا منهم ، وانطلقَ أمامَهم ، وجعلَ يُعرِّضُ لهم في الكلام لعلَّهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلوا في غيرها ، فقال لهم فيما قال : يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهلَ بلد أخبثَ من هؤلاء ، ثم مشى قليلاً ، ثم أعاد ذلك عليهم ، حتى كرَّره أربعَ مرَّات ، قال : وكانوا قد أمروا ألا يُهلكوهم حتى يشهدَ عليهم نبيُّهم بذلك(١) وقال السُّديِّ : خرجتِ الملائكةُ من عند إبراهيم نحوَ قوم لوط ، فأتَوْها نصفَ النَّهار ، فلما بلغوا نهرَ سَدُوم لقوا ابنةَ لوط تَسْتقي من الماء لأهلها، وكانت له ابنتان، اسم الكبرى ((ريثا)) والصُّغرى ((زغْرتا)) فقالوا لها : يا جاريةُ : هل من منزلٍ ؟ فقالت لهم : مكانَكم لا تدخلوا حتى آتيكم ، فَرِقَتْ عليهم من قومها ، فأتتْ أباها ، فقالت : يا أبتاه أرادَك فتيانٌ على باب المدينة ، ما رأيتُ وجوهَ قوم قطُ هي أحسن منهم ، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم . وقد كان قومُه نهوه أن يُضيِّفَ رجلاً ، فجاء بهم فلَم يعلم أحدٌ إلا أهلُ البيت ، فخرجتْ امرأتُه فأخبرتْ قومَها ، فقالت : إن في بيت لوط رجالاً ما رأيتُ مثلَ وجوههم قطُ ، فجاءَه قومُه يُهرعون إليه (٢) . وقوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُوْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ٧٨] أي: هذا مع ما سلفَ لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة ﴿ قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] يُرشدهم إلى غشيان نسائِهم وهنَّ بناته شرعاً ، لأن النبيَّ للأمة بمنزلة الوالد، كما ورد في الحديث، وكما قال تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَُهُمُّ﴾ [الأحزاب: ٦] وفي قول بعض الصحابة والسلف: وهو أب لهم . وكهذا كقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ (َ﴾ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ﴾ [ الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] وهذا هو الذي نصَّ عليه مجاهد وسعيد بن جُبَيْر والربيع بن أنس وقتادة والسُّدِّي ومحمد بن إسحاق ، وهو الصواب . والقولُ الآخر خطأ ، مأخوذ من أهل الكتاب ، وقد تصخَّفَ عليهم ، كما أخطؤوا في قولهم : إن الملائكة كانوا اثنين ، وإنهم تَعشَّوْا عنده، وقد خبطَ أهلُ الكتاب في هذه القِصَّة تخبيطاً عظيماً . وقوله: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىِّ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] نهيٌّ لهم عن تعاطي ما لا يليقُ من الفاحشة ، وشهادةٌ عليهم بأنه ليس فيهم رجلٌ له مُسْكةٌ ولا فيه خير ، بل الجميعُ سفهاء ، فجرةٌ أقوياء ، كفرةٌ أغبياء . وكان هذا من جملة ما أرادَ الملائكةُ أن يسمعوا منه من قبل أن يسألوه عنه ، فقال قومه : - عليهم لعنة (١) أخرجه ابن جرير في التفسير (٧٩/٧ - ٨٠). (٢) أخرجه ابن جرير في التاريخ (٣٠٠/١). ٢٦٤ قصة قوم لوط عليه السلام الله الحميد المجيد - مجيبينَ لنبيِّهما فيما أمرَهم به من الأمر السديد ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعَلَمُ مَا نُرِيدٌ﴾ [هود: ٧٩] يقولون - عليهم لعائن الله - لقد علمتَ يا لوط إنه لا أربَ لنا في نسائنا، وإنك لتعلَمُ مُرادنا وغَرضنا . واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولَهم الكريم ، ولم يخافوا سَطْوةً العظيم ، ذي العذاب الأليم ، ولهذا قال عليه السلام: ﴿ لَوْ أَنَّلِیبِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِى إِلَى زُگنِ شَدِيدٍ ﴾ [ هود: ٨٠ ] ودّ أن لو كان له بهم قوَّة ، أو منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ، ليحلَّ بهم ما يستحقُّونه من العذاب على هذا الخطاب . وقد قال الزُّهري : عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة : عن أبي هريرة مرفوعاً: (( نحنُ أحقُّ بالشكُ من إبراهيم ، ويرحمُ الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لَبِثتُ في السجن ما لبثَ يوسف لأجبتُ الداعي)(١) ورواه أبو الزِّناد: عن الأعرج ، عن أبي هريرة . وقال محمد بن عمرو بن علقمة: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَّر قال: (( رحمةٌ الله على لوط ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله عزَّ وجلَّ - فما بعثَ الله بعدَه من نبيٍّ إلا في ثروة من قومه )(٢) . وقال تعالى: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءٍ ضَيْفِى فَلَ نَفْضَحُونِ (٢١) وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ◌ِ قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴿ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِىّ إِن كُتُمْ فَعِلِينَ ﴾ [ الحجر: ٦٧ - ٧١] فأمرهم بقُربان نسائِهم وحذَّرهم الاستمرار على طريقتهم وسيَّتهم ، هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون ، بل كلَّما نصحَ لهم يُبالغون في تحصيل هؤلاء الضِّيفان ويُحرِّضون، ولم يعلموا ما حُمَّ به القَدَرُ مما هم إليه صائرون ، وصبيحةَ ليلتهم إليه مُنقلبون ، ولهذا قال تعالى مقسماً بحياة نبيِّه محمد صلوات الله وسلامه عليه : ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَئِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [ الحجر: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنَذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِالنُّذُرِ (٦) وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَآَ أَعْيُبَهُمْ فَذُوقُواْ عَلَاٍ وَنُذُرٍ ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بَكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌ﴾ [القمر: ٣٦ - ٣٨] ذكرَ المفسرون (٣) وغيرُهم: أن نبيَّ الله لوطاً عليه السلام جعلَ يُمانعُ قومَه الدخولَ ، ويُدافعُهم ، والبابُ مغلقٌ ، وهم يرومون فتحَه وولوجَه ، وهو يعظُهم وينهاهُم من وراء الباب ، وكل ما لهم في إلحاح وإنفاج (٤) ، فلما ضاقَ الأمرُ وعَسُرَ الحالُ ، قال : لَ أَنَّلِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِيّ إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [ هود: ٨٠] لأحللتُ بكم النَّكال. قالت الملائكة: ﴿ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ﴾ [هود: ٨١] وذكروا أن جبريل عليه السلام خرجَ (١) أخرجه البخاري (٣٣٧٢) في الأنبياء. (٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٠٥) والترمذي (٣١١٦) في التفسير، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٦١) . (٣) انظر تفسير الطبري (٧/ ٨٥ - ٨٦). (٤) إنفاج : تعاظم وتكثُّر . ٢٦٥ قصة قوم لوط عليه السلام عليهم فضربَ وجوهَهم خفقةً بطرف جناحِه ، فطمست أعينَهم ، حتى قيل : إنها غارت بالكلية ، ولم يبق لها محلٌّ ولا عينٌ ولا أثر ، فرجعوا يتحسَّسون مع الحيطان ، ويتوَّدون رسولَ الرحمن ، ويقولون : إذا كان الغدُ كان لنا وله شأنٌّ ، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَفِرٌّ﴾ [ القمر: ٣٧ - ٣٨] فذلك أن الملائكة تقدَّمت إلى لوط عليهم السلام ، آمرينَ له بأن يسري هو وأهله من آخر الليل ﴿ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ [ هود: ٨١] يعني عند سماع صوت العذاب إذا حلَّ بقومه، وأمروه أن يكونَ سيرُه في آخرهم كالساقة لهم. وقوله: ﴿ إِلَّ أَغْرَأَنَكَ﴾ على قراءة النصب يحتمل أن يكون مستثنى من قوله: ﴿فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ﴾ كأنه يقول: إلَّ امرأتك فلا تسرٍ بها، ويحتمل أن يكونَ من قوله : ﴿ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَقْرَأَنَكَ﴾ أي: فإنها ستلتفت فيُصيبها ما أصابَهم ، ويُقوِّي هذا الاحتمال قراءة الرفع ، ولكن الأول أظهر في المعنى ، والله أعلم . قال السهيلي(١): واسم امرأة لوط ((والهة)) واسم امرأة نوح (( والغة)). وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين النظراء والأشباه ، الذين جعلَهم الله سلفاً لكلِّ ج خائن مُريب: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] فلما خرجَ لوطٌ عليه السلام بأهله وهم ابنتاه ، ولم يتبعْه منهم رجلٌ واحد، ويُقال: إن امرأتَه خرجتْ معه ، فالله أعلم . فلما خَلَصوا من بلادهم وطلعتِ الشَّمْسُ ، فكان عند شروقها جاءَهم من أمر الله ما لا يُردُّ ، ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يُصدَّ . وعند أهل الكتاب : أن الملائكة أمروه أن يصعدَ إلى رأس الجبل الذي هناك ، فاستبعده ، وسأل منهم أن يذهبَ إلى قرية قريبة منهم . فقالوا : اذهب فإنا ننتظرُّك حتى تصيرَ إليها وتستقرَّ فيها ، ثم نُحلّ بهم العذابَ، فذكروا أنه ذهبَ إلى قرية ((صغر)) التي يقول النَّاس ((غور زغر)) فلما أشرقتِ الشَّمْسُ نزلَ بهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ مَّنْضُودٍ (٧) مُسَوَّمَةً عِندَرَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [ هود: ٨٢ -٨٣]. قالوا : اقتلعَهنَّ جبريلُ بطرف جناحِه منْ قَرارهنَّ ، وكنَّ سبعَ مُدُنٍ بمن فيهنَّ من الأمم ، فقالوا : إنَّهم كانوا أربعمئة نسمة . وقيل : أربعة آلاف نسمة ، وما معهم من الحيوانات ، وما يتبعُ تلك المدن من الأراضي والأماكن والمعتملات ، فرفعَ الجميعَ حتى بلغَ بهنَّ عنانَ السماء ، حتى سمعتِ الملائكةُ أصواتَ ديكتهم ونُباح كلابهم ، ثم قلبَها عليهم ، فجعل عاليها سافلها . قال مجاهد : فكان أوَّل ما سقط منها شرفاتها ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾ [ هود: ٨٢] والسِّجِّيلُ(٢) : فارسي مُعرَّب ، وهو الشديد (١) التعريف والإعلام ؛ للسهيلي ( ص ٥٣ ). (٢) سقطت من أ . ٢٦٦ قصة قوم لوط عليه السلام الصُّلْبُ القويُّ ﴿ مَّنْضُودٍ﴾ أي يتبعُ بعضُها بعضاً في نزولها عليهم من السماء ﴿ مُسَوَّمَةً ﴾ أي: معلمة، مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه كما قال: ﴿تُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ وكما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّطَرْنَا عَلَيْهِ مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] وقال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى (@) فَفَشَّنَهَا مَا غَشَى﴾ [النجم : ٥٣ - ٥٤] يعني قلبَها فأهوى بها منكَّسة عاليها سافلها، وغشَّاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مرقومة ، على كل حجر اسم صاحبه الذي سقطَ عليه ، من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذِّين منها . ويقال : إن امرأةً لوطِ مكثتْ مع قومها ، ويُقال : إنها خرجتْ مع زوجها وبنتيها ، ولكنَّها لما سمعت الصَّيْحة وسقوطَ البلدة التفتتْ إلى قومها ، وخالفتْ أمرَ ربِّها قديماً وحديثاً ، وقالت: واقوماه! فسقطَ عليها حجرٌ فدمغَها١) ، وألحقَها بقومها إذ كانت على دينهم، وكانت عَيْناً لهم على منْ يكونُ عند لوطٍ من الضَّيفان، كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحِ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الَّا ◌ِينَ﴾ [التحريم: ١٠] أي: خانتاهما في الدين، فلم يتَبعاهُما فيه . وليس المرادُ أنهما كانتا على فاحشةٍ ، حاشا وكلا ولمَّا، فإنَّ الله لا يُقدِّرُ على نبيٍّ أن تبغيَ امرأتُهُ ، كما قال ابن عبّاس وغيره من أئمة السلف والخلف : ما بغت امرأةُ نبيٍّ قط . ومنْ قال خلافَ هذا فقد أخطأ خطأ كبيراً. قال الله تعالى في قصة الإفك، لما أنزل براءة أمّ المؤمنين عائشة بنت الصِّدِّيق زوج رسول الله ميلاد حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، فعاتبَ الله المؤمنين وأنَّبَ وزجرَ ووعظَ وحذَّر ، وقال فيما قال : ﴿ إِذْتَلَقَوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمُ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنَاوَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (٤٥) وَلَوْلَآ إِذْسَمِعْتُمُوهُ قُلْتُممَّا يَكُونُ لَنَآ أَن تَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَؤُّ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥ - ١٦] أي: سبحانَكَ أن تكون زوجة نبيِّك بهذه المثابة . وقوله هاهنا ﴿ وَمَاهِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [ هود: ٨٣] أي: وما هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم . ولهذا ذهبَ منْ ذهبَ من العلماء إلى أن اللائط يُرجمُ سواءٌ كان مُحْصناً أو لا ، نصَّ عليه الشافعيُّ وأحمد بن حنبل ، وطائفةٌ كثيرة من الأئمة ، واحتجُوا أيضاً بما رواه الإمام أحمد وأهلُ السُّننَ : من حديث عمرو بن أبي عمرو ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أن رسول الله مَّله قال: (( منْ وجدتُموه يعملُ عملَ قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعولَ به (٢) وذهبَ أبو حنيفة إلى أن اللائطَ يُلقى من شاهق جبل ويُتْبِعُ بالحجارة، كما فُعِلَ بقوم لوط، لقوله تعالى: ﴿وَمَاهِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [ هود: ٨٣]. وجعلَ الله مكانَ تلك البلاد بحرةً منتنةً ، لا يُنتفع بمائِها ، ولا بما حولَها من الأراضي المتاخمة (١) تاريخ الطبري (٣٠١/١) وفيه: فأدركها حجرٌ فقتلها. (٢) رواه أحمد في المسند (١/ ٣٠٠) وأبو داود (٤٤٦٢) في الحدود، والترمذي (١٤٥٦) في الحدود ، وابن ماجه (٢٥٦١) في الحدود وهو حديث صحيح بشواهده . ٢٦٧ قصة قوم لوط عليه السلام لفنائها ، لرداءتها ودناءتها ، فصارتْ عبرةً ومُثْلةً وعِظَةً وآيةً على قدرة الله تعالى وعظمته ، وعزَّته في انتقامه ممن خالفَ أمرَه وكذَّبَ رسَلَه واَبعَ هواه وعصى مولاه ، ودليلاً على رحمتِهِ بعباده المؤمنينَ في إنجائه إيّاهم من المهلكات ، وإخراجه إياهم من النُّور إلى الظلمات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ا﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٨-٩] وقال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ( فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ (﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَتٍ لِلْمُتَوَسّمِينَ (١٤) وَإِنَّهَ لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: ٧٣ - ٧٧] أي: منْ نَظرَ بعين الفراسة والتوسُّم فيهم، كيف غيَّر الله تلك البلاد وأهلَها ، وكيف جعلها بعدما كانت آهلةً عامرة ، هالكةً غامرة ؛ كما روى الترمذيُّ وغيرُه مرفوعاً: (( اتقوا فراسةَ المؤمن فإنَّه ينظر بنور الله)(١) ثم قرأ ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَتِ لِلْمُتَوَسّمِينَ﴾ [ الحجر: ٧٥]. وقوله ﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أي: لطريق مهيع مسلوك إلى الآن، كما قال: ﴿ وَإِنَّكُرُ لَمُونَ عَلَيْهِم ◌ُصْبِحِينَّ ﴿ وَ بِأَلَيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ -١٣٨] وقال تعالى: ﴿ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآءَايَةٌ بِنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (﴿ فَمَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿ وَتَرَكْنَا فِيَهَآ ءَايَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٧] أي: تركناها عبرةً وعظةً لمن خافَ عذابَ الآخرة ، وخشي الرحمن بالغيب ، وخاف مقام ربّه ، ونهى النفس عن الهوى ، فانزجرَ عن محارم الله، وترك معاصيه، وخاف أن يُشابه قومَ لوط: (( ومن تشبّه بقوم فهو منهم )(٢) وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه ، كما قال بعضهم : [ من الطويل ] فإنْ لم تكونوا قومَ لوطٍ بعينهم فما قومُ لوط منكمُ ببعيد فالعاقلُ اللَّبيبُ الخائفُ من ربِّه، الفاهمُ، يمتثلُ ما أمرَه الله به عزَّ وجلَّ ، ويقبلُ ما أرشده إليه رسولُ الله من إتيان ما خلقَ له من الزوجات الحلال ، والجواري من السَّراري ذوات الجمَال ، وإِيَّاه أن يَتَبعَ كلَّ شيطان مريد، فيحقّ عليه الوعيد ، ويدخل في قوله تعالى: ﴿ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ [ هود : ٨٣ ] . (١) أخرجه الترمذي (٣١٢٧) في التفسير وقال: هذا حديث غريب (يعني: ضعيف)، لا نعرفه إلا من هذا الوجه . (٢) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥٠) وابن أبي شيبة في مصنفه (٣١٣/٥) وسنده حسن ، وصححه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء ، وحسنه الحافظ في الفتح (٦/ ٧٢) ورواه أبو داود (٤٠٣١) في اللباس وله شاهد من حديث حذيفة ، انظر مجمع الزوائد ( ٢٧١/١٠) وعلق طرفاً منه البخاري ، وله شاهد مرسل ، فالحديث صحيح بطرقه وشواهده . ٢٦٨ قصة مدين قوم شعيب عليه السلام قصة مدين قوم شعيب عليه السلام قال الله تعالى في سورة الأعراف بعد قصّة قوم لوط: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتُكُمْ بَيِّنَةٌ مِن رَّبِّكُمٌّ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَاْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ () وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوَاْ إِذْكُنتُمْ قَلِيلًا فَكَتََّكُمْ وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [َ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِنْكُمْ ءَامَنُواْ بِلَّذِىّ أُرْسِلْتُ بِهِ. ] ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ، لَنُخْرِجَّكَ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَأْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ الِثُه يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِ مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَِهِينَ (يَ قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَِّكُمُ بَعْدَ إِذْ نَّنَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَّعُودَ فِيهَا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُنَاْ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَأْ عَلَى اَللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَيِنِ اتَّبَعْتُمْ شُمَيِّبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِحِينَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَاَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَثِينَ اَلْخَسِرِينَ (٤) فَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَفْئُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمَّ فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾ [ الأعراف: ٨٥ _ ٩٣ ] . وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضاً: ﴿﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، وَلَا تَنْقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِِّ أَرَئِكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنَّىَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ ٨٤ وَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٥ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنَّ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١) قَالُواْ يَشُّعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُ لَكَـ أَن تَتْكَ مَا يَعْبُدَُابَآؤُنَآ ◌َ قَالَ يَنَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن زَبِ وَرَزَقَنِ مِنْهُ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤْاْ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ رِزْقًا حَسَنَا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنْكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَهِ أُنِبُ ﴿ وَبَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوجِ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحْ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُم بِبَعِيدٍ ﴿ وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِ رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴿ قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَرَكَ فِيْنَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْتَكٌ وَمَا أَنْتَ عَلَيَّنَا بِعَزِيزِ (١) قَالَ يَنَقَوْمِ أَرَهْطِىّ أَعَزُّ عَلَيَكُم مِّنَ اللَّهِ وَالَّخَذْ تُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ◌ِهِرِّ إِنَّ رَبِّ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيِّطْ (١) وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِّ عَمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِنِّى مَعَكُمْ رَفِيبُ (١) وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَّنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُم بِرَحْمَةٍ مِنَّا كَأَنْ لَّمْ يَغْنَواْ فِيَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدَيْنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ ٩٤ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَرِهِمْ جَئِمِينَ [ هود : ٨٤ _ ٩٥ ] . ٢٦٩ قصة مدين قوم شعيب عليه السلام ١] فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضاً: ﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَبُ اٌلْأَيْكَةِ لَظَلِينَ (! تُبِينٍ﴾ [ الحجر: ٧٨ -٧٩]. وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ أَلَا نَّقُونَ (9) إِى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ﴿ ﴿ أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ؟ تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ ١٨ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيِ هِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ الإِ ١٨ وَأَتَّقُوا الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ الْأَوَّلِينَ ١٨ وَمَآ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِن نَظُنُكَ لَمِنَ الْكَذِينَ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ ٢٨ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابٌ يَوْمِ الْقُللَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٨َ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيِزُ الرَّحِيمُ﴾ [ الشعراء: ١٧٦ - ١٩١ ] . كان أهل مدين قوماً عَرباً ، يَسكنونَ مدينتَهم (( مدينَ)) التي هي قرية من أرض معان من أطراف الشام ، ممايلي ناحية الحجاز ، قريباً من بحيرة قوم لوط ، وكانوا بعدَهم بمدَّة قريبة ، ومدين قبيلة عرفت بهم المدينة ، وهم من بني مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل ، وشعيبُ نبيُّهم هو ابن ميكيل بن يشجن ، ذكره ابن إسحاق، قال: ويقال له بالسريانية: (( ينزون)) وفي هذا نظر ، ويُقال: شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب ، ويقال : شعيب بن نويب بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم . ويقال : شعيب بن ضيفور بن عيتا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم . وقيل : غير ذلك في نسبه . قال ابن عساكر(١) : ويُقال جدَّتُه ، ويُقال : أمه بنت لوط . وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجرَ معه ، ودخلَ معه دمشقَ . وعن وهب بن منبه أنه قال : كان شعیب وملغم ممن آمن بإبراهیم یوم أُحرقَ بالنار ، وهاجرا معه إلى الشام فزوَّجهما بنتيْ لوط عليه السلام . ذكره ابن قتيبة (٢) . وفي هذا كله نظر أيضاً والله أعلم . وذكر أبو عمر بن عبد البر في ((الاستيعاب(٣) في ترجمة سلمةَ بن سعد العَنزي، قدمَ على رسول الله وَّ فأسلمَ وانتسبَ إلى عنزةَ، فقال: ((نعم الحيُّ عنزةَ، مبغيٌّ عليهم، منصورون، رهطُ شعيب وأختان(٤) موسى )) فلو صحَّ هذا لدلَّ على أنَّ شُعيباً صهر موسى ، وأنه من قبيلة من العرب العاربة يُقال (١) في تاريخه، كما في المختصر (١٠ / ٣٠٧). (٢) انظر كتاب ((المعارف))، لابن قتيبة (ص٤١). (٣) ((الاستيعاب)) (٩١/٢). (٤) الذي في الاستيعاب : وأحبار موسى . ٢٧٠ قصة مدين قوم شعيب عليه السلام لهم : عَنزةَ ، لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، فإن هؤلاء بعدَه بدهرٍ طويل ، والله أعلم . وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حِبَّان في ذكر الأنبياء والرسل ، قال: (( أربعةٌ من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيُّك يا أبا ذر )( ١) وكان بعضُ السلف يُسمِّي شعيباً خطيبَ الأنبياء ، يعني لفصاحته وعلوِّ عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإيمان برسالته . وقد روى ابن إسحاق بن بشر : عن جويبر ومقاتل ، عن الضَّحَّاك ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله بَ﴿ إذا ذكرَ شعيباً قال: ((ذاكَ خطيبُ الأنبياء)(٢). وكان أهلُ مَدْين كفَّاراً يقطعونَ السبيلَ ، ويُخيفون المارَّة ، ويعبدون الأيكةَ ، وهي شجرةٌ من الأيك حولَها غيضة (٣) ملتقَّة بها، وكانوا من أسوأ الناس معاملةً ، يبخسون المِكْيال والميزان ، ويُطفِّقونَ فيهما ، يأخذون بالزائد ويدفعونَ بالنَّاقص، فبعثَ الله فيهم رجلاً منهم ، وهو رسول الله وَّرِ شُعيب عليه السلام، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريكَ له ، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحةِ من بَخْسِ النَّاس أشياءهم وإخافتهم لهم في سُبُلهم وطُرُقاتِهِم ، فآمن به بعضُهم وكفرَ أكثرُهم ، حتى أحلَّ الله بهم البأسَ الشديدَ، وهو الولي الحميد، كما قال تعالى: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] أي: دلالة وحجَّة واضحة، وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وأنه أرسلني ، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تُنقل إلينا تفصيلاً، وإن كانَ هذا اللَّفظ قد دلَّ عليها إجمالاً: ﴿فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥] أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وتوعَّدَهم على [خلاف ذلك]٤) فقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلِ صِرَاطٍ﴾ أي: طريق ﴿ تُوُعِدُونَ﴾ [ الأعراف: ٨٥ - ٨٦] أي: تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مُكوسٍ وغير ذلك ، وتُخيفون السُّبُل . قال الشُّدِّي في تفسيره عن الصحابة : ﴿وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلٍّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ﴾ أنهم كانوا يأخذونَ العشورَ من أموال المارة . (١) تقدم تخريجه ( ص ١٨٣) . (٢) أخرجه ابن أبي حاتم ؛ كما في الدر المنثور (١٩٠/٣). (٣) غيضة : الأجمة ، ومجتمع الشجر . (٤) ما بين حاصرتين سقط من أ . ٢٧١ قصة مدين قوم شعيب عليه السلام وقال إسحاق بن بشرٍ : عن جُويبر عن الضَّحاك ، عن ابن عباس ، قال : كانوا قوماً طغاةً بغاةً ، يجلسون على الطريق، ويبخسون الناس، يعني: يُعشِّرونهم، وكانوا أوَلَ من سَنَّ ذلك. ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عَوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦] فنهاهم عن قطع الطريقِ الحِسِّيَّةِ الدنيويَّة والمعنويَّة الدينية: ﴿ وَاذْكُرُوَاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتََّكُمْ وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [ الأعراف: ٨٦] ذكَّرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القِلَّة، وحذَّرهم نقمةَ الله بهم إن خالفوا ما أرشدَهم إليه ودلِّهم عليه، كما قال لهم في القِصَّة الأخرى: ﴿وَلَا تَنْقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانِّ إِّ أَرَنكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ ﴾ [ هود: ٨٤] أي: لا تركبُوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحقُ(١) الله بركةَ ما في أيديكم ويُفقرُكم ، ويُذهبُ ما به يغنيكم ، وهذا مضافٌ إلى عذاب الآخرة ، ومنْ جُمع له هذا وهذا فقد باءَ بالصفقة الخاسرة ، فنهاهم أولًا عن تعاطي ما لا يليقُ من التطفيف ، وحذَّرهم سَلْبَ نعمةِ الله عليهم في دنياهم وعذابه الأليم في أُخراهم ، وعنَّفهم أشدَّ تعنيف . ثم قال لهم آمراً بعدما كان عن ضِدِّه زاجراً ﴿وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْبَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٤) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِينَّ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ [ هود: ٨٥ - ٨٦] قال ابن عباس والحسن البصري: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [ هود: ٨٦] أي : رزق الله خير لكم من أخذ أموال النَّاس . وقال ابن جرير : ما فضلَ لكم من الربح بعدَ وفاء الكيل والميزان خيرٌ لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف ، قال : وقد رُوي هذا عن ابن عبَّاس . وهذا الذي قاله وحكاه حسن ، وهو شبيهٌ بقوله تعالى: ﴿ قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَاُلَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] يعني: أن القليل من الحلال خيرٌ لكم من الكثير من الحرام ، فإنَّ الحلالَ مباركٌ وإن قلَّ، والحرامَ ممحوقٌ وإن كثرَ، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرَّواْ وَيُرْبِ الصَّدَقَاتِ﴾ [ البقرة: ٢٧٦] وقال رسول الله وَّل﴿: ((إنَّ الرِّبا وإنْ كَثُرَ فإنَّ مصيره إلى قُلِّ)) رواه أحمد(٢). أي: إلى قلة. وقال رسول الله وَ لَهُ: ((البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدَقًا وبيَّنابُوركَ لهما في بَيْعهما، وإنْ كتما وكذَبا مُحِقَتْ بركةُ بيعهما)(٣) والمقصود : أنَّ الربحَ الحلال مُباركٌ فيه وإنْ قَلَّ ، والحرامُ لا يجدي وإن كثر ، ولهذا قال نبي الله شُعيب: ﴿يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [ هود: ٨٦]. (١) كذا في ب ، وفي أ : فيمحو . (٢) في المسند (٣٩٥/١، ٤٢٤) وابن ماجه (٢٢٧٩) في التجارات . (٣) أخرجه البخاري (٢١١٤) في البيوع، ومسلم (١٥٣٢) في البيوع. ٢٧٢ قصة مدين قوم شعيب عليه السلام وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [ هود: ٨٦] أي: افعلوا ما آمرُكم به ابتغاءَ وجه الله، ورجاءً ثوابه ، لا لأرَاكم أنا وغيري . ﴿ قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُلَكَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآ ؤُنَّا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىَ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤْاْ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود. ٨٧] يقولونَ هذا على سبيل الاستهزاء والتنقُّص والتَّهَكُّم: أصلاتُك هذه التي تُصلِّيها هي الآمرةُ لك بأن تحجزَ علينا فلا نعبدُ إلا إلَهك، ونتركُ ما يعبدُ آباؤنا الأقدمون وأسلافُنا الأوَّلون، أو ألَّ نتعاملَ إلا على الوجه الذي ترتضيه أنتَ ، ونتركُ المعاملاتِ التي تأباها ، وإن كنا نحن نرضاها ﴿ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] قال ابن عباس وميمونُ بن مِهْران وابن جُرَيْج وزيد بن أسلم وابن جرير(١) : يقول ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء . قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بِنَةٍ مِّن رَبِ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًّا حَسَنَّاً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَدُكُمْ عَنَةً إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ [ هود: ٨٨] هذا تلطّفٌ معهم في العبارة ودعوةٌ لهم إلى الحقِّ بأبينِ إشارةٍ ، يقول لهم : أرأيتُم أيُّها المكذِّبون: ﴿ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَبِ ﴾ [ هود: ٨٨] أي : على أمر بَيِّنٍ من الله تعالى، أنه أرسلني إليكم ﴿ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: ٨٨] يعني النبوة والرِّسالة، يعني وعَمِيَ عليكم معرفتها ، فايُّ حيلةٍ لي لكم . وهذا كما تقدَّم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سواء . وقوله: ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَتَكُمْ عَنْهُ﴾ [ هود: ٨٨] أي: لستُ آمرُكم بالأمر إلا وأنا أوَّلُ فاعلٍ له ، وإذا نهيتكم عن الشيء فأنا أوَّلُ منْ يتركُه ، وهذه هي الصفة المحمودةُ العظيمة ، وضدُّها هي المردودة الذميمة ، كما تلبّسَ بها علماء بني إسرائيل في آخر زمانهم ، وخطباؤهم الجاهلون ، قال الله تعالى: ﴿﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. وذكرَ عندها في الصحيح: عن رسول الله وََّ، أنه قال: «يُؤتى بالرجل فيُلقى في النار فتندلقُ أقتابُ بطنِهِ - أي : تخرجُ أمعاؤه من بطنِهِ - فيدورُ بها كما يدورُ الحمارُ برحاه ، فيجتمعُ أهلُ النَّار ، فيقولون : يا فلان مالكَ ؟ ألم تكن تأمرُ بالمعروف وتَنْهى عن المنكر ؟ فيقول : بلى، كنتُ آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهى عن المنكر وآتيه (٢) وهذه صفة مُخالفي الأنبياء من الفُجَّار والأشقياء ، فأمَّا السادةُ من النُّجباء والألبّاء من العلماء ، الذين يخشونَ رَّهم بالغيب ، فحالُهم كما قال نبي الله شعيب: ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنْكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] أي: ما أُريد في جميع أمري إلا الإصلاحَ في الفعال والمقال بجهدي (١) انظر تفسيره (٧/ ١٠١). (٢) أخرجه البخاري (٣٢٦٧) في بدء الخلق، ومسلم (٢٩٨٩) في الزهد والرقائق . ٢٧٣ قصة مدين قوم شعيب عليه السلام وطاقتي ﴿ وَمَا تَوْفِيقِيّ﴾ أي: في جميع أحوالي ﴿ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ [هود: ٨٨] أي: عليه أتوكّل في سائر الأمور وإليه مَرْجعي ومَصيري في كلِّ أمري ، وهذا مقامُ ترغيب . ثم انتقلَ إلى نوعٍ من الترهيب ، فقال: ﴿وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شِقَافِىَ أَنْ يُصِيبَككُمْ مِثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوجِ آَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحْ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [ هود: ٨٩] أي: لا تحملنّكم مخالفتي، وبغضُكم ماجئتكم به على الاستمرار على ضلالِكم وجهلِكُم ومخالفتِكم ، فيحلّ الله بكم من العذاب والنَّكال نظيرَ ما أحلَّه بنُظرائكم وأشباهِكم من قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح من المكذّبين المخالفين . وقوله: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [ هود: ٨٩] قيل : معناه في الزمان ، أي : ما بالعهد من قدم ، مماقد بلغكم ما أحلَّ بهم على كفرهم وعُتوِّهم . وقيل : معناه : وما هم منكم ببعيد في المحلَّة والمكان . وقيل : في الصفات والأفعال المُستقبحات ، من قطع الطريق وأخذ أموال الناس جهرةً وخفيةً ، بأنواع الحيل والشبهات ، والجمعُ بين هذه الأقوال ممكن ، فإنَّهم لم يكونوا بعيدينَ منهم ، لا زماناً ولا مكاناً ولا صفاتٍ . ثم مزجَ الترهيب بالترغيب، فقال: ﴿ وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِِّ رَحِيمٌ وَدُورٌ﴾ [ هود: ٩٠] أي : أقلعوا عما أنتم فيه وتوبوا إلى ربّكم الرحيم الودود، فإنَّه منْ تابَ إليه تابَ عليه ، فإنَّه رحيمٌ بعباده ، أرحمُ بهم من الوالدة بولدها ﴿ وَدُورٌ﴾ وهو المجيبُ ، ولو بعد التوبة على عبده ، ولو من المُوبقات العظام ﴿قَالُواْ يَشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَرَكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [ هود: ٩١] رويُ(١) عن ابن عبّاس، وسعيد بن جُبَيْر ، والثوريّ : أنهم قالوا : كان ضريرَ البَصَر . وقد رُوي في حديث مرفوع أنه بكى من حبِّ الله حتى عَمِيَ، فردَّ الله عليه بصرَه، وقال: (( يا شعيبُ أتبكي من خوفِك من النَّار أو مِن شوقِك إلى الجنَّة ؟ فقال: بل من محبَّتِكَ ، فإذا نظرتُ إليكَ فلا أُبالي ماذا يُصنعُ بي . فأوحى إليه الله: هنيئاً لك يا شُعيب لقائي، فلذلكَ أخدمتُك موسى بن عمران كليمي)). رواه الواحدي(٢) عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي ، عن علي بن الحسن بن بندار ، عن أبي عبد الله بن محمد بن إسحاق الرملي ، عن هشام بن عمَّار ، عن إسماعيل بن عيَّاش ، عن بحير بن سعيد، عن شدَّاد بن أوس، عن النبي وَلَ بنحوه، وهو غريبٌ جداً، وقد ضعَّفه الخطيب(٣) البغدادي . (١) أخرج هذه الآثار ابن جرير في التفسير (٧/ ١٠٣ - ١٠٤). (٢) في تفسيره ، كما في الدر المنثور (٤/ ٤٧٠) وأخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ، كما في المختصر ؛ لابن منظور (١٠/ ٣١٢). (٣) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (٧/ ٣٢٠) وقال: ((إسماعيل بن علي بن الحسن بن بندار بن المثنى ، أبو سعد الواعظ الاستراباذي ، قدم علينا بغدادَ حاجًّاً ، وسمعتُ منه بها حديثاً واحداً مسنداً منكراً )) ثم ساقه . وقال الذهبي في الميزان (٣٢٩/١): ((هذا الحديث باطل لا أصل له)). ٢٧٤ قصة مدين قوم شعيب عليه السلام وقولهم: ﴿ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكٌ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ﴾ [ هود: ٩١] وهذا من كُفْرهم البليغ وعنادهم الشنيع ، حيث قالوا: ﴿ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَا تَقُولُ﴾ أي: ما نفهمه ولا نتعقَّله، لأنا لا نُحبُّه ولا نُريده، وليس لنا همَّةٌ إليه، ولا إقبال عليه، وهو كما قال كفَّارُ قريش لرسول الله وََّ: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا نَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيَّ ءَاذَاِنَا وَقُرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] وقولهم: ﴿ وَإِنَّا لَتَرَكَ فِينَا ضَعِيفًا ﴾ أي: مُضْطَّهداً مهجوراً ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ أي: قبيلتُك وعشيرتُك فينا ﴿ لَرَجَمْتَكٌّ وَمَآ أَنْتَ عَلَيَّنَا بِعَزِيزٍ ﴿ قَالَ يَنقَوْمِ أَرَهْطِىّ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٩١ - ٩٢] أي: تخافونَ قبيلتي وعشيرتي، وتراعوني بسببهم ولا تخافونَ جَنَبةُ(١) الله، ولا تراعوني لأني رسول الله ، فصارَ رهطي أعزّ عليكم من الله: ﴿ وَأَتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [ هود: ٩٢] أي: جعلتم جانب الله وراءَ ظهوركم ﴿إِنََّ رَبِّ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيِّطٌ ﴾ [هود: ٩٢] أي: هو عليمٌ بما تعملونَه وما تصنعونه ، محيطٌ بذلك كله ، وسيجزيكم عليه يوم تُرجعون إليه ﴿ وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِّ عَمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] وهذا أمر تهديد شديد ووعيدٍ أكيد ، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجِهم وشاكلتِهم ، فسوفَ تعلمونَ من تكونُ له عاقبةُ الدار ، ومن يحلّ عليه الهلاك والبَوَار ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيدِ﴾ أي: في هذه الحياة الدنيا ﴿ويحلُّ عليه عذابٌ مقيم﴾ أي: في الأخرى ﴿ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ﴾ أي: مني ومنكم فيما أخبر وبشَر وحذَّر ﴿ وَأَرْتَقِبُواْ إِ مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ [ هود: ٩٣] وهذا كقوله: ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِنكُمْ ءَامَنُواْ بِالَّذِىّ أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَّأْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]. ﴿﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَنُخْرِجَنَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِنَاً قَالَ أَوَلَوْ كُنَا كَرِهِينَ ◌ِنَ): قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَا اللَّهُ مِنْهَاً وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللهُ رَبَّناً وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَأْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّنَاْ رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨ -٨٩]. طلبوابزعمهم أن يردُّوا من آمن منهم إلى ملَّتهم، فانتصب شعيب للمحاجَّة عن قومه فقال: ﴿أَوَلَوْ كُنًا كَرِهِينَ﴾ أي: هؤلاء لا يعودونَ إليكم اختياراً وإنما يعودونَ إليه إن عادُوا اضْطراراً مُكرهينَ ، وذلك لأن الإيمان إذا خالطتْه بشاشةُ القلوبِ لا يسخطُه أحدٌ ، ولا يرتدُّ أحدٌ عنه ، ولا محيدَ لأحد منه . ولهذا قال : ﴿ قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَى الَّهِ كَذِّبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَتْنَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَّعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُنَاْ وَسِعَ رَبَّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَاً عَلَى اللَّهِ تَوَّكَّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: فهو كافينا وهو العاصمُ لنا وإليه مَلْجَؤُنا في جميع أمرنا . ثم استفتحَ على قومِه واستنصرَ رَّه عليهم في تعجيل ما يستحقُّونه إليهم، فقال: ﴿ رَبَّنَا اُفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ﴾ [ الأعراف: ٨٩] أي: الحاكمين . فدعا عليهم ، والله لا يردُّ دعاء رسلِه (١) جَنبة : جانب الشيء وناحيته . وفي المطبوع: جَنْب . ٢٧٥ قصة مدين قوم شعيب عليه السلام إذا استنصروه على الذين جَحدُوه وكفَروه ، ورسوله خالفوه، ومع هذا صَمَّمُوا على ما هم عليه مشتملون وبه مُتلبّسونَ: ﴿ وَقَالَ آلْمَلَُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَيِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٠]. قال الله تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١] ذكر في سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة ، أي : رجفت بهم أرضهم ، وزُلزلت زلزالاً شديداً أزهقتْ أرواحهم من أجسادها ، وصَيَّرت حيواناتِ أرضهم كجمادِها ، وأصبحت جُثْتُهم جائيةً لا أرواحَ فيها ، ولا حركات بها ، ولا حوَّاس لها . وقد جمعَ الله عليهم أنواعاً من العقوبات ، وصنوفاً من المثلات ، وأشكالاً من البَليَّاتِ ، وذلك لما أنَّصفُوا به من قبيح الصِّفاتِ ، سَلَّطَ الله عليهم رجفةً شديدةً ، أسكنتِ الحركاتِ ، وصيحةٌ عظيمةٌ أخمدتِ الأصواتَ ، وظُلَّة أُرسلَ عليهم منها شررُ النَّارِ من سائر أرجائها والجهات . ولكنَّه تعالى أخبرَ عنهم في كلِّ سورة بما يُناسب سياقها ويُوافق طباقها ، في سياق قصَّة الأعراف أرجفوا نبيَّ الله وأصحابه ، وتوغَّدُوهم بالإخراج من قريتهم ، أو ليعودُنَّ في مِلَّتهم راجعين ، فقال تعالى : ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ جَثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١] فقابلَ الإرجاف بالرجفة والإخافة بالخيفة ، وهذا مناسبٌ لهذا السياق ، ومُتعلِّق بما تقدَّمه من السياق . وأما في سورة هود : فذكرَ أنَّهم أخذتْهم الصَّيْحةُ فأصبحوا في ديارهم جاثمين ، وذلك لأنهم قالوا النبيِّ الله على سبيل التَّهَكُم والاستهزاء والتنقُّص: ﴿ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَن تَغْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤْاْ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [ هود: ٨٧] فناسبَ أنْ يذكرَ الصيحةَ التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح الذي واجهوا به هذا الرسولَ الكريم الأمين الفصيحَ ، فجاءتهم صيحةٌ أسْكَتَتْهُمْ مع رجفةٍ أسْكنتْهُم . وأما في سورة الشعراء : فذكرَ أنه أخذَهم عذابُ يوم الُلَّة ، وكان ذلك إجابةً لما طَلبُوا ، وتقريباً إلى ما إليه رغبوا . فإنهم قالوا : ﴿ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ ﴿١٨) وَمَآ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُتُّكَ لَمِنَ الْكَذِبِينَ () فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (١٩) قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٥ -١٨٨] قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوُهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الْظُلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [ الشعراء: ١٨٩] ومن زعمَ من المفسرين ، كقتادة وغيره : أن أصحاب الأيكة أُمة أخرى غير أهل مَدْين ، فقوله ضعيف . وإنَّما عمدتهم شيئان : أحدهما : أنه قال : كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ﴾ [ الشعراء: ١٧٦ - ١٧٧ ] ولم يقل أخوهم، كما قال ﴿ وَإِلَى مَذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [ الأعراف: ٨٥] والثاني: أنه ذكرَ عذابَهم بيوم الظُّلة، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة. والجواب عن الأول: أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦ ] ٢٧٦ قصة مدين قوم شعيب عليه السلام لأنه وصفَهم بعبادة الأيكة ، فلا يُناسبُ ذكرَ الأخوة هاهنا ، ولمَّا نسبَهم إلى القبيلة شاعَ ذكرُ شعيب بأنَّه أخوهم . وهذا الفرقُ من النفائس اللَّطيفةِ العزيزة الشريفة . وأما احتجاجُهم بيوم الظُلَّةِ فإن كان دليلاً بمجرّده على أن هؤلاء أُمة أخرى ، فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلاً على أنهما أُمتان أخريان [وهذا لا يقولُه أحدٌ يفهم شيئاً من هذا الشأن }(١) فأما الحديثُ الذي أوردَه الحافظُ ابنُ عساكر في ترجمة النبيِّ شعيب عليه السلامُ(٢) : من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، عن أبيه ، عن معاوية بن هشام ، عن هشام بن سعد ، عن شقيق بن أبي هلال ، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو ، مرفوعاً: ((إن قومَ مدين وأصحابَ الأيكةِ أمَّتان، بعثَ الله إليهما شعيباً النبيَّ عليه السلام)) . فإنَّه حديثٌ غريبٌ ، وفي رجاله من تكلِّم فيه ، والأشبهُ أنَّه كلام عبد الله بن عمرو ، مما أصابَه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل ، والله أعلم . ثم قد ذكرَ الله عن أهل الأيكة من المذمَّة ما ذكرَه عن أهل مدينَ من التطفيف في المكيال والميزان ، فدلَّ على أنهم أُمة واحدة أُهلكوا بأنواعٍ من العذاب . وذَكرَ في كلِّ موضعٍ ما يُناسب من الخطاب . وقوله ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الْقُللَّهِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [ الشعراء: ١٨٩] ذكروا أنَّهم أصابهم حٌّ شديد ، وأسكنَ الله هبوبَ الهواء عنهم سبعة أيام ، فكان لا ينفعُهم مع ذلك ماءٌ ولا ظِلٌّ ، ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلّتهم إلى البرِّيَّة، فأظلَّتهم سحابة، فاجتمعُوا تحتَها ليستظِلُوا بظِلِّها ، فلما تكاملوا فيه أرسلَها الله ترميهم بشررٍ وشُهُبٍ ، ورجفتْ بهم الأرضُ ، وجاءتْهم صيحةٌ من السماء ، فأزهقتِ الأرواحَ، وخرَّبت الأشباح، ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَثِينَ ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ مُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَاً الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩١ - ٩٢] ونجَّى اللهُ شعيباً ومن معه من المؤمنين ، كما قال تعالى - وهو أصدق القائلين -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ◌َتْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ خَشِينَ (١َ كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْ فِيهَاْ أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كُمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [ هود: ٩٤ -٩٥]. فَأَخَذَ تْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَيِنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ فِي دَارِهِمْ جَثِينَ (١) الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٠ - ٩٢] وهذا في مقابلة قولهم: ﴿لَيِنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ [ الأعراف: ٩٠] ثم ذكر تعالى عن نبيِّهم أنه نعاهم إلى أنفسهم مُوبِّخاً ومُؤنِّباً ومُقرِّعاً، فقال تعالى: ﴿يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَقٍِ وَنَصَحْتُ لَكُمْ (١) ما بين حاصرتين سقط من الأصول؛ وأثبته من المطبوع . (٢) في تاريخه، كما في المختصر (٣٠٩/١٠). ٢٧٧ باب ذكر ذرية إبراهيم عليه السلام فَكَيْفَ ءَسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣] أي: أعرض عنهم مُولِّياً عن محلَّتهم بعد هلكتهم قائلاً: ﴿ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَاتِ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمّ﴾ [الأعراف: ٩٣] أي: قد أدَّيْتُ ما كان واجباً عليّ من البلاغ التامّ والنُّصْح الكامل ، وحرصتُ على هدايتكم بكلِّ ما أقدرُ عليه ، وأتوصّل إليه ، فلم ينفعكم ذلك ، لأن الله لا يهدي منْ يُضلُّ ، وما لهم من ناصرين ، فلستُ أتأسَّف بعد هذا عليكم ، لأنكم لم تكونوا تقبلونَ النصيحةَ ، ولا تخافونَ يومَ الفضيحة، ولهذا قال: ﴿فَكَيْفَ ءَاسَى﴾ أي: أحزن ﴿ عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾. أي : لا تقبلون الحقَّ ولا ترجعون إليه، ولا تلتفتونَ ، فحلَّ بهم من بأسِ الله الذي لا يُردُّ ما لا يُدافَعُ ولا يُمانَعُ ، ولا محيد لأحدٍ أريد به عنه ولا مناصُ(١) منه . وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه ٢) : عن ابن عباس ؛ أن شعيباً عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام . وعن وَهْب بن مُنَبِّه (٣) أنَّ شُعيباً عليه السلام ماتَ بمكّة ومنْ معه من المؤمنينَ ، وقبورهم غربيّ الكعبة بين دار النَّدْوة ودار بني سَهْم . باب ذكر ذريّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام(٤) قد قدَّمنا قصَّته مع قومه وما كان من أمرهم ، وما آل إليه أمره عليه السلام والتحيَّة والإكرام ، وذكرنا ما وقعَ في زمانهِ من قصَّة قوم لوط ، وأتبعنا ذلك بقصَّة مدينَ قوم شعيب عليه السلام ؛ لأنها قرينتها في كتاب الله عزَّ وجلَّ في مواضعَ مُتعدِّدة ، فذكرَ تعالى بعدَ قِصَّة قوم لوطٍ قصَّة مدينَ ، وهم أصحاب الأيكة على الصحيح ، كما قدَّمنا ، فذكرناها تبعاً لها اقتداءً بالقرآن العظيم . ثم نشرعُ الآن في الكلام على تفضيل ذرِّيَّة إبراهيم عليه السلام ، لأنَّ الله جعلَ في ذريّته النبوةَ والكتابَ ، فكلُّ نبيِّ أُرسلَ بعدَه فمن وَلَده . (١) كذا في الأصول ، وفي المطبوع: ولا مناص عنه ، ومعنى : لا مناص : لا رجعة ولا عودة. (٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه، كما في المختصر (٣٠٨/١٠). (٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخه، كما في المختصر؛ لابن منظور (١٠/ ٣١٤). (٤) كذا في ب ، وفي أ : والتسليم . ٢٧٨ ذكر إسماعيل عليه السلام ذکر إسماعيل عليه السّلام وقد كان للخليل بنونَ كما ذكرنا ، ولكنَّ أشهرَهم الأخوان النَّبيَّان العظيمان الرسولان ، أسنُّهما وأجلُّهما الذي هو الذبيحُ على الصحيح إسماعيل ، بكرُ إبراهيم الخليل من هاجرَ القِبْطَّة المصرية عليها السلام من العظيم الجليل . ومنْ قال : إنَّ الذبيحَ هو إسحاقُ فإنما تلقَّاه من نَقَلةِ بني إسرائيلَ الذين بدَّلوا وحرَّفوا وأوَّلوا التوراةَ والإنجيلَ ، وخالفواما بأيديهم في هذا من التنزيل . فإنَّ إبراهيمَ أَمرَ بذبح ولده البكر ، وفي روايةٍ الوحيد. وأيّاً ما كان فهو إسماعيلُ بنصِّ الدليل ، ففي نصِّ كتابهم إن إسماعيلَ وُلدَ ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة ، وإنما وُلِدَ إسحاق بعد مضي مئة سنةٍ من عمر الخليل ، فإسماعيلُ هو البِكْرُ لا محالة ، وهو الوحيد في الصورة والمعنى (١) على كل حالة . أما في الصورة فلأنَّه كان وحدَه ولدَه أزيدَ من ثلاثة عشر سنة ، وأما أنه وحيدٌ في المعنى فإنه هو الذي هاجرَ به أبوه ومعه أمّه هاجرُ ، وكان صغيراً رضيعاً فيما قيل ، فوضعهما في وهاد جبال فاران ، وهي الجبال التي حولَ مكَّة نعم المقيل ، وتركّهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل ، وذلك ثقةً بالله وتوكّلاً عليه . فحاطَهُما الله تعالى بعنايته وكفايته ، فنعمَ الحسيبُ والكافي والوكيلُ والكفيلُ ، فهذا هو الولدُ الوحيدُ في الصورة والمعنى ، ولكنْ أين من يتفطَّنُ لهذا السر؟ وأين منْ يحلُّ بهذا المحل ، والمعنى لا يُدركُه ويُحيط بعلمه إلا كلُّ نبيهٍ نبيل . وقد أثنى الله تعالى عليه ووصفَه بالحِلْم والصَّبْر وصِدْقِ الوعد ، والمحافظة على الصلاة ، والأمر بها لأهله ليقيهم العذابَ ، مع ما كانَ يدعو إليه من عبادة ربِّ الأرباب . قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ ﴿ فَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبْنَىَّ إِنّ ◌َرَىْ فِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىْءَّ قَالَ يَأَبَّتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرِّ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَِّينَ﴾ [ الصافات: ١٠١ - ١٠٢] فطاوعَ أباه على ما إليه دعاه ، ووعدَه بأنْ سيصبر ، فوفى بذلك ، وصبرَ على ذلك . وقال تعالى: ﴿ وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولَا نَِّيًّا (٢) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤ _ ٥٥ ] . وقال تعالى: ﴿ وَأَذَكُرْ عِبَدَنَا إِبْرَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (١٦) وَأَذَّكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلُّ مِّنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٥ -٤٨] جَ وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى رَحْمَتِنَّاً إِنَّهُم مِّنَ وقال تعالى: ﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِّ كُلُّ مِنَ الصَّبِينَ (١) كذا في ب ، وفي أ : ضرورة ، وفي المطبوع: صورة ومعنى. ٢٧٩ ذكر إسماعيل عليه السلام الضَلِحِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٥ - ٨٦] وقال تعالى: ﴿﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّتَنَ مِنْ بَعْدِهِ. وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣] الآية. وقال تعالى: ﴿ قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْخَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ ﴾ [ البقرة: ١٣٦] الآية، ونظيرتها من السورة الأخرى. وقال تعالى: ﴿أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِزَاهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًّا أَوْ نَصَرَىَّ قُلْ ءَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] الآية. فذكرَ الله عنه كلَّ صفةٍ جميلةٍ ، وجعله نبيَّه ورسولَه وبرَّأه من كل ما نَسبَ إليه الجاهلون ، وأمرَ بأن يُؤْمنَ بما أُنزِلَ عليه عباده المؤمنون . وذكر علماءُ النسب وأيَّام النَّاس أنَّه أوَّلُ من ركبَ الخيلَ ، وكانت قبلَ ذلك وُحُوشاً فآنسها وركبَها . وقد قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه : حدَّثنا شيخٌ من قُريش، حدَّثنا عبدُ الملك بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمر؛ أنَّ رسولَ الله وَ لَه قال: ((أَنَّخذوا الخيلَ واعتقِبُوها، فإنَّها ميراثُ أبيكم إسماعيل (١) وكانت هذه العرابُ وحشاً فدعا لها بدعوتِه التي كان أعطي فأجابته . وأَنَّه أولُ من تكلّم بالعربية الفصيحة البليغة ، وكان قد تعلَّمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة من جُرهم والعماليق ، وأهل اليمن من الأمم المتقدِّمين من العرب قبل الخليل . قال الأموي: حدَّثني عليُّ بن المغيرة، حدَّثنا أبو عُبيدة، حدَّثنا مِسْمَعُ بن مالك ، عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي وَّر؛ أنه قال: ((أوَّلُ من فُتِقٍ لسانُه بالعربية البيّنة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة (٢) فقال له يونس : صدقت يا أبا سيار ، هكذا أبو جريّ حدَّثني. وقد قدَّمنا أنَّه تزوَّجَ لما شبَّ من العماليق امرأةً ، وأنَّ أباه أمرَه بفراقِها ، ففارقَها . قال الأموي : هي عمارةُ بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي(٣). ثم نكحَ غيرَها فأمرَه أن يستمرَّ بها ، وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي . وقيل : هذه ثالثة ، فولدت له اثني عشرَ ولداً ذكراً ، وقد سمَّاهم محمد بن إسحاق رحمه الله ، وهم : نابت وقيذر وازبل وميشى ومسمع وماش ودوصا وآزر ويطور ونبش وطيما وقيذما٤) . وهكذا ذكرَهم أهلُ الكتاب في كتابهم . وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيماً المبشَّر بهم ، المتقدِّم ذكرهم ، وكذبوا في تأويلهم ذلك . (١) لم أجده ، وفي إسناده رجل مجهول ، فهو منقطع . (٢) أخرجه الشيرازي في الألقاب والزبير بن بكار في النسب، من حديث علي، كما في فيض القدير (٣/ ٩٢ ) وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس ( ٤٨) من حديث ابن عباس، وذكره القرطبي في التفسير (٢٨٣/١). (٣) في ب : العملاقي . (٤) الذي في الطبري : نابت ، وقيدر ، وأدبيل ، ومبشا ، ومسمع ، ودما ، وماس ، وأدد ، ووطور ، ونفيس ، وطما ، وقيدمان . ٢٨٠ ذكر إسحاق بن إبراهيم وكان إسماعيلُ عليه السلام رسولًا إلى أهل تلك الناحية وما والاها من قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن صلواتُ الله وسلامه عليه، ولما حضرتْه الوفاةُ أوصى إلى أخيه إسحاق وزوج ابنته ((نسمة )) من ابن أخيه العيص بن إسحاق ، فولدت له الروم ، يقال لهم : بنو الأصفر ، لصفرةٍ كانت في العيص . وولدتْ له اليونان في أحد الأقوال . ومن ولد العيص الأشبان ، قيل : منهما أيضاً . وتوقَّفَ ابن جرير(١) رحمه الله . ودُفنَ إسماعيلُ نبيُّ الله بالحجر مع أمِّه هاجرَ ، وكان عمرُه يوم مات مئة وسبعاً وثلاثين سنةً(٢) . ورُوي عن عمرَ بن عبد العزيز أنه قال : شكا إسماعيلُ عليه السلام إلى ربِّه عزَّ وجلَّ حرَّ مَّةَ ، فأوحى الله إليه أنِّي سأفتحُ لك باباً إلى الجنَّةِ ، إلى الموضع الذي تُدفنُ فيه ، تجري عليك روحُها إلى يوم القيامة٣ُ) . وعربُ الحجاز كلُّهم ينتسبون إلى ولديه نابت وقيذار . وسنتكلَّم على أحياء العرب وبطونها وعمائِرِها وقبائلها وعشائرها من لدن إسماعيل عليه السلام إلى زمان رسول الله وَّيه. وذلك إذا انتهينا إلى أيَّامه الشريفة وسيرته المنيفة بعد الفراغ من أخبار أنبياء بني إسرائيل إلى زمان عيسى ابن مريم خاتم أنبيائهم ومحقِّق أنبائهم ، ثم نذكرُ ما كان في زمن بني إسرائيل ، ثم ما وقعَ في أيَّام الجاهلية ، ثم ينتهي الكلام إلى سيرة نبيِّنا رسولِ الله إلى العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم من الأمم ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم . ذکرُ إسحاق بن إبراهيم الكريم ابن الكريم عليهما الصّلاة والتسليم قد قدَّمنا أنه ولد ولأبيه مئة سنة بعد أخيه إسماعيل بأربع عشرة سنة ، وكان عمرُ أمِّه سارَة حين بُشِّرَتْ به تسعين سنة، قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ ﴿ وَبَرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَّ إِسْحَقَّ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ، مُبِيرٌ﴾ [الصافات: ١١٢ - ١١٣]. (١) انظر تاريخ الطبري (٣١٤/١). (٢) المصدر السابق (٣١٤/١). (٣) المصدر السابق (٣١٥/١).