النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
ذكر هجرة الخليل إلى بلاد الشام
وجدَ الذي قد أصلحُوه ، فقال : أنَّى لكم هذا؟ قالت : من الذي جئتَ به ، فعرفَ أنَّه رزقٌ رزَقَهموه الله
عز وجل .
قال زيدُ بن أسلم : وبعثَ الله إلى ذلك المَلِك الجبّار ملكا فأمره بالإيمان بالله ، فأبى عليه ، ثم دعاه
الثانية ، فأبى عليه ، ثم الثالثة، فأبى ، وقال : اجمع جموعَك وأجمعُ جموعي، فجمعَ النمرودُ جيشَه
وجنودَه وقتَ طُلوع الشمس ، فأرسلَ الله عليه ذباباً من البَعوض ، بحيثُ لم يرَوا عينَ الشمسَ ، وسلَّطها
الله عليهم ، فأكلتْ لحومَهم ودماءَهم ، وتركتْهم عظاماً باديةً ، ودخلتْ واحدةٌ منها في مِنْخر المَلكِ ،
فمكثتْ في منخريه أربعمئة سنة ، عذَّبه الله تعالى بها ، فكان يضربُ رأسه بالمرازب (١) في هذه المدة كلها
حتى أهلكَه الله عزَّ وجلَّ بها٢) .
ذكرُ هجرة الخليل عليه السلام إلى بلاد الشام ودخوله الديار المصرية ،
واستقرارِه بالأرض المقدَّسة
قال الله تعالى: ﴿﴿ فَامَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرٍ إِلَى رَبِّ إِنَّهُ, هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِيَتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبَ وَءَاتَّيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٦ -٢٧]
وقال تعالى: ﴿ وَتَجَّيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلَّاً
جَعَلْنَا صَلِحِينَ (٣) وَجَعَلْنَهُمْ أَبِعَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوْةِ وَإِيسَآءَ الزَّكَوَةٌ
وَكَانُوْلَنَا عَبِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١ - ٧٣] لما هجرَ قومَه في الله، وهاجرَ من بينِ أظهرهم، وكانت امرأتُه عاقراً
لا يُولد لها ، ولم يكنْ له من الولد أحدٌ ، بل معه ابنُ أخيه لوطُ بن هاران بن آزر ، وهبه الله تعالى بعد ذلك
الأولادَ الصالحينَ ، وجعلَ في ذُريَّتِهِ النبوة والكتاب ، فكلُّ نبِيِّ بُعِثَ بعدَه من ذُريَته ، وكلُّ كتابٍ نزلَ من
السماء على نبيٍّ من الأنبياء منْ بعدِه ، فعلى أحد نسلِه وعَقبه خِلعة (٣) من الله وكرامةً له حين تركَ بلادَه
وأهلَه وأقرباءَه وهاجرَ إلى بلد يتمكَّن فيها من عبادة ربِّه عزَّ وجلَّ، ودعوةِ الخلق إليه ، والأرضُ التي
قصدَها بالهجرة أرضُ الشام، وهي التي قال الله عز وجل: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرِّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾ [ الأنبياء:
٧١] قاله أُبِيُّ بن كعب(٤)، وأبو العالية ، وقتادة وغيرهم . وروى(٥) العوفي عن ابن عباس قوله :
(١) ((المرازب)): جمع مِرْزبة: وهي المطرقة الكبيرة، ويقال له: الإرزبَّة: بالهمز والتشديد.
(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٧/٣) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢٤/٢ - ٢٥).
(٣) (( خِلْعةً)): عطيّة.
(٤) انظر الدر المنثور؛ للسيوطي (٦٤٢/٥ - ٦٤٣).
(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٦).

٢٢٢
ذكر هجرة الخليل إلى بلاد الشام
﴿ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] مكة، ألم تسمع إلى قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
لَلَّذِى بِبَّكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ﴾ [ آل عمران: ٩٦]. وزعمُ(١) كعبُ الأحبار أنها حرَّان .
وقد قدّمنا عن نقل أهل الكتاب : أنَّه خرجَ من أرض بابلَ ، هو وأبوه وابن أخيه لوط ، وأخوه
ناحور ، وامرأة إبراهيم سارَة ، وامرأة أخيه ملكا ، فنزلوا حرَّان ، فمات تارخُ أبو إبراهيمَ بها .
وقال الشُّدِّيُ(٢): انطلقَ إبراهيم ولوط قِبَلَ الشَّام فلقِيَ إبراهيمُ سارَةَ - وهي ابنة مَلِكِ حرَّان - وقد
طعنت على قومِها في دينهمُ(٣)، فتزوَّجها على ألَّا يُغَيِّرَها٤) . رواه ابن جرير وهو غريب.
والمشهورُ أنها ابنة عمِّه هاران ، الذي تُنسب إليه حرَّان ، ومنْ زعمَ أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط ،
كما حكاه السُّهيلي عن القُتَبِيِّ وَالنَّقَّاش، فقد أبعدَ النُّجْعَة، وقال بلا علم؛ وادَّعى أن تزويجَ بنت الأخ
كان إذ ذاك مشروعاً ، فليس له على ذلك دليل . ولو فُرِضَ أن هذا كان مشروعاً في وقتٍ كما هو منقولٌ عن
الربّانيّيِّن من اليهود، فإن الأنبياءَ لا تتعاطاه ، والله أعلم.
ثم المشهورُ أنَّ إبراهيمَ عليه السلام لمَّا هاجرَ من بابلَ خرجَ بسارَةَ مهاجراً من بلاده كما تقدَّم ، والله
أعلم .
وذكرَ أهلُ الكتاب أنَّه لما قدمَ الشام أوحى الله إليه : إني جاعل هذه الأرض لخلفك من بعدك فابتنى
إبراهيمُ مذبحاً لله ، شكراً على هذه النعمة ، وضربَ قبَّته شرقي بيت المقدس، ثم انطلقَ مُرتحلاً إلى
التيمُّن، وأنه كان جوعٌ، أي : قَحْطٌ وشِدَّةٌ وغَلاء ، فارتحلَ إلى مصرَ ، وذكروا قصَّة سارَة مع ملكها ،
وأن إبراهيمَ قال لها قولي : أنا أُختُهُ ، وذكروا إخدامَ الملك إياها هاجرَ ، ثم أخرجهم منها ، فرجعوا إلى
بلاد التَّيمن - يعني أرض بيت المقدس وما والاها - ومعه دوابٌ وعبيدٌ وأموال .
وقد قال البخاري: حدَّثنا محمد بن محبوب ، حدَّثنا حمّاد بن زيدٍ ، عن أيوب ، عن محمد ، عن
أبي هريرةَ قال : لم يكذبْ إبراهيمُ إلا ثلاثَ كَذبات : ثنتان منهنَّ في ذاتِ الله ، قوله : ﴿ إِنِ سَقِيمُ ﴾
[ الصافات: ٨٩] وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ, كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [ الأنبياء: ٦٣] وقال: بينا هو ذات يوم وسارَةُ إذ أنى
على جبَّار من الجبابرة، فقيل له : هاهنا رجلٌ معه امرأةٌ من أحسن الناس ، فأرسلَ إليهَ وسألَه عنها ،
فقال : منْ هذه ؟ قال : أختي ، فأتى سارَة ، فقال : يا سارَةُ ليس على وجهِ الأرضِ مؤمنٌ غيري
(١) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٦٤٣/٥).
(٢) أخرجه ابن جرير في التفسير (٤٥/٩ - ٤٦).
(٣) كذا في ب . وفي أ: على قومها دينهم .
(٤) كذا في أوب وتفسير الطبري (٤٦/٩) وبهامشه: كذا في الأصل ، وفي ابن كثير على أن يفرّ بها.
ومعنى : ألا يُغيِّرها : ألا يُطلقها، ولا يتزوج عليها غيرها إلا بإذنها .

٢٢٣
ذكر هجرة الخليل إلى بلاد الشام
وغيركِ ، وإنَّ هذا سألني فأخبرتُه أنَّك أَختي فلا تُكذِّبيني، فأرسلَ إليها ، فلما دَخَلَتْ عليه ذهبَ يتناولُها
بيده، فأخذ . فقال : ادعي اللهَ لي ولا أضرُّك، فدعت اللهَ فَأُطلقَ، ثمَّ تناولَها الثانيةَ فأُخذَ مثلها أو
أشدَّ ، فقال : ادعي الله لي ولا أضرُّكِ فدعتْ فأطلق، فدعا بعضَ حَجَبَتِه ، فقال: إنكم لم تأتوني
بإنسانٍ وإنما أتيتموني بشيطان ، فأخدمَها هاجرَ ، فأتته وهو قائمٌ يُصلِّي ، فأومأ بيده : مَهْيم . فقالت : ردًّ
الله كيدَ الكافر - أو الفاجر - في نَحْرِه، وأخدمَ هاجرَ. قال أبو هريرة: فتلكَ أمُّكم يا بني ماء (١)
السماءُ(٢) . تفرَّد به من هذا الوجه موقوفاً .
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزَّار : عن عمرو بن علي الفَلاس ، عن عبد الوهاب الثقفي ، عن
هشام بن حسَّان ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((إنَّ إبراهيمَ لم يكذبْ قطُ
إلا ثلاثَ كذبات، كلُّ ذلك في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ
كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [ الأنبياء: ٦٣] وبينما هو يسيرُ في أرضِ جَبَّار من الجَبابرة ، إذ نزلَ منزلًا، فأتي الجبّارُ
فقيل له : إنَّه قد نزلَ هاهنا رجلٌ معه امرأةٌ من أحسنِ النَّاس . فأرسلَ إليه ، فسأله عنها ، فقال: إنَّها
أُختي . فلما رجعَ إليها ، قال : إنَّ هذا سألني عنكِ، فقلتُ : إنَّك أختي ، وإنه ليس اليومَ مسلمٌ غيري
وغيرك ، وإنك أختي فلا تُكذِّبيني عندَه ، فانطلقَ بها ، فلما ذهبَ يتناولها أُخذ ، فقال : ادعي الله لي
ولا أضرُّك فدعتْ له فأُرسل، فذهبَ يتناولُها فأُخذ مثلَها أو أشدَّ منها ، فقال : ادعي الله لي ولا أضرُّك ،
فدعتْ فأُرسل ، ثلاث مرات . فدعا أدنى حَشَمِه ، فقال : إنك لم تأتني بإنسان ولكنْ أتيتني بشيطان ،
أخرجْها وأعطِها هاجرَ . فجاءتْ وإبراهيمُ قائمٌ يُصلِّي، فلمّا أحسَّ بها انصرفَ ، فقال : مَهْيَم ؟ فقالت :
كفى الله كَيْدَ الظَّالِمٍ ، وأخْدمني هاجرٍ(٣)
(١) في هامش ب: قال الجلال السيوطي في ((مختصر النهاية)) يا بني ماء السماء : يُريد العربَ ، لأنهم كانوا يتبعون
قطرَ الماء ، فينزلون حيث كان .
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٥٨) في الأنبياء. وقوله: ((لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات)) قال ابن عقيل : دلالة
بالعقل تصرف ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم . وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقاً به ليعلم
صدق ما جاء به عن الله ، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه ، فكيف مع وجود الكذب منه ، وإنما أطلق عليه ذلك
لكونه بصورة الكذب عند السامع ، وعلى تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم عليه السلام - يعني إطلاق الكذب على
ذلك - إلا في حال شدة الخوف لعلو مقامه ، وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز ، وقد يجب لتحمل
أخف الضررين دفعاً لأعظمهما ، وأما تسمية إياها كذبات ، فلا يريد أنها تذم ، فإن الكذب وإن قبيحاً مخلاً ، لكنه
قد يحسن في مواضع ، وهذا منها . فتح الباري (٦/ ٣٩٢).
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه بإسناده عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، عن رسول الله وَليل
(٥٧٣٧) الإحسان وهو في مصنف عبد الرزاق (٢٠١٩٥) ومن طريقه أخرجه أحمد (١٥٢/٦) وأبو داود
(٢٢١٢) في الطلاق، والنسائي في فضائل الصحابة (٢٩٦)، والبيهقي (١٩٦/١٠) في السنن الكبرى.

٢٢٤
ذكر هجرة الخليل إلى بلاد الشام
وأخرجاهُ(١) من [ غير ] حديث هشام.
ثم قال البزار : لا نعلمُ أسندَه عن محمد، عن أبي هريرة ، إلا هشام ، ورواه غيره موقوفا٢ً) .
وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عليُّ بن حَفْص ، عن ورقاء - هو ابن عمر اليشكري(٣) - عن أبي الزِّناد ،
عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ لّ: ((لم يكذبْ إبراهيمُ إلا ثلاثَ كذبات : قوله
حين دُعي إلى آلهتهم، فقال: ﴿ إِنّ سَقِيمٌ﴾ [الصافت: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾
[الأنبياء ٦٣] وقوله لسارة: إنها أختي. قال: ودخلَ إبراهيمُ قريةً فيها مَلِكٌ من الملوك - أو جبَّار من
الجبابرة - فقيل : دخلَ إبراهيمُ الليلةَ بامرأةٍ من أحسنِ النَّاس . قال: فأرسل إليه المَلكُ - أو الجبَّارُ - مَنْ
هذه معكَ ؟ قال : أختي . قال : فأرسلْ بها . قال : فأرسلَ بها إليه ، وقال: لا تُكذِّبي قَوْلي فإني قد
أخبرتُه أنَّك أختي ، إنْ على الأرض مؤمنٌ غيري وغيرك . فلما دخلتْ عليه قامَ إليها ، فأقبلتْ توضأ
وتُصلِّي ، وتقول : اللهم إن كنتَ تعلمُ أني آمنتُ بك وبرسولكَ، وأحصنتُ فرجي إلا على زَوْجي، فلا
تُسلِّط عليَّ الكافر. قال: فغطّ( ٤) حتَّى ركضَ برجله)). قال أبو الزناد : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن ،
عن أبي هريرة : إنها قالت : اللَّهُمَّ إن يمتْ يُقَل: هي قتلته. قال: فأُرسل . قال : ثم قام إليها . قال :
فقامتْ توضَّأ وتُصلِّي وتقول : اللهم إن كنتَ تعلمُ أني آمنتُ بكَ وبرسولكَ ، وأحصنتُ فَرْجي إلا على
زَوْجي فلا تُسلِّطْ عليَّ الكافرَ . قال: فغطً حتى ركضَ برجلهِ . قال أبو الزناد : وقال أبو سلمة : عن
أبي هريرة: إنها قالت: ((اللهم إن يمتْ يقل هي قتلته)). قال: فأُرسل ، قال: فقال في الثالثة - أو
الرابعة - ما أرسلتُم إليّ إلا شيطاناً، أرجعوها إلى إبراهيمَ، وأعطوها هاجرَ . قالَ : فرجعتْ ، فقالت
لإبراهيم: أشَعَرْتَ أن الله ردَّ كيدَ الكافرين، وأخدم وليدةُ(٥) . تفرَّد به أحمد من هذا الوجه وهو على
شرط الصحيح .
وقد رواه البخاري(٦) عن أبي اليمان ، عن شُعيب بن أبي حمزة ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج ، عن
أبي هريرة، عن النبي وَ لّ به مختصراً .
وقال ابن أبي حاتم : حدَّثنا أبي ، حدَّثنا سفيان، عن عليٍّ بن زيد بن جدعان، عن أبي نَضْرة ، عن
(١) أخرجه البخاري (٥٠٨٤) في النكاح، ومسلم ( ٢٣٧١) في الفضائل .
(٢) أقول: رواه مرفوعاً أيضاً جرير بن حازم عن أيوب، عن ابن سيرين، وروايته في الصحيحين كما في الذي قبله .
(٣) كذا في ب ، وفي أ : هو ابن عمر التسكيك، وهو خطأ.
(٤) ((فغطّ)): أي نام حتى سُمعَ غطيطه، والغطيط: الصوت الذي يخرجُ مع نَفَس النائم، وهو ترديده حيث لا يجدُ
مساغاً . وركض برجله : ضرب بها ، وهو دليل الاستغراق بالنوم .
(٥) أخرجه أحمد في المسند (٤٠٣/٢ - ٤٠٤)، وهو حديث صحيح .
(٦) أخرجه البخاري (٣١٦٦) في التفسير .

٢٢٥
ذكر هجرة الخليل إلى بلاد الشام
أبى سعيد ، قال : قالَ رسولُ اللهَِّ في كلماتِ إبراهيمَ الثلاث التي قال: (( ما منها كلمةٌ إلا ما حلّ(١) بها
عن دين الله، فقال : ( إني سقيم) وقال : ( بل فعلَه كبيرهم هذا) وقال للملك حين أراد امرأته : هي
أختي )( ٢)
فقوله في الحديث: ((هي أَختي)) أي: في دين الله، وقوله لها: (( إنه ليس على وجهِ الأرض مؤمنٌ
غيري وغيرك " يعني: زوجين مؤمنين غيري وغيرك، ويتعيَّنُ حملُه على هذا، لأنَّ لوطاً كانَ معهم ،
وهو نبيٌّ عليه السلام .
وقوله لها لما رجعتْ إليه : مَهْيَم ، معناه : ما الخبرُ؟ فقالت : إن الله رد كيد الكافرين . وفي
رواية : الفاجر ، وهو الملك ، وأخدمَ جاريةً .
وكان إبراهيمُ عليه السلام من وقتِ ذهبَ بها إلى الملك قامَ يُصلِّي لله عزَّ وجلَّ، ويسألُه أن يدفعَ عن
أهله ، وأن يردّ بأسَ هذا الذي أراد أهله بسوءٍ . وهكذا فعلتْ هي أيضاً، فلما أرادَ عدؤُ الله أن ينالَ منها
أمراً ، قامت إلى وضوئها وصَلاتها ، ودعتِ الله عزَّ وجلَّ بما تقدَّم من الدعاء العظيم . ولهذا قال تعالى :
﴿ وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ٤٥] فعصمها الله وصانَها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم
عليه السلام .
وقد ذهبَ بعضُ العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة : سارَة ، وأمُّ موسى ، ومريم عليهنَّ السلام . والذي
عليه الجمهور أنهنَّ صِدِّيقَات رضي الله عنهن وأرضاهن .
ورأيتُ في بعض الآثار : أنَّ الله عزَّ وجلَّ كشف الحجابَ فيما بين إبراهيم عليه السلام وبينَها ، فلم
يزلْ يراها منذ خرجتْ من عنده إلى أن رجعتْ إليه ، وكان مُشاهداً لها وهي عند المَلِكِ ، وكيف عصمَها
الله منه ، ليكون ذلك أطيبَ لقلبه وأقرَّ لِعَيْنه، وأشدَّ لطمأنينته ، فإنه كان يُحبُّها حبّاً شديداً لدينها ،
وقرابتها منه ، وحُسْنها الباهر ، فإنَّه قد قيل : إنه لم تكن امرأةٌ بعد حوَّاء إلى زمانها أحسنَ منها رضي الله
عنها ، ولله الحمدُ والمنَّةُ .
وذكر بعضُ أهل التواريخ : أن فرعونَ مصرَ هذا كان أخاً للضخَّاك الملك المشهور بالظلم ، وكان
عاملاً لأخيه على مصر .
ويُقال : كان اسمُه سنان بن عُلوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح .
وذكرَ ابن هشام في «التيجان)»: أن الذي أرادها عمرو بن امرىء القيس بن مايلون بن سبأ ، وكان على
مصر ، نقله السهيلي ، فالله أعلم .
(١) في هامش ب قال السيوطي في ((مختصر النهاية )): ما حلَ : أي دافعَ وجادلَ .
(٢) ذكره السهيلي في الروض الأنف (١/ ٩٤ ).

٢٢٦
ذكر هجرة الخليل إلى بلاد الشام
ثم إن الخليل عليه السلام رجعَ من بلاد مصر إلى أرض التَّيمُّن ، وهي الأرض المقدسة ، التي كان
فيها ، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل ، وصحبتهم هاجرُ القبطية المصرية .
ثمّ إنَّ لوطاً عليه السلام نزحَ بماله من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك إلى أرض الغور ،
المعروف بغور زغر(١)، فنزل بمدينة سدوم(٢) ، وهي تلك البلاد في ذلك الزمان، وكان أهلها أشراراً
كفَّاراً فجَّاراً، وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل فأمره أن يمدَّ بصرَه وينظرَ شمالاً وجنوباً وشرقاً
وغرباً ، وبشَّره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر ، وسأكثر ذُريَّتْكَ حتَّى يَصيروا
بعدد تُراب الأرض .
وهذه البشارة اتَّصلتْ بهذه الأمة ، بل ما كملتْ ولا كانت أعظم منها في هذه الأمة المحمَّدية ، يُؤِيد
ذلك قولُ رسول الله بَّهِ: ((إن الله زوى لي الأرضَ فرأيتُ مشارقَها ومغاربها، وسيبلغُ ملكُ أمَّتي ما زوي
لي منها (٣)
قالوا : ثمَّ إنَّ طائفة من الجبّارين تسلَّطوا على لوط عليه السلام فأسروه، وأخذوا أموالَه ، واستاقوا
أنعامه ، فلما بلغَ الخبرُ إبراهيمَ الخليل ، سارَ إليهم في ثلاثمئة وثمانية عشر رجلاً ، فاستنقذ لوطاً عليه
السلام ، واسترجعَ أموالَه ، وقتل من أعداء الله ورسوله خلقاً كثيراً ، وهزمَهم ، وساقَ في آثارِهم حتى
وصلَ إلى شرقيّ دمشق ، وعسكرَ بظاهرها عند برزة٤)، وأظنُّ مقام إبراهيم إنما سُمِّي ، لأنه كان موقفَ
جيش الخليل ، والله أعلم .
ثم رجعَ مؤيَّداً منصوراً إلى بلاده ، وتلقَّه ملوكُ بلاد بيت المقدس مُعظّمين له ، مُكرِّمين،
خاضعين ، واستقر٥ّ) ببلاده ، صلوات الله وسلامه عليه .
(١) في هامش أ : صغر .
(٢) (( سدوم)) : مدينة من مدائن قوم لوط.
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٢٧٨/٥ و٢٨٤) ومسلم (٢٨٨٩) في الفتن وأشراط الساعة، والترمذي (٢١٧٦) في
الفتن ، وابن ماجه ( ٣٩٥٢) في الفتن ، من حديث ثوبان، وقال الترمذي: حسن صحيح .
(٤) ((برزة)): قرية من غوطة دمشق ، تقع في الشمال الشرقي من المدينة ، وقد اتصل بناء المدينة بها.
(٥) كذا في ب ، وفي أ : استتر ، وهو تصحيف .

٢٢٧
ذكر مولد إسماعيل عليه السلام
ذکر مولد إسماعیل علیه السلام من هاجر
قال أهلُ الكتاب : إنَّ إبراهيمَ عليه السلام سألَ الله ذريَّةً طَيِّيةً ، وإنَّ اللهَ بشرَه بذلك، وإنه لما كان
لإبراهيم ببلاد بيت المقدس عشر سنين ، قالتْ سارَة لإبراهيم عليه السلام: إنَّ الربَّ قد أحرمني الولدَ ،
فادخلْ على أَمَتِي هذه لعلَّ الله يرزقنا منها ولداً ، فلمَّا وهَبَتْهَا له دخلَ بها إبراهيم عليه السلام ، فحين دخلَ
بها حملتْ منه . قالوا : فلما حمَلَتْ ارتفعتْ نفسُها ، وتعاظمتْ على سيِّدتها ، فغارتْ منها سارَةُ ،
فشكتْ ذلك إلى إبراهيم ، فقال لها : افعلي بها ما شئتِ ، فخافتْ هاجرُ فهربتْ فنزلتْ عند عَيْنٍ هناكَ ،
فقال لها ملَكٌ من الملائكة : لا تخافي فإنَّ الله جاعلٌ من هذا الغلام الذي حمَلْتِ خيراً، وأمرَها
بالرجوع ، وبشَّرها أنها ستلدُ ابناً وتُسمِّيه إسماعيل، ويكونُ وحشَ النَّاس ، يدهُ على الكُلِّ ، ويدُ الكُلِّ
به ، ويملكُ جميعَ بلاد إخوته . فشكرتِ الله عزَّ وجلَّ على ذلك .
وهذه البشارةُ إنما انطبقتْ على ولدِه محمَّد صلواتُ الله وسلامه عليه ، فإنه الذي سادتْ به العربُ ،
وملكت جميعَ البلاد غرباً وشرقاً، وآتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تُؤْتَ أُمَّة من الأمم
قبلَهم ، وما ذاكَ إلا بشرفِ رسولها على سائر الرسل ، وبركة رسالتِهِ ، ويُمْن بشارتِه ، وكماله فيما جاء
به ، وعموم بعثته لجميع أهل الأرض .
ولما رجعتْ هاجَرُ وضعتْ إسماعيل عليه السلام . قالوا : وولدتْه ولإبراهيمَ من العمر ست وثمانون
سنة ، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة .
ولما ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يُبَشِّرُه بإسحاق من سارَة ، فخرَّ لله ساجداً ، وقال له : قد
استجبتُ لك في إسماعيل ، وباركتُ عليه وكثَّرتُه ونمَّيتُه جدّاً كثيراً ، ويُولد له اثنا عشر عظيماً ، وأجعله
رئيساً لشعب عظيم .
وهذه أيضاً بشارةٌ بهذه الأمّة العظيمة ، وهؤلاء الاثنا عشر عظيماً هم الخلفاء الراشدون ، الاثنا عشرَ
المُبشّر بهم في حديث عبد الملك بن عُمير، عن جابر بن سَمُرة، عن النبيِّينَ﴿ قال: « يكونُ اثنا عشرَ
أميراً)) ثم قالَ كلمةً لم أفهمْها، فسألتُ أبي: ما قال؟ قال: ((كلهم من قريشٍ)) أخرجاه في الصحيحينُ(١) .
وفي رواية : (( لا يزالُ هذا الأمرُ قائماً - وفي رواية: عزيزاً - حتى يكونَ اثنا عشر خليفة ، كلُّهم من
قريش )( ٢) .
(١) أخرجه البخاري (٧٢٢٢ و٧٢٢٣) في الأحكام، ومسلم (١٨٢١) في الإمارة عن جابر بن سَمُرة .
(٢) أخرجه مسلم (١٨٢١) (٦) في الإمارة .

٢٢٨
ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه
فهؤلاء منهم الأئمة الأربعة : أبو بكر ، وعمرُ، وعثمانُ ، وعلي !. ومنهم : عمر بن عبد العزيز
أيضاً . ومنهم بعضُ بني العبّاس ، وليس المرادُ أنهم يكونون اثني عشر نسقاً ، بل لا بُدَّمن وجودِهم .
وليس المرادُ الأئمة الاثني عشر الذين يعتقدُ فيهم الرافضةُ ، الذين أوَّلُهم عليّ بن أبي طالب ،
وآخرُهم المنتظَرُ بسِرْدابِ سامراء(١) ، وهو محمَّدُ بن الحسن العسكري فيما يزعمون ، فإن أولئك لم يكن
فيهم أنفع من عليّ ، وابنه الحسن بن عليٍّ حين تركَ القِتالَ وسلَّمَ الأمر لمعاوية ، وأخمدَ نار الفتنة ،
وسَكَّنَ رحى الحروب بين المسلمين ، والباقون من جُملة الرعايا ، لم يكن لهم حكمٌ على الأمة في أمر من
الأمور . وأما ما يعتقدونَه بسرداب سامراء ، فذاكَ هَوَسٌ في الرؤوس ، وهَذَيانٌ في النفوس ، لا حقيقةً له
ولا عين ولا أثر .
والمقصودُ أنَّ هاجرَ عليها السلام لما وُلدَ لها إسماعيلُ ، اشتدَّتْ غيرةُ سارَةَ منها ، وطلبتْ من الخليل
أن يُغيِّبَ وجهَها عنها ، فذهبَ بها وبولدِها، فسارَ بهما حتى وضعَهما حيث مكَّة اليوم . ويُقال : إنَّ
ولدَها كان إذ ذاكَ رضيعاً .
فلمَّا تركَهما هناكَ وولَّى ظهرَه ، قامت إليه هاجرُ ، وتعلَّقَتْ بثيابه ، وقالت : يا إبراهيم ! أين تذهبُ
وتدَعُنا هاهنا؟ وليس معنا ما يكفينا ، فلم يُجبْها ، فلمَّا الَّحتْ عليه وهو لا يُجيبها ، قالت له : الله أمرك
بهذا ؟ قال : نعم . قالت : فإذاً لا يُضيِّعُنا .
وقد ذكرَ الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله في كتاب (( النوادر)) أنَّ سارَةَ تغضَّبتْ على هاجرَ ،
فحلفتْ لتقطعنَّ ثلاثةَ أعضاء منها، فأمرَها الخليلُ أن تَثقب أُذنيها، وأن تخفضَها٢) ، فتبرَّ قَسَمها .
قال السهيلي: فكانت أوَّلَ من اختتن من النساء ، وأوَّلَ من تُقْبت أُذُنُها منهنَّ، وأؤَّل من طَوَّلت ذَيْلها.
ذكر مُهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمّه هاجر
إلى جبال فاران ، وهي أرضُ مكّة وبنائه البيت العتيق
قال البخاري(٣): قال عبدُ الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبة - حدَّثنا عبد الرزّاق، حدَّثنا مَعْمرُ ،
عن أيُّوبَ السِّختيانيِّ وكثيرٍ بن كثير بن المُطَّلب بن أبي وَداعة - يزيدُ أحدُهما على الآخر - عن سعيد بن
(١) ((سامراء)): وهي مدينة سُرَّ من رأى، وتقع شرقي دجلة، بناها المعتصم، وفيها السرداب المعروف في جامعها،
الذي تزعم الشيعة أنّ مهديَّهم يخرج منه .
(٢) ((تخفضها)): من الخَفْض وهو الختان للنساء ، يُقال : خفض الصبيّة ، ختنها .
(٣) في صحيحه (٣٣٦٤) في الأنبياء.

٢٢٩
ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه
جُبَيْرِ، عن ابن عبّاس، قال: أوَّلُ ما اتَّخَذَ النِّساءُ المِنْطَقُ(١) من قِبَلِ أُمّ إسماعيلَ، اتّخذتْ مِنْطقاً،
لتُعَفِّيَ أثرَها على سارَة، ثمَّ جاءَ بها إبراهيمُ وبابنها إسماعيلَ، وهي تُرضِعُه، حتَّى وضعَهما عندَ البيت ،
عند دَوْحةٍ(٢) فوق زمزمَ في أعلى المسجد ، وليس بمكَّةَ يومئذٍ أحدٌ ، وليس بها ماءٌ، فوضعَهما
هنالك، ووضعَ عندَهما جراباً فيه تمرٌ، وسِقاء٣ُ) فيه ماءٌ، ثم قفَّى(٤) إبراهيمُ مُنْطلقاً، فتبعتْه أمّ
إسماعيلَ ، فقالتْ : يا إبراهيمُ أين تذهبُ وتترُكنا بهذا الوادي الذي ليس به إنسٌ ولا شيءٍ ؟ فقالت له
ذلك مراراً ، وجعل لا يلتفتُ إليها، فقالتْ له : آللهُ أمرك بهذا؟ قال : نعم . قالت: إذاً لا يُضيِّعُنا ، ثم
رجعتْ .
فانطلقَ إبراهيمُ حتَّى إذا كان عند الثنيّة حيث لا يَرَونه ، استقبلَ بوجههِ البيتَ ، ثم دعا بهؤلاء
الدَّعواتِ، ورفع يَدَيْه، فقال: ﴿ رَبَّنَآَ إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ
الصَّلَوةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [ إبراهيم: ٣٧].
وجعلتْ أم إسماعيل تُرْضعُ إسماعيلَ وتشربُ من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما في السِّقاء عَطِشتْ ،
وعَطِشَ ابنُها ، وجعلتْ تنظرُ إليه يتلوَّى - أو قال يتلبَّط(٥) - فانطلقتْ كراهيةَ أنْ تنظرَ إليه ، فوجدت الصَّفا
أقربَ جَبَلٍ في الأرض يليها ، فقامتْ عليه ثمَّ استقبلتِ الوادي تنظرُ هل ترى أحداً فلم تر أحداً ، فهبطتْ
من الصَّفا حتى إذا بلغتِ الوادي رفعتْ طرفَ دِرْعها ، ثم سعتْ سعيَ الإنسانِ المجهودِ ، حتى إذا
جاوزتِ الوادي ، ثم أتتِ المروةَ فقامتْ عليها ، ونظرت هل ترى أحداً ، فلم ترَ أحداً ، ففعلتْ ذلك سبعَ
مرات .
قال ابن عباس: قال النبي ◌َّ ((فلذلك سعى الناس بينهما)(٦).
فلما أشرفتْ على المروة سمعتْ صوتاً ، فقالت : صٍ - تريد نفسها - ثم تسمَّعتْ فسمعتْ أيضاً ،
فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواتٌ ، فإذا هي بالملك عند مَوْضعِ زمزمَ ، فبحثَ بعَقِبِه - أو قال
بجناحه - حتَّى ظهرَ الماءُ ، فجعلتْ تحوَّضه (٧) ، وتقول بيدها هكذا، وجعلتْ تغرفُ من الماء في
سِقائها ، وهي تفورُ بعدما تَغْرِفُ .
(١) ((المِنْطَق)): ما يُشدُّ به الوسط.
(٢) ((دوحة)): شجرة كبيرة.
(٣) ((سقاء)): قربة صغيرة .
(٤) ((قفَّى)): ولَّى راجعاً.
(٥) ((يتلبَّط)): يتمرَّغ، ويضرب بنفسه الأرض.
(٦) في أ : عليهما .
(٧) ((تحوِّضُه)): تجعله مثل الحوض.

٢٣٠
ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه
قال ابن عباس قال النبي وَّ: ((يرحمُ الله أمَّ إسماعيل لو تركت زمزم)) أو قال: ((لو لم تغرفْ من
الماء ، لكانت زمزمُ عيناً معيناً)( ١) .
فشربتْ وأرضعتْ ولدَها ، فقال لها الملَكُ: لا تخافي الضَّيْعةُ(٢) ، فإن هاهنا بيتَ الله ، يبني هذا الغلامُ
وأبوه ، وإنَّ الله لا يُضيْعُ أهله . وكانَ البيتُ مرتفعاً من الأرض كالرابية ، تأتيه السُّيولُ، فتأخذُ عن يمينه وعن
شماله ، فكانت كذلك حتى مَرَّتْ بهم رُفْقةٌ من جُرْهم - أو أهل بيتِ من جرهم - مقبلينَ من طريق كَداء ،
فنزلوا في أسفل مَّة، فرأوا طائراً عائفا٣ً) ، فقالوا : إنَّ هذا الطائرَ ليدورُ على الماء ، لَعهدُنا بهذا الوادي
وما فيه ماء، فأرسلوا جريّا٤ً) ، فإذا هم بالماء ، فرجعوا فأخبروهم بالماء ، فأقبلوا . قال : وأُمُ إسماعيل
عند الماء ، فقالوا : تأذنينَ لنا أن ننزلَ عندك؟ قالت: نعم ، ولكنْ لا حقَّ لكم في الماء . قالوا : نعم .
قال عبد الله بن عبّاس: قال النبي ◌ََّ: «فألفى ذلك أُمَّ إسماعيلَ وهي تُحبُّ الأُنْسَ)).
فنزلوا ، وأرسلوا إلى أهليهم ، فنزلوا معهم ، حتى إذا كان لها أهلُ أبياتٍ منهم ، وشبَّ الغُلامُ،
وتعلَّمَ العربيةَ منهم ، وأنفسهم وأعجبَهم حينَ شبَّ فلما أدركَ زوَّجُوهُ امرأةً منهم .
وماتتْ أُمُ إسماعيل، فجاء إبراهيمُ بعدما تزوَّجَ إسماعيل يُطالعُ تَرِكته ، فلم يجدْ إسماعيلَ ، فسألَ
امرأته عنه ، فقالتْ : خرجَ يبتغي لنا . ثمّ سألَها عن عَيْشهم وهَيْئَتهم ، فقالت: نحن بشَرِّ ، نحن في ضيقٍ
وشدَّةٍ، وشَكَتْ إليه . قال : فإذا جاء زوجُكِ فاقرئي عليه السلام وقولي له يُغَيِّرْ عَتَبَة بابه . فلما جاء
إسماعيلُ كأنَّهُ آنسَ شيئاً ، فقال : هل جاءَكُمْ من أحدٍ ؟ فقالت : نعم ، جاءنا شيخٌ كذا وكذا ، فسألنا
عنكَ فأخبرتُه ، وسألني كيف عَيْشُنا ، فأخبرتُه أنَّا في جَهْدٍ وشدَّةٍ . قال : فهل أوصاك بشيءٍ ؟ قالت :
نعم ، أمرني أن أقرأَ عليكَ السَّلام ويقولُ لك: غَيِّر عتبةَ بابكَ . قال : ذاكَ أبي ، وأمرني أن أُفارقَكِ ،
فالحقي بأهلِكِ . فطلَّقها ، وتزوَّج منهم أخرى ولبثَ عنهم إبراهيم ما شاء الله .
ثم أتاهم بعدُ فلم يجدْه ، فدخلَ على امرأتِهِ ، فسألَها عنه ، فقالت : خرجَ يبتغي لنا . قال : كيف
أنتم ؟ وسألَها عن عَيْشهم وهَيْئَتهم ، فقالت : نحنُ بخيرٍ وسَعَةٍ ، وأثنتْ على الله ، فقال : ما طعامُكم ؟
قالت : اللَّحْمُ . قال : فما شرابكم ؟ قالت : الماء . قال: اللَّهُمَّ بارك لهم في اللَّحم والماء.
قال النبيِ وَّل: ((ولم يكن لهم يومئذٍ حَبّ ، ولو كان لهم حَتّ لدعا لهم فيه، فهما لا يخلو عليهما
أحدٌ بغير مكَّةَ إلا لم يوافقاه )).
(١) ((معيناً)): ظاهراً جارياً على وجه الأرض.
(٢) ((الضيعة)): الهلاك.
(٣) ((عائفاً)): الطائر الذي يحوم على الماء، ويتردد فوقه ، ولا يمضي عنه.
(٤) (( جريّاً)): رسولًا .

٢٣١
ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه
قال : فإذا جاء زوجُكِ فاقرئي عليه السلام ، ومُريه يُتْبِّتْ عَتَبَة بابه . فلمَّا جاءَ إسماعيلُ قال : هل
أتاكُم من أحدٍ ؟ قالت : نعم ، أتانا شيخٌ حَسَنُ الهيئةِ ، وأثنتْ عليه ، فسألني عنكَ فأخبرته ، فسألني كيف
عَيْثُنا، فأخبرتُه أنَّا بخيرٍ قال : فأوصاكِ بشيءٍ؟ قالت: نعم، وهو يقرأ عليكَ السَّلام، ويأمُرُكَ أنْ تُثَبِّتَ
عَتَبَّة بابكَ . قالَ : ذاك أبي ، وأمرني أن أُمْسككِ.
ثم لبثَ عنهم ما شاءَ الله، ثم جاءَ بعد ذلك وإسماعيلُ يبري نَبْلاً له تحت دوحةٍ قريباً من زمزمَ ، فلما
رآه قام إليه ، فصنعا كما يصنعُ الولدُ بالوالد والوالدُ بالولد . ثم قال : يا إسماعيلُ ! إنَّ الله أمرني بأمرٍ .
قال : فاصنع ما أمركَ به ربُّك . قال : وتُعينني ؟ قال: وأُعينك. قال: فإنَّ اللهَ أمرني أن أبني هاهنا
بيتاً، وأشار إلى أكمةُ(١) مرتفعةٍ على ما حَوْلها . قال: فعند ذلك رفعا القواعدَ من البيتِ ، فجعلَ
إسماعيلُ يأتي بالحجارةِ وإبراهيمُ يبني ، حتَّى إذا ارتفعَ البناءُ جاء بهذا الحَجَر فوضعَه له ، فقامَ عليه وهو
يبني، وإسماعيلُ يُناوله الحجارةَ، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّأَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ ]
قال : وجعلا يَبنيان حتى يدور حولَ البيت، وهما يقولان: ﴿ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّاً إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
[ البقرة : ١٢٧ ])) .
ثم قال(٢): حدَّثنا عبدُ الله بن محمّد، حدَّثنا أبو عامر عبدُ الملك بن عمرو ، حدَّثنا إبراهيمُ بن نافع ،
عن كثيرٍ بن كثيرٍ ، عن سعيد بن جُبَيْرٍ ، عن ابن عبّاس قالَ: لما كان من إبراهيم وأهله ما كان ، خرجَ
بإسماعيل وأمّ إسماعيل ومعهم شَنَّةً(٣) فيها ماء .. وذكرَ تمامه بنحو ما تقدَّم .
وهذا الحديثُ من كلام ابن عباس ، وموشَّحٌ برفع بعضِه، وفي بعضه غَرَابةٌ ، وكأنَّه مما تلقَّاه ابنُ
عبَّاس عن الإسرائيليات، وفيه : أنَّ إسماعيلَ كان رضيعاً إذ ذاك.
وعند أهل التوراة أنَّ إبراهيمَ أمره بأن يختنَ ولدَه إسماعيل ، وكلَّ منْ عنده من العبيد وغيرهم ،
فختنَهم ، وذلك بعد مُضيِّ تسع وتسعينَ سنةً من عُمره ، فيكونُ عمرُ إسماعيلَ يومئذٍ ثلاثَ عشرة سنة ،
وهذا امتثالٌ لأمر الله عزَّ وجلَّ في أهله ، فيدلُّ على أنَّه فعله على وجْهِ الوجوب ، ولهذا كانَ الصحيحُ من
أقوالِ العلماء أنَّه واجبٌ على الرجال ، ما هو مقرَّر في موضعه .
وقد ثبتَ في الحديث الذي رواه البخاريّ(٤): حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدَّثنا مغيرةُ بنُ عبد الرحمن
القُرشيُّ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ بَّهَ: ((اختتنَ إبراهيمُ النبيُّ
(١) ((أكمة)) : المرتفع من الأرض.
(٢) أخرجه البخاري ( ٣٣٦٥) في الأنبياء .
(٣) ((شنة)) : قربة عتيقة.
(٤) في صحيحه (٣٣٥٦) .

٢٣٢
قصة الذبيح
عليه السلام وهو ابنُ ثمانين سنةً بالقَدُوم)) . تابعَه عبدُ الرحمن بن إسحاق ، عن أبي الزِّناد ، وتابعَه
عَجْلان عن أبي هريرة ، ورواه محمَّدُ بن عمرو عن أبي سلمةَ عن أبي هريرة .
وهكذا رواه مسلمٌ(١): عن قُتَيْبة به .
وفي بعض الألفاظ: (( اختتن إبراهيمُ بعدما أتتْ عليه ثمانونَ سنةً، واختتنَ بالقَدُوم)»٢) والقَدُوم هو
الآلة ، وقيل : موضع .
وهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين ، والله أعلم ، لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته عن
أبي هريرة عن رسول الله وَلَّه أنه قال: ((اختتن إبراهيمُ وهو ابنُ مئةٍ وعشرينَ سنةً، وعاشَ بعد ذلك ثمانينَ
سنة )) رواه ابن حبَّان في ((صحيحه)(٣) .
وليس في هذا السِّياق ذِكْرُ قصَّة الذبيح ، ولم يذكره في قدماتِ إبراهيمَ عليه السلام إلا ثلاثَ مرات ،
أُولا هنَّ بعد أن تزوَّج إسماعيلُ بعدَ موت هاجرَ ، وكيف تركهم من حيث صِغَر الولد على ما ذكرَ إلى حين
تزويجه ، لا ينظر في حالهم . وقد ذُكرَ أن الأرض كانت تُطوى له ، وقيل : إنه كان يركبُ البراقَ إذا سارَ
إليهم ، فكيف يتخلَّفُ عن مُطالعة حالهم وهم في حال الضَّرورة الشديدة والحاجة الأكيدة . وكأنَّ بعضَ
هذا السّياق مُتلقَّى من الإسرائيلياتِ ، ومُطرَّزٌ بشيءٍ من المرفوعاتِ ، ولم يذكر فيه قصَّة الذبيح ، وقد دلَّلنا
على أن الذبيحَ هو إسماعيلُ على الصحيح في سورة (٤) الصافات .
قصة الذبيح
افَلَمَا بَلَغَ
فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ
رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِحِينَ
٩٩
قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ إِنِ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِی سَیَهْدِینِ
مَعَهُ السَّغْىَ قَالَ يَبُنَّىَّ إِنَّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَّ قَالَ بَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٍّ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ
الصَّبِرِينَ
إِنَّ هَذَا لَهُوَ
أَقَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَأْ إِنَّا كَذَلِكَ نَّجْزِى الْمُحْسِنِينَ وَّ
وَنَدَيْنَهُ أَن يَإبْرَهِيمُ
أَفَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِینِ
أَسَلَمُ عَلَىَ إِنْزَهِيمَ ﴿ كَذَلِكَ تَّجْرِى الْمُحْسِنِينَ (١) إِنَّهُ مِنْ
الْبَلَوُ اَلْمُبِينُ ثَ وَفَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآَخِرِينَ (®
﴿ وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ ﴿ وَبَرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىّ إِسْحَقْ وَمِن ذُرِيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ،
عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
(١) أخرجه مسلم ( ٢٣٧٠) في الفضائل .
(٢) أخرجه مسدد في مسنده، كما في فتح الباري (٦/ ٣٩٠).
(٣) الإحسان (٦٢٠٤ ) .
(٤) انظر تفسير ابن كثير (٢٣/٤ - ٢٤).

٢٣٣
قصة الذبيح
مُبِينٌ﴾ [الصافات: ٩٩ - ١١٣]. يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لمَّا هاجرَ من بلاد قومِه سألَ ربَّه أن يهبَ
له ولداً صالحاً، فبشَّره الله تعالى بغلام حليم ، وهو إسماعيلُ عليه السلام، لأنه أوَّلُ منْ وُلد له على رأسِ
ستّ وثمانين سنةً من عُمُرِ الخليل ، وهذا ما لا خلافَ فيه بين أهل المِلَلِ ، لأنَّه أوَّلُ ولدِه وبكِرُه .
وقوله : ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ [الصافات: ١٠٢] أي شبَّ وصار يَسعى في مَصَالحه كأبيه ، قال
مجاهد١): ﴿ فَلَمَّا يَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ [الصافات: ١٠٢] أي: شبَّ وارتحلَ، وأطاقَ ما يفعلُه أبوه من السعي
والعمل .
فلما كان هذا أُري إبراهيمُ عليه السلام في المنام أنَّه يُؤمر بذبح ولده هذا ، وفي الحديث عن ابن
عَبَّاس مرفوعاً ((رؤيا الأنبياء وحي)(٢) قاله عُبيد بن عُمَيْر (٣) أيضاً .
وهذا اختبارٌ من الله عزَّ وجلَّ لخليله في أنْ يذبحَ هذا الولد العزيز ، الذي جاءه على كِبَرٍ وقد طَعَن في
السِّنَّ، بعدما أُمر بأن يُسْكنه هو وأمَّه في بلادٍ قَفْرٍ ، ووادٍ ليس به حسيسٌ ولا أنيس ، ولا زَرْعٌ ولا ضَرْعٌ .
فامتثلَ أمرَ الله في ذلك ، وتركَهما هناكَ ثقةً بالله وتوُّلا عليه ، فجعلَ الله لهما فَرجاً ومَخرجاً ، ورزقهما
من حيث لا يحتسبان .
ثم لما أُمرَ بعد هذا كلِّه بذبح ولدِه هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه ، وهو پکْرُه ووحيدُه الذي ليس له
غيره ، أجابَ ربَّه وامتثلَ أمرَه ، وسارعَ إلى طاعتِهِ ، ثم عرضَ ذلك على ولدِه ليكونَ أطيبَ لقلبه وأهونَ
عليه يأخذَه قَسْراً ويذبحه قَهْراً ﴿ يَبُنَّىَّ إِّ أَرَىْ فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [ الصافات: ١٠٢] فبادرَ
الغلامُ الحليمُ سرُّ والدِهِ الخليل إبراهيم فقال: ﴿ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرِّ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَِّبِينَ ﴾
[ الصافات: ١٠٢] وهذا الجواب في غاية السَّداد والطاعة للوالدِ ولربِّ العباد .
قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَُّ لِلْجَبِيِنِ﴾ [ الصافات: ١٠٣] قيل: أسلما، أي: استسلما لأمر الله
وعزَما على ذلك ، وقيل : هذا من المقدَّم والمؤخّر ، والمعنى : تلَّه للجبين : أي ألقاه على وجهه .
قيل : أراد أن يذبحَه من قفاه لئلا يُشاهده في حال ذَبِْه ، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة
والضَّخَّاك . وقيل : بل أضجعه كما تُضْجَعُ الذبائحُ ، وبقي طرفُ جبينه لاصقاً بالأرض . وأسلما : أي
سمَّى إبراهيم وكبّر ، وتشهَّد الولدُ للموت. قال الشُّدِّي وغيره : أمرَّ السكينَ على حَلْقِهِ فلم تقطع شيئاً .
ويُقال : جعلَ بينها وبين حلقه صفيحةٌ منْ نُحاسٍ ، فالله أعلم .
(١) تفسير مجاهد (٥٤٤/٢) .
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور (٧/ ١٠٤).
(٣) أخرجه البخاري ( ١٣٨) في الوضوء. قال عمرو : سمعتُ عبيد بن عمرو يقول: رؤيا الأنبياء وحيّ. ثم قرأ:
﴿ إِنّ أَرَىْ فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾ [ الصافات: ١٠٢].

٢٣٤
قصة الذبيح
فعند ذلك نُودي من الله عزَّ وجلَّ ﴿أَنْ يَابَهِيمُ ﴿٢٠) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَ﴾ [ الصافات: ١٠٤ - ١٠٥] أي: قد
حصلَ المقصودُ من اختباركَ وطاعتكَ ومبادرتكَ إلى أمر ربِّكَ ، وبَذْلكَ ولدَك للقربان ، كما سمحتَ
ببدنِكَ للنيران، وكما مَالُكَ مبذولٌ للضِّيفان، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهَوَ الْبَوَّ الْمُبِينُ﴾ [ الصافات:
١٠٦] أي: الاختبار الظاهر البيِّن. وقوله: ﴿ وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ﴾ [ الصافات: ١٠٧] أي: وجعلنا فداءَ ذبح
ولدِهِ ما يسَّره الله تعالى له من العِوَضِ عنه، والمشهورُ عن الجمهور أنه كَبْشٌ أبيضُ أعْيَنُ(١) أقْرَنُ(٢)، رآه
مربوطاً بسمُرٍ(٣) في ثبير(٤)
قال الثوري : عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كَبْشٌ قد
رعى في الجنَّة سبعين خريفا٥ً)
وقال سعيد بن جبير : كان يرتعُ(٦) في الجنَّة حتى تشقَّقَ عنه ثبير، وكان عليه عِهْنٌ(٧) أحمر .
وعن ابن عباس: هبطَ عليه من ثبير كَبْشٌ أعينُ أقرنُ له تُغاءٌ فذبحَه ، وهو الكبشُ الذي قرَّبه ابنُ آدم ،
فَتُقُبَّلَ منه . رواه ابن أبي حاتمُ(٨).
قال مجاهد(٩): فذبحَه بمنى. وقال عبيد بن عمير١٠ُ) : ذبح بالمقام .
فأما ما رُوي عن ابن عبّاس: أنَّه كان وعلاً ، وعن الحسن : أنَّه كان تَيْساً من الأروى ، واسمه جرير،
فلا يكاد يَصِحُ عنهما ، ثم غالب ما هاهنا من الآثار مأخوذٌ من الإسرائيليات ، وفي القرآن كفايةٌ عما جرى
من الأمر العظيم ، والاختبار الباهر ، وأنه فُدِيَ بذبحٍ عظيمٍ ، وقد ورد في الحديث أنَّه كان كبشاً .
قال الإمام أحمد ١١): حدَّثنا سفيان، حذَّثنا منصور، عن خاله نافع ، عن صفيَّة بنت شيبةً ، قالت :
أخبرتني امرأة من بني سُليم وَلَّدَتْ عامَّة أهل دارنا، قالت: أرسلَ رسول الله وَّه إلى عثمانَ بن طلحة.
(١) ((أعين)): واسع العينين .
(٢) ((أقرن)): طويل القرنين.
(٣) (( سَمُرة)): شجرة من شجر السَّمُر.
(٤) (( ثبير)) : جبل بمكة.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( ٧/ ١١٣) وفيه : أربعين
خريفاً .
يرتع : يأكل ويشرب ما شاء في خصب وسعة .
(٦)
((عهن )) : صوف .
(٧)
أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ( ٧/ ١١٣ ).
(٨)
(٩) أخرجه ابن جرير في تفسيره ( ١٠/ ٥١٥) .
(١٠) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٠ / ٥١٥) .
(١١) في المسند (٦٨/٤) و(٣٨٠/٥).

٢٣٥
قصة الذبيح
وقالت مرَّة: إنَّها سألتْ عثمانَ: لِمَ دعاكَ رسولُ اللهِ وَّةٍ؟ قال: ((إنِّي كنتُ رأيتُ قَرْني الكبش حين
دخلتُ البيتَ ، فنسيتُ أنْ آمَرَك أنْ تُخَمِّرَهُما فَخَمِّرْهُما، فإنَّه لا ينبغي أن يكونَ في البيت شيءٌ يَشغلُ
المصلِّي )) . قال سفيان: لم تزلْ قرنا الكبش في البيت حتَّى احترقَ البيتُ فاحترَقا .
وهذا رُوي عن ابن عبّاس : أنَّ رأسَ الكَبْش لم يزلْ مُعلَّقاً عند ميزاب الكعبة قد يبسَ .
وهذا وحده دليلٌ على أنَّ الذبيحَ إسماعيلُ ، لأنه كانَ هو المقيمُ بمَّةَ ، وإسحاقُ لا نعلمُ أنَّه قدمها في
حال صِغَره ، والله أعلم .
وهذا هو الظاهر من القرآن ، بل كأنَّه نصٌّ على أنَّ الذبيحَ هو إسماعيلُ ، لأنه ذكرَ قِصَّةَ الذبيح ، ثم
قال بعده: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ومنْ جعله حالاً فقد تكلَّف، ومستنده أنَّه
إسحاق إنما هو إسرائيليات ، وكتابُهم فيه تحريفٌ ، ولاسيما هاهنا قطعاً لا محيدَ عنه ، فإنَّ عندهم أنَّ الله
أمرَ إبراهيمَ أنْ يذبحَ ابنَه وحيدَه ، وفي نسخة من المعرَّبة : بكْرَه إسحاق . فلفظة إسحاق هاهنا مقحمةٌ
مكذوبةٌ مفتراة ، لأنه ليس هو الوحيدُ ولا البِكْرُ ، ذاكَ إسماعيل .
وإنما حملَهم على هذا حَسْدُ العربِ ، فإنَّ إسماعيلَ أبو العرب الذين يسكنون الحجازَ ، الذين منهم
رسولُ الله ◌ََّ، وإسحاقُ والد يعقوب، وهو إسرائيل، الذين ينتسبونَ إليه، فأرادوا أنْ يجرُّوا هذا
الشرفَ إليهم ، فحرّفوا كلامَ الله، وزادُوا فيه، وهم قومٌ بُهْتٌ(١)، ولم يُقرُوا بأنَّ الفضلَ بيد الله يُؤتيه من
يشاءُ .
وقد قال بأنَّه إسحاق طائفةٌ كثيرةٌ من السَّلف ، وغيرهم ، وإنما أخذوه - والله أعلم - من كعب
الأحبار ، أو صُحُف أهل الكتاب ، وليس في ذلك حديثٌ صحيحٌ عن المعصوم حتَّى نتركَ لأجله ظاهرَ
الكتاب العزيز ، ولا يُفهم هذا من القرآن بل المفهومُ ، بل المنطوقُ ، بل النَّصُّ عند التَّمُّل على أنه
إسماعيل .
وما أحسن ما استدلَّ محمَّدُ بن كعب القرظي (٢) على أنه إسماعيل ، وليس بإسحاق ، من قوله :
﴿ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْخَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] قال: فكيفَ تقعُ البشارةُ بإسحاق، وأنَّه سيولدُ له
يعقوب، ثم يُؤمرُ بذبح إسحاق وهو صغيرٌ قبلَ أن يُولد له ، هذا لا يكون ، لأنَّه يُناقضُ البشارةَ المتقدِّمة ،
والله أعلم .
(١) ((بهت)): باطل.
(٢) أخرجه ابن جرير عن ابن إسحاق (١٠/ ٥١٣).

٢٣٦
قصة الذبيح
[وقد اعترضَ السُّهيليُ(١) على هذا الاستدلال بما حاصلُه: أن قوله: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ﴾ [ هود: ٧١]
جملة تامة وقوله : ﴿ وَمِن وَرَآءٍ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [ هود: ٧١] جملة أخرى ليست في حيِّز البشارة . قال : لأنه
لا يجوز من حيث العربية أن يكونَ مخفوضاً إلا أنْ يُعادَ معه حرفُ الجرِّ ، فلا يجوز أن يُقالَ: مررت بزيد
ومن بعده عمرو ، حتى يُقال : ومن بعده بعمرو . وقال: فقوله: ﴿ وَمِن وَرَآءِ إِسْخَقَ يَعْقُوبَ ﴾ [ هود: ٧١]
منصوبٌ بفعل مُضمَر ، تقديرُه : ووهبنا لإسحاق يعقوبَ . وفي هذا الذي قالَه نظر .
ورجَّح أنَّه إسحاق، واحتجَّ بقوله: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ [ الصافات: ١٠٢ ] قال : وإسماعيلُ لم يكن
عندَه ، إنما كان في حال صِغَرِه هو وأمُّه بحيالِ مَكَّةَ ، فكيف يبلغُ معه السعي ؟! وهذا أيضاً فيه نظرٌ ، لأنه
قد رُوي أنَّ الخليلَ كان يذهبُ في كثيرٍ من الأوقاتِ راكباً البراقَ إلى مَّة ، يَطلع على ولده وأمته ثم
يرجع ، والله أعلمُ(٢)
فمن حُكي القولُ عنه بأنَّه إسحاق كعبُ الأحبار ، ورُوي عن عمرَ ، والعبَّاس ، وعليّ ، وابن
مسعود ، ومَسروق، وعِكرمة ، وسعيد بن جبير، ومُجاهد ، وعَطاء، والشَّعبي ، ومُقاتل ، وعُبيد بن
عمر ، وأبي مَيْسرة ، وزيد بن أسلم ، وعبد الله بن شَقيق ، والزُّهْري ، والقاسم ، وابن أبي بُرْدة ،
ومكحول، وعُثمان بن حاضر ، والشُّدِّي، والحَسن ، وقتادة ، وأبي الهُذَيل ، وابن سابط ، وهو اختيارُ
ابن جرير(٣) ، وهذا عَجبٌ منه ، وهو إحدى الروايتين عن ابن عبّاس ، ولكن الصحيح عنه وعن أكثر
هؤلاء أنه إسماعيل عليه السلام . قال مجاهد ، وسعيد ، والشعبي ، ويُوسف بن مهران ، وعطاء ، وغير
واحد ، عن ابن عباس : هو إسماعيل عليه السلام .
وقال ابن جرير : حدَّثني يُونس ، أنبأنا ابنُ وَهْب ، أخبرني عَمْرو بن قَيْس : عن عطاء بن أبي رَباح ،
عن ابن عبّاس: أنه قال : المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنَّه إسحاق، وكذبت اليهود(٤) .
وقال عبد الله بن الإمام أحمد ، عن أبيه : هو إسماعيل .
وقال ابنُ أبي حاتم : سألتُ أبي عن الذبيح ، فقال : الصَّحيحُ أنه إسماعيل عليه السلام .
قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن عليٍّ، وابن عمر ، وأبي هريرة ، وأبي الطُّفَيْل ، وسعيد بن المسيب،
وسعيد بن جُبير ، والحسن ، ومجاهد ، والشَّعبي ، ومحمد بن كعب ، وأبي جعفر محمد بن علي ،
وأبي صالح ؛ أنَّهم قالوا : الذبيحُ هو إسماعيل عليه السلام .
(١) انظر ((التعريف والإعلام)) بما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام للسهيلي (ص١١١) طبعة مكتبة الأزهر ١٣٥٦ هـ.
(٢) ما بين قوسين أثبته من ب وهو في المطبوع ، وقد سقط من أ .
(٣) انظر تفسير الطبري (١٠/ ٥١٠ -٥١٣).
(٤) أخرجه ابن جرير في التفسير (١٠/ ٥١٣).

٢٣٧
ذكر مولد إسحاق
وحكاه البغويُّ أيضاً : عن الربيع بن أنس ، والكلبي ، وأبي عمرو بن العلاء .
قلت: ورُوي عن معاويةَ، وجاءَ عنه: أنَّ رجلاً قال لرسول الله وَ له: ((يا ابنَ الذبيحين)» فضحكَ
رسولُ اللهِ﴾ (١) .
وإليه ذهبَ عمرُ بن عبد العزيز ، ومحمَّد بن إسحاق بن يسار .
وكان الحسنُ البصري يقول : لا شكَّ في هذا .
وقال محمَّدُ بن إسحاق : عن بريدة بن سفيان بن فروةَ الأسلميّ ، عن محمد بن كعب : أنَّه حدَّثهم ،
أنَّه ذكرَ ذلك لعمرَ بن عبد العزيز وهو خليفةٌ ، إذ كانَ معه بالشام [ يعني استدلالَه بقوله بعد العصمة
﴿ فَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١ ]]٢) فقال له عمر: إنَّ هذا الشيءَ ما كنتُ أنظر فيه ،
وإني لأراه كما قلتَ، ثم أرسلَ إلى رجلٍ كان عنده بالشام ، كان يهودياً فأسلمَ وحَسُنَ إسلامُه ، وكان يرى
أنه من علمائهم ، قال : فسأله عمرُ بن عبد العزيز : [ عن ذلك. قال محمد بن كعب : وأنا عند عمر بن
عبد العزيز ، فقال له عمر بن عبد العزيز: ٢٦) أيُّ ابني إبراهيم أُمرَ بذبحِه؟ فقال: إسماعيلُ والله يا أمير
المؤمنين ، وإنَّ يهودَ لتعلمُ بذلك ، ولكنَّهم يحسدونَكم معشرَ العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر
الله فيه ، والفضل الذي ذكرَه الله منه لصبره لما أَمرَ به ، فهم يَجحدون ذلك، ويزعمونَ أنَّه إسحاق ، لأنَّ
إسحاقَ أبوهمٌ(٤) .
وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة بأدلَّتها وآثارها في كتابنا التفسير(٥) ، ولله الحمد والمنة .
***
ذكرُ مولد إسحاق
قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿ وَبَرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَّ إِسْحَقَّ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ
لِنَفْسِهِ، مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٢ - ١١٣].
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٥٤) وتعقبه الذهبي فقال : إسناده واهٍ .
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من أوب وأثبته من المطبوع ، والعصمة : هي عصمة إسحاق من الذبح .
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من المطبوع .
(٤) أخرج القصة ابن جرير الطبري في تاريخه (١/ ٢٧٠).
(٥) انظر تفسير ابن كثير (٢٣/٤ - ٢٤).

٢٣٨
ذكر مولد إسحاق
وقد كانت البشارة به من الملائكة لإبراهيمَ وسارَة لما مرُّوا عليهمُ(١) مجتازينَ ذاهبينَ إلى مدائنِ قوم
لوط ليدمِّروا عليهم لكفرهم وفُجورهم ، كما سيأتي بيانُه في موضِعه إن شاء الله تعالى .
قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلْنَآَ إِنَزَهِيَمَ بِالْبُشْرَىْ قَالُواْ سَلَمَّا قَالَ سَلَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ ﴾
فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآَ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ الْمَ وَأَمْرَتُ قَابِعَةٌ
فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (بَ قَالَتْ يَوَيْلَ ءَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ
عَجِيبٌ ﴿ قَالُواْ أَنَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَنُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِدٌ فَجِدٌ﴾ [هود: ٦٩ -٧٣].
وقال تعالى: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (9) إِذْ دَ خَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَّا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥) قَالُواْلَا نَوْجَلْ إِنَّا
نُبَشِّرُلَكَ بِعُلَمٍ عَلِيمٍ ◌ِهَ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىّ أَنْ مَسَنِىَ الْكِبِرُ فَبِمَ تُّبَشِّرُونَ قْ) قَالُواْ بَشَرْنَكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ
الْفَسِطِينَ ﴿هَا قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِنْ زَحْمَةِ رَبِّهِ: إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [ الحجر: ٥١ -٥٦].
إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمًّا قَالَ سَلَمٌ قَوٌْ مُنكَرُونَ
وقال تعالى: ﴿هَلْ أَنَنْكَ حَدِيثُ ضَيْفٍ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُواْ لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَيِ
فَاغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴿َ، فَقَرََّهُ: إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُونَ
ـَ قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِّ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِمُ﴾
عَلِيمٍ ﴿هَا فَأَقْبَلَتِ آَمْرَتُهُ فِ صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُرُ عَقِيمُ (
[ الذاريات : ٢٤ - ٣٠ ] .
يذكرُ تعالى أنَّ الملائكةَ - قالوا : وكانوا ثلاثةٌ : جبريلُ، وميكائيلُ وإسرافيلُ - لما وَردُوا على
الخليل ، حَسِبهم أولاً أضيافاً ، فعاملَهم معاملةَ الضيوف ، شوى لهم عِجْلاً سميناً من خيار بقره ، فلمّا
قرَّبَه إليهم وعرضَ عليهم ، لم يرَ لهم همَّةً إلى الأكل بالكلية ، وذلك لأن الملائكة ليس فيهم قوَّة الحاجة
إلى الطعام، فنكرهم إبراهيمُ ﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ [ هود: ٧٠] أي:
لندَمِّرَ عليهم ، فاستبشرتْ عند ذلك سارَةُ غضباً لله عليهم ، وكانت قائمةً على رؤوس الأضياف ، كما
جرتْ به عادة الناس من العرب وغيرهم ، فلما ضحكت استبشاراً ، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن
وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي: بشَّرتها الملائكةُ بذلك ﴿ فَأَقْبَتِ امْرَتُهُ فِ صَرَّقِ﴾ [ الذاريات: ٢٩] أي:
في صرخة ﴿ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات: ٢٩] أي: كما يفعلُ النساء عند التعجب ﴿قَالَتْ يَوَيِلَىْءَ أَلِّدُ وَأَنّ
عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا﴾ [هود: ٧٢] أي : كيف يلدُ مثلي وأنا كبيرةٌ وعقيمٌ أيضاً، وهذا بعلي ، أي :
زوجي شيخاً ، تعجَّبت من وجود ولدٍ والحالة هذه ولهذا قالت: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ ﴿ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ
مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ فَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢ -٧٣].
وكذلك تعجّب إبراهيمُ عليه السلام استبشاراً بهذه البشارة ، وتثبيتاً لها وفرحاً بها ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَّ
أَنْ قَسَنِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُّبَشِّرُونَ فِ﴾ قَالُواْ بَشَرْنَكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَيِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٤ _٥٥] أَّدوا الخبرَ بهذه
(١) كذا في ب ، وفي أ : بهم .

٢٣٩
ذكر مولد إسحاق
البشارة، وقرّروه معه، فبشَّروهما ﴿بِعُلَمٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣] وهو إسحاق، وأخوه إسماعيل غلام
حليم ، مناسب لمقامه وصبره ، وهكذا وصفَه ربُّه بصدق الوعد والصبر . وقال في الآية الأخرى :
﴿ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [ هود: ٧١] وهذا مما استدلَّ به محمَّدُ بن كعب القُرَظي وغيره ،
على أنَّ الذبيحَ هو إسماعيل ، وأن إسحاق لا يجوزُ أن يُؤمرَ بذبحه بعدَ أنْ وقعتِ البشارةُ بوجوده ووجود
ولده يعقوب ، المشتق من العَقِب من بَعْده .
وعند أهل الكتاب : أنَّه أَحضرَ مع العِجْلِ الحَنِيْذِ(١) - وهو المشويُّ - رغيفاً من مَلَّةٍ ، فيه ثلاثة أكتالٍ
وسَمْنٍ ولبن. وعندهم: أنَّهم أكلوا، وهذا غَلَطِ مَحْضٌ. وقيل: كانوا يُورُونُ(٢) أنَّهم يأكلونَ والطّعامُ
يتلاشى في الهواء .
وعندهم : أنَّ الله تعالى قال لإبراهيم : أمَّا سارا امرأتك ، فلا يُدعى اسمُها سارا ، ولكنْ اسمُها
سارَة، وأُباركُ عليها وأُعطيك منها ابناً وأباركُه ، ويكونُ الشُّعوب وملوكُ الشعوب منه . فخرَّ إبراهيم على
وجهه - يعني ساجداً - وضحكَ قائلاً في نفسه : أبعد مئة سنةٍ يُولد لي غلامٌ ، أو سارَةُ تلدُ وقد أتتْ عليها
تسعونَ سنة ؟!
وقال إبراهيمُ للّه تعالى: ليتَ إسماعيلَ يعيشُ قدَّامكَ. فقال الله لإبراهيمَ: بحقِّي إنَّ امْرأتك سارَة تلدُ
لك غلاماً ، وتدعو اسمَه إسحاق إلى مثلِ هذا الحينِ من قابل ، وأوثقُه ميثاقي إلى الدهر ، ولخلفِه من
بعده . وقد استجبت لكَ في إسماعيلَ ، وباركتُ عليه وكبَّرتُه ونمَّيتُه جداً كثيراً، ويُولد له اثنا عشرَ
عظيماً ، وأجعلُه رئيساً لشعبٍ عظيم . وقد تكلَّمنا على هذا بما تقدَّم ، والله أعلم .
فقوله تعالى: ﴿ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] دليلٌ على أنها تستمتعُ بوجود
ولدها إسحاق ، ثم من بعده بولد ولده يعقوب ، أي : يُولد في حياتِهما لتقرَّ أعينُهما به كما قرَّتْ بوالده ،
ولو لم يرد هذا لم يكن لذكرٍ يعقوبَ وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحاق فائدة ، ولما
عيَّن بالذكر دلَّ على أنهما يتمتعان به ويُسرَّان بولده، كما سُرًّا بمولد أبيه من قبله . وقال تعالى :
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌّ كُلَّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا﴾ [الأنعام: ٨٤] وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَعْتَزَهُمْ وَمَا
يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ ﴾ [ مريم: ٤٩] .
وهذا إن شاء الله ظاهرٌ قويٌّ ، ويُؤيِّده قوة ما ثبت في الصحيحين : من حديث سليمان بن مهران
الأعمش ، عن إبراهيم بن يزيد التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر ، قال : قلتُ يا رسول الله ! أيُّ مسجد
وُضعَ أوَّل؟ قال: ((المسجد الحرام)) قلت: ثم أيّ؟ قال: ((المسجد الأقصى)). قلت : كم بينهما ؟
(١) الحنيذ : المشوي على الحصى المحمي بالنار .
(٢) كذا فى أوب ، وفي المطبوع : يودون ، وهو تصحيف .

٢٤٠
ذكر بناية البيت العتيق
قال : ((أربعون سنة)) قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم حَيْثُ أدركت الصَّلاةَ فصلِّ، فكلُّها مسجد)(١).
وعند أهل الكتاب : أن يعقوبَ عليه السلام هو الذي أسَّس المسجد الأقصى ، وهو مسجد إيليا بيت
المقدس ، شرَّفه الله .
وهذا مُتَّجِهٌ ، ويشهدُ له ما ذكرناه من الحديث ، فعلى هذا يكونُ بناء يعقوبَ - وهو إسرائيل عليه
السلام - بعد بناءِ الخليل وابنه إسماعيل المسجدَ الحرام بأربعينَ سنةً سواء ، وقد كان بناؤُهما ذلك بعد
وجود إسحاق ، لأن إبراهيمَ عليه السلام لمَّا دَعا قال في دعائه، كما قال تعالى: ﴿ وَ إِذْ قَالَ إِبْزَهِيمُ رَبِّ
اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَ أَنْ نَعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِّ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّ وَمَنْ
عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ جَ زَبَّنَآ إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ فَأَجْعَلْ
أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٢) رَبَّنَآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنٌ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ
مِن شَىْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَّ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الدُّعَِجَارَبِّ
اجْعَلْنِ مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَمِن ذُرِّيَّتِىّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٥ رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾
[إبراهيم : ٣٥ - ٤١ ] .
وما جاء في الحديث(٢): من أنَّ سُليمان بن داود عليهما السلام، لما بنَى بيتَ المقدس سألَ الله
خِلالاً ثلاثاً، كما ذكرناه عند قوله: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَّا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾ [ص: ٣٥] وكما
سنُورده في قصَّته . فالمرادُ من ذلك أنَّه جدَّد بناءَه، كما تقدَّم من أنَّ بينهما أربعينَ سنةً ، ولم يقلْ أحدٌ إنَّ
بين سليمان وإبراهيم أربعينَ سنةً، سوى ابن حِبَّان في «تقاسيمه)) وأنواعه، وهذا القولُ لم يُوافق عليه ،
ولا سُبِقَ إليه .
*
ذكر بناية(٣) البيت العتيق
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِنْزَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَّا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلِطِّفِينَ
! وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجِ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجْ
وَالْقَآيِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
٢٠
عَمِيقٍ﴾ [ الحج: ٢٦ - ٢٧ ].
(١) أخرجه البخاري (٣٣٦٦) في الأنبياء، ومسلم ( ٥٢٠) في المساجد ومواضع الصلاة .
(٢) أخرجه أحمد في المسند (١٧٦/٢) والنسائي في سننه (١٧٦/٢) في المساجد ، وابن حبان في صحيحه
(١٦٣٣) الإحسان .
(٣) في المطبوع : بناء .