النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
ذكر بناية البيت العتيق
) فِيهِ ءَايَتُ بَيِنَكُ مَّقَامُ إِنْرَاهِيمٌ وَمَنْ
وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ (
دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ مَنِ أُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ اُلْعَلَمِينَ﴾ [ آل عمران:
٩٦ - ٩٧ ] .
وقال تعالى: ﴿﴿ وَإِذِ أَبْتَلَىَ إِبْرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَّمَّهُنِّ قَالَ إِنِّيِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِيَّبِيٌّ قَالَ لَا يَنَالُ
عَهْدِى الظَّالِمِينَ ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنَا وَأَخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا
بَيْتِىَ لِلَّطَِّفِينَ وَالْعَكِفِيَنَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿ وَإِذْقَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًّا ءَامِنَّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثََّرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِلَهِ
وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُمُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِّ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿لَ وَإِذْ يَرْفَعُ إِزَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّأْ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿ رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّقِنَآَ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ
عَيْناً إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٢) رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِبِهِمْ
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٤ -١٢٩].
يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيِّه وخليله إمام الحنفاء ووالد الأنبياء إبراهيم(١) عليه أفضل صلاة
وتسليم أنَّه بنى البيتَ العتيقَ الذي هو أوَّلُ مسجدٍ وُضِعَ لعموم النَّاس ، يعبدون الله فيه ، وبوَّأه الله مكانَه ،
أي : أرشدَه إليه ودلَّه عليه .
وقد روينا عن أمير المؤمنين عليٍّ بن أبي طالب وغيره ؛ أنَّه ◌ُرشد إليه بوحي من الله عزَّ وجلَّ، وقدَّمنا
في صفة خلق السموات أنَّ الكعبةَ بحيالِ البيت المَعْمُور ، بحيث إنَّه لو سقطَ لسقطَ عليها ، وكذلك معابدُ
السموات ، كما قال بعض السلف : إنَّ في كلِّ سماءٍ بيتاً يعبدُ اللهَ فيه أهلُ كلِّ سماءٍ ، وهو فيها كالكعبة
لأهل الأرض .
فأمرَ الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبنيَ له بيتاً يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة
السموات ، وأرشدَه الله إلى مكان البيتِ المهيّأ له ، المعيّن لذلك، منذ خلق السموات والأرض ، كما
ثبتَ في الصحيحين: ((إن هذا البلدَ حرَّمه الله يومَ خلقَ السموات والأرض ، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم
القيامة)).
ولم يجىء في خبر صحيح عن معصوم أنَّ البيتَ كان مبنيّاً قبلَ الخليل عليه السلام . ومن تمسّك في
هذا بقوله : ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] فليس بناهضٍ ولا ظاهرٍ، لأن المراد مكانه المقدَّر في علم
الله ، المقرَّر في قدرته ، المعظّم عند الأنبياء موضعه ، من لدن آدمَ إلى زمان إبراهيم .
وقد ذُكِرَ أنَّ آدم نصب عليه قُبَّةً ، وأن الملائكة قالوا له : قد ◌ُفْنا قبلَك بهذا البيت ، وأنَّ السفينة
(١) سقطت من المطبوع .

٢٤٢
ذكر بناية البيت العتيق
طافتْ به أربعين يوماً أو نحو ذلك ، ولكن كلُّ هذه الأخبار عن بني إسرائيل . وقد قرَّرنا أنها لا تصدَّقُ
ولا تكذبُ ، فلا يُحتجُ بها ، فأما إن ردَّها الحقُّ فهي مردودة .
وقد قال الله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ﴾ [ آل عمران: ٩٦] أي: أوّل بيت
وُضعَ لعموم النَّاس للبركة والهدى البيت الذي ببكة. قيل: مكة، وقيل: محل الكعبة: ﴿فِيهِ ءَايَتُ
بَيِّنَُ﴾ [ آل عمران: ٩٧] أي : على أنه بناء الخليل والد الأنبياء من بعده ، وإمام الحنفاء من ولده الذين
يقتدونَ به ويتمسَّكون بسنَّته، ولهذا قال: ﴿مَّقَامُ إِنْرَهِيمٌ ﴾ [ آل عمران: ٩٧] أي : الحجر الذي كان يقف
عليه قائماً ، لما ارتفعَ البناءُ عن قامَته ، فوضعَ له ولدُه هذا الحجرَ المشهورَ ليرتفعَ عليه لمَّا تعالى البناءُ ،
وعَظُمَ الفناء ، كما تقدَّم في حديث ابن عباس الطويل .
وقد كان الحجَر مُلصقاً بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيَّامِ عُمرَ بن الخطاب رضي
الله عنه ، فأخّره عن البيت قائلاً: لئلا يَشغل المصلين عندَه الطائفين بالبيت ، واتُّبعَ عمرُ بن الخطاب
رضي الله عنه في هذا، فإنه قد وافقه ربُّه في أشياءً، منها: في قوله لرسوله مح لول لو اتَّخَذْنا مِن مقام إبراهيمَ
مُصلَّى، فأنزل الله: ﴿ وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾(١) [البقرة: ١٢٥].
وقد كانتْ آثارُ قدمي الخليل باقية في الصخرة إلى أوَّل الإسلام ، وقد قال أبو طالب في قصيدته (٢)
اللاميَّة المشهورة : [ من الطويل ]
وراقٍ لِيَرْقى في حِرَاءَ ونازِلٍ(٣)
وثورٍ ومَنْ أرسى ثَبِيْراً مكانَه
وباللهِ إنّ اللهَ ليس بغَافِلٍ
وبالبيتِ ، حق البيت ، من بطنٍ مكَّةٍ
إذا اكتنفُوه بالصُّحى والأصائلِ(٤)
وبالحَجرِ المُسْوَدِّ إذ يَمْسَحُونه
ومَوْطىء إبراهيمَ في الصّخِرِ رَطْبَةٌ
على قَدَمَيْهِ حَافياً غيرَ ناعِل
يعني أنَّ رجلَه الكريمة غاصتْ في الصخرة ، فصارتْ على قَدْر قَدَمه حافيةً لا مُنتعلة ، ولهذا قال
تعالى: ﴿وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: في حال قولهما ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّاً
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] فهما في غاية الإخلاص والطاعة لله عزَّ وجلَّ، وهما يسألان من الله
السميع العليم أن يتقبَّلَ منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن
ذُرِّيَّقِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاًّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨].
(١) أخرجه البخاري (٣١٨٩) في الجزية والموادعة، ومسلم (١٣٥٣) في الحج، عن عمر بن الخطّاب رضي الله
عنه .
(٢) انظر القصيدة في السيرة النبوية؛ لابن هشام (١/ ٢٧٢ - ٢٨٠).
(٣) ثور وثبير وحِراء : جبال بمكة .
(٤) ((اكتنفوه)): أحاطوا به.

٢٤٣
ذكر بناية البيت العتيق
والمقصودُ أن الخليلَ بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع ، في وادٍ غير ذي زَرْع ، ودعا لأهلها
بالبركة وأن يُرْزقوا من الثمرات ، مع قلَّة المياه وعدم الأشجار والزروع والثِّمار ، وأن يجعلَه حَرَماً
مُحرَّماً ، وآمناً مُحتّماً ، فاستجابَ الله وله الحمدُ له مسألته ، ولَّى دعوتَه ، وآتاه طلبته ، فقال تعالى :
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًّا ءَامِنَا وَيُنَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [ العنكبوت: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِّن
لَهُمْ حَرَمَاءَامِنَّا يُحْبَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِّن لَُّنَا ﴾ [ القصص: ٥٧] وسألَ اللهَ أنْ يبعثَ فيهم رسولاً منهم ،
أي : من جنسهم ، وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصحية ، لتتمَّ عليهم النعمتان الدنيوية والدينية ، سعادة
الأولى والأخرى .
وقد استجابَ الله له ، فبعثَ فيهم رسولاً وأيّ رسول ، ختمَ به أنبياءَه ورسلَه ، وأكملَ له من الدِّين ،
ما لم يُؤتِ أحداً قبلَه ، وعمَّ بدعوتِهِ أهلَ الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم في سائر الأقطار
والأمصار والأعصار إلى يوم القيامة ، وكان هذا من خصائصه من بين سائر الأنبياء ، لشرفِه في نفسه ،
وكمالِ ما أُرسلَ به ، وشَرفِ بُقعتهِ، وفصاحة لغتِه، وكمال شَفقتِه على أَمَّته ، ولطفه ورحمته ، وكريم
مَحْتِدِه١ِ) ، وعظيم مولده ، وطيب مَصْدَرِه ومَوْرده .
ولهذا استحقَّ إبراهيمُ الخليلُ عليه السلام إذ كان باني كعبة أهل الأرضِ أن يكونَ منصبُه ومحلُّه
وموضعُه في منازل السموات ورفيع الدرجات عند البيت المعمور ، الذي هو كعبةُ أهل السماء السابعة
المُبارك المبرور ، الذي يدخلُه كلَّ يوم سبعون ألفاً من الملائكة ، يتعبَّدون فيه ، ثم لا يعودون إليه إلى يوم
البعث والنشور ، وقد ذكرنا في التفسير(٢) من سورة البقرة صفة بناية البيت ، وما وردَ في ذلك من الأخبار
والآثار بما فيه كفاية ، فمن أرادَه فليراجعْه ثَمَّ ولله الحمد .
فمن ذلك ما قال السُّدِّي : لما أمرَ الله إبراهيمَ وإسماعيلَ أن يبنيا البيتَ ، ثم لم يدريا أين مكانه ، حتى
بعثَ الله ريحاً يُقال له ((الخجوج(٣) لها جناحان ورأس ، في صورة حيَّة ، فكنستْ لهما ما حولَ الكعبة
عن أساس البيت الأوَّل، واتَّبعَاهَا بالمعاول يحفران ، حتى وضعا الأساسَ ، وذلك حين يقول تعالى :
: وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْزَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [ الحج: ٢٦])(٤)
فلما بلغا القواعدَ وبنيا الركنَ ، قال إبراهيمُ لإسماعيل : يا بني اطلبْ لي [ حجراً حسناً أضعُه هاهنا .
قال : يا أبتِ ! إني كسلان لَغِبٌ. قال: عليَّ ذلكَ. فانطلقَ، وجاءَه جبريلُ }°) بالحَجَرِ الأسودِ من
(١) ((محتده)) : أصله وحسبه ونسبه.
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٢١٩/١ - ٢٢٥).
(٣) ((الخجوج)): الريح الشديد المَرُّ.
(٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه (١/ ٢٥٢).
(٥) ما بين حاصرتين سقط من المطبوع .

٢٤٤
ذكر بناية البيت العتيق
الهِنْد ، وكان أبيضَ ياقوتة بيضاء مثل الثَّغامةُ(١). وكان آدمُ هبطَ به من الجنَّة، فاسوَدَّ من خطايا النَّاسَ ،
فجاءَه إسماعيلُ بحجر ، فوجدَه عند الركن . فقال يا أبتِ منْ جاءك بهذا ؟ قال : جاء به منْ هو أنشطُ
منك. فبنيا وهما يدعوان الله: ﴿ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنََّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [ البقرة: ١٢٧].
وذكرَ ابنُ أبي حاتم : أنَّه بناه من خمسة أجبل ، وأنَّ ذا القرنين - وكان مَلِكَ الأرضِ إذ ذاك - مرَّ بهما
وهم يبنيانه ، فقال : منْ أمركما بهذا ؟ فقال إبراهيم : الله أمرنا به . فقال : وما يُدريني بما تقولُ،
فشهدتْ خمسةُ أكبشٍ أنَّه أمرَه بذلك، فَآَمنَ وصدَّق . وذكر الأزرقي : أنَّه طافَ مع الخليل بالبيت .
وقد كانت الكعبة٢) على بناء الخليل مدة طويلة، ثم بعد ذلك بَنّتْها قريش ، فقصَّرت بها عن قواعد
إبراهيم من جهة الشمال ، ممايلي الشام ، على ما هي عليه اليوم .
وفي الصحيحين(٣) : من حديث مالك، عن ابن شهاب ، عن سالم ؛ أنَّ عبد الله بن محمد بن
أبي بكر أخبرَ ابن عمر، عن عائشةَ، أنَّ رسول الله بَّه قال: (( ألم تريْ إلى قومِك حين بنوا الكعبةَ
اقتصروا عن قواعد إبراهيم)) فقلتُ: يا رسولَ الله: ألا تردّها على قواعد إبراهيم؟ فقال: (( لولا حدثان
قومِك بالكفر لفعلتُ)) وفي رواية: «لولا أنَّ قومَك حديثو عهد بجاهلية، أو قال: بكفر ، لأنفقت كنزَ
الكعبة في سبيل الله، ولجعلتُ بابَها بالأرض ، ولأدخلت فيها الحِجْرَ )).
وقد بناها ابنُ الزبير رحمه الله في أيَّامه على ما أشار إليه رسولُ اللهِ وَلَه، حسبما أخبرتْه خالتُه عائشة
أمُّ المؤمنين عنه ، فلما قتلَه الحجَّاجُ في سنة ثلاثٍ وسبعين ، كتبَ إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ
ذاك، فاعتقدوا أنَّ ابنَ الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسِه ، فأمرَ بردِّها إلى ما كانت عليه، فنَقَضُوا
الحائطَ الشَّاميَّ، وأخرجوا منها الحِجْرَ ، ثم سَدُّوا الحائط وردَموا الأحجارَ في جَوْفِ الكعبة ، فارتفعَ
بابُها الشرقيّ ، وسدُّوا الغربيَّ بالكُليَّة ، كما هو مشاهد إلى اليوم .
ثم لما بلغَهم أنَّ ابن الزبير إنما فعلَ هذا لما أخبرتْه عائشة أم المؤمنين نَدِموا على ما فَعلوا ، وتأسَّفوا
أن لو كانوا تركوه وما تولَّى من ذلك .
ثم لما كان في زمن المَهْدي بن المنصور استشارَ الإمامَ مالكِ بن أنس في ردِّها على الصِّفة التي بناها
ابن الزبير ، فقال له : إني أخشى أن يتخذَها الملوكُ لعبةً، يعني كلَّما جاءَ مَلِكٌ بناها على الصِّفَة التي
يُريد ، فاستقرَّ الأمرُ على ما هي عليه اليوم .
(١) ((الثغامة)): شجرة بيضاء الثمر والزهر.
(٢) أثبتها من المطبوع .
(٣) أخرجه البخاري ( ١٥٨٣) في الحج، ومسلم ( ١٣٣٣) في الحج .

٢٤٥
ذكر ثناء الله ورسوله على إبراهيم
ذكر ثناء الله ورسوله الكريم على عبده وخليله إبراهيم
قال الله: ﴿﴿ وَإِذٍ أَبْتَلَىَ إَِّهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَّقَّهُنَّ قَالَ إِنِِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامّا قَالَ وَمِن ذُرِّيَِّيٌ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى
الظّلِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. لما وفَّى ما أمرَه ربُّه به من التكاليف العظيمة ، جعلَه للناس إماماً يقتدون به ،
ويأتُّون بهديه ، وسألَ اللهَ أن تكونَ هذه الإمامة متصلةً بسببه ، وباقيةً في نسبه ، وخالدةً في عَقبه ،
فأُجِيبَ إلى ما سأل ورامَ ، وسُلَّمَتْ إليه الإمامة بزمام، واستثني من نيلها الظالمون ، واختُصَّ بها من
ذرِّيته العلماءُ العاملون، كما قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِ ذُرِيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبَ وَءَاتَيْنَهُ
أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧].
وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ حَكُلًّا هَدَيْنٌَ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ
﴿ وَزَّكَرِيَا وَيَخْبَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسِّ كُلٌّ مِنَ
وَسُلَيْمَنَ وَأَيُُّبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
الصَّلِحِينَ ﴿﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطَا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿﴿ وَمِنْ ءَابَابِهِمْ وَذُرِيَّتِهِمْ وَإِخْوَنِهِمْ
وَأَهْتَبَيْنَهُ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ الأنعام: ٨٤-٨٧].
فالضميرُ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِيَّتِهِ،﴾ عائدٌ على إبراهيم على المشهور، ولوطٌ وإن كان ابنَ أخيه ، إلا
أنَّه دخلَ في الذرّة تغليباً ، وهذا هو الحاملُ للقائل الآخر : إن الضميرَ على نوحٍ كما قدَّمنا في قصته ، والله
أعلم .
وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِىِ ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبِّ﴾ [الحديد: ٢٦]. الآية.
فكلُّ كتاب أُنزل من السماء على نبيٍّ من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذريته وشيعته . وهذه خِلْعةٌ
سنيّة لا تُضاهى، ومرتبةٌ عليَّةٌ لا تُباهى . وذلك أنَّه وُلدَ له لصُلبِهِ ولدان ذكران عظيمان : إسماعيل من
هاجر ، ثم إسحاق من سارَة ، ووُلد لهذا يعقوبُ، وهو إسرائيل الذي ينتسبُ إليه سائرُ أسباطِهم ، فكانت
فيهم النبوة ، وكثروا جداً بحيث لا يعلمُ عددَهم إلا الذي بعثهم ، واختصّهم بالرسالة والنبوة حتى خُتِمُوا
بعيسى ابن مريم من بني إسرائيل .
وأما إسماعيل عليه السلام ، فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها ، كما سنبيِّته فيما بعد إن شاء
الله تعالى ، ولم يُوجد من سُلالتِهِ من الأنبياء سوى خاتَمهم على الإطلاق وسيدهم ، وفخر بني آدمَ في
الدنيا والآخرة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشيّ الهاشميّ المكيِّ، ثم المدنيِّ صلوات
الله وسلامه عليه ، فلم يُوجد من هذا الفرع الشريف والغُصْن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة والدُّرَّة
الزاهرة ، وواسطة العقد الفاخرة ، وهو السَّيِّد الذي يفتخرُ به أهلُ الجمع، ويغبطُه الأوَّلون والآخرون يوم
القيامة .

٢٤٦
ذكر ثناء الله ورسوله على إبراهيم
وقد ثبت عنه في صحيح مسلم، كما سنُورده أنه قال: (( سأقومُ مقاماً يرغبُ إليَّ الخَلْقُ كلُّهم حتى
إبراهيم (١) فمدحَ إبراهيمَ أباه مِدْحةً عظيمةً في هذا السياق ، ودلَّ كلامه على أنه أفضلُ الخلائق بعده على
الإطلاق ، في هذه الحياة الدنيا ويومَ يُكشفُ عن سَاق .
وقال البخاري(٢): حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا جريرٌ ، عن منصور ، عن المِنهال ، عن سعيد
ابن جُبَيْر، عن ابن عبّاس، قال: كان رسولُ اللهِ وَّهِ يُعوِّذُ الحَسَنَ والحُسَيْن ويقول: ((إنَّ أباكما كان يُعوِّد
بهما إسماعيلَ وإسحاقَ: أعوذُ بكلماتِ اللّه التَّمة، من كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّة، ومنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّة)) .
ورواه أهل السنن(٣) : من حديث منصور به .
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنَّهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَىّ وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلْبِىٌ قَالَ فَخُذْ
أَرْبَعَةٌ مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّاللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[ البقرة : ٢٦٠ ] .
ذكر المفسرون لهذا السؤال أسباباً بسطناها في التفسير(٤). وقرَّرناها بأتمِّ تقرير، والحاصلُ: أنَّ الله
عزَّ وجلَّ أجابَه إلى ما سألَ ، فأمرَه أن يعمد إلى أربعةٍ من الطيور ، واختلفوا في تعيينها٥) على أقوال ،
والمقصود حاصل على كلِّ تقدير ، فأمره أن يُمزِّقَ لحومَهنَّ وريشهنَّ ، ويخلط ذلك بعضه في بعض ، ثم
يقسمه قسماً ، ويجعل على كلِّ جبل منهنَّ جزءاً، ففعل ما أُمِرَ به ، ثم أُمِرَ أن يدعوهنَّ بإذن ربهنَّ ، فلما
دعاهنَّ، جعلَ كلُّ عضوٍ يطيرُ إلى صاحبه ، وكلُّ ريشة تأتي إلى أختها ، حتى اجتمعَ بدن كل طائر على
ما كان عليه ، وهو ينظر إلى قدرة الذي يقولُ للشيء : كن فيكون . وأتينَ إليه سعياً ، ليكونَ أبينَ له
وأوضحَ لمشاهدته يأتين طيراناً .
ويقال : إنه أُمر أن يأخذَ رؤوسهنَّ في يده ، فجعلَ كلُّ طائر يأتي فيُلقي رأسَه ، فيتركَّبُ على جثّته كما
كان ، فلا إله إلا الله .
وقد كان إبراهيمُ عليه السلام يعلمُ قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علماً يقينياً ، لا يحتمل النقيضَ ،
ولكنْ أحبّ أنْ يُشاهدَ ذلك عياناً ، ويترقَّى من علم اليقين إلى عين اليقين ، فأجابه الله إلى سؤاله ، وأعطاه
غاية مأموله .
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ( ٨٢٠) في صلاة المسافرين.
(٢)
في صحيحه ( ٣٣٧١) في الأنبياء .
(٣) أخرجه أبو داود ( ٤٧٧٣) في السنة، والترمذي ( ٢٠٦٠) في الطب، والنسائي (١٠٠٦ ) في عمل اليوم
والليلة، وابن ماجه ( ٣٥٢٥) في الطب. والهامة: واحدة الهوام ذوات السموم، ((واللامَّة)): الداء والآفة.
انظر تفسير ابن كثير (٣٩٠/١ -٣٩١).
(٤)
(٥) في المطبوع : تعيُّنها .

٢٤٧
ذكر ثناء الله ورسوله على إبراهيم
وقال تعالى: ﴿ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىّ إِبْرَهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَنَةُ وَالْإِنِحِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِيَّةً أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ (٤) هَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦) مَا
كَانَ إِنَهِمُ بَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِتًا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنَّهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا
الشَِّئُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [ آل عمران: ٦٥ - ٦٨] يُنكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
في دعوى كل من الفريقين ، كون الخليل على ملَّتِهِم وطريقتهم ، فبرَّأه الله منهم ، وبيَّن كثرَةَ جهلهم وقلة
عقلهم في قوله : ﴿ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَكَةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِةٍ﴾ [ آل عمران: ٦٥] أي : فكيف يكون على دينكم
وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعدَه بمدد متطاولة، ولهذا قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [ آل عمران: ٦٥°] إلى أن
قال: ﴿ مَا كَانَ إِنَهِيمُ يَهُوِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧ ] فبيّن أنه كان
على دين الله الحنيف ، وهو القصدُ إلى الإخلاص والانحراف عمداً عن الباطل إلى الحق الذي هو مخالف
اليهودية والنصرانية والمشركية، كما قال تعالى: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَةُ, وَلَقَدٍ
اضْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَاً وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ (٣) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمٌّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٢) وَوَضَى بِهَآ إِنَزَهِمُ
بَنِيهِ وَيَعْقُوبٌ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٣) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ
قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتَّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم ◌َا كَسَبْتُمٌّ وَلَا تُنْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
مُسْلِمُونَ
نَصَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِنْزَهِوَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٣) قُولُوَاْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ
وَإِسْمِعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتَِّ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوْتِىَ النَّبِتُّونَ مِن رَّيِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ (٨٦) فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ فَإِن نَولَّوْ فَإَِّا هُمْ فِ شِقَاقٌّ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ
﴿َ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَتَحْنُ لَهُ عَبِدُونَ ﴿ قُلْ أَتُحَاجُونَنَا فِ اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا
الْعَلِيمُ
أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (َ أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِزَاهِمَ وَإِسْمِعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا
هُودَّا أَوْ نَصَرَىَّ قُلْ ءَ أَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١) تِلْكَ
أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُهٌ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٤١]. فنزَّه الله
عزَّ وجلَّ خليلَه عليه السلام عن أن يكون يهودياً أو نصرانياً ، وبيَّن أنه إنما كان حنيفاً مسلماً ولم يكن من
المشركين، ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنْزَهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ﴾ [ آل عمران: ٦٨ ] يعني الذين كانوا
على مِلَّتِهِ من أتباعه في زمانه ، ومن تمسَّك بدينه من بعدهم ﴿ وَهَذَا النَّبِىُّ﴾ [آل عمران: ٦٨] يعني محمداً
وََّ ، فإن الله شرعَ له الدِّينَ الحنيف الذي شرعه للخليل، وكمَّله الله تعالى له وأعطاه ما لم يُعْط نبياً
ولا رسولاً قبلَه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَنِ رَبِّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمَا مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
اُلْمُشْرِكِينَ ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشْكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَِّ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ لَا شَرِيِكَ لَّ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَنَاْ أَوَّلُ الْلِمِينَ ﴾
[الأنعام: ١٦١ - ١٦٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِِّ

٢٤٨
ذكر ثناء الله ورسوله على إبراهيم
اجْتَنَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤) وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَإِنَّهُ فِىِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَِّحِينَ ﴿٤) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةً
إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [ النحل: ١٢٠ -١٢٣].
وقال البخاري(١): حدَّثنا إبراهيم بن موسى، حدَّثنا هشام، عن مَعْمر، عن أيُّوب ، عن عكرمة ،
عن ابن عبّاس: أنَّ النبيَّ نَّهِ لما رأى الصُّوَرَ في البيت لم يدخلْ حتى أُمِر بها فمُحيت، ورأى إبراهيمَ
وإسماعيلَ بأيديهما الأزلامُ، فقال: ((قاتلَهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قطّ )). لم يخرِّجْه مسلم.
وفي بعض ألفاظ البخاري(٢): ((قاتلَهم الله، لقد علموا أن شيخنا لم يستقسمْ بها قطُ )).
وقوله : ﴿ أُمَّةً﴾ أي: قدوة، إماماً مهتدياً داعياً إلى الخير، يُقتدى به فيه ﴿فَانِتًا لِلَهِ ﴾ أي:
خاشعاً له في جميع حالاته وحركاته وسكناته ﴿ حَنِيفًا﴾ أي مخلصاً على بصيرة: ﴿ وَلَمْيَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(3)
شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةِ﴾ قائماً بشكر ربّه بجميع جوارحِه من قلبه ولسانه وأعمالِه ﴿ اجْتَبَهُ﴾ أي : اختاره الله
لنفسه واصطَفَاه لرسالته، واتَّخذه خليلاً ، وجمعَ له بين خيري الدنيا والآخرة .
وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِنَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِنْزَهِيمَ
خَلِيلًا﴾ [النساء ١٢٥] يرغِّب تعالى في اتباع إبراهيم عليه السلام، لأنه كان على الدِّين القويم والصِّراط
المستقيم ، وقد قام بجميع ما أمر به ربُّه، ومدحَه تعالى بذلك، فقال: ﴿وَإِبْرَهِيمَ اُلَّذِى وَلَّ ﴾
[ النجم: ٣٧] ولهذا اتَّخذه الله خليلاً، والخُلَّةُ هي غاية المحبَّة، كما قال بعضُهم : [ من الخفيف ]
قَد تَخَلَّلْتَ مَسْلك الرُّوحِ مني وبذا سُمِّي الخليلُ خليل(٣)
وهكذا نالَ هذه المنزلة خاتم الأنبياء وسيِّدُ الرسل محمد صلواتُ الله وسلامه عليه ، كما ثبت في
الصحيحين(٤) وغيرهما : من حديث جُنْدب البَجليّ ، وعبد الله بن عمرو ، وابن مسعود ، عن
رسول الله ◌َ﴾ أنه قال: ((أيها الناس إن الله اتَّخذني خليلاً، كما اَّخذَ إبراهيمَ خليلاً)).
وقال أيضاً في آخرِ خطبةٍ خطبَها: (( أيُّها النَّاسُ لو كنتُ مُتَّخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكر
خليلاً ، ولكنَّ صاحبَكم خليلُ الله )) . أخرجاه من حديث أبي سعيد(٥) .
وثبت أيضاً من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود .
(١) في صحيحه (٣٣٥٢) في الأنبياء .
أخرجه البخاري (١٦٠١) في الحج بلفظ « قاتلهم الله، أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قط)).
(٢)
ذكره ابن القيم في روضة المحبين ( ص ٨٢ ) طبعة دار الكلم الطيب تحقيق د. محيي الدين ديب مستو .
(٣)
(٤)
ليس في الصحيحين بهذا اللفظ وإنما رواه المؤلف بالمعنى .
(٥) أخرجه بالمعنى البخاري رقم (٣٩٠٤) في فضائل الصحابة، ومسلم ( ٢٣٨٣) في فضائل الصحابة .

٢٤٩
ذكر ثناء الله ورسوله على إبراهيم
وروى البخاريُّ في ((صحيحه)(١): حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا شعبة ، عن حبيب بن جُبير ،
عن عمرو بن ميمون ، قال : إنَّ معاذا لما قدمَ اليمنِ صلَّى بهم الصُّبْحِ، فقرأ ﴿ وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِنْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾
[ النساء: ١٢٥] . فقال رجل من القوم: لقد قرَّت عينُ أُمّ إبراهيم .
وقال ابن مردويه (٢): حدَّثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدَّثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد ، -
حدَّثنا إبراهيمُ بن يعقوب الجُوزجاني بمكَّة، حذَّثنا عبدُ الله الحنفي، حدَّثنا زَمْعة بن صالح ، عن سلمةَ بن
وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جلسَ ناسٌ من أصحاب رسول الله وَّله ينتظرونه، فخرجَ
حتى إذا دنا منهم سمعَهم يتذاكرون ، فسمعَ حديثَهم ، وإذا بعضُهم يقول : عَجباً ، إن الله اتَّخذَ من خلقه
خليلاً ، فإبراهيم خليله . وقال آخر : ماذا بأعجبّ الله كَلَّمَ موسى تكليماً . وقال آخر : فعيسى روحُ الله
وكلمتُهُ . وقال آخر: آدمُ اصطفاه الله. فخرجَ عليهم فسلّم ، وقال: ((قد سمعتُ كلامَكم وعجبكم أن
إبراهيمَ خليلُ الله ، وهو كذلك ، وموسى كليمُه ، وهو كذلك ، وعيسى رُوحه وكلمتُه ، وهو كذلك ،
وآدمُ اصطفاه الله ، وهو كذلك . ألا وإني حبيبُ الله ولا فخرَ ، ألا وإني أوَّلُ شافع وأَوَّلُ مُشفَّع ولا فخر ،
وأنا أوَّلُ منْ يُحرِّك حلقةَ باب الجنَّة فيفتحه الله، فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ، وأنا أكرم الأوَّلينَ
والآخرين يوم القيامة ، ولا فخر )) .
هذا حديث غريب من هذا الوجه ، وله شواهدُ من وجوه أخر ، والله أعلم .
ورواه الحاكم في مستدركه(٣) : من حديث قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : أتنكرون أن
تكون الخُلَّة لإبراهيم ، والكلامُ لموسى ، والرؤية لمحمَّد ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
وقال ابن أبي حاتم : حدَّثنا أبي ، حدَّثنا محمود بن خالد السُّلمي، حدَّثنا الوليد ، عن إسحاق بن
بشَّار ، قال : لما اتَّخذ الله إبراهيم خليلاً ألقى في قلبه الوجل ، حتى إنْ كان خفقانُ قلبه ليُسمع من بُعد كما
يُسمع خفقان الطير في الهواء(٤) .
وقال عُبيد بن عُمير : كان إبراهيمُ عليه السلام يُضيِّفُ النَّاسَ ، فخرجَ يوماً يلتمسُ إنساناً يُضيّفه ، فلم
يجد أحداً يضيفه ، فرجعَ إلى داره ، فوجدَ فيها رجلاً قائماً ، فقالَ : يا عبد الله ما أدخلكَ داري بغير
إذني ؟ قال : دخلتها بإذن ربِّها . قال : ومنْ أنتَ ؟ قال : أنا مَلَكُ الموتِ ، أرسلني ربِّي إلى عبد من
عباده أبشِّره بأن الله قد اتخذه خليلاً ، قال : منْ هو ؟ فوالله إنْ أخبرتني به ، ثم كان بأقصى البلاد لآتينَّه ،
(١) البخاري (٤٣٤٨) في المغازي.
(٢) كما في الدر المنثور (٢/ ٧٠٥) والترمذي (٣٦١٦) في المناقب ، وقال: هذا حديث غريب.
(٣) المستدرك (٦٥/١ و٤٦٩/٢).
(٤) كما في الدر المنثور (٢/ ٧٠٦).

٢٥٠
ذكر ثناء الله ورسوله على إبراهيم
ثم لا أبرحُ له جاراً، حتَّى يُفرِّقَ بيننا الموتُ . قال : ذلك العبدُ أنتَ . قال : أنا ؟ قال : نعم . قال: فبم
اتَّخذني ربِّي خليلاً؟ قال : بأنَّك تُعطي النَّاسَ ولا تسألُهم. رواه ابن أبي حاتمُ(١).
وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيراً في غير ما موضع بالثناء عليه . والمدح له. فقيل(٢) : إنه مذكور
في خمسة وثلاثين موضعاً ، منها خمسة عشر في البقرة وحدها .
وهو أحدُ أولي العزم الخمسة ، المنصوص على أسمائهم تخصيصاً من بين سائر الأنبياء في آيتي
الأحزاب والشورى ، وهما قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِئْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوجِ وَإِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَبْنِ
مَرٌْ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَقًّا غَلِيظًا﴾ [ الأحزاب: ٧] وقوله: ﴿﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَاً
إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ، إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالّذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾ [ الشورى: ١٣] الآية.
ثم هو أشرفُ أُولي العزم بعد محمَّدٍ مَ، وهو الذي وجده عليه السلام في السماء السابعة ، مسندا
ظهره بالبيت المعمور ، الذي يدخلُه كلَّ يوم سبعون ألفاً من الملائكة ، ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم .
وما وقع في حديث شريك بن أبي نَمِر ، عن أنس ، في حديث الإسراءُ(٣) : من أنّ إبراهيمَ في
السادسة ، وموسى في السابعة ، فممَّا انتُقد على شريك في هذا الحديث ، والصحيح الأول .
وقال أحمد(٤) : حدثنا محمد بن بشر، حدَّثنا محمد بن عمرو ، حدَّثنا أبو سلمة ، عن أبي هريرة ،
قال: قال رسول الله وَلّل: ((إنَّ الكريمَ ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم خليل الرحمن)). تفرّد به أحمد(٥)
ثم مما يدلُّ على أنَّ إبراهيمَ أفضلُ من موسى على الصحيح الحديث الذي قال فيه: (( وأخَّرتُ الثالثة
ليوم يرغبُ إليّ الخلقُ كلُّهم حتى إبراهيم)) رواه مسلم من حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه(٦).
وهذا هو المقامُ المحمودُ الذي أخبرَ عنه صلواتُ الله وسلامه عليه بقوله: (( أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يوم القيامة
ولا فخر )) . ثم ذكرَ استشفاع الناس بآدمَ ثم بنوح، ثم إبراهيم ، ثم موسى، ثم عيسى، فكلُّهم يحيدُ
عنها، حتى يأتوا محمداً ◌َّ: ((فيقول: أنا لها، أنا لها)) ... الحديث(٧)
(١) المصدر السابق .
(٢) في ب : يُقال .
أخرجه البخاري (٧٥١٧) في التوحيد، ومسلم (١٦٢) (٢٦٢) في الإيمان.
(٣)
(٤)
في المسند (٢/ ٣٣٢) وهو حديث صحيح .
بل رواه الترمذي رقم (٣١٦٦) وهو حديث حسن .
(٥)
أخرجه مسلم ( ٨٢٠ ) (٢٧٣) في صلاة المسافرين ، وتقدَّم .
(٦)
(٧) أخرجه البخاري (٣٣٤٠) في الأنبياء و(٤٧١٢) في التفسير.

٢٥١
ذكر ثناء الله ورسوله على إبراهيم
وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر(١)، ومسلم(٢)، والنسائي(٣)، من طرقٍ عن يحيى بن سعيد
القَطَّان، عن عُبيد الله ، وهو ابن عمر العُمَريّ به .
قال البخاريُّ(٤): حدَّثناعليُّ بن عبد الله، حدَّثنا يحيى بن سعيد، حدَّثنا عبيد الله، حدَّثني سعيد ،
عن أبيه ، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله! من أكرم الناس ؟ قال: (( أتقاهم)) . قالوا : ليس
عن هذا نسألك. قال: (( فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله؟)). قالوا : ليس عن هذا
نسألك. قال: (( فعن معادن العرب تسألوني؟، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)). ثم
قال البخاري: قال أبو أسامة ومعتمر، عن عبيد الله، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّر ..
قلت : وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما٥) ، وحديث عبدة بن سليمان(٦) ، والنسائي من
حديث محمد بن بشر(٧)، أربعتُهم عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ(٨).
وقال أحمد (٩): حدَّثنا محمد بن بشر، حدَّثنا محمد بن عمرو، حذَّثنا أبو سلمة ، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَله: ((إن الكريمَ ابنَ الكريمَ ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم خليل الله )) . تفرّد به أحمد .
وقال البخاري١٠ٌّ): حدَّثنا عبدة، حذَّثنا عبد الصمد عن (١١) عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن ابن عمر،
عن النبي بَّرِ قال: (( الكريمُ ابنُ الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم)). تفرَّد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، به .
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد ١٢): حدَّثنا يحيى ، عن سفيان، حدَّثني مغيرة بن النعمان ، عن
سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي ◌ِِّ: (( يُحشرُ النَّاس حفاة عراة غرلاً ، فأول من يُكسى إبراهيم
(١) صحيح البخاري (٣٣٥٣) في أحاديث الأنبياء و(٣٤٩٠) في مناقب قريش.
(٢)
صحيح مسلم (٢٣٧٨) في المناقب .
(٣) في التفسير (٢٦٩)، وهو في الكبرى (١١٢٤٩).
(٤) في صحيحه (٣٣٥٣) .
(٥) أخرج البخاري حديث أبي أسامة في أحاديث الأنبياء من صحيحه (٣٣٨٣). وأخرج حديث معتمر بن سليمان في (٣٣٧٤).
(٦) أخرجه البخاري في التفسير من صحيحه (٤٦٨٩).
(٧) في التفسير (٢٧٠) وهو في سننه الكبرى برقم (١١٢٥٠) .
(٨) فروى سعيد بن أبي سعيد هذا الحديث عن أبيه عن أبي هريرة ، ورواه عن أبي هريرة مباشرة، وكله صحيح كما هو معروف .
(٩) في المسند (٢/ ٣٣٢) وتقدم قريباً .
(١٠) البخاري (٣٣٩٠) في الأنبياء.
(١١) في المطبوع: ((بن)) خطأ بَيّن ، وعبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار.
(١٢) أخرجه أحمد في المسند (٢٢٩/١) وغرلًا: غير مختونين .

٢٥٢
ذكر ثناء الله ورسوله على إبراهيم
عليه السلام)) ثم قرأ: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤])) فأخرجَاه في الصحيحينُ(١) : من
حديث سفيان الثوري ، وشعبة بن الحجّاجُ(٢) ، كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي ، عن
سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس به .
وهذه الفضيلة المعيّنة لا تقتضي الأفضليةَ بالنسبة إلى ما قابلها مما ثبتَ لصاحب المقام المحمود ،
الذي يغبطُه به الأوَّلون والآخرون .
وأما الحديث الآخر الذي قال الإمام أحمد : حدثنا و کیع وأبو نعيم ، حدثنا سفيان هو الثوري ، عن
مختار بن فُلْفلٍ، عن أنس بن مالك، قال: قال رجل للنبي وَّه: يا خيرَ البريَّة! فقال: ((ذاكَ إبراهيم)(٣) ،
فقد رواه مسلم(٤) من حديث الثوري وعبد الله بن إدريس وعلي بن مسهر ومحمد بن فضيل أربعتُهم ، عن
المختار بن فلفل . وقال الترمذي(٥) : حسن صحيح .
وهذا من باب الهَضْم والتواضع مع والده الخليل عليه السلام، كما قال: (( لا تُفضِّلوني على
الأنبياء ، وقال : لا تُفضِّلوني على موسى فإن الناس يُصعقونَ يومَ القيامة ، فأكونُ أوَّلَ من يفيقُ ، فأجدُ
موسى باطشاً بقائمةِ العَرْشِ ، فلا أدري أفاقَ قبلي أم جُوزي بصَعْقِ الطُور)(٦) .
وهذا كله لا ينافي ما ثبت بالتواتر عنه صلواتُ الله وسلامه عليه، من أنه سيد ولد آدم يومَ القيامةُ(٧) .
وكذلك حديث أَبيِّ بن كعب في صحيح مسلم : (( وأخَّرْتُ الثالثةَ ليومٍ يرغبُ إليَّ الخلقُ كلُّهم حتى
إبراهيم (٨).
ولما كان إبراهيمُ عليه السلام أفضلَ الرسل وأولي العزم بعد محمّد صلواتُ الله وسلامه عليهم
أجمعين ، أُمر المُصلِّي أن يقولَ في تشهده ما ثبت في الصحيحين : من حديث كعب بن عُجْرة وغيره ،
قال: قلنا : يا رسولَ الله! السلام عليك قد عرفناه، فكيفَ الصَّلاةُ عليك؟ قال: ((قولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ
على محمّد وعلى آل محمد، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وآل إبراهيم ، وبارك على محمَّد وعلى آل
(١) تفرد البخاري بإخراج حديث سفيان في صحيحه (٣٣٤٩) و(٣٤٤٧) و(٤٦٢٦).
حديث شعبة أخرجه البخاري (٤٦٢٥) و(٤٧٤٠) و(٦٥٢٦)، ومسلم (٢٨٦٠) (٥٨).
(٢)
(٣)
في المسند ( ١٧٨/٣ ).
(٤)
مسلم ( ٢٣٦٩) في الفضائل .
(٥) الترمذي (٣٣٥٢) في التفسير.
(٦) أخرجه البخاري (٣٤١٤) في الأنبياء، ولفظه: ((لا تفضلوا بين أولياء الله ... )) ومسلم ( ٢٣٧٣) في
الفضائل، بلفظ: ((لا تفضلوا بين أنبياء الله ... )) .
(٧) أخرجه البخاري (٣٣٤٠) في الأنبياء، ومسلم (٣٢٧) (١٩٤) في الإيمان، وهو من الأحاديث المتواترة انظر
(( نظم المتناثر من الحديث المتواتر )» للسيوطي ( ص١٤٩ ) مصورة دار المعارف بحلب - سورية .
(٨) أخرجه مسلم (٨٢٠ ) في صلاة المسافرين ، وقد تقدم .

٢٥٣
ذكر ثناء الله ورسوله على إبراهيم
محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ(١) )).
وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ اُلَّذِى وَفَّ﴾ [النجم: ٣٧] قالوا: وفي جميع ما أُمر به، وقامَ بجميع خصال
الإيمان وشُعبه ، وكان لا يَشغله مراعاة الأمر الجليل عن القيام بمصلحة الأمر القليل ، ولا يُنسيه القيام
بأعباء المصالح الكبار عن الصِّغار .
-
قال عبد الرزاق : أنبأنا مَعْمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس [ في قوله تعالى ]٢) :
﴿﴿ وَإِذِ أَبْتَلَى إِبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] قال: ابتلاه الله بالطّهارة : خمسٌ في الرأس ، وخمسٌ
في الجسد ، في الرأس : قصُّ الشارب ، والمضمضة ، والسِّواك ، والاستنشاق ، وفَرْقُ الرأس . وفي
الجسد : تقليمُ الأظفار ، وحَلْقُ العانة ، والخِتان ، ونتف الإبط ، وغسل أثر الغائط والبول بالماء . رواه
ابن أبي حاتم(٣) ، وقال : وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبي صالح
وأبي الجلد نحو ذلك .
قلت : وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي رَ ◌ّم قال: «الفطرةُ خمسٌ: الختان ، والاستحداد ،
وقصُّ الشارب ، وتقليم الأظفار ، ونتف الإبط )(٤).
وفي صحيح مسلم وأهل السنن(٥) : من حديث وكيع ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن مصعب بن شيبة
العبدري المكي الحجبي ، عن طلق بن حبيب العَنَزي ، عن عبد الله بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : قال
رسول الله وَّلَهُ: ((عَشْرٌ من الفِطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسِّواك، واستنشاق الماء ، وقصُّ
الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحَلْق العانة، وانتقاص الماء)) - يعني: الاستنجاء (٦) - قال
مصعب : ونسيتُ العاشرةَ إلا أن تكون المضمضة . قال وكيع : انتقاص الماء . وسيأتي في ذكر مقدار
عمره الكلام على الخِتان .
والمقصودُ أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يَشغله القيامُ بالإخلاص لله عزَّ وجلَّ وخشوع العبادة
العظيمة ، عن مراعاة مصلحة بدنه وإعطاء كلِّ عضوٍ ما يستحقُّه من الإصلاح والتحسين ، وإزالة ما له
(١) أخرجه البخاري (٦٣٥٧) في الدعوات ، ومسلم (٤٠٦) في الصلاة.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من الأصل ، وأثبته من المطبوع .
(٣) كما في الدر المنثور (٢٧٣/١) وأخرجه البيهقي (٣٢٥/٨) في السنن الكبرى، والحاكم (٢٦٦/٢) في المستدرك.
(٤) أخرجه البخاري (٥٨٩١) في اللباس، ومسلم (٢٥٧) في الطهارة .
(٥) أخرجه مسلم (٢٦١) في الإيمان، وأبو داود (٥٣) في الطهارة، والترمذي (٢٧٥٧) في الأدب، وابن ماجه (٢٩٣)
في الطهارة وسننها ، والنسائي (١٢٦/٨) و(١٢٨) في الزينة، وهو في الكبرى (٩٢٨٦) و(٩٢٨٧) و(٩٢٨٨).
(٦) ما بين حاصرتين سقط من المطبوع .

٢٥٤
ذكر قصره في الجنة - ذكر صفة إبراهيم عليه السلام
يُشْيْنُ(١) من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قَلْحُ(٢) أو وَسَخِ ، فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح
العظيم ﴿ وَإِبْرَهِيمَ اُلَّذِى وَفَّ﴾ [ النجم: ٣٧].
ذكر قصره في الجنة
قال الحافظ أبو بكر البزَّارُ(٣): حذَّثنا أحمد بن سنان القطَّان الواسطي، ومحمد بن موسى القَطَّان،
قالا : حدَّثنا يزيد بن هارون ، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، قال :
قال رسول الله وَّه: ((إن في الجنَّةِ قصراً - أحسبه قال - من لؤلؤة ليس فيه فَصْمٌ(٤) ولا وَهْيُّ(٥)، أعدَّه الله
لخليله إبراهيم عليه السلام نُزُلًا » .
قال البزار: وحدَّثناه أحمد بن حُمَيْد(٦) المروزي، حدَّثنا النَّصْر بن شُمَيْل، حدَّثنا حماد بن سَلمة،
عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي بَّ بنحوه. ثم قال: وهذا الحديث لا نعلمُ رواه عن
حمّاد بن سلمةَ فأسندَه إلا يزيد بن هارون والنَّصْر بن شُمَيْل ، وغيرهما يرويه موقوفاً .
قلتُ : لولا هذه العِلَّة لكان على شرط الصحيح ولم يُخرِّجوه .
ذكر صفة إبراهيم عليه السلام
قال الإمام أحمد(٧): حدَّثنا يونس وحُجَين ، قالا: حدَّثنا الليث، عن أبي الزُّبير ، عن جابر ، عن
رسول الله وَهُ أنه قال: ((عُرِضَ عليّ الأنبياءُ، فإذا موسى ضَرْبٌ من الرجال كأنَّه من رجالٍ شنوءةَ ،
ورأيتُ عيسى ابن مريم فإذا أقربُ مَنْ رأيتُ به شبهاً عروةُ بن مسعود ، ورأيتُ إبراهيمَ ، فإذا أقربُ منْ
رأيتُ به شبَهاً دِخْية)). تفرَّد به الإمام أحمد من هذا الوجه ، وبهذا اللفظ .
وقال أحمد(٨): حدَّثنا أسودُ بن عامر، حدَّثنا إسرائيلُ، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن مُجاهد، عن ابن
عبّاس، قال: قال رسول الله وَّل: ((رأيتُ عيسى ابن مريم، وموسى، وإبراهيم، فأما عيسى: فأحمرُ جَعْدٌ
عريضُ الصَّدْر. وأما موسى: فَآدمُ، جَسِيْمٌ. قالوا له: فإبراهيمُ. قال: انظرُوا إلى صاحِبكم)). يعني نفسه.
(١) كذا في أوب وفي المطبوع : ما يشين.
(٢) (( قلح)) : تغير الأسنان بصفرة وخضرة تعلوها .
كما في كشف الأستار (٢٣٤٦) و(٢٣٤٧).
(٣)
(٤)
(( فَصْم )»: كَسْرٌ.
((وَهيٌّ)): ضعف. وفي هامش أ: وهَن، وكذلك في المعجم الأوسط وكشف الأستار.
(٥)
(٦)
كذا في ب وكشف الأستار ، وفي أوالمطبوع : جميل ، وهو تصحيف .
في المسند ( ٣ /٣٣٤).
(٧)
(٨) أخرجه أحمد في المسند (٢٩٦/١) وإسناده صحيح على شرط البخاري .

٢٥٥
ذكر وفاة إبراهيم
وقال البخاري(١): حدَّثنا بيانُ بن عمرو، حدَّثنا النَّضْر، أنبأنا ابنُ عون، عن مجاهد، أنَّه سمعَ ابن
عبّاس، وذكروا له الدجّال بين عينيْه [ مكتوب ] كافر، أو (ك ف ر). فقال: لم أسمعْه، ولكنَّه قال
◌ِيَّ: (( أما إبراهيمُ : فانظروا إلى صاحبكم. وأما موسى: فجَعْدٌ آدمُ، على جَملٍ أحمرَ مَخْطومٌ
بِخُلْبةٍ(٢) ، كأني أنظرُ إليه انحدرَ في الوادي)».
وهكذا رواه البخاريُّ أيضاً في كتاب الحج(٣) وفي اللباس ، ومسلم ، جميعاً : عن محمد بن
المثنى ، عن ابن أبي عديّ ، عن عبد الله بن عون به .
ذكر وفاة إبراهيم ، وما قيل في عمره
ذكرَ ابنُ جرير في تاريخه(٤) : أن مولدَه كان في زمن النمرود بن كنعان، وهو فيما قيل : الضَّحَّاك
المَلِكُ المشهورُ الذي يُقال : إنه مَلكَ ألف سنة ، وكان في غاية الغشم والظلم .
وذكرَ بعضُهم أنه من بني راسب الذين بُعثَ إليهم نوحٌ عليهم السلام ، وأنه كان إذ ذاكَ مَلكَ الدنيا .
وذكروا أنه طلعَ نجمٌ أخفى ضوءَ الشمس والقمر ، فهالَ ذلك أهلَ ذلك الزمان ، وفزع النمرودُ ،
فجمعَ الكهنةَ والمُنجِّمينَ وسألَهم عن ذلك ، فقالوا : يُولد مولود في رَعيَّتَكَ يكونُ زوالُ مُلْككَ على
يديْه ، فأمرَ عند ذلك بمنع الرجال عن النساء ، وأن يُقتَلَ المولودون من ذلك الحين ، فكان مولدُ إبراهيم
الخليل في ذلك الحين ، فحماه الله عزَّ وجلَّ وصانَه عن كيد الفُجَّار، وشبَّ شباباً باهراً ، وأنبته الله نباتاً
حسناً ، حتى كان من أمره ما تقدَّم ، وكان مولده بالسوس ، وقيل : ببابلَ ، وقيل : بالسواد من ناحية
كُوْنى(٥) . وتقدَّم عن ابن عباس أنه وُلدَ ببرزةَ شرقيّ دمشق .
فلما أهلك الله نمرودَ على يديه وهاجرَ إلى حرَّان ، ثم إلى أرض الشام ، وأقام ببلاد إيليا كما ذكرنا ،
ووُلد له إسماعيل وإسحاق ، وماتت سارَة قبلَه بقرية حَبْرُون التي في أرض كنعان ، ولها من العمر مئة
(١) في صحيحه ( ٣٣٥٥) في الأنبياء .
(٣) البخاري (١٥٥٥) في الحج و(٥٩١٣) في اللباس، ومسلم (١٦٦) (٢٧٠) في الإيمان.
(٢)
الخُلْبَةُ : الليف .
(٤) انظر تاريخ ابن جرير الطبري (٢٣٣/١).
((كَوثى)): قال ياقوت: كونى العراق: كوثيان؛ أحدهما كوثى الطريق، والآخر كوثى رَبَّى، وبها مشهد إبراهيم
(٥)
الخليل عليه السلام ، وبها مولده ، وهما من أرض بابل ، وبها طُرحَ إبراهيم في النار ، وهما ناحيتان . معجم
البلدان (٤ / ٤٨٧ ) .

٢٥٦
ذكر وفاة إبراهيم
وسبع وعشرون سنة، فيما ذكر أهل الكتاب، فحزنَ عليها إبراهيمُ عليه السلام ورثاها رحمها الله ، واشترى
من رجل من بني حيث ، يقال له : عفرون بن صخر مغارةً بأربعمئة مثقال ، ودفنَ فيها سارَة هنالك .
قالوا : ثم خطبَ إبراهيمُ على ابنه إسحاقَ، فزوَّجه (( رفقا)) بنت بتوئيل بن ناحور بن تارح ، وبعث
مولاه فحملَها من بلادها ومعها مُرضعتها وجواريها على الإبل .
قالوا: ثم تزوَّج إبراهيم عليه السلام ((قنطورا)) فولدت له : زمران ، ويقشان ، ومادان ، ومدين ،
وشياق ، وشوح. وذكروا ما ولدَ كلُّ واحد من هؤلاء أولاد ((قنطورا)).
وقد روى ابنُ عساكر عن غير واحد من السلف ، عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجيء مَلكِ الموت
إلى إبراهيم عليه السلام أخباراً كثيرة الله أعلم بصحتها .
وقد قيل : إنَّه مات فجأةً ، وكذا داودُ وسليمان ، والذي ذكرَه أهلُ الكتاب وغيرُهم خلافُ ذلك .
قالوا : ثم مرض إبراهيم عليه السلام وماتَ عن مئة وخمس وسبعين ، وقيل : وتسعينَ سنة ، ودُفن
في المغارة المذكورة التي كانت بحبرون الحيثي ، عند امرأته سارَة ، التي في مزرعة عفرون الحيثي ،
وتولَّى دفنه إسماعيلُ وإسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
وقد وردَ ما يدلُّ أنه عاشَ مئتي سنة ، كما قاله ابن الكلبي .
وقال أبو حاتم بن حِبَّان في صحيحه (١): أخبرنا المُفضَّل بن محمد الجَنَديُّ بمكة، حدَّثنا علي بن
زياد اللَّحَجيُّ، حدَّثنا أبو قرَّة، عن ابن جُرَيْج ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن سعيد بن المسيِّب ، عن
أبي هريرة: أنَّ النبيَّ وَِّ قال: (( اختتنَ إبراهيمُ بالقَدُوم وهو ابن عشرين ومئة سنة ، وعاش بعد ذلك
ثمانين سنة)) وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم ، وجعفر بن عَوْن العَمْري ، عن
يحيى بن سعيد ، عن سعيد، عن أبي هريرة موقوفا٢ً) .
ثم قال ابن حبان (٣) : ذكر الخبر المدحض (٤) قول من زعمَ أنَّ رفعَ هذا الخبر وَهمِّ: أخبرنا محمد بن
عبد الله بن الجنيد بِبُسْتَ ، حدَّثنا قتيبةُ بن سعيد، حدَّثنا الليثُ ، عن ابن عَجْلانَ ، عن أبيه ، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: ((اختتنَ إبراهيمُ حين بلغَ مئة وعشرين سنة ، وعاش بعد ذلك ثمانين
سنة، واختتن بقَدُوم » .
(١) الإحسان (٦٢٠٤ ).
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه كما في مختصر تاريخ دمشق (٣٥٨/٣).
(٣) الإحسان (١٤ / ٨٦) قبل حديث (٦٢٠٥) .
(٤) ((المُدخِض)): المُبْطِل.

٢٥٧
ذكر وفاة إبراهيم
وقد رواه الحافظ ابن عساكر : من طريق يحيى بن سعيد ، عن ابن عجلان ، عن أبيه ، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌ُّ وقد أتت عليه ثمانون سنة(١).
ثم روى ابن حِبَّانُ(٢) عن عبد الرزاق : أنه قال: القَدُوم : اسم القرية .
قلت : الذي في الصحيح(٣) أنه اختتنَ وقد أتتْ عليه ثمانون سنة، وفي رواية ((وهو ابن ثمانين سنة))
ولس فيهما تعرُّض لما عاش بعد ذلك ، والله أعلم .
وقال محمد بن إسماعيل الحيَّاني(٤) الواسطي : زاد في تفسير وكيع عنه - فيما ذكره من الزيادات -
حدَّثنا أبو معاوية ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المُسَيِّب ، عن أبي هريرة ، قال : كان إبراهيمُ أوَّل
من تسرولَ ، وأوَّل من فَرَق، وأوَّل من استحدَّ ، وأوَل من اختتنَ بالقَدُوم ، وهو ابن عشرين ومئة سنة ،
وعاشَ بعد ذلك ثمانينَ سنة ، وأوَّل من قرى (٥) الضيف ، وأوَّلَ من شابَ(٦).
هكذا رواه موقوفاً ، وهو أشبهُ بالمرفوع ، خلافاً لابن حِبَّان ، والله أعلم .
وقال مالك : عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المُسيِّب ، قال : كان إبراهيمُ أوَّلَ من أضافَ
الضيفَ ، وأوَّل النَّاسِ اختتنَ ، وأوَّل الناس قصَّ شاربَه ، وأوَّل النَّاسِ رأى الشَّيْبَ . فقال : يا ربِّ
ما هذا؟ فقال الله: (( وقارٌ)) فقال: يا رب زِدْني وقاراً(٧) .
وزادَ غيرهما : وأوَّل منْ قصَّ شاربَه ، وأوَّل من استحدَّ ، وأولَ من لبس السراويلَ .
فقبرُه وقبرُ ولده إسحاق ، وقبرُ وَلَدِ وَلدهِ يعقوبَ في المُرَبَّعةِ التي بناها سليمانُ بن داود عليه السلام
ببلد حَبْرون ، وهو البلد المعروف بالخليل اليوم ، وهذا تُلُقِّيَ بالتواتر أُمَّةً بعد أُمةٍ وجيلاً بعد جيل ، من
زمن بني إسرائيل وإلى زماننا هذا؛ أن قبرَه بالمربعة تحقيقاً . فأمَّا تعيينه منها فليس فيه خبرٌ صحيح عن
معصوم، فينبغي أنْ تُراعى تلك المَحَلَّة وأنْ تُحترم احترامَ مثلها، وأن تُبَجَّل ، وأنْ تُجلَّ أن يُداس في
أرجائها خشيةَ أن يكونَ قبرُ الخليل ، أو أحدٌ من أولاده الأنبياء عليهم السلام تحتَها .
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه، كما في مختصر تاريخ دمشق (٣٥٨/٣).
(٢) الإحسان (١٤ / ٨٥).
يعني : صحيح البخاري (٣٣٥٦) في الأنبياء .
(٣)
في المطبوع : الحساني ، وهو تصحيف .
(٤)
(٥) قرى الضيف : أطعمه .
(٦) انظر هذه الأوليات في كتاب ((محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر)) للسكتواري البسنوي (ص٣٧ - ٣٩) وعزاه
لتاريخ القدس .
(٧) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٢٢).

٢٥٨
ذكر أولاد إبراهيم الخليل - قصة قوم لوط عليه السلام
وروى ابن عساكر(١) بسنده إلى وَهْبِ بن مُنَبِّه قال : وُجِد عند قبر إبراهيم الخليل على حجر كتابة
خلفه (٢) : [ من الرجز ]
يموتُ مَنْ جَا أجَلُهُ
ألهى جَهُولًا أَمَلُهْ
لم تُغنِ عَنْه حِيَّلُهْ
ومَنْ دَنا من حَتْفِهِ
مَنْ ماتَ عَنْهُ أوّلُهْ
وكيفَ يَبْقَى آخِرٌ
في القبرِ إلا عَمَلُهُ(٣)
والمَرْءُ لا يَصْحُبُهُ
ذكر أولاد إبراهيم الخليل
أوَّل من وُلد له إسماعيلُ من هاجَرَ القِبْطَّةِ المِصريَّة ، ثم وُلد له إسحاق من سارَة بنت عمِّ الخليل ، ثم
تزوَّجَ بعدها (( قنطورا)) بنت يقطن الكنعانية ، فولدتْ له ستةً: مدين ، وزمران ، وسرج ، ونقشان ،
ونشق ، ولم يُسمِّ السادسَ، ثم تزوَّجَ بعدها (( حجون)) بنت أهين ، فولدت له خمسة : كيسان ،
وسورج، وأميم، ولوطان، ونافس. هكذا ذكره أبو القاسم(٤) السهيلي في كتابه (( التعريف
والإعلام)).
[ قصة قوم لوط عليه السلام (٥)
ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الأمور العظيمة قصّة قوم لوط عليه السلام ، وما حلَّ بهم من
النقمة الغميمة (٦) ، وذلكَ أنَّ لوطاً بن هاران بن تارح - وهو آزر - كما تقدَّم ، ولوط ابن أخي إبراهيم
الخليل ، فإبراهيم وهاران وناحور إخوةٌ كما قدَّمنا ، ويُقال: إن هاران هذا هو الذي بنى حَرَّان ، وهذا
ضعيفٌ لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب ، والله أعلم .
وكان لوطٌ قد نزحَ عن محلَّة عمِّه الخليل عليهما السلام بأمره له وإذنه ، فنزلَ بمدينة سَدُوم من أرض
(١) في تاريخه؛ كما في مختصر تاريخ دمشق (٣٧٦/٣).
في مختصر تاريخ دمشق: أصيبَ على قبر إبراهيم الخليل مكتوب خلفه في حجر. وفي ب: خلقة: وفيها تصحيف .
(٢)
(٣)
في المختصر : أن هذا البيت من زيادة بعض أهل العلم .
انظر ((التعريف والإعلام)) للسهيلي (ص ٣٥) وفيه : مدين ، وزموان ، وسبرج ، ونقشان ، ونشق .
(٤)
(٥) ما بين حاصرتين أضفته عنواناً تمشياً مع ما صنعه المؤلف سابقاً ولاحقاً .
(٦) الغميمة : من الغمِّ والكَرْب .

٢٥٩
قصة قوم لوط عليه السلام
غور زغر ، وكان أمَّ تلك المَحلَّة ، ولها أرضٌ ومعتملات وقرى مضافة إليها ، ولها أهلٌ من أفجرِ النَّاس
وأكفرِهم وأسوئهم طويَّةً ، وأردَاهم سريرةً وسيرةً ، يقطعونَ السبيلَ ، ويأتون في ناديهم المنكر ،
ولا يتناهون عن منكرٍ فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون . ابتدعوا فاحشةً لم يسبقْهم إليها أحدٌ من بني آدم ،
وهي إتيانُ الذُّكْران من العالمين ، وتركُ ما خلقَ الله من النِّسوان لعباده الصالحين ، فدعاهم لوط إلى عبادة
الله تعالى وحده لا شريكَ له ، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات ، والفواحش المنكرات ، والأفاعيل
المستقبحات ، فتمادَوْا على ضلالهم وطُغيانهم ، واستمرُّوا على فُجورهم وكُفْرَانهم ، فأحلَّ الله بهم من
البأس الذي لا يُردُّ ما لم يكن في خَلَدِهم وحُسْبَانهم، وجَعلَهم مُثْلةً في العالمين ، وعبرةً يتعظُّ بها الألِيَّاءُ
من العالمين ، ولهذا ذكرَ الله تعالى قِصَّتهم في غير ما موضع من كتابه المبين ، فقال تعالى في سورة
الأعراف: ﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ (٥) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ
شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوهُمْ مِن قَرْيَتِكُمْ
﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَأَنْظُرْ كَيْفَ
إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَتَطَهَّرُونَ [٨] فَنَّنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [ الأعراف: ٨٠ - ٨٤].
وقال تعالى في سورة هود: ﴿ وَلَقَدْ جََّتْ رُسُلُنَا إِنَزَهِيمَ بِالْبُشْرَىْ قَالُواْسَلَمَّا قَالَ سَلٌَ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ
حَنِيدٍ () فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَصِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَّخَفْ إِنَّا أُرْسِلْتَآَ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴿٢) وَأَمْرَأَتُهُ.
قَآيِمَةٌ فَضَحِكَتُّ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (٣٦) قَالَتْ يَوَيِلَىْءَأَلِّدُ وَأَنَاْ عَجُوزُ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ
عَجِيبٌ ﴿َ قَالُواْ أَنَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَتُهُ, عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ، حَمِيدٌ تَجِدٌ ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِزَهِيِمَ الزَّوْعُ
أَإِبَهِيمُ أَغْرِضْ عَنْ هَذَّا إِنَُّ قَدْ جَآءَ أَخْرُ رَيْكٌ وَإِنَهُمْ
وَجَآءَتَّهُ الْبُشْرَىِ يُجَدِلْنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ ﴿ إِنَّ إِبَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَّهُ مُنِيبُ الَّ
﴿ وَلَغَا جَآءَتْ رُسُلْنَا لُوطَا سِىَّ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ (٨) وَجَآءَهُ قَوْمٍُ
ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَنْدُودِ
يُّهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىّ أَلَيْسَ
مِنكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴿ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٢) قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَکْنِ
شَدِيدٍ ﴿١٤) قَالُواْ يَدِلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْإِلَيٌْ فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِنَ الَّلِ وَلَا يَكْثَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَمْرَ أَنْكٌ إِنَّهُ
مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الُبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَغْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَتْنَا عَلَيْهَا
حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ مَّنْضُودٍ ﴿ مُسَوَّمَةً عِندَرَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٦٩ -٨٣].
﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَّا قَالَ إِنَّا مِنَكُمْ
وقال تعالى في سورة الحجر : ﴿ وَنَبِئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ
قَالُواْ بَشَّتْنَكَ
وَحِلُونَ (@) قَالُواْ لَا نَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِرَ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ (٢] قَالَ أَبَشَّرْتُهُونِ عَلَى أَنْ مَسَنِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
◌َ قَالَ فَمَا خَطِبُّكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
وَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ: إِلَّا الضَّالُونَ
بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَيِطِينَ
لا
إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُتَبُّوهُمْ أَجْمَعِينٌَ ◌ِنَّ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاْ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَرِينَ
قَالُواْ إِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ
٦٠
فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (] قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ (١٦) قَالُواْ بَلْ جِئْتَكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ (®] وَأَيْتَكَ بِالْحَقِّ

٢٦٠
قصة قوم لوط عليه السلام
وَإِنَّا لَصَدِقُونَ رَِ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطِعٍ مِّنَ الَّيْلِ وَأَنَّبِعُ أَدْبَرَهُمْ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَتْهِ
ذَلِكَ الْأَمْرَ أَتَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعُ مُصْبِحِينَ () وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٢) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءٍ ضَيْفِى فَلَا نَفْضَحُونِ
وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٢) قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ اُلْعَلَمِينَ ﴿ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِىَ إِن كُنْتُمْ فَعِلِينَ ﴿يَ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَِمْ
يَعْمَهُونَ ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٣) فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ
لِلْمُتَوَسّمِينَ (٣) وَ إِنَّهَا لَبِسَمِيلٍ مُقِيمٍ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: ٥١ -٧٧].
ـ) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
وقال تعالى في سورة الشعراء : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (بَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٍ أَلَا نَتَّقُونَ ﴿َ) إِنِّ لَكُمْ
رَسُولُ أَمِينٌ (﴿
◌َ وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ
فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
اَلْعَلَمِينَ (١) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَادُونَ (٨) قَالُواْ لَيِن لَّمْ تَنْتَهِ يَلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَحِينَ اذَ قَالَ
﴿َ فَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عَجُوزَا فِ الْغَبِينَ (٢) ثُمَّ دَقْنَا
إِنِّيِ لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِنَ ﴿لَ رَبِّ نَجِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ
اْأَخَرِينَ (٤) وَأَمَّطَرْنَا عَلَيْهِ مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ(١٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾
[ الشعراء: ١٦٠ _ ١٧٥ ] .
وقال تعالى في سورة النمل: ﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأَتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿ أَمِنَّكُمْ
﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوْءَالَ لُوطٍ مِّن
لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةٌ مِّن دُونِ اٌلِسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(
قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَطَهَّرُونَ ﴿ فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ فَذَرْنَهَا مِنَ الْغَبِينَ (*) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرَاْ فَسَآءُ
مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٤ -٥٨ ] .
وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿ وَلُوطَا إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا
مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ ﴿ أَبِتَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَّعُونَ السَّكِيلَ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنْكَرِّ فَمَا كَانَ
﴿ قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِ عَلَى الْقَوْمِ
جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ آَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ
الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْبَةٌ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوْ
ظَلِمِينَ ﴿ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَأَ قَالُواْ نَحْبُ أَعْلَمُ بِمَن فِيَّا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَيِينَ
وَلَمََّ أَنْ جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىءَ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُواْ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنُّ إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا أَمْرَأَتَكَ
كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ ﴿ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ [٣] وَلَقَد
تَرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةً بَنِنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [العنكبوت: ٢٨ -٣٥].
﴿ إِذْ نَخَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينٌَ ﴿فَ إِلَّا عَجُوزًا فِ
وقال تعالى في سورة الصافات : ﴿وَإِنَّ لُوطَا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ
اٌلْغَبِينَ ﴿ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ ﴿ وَإِنَّكُمْ لَمُرُونَ عَلَيْهِم مُصْبِحِينَّ (٢) وَ يِلَيْلِّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٣ -١٣٨].
وقال تعالى في الذاريات بعد قصَّة ضيف إبراهيم، وبشارتهم إياه بغلام عليم: ﴿﴿ قَالَ فَا خَطْبُكُمْ أَيّها
الْمُرْسَلُونَ (٦) قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآَ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ ﴿َ لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (٦) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٦) فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ
فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (﴿ فَمَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيّرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿ وَتَرَّكَا فِيهَآ ءَايَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣١ -٣٧].