النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
وقصوداً(١) وإراداتٍ وأقوالاً وأفعالاً، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْنَقَرٌ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ ﴾ [البقرة: ٣٦]
ولا يلزمُ من هذا أنهم كانوا في السماء ، كما قال تعالى: ﴿ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِي إِسْرَّهِ يَلَ اسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ
وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ومعلومٌ أنهم كانوا فيها ولم يكونوا في السماء .
قالوا : وليس هذا القولُ مُفرَّعاً على قول من يُنكر وجود الجنَّة والنَّار اليوم ، ولا تلازم بينهما، فكلُّ
منْ حُكي عنه هذا القول من السلف وأكثر الخلف ، ممن يُثبتُ وجودَ الجنَّة والنَّار اليومَ ، كما دلَّتْ عليه
الآياتُ والأحاديثُ الصِّحاحُ ، كما سيأتي إيرادُها في موضعها ، والله سبحانه وتعالى أعلمُ بالصواب .
وقوله تعالى: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] أي: عن الجنة ﴿فَأَخَرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَةٍ ﴾ [ البقرة:
٣٦] أي : من النعيم والنضرة والسرور إلى دار التعب والكد والتنكد ، وذلك بما وسوس لهما وزيَّنه في
صدورهما ، كما قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ
هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُنَا مِنَ الْخَلِينَ﴾ [ الأعراف: ٢٠ ] يقول: ما نهاكُما عن أكل هذه الشجرة إلا أن
تكونا مَلَكين أو تكونا من الخالدين ، أي : لو أكلتُما منها لصرتُما كذلك .
وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢١ ] أي: حلف لهما على ذلك ﴿إِّ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]
كما قال في الآية الأخرى: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَنُ قَالَ يَتَادَمُ هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى ﴾
[ ١٢٠ ] أي: هل أدلُّك على الشجرة التي إذا أكلتَ منها حصلَ لك الخلدُ فيما أنت فيه من النعيم ،
واستمرّ(٢) لك مُلْكٌ لا يبيدُ ولا يَنقضي، وهذا من التغرير والتزوير ، والإخبار بخلاف الواقع .
والمقصودُ أنَّ قوله شجرة الخلد التي إذا أكلتَ منها خُلِّدْتَ ، وقد تكونُ هي الشجرةُ التي قالَ الإمامُ
أحمد(٣) : حذَّثنا عبدُ الرحمن بن مَهْدي ، حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي الضَّخَاك ، سمعتُ أبا هريرة يقول :
قال رسول الله وَّل: ((إن في الجنة شجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مئةَ عام لا يقطعها، شجرةُ الخلد)).
وكذا رواه(٤) أيضاً : عن غندر وحجَّاج ، عن شعبة .
ورواه أبو داود الطيالسي في (( مسنده )(٥) عن شعبة أيضاً به .
قال غُنْدر(٦): قلت لشعبةَ: هي شجرةُ الخلد؟ رواه(٧): ليس فيها ((هي)). تفرَّد
(١) في أوالمطبوع : وتصوُّراً .
(٢)
في المطبوع : واستمررت في مُلكِ .
(٣)
في المسند (٢/ ٤٥٥).
(٤)
في المسند (٢/ ٤٦٢).
(٥) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (ص ٣٣٢).
(٦) في المسند : قال حجاج .
(٧) في المسند : قال .

١٢٢
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
به الإمامُ أحمد . وقوله : ﴿ فَدَلَّنْهُمَا بِغُرُورٍ فَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَ تُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ﴾
[ الأعراف: ٢٢] كما قالَ في ((طه)): ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَ انُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ﴾
[طه: ١٢١ ] وكانت حواء أكلتْ من الشجرة قبل آدمَ، وهي التي حدَتْهُ(١) على أكلها ، والله أعلم .
وعليه يُحمل الحديث الذي رواه البخاري: حدَّثنا بشر بن محمد، حدَّثنا عبدُ الله، أنبأنا مَعْمر ، عن
همَّامٍ بن مُنبّه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ◌َ ﴿ نحوَه: ((لولا بنو إسرائيل لم يَخْنزِ اللَّحمُ، ولولا حَوَّاءُ لم
تخُنَ أنثى زوجَها)(٢) . تفرد به من هذا الوجه .
وأخرجاه في الصحيحين(٣) : من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همَّام ، عن أبي هريرة به .
ورواه أحمد ومسلم(٤) : عن هارون بن معروف ، عن أبي وهب ، عن عمرو بن حارث ، عن
أبي يونس ، عن أبي هريرة به .
وفي كتاب التوراة التي بين أيدي أهل الكتاب أن الذي دلَّ حوَّاءَ على الأكل من الشجرة هي الحيَّةُ ،
وكانت من أحسن الأشكال وأعظمها ، فأكلتْ حوَّاءُ عن قولها ، وأطعمتْ آدمَ عليه السلام ، وليس فيها
ذكر لإبليس ، فعند ذلك انفتحتْ أعينُهما ، وعلما أنَّهما عُريانان ، فوصلا من ورق التين ، وعملا مآزرَ ،
وفيها أنَّهما كانا عُزْيانين .
وكذا قال وَهْبُ بن منبَّهُ : كان لباسُهما نوراً على فرجه وفرجها .
وهذا الذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلطٌّ منهم وتحريفٌ ، وخطأ في التعريب ، فإن نقل الكلام
من لغة إلى لغة لا يكادُ يتيسَّر لكلِّ أحد ، ولا سيما ممن لا يعرفُ كلامَ العرب جيداً ، ولا يُحيط علماً بفهم
كتابه أيضاً ، فلهذا وقعَ في تعريبهم لها٥) خطأ كثير لفظاً ومعنى، وقد دلَّ القرآن العظيم على أنه كان
عليهما لباس في قوله : ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِيَاسَهُمَا لِيرِيَهُمَا سَوْءَتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] فهذا لا يُردُّ لغيره من
الكلام ، والله تعالى أعلم .
وقال ابن أبي حاتم : حدَّثنا علي بن الحسين بن إشكاب ، حدَّثنا عليّ بن عاصم ، عن سعيد بن
(١) حدَتْه: حثَّته وحرَّضَتْه.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٣٣٠) في أحاديث الأنبياء. وقوله مَ ◌ّخة ((يخنز)): ينتن ويتغير، و((لولا حواء لم
تخن أنثى زوجها )) . قال الحافظ ابن حجر: ليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش ، حاشا وكلاً، ولكن لما
مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة ، وحسَّنت ذلك لآدم ، عُدَّ ذلك خيانة له . وأما من جاء بعدها من النساء
فخيانة كل واحدة منهن بحسبها . وانظر الفتح (٣٦٨/٦).
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٩٩) في أحاديث الأنبياء، ومسلم ( ١٤٧٠) ( ٦٣) في الرضاع .
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٣٠٤/٢ و٣١٥) ومسلم (١٤٧٠) (٦٢) في الرضاع.
(٥) أي : للتوراة.

١٢٣
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
أبي عَرُوبة، عن قتادةَ، عن الحسن، عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله وَّله: ((إن الله خلقَ آدمَ
رجلاً طوالاً ، كثيرَ شعر الرأس ، كأنَّه نخلةٌ سحُوق ، فلما ذاقَ الشجرةَ سقطَ عنه لباسه ، فأوَّلُ ما بدا منه
عورته ، فلما نظرَ إلى عورتِهِ جعلَ يشتدُّ في الجنة ، فأخذتْ شعرَه شجرةٌ فنازعَها ، فناداه الرحمنُ
عزَّ وجلَّ: يا آدم ! منيٍّ تفرُ. فلما سمعَ كلامَ الرحمن ، قال: يا ربِّ لا! ولكن استحياءً)(١).
وقال الثوري : عن ابن أبي ليلى ، عن المِنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس
﴿ وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [ الأعراف: ٢٢ ] قال: ورق التينُ(٢). وهذا إسناد صحيح إليه، وكأنَّ
مأخوذ من أهل الكتاب ، وظاهر الآية يقتضي أعمَّ من ذلك ، وبتقدير تسليمه فلا يضرُّ ، والله تعالى أعلم .
وروى الحافظ ابن عساكر : من طريق محمَّد بن إسحاق ، عن الحَسن بن ذَكْوان ، عن الحسن
البَصْرِيِّ، عن أُبيِّ بن كعب، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ أباكم آدمَ كان كالنخلة السَّحوق ستين ذراعاً،
كثيرَ الشعر ، مُوارى العورة ، فلما أصابَ الخطيئةَ في الجنَّة بدتْ له سوأتُه ، فخرجَ من الجنَّةَ ، فلقيتهُ
شجرةٌ فأخذتْ بناصيتهِ، فناداه ربُّه: أفراراً مني يا آدمُ ؟ قال: بل حياءً منكَ والله يا ربِّ مما جئتُ به)(٣) .
ثم رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عُنَيِّ بن ضَمْرة ، عن أُبيِّ بن
كعب ، عن النبي ◌ِّ، بنحوه وهذا أصحُ، فإن الحسنَ لم يُدرك أبيّاً .
ثم أورده أيضاً : من طريق خيثمةَ بن سُليمان الإطرابلسي ، عن محمد بن عبد الوهاب أبي قِرْصافةَ
العسقلاني ، عن آدمَ بن أبي إياس ، عن شيبانَ، عن قتادةَ ، عن أنس مرفوعاً بنحوه(٤) .
﴿ وَنَادَنْهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ
تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٢ -٢٣] وهذا اعترافٌ ورجوعٌ إلى الإنابة، وتذلُّلٌ وخضوعٌ
واستكانةٌ ، وافتقارٌ إليه تعالى في الساعة الراهنة ، وهذا السِّرُّ ما سرَى في أحد من ذريّته إلا كانت عاقبتُه
إلى خير في دنياه وأخراه .
﴿ قَالَ أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِىِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَهُ إِلَى حِينٍ﴾ [ الأعراف: ٢٤] وهذا خطابٌ لآدمَ
وحوَّاءَ وإبليسَ ، قيل : والحيَّة معهم ، أُمروا أن يَهبطوا من الجنَّة في حال كونهم متعادينَ متحاربينَ .
وقد يُستشهد لذكر الحيّة معهما، بما ثبت في الحديث عن رسول الله وَّل: أنه أمر بقتل الحيَّات،
(١) ذكرَه ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٦٢) وقال : وقد رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق عن الحسن ، عن أبي بن
كعب عن النبي ◌َّلية والموقوف أصح إسناداً. والحسن لم يدرك أبياً، وانظره في الدر المنثور (١/ ١٣٢).
(٢) تفسير ابن كثير ( ٢٦٢/٣).
(٣) تهذيب تاريخ دمشق؛ لابن منظور (٤/ ٢٢٢).
(٤) المصدر السابق (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣).

١٢٤
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
وقال: (( ما سالَمْناهُنَّ منذُ حارَبْناهنَّ)(١) .
وقوله في سورة طه: ﴿ قَالَ أَهْرِطَا مِنْهَا جَمِيعً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ﴾ [طه: ١٢٣] هو أمرٌ لآدم وإبليس،
واستتبع آدمُ حوَّاءَ ، وإبليسُ الحيَّة، وقيل: هو أمرٌ لهم بصيغة التثنية، كما في قوله تعالى: ﴿ وَدَاوُودَ
وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْنَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا ◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
والصحيح أن هذا لما كان الحاكمُ لا يحكم إلا بينَ اثنين مُدَّعٍ ومُدَّعى عليه، وقال: ﴿ وَكُنَّا
◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾ [ الأنبياء : .
وأما تكريرُه الإهباط في سورة البقرة في قوله: ﴿ وَقُلْنَا أَهِْطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكْ فِ الْأَرْضِ مُسْتَفَرٌ وَمَتَهُ
قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِى هُدَى فَمَن
إِلَى حِينٍ ﴿ فَلَفَّ ءَادَمُ مِن رَبِّ كَلِمَاتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَّبُواْ بِعَايَتِنَّا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِّدُونَ﴾ [ البقرة:
٣٦ -٣٩] فقال بعض المفسرين : المرادُ بالإهباط الأوَّل الهبوطُ من الجنَّة إلى السماء الدنيا، وبالثاني من
السماء الدنيا إلى الأرض. وهذا ضعيفٌ، لقوله في الأول ﴿ وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكْ فِ الْأَرْضِ
مُسْتَقَرٌ وَمَتَعُ إِلَ حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] فدلَّ على أنهم أهبطوا إلى الأرض بالإهباط الأوّل، والله أعلم.
والصحيحُ أنه كرَّره لفظاً وإن كان واحداً ، وناط مع كل مرة حُكماً ، فناطَ بالأوَّل عداوتهم فيما
بينهم ، وبالثاني الاشتراط عليهم : أنَّ منْ تبعَ هُداه الذي يُنزِّله عليهم بعد ذلك فهو السعيد ، ومن خالفه
فهو الشقيّ ، وهذا الأسلوب في الكلام له نظائر في القرآن الحكيم .
وروى الحافظ ابن عساكر : عن مجاهد ، قال : أمرَ الله مَلَكين أن يُخرجا آدمَ وحوَّاءَ من جِواره ، فنزعَ
جبريلُ التَّاجَ عن رأسهِ ، وحلَّ ميكائيلُ الإكليلَ عن جبينه ، وتعلَّق به غصنٌ ، فظنَّ آدمُ أنه قد عُوجلَ
بالعقوبة ، فنكَّسَ رأسَه يقولُ : العفوَ العفوَ ، فقال الله: أفراراً مني ؟ قال: بل حياءً منك يا سيدي(٢)!
وقال الأوزاعي : عن حسان - هو ابن عطيّة - مكثَ آدمُ في الجنَّة مئةَ عام ، وفي روايةٍ ستين عاماً ،
وبكى على الجنَّة سبعينَ عاماً ، وعلى خطيئته سبعينَ عاماً ، وعلى ولده حينَ قُتِلَ أربعين عاما٣ً) . رواه
ابن عساكر .
وقال ابن أبي حاتم : حدَّثنا أبو زُرْعَةَ ، حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدَّثنا جرير ، عن سعيد ، عن ابن
عبَّاس قال: أُهبطَ آدمُ عليه السلام إلى أرض يُقالُ له دَخْنا بين مكَّة والطائف (٤).
(١) أخرجه أحمد فى المسند (٢/ ٢٤٧) وأبو داود (٥٢٤٨) فى الأدب.
(٢) لم أجده فيما طبع من تاريخ دمشق لابن عساكر.
(٣) لم أجده فيما طبع من تاريخ دمشق لابن عساكر .
(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١٣٥/١).

١٢٥
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
وعن الحسن قال : أهبط آدمُ بالهند ، وحوَّاء بجدة ، وإبليس بدست مَيْسان من البصرة على أميال ،
وأهبطت الحيَّة بأصبهان (١) . رواه ابن أبي حاتم أيضاً.
وقال السدي : نزلَ آدمُ بالهند ، ونزل معه بالحجر الأسود ، وبقبضةٍ من ورق الجنة ، فبثَّه في الهند ،
فنبتتْ شجرةُ الطِّيب هناك(٢) .
وعن ابن عمر قال : أهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة . رواه ابن أبي حاتم أيضاً .
وقال عبد الرزاق : قال معمر : أخبرني عوف ، عن قسامة بن زهير ، عن أبي موسى الأشعري ،
قال : إن الله حينَ أهبط آدمَ من الجنَّةَ إلى الأرض علَّمه صنعةَ كلِّ شيءٍ، وزؤَدهَ من ثمار الجنَّةُ، فثمارُكم
هذه من ثمار الجنَّة ، غير أن هذه تتغيرُ وتلك لا تتغير (٣) .
وقال الحاكم في (( مستدركه) (٤) : أنبأنا أبو بكر بن بالويه ، عن محمد بن أحمد بن النضر ، عن
معاوية بن عمرو ، عن زائدة ، عن عمَّار بن أبي معاوية البَجليّ ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ،
قال : ما أُسكنَ آدمُ الجنَّة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس . ثم قال : صحيح على شرط
الشيخين ولم يُخرِّجاه .
وفي صحيح مسلم(٥) : من حديث الزهري ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله
صَُّ: ((خيرُ يوم طلعتْ فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلقَ آدمُ، وفيه أُدخلَ الجنَّة، وفيه أخرج منها)).
وفي الصحيح من وجه آخر ((وفيه تقوم الساعة )(٦) .
وقال أحمد(٧): حدَّثنا محمد بن مصعب، حدَّثنا الأوزاعي ، عن أبي عمَّار ، عن عبد الله بن فَرُوخ ،
عن أبي هريرة، عن النبي وَّ، قال: (( خيرُ يوم طلعتْ فيه الشمسُ يومُ الجمعة، فيه خُلِقَ آدمُ ، وفيه
أدخلَ الجنَّة ، وفيه أخرجَ منها، وفيه تقومُ السَّاعةُ )) على شرط مسلم .
فأما الحديث الذي رواه ابن عساكر : من طريق أبي القاسم البَغَوي ، حدَّثنا محمد بن جعفر
الوركاني ، حدَّثنا سعيد بن ميسرة، عن أنس؛ قال: قال رسولُ الله وَّرُ: ((هبطَ آدم وحواء عُريانين
جميعاً ، عليهما ورق الجنَّة ، فأصابه الحرّ حتى قعد يبكي ويقولُ لها : يا حوَّاء! قد آذاني الحرّ ، قال :
(١) الدر المنثور (١/ ١٣٧) وقال: أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر عن الحسن .
(٢) الدر المنثور (١٣٩/١) وقال: أخرجه ابن أبي حاتم عن السدَّيِّ.
(٣) الدر المنثور (١٣٧/١) وقال: أخرجه البزار وابن أبي حاتم والطبراني وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٣) وصححه.
(٤) المستدرك (٢/ ٥٤٢).
(٥) أخرجه مسلم (٨٥٤) (١٧) في الجمعة.
(٦) أخرجه مسلم (٨٥٤) (١٨).
(٧) في المسند (٢/ ٥٤٠) .

١٢٦
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
فجاءه جبريلُ بقُطنٍ، وأمرَها أنْ تغزلَ، وعلَّمها ، وأمرَ آدمَ بالحياكة ، وعلَّمه أن ينسجَ . قال : وكان آدمُ
لم يُجامع امرأتَه في الجنَّة حتى هبطَ منها ، للخطيئة التي أصابتهما بأكلهما من الشجرة . قال: وكان كلُّ
واحد منهما ينامُ على حدَةٍ ، ينامُ أحدُهما في البطحاء والآخر من ناحية أخرى ، حتى أتاه جبريلُ فأمرَه أن
يأتيَ أهله . قال: وعلَّمه كيف يأتيها ، فكلما أتاها جاءه جبريلُ ، فقال ؛ كيف وجدتَ امرأتكَ ؟ قال :
صالحة)(١) فإنه حديث غريبٌ، ورفعُه منكرٌ جداً، وقد يكون من كلام بعض السلف ، وسعيدُ بن مَيْسَرة
هذا، هو أبو عمران البَكْري البَصْري، قال فيه البخاري(٢): منكر الحديث، وقال ابن حِبَّالُ(٣) : يروي
الموضوعات . وقال ابن عديّ(٤) : مظلم الأمر .
وقوله ﴿ فَلَقَّقَءَدَمُ مِن رَبِّهِ، كَلِمَتٍ فَابَ عَلَيْهِ إِنَُّ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ( البقرة: ٣٧] قيل: هي قوله ﴿ ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا
وَإِن لَّرْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [ الأعراف ٢٣]. رُوي هذا عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ،
وأبي العالية ، والربيع بن أنس ، والحسن ، وقتادة ، ومحمد بن كعب ، وخالد بن مَعْدان ، وعطاء
الخُراساني ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلمُ(٥)
وقال ابنُ أبي حاتم : حدَّثنا عليُّ بن الحسين بن إشكاب ، حدَّثنا عليُّ بن عاصم ، عن سعيد بن
أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أَبيِّ بن كعب، قال: قال رسول الله مَّله: ((قالَ آدمُ عليه
السلام : أرأيتَ يا ربِّ إن تبتُ وراجعتُ، أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم)»٦) فذلك قوله ﴿فَلَفََّ ءَادَمُ مِن
زَبِّهِ، كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيَّةٍ ﴾ [ البدء ١٣٧.
وهذا غريب من هذا الوجه ، وفيه انقطاع .
وقال ابن أبي نَجيح: عن مجاهد، قال: الكلمات (( اللهم لا إله إلا أنت سبحانَكَ وبحمدكَ ، ربِّ
إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين . اللَّهُمَّ لا إله إلا أنت سبحانكَ وبحمدك ، ربِّ إني ظلمتُ
نفسي فاغفرْ لي إنك خيرُ الراحمين . اللَّهُمَّ لا إلهَ إلا أنتَ سبحانَكَ وبحمدكَ ، ربِّ إني ظلمتُ نفسي فتبْ
عليّ إنَّك أنت التَّواب الرحيم)) (٧)
(١) تهذيب ابن عساكر (٢/ ٣٥٣) وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٣٨) وقال: وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف
عن أنس .
تاريخه الكبير ٣/ الترجمة (١٧٢٣).
(٢)
(٣)
المجروحين (٣١٦/١).
(٤)
الكامل (١٢٢٤/٣).
(٥)
انظر الدر المنثور، للسيوطي (١٤٤/١ - ١٤٥).
أخرجه ابن جرير في التفسير (٢٨١/١) وذكره السيوطي في الدر المنثور (١٤٢/١).
(٦)
(٧) أخرجه ابن جرير في التفسير (١/ ٢٨٢) وذكره السيوطي في الدر المنثور (١٤٥/١) وقال: أخرجه البيهقي في
الشعب ، وابن عساكر عن أنس .

١٢٧
ذكر احتجاج آدم وموسى
وروى الحاكم في ((مستدركه)(١): من طريق سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ،
كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ﴾ [ البقرة: ٣٧] قال: قال آدم: يا ربِّ! ألم تَخْلُقني بيدكَ؟ قيل له: بلى. ونفختَ فيَّ
من روحكَ ؟ قيل له : بلى . وعطستَ ، فقلتَ : يرحمُك الله ، وسبقتْ رحمتك غضبَكَ ؟ قيل له :
بلى . وكتبتَ عليّ أن أعمل هذا؟ قيل له : بلى. قال : أفرأيتَ إن تبتُ ، أفراجعي إلى الجنة ؟ ، قال :-
نعم . ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يُخرِّجاه .
وروى الحاكم أيضاً ، والبيهقيُّ ، وابن عساكر ، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ،
عن جدِّه، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله وَ لَرَ: ((لما اقترفَ آدمُ الخطيئةَ قال: يا ربِّ
أسألُكَ بحقِّ محمَّد أن غفرتَ لي . فقال الله: فكيفَ عرفتَ محمَّداً ولم أخْلُقْه بعدُ ؟ فقال : يا ربُّ لأنك
لما خلقتني بيدكَ، ونفختَ فيَّ من روحكَ، رفعتُ رأسي فرأيتُ على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله
محمَّدٌ رسولُ الله . فعلمت أنَّك لم تُضِفْ إلى اسمكَ إلا أحبَّ الخلق إليكَ. فَقال الله: صدقتَ يا آدمُ! إنَّه
لأحبُّ الخلق إليّ ، وإذا سألتني بحقِّه فقد غفرتُ لكَ، ولولا محمَّدٌ ما خلقتُك(٢). قال البيهقي : تفرَّد
به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه ، وهو ضعيف ، والله أعلم .
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ وَعَصَّ ءَادَمُ رَبَُّ فَغَوَى (٤) ثُمَّ أَجْنَبَّهُ رَبُُّ فَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [ طه: ١٢١ - ١٢٢].
***
ذکرُ
احتجاج آدمَ وموسى عليهما السلام
قال البخاري(٣): حدثنا قتيبة، حدَّثنا أيوب بن النجار ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ،
عن أبي هريرة، عن النبي بَ ◌ّ قال: ((حاجَّ موسى آدمَ عليهما السلام، فقال له : أنتَ الذي أخرجتَ
النَّاس بذنبكَ من الجنَّة وأشقيتهم . قال آدم : يا موسى! أنت الذي اصطفاكَ الله برسالاته وبكلامِه ،
أتلُومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن يَخْلُقني أو قدَّره عليّ قبل أن يخلقَني؟ قال رسولُ اللّه ◌ِثَرِ : فحجَّ
آدمُ موسى ".
(١) المستدرك (٥٤٥/٢) .
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٥) وصححه، وتعقبه الذهبي فقال : بل موضوع ، وعبد الرحمن واهٍ ،
ورواه عبد الله بن مسلم الفهري، ولا أدري من ذا ؟ وانظره في تهذيب ابن عساكر (٢٥٩/٢).
(٣) في صحيحه ( ٤٧٣٨) في التفسير .

١٢٨
ذكر احتجاج آدم وموسى
وقد رواه مسلمُ(١): عن عمرو الناقد، والنسائي(٢) عن محمد بن عبد الله بن يزيد ، عن أيوب بن النجار ،
به . قال أبو مسعود الدمشقي(٣): ولم يُخرِّجا عنه في الصحيحين سواه. وقد رواه أحمد(٤) عن عبد الرزاق ،
عن معمر، عن هَمَّم ، عن أبي هريرة . وقد رواه مسلمُ(٥) عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق ، به .
وقال الإمام أحمد(٦) : حدَّثنا أبو كامل ، حذَّثنا إبراهيمُ، حدَّثنا ابن شهاب ، عن حُميد بن
عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((احتجَّ آدمُ وموسى، فقال له موسى: أنتَ
آدمُ الذي أخرجتْكَ خطيئْتُكَ من الجنَّة ؟ فقال له آدم : وأنتَ موسى الذي اصطفاكَ الله برسالاتِهِ وبكلامِه ،
تلومُني على أمر قُدِّر عليَّ قبل أن أخلقَ ؟ قال رسول الله وَّلَ: فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى)). مرتين.
قلت : وقد روى هذا الحديثَ البخاريُّ ومسلم(٢) من حديث الزهري ، عن حُميد بن عبد الرحمن ،
عن أبي هريرة ، عن النبي ◌َّ نحوه .
وقال الإمام أحمد(٨): حدَّثنا معاويةُ بن عمرو، حدَّثنا زائدةُ، عن الأعمش عن أبي صالح عن
أبي هريرة عن النبي بَّه قال: ((احتجَّ آدمُ وموسى، فقال موسى: يا آدم! أنت الذي خلقكَ الله بيده ونفخَ
فيك من رُوحه ، أغويتَ النَّاس وأخرجتهم من الجنَّةَ . قال : فقالَ آدمُ: وأنت موسى الذي اصطفاكَ الله
بكلامِهِ تلومُني على عملٍ أعملُه، كَتبهُ اللهُ عليّ قبل أنْ يخلقَ السَّموات والأرض. قال: فحجَّ آدمُ موسى)).
وقد رواه الترمذي(٩) والنسائي جميعاً : عن يحيى بن حبيب بن عربيّ، عن مَعْمر بن سليمان ، عن
أبيه ، عن الأعمش به . قال الترمذي: وهو غريبٌ(١٠) من حديث سُليمان التَّيميِّ، عن الأعمش ، قال :
وقد رواه بعضُهم عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد .
قلت : هكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار في ((مسنده( ١١) : عن محمد بن مثنى ، عن معاذ بن أسد ،
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٢) في القدر .
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١١٣٢٩)، في التفسير.
انظر قول أبي مسعود في تحفة الأشراف ؛ للمزيّ (١٠ / ٤٦٧) عقيب حديث (١٥٣٦١).
(٣)
(٤)
في المسند (٢٦٨/٢).
في صحيحه ( ٢٦٥٢) في القدر .
(٥)
في المسند ( ٢/ ٢٦٤) .
(٦)
أخرجه البخاري (٣٤٠٩) في الأنبياء و (٧٥١٥) في التوحيد، ومسلم (٢٦٥٢) في القدر .
(٧)
في المسند (٣٩٨/٢).
(٨)
(٩) أخرجه الترمذي (٢١٣٤) في القدر ، والنسائي في التفسير ( ٤٦٣) في الكبرى .
(١٠) في بعض النسخ : حسن غريب.
(١١) كما في كشف الأستار (٢١٤٧)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٩١): رواه أبو يعلى والبزار مرفوعاً، ورجالهما
رجال الصحيح .

١٢٩
ذکر احتجاج آدم وموسى
عن الفضل بن موسى ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد .
ورواه البزارُ(١) أيضاً: حدَّثنا عمرو بن عليّ الفلاس، حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش ، عن
أبي صالح ، عن أبي هريرة - أو أبي سعيد - عن النبيِّ نَّ فذكره .
وقال أحمد(٢): حدَّثنا سفيان، عن عمرو ، سمعَ طاووساً ، سمع أبا هريرة ، يقول : قال رسول الله
وََّ: ((احتجَّ آدمُ وموسى، فقالَ موسى: يا آدمُ أنت أبونا خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة . فقال له آدم:
يا موسى ! أنت الذي اصطفاكَ الله بكلامهِ - وقال مرة: حجّ آدمُ موسى، حجَّ آدمُ موسى)).
وهكذا رواه البخاريُّ(٣) : عن عليٍّ بن المديني، حدَّثنا سفيان، قال: حفظناهُ من عمرٍو ، عن
طاووس ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ عن النبيِّ وََّ، قال: ((احتجَّ آدمُ وموسى، فقال موسى: يا آدمُ :
أنت أبونا ، خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة . فقال له آدمُ: يا موسى! اصطفاكَ الله بكلامِه ، وخطَّ لكَ بيدِه ،
أتلومني على أمرٍ قدَّرَه الله عليَّ قبلَ أن يخلقَني بأربعينَ سنةً ؟ فحَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى )» هكذا
ثلاثاً . قال سفيان: حدَّثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ◌َّ مثله.
وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه (٤) من عشر طرق عن سفيان بن عُيَيْنةُ(٥) ، عن عمرو بن دينار ، عن
عبد الله بن طاووس، عن أبيه (٦)، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ بنحوه.
وقال أحمد(٧): حذَّثنا عبد الرحمن، حدَّثنا حمّاد، عن عمَّار، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّل
قال: ((لقيَ آدمُ موسى فقالَ: أنتَ آدمُ الذي خلقَكَ الله بيده، وأسجدَ لكَ ملائكته، وأسكنَكَ الجنَّة ، ثم
فعلتَ ؟ فقال : أنتَ موسى الذي كلَّمك الله، واصطفاكَ برسالتِهِ ، وأنزلَ عليكَ التوراةَ ، ثم أنا أقدمُ أم
الذِّكر ؟ قال : لا، بل الذِّكر ، فحجَّ آدمُ موسى )(٨).
(١) أخرجه البزار (٢١٤٨) كما في كشف الأستار ، وقال الهيثمي: حديث أبي هريرة في الصحيح ، وأما حديث
أبي سعيد فقد تقدم إسناده برقم ( ٢١٤٧) من غير شك .
(٣)
(٢) في المسند (٢٤٨/٢).
(٤)
في صحيحه ( ٦٦١٤) في القدر .
أخرجه البخاري (٦٦١٤) في القدر، ومسلم (٢٦٥٢) في القدر. والموطأ (٨٩٨/٢) في القدر ، وأبو داود
(٤٧٠١) في السنة، والنسائي في التفسير (٢٠٧) أقول: ورواه ابن ماجه رقم (٨٠) ولم أقف عليه عند الترمذي .
(٥) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٥٠٦/١١): وقع لنا من طرق عشرة عن أبي هريرة .
عمرو بن دينار إنما رواه عن طاووس عن أبي هريرة ، وعبد الله بن طاووس لم يرو هذا الحديث عن أبيه في أي من
(٦)
الكتب الستة .
(٧) في المسند (٤٦٤/٢).
(٨) في المسند : ((فحجَّ آدمُ موسى ، فحج آدمُ موسى )) مكررة ، وهو حديث صحيح .

١٣٠
ذکر احتجاج آدم وموسى
قال أحمد: وحدَّثنا عفَّان، حذَّثنا حَمَّاد، عن عمَّار بن أبي عمَّار، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ◌َه،
وحُمَيْد، عن الحسن، عن رجلٍ - قال حمَّاد: أظنُّهُ جُنْدُبَ بن عبد الله البجلي - عن النبي وَّل، قال:
((لقيَ آدمُ موسى ... )) فذكرَ معناه(١) . تفرَّد به أحمد من هذا الوجه .
وقال أحمد : حذَّثنا حُسين ، حدَّثنا جرير - هو ابن حازم - عن محمد - هو ابن سيرين - عن
أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((لقيَ آدمُ موسى، فقالَ: أنت آدمُ الذي خلقكَ الله بيده،
وأسكنكَ جنّته، وأسجد لك ملائكته، ثمَّ صنعتَ ما صنعتَ ؟ قال آدمُ: يا موسى(٢) أنتَ الذي كلَّمه
الله، وأنزلَ عليه التوراةَ ؟ قال : نعم . قال : فهل تجده مكتوباً عليّ قبل أن أُخلقَ ؟ قال : نعم . قال :
فحج آدم موسى ، فحج آدم موسى (٣)
وكذا رواه حمّاد بن زيد ، عن أيوب وهشام ، عن محمَّد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، رفعه . وكذا
رواه عليّ بن عاصم ، عن خالد وهشام ، عن محمد بن سيرين . وهذا على شرطهما من هذه الوجوه .
وقال ابن أبي حاتم : حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابنُ وَهْبٍ ، أخبرني أنس بن عياض ، عن
الحارث بن أبي ذُباب، عن يزيد بن هُزمزٍ، سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسول الله وَّهِ: ((احتجَّ آدمُ
وموسى عند ربِّهما ، فحجَّ آدمُ موسى . قال موسى : أنتَ الذي خلقكَ الله بيده ، ونفخَ فيكَ من روحِه ،
وأسجدَ لك ملائكته، وأسكنكَ جنّته، ثم أهْبَطْتَ النَّاسَ إلى الأرض بخطيئتكَ ؟ قال آدم : أنت موسى
الذي اصطفاكَ الله برسالتِه وكلامِه ، وأعطاكَ الألواحَ فيها تبيانُ كلِّ شيءٍ، وقرَّبك نجيّاً ، فبكم وجدتَ اللهَ
كتبَ التوراةَ ؟ قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدتَ فيها ﴿وَعَصَىَ ءَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [ طه: ١٢١]
قال : نعم . قال : أفتلومني على أن عملتُ عملاً كتبَ الله عليّ أن أعمَله قبل أن يخلُقَني بأربعين سنة ؟
قال: قال رسول الله مَ لٌ: فحجَّ آدمُ موسى)(٤)
قال الحارثُ: وحدَّثني عبدُ الرحمن بن هُرْمزَ بذلكَ، عن أبي هريرةَ، عن رسول الله وَّل .
وقد رواه مسلم(٥) : عن إسحاق بن موسى الأنصاري ، عن أنس بن عياض ، عن الحارث بن
عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن يزيد بن هُرمز والأعرج، كلاهما عن أبي هريرة ، عن النبيِّ بَّ بنحوه .
وقال أحمد : حدَّثنا عبدُ الرزاق ، أنبأنا مَعْمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ،
(١) في المسند (٢/ ٤٦٤)، وهو حديث بطرقه.
(٢)
في المسند : فقال آدم لموسى :
(٣)
أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٩٢)، وهو حديث صحيح .
انظر تهذيب تاريخ ابن عساكر (٣٤٦/٢) وتفسير ابن كثير ( ٢١٢/٣).
(٤)
(٥) في صحيحه (٢٦٥٢) (١٥) في القدر .

١٣١
ذکر احتجاج آدم وموسی
قال: قال رسول الله وَّر: ((احتجَّ آدمُ وموسى، فقال موسى لآدم: يا آدم! أنتَ الذي أدخلتَ ذرِّيتَكَ
النَّارَ . فقال آدمُ : يا موسى ! اصطفاكَ الله برسالاتِهِ وبكلامِه ، وأنزلَ عليكَ التوراةَ ، فهل وجدتَ أني
أهبطُ ؟ قال : نعم . قال : فحجَّه آدمُ)(١) وهذا على شرطهما، ولم يُخرِّجاه من هذا الوجه . وفي قوله :
أدخلتَ ذَرِّيتك النَّار ، نكارة .
فهذه طرقُ هذا الحديث عن أبي هريرة ، رواه عنه حُمَيْد بن عبد الرحمن ، وذَكْوان أبو صالح
السَّمَّان، وطاووس بن كَيْسان، وعبدُ الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، وعمَّار بن أبي عمَّاز ، ومحمّدُ بن
سيرين ، وهمَّام بن مُنبّه ، ويزيدُ بن هُزمز ، وأبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن .
وقد رواه الحافظ أبو يَعلى المَوْصلي في (( مسنده (٢): من حديث أمير المؤمنين عمرَ بن الخطّاب
رضي الله عنه فقال : حدَّثنا الحارثُ بن مسكين المصري ، حذَّثنا عبدُ الله بن وَهْب ، أخبرني هشامُ بن
سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطّاب، عن النبيِّ وَرَ، قال: ((قال موسى عليه
السلام : يا ربِّ أرنا آدمَ الذي أخرجنَا ونفسَه من الجنَّةِ . فأراه آدم عليه السلام . فقال : أنت آدمُ ؟ فقال :
نعم . قال : أنتَ الذي نفخَ الله فيك من روحه ، وأسجد لك ملائكته ، وعلَّمك الأسماء كلّها ؟ قال :
نعم . قال : فما حملكَ على أنْ أخرجتَنا ونفسَك من الجنَّة ؟ فقال له آدم : منْ أنتَ ؟ قال : أنا موسى .
قال : أنت موسى نبيُّ بني إسرائيل؟ أنتَ الذي كلَّمكَ الله من وراء الحجاب، فلم يجعلْ بينك وبينَه رسولًا
من خَلْقِهِ ؟ قال : نعم . قال : تلومُني على أمرٍ قد سبقَ من الله عزَّ وجلَّ القضاءُ به قبلُ ؟! قال رسول الله
حٌَّ : فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى)) .
ورواه أبو داود(٣) : عن أحمد بن صالح المِصْري، عن ابن وَهْب، ب(٤).
قال أبو يعلى: وحدَّثنا محمد بن المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الملك بن الصباح المِسْمعيّ، حدَّثنا عِمْران ،
عن الوُدَيْنِيِّ بن أبي مِجْلٍ، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمرَ ، عن عمرَ - قال أبو محمد : أكبرُ ظنِّي أنَّه
رفعه - قال: (( التقى آدمُ وموسى، فقالَ موسى لآدمَ: أنتَ أبو البشر، أسكنكَ الله جنَّته، وأسجدَ لكَ
ملائكتَه ؟ قال آدمُ : يا موسى ! أما تجدُه عليَّ مكتوباً؟ قال: فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى (٥) .
وهذا الإسناد أيضاً لا بأسَ به ، والله أعلم .
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢٦٨/٢)، وهو حديث صحيح دون قوله: ((أدخلتَ ذريتك الجنة)).
(٢) (٢٤٣) وهو حديث حسن .
(٣) أخرجه أبو داود ( ٤٧٠٢) في القدر.
(٤) في إسناده ضعف ، ولکن له شواهد يقوى بها .
(٥) أخرجه أبو يعلى في المسند (٢٤٤) وهو حديث حسن .

١٣٢
ذكر احتجاج آدم وموسى
وقد تقدَّمُ (١) روايةُ الفضل بن موسى لهذا الحديث ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد.
وروايةُ الإمامُ(٢) أحمد له عن عفَّان، عن حمّاد بن سلمة، عن حُمَيْد ، عن الحسن ، عن رجلٍ . قال
حمّاد: أظنُّه جُنْدُب بن عبد الله البَجَليّ، عن النبي ◌َِّ: ((لقيَ آدمُ موسى ... )) فذكرَ معناه.
وقد اختلفتْ مسالكُ النَّاس في هذا الحديث ؛ فردّه قومٌ من القدريَّة ، لما تضمَّن من إثبات القدر
السابق .
واحتجَّ به قومٌ من الجبرية، وهو ظاهر لهم بادىءَ الرأي، حيث قال: فحجَّ آدمُ موسى، لمَّا احتجّ
عليه بتقديم كتابه ، وسيأتي الجوابُ عن هذا .
وقال آخرون (٣) : إنما حجَّه لأنه لامَه على ذَنْبٍ قد تابَ منه، والتَّائبُ من الذنب كمن لا ذَنْبَ له .
وقيل : إنما حجَّه لأنه أكبر منه وأقدم . وقيل : لأنه أبوه . وقيل : لأنهما في شريعتين متغايرتين .
وقيل : لأنهما في دار البرزخ ، وقد انقطعَ التكليف فيما يزعمونه .
والتحقيقُ أنَّ هذا الحديث رُوي بألفاظٍ كثيرةٍ بعضُها مرويٌّ بالمعنى ، وفيه نظر . ومدارُ معظمها في
الصحيحين وغيرهما على أنَّه لامَه على إخراجه نفسَه وذريَّته من الجنَّةِ ، فقال له آدم : أنا لم أخرجْكم ،
وإنما أخرجَكم الذي رتَّب الإخراج على أكلي من الشجرة، والذي رتَّب ذلك وقدَّره وكتبَه قبلَ أنْ أُخلقَ هو
الله عز وجل ، فأنتَ تلومُني على أمر ليس له نسبة إليّ أكثر ما أنّي نُهيتُ عن الأكل من الشجرة ، فأكلتُ
منها ، وكون الإخراج مترتباً على ذلك ليس من فعلي ، فأنا لم أخرجْكم ولا نفسي من الجنَّة ، وإنما كان
هذا من قدرة الله وصُنْعه ، وله الحكمةُ في ذلك ، فلهذا حجَّ آدمُ موسى .
ومن كذَّب بهذا الحديث فمعاندٌ ، لأنه متواترٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه، وناهيك به عدالةً وحفظاً
وإتقاناً . ثم هو مرويٌّ عن غيره من الصحابة كما ذكرنا .
ومن تأوَّله بتلك التأويلات المذكورة آنفاً فهو بعيدٌ من اللفظ والمعنى . وما فيهم منْ هو أقوى مَسْلكاً
من الجبريّة ، وفيما قالوه نظرٌ من وجوه :
أحدها : أن موسى عليه السلام لا يلوم على أمر قد تابَ منه فاعلهُ .
الثاني: أنه قد قتلَ نفساً لم يُؤمر بقتلها ، وقد سأل اللهَ في ذلك بقوله: ﴿رَبِّ إِنِِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِي
فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦] الآية.
الثالث : أنه لو كان الجواب عن اللَّوْم على الذنب بالقدر المتقدم كتابته على العبد ، لانفتحَ هذا لكل
(١) تقدم الحدیث وتخريجه ص ( ١٢٨).
(٢) تقدم الحديث وتخريجه ص(١٣٠ ).
(٣) في هامش ((أ)): كلام في احتجاج آدم على موسى عليهما السلام .

١٣٣
ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم
من لِيْمَ على أمر قد فعلَه ، فيحتج بالقدر السابق ، فينسدُّ باب القصاص والحدود . ولو كان القَدَر حَجَّةً ،
لاحتجَّ به كلُّ أحد على الأمر الذي ارتكبه في الأمور الكبار والصغار ، وهذا يُفضي إلى لوازم فظيعة ، فلهذا
قال من قال من العلماء : بأن جواب آدم إنما كان احتجاجاً بالقَدَر على المصيبة لا المعصية ، والله أعلم .
ذکر
الأحاديث الواردة في خلق آدم
قال الإمام أحمد : حدَّثنا يحيى ومحمد بن جعفر، حذَّثنا عَوْف، حدَّثني قَسَامة بن زُهير ، عن
أبي موسى، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ من قَبْضةٍ قبضَها من جميع الأرض، فجاءَ بنو آدمَ
على قَدْرِ الأرضِ ، جاءَ منهم الأبيضُ والأحمرُ والأسودُ وبين ذلك. والخبيثُ وَالطَّيِّبُ والسَّهْلُ والحَزنُ
وبين ذلك (١) .
ورواه أيض٢ً) : عن هوذةَ ، عن عَوْف، عن قَسَامة بن زُهير ، قال: سمعتُ الأشعريَّ قال : قال
رسولُ اللهِ وَّمَ: ((إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ من قَبْضَةٍ قبضَها من جميع الأرضِ ، فجاءَ بنو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ ،
فجاءَ منهم الأبيضُ والأحمرُ والأسودُ وبينَ ذلك. والسَّهْلُ والحَزْنُ ، وبين ذلك، والخبيثُ والطَّيِّبُ ،
وبينَ ذلكَ)) .
وكذا رواه أبو داود والترمذي وابن حِبَّان في ((صحيحه(٣) : من حديث عوف بن أبي جميلة
الأعرابي، عن قَسَامة بن زُهير المازني البَصْري، عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشْعري، عن النبيِّ وَّهـ
بنحوه . وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقد ذكر الشُّدِّي : عن أبي مالك ، وأبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن
ناس من أصحابِ رسول الله بِّه، قال: ((فبعثَ الله عزَّ وجلَّ جبريلَ في الأرض ، ليأتيَه بطينٍ منها ،
فقالت الأرضُ : أعوذُ بالله منكَ أن تنقص مني أو تشينني ، فرجعَ ولم يأخذ ، وقال : ربِّ إنها عاذتْ بكَ
فأعذتُها ، فبعث ميكائيلَ فعادتْ منه فأعاذَها ، فرجعَ فقال كما قالَ جبريلُ ، فبعَثَ مَلَك الموتِ فعادتْ
منه ، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجعَ ولم أَنَفِذْ أمرَه ، فأخذَ من وجه الأرض وخلَطه ، ولم يأخذ من مكان
واحد ، وأخذَ من تربةٍ بيضاءَ وحمراء وسوداءَ ، فلذلكَ خرجَ بنو آدم مختلفينَ ، فصَعِدَ به فَلَّ الترابَ حتى
(١) في المسند (٤/ ٤٠٠).
(٢) في المسند ( ٤٠٦).
(٣) أخرجه أبو داود ( ٤٦٩٣) في السنة ، والترمذي ( ٢٩٥٥) في التفسير ، وابن حبَّان في صحيحه ( ٦١٦٠ )
الإحسان .

١٣٤
ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم
عاد طيناً لازباً - واللازب؛ هو الذي يلزق بعضه ببعض - ثم قال للملائكة: ﴿إِ خَلِقٌ بَشَرًّاً مِّنِ طِينٍ
) فَإِذَا
سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَفَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ [ص: ٧١ -٧٢])).
فخلقَه الله بيده لئلا يتكبّرَ إبليس عنه ، فخلقَه بشراً ، فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار يوم
الجمعة، فمرَّت به الملائكةُ، ففَزِعُوا منه لمَّا رأَوْه ، وكان أشدَّهم منه فزعاً إبليسُ ، فكان يمرُّ به
فيضربه ، فيُصَوَّتُ الجسدُ كما يُصوِّتُ الفُخَّارُ، يكون له صلصلة ، فذلك حين يقول: ﴿ مِن صَلَّصَلٍ
كَالْفَخَّارِ ﴾ [الرحمن ١٤] ويقول: لأمرٍ ما خُلِقْتَ، ودخلَ من فيه وخرجَ من دُبُره، وقال للملائكة :
لا تَرْهَبُوا من هذا فإن ربّكم صمَدٌ وهذا أجوفُ ، لئن سُلِّطْتُ عليه لأهلكنَّه .
فلما بلغ الحين الذي يُريد الله عزَّ وجلَّ أنْ ينفخَ فيه الرُّوحَ ، قال للملائكة : إذا نفختُ فيه من روحي
فاسجدوا له ، فلما نفخَ فيه الروحَ ، فدخلَ الرُّوحُ في رأسِه عطسَ ، فقالت الملائكة : قل الحمد الله ،
فقال : الحمد الله ، فقال له الله : رحمكَ ربُّكَ . فلما دخلتِ الرُّوح في عينيْه نظرَ إلى ثمار الجنَّة ، فلما
دخلتِ الرُّوح في جوفه ، اشتهى الطعام ، فوثبَ قبل أن تبلغَ الرُّوحُ إلى رجليْه ، عجلانَ إلى ثمار الجنَّة ،
وذلك حين يقولُ الله تعالى: ﴿ خُلِقَ اُلْإِنِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ
٣٠
إِلَّ إِيْلِسَ أَبَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١] وذكرَ تمامَ القِصَّةُ(١)
ولبعض هذا السِّياق شاهدٌ من الأحاديث، وإن كانَ كثير منه مُتلقَّى من الإسرائيليات .
فقال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا عبدُ الصمد، حدَّثنا حمَّاد، عن ثابت، عن أنس، أن النبيَّ ◌َّ قال: ((لما
خلق الله آدمَ تركَه ما شاء أن يدَعَه ، فجعل إبليسُ يطيفُ به ، فلما رآه أجوفَ عرفَ أنَّه خَلْقٌ لا يتمالكُ)).
وقال ابن حبَّان في ((صحيحه)(٣): حدَّثنا الحسنُ بن سفيان، حدَّثنا هُدْبة بن خالد، حدَّثْنا حمّاد بن
سلمة، عن ثابت ، عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ الله وَّرَ قال: ((لما نُفِخَ في آدمَ، فبلغَ الروحُ رأسَه
عطسَ ، فقال : الحمد الله رب العالمين ، فقال له تبارك وتعالى: يرحمك الله)).
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدَّثنا يحيى بن محمد بن السَّكَن ، حَدَّثنا حَبَّان بن هِلال، حدَّثنا مبارك
ابن فَضَالة ، عن عُبيد الله ، عن خُبيب ، عن حَفْص - هو ابن عاصم بن عمر بن الخطاب - عن أبي هُريرة ،
رفَعه، قال: ((لمّا خلق الله آدمَ عطسَ، فقال: الحمدُ لله، فقال له ربُّه: رحمكَ رَبُّك يا آدم)(٤).
وهذا الإسناد لا بأس به ، ولم يُخرِّجوه .
(١) أخرجه الطبري في تاريخه (١/ ٩٠).
(٢) في المسند ( ٣/ ١٥٢).
(٣) الإحسان (٦١٦٥) وإسناده صحيح ، رجاله رجال مسلم .
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي عروبة الحراني، عن يحيى بن محمد، به (٦١٦٤) الإحسان، وهو حديث حسن.

١٣٥
ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم
وقال عمر بن عبد العزيز : لما أُمرتِ الملائكةُ بالسجود ، كان أوَّلُ من سجدَ منهم إسرافيل ، فآتاه الله
أن كتبَ القرآن في جبهته . رواه ابن عساكر(١)
وقال الحافظ أبو يعلى (٢): حدَّثنا عقبةُ بن مُكْرَم، حذَّثنا عمرو بن محمد ، عن إسماعيل بن رافع ،
عن المَقْبُري، عن أبي هريرة، أن رسولَ اللهِنَّه، قال: ((إن الله خلقَ آدمَ من ترابٍ ، ثم جعلَه طيناً، ثم
تركَه حتى إذا كان حماً مسنوناً، خلقه وصوَّره، ثم تركَه، حتَّى إذا كان صَلْصَالًا كالفَخَّارِ )) . قال: فكان
إبليسُ يمرُّ به ، فيقولُ له : لقد خُلِقَتَ لأمرٍ عظيم . ثم نفخَ الله فيه من رُوحه ، فكان أوَّل ما جرى فيه
الرُّوح بصرَه وخياشيمَه، فعطسَ فلقَّاه الله(٣) رحمةَ ربِّه، فقال الله: يرحمك ربك . ثم قال الله : يا آدم !
اذهب إلى هؤلاءِ النَّفَر فانظرْ ماذا يقولونَ ؟ فجاءَ فسلَّمَ عليهم ، فقالوا: وعليكَ السَّلامُ ورحمةُ الله وبركاته .
فقال : يا آدمُ! هذا تحيَُّك وتحيَّةُ ذريَتِك . قال : يا ربِّ وما ذريَّتِي؟ قال : اخترْ يدي يا آدمُ ! قال :
أختارُ يمينَ ربِّي وكلتا يَدَيْ ربِّي يمين، وبسط [الله }٤) كفَّه ، فإذا منْ هو كائنٌ من ذريَّته في كفِّ
الرحمن ، فإذا رجالٌ منهم أفواهُهم النُّور ، فإذا رجلٌ يَعْجبُ آدمُ من نوره . قال : يا ربِّ! من هذا؟
قال : ابنك داود . قال : يا ربِّ! فكم جعلتَ له من العمر . قال : جعلتُ له ستين . قال: يا ربِّ فأتِمَّ
له من عُمري حتى يكونَ له من العمر مئة سنة ، ففعلَ الله ذلك وأشهد على ذلك .
فلما نَفِدَ عمرُ آدم بعثَ الله [إلَيْه ](٤) مَلَكَ الموتِ، فقال آدمُ : أو لم يبقَ من عُمُري أربعون سنة ؟ قال
له المَلَك: أو لم تُعْطها ابنكَ داودَ؟ فجحدَ ذلك، فجحدتْ ذريَّته ، ونسي فنسيتْ ذريَّتُه(٥) .
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار، والترمذي(٦)، والنَّسائي، في ((اليوم والليلة)) من حديث صفوان
ابن عيسى ، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب ، عن سعيد المَقْبري ، عن أبي هريرة ، عن النبيِّ
وَلّة ، وقال الترمذي : حديث حسن غريب من هذا الوجه .
وقال النسائيُ(٧): هذا حديث منكر، وقد رواه محمد بن عَجْلان، عن سعيد المَقْبُري ، عن أبيه ،
عن عبد الله بن سلام قوله(٨)
(١) في تاريخه ؛ كما في الدر المنثور (١٢٣/١).
(٢) في مسنده ١٤ / حديث (٦٥٧٩) .
(٣) في المسند : حمدَ ربِّه .
(٤) ما بين الحاصرتين أثبته من المسند .
(٥)
في إسناده : إسماعيل بن رافع ، ضعيف الحفظ .
(٦) أخرجه الترمذي (٣٣٦٨) في التفسير، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٢١٨).
(٧) انظر عمل اليوم والليلة ( ص٢٣٨) .
(٨) المقصود : من قول عبد الله بن سلام، فهو موقوف، وقد سقطت كلمة: ((قوله )) من المطبوع.

١٣٦
ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم
وقد رواه أبو حاتم بن حِبّان في ((صحيحه))، فقال(١): حدَّثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ، حدَّثنا
محمَّد بن بشَّار ، حدَّثنا صَفْوانُ بن عيسى ، حدَّثنا الحارثُ بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب ، عن سَعيد
المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّمَ: ((لما خلق الله آدمَ ونفخَ فيه الرُّوحَ عطسَ ، فقال:
الحمدُ الله ، فحمدَ الله بإذن الله . فقال له ربُّه: يرحمُك ربُّك يا آدم ، اذهبْ إلى أولئكَ الملائكة ، إلى ملأ
منهم جلوسٌ ، فسلِّم عليهم ، فقال : السَّلام عليكم . فقالوا : وعليكم السَّلام ورحمة الله . ثم رجعَ إلى
ربِّه، فقال: هذه تحيَّتُك وتحيَّةُ بنيكَ بينهم . وقال الله - ويداهُ مقبوضتان - اختر أيهما شئتَ. فقال :
اخترتُ يمينَ ربِّي ، وكلتا يديْ ربِّي يمينٌ مباركة . ثمَّ بسطَهما فإذا فيهما آدمُ وذريَّتُه . فقال : أي ربِّ :
ما هؤلاء ؟ قال : هؤلاء ذريّتُك ، وإذا كلُّ إنسان منهم مكتوبٌ عمرُه بين عينيْه ، وإذا فيهم رجل أضْوَؤُهم
- أو منْ أضْوَئِهم - لم يُكتبْ له إلا أربعونَ سنة. قال: يا ربِّ! ما هذا؟ قال: هذا ابنُك داود ، وقد كتبَ
الله داود ، وقد كتبَ الله عمرَه أربعين سنة . قال : أي ربِّ: زدْ في عُمُره . فقال : ذاكَ الذي كُتِبَ له .
قال : فإنِّي قد جعلتُ له من عُمُري ستينَ سنة . قال : أنتَ وذاك، اسكن الجنَّة ، فسكنَّ الجنَّة ما شاءً
الله ، ثم أُهبطَ منها .
وكان آدمُ يعدُّ لنفسه ، فأتاه مَلَكُ الموتِ ، فَقالَ له آدمُ : قد عجلتَ قد كتبَ لي ألفَ سنةٍ . قال :
بلى ، ولكنَّك جعلتَ لابنكَ داودَ منها ستينَ سنةً، فجَحَدَ آدمُ فجَحَدَتْ ذَرِّيتُهُ ، ونسيَ فنسيتْ ذريَّته ،
فيومئذ أمر بالكتابِ والشُّهود)) هذا لفظه .
وقال الترمذي(٢): حدَّثنا عبدُ بن حُميد، حدَّثنا أبو نُعَيْم، حدَّثنا هشام بن سَعْد ، عن زيد بن أسلمَ ،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله وَّهُ: ((لما خلقَ الله آدمَ مسحَ ظهرَه، فسقطَ من
ظهره كلُّ نَسَمةٍ هو خالقُها من ذريَّته إلى يوم القيامة ، وجعلَ بينَ عينيْ كلِّ إنسانٍ منهم وَبِيْص٣ً) من نور ،
ثم عرضَهم على آدمَ ، فقال : أيْ ربِّ! منْ هَؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريَّتُك . فرأى رجلاً منهم فأعجبَه
وبيصُ ما بينَ عينيْه ، فقال: أي ربّ! منْ هذا؟ قال : هذا رجلٌ من آخر الأمم من ذريَتِكَ ، يقال له :
داود . قال : ربِّ وكم جعلتَ عمرَه . قال : ستينَ سنة . قال : أي ربّ زِدْه من عُمري أربعين سنةً .
فلما انقضى عمرُ آدمَ جاءَه مَلَكُ الموت . قال : أو لم يبقَ من عُمُري أربعونَ سنة . قال : أو لم تُعْطِها ابنَك
داود . قال : فجحدَ فجَحَدتْ ذريَّته ، ونسي آدمُ، فنسيتْ ذريَّتُه، وخَطِىءَ آدمُ فَخطئتْ ذريَّتَهُ)» ثم قال
الترمذي: حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي وَطير.
(١) الإحسان ( ٦١٦٧).
في جامعه ( ٣٠٧٦ ) في التفسير .
(٢ )
الوبيص : البريق .
(٣)

١٣٧
ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم
ورواه الحاكم في ((مستدركه)(١): من حديث أبي نُعيم الفَضْل بن دُكَيْن ، وقال : صحيح على شرط
مسلم ، ولم يُخرِّجاه .
وروى ابن أبي حاتم : من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عطاء بن يسار ، عن-
أبي هريرة مرفوعاً ... فذكرَه، وفيه: (( ثم عرضهم على آدمَ، فقال: يا آدم هؤلاء ذريَّتُك، وإذا فيهم
الأجْذم والأبْرص والأعمى ، وأنواع الأسقام . فقال آدم : يا ربِّ! لمَ فعلتَ هذا بذريَّتِي ؟ قالَ : كيْ
تشكرَ نعمتي )٧ ٢) .
ثم ذكرَ قصة داود ، وستأتي من رواية ابن عباس أيضاً .
وقال الإمام أحمد في ((مسنده (٣): حدَّثنا الهيثمُ بن خارجة ، حدَّثنا أبو الربيع ، عن يونسَ بن
ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((خلقَ الله آدمَ حين خلقَه، فضربَ
كتفَه اليُمْنى، فأخرجَ ذريَّةٌ بيضاءَ كأنَّهم الذرُّ، وضربَ كتفَه اليُسْرى فأخرجَ ذريَّةً سوداءً كأنَّهم الحُمَمُ(٤) .
فقالَ للذي في يمينه : إلى الجنة ولا أبالي ، وقال للذي في كَفُّه الْيُسْرى: إلى النَّار ولا أُبالي)).
وقال ابن أبي الدنيا): حدَّثنا خَلفُ بن هشام، حدَّثنا الحَكم بن سِنَان، عن حَوْشب ، عن
الحسن ، قال : خلق الله آدمَ حين خلقَه ، فأخرجَ أهلَ الجنَّة من صَفْحته اليُمنى، وأخرجَ أهلَ النَّار من
صَفْحَته اليُسْرى، فأُلُقُوا على وجه الأرض ، منهم الأعمى والأصمُّ والمبتلى. فقال آدم: يا ربُّ! ألا
سوَّيتَ بينَ ولدي ؟! قال : يا آدم إني أردتُ أنْ أُشكَر .
وهكذا روى عبدُ الرَّزاق : عن معمر ، عن قتادة ، عن الحسن ، بنحوه .
وقد قال البخاري(٦): حدَّثنا عبدُ الله بن محمد، حذَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا مَعْمر ، عن هَمَّام بن
مُنّه ، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ نَّه، قال: (( خلق الله آدمَ وطولُه ستونَ ذراعاً، ثم قال : اذهبْ فسلِّم
على أولئكَ من الملائكة ، واستمع ما يجيبونكَ ، فإنها تحيَّتُك وتحيَّةُ ذريَتِك . فقال : السَّلام عليكمُ .
فقالوا : السلام عليكَ ورحمةُ الله . فزادوه : ورحمةُ الله . فكلُّ منْ يدخلُ الجنَّةَ على صُورة آدمَ ، فلم يزلِ
الخلقُ ينقصُ حتَّى الآن » .
(١) المستدرك (٣٢٥/٢).
أخرجه ابن أبي حاتم في علل الحديث (٨٨/٢).
(٢)
(٣) المسند (٦/ ٤٤١) . وإسناده ضعيف.
(٤) الحُمَم : جمع الحُمَمة ، وهي الفحم .
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا (١٦٢) في كتاب الشكر، وفي إسناده : الحكم بن سنان الباهلي ، أبو عون البصري .
ضعيف . انظر ميزان الاعتدال (١/ ٥٧١) .
(٦) في صحيحه (٣٣٢٦) في الأنبياء .

١٣٨
ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم
وهكذا رواه البخاريُّ في كتاب الاستئذانُ(١) : عن يحيى بن جعفر ، ومسلم : عن محمد بن رافع ،
كلاهما عن عبد الرزاق به .
وقال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا رَوْح، حدَّثْنا حمَّاد بن سلمةَ ، عن عليٍّ بن زيد ، عن سعيد بن
المسيِّب، عن أبي هريرة؛ أن رسولَ اللّهِبِّهقال: ((كانَ طولُ آدمَ ستينَ ذِراعاً في سبعُ(٣) أذرعٍ عرضاً)).
انفرد به أحمد .
وقال الإمام أحمد(٤): حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حمّاد بن سلمةَ، عن عليّ بن زيد ، عن يُوسف بن
مِهْران، عن ابن عبّاس، قال: لما نزلتْ آيةُ الدين قال رسولُ الله وَّةِ: ((إنَّ أوَّلَ من جحدَ آدمُ، إنَّ أوَّلَ
من جحدَ آدمُ ، إنَّ أوَّلَ من جحدَ آدمُ (٥)، إنَّ اللهَ لما خلقَ آدمَ ، مسحَ ظهرَه، فأخرجَ منه ما هو ذارى(٦)
إلى يوم القيامة، فجعلَ يعرضُ ذُريَّتَه عليه، فرأى فيهم رجلاً يَزْهر(٧) . قال : أي ربِّ! منْ هذا ؟ قال :
هذا ابنُك داود . قال : أي ربِّ! كم عمرُه ؟ قال: ستون عاماً . قال : أي رب زدْ في عُمُره . قال : لا ،
إلا أن أزيده من عُمُركَ. وكان عمرُ آدمَ ألفَ عامٍ ، فزاده أربعين عاماً . فكتبَ الله عليه بذلك كتاباً ، وأشهدَ
عليه الملائكة ، فلما احْتُضِرَ آدمُ أتته الملائكة لقَبْضِه . قال: إنه قد بقيَ من عُمْري أربعونَ عاماً . فقيل
له : إنك قد وهبتَها لابنكَ داود. قال: ما فعلتُ. وأبرزَ الله عليه الكتابَ، وشهدتْ عليه الملائكة)(٨).
وقال أحمد (٩): حذَّثنا أسودُ بن عامر، حدَّثنا حمّاد بن سلمة، عن عليٍّ بن زيد ، عن يوسفَ بن
مِهْران، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله بِّل: ((إن أوَّلَ منْ جحدَ آدمُ - قالها ثلاث مرَّات - إنَّ الله
عزَّ وجلَّ لما خلقَه مسحَ ظهرَه ، فأخرجَ ذريَّتَه ، فعرضَهم عليه، فرأى فيهم رجلاً يَزْهرُ ، فقال : أي
ربِّ! زدْ في عُمُره. قال: لا، إلا أن تزيدَه أنت من عُمُرك. فزادَه أربعينَ سنةً من عُمُره، فكتبَ
في صحيحه ( ٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١) في الجنة وصفة نعيمها وأهلها .
(١)
(٢)
أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥٣٥) وفي إسناده : علي بن زيد بن جدعان ؛ ضعيف ، وفي حديثه نكارة .
(٤)
(٣)
في المسند : سبعة .
في المسند (٢٥٢/١).
(٥) كذا في الأصل، كررها ثلاثاً وفي المسند: ((إن أوَّل من جحدَ آدم عليه السلام - أو أول من جحد آدم ... إلخ))،
فالتكرار ثلاث مرات ليس في حديث عفان ، وإنما في حديث أسود بن عامر الآتي بعده .
(٦)
ذارىءٌ : خالق ، من صفات الله عزَّ وجلّ .
(٧) يَزْهَرُ: يتلألأ، ويُضيء حسناً.
وفي إسناده : علي بن زيد بن جدعان ، ويوسف بن مهران ، ضعيفان . وحديث ابن حبان ( ٦١٦٧ ) المتقدم شاهد
(٨)
قوي يعضده ويُقوِّيه .
(٩) في المسند. (٢٩٩/١).

١٣٩
ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم
الله تعالى عليه كتاباً ، وأشهدَ عليه الملائكةَ ، فلما أراد أن يقبضَ روحَه ، قال : إنَّه بقيَ من أجلي أربعونَ
سنةً ، فقيل له : إنَّك قد جعلتَها لابنكَ داود. قال : فجحدَ . قال : فأخرجَ الله الكتابَ وأقامَ عليه البيّنة ،
فأتمَّها لداودَ مئة سنةٍ، وأتم لآدمَ عمرَه ألفَ سنةٍ )) . تفرد به أحمد وعلي بن زيد في حديثه نكارةً(١) .
ورواه الطبراني (٢): عن علي بن عبد العزيز، عن حجَّاج بن مِنْهال، عن حمَّاد بن سلمةَ ، عن
عليٍّ بن زيد، عن يوسفَ بن مِهْران، عن ابن عبّاس. وغير واحد: عن الحسن ، قال: لما نزلتْ آيةٌ
الدَّيْنِ قالَ رسولُ اللهِوَ ◌َّ: ((إنَّ أوَّلَ من جحدَ آدم)» ثلاثاً. وذكرَه .
وقال الإمام مالك بن أنس في ((موطئه)): عن زيد بن أبي أُنَيْسَةَ، أنُ(٣) عبد الحميد بن عبد الرحمن
ابن زيد بن الخطّاب أخبرَه ، عن مسلم بن يسار الجهني : أن عمرَ بن الخطّاب سُئل عن هذه الآية :
﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ وَأَشْهَلَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَتِكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [ الأعراف: ١٧٢].
الآية. فقال عمرُ بن الخطّاب: سمعتُ رسول الله وَ ◌َّ سُئل عنها، فقال: ((إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ عليه السلام ،
ثُمَّ مسحَ ظهرَه بيمينه ، فاستخرجَ منه ذريَّةً . قال : خلقتُ هؤلاء للجنَّة ، وبعملِ أهلِ الجنَّةِ يعملونَ ، ثم
مسحَ ظهرَه فاستخرجَ منه ذريَّةً . قال : خلقتُ هؤلاء للنَّار وبعملِ أهل النَّار يعملون)) . فقال رجلٌ :
يا رسول الله! ففيمَ العملُ؟ قال رسولُ الله بَّهِ: ((إذا خلقَ الله العبدَ للجنَّة استعمَله بعمل أهل الجنَّة،
حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنَّة . وإذا خلقَ الله العبدَ للنَّار استعملَه بعملِ أهلِ
النَّار حتَّى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل النَّار فيدخل به النَّار)(٤) .
وهكذا رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذيُّ ، والنَّسائي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ،
وأبو حاتم بن حِبَّان في صحيحه ، من طرق عن الإمام مالك(٥) ، به . وقال الترمذيُّ: هذا حديث حسن ،
ومسلم بن يسار لم يسمع عمر . وكذا قال أبو حاتم وأبو زرعة ، زاد أبو حاتم : وبينهما نعيم بن ربيعة .
وقد رواه أبو داود(٦) عن محمَّد بن مُصفَّى، عن بقية، عن عمر بن جُعْثُم ، عن زيد بن أبي أُنَيْسة ،
عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، عن مسلم بن يسار ، عن نعيم بن ربيعة ، قال :
(١) وهو ضعيف، ويوسف بن مهران ؛ ليِّن. وبهامش المسند: حسن لغيره، دون قوله: ((فأتمها لداود مئة سنة ،
وأتمَّ لآدم عمره ألف سنة)) .
(٢) في الكبير (١٢٩٢٨) وذكره البيهقي في سننه الكبرى (١٤٦/١٠) والطيالسي في المسند (ص ٣٥٠) والسيوطي
في الدر المنثور (٢/ ١١٧) وفي إسناده عدة من الضعفاء .
(٣) في الموطأ: (٢/ ٨٩٨) عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ؛ أنه أخبره عن مسلم بن يسار .
(٤) أخرجه مالك في الموطأ (٨٩٨/٢ - ٨٩٩).
(٥) أخرجه أحمد في المسند (٤٤/١-٤٥) وأبو داود (٤٧٠٣) في السنة، والترمذي ( ٣٠٧٥) في التفسير ، والنسائي في تفسيره
(٢١٠)، والطبري في تفسيره (١١٣/٩) وفي تاريخه (١ /١٣٥) وابن حبان في صحيحه (٦١٦٦) في الإحسان.
(٦) أخرجه أبو داود (٤٧٠٤) في السنة .

١٤٠
ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم
كنتُ عند عمر بن الخطاب وقد سُئل عن هذه الآية .. فذكر الحديث .
قال الحافظ الدارقطني (١) : وقد تابعَ عمر بن جُعْثُم أبو فروة يزيد بن سنان الرهاوي ، عن زيد بن
أبي أُنيسة، قال: وقولُهما أولى بالصواب من قول مالك رحمه الله(٢) .
وهذه الأحاديث كلُّها دالَّة على استخراجه تعالى ذريّة آدمَ من ظهره كالذَّرِّ ، وقسمتهم قسمين : أهل
اليمين وأهل الشمال ، وقال : هؤلاء للجنّة ولا أُبالي، وهؤلاء للنّار ولا أُبالي.
فأما الإشهادُ عليهم واستنطاقُهم بالإقرار بالوحدانية ، فلم يجىء في الأحاديث الثابتة . وتفسير الآية
التي في سورة الأعراف وحملُها على هذا فيه نظرٌ كما بيَّناه(٣) هناك . وذكرنا الأحاديثَ والآثار مستقصاةً
بأسانيدها وألفاظ متونها . فمن أراد تحريره فليراجعه ثمَّ ، والله أعلم .
فأما الحديثُ الذي رواه أحمد(٤): حدَّثنا حُسَيْنُ بن محمَّد، حدَّثنا جريرٌ - يعني ابن حازم - عن
كُلثوم بن جَبْر ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، عن النبيِّ وَّ قال: ((إن الله أخذ الميثاقَ من ظهرٍ
آدمَ عليه السلام بنُعْمان يوم عرفة، فأخرجَ من صُلْبه كلَّ ذريَّةٍ ذرأها ، فنثرَها بين يديه ، ثم كَلّمَهُم قُبُلاً ،
قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدِنَّأُ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّاً عَنْ هَذَا غَفِلِينَ
ـَ أَوْ نَقُولُواْ ﴾ إلى قوله :
اُلْمُبْطِلُونَ﴾ [ الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣ ])) فهو بإسناد جيد قويّ على شرط مسلم .
رواه النَّسائي، وابن جرير، والحاكم في ((مستدركه)(٥) من حديث حُسين بن محمد المروزي ، به،
وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يُخرِّجاه ، إلا أنه اختلف فيه على كُلثوم بن جَبْر ، فروي عنه مرفوعاً
وموقوفاً. وهكذا رُوي عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس موقوفا٦ً) . وهكذا رواه العوفي والوالبي والضخّاك
وأبو جمرة عن ابن عباس قوله . وهذا أكثرُ وأثبتُ ، والله أعلم . وهكذا رُوي عن عبد الله بن عمر(٧)
موقوفاً ومرفوعاً والموقوف أصحٌ(٨) .
(١) انظر العلل؛ للدار قطني (٢٢٢/٢).
(٢) قال ابن عبد البر في التمهيد بعد أن ساق حديث مسلم بن يسار عن عمر المنقطع، وبيّن أن بينهما دحيم بن ربيعة:
((وهو أيضاً مع هذا الإسناد لا تقوم به حجة، ومسلم بن يسار هذا مجهول، وقيل: إنه مدني، وليس بمسلم بن يسار
البصري)) ثم قال: ((زيادة من زاد في هذا الحديث نعيم بن ربيعة ليست حجة، لأن الذي لم يذكره أحفظ، وإنما تقبل
الزيادة من الحافظ المتقن)) ( التمهيد ٣/٦ -٦).
(٣)
انظر تفسير ابن كثير (٣٢٩/٢-٣٣١).
(٤)
خرجه أحمد في المسند (٢٧٢/١) مرفوعاً ، ورجّح الحافظ ابن كثير بعد قليل وقفه .
(٥) أخرجه النسائي (١١١٩١) في الكبرى، والطبري في تفسيره (١١٠/٩ - ١١١) والحاكم في المستدرك (٥٤٤/٢).
(٦)
في أ : مرفوعاً .
(٧)
انظر تفسير ابن كثير (٣٣٠/٢ - ٣٣١).
(٨) قال النسائي عن الحديث المرفوع : ليس بالمحفوظ .