النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١
باب خلق الجان وقصة الشيطان
وقال البخاري(١): حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شعبةُ، عن منصور، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن كُرَيْب،
عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله وَّهُ: ((لو أنَّ أحدكم إذا أراد أنْ يأتيَ أهلَه قال: اللَّهُمَّ جَنِّبنا الشيطانَ
وجَنِّبِ الشيطان ما رزقتني ، فإن كان بينهما ولدٌ لم يضرّه الشيطان ولم يُسلَّطْ عليه)). قال: وحدَّثنا
الأعمشُ ، عن سالم ، عن كُرَيْب ، عن ابن عبّاس ، مثله .
ورواه أيضا٢ً): عن موسى بن إسماعيل ، عن همَّام ، عن منصورٍ ، عن سالم ، عن كُرَيب ، عن ابن
عَبَّاس، عن النبيِّ وَّرِ قال: ((أما لو أنَّ أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللَّهُمَّ جَنِّبنا الشيطانَ، وجَنِّب
الشيطانَ ما رزقتنا ، فرُزقا ولداً لم يضرَّه الشيطانُ )).
وقال البخاري(٣): حدَّثنا إسماعيلُ، قال أخي ، عن سليمانَ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن
المسيّب، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَّه قال: ((يعقدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسٍ أحدكم إذا هو نامَ
ثلاثَ عُقدٍ ، يضربُ على كلِّ عُقْدةٍ مكانَها : عليكَ ليلٌ طويلٌ فارقدْ . فإن استيقظَ فذكرَ الله انحلَّت عُقْدةٌ ،
فإِنْ توضَّأ انحلَّت عُقْدةٌ ، فإن صلَّى انحلَّتْ عُقَدُهُ كلُّها، فأصبحَ نشيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ ، وإلا أصبحَ خبيثَ
النَّفْس كسلانَ )» هكذا رواه منفرداً به من هذا الوجه .
وقال البخاري(٤): حدَّثنا إبراهيم بن حمزة ، حدَّثني ابن أبي حازم ، عن يزيدَ - يعني ابن الهاد - عن
محمد بن إبراهيمَ ، عن عيسى بن طلحةَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّ قال: ((إذا استيقظَ أحدُكم من
منامِهِ فتوضَّأَ فليستنثرْ ثلاثاً ، فإن الشيطانَ يبيتُ على خَيْشُومِهِ )) .
ورواه مسلم(٥): عن بشر بن الحكم ، عن الدراوردي ، والنسائي(٢) عن محمد بن زنبور ، عن
عبد العزيز بن أبي حازم ، كلاهما عن يزيد بن الهاد به .
وقال البخاريّ(٧): حدَّثنا عثمان بن أبي شيبةَ، قال جريرٌ ، عن منصورٍ ، عن أبي وائل ، عن
عبد الله، قال: ذُكرَ عند النبيِّوََّ رجلٌ نامَ ليلة حتى أصبحَ، قال: ((ذاكَ رجلٌ بالَ الشيطانُ في أذنيْه )) أو
قال: (( في أُذنهِ » .
ورواه مسلم(٨) : عن عثمان وإسحاق ، كلاهما عن جرير ، به .
(١) في صحيحه ( ٣٢٨٣) في بدء الخلق .
(٢) في صحيحه (٣٢٧١) في بدء الخلق .
(٣) في صحيحه ( ٣٢٦٩) في بدء الخلق .
(٤) في صحيحه (٣٢٩٥) في بدء الخلق .
(٥)
في صحيحه ( ٢٣٨) في الطهارة .
(٦) في المجتبى (١/ ٦٧) في الطهارة .
(٧) في صحيحه ( ٣٢٧٠) في بدء الخلق .
(٨) في صحيحه ( ٧٧٤ ) في صلاة المسافرين .
١٠٢
باب خلق الجان وقصة الشيطان
وأخرجه البخاريُّ أيضاً، والنَّسائيُّ، وابن ماجه (١) ، من حديث منصور بن المعتمر به .
وقال البخاري(٢): حدَّثنا محمد بن يُوسف ، أخبرنا الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن
أبي سلمةَ، عن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسول الله وَّةِ: ((إذا نُودي بالصَّلاة أدبرَ الشيطانُ وله ضُراطٌ ،
فإذا قُضِيَ أقبلَ ، فإذا تُوَّبَ بها أدبرَ ، فإذا قُضِيَ أقبلَ حتَّى يخْطِرَ بين الإنسان وقلبهِ ، فيقولُ : اذكرْ كذا
وكذا ، حتى لا يَدري أثلاثاً صلَّى أم أربعاً، فإذا لم يدرِ أثلاثاً صلَّى أم أربعاً سجدَ سجدتَي السَّهْو)) هكذا
رواه منفرداً به من هذا الوجه .
وقال أحمد (٣): حدَّثنا أسودُ بن عامر، حدَّثنا جعفر - يعني الأحمر - عن عطاء بن السائب ، عن
أنس، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّه: ((راضُوا الصفوفَ فإن الشيطانَ يقومُ في الخلل)).
وقال أحمد(٤): حدّثنا أبان، حدَّثنا قتادة، عن أنس بن مالك، أنَّ نبيَّ اللهِ لَهكان يقولُ: ((راضُوا
صُفوفكم وقاربُوا بينها ، وحاذُوا بين الأعناق ، فوالذي نفسُ محمَّدٍ بيده إني لأرى الشيطان يدخل بين
خلل الصف كأنَّهُ الحَذَف » .
وقال البخاري(٥): حدَّثنا أبو مَعْمر، حذَّثنا عبدُ الوارث، حدَّثنا يونسُ، عن حُميدٍ بن هلالٍ ، عن
أبي صالح، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((إذا مرَّ بين يديْ أحدكُم شيء [وهو يُصلِّ ]
فليمنعْه ، فإن أبى فليمنعْه ، فإن أبى فليقاتلْه ، فإنما هو شيطان)).
ورواه أيضاً مسلم وأبو داود(٦) من حديث سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال به .
وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا أبو أحمد ، حدَّثنا مسرَّةُ بن مَعْبد، حدَّثنا أبو عُبيد حاجب سُليمان ،
قال : رأيتُ عطاءَ بن يزيد الليثي قائماً يُصلّي، فذهبتُ أمرُ بين يديْه فردَّني، ثم قال: حدَّثني أبو سعيد
الخُدْرِيّ ؛ أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ قام يُصلِّي صلاةَ الصُّبْح وهو خلفه، فقرأ، فالتبستْ عليه القراءةُ ، فلما فرغَ
من صلاتِه قال : ((لو رأيتموني وإبليس ، فأهويتُ بيدي ، فما زلتُ أخْنقه حتى وجدتُ بردَ لُعابهِ بين
إصبعيَّ هاتين : الإبهام والتي تليها ، ولولا دعوةٌ أخي سُليمان لأصبحَ مربوطاً بساريةٍ من سَواري
(١) أخرجه البخاري (١١٤٤) في التهجد، والنسائي (٢٠٤/٣) في قيام الليل، وابن ماجه (١٣٣٠) في إقامة
الصلاة .
في صحيحه ( ٣٢٨٥) في بدء الخلق .
(٢)
(٣)
في المسند (٣/ ١٥٤) وفيه : فإن الشياطين .
(٤) في المسند (٣/ ٢٦٠) وفيه: فإن الشياطين تدخل. والحَذَفُ: هي الغنم الصِّغار الحجازية، واحدتها حَذَفة.
في صحيحه ( ٣٢٧٤) في بدء الخلق .
(٥)
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه ( ٥١٠ و٢٦٥) في الصلاة ، وأبو داود (٧٠٢) في الصلاة .
(٧) في المسند (٨٢/٣).
١٠٣
باب خلق الجان وقصة الشيطان
المسجد، يتلاعبُ به صِبْيانُ المدينة، فمنِ استطاعَ منكم ألَّ يحولَ بينه وبينَ القِبْلة أحدٌ فليفعلْ)(١) .
وروى أبو داود٢): ((فمن استطاعَ ... )) إلى آخره ، عن أحمد بن سريج ، عن أبي أحمد محمد بن
عبد الله بن الزبير به .
وقال البخاري(٣): حدَّثنا محمود، حدَّثنا شبابة، حدَّثنا شعبة، عن محمّدٍ بن زياد ، عن
أبي هريرة، عن النبي وََّ: أنه صلَّى صلاةً، فقال: ((إنَّ الشيطانَ عرضَ لي، فشدَّ عليّ يقطعُ الصَّلاة
عليّ ، فأمكنني الله منه)) ، فذكر الحديث .
وقد رواه مسلم والنسائي(٤) من حديث شعبةَ به مطوّلاً .
ولفظ البخاري : عند تفسير قوله تعالى إخباراً عن سليمان عليه السلام ؛ أنه قال: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ
لِى مُلْكًا لَا يَنْبَغِى ◌ِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥] من حديثِ روح، وغُنْدَر عن شُعبةَ، عن
محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((إن عفريتاً من الجنِّ تَفَلَّت عليَّ البارحة - أو كلمةً
نحوها - ليقطعَ عليَّ الصَّلاة، فأمكنني الله منه، فأردتُ أن أربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجد، حتَّى
تُصبحوا وتَنظروا إليه كُلُّكم، فذكرتُ قولَ أخي سليمانَ ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَالَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ أَنْتَ
الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥](٥) قال رَوْحٌ: فردَّه خَاسِئاً.
وروى مسلمٌ(٦) : من حديث أبي إدريس، عن أبي الدرداء ، قال: قَامَ رسولُ الله ◌َلاَ يُصلِّي فسمعناه
يقولُ: ((أعوذُ بالله منكَ)) ثم قال: ((ألعنُكَ بلعنةِ الله )) ثلاثاً، وبسطَ يدَه كأنَّه يتناولُ شيئاً، فلمَّا فرغَ من
الصَّلاة ، قلنا : يا رسولَ الله قد سمعناكَ تقولُ في الصَّلاة شيئاً لم نسمعْكَ تقولُه قبلَ ذلكَ ، ورأيناك
بسطتَ يدكَ، فقال: ((إنَّ عدوَ الله إبليسَ، جاءَ بشهابٍ من نار ، ليجعلَه في وَجْهي ، فقلتُ : أعوذ بالله
منك ، ثلاث مراتٍ ، ثم قلتُ : ألعنُكَ بلعنةِ الله التَّامَّة، فلم يستأخر ، ثم أردتُ أخذه ، والله لولا دعوةٌ
أخينا سليمانَ لأصبحَ مُوثَقاً يلعبُ به وِلْدانُ أهلِ المدينة ».
وقال اللهُ تعالى: ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] يعني
الشيطان، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]
فالشيطانُ لا يألو الإنسانَ خبالاً جهده وطاقته ، في جميع أحواله وحركاته وسكناته ، كما صنّف الحافظ
(١) إسناده حسن .
(٢) في سننه (٦٩٩) في الصلاة .
(٣) في صحيحه (٣٢٨٤) في بدء الخلق .
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٥٤١) في المساجد ، والنسائي في سننه الكبرى (١١٤٤٠) في التفسير .
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ( ٤٨٠٨) في التفسير.
(٦) في صحيحه (٥٤٢) في المساجد ومواضع الصلاة .
١٠٤
باب خلق الجان وقصة الشيطان
أبوبكر بن أبي الدنيا- رحمه الله - كتاباً في ذلك سمَّاه ((مكائد الشيطان)(١) وفيه فوائد جمَّة .
وفي سنن أبي داود(٢): أنَّ رسولَ الله وَِّ كان يقولُ في دعائه: ((وأعوذُ بكَ أن يتخبّطني الشيطان عند
الموت )) وروينا في بعض الأخبار أنه قال: يا رب! وعزَّتك وجلالكَ لا أزالُ أَغويهم ما دامتْ أرواحُهم
في أجسادِهم ، فقال الله تعالى : وعزتي وجلالي ولا أزالُ أغفرُ لهم ما استغفروني (٣) . وقال الله تعالى:
﴿ الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًاْ وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [ البقرة: ٢٦٨]
فوعدُ الله هو الحقُّ الصِّدْقُ ، ووعدُ الشيطان هو الباطل .
وقد روى الترمذيُّ، والنَّسائي، وابنُ حبَّان في ((صحيحه)(٤) ، وابن أبي حاتم في تفسيره : من
حديث عطاءِ بن السَّائبِ، عن مُرَّة الهَمْداني، عن ابن مسعود ، قال: قال رسولُ اللهِوَُّ: ((إن للشيطانِ
لَمَّة بابن آدمَ ، وللملك لمَّة، فأما لمَّةُ الشيطان فإيعاد بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، وأما لمَّةُ المَلَكِ فإيعادٌ
بالخير وتصديقٌ بالحقِّ ، فمن وجدَ ذلك فليعلمْ أنَّه من الله فليحمدِ الله ، ومن وجدَ الأخرى فليتعوّذ من
الشيطان ثم قرأ ﴿ الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّنْهُ وَفَضْلًاْ وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾
[ البقرة: ٢٦٨ ])).
وقد ذكرنا في فضل سورة البقرة ٤) ؛ أنَّ الشيطانَ يفرُ من البيت الذي تُقرأ فيه ، وذكرنا في فضل آية
الكرسي (٦) ؛ أنَّ من قرأها في ليلةٍ لا يقربُه الشيطان حتَّى يُصبحَ .
وقال البخاري(١): حدَّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح ، عن
أبي هريرة، أن رسول الله وَّ قال: ((منْ قالَ لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملك وله الحمدُ وهو
على كل شيء قدير مئةَ مرة ، كانت له عدل عشر رقاب ، وكتبت له مئة حسنة ومحيت عنه مئة سيئة ،
وكانت له حِزْزاً من الشيطان يومه ذلك ، حتى يمسي ، ولم يأت أحد بأفضل مما جاءَ به إلا رجل عملَ أكثر
من ذلك)) .
(١) في المطبوع: ((مصائد الشيطان))، والكتاب مطبوع بالقاهرة سنة ١٤١٠ هـ بتحقيق مجدي السيد إبراهيم ١٩٢ ص ،
واسمه (« مكائد الشيطان )) كما أثبتناه .
(٣:
(٢) سنن أبي داود (١٥٥٢) في الصلاة .
أخرجه ابن أبي الدنيا في ((مكائد الشيطان)) ص ٤٣ .
أخرجه الترمذي في سننه (٢٩٨٨) في التفسير، والنسائي (١١٠٥١) في الكبرى، والطبري في التفسير (٨٨/٣)
وابن حبان في صحيحه (٩٩٧) الإحسان . وقال الترمذي : حسن غريب . أقول : وإسناده ضعيف .
واللَّمَّة من الشيطان ، مسٌّ ، واللّمة : الشدة .
انظر تفسير ابن كثير ( ٤٦/١ - ٤٧ ).
(٥)
(٦) المصدر السابق (٣٧٨/١ - ٣٧٩).
(٧) في صحيحه (٣٢٩٣) في بدء الخلق .
١٠٥
باب خلق الجان وقصة الشيطان
وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه (١) من حديث مالك ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال البخاريُّ(٢) : حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن أبي الزِّناد ، عن الأعرج ، عن
أبي هريرة، قال: قال رَّهُ: ((كلُّ ابن آدمَ يطعُنُ الشيطانُ في جَنْبِيهِ بإصبَعِهِ، حينَ يُولَدُ ، غيرَ عيسى بن
مريم ، ذهبَ يطعنُ ، فطعنَ في الحجاب)) . تفرَّد به من هذا الوجه .
وقال البخاري(٣): حدَّثنا عاصمُ بن عليّ، حدَّثنا ابنُ أبي ذئب، عن سعيد المَقْبريِّ، عن أبيه ، عن
أبي هريرة، عن النبيِّ بََّ قال: ((التثاؤبُ منَ الشيطان، فإذا تثاءبَ أحدُكم فليردَّه ما استطاعَ ، فإن
أحدكم إذا قال : ها ، ضحكَ الشيطانُ)) .
ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ، والنسائي(٤) من حديث ابن أبي ذئب به ، وفي لفظ :
((إذا تثاءب أحدُكم فليكظم ما استطاع ، فإن الشيطانَ يدخلُ )) .
وقال الإمام أحمد(٥): حذَّثنا عبدُ الرزاق، أنبأنا سفيان ، عن محمّد بن عجلان ، عن سعيد
المَقْبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّهُ: ((إن اللهَ يُحبُّ العُطاسَ، ويبغضُ أو يكرهُ
التثاؤبَ ، فإذا قال أحدُكم : ها ، ها ، فإن ذلك الشيطان يضحكُ من جوفه)). ورواه الترمذي
والنسائي(٦) ، من حديث محمد بن عجلان ، به .
وقال البخاريّ(٧): حدَّثنا الحسنُ بن الربيع، حدَّثنا أبو الأحوص ، عن أشعث ، عن أبيه ، عن
مسروق، قال: قالت عائشةُ: سألتُ النبيَّ وَ لّ عن التفات الرجل في الصَّلاة؟ فقال: ((هو اختلاسٌ
يختلسُه الشيطانُ من صلاة أحدكم )) . وكذا رواه أبو داود والنسائي(٨) من رواية أشعث بن أبي الشعثاء ،
سليم بن أسود المحاربي ، عن أبيه ، عن مسروق ، به .
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٩١) في الذكر، والترمذي في جامعه (٣٤٦٤) في الدعوات، وابن ماجه (٣٧٩٨) في
ثواب التسبيح .
(٢) في صحيحه (٣٢٨٦) في بدء الخلق.
(٣)
في صحيحه ( ٣٢٨٩) في بدء الخلق .
أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٩٧ و٥١٧) وأبو داود (٥٠٢٨) في الأدب، والترمذي في جامعه (٢٧٤٦) في
(٤)
الأدب ، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٢١٦) .
(٥)
في المسند (٢ /٢٦٥) .
في جامعه (٢٧٤٦) في الاستئذان، والنسائي في اليوم والليلة (٢١٧).
(٦)
(٧) في صحيحه (٧٥١) في صفة الصلاة ، و(٣٢٩١) في بدء الخلق.
(٨) أخرجه أبو داود في سننه ( ٩١٠) في الصلاة، والنسائي ( ٨/٣) في السهو.
١٠٦
باب خلق الجان وقصة الشيطان
وروى البخاريُّ(١): من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير ، حدَّثني عبدُ الله بن أبي قتادة ،
عن أبيه ، قال: قال رسول الله مَّل: ((الرؤيا الصَّالحةُ من الله، والحُلمُ من الشيطان، فإذا حَلَمَ أحدُكم
حُلُماً يخافُه فليبصقْ عن يساره ، وليتعوَّذ بالله من شرِّها فإنها لا تضرُّه )) .
وقال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثْنا مَعْمرٌ، عن همَّام ، عن أبي هريرة ، قال : قال
رسول الله وَّهُ: ((لا يُشيرنَّ أحدُكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدُكم لعلَّ الشيطان أن ينزعَ في
يده ، فيقع في حفرةٍ من النَّار)) .
أخرجاه(٣) من حديث عبد الرزاق .
وقال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَنِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِيْنِّ وَأَعْتَدْنَالَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴾ [ الملك:
٥] وقال: ﴿إِنَّا زَبَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِيِنَةٍ الْكَوَكِبِ اللَ، وَحِفْظَا مِن كُلِّ شَيْطَانِ فَارِدٍ ﴿ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْعَلَا الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن
كُلِّ جَانٍِ ◌َِ دُخُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ◌ِثَ إِلَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْبَعَلُ شِهَابٌ تَاقِبٌ﴾ [ الصافات: ٦ - ١٠] وقال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِ السَّمَآءِ بُرُوجًا وَزَيَّتَهَا لِنَّظِرِينَ (٢٦) وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَنِ رَّحِيمٍ (١) إِلَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنْبَعَهُ
شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ -١٨] وقال تعالى: ﴿ وَمَا نَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٤) وَمَا يَنْبَغِى ◌َهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿وَ إِنَّهُمْ
عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢] وقال تعالى إخباراً عن الجان: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ
حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًّا ◌ِهَ وَأَنَّا كُنَانَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعَ فَمَن يَسْتَمِعِ الْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابَا رَّصَدًا﴾ [ الجن: ٨-٩].
وقال البخاري(٤): وقال الليث: حدَّثني خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال: أنَّ أبا الأسود
أخبرَه، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ◌َّ قال: ((الملائكةُ تتحدَّثُ في العنَان - والعَنانُ : الغمام -
بالأمر يكونُ في الأرضِ فتستمعُ الشياطينُ الكلمةَ ، فتقرُّها في أذنِ الكاهن ، كما تُقُرُّ القارورة ، فيزيدونَ
معها مئة كذبةٍ)). هكذا رواه في صفة إبليس معلّقاً، عن الليث به. ورواه في صفة الملائكة(٥) : عن
سعيد بن أبي مريم ، عن الليث ، عن عُبيد الله بن أبي جعفر ، عن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود ،
عن عروة ، عن عائشة ، بنحوه . تفرَّد بهذين الطريقين دون مسلم .
وروى البخاري في موضع آخر ، ومسلم من حديث الزهري ، عن يحيى بن عروة بن الزبير ، عن
أبيه، قال: قالت عائشة: سأل أناسٌ النبيَّ مَلَّ عن الكَُّّان، فقال: ((إنهم ليسوا بشيء)) فقالوا :
(١) في صحيحه (٣٢٩٢) في بدء الخلق، وأخرجه (٦٩٨٦) في التعبير من حديث عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، عن
أبيه .
(٢) في المسند (٢/ ٢١٧).
(٣)
أخرجه البخاري ( ٧٠٧٢ ) في الفتن ، ومسلم ( ٢٦١٧ ) في البر والصلة .
(٤) في صحيحه ( ٣٢٨٨).
(٥) من صحيحه (٣٢١٠).
١٠٧
باب خلق الجان وقصة الشيطان
يا رسول الله! إنَّهم يُحدِّثوننا أحياناً بشيءٍ فيكون حقّاً، فقال ◌َّهِ: ((تلكَ الكلمةُ من الحقِّ يخطَفُها من الجنِّيِّ
فيُقرْقِرُها في أذن وليّه كقَرْقَرةِ الدَّجاجة ، فيخلطونَ معها [أكثر من ] مئة كذبةٍ)(١) . هذا لفظ البخاري.
وقال البخاري(٢): حدَّثنا الحميديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عمرو ، قال : سمعتُ عكرمةَ ، يقول :
سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: إنَّ نبيَّ اللهِوَلَه قال: ((إذا قضى الله الأمرَ في السَّماء ضربتِ الملائكةُ بأجنحتها
خُضِعاناً لقوله ، كأنه سلسلةٌ على صَفْوان ، حتى إذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا : ماذا قالَ ربُّكم ؟ قالوا : للذي
قال الحقّ ، وهو العلميُّ الكبيرُ . فيسمعُها مسترقُ السمع ، ومسترقُ السَّمع هكذا بعضُهُ فوقَ بعضٍ - ووصفَ
سفيانُ بكفِّه فحرَّفها وبدَّد بين أصابعه - فيسمعُ الكلمةَ فُيُلقيها إلى مَن تحتهَ ، ثم يُلقيها الآخرُ إلى مَنْ تحته ،
حتى يُلقيها على لسان الساحرِ أو الكاهنِ ، فربما أدركَ الشِّهابُ قبلَ أنْ يُلقيها ، وربما ألقاها قبلَ أنْ يُدركه ،
فيكذبُ معها مئة كذبةٍ ، فيقال : أليس قد قال لنا يومَ كذا وكذا : كذا وكذا ، فيُصدَّق بتلكَ الكلمة التي
سُمعتْ من السماء )) انفرد به البخاري .
وروى مسلمُ(٣) : من حديث الزهري ، عن عليٍّ بن الحسين زين العابدين ، عن ابن عبّاس ، عن رجال
من الأنصار ، عن النبي بَّه نحو هذا. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٥
٣٠
حَتَّىَ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِيْنُ ﴾
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُهْتَدُونَ
[ الزخرف: ٣٦ -٣٨] وقال تعالى: ﴿﴿ وَقَيَّضْنَا لَمُمْ قُرْنَ فَيَّنُوْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [ فصلت: ٢٥] الآية. وقال
تعالى: ﴿﴿قَالَ فَرِّنُ رَبََّمَآ أَطْغَيَّتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِ ضَلَلٍ بَعِيدٍ (٦) قَالَ لَا تَخْصِمُوْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ [٦]َمَا يُبَدَّلُ
اَلْقَولُ لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَِّ لِلْعِبِيدِ﴾ [ق: ٢٧ -٢٩] وقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنِّ
يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَّةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِ لْآَخِرَةِ وَلِيَرَضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَاهُم ◌ُقْتَرِفُونَ﴾ [ الأنعام: ١١٢ - ١١٣].
وقد قدَّمنا في صفة الملائكة ، ما رواه أحمد ومسلم (٤) : من طريق منصور ، عن سالم بن
أبي الجَعْد، عن أبيه، - واسمهُ رافع - عن ابن مسعود، قال: قال رسولُ اللهِوَل: ((ما منكم من أحد إلا
وقد ؤُكِّل به قرينُهُ من الجنِّ وقرينُه من الملائكة ، قالوا : وإيّاك يا رسولَ الله ؟ قال : وإيَّاي، ولكنَّ الله
أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير)).
وقال الإمام أحمد : حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدَّثنا جرير ، عن قابوس ، عن أبيه - واسمه
حُصَيْنُ بن جُنْدب، وهو أبو ظَبْيان الجَنبيُّ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عوض طاهر: ((ليس منكم من
(١) أخرجه البخاري (٧٥٦١) في التوحيد، ومسلم (٢٢٢٨) في السلام.
(٢) في صحيحه (٤٨٠٠) في التفسير. وأخرجه (٤٧٠١) في التفسير، و(٧٤٨١) في التوحيد عن علي ابن المديني عن
سفيان .
(٣) في صحيحه (٢٢٢٩ و١٢٤) في السلام .
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٣٨٥/١ و٣٩٧ و٤٠١) ومسلم (٢٨١٤) في صفات المنافقين.
١٠٨
باب خلق الجان وقصة الشيطان
أحد إلا وقد وُكِّلَ به قرينُه من الشياطين ، قالوا : وأنتَ يا رسولَ الله ؟ قال : نعم ، ولكنَّ الله أعانني عليه
فأسلم )(١) . تفرَّد به أحمد ، وهو على شرط الصحيح .
وقال الإمام أحمد : حدَّثنا هارون ، حدَّثنا عبد الله بن وَهْب ، أخبرني أبو صخر ، عن يزيد بن
عبد الله بن قُسَيْط، حدَّثه أن عروة بن الزبير حدَّثه، أنَّ عائشة زوج النبي وَّ حدَّثته؛ أنَّ رسول اللهِ وَه
خرجَ من عندها ليلاً ، قالتْ : فغرتُ عليه، قالت: فجاءَ فرأى ما أصنعُ، فقال: ((مالكِ يا عائشةُ
أغرت؟ قالت: فقلت: ومالي ألَّ يغار مِثْلي على مِثْلِك؟ فقال رسول الله وَ له: أفأخذك شيطانُكِ؟))
قالت: يا رسول الله أو معي شيطان. قال: ((نعم)). قلت: ومع كلِّ إنسان . قال : نعم . قلتُ:
ومعكَ يا رسولَ الله؟ قال: (( نعم، ولكنَّ ربِّي أعانني عليه حتَّى أسلمَ)(٢).
وهكذا رواه مسلم(٣) عن هارون - وهو ابن سعيد الأيلي - بإسناده نحوه .
وقال الإمام أحمد(٤) : حدَّثنا قتيبة بن سعيد، حدَّثنا ابنُ لهيعة، عن مُوسى بن وَرْدان ، عن
أبي هريرة؛ أن النبيَّ بِّ قال: ((إن المؤمنَ ليُنْصي شيطانه كما يُنْصي أحدُكم بعيرَه في السفر )) تفرَّد به
أحمد من هذا الوجه .
ومعنى لينصي شيطانه : ليأخذ بناصيته ، فيغلبَه ويقهرَه ، كما يُفْعلُ بالبعير إذا شردَ ، ثم غلبَه . وقوله
تعالى: إخباراً عن إبليس: ﴿ قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَِ لَأَقْعُدَنَّ ◌َهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِ يِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ
أَيْمَنِهِمْ وَعَن شَائِلِهِمّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِرِينَ﴾ [ الأعراف: ١٦ - ١٧].
قال الإمام أحمد : حدَّثنا هاشم بن قاسم ، حدَّثنا أبو عقيل - هو عبد الله بن عقيل الثقفي - حدَّثنا
موسى بن المسيَّب ، عن سالم بن أبي الجعد، عن سبرةَ بن أبي فاكه، قال: سمعتُ رسولَ اللهِلَةٍ:
قال: ((إنَّ الشيطانَ قعدَ لابن آدمَ بأطرقه، فقعدَ له بطريق الإسلام، فقال له : أتُسلمُ وتذرُ دينكَ ودينَ
آبائك ؟ قال : فعصاه وأسلم ، قال : وقعد له بطريق الهجرة ، فقالَ : أتهاجر وتذر أرضكَ وسماءك،
وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول . فعصاه وهاجرَ ، قال : ثم قعدَ له بطريق الجهاد ، فقال له : هو
جهاد النفس والمال ، فقال : أتقاتل فتقتل، فتُنكحُّ المرأةُ ويُقسمُ المالُ؟ قال: فعصاه وجاهدَ )) قال
رسول الله : «فمنْ يفعل ذلك منهم كان حقاً على الله أن يدخله الجنَّة، وإن كان غرقَ كان حقّاً
(١)
أخرجه أحمد في المسند ( ١ / ٢٥٧ ) وهو حديث حسن .
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١١٥). وفيه: عن ابن قسيط (في المطبوع من سند أحمد : أبي قسيط ، خطأ)،
وهو يزيد بن عبد الله بن قسَيْط، يكنى أبا عبد الله وانظر التقريب ترجمة (٧٧٤١) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.
(٣) في صحيحه (٢٨١٥) (٧٠) في صفات المنافقين.
(٤) في المسند (٢ / ٣٨٠).
١٠٩
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
على الله أنْ يُدْخله الجنَّة، وإن وقصتْه دابتُه كان حقّاً على الله أن يُدْخله الجنَّة)﴾(١).
وقال الإمام أحمد : حدَّثنا وكيع ، حدَّثنا عبادة بن مسلم الفزاري ، حدَّثني جبير بن أبي سليمان بن
جبير بن مطعم ، سمعتُ عبد الله بن عمر ، يقول : لم يكن رسول الله يدعُ هذه الدعوات حين يُصبحُ وحینَ
يُمسي: (( اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة ، اللَّهمَّ إني أسألُكَ العفو والعافيةَ في ديني ودنياي
وأهلي ومالي ، اللَّهُمَّ استرْ عَوْراتي وآمنْ رَؤْعاتي، اللَّهُمَّ احفظني من بين يديَّ ومن خلفي ، وعن يميني
وعن شِمالي ومنْ فَوْقي، وأعوذُ بعظمتك أنْ أُغتالَ منْ تحتي)(٢) . قال وكيع : يعني الخسف .
ورواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن حبان ، والحاكم(٣) : من حديث عبادة بن مسلم ،
وقال الحاكم : صحيح الإسناد .
باب
ما وردَ في خلق آدمَ عليه السلام
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِفَةٌ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفُِ الدِّمَآءَ وَتَخْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِلَكَ وَنُقَدِّسُ لَكُّ قَالَ إِنِّيّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ (٢) وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَضَهُمْ عَلَى
﴿ قَالُواْ سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ
اُلْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنِْئُونِِ بِأَسْمَاءٍ هَؤُلَاءٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (
الْحَكِيمُ ﴿ قَالَ يَادَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَاءِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَاءِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا
ـا وَقُلْنَا
نُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُونَ (9) وَإِذْقُلْنَا لِلْمَلَبِّكَةِ أَسْجُدُواْ لَِدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ
يَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِينَ () فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَنُ عَنْهَا
فَأَخَرَجَهُمَا مِمَا كَنَا فِيَةٍ وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌ وَمَعُ إِلَى حِينٍ ﴿يَ فَلَقََّ ءَادَمُ مِنْ زَّبِّهِ. كَلِمَتٍ فَنَابَ
أَ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِى هُدَى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
عَلَيَّهِ إِنَّمُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيُ
يَحْزَنُونَ (جـ) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ [ البقرة ٣٠-٣٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ آل عمران: ٥٩].
(١) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٨٣).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٢٥/٢).
(٣) أخرجه أبو داود (٥٠٧٤) في الأدب، وابن ماجه ( ٣٨٧١) في الدعاء، والنسائي (٢٨٢/٨) في الاستعاذة ،
و(٥٦٦) في عمل اليوم والليلة، وابن حبان في صحيحه (٩٦١) الإحسان، والحاكم في المستدرك (١/ ٥١٧
و٥١٨ ) وصححه وهو كما قال .
١١٠
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
وقال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَجِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَأَتَّقُواْ
اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء ١]. كما قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ
وَأُنْتَّى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْفَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَليّ خَبِيرٌ ﴾ [ الحجرات: ١٣]. وقال تعالى:
﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَفْسِ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ﴾ [الأعراف: ١٨٩] الآية وقال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْلَِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ ﴿لَقَالَ مَا مَنَعَكَ
أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَفْئَنِى مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينِ الْجَ قَالَ فَأَهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيَهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ
ثُمَّ
الصَّغِرِينَ ﴿لَ قَالَ أَنْظِرْنِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿هَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴿٢) قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَِ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَن شَيِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِنَ الْأَقَالَ آَخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُ ومَا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ
أَ وَنَادَمُ أُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ يِشِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ
مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَكُمْ أَجْمَعِينَ
اُلَِّمِينَ ﴿ْ) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَ تِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ
وَقَاسَمَهُمَّا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ (بَهَا فَلَّنْهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَ تُهُمَا وَطَفِقَا
أَوْ تَكُوْنَا مِنَ الْخَلِينَ
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَنُهُمَا رَتُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآَ إِنَّ الشَّبْطَنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٤) قَالَا رَبَّنَا
ظَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ لَّ قَالَ أُهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَهُ
قَالَ فِيهَا تَحْيُوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴾ [ الأعراف: ١١ - ٢٥]. كما قال في الآية الأخرى:
إِلَی حِينٍ
*َمِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ
ـْجَ وَإِذْ قَالَ رَبِّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِّ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنْ صَلْصَلٍ مِّنْ
صَلْصَلٍ مِنْ حَمَلٍ مَسْئُونٍ (٣٦) وَالْجَنَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ !
أَ فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ { إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَ
حَمَلٍ مَسْنُونٍ ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ ﴿
قَالَ لَمْ أَكُنْ لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ
أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ ﴿ قَالَ يَتَإِلِسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ
حَلٍ مَّسْنُونٍ ﴿ قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ (٢٦) وَ إِنَّ عَلَيْكَ الَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٢) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِيّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
أَقَالَ
إلَّا
◌َ قَالَ رَبٍ بِمَآ أَغْوَيْنَنِى لَأُزْيِّنَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌ
إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
٣٧
فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِيْنُّ
عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿ قَالَ هَذَا صِرَطُ عَلَّ مُسْتَقِيرٌ ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ إِلَّا مَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ
اَلْغَاوِينَ (٤) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَّوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٦) لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَفْسُومُ﴾ [ الحجر: ٢٦ - ٤٤].
وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ اسْجُدُواْ لَِّدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا
قَالَ
أَرَءَ يْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِيَّتَهُ، إِلَّا قَلِيلًا (١) قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ
وَأَسْتَغْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَحِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ
فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءَ مَّوْفُورًا (!
اَلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَيِّكَ
وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦١ - ٦٥].
وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لَِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِهٌِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ
١١١
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
له)[ ﴾ قَآ أَشْهَدَتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ
وَذُرِّيَّتَهُ: أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِظَّالِمِينَ بَدَلَا
أَنْفُسِهِمْ ﴾(١) ﴾ [ الكهف : ٥٠ - ٥١ ] .
وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَّا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ يَجِدُ لَهُ عَزْمَا (١) وَإِذْقُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ اسْجُدُواْلِأَدَمَ
فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ ﴿لا فَقُلْنَا يَتَّعَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِحَتَُّها مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىّ ◌َ(١) إِنَّ لَكَ أَلَّ تَجُوعَ فِيهَا
وَلَا تَعْرَىَ ﴿٢) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُْ فِيَهَا وَلَا تَضْحَى الْأَ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ
لَّا يَبْلَى (١٢) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىّ ءَآدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢) ثُمَّ أَجْنَبَهُ رَبُّهُ
فَذَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىّ ◌ِثْلَ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِنِى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ
وَلَا يَشْقَى الْأَا وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ أَعْمَى: ﴿ قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَّرْتَنِيِّ أَعْمَى
وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (٤) قَالَ كَذَّلِكَ أَنَتْكَ ءَايَقُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَّوْمَ نُنسَى﴾ [طه: ١١٥ - ١٢٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَؤُّأ
إِن يُوحَىّ إِلَىَّ إِلَّ أَنَّمَا أَنَّأْ نَذِيرٌ مُّبِينُ (٣) إِذْ قَالَ رَبِّكَ
عَظِيمُ الََّ أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ الْجَ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلٍّ بِالْمَلَاٍ الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ
٧٣
أَفَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
فَفَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رَوحِى فَفْعـ
لِلْمَلَئِكَةِ إِنِى خَلِقٌ بَشَرًّا مِّنِ طِينٍ
أَقَالَ أَنَا
لَ قَالَ يََّإِلِسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىِّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ
إِلَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَنَ مِنَ الْكَفِرِينَ
أَقَالَ فَأَخْرُجٌ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ (١٦) وَإِنَّ عَلَيَكَ لَعْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (١) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِيّ إِلَى
خَيْرٌ مِنْةٌ خَلَقْنَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْنَهُ مِن طِينٍ
◌َ قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌ (٨٦) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ
إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ لَـ
٨٠
يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿لَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِيِنَّ
﴿ قَالَ فَالْحَقُ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ
الْمُخْلَصِينَ
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنْ مِنَ
اْتَّكَلِفِينَ ◌ِلهَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ (١٢) وَلَنَعْلَمُنَّ نَبَأَمُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٦٧ - ٨٨].
فهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن ، وقد تكلَّمنا على ذلك كلِّه في التفسير ، ولنذكر
هاهنا مضمون ما دلَّت عليه هذه الآيات الكريمات ، وما يتعلَّق بها من الأحاديث الواردة في ذلك عن
رسول الله الله ، وبالله المستعان.
فأخبر تعالى أنه خاطبَ الملائكة قائلاً لهم ﴿ إِنِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: ٣٠] أعلمَ بما يُريد
أن يخلقَ من آدمَ وذريَّته الذين يخلفُ بعضُهم بعضاً، كما قال ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَِفَ الْأَرْضِ﴾
[ الأنعام: ١٦٥]. [وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضَِّ .. ﴾ [النمل: ٦٢]]٢). فأخبرَهم بذلك على
سبيل التنويه بخَلْق آدمَ وذريته ، كما يُخبر بالأمر العظيم قبل كونه ، فقالت الملائكة سائلين على وجه
الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة ، لا على وجه الاعتراض والتنقُّص لبني آدم والحسد لهم ، كما
قد يتوَّهِمُه بعضُ جهلةَ المفسرين، قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠]
(١) ما بين حاصرتين سقط من المطبوع .
(٢) سقط من المطبوع .
١١٢
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
قيل : علموا أن ذلك كائنٌ بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن والبن (١) ، قاله قتادة .
وقال عبد الله بن عمر ، وكانت الجنُّ قبلَ آدمَ بألفيْ عام، فسفكُوا الدِّماءَ، فبعث الله إليهم جنداً من
الملائكة فطردُوهم إلى جزائر البحور .
وعن ابن عباس نحوه . وعن الحسن : أُلهموا ذلك .
[ وقيل : لما اطّلعوا عليه من اللوح المحفوظ ، فقيل : أطلعَهم عليه هاروتُ وماروتُ، عن مَلَكِ
فوقَهما يُقال له السِّجلُّ. رواه ابن أبي حاتم عن أبي جعفر الباقر }٢)
وقيل : لأنهم علموا أن الأرضَ لا يُخلق منها إلا من يكون بهذه المثابة غالباً .
﴿ وَتَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِّسُ لَكِّ﴾ [البقرة: ٣٠] أي: نعبدُك دائماً لا يعصيك منا أحد، فإن كان
المرادُ بخلق هؤلاء أنْ يعبدُوك فها نحنُ لا نفترُ ليلاً ولا نهاراً .
قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أي: أعلمُ من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء
ما لا تعلمون ، أي : سيُوجد منهم الأنبياء والمرسلون والصِّدِّيقون والشهداء والصالحون .
ثم بَيَّن لهم شرفَ آدَمَ عليهم في العلم، فقال ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [ البقرة: ٣١] قال ابن
عباس : هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ، ودابّة ، وأرض ، وسهل ، وبحر ، وجبل ،
وجمل ، وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها .
وفي رواية : علَّمه اسم : الصَّحْفة ، والقدر ، حتى الفَسْوة والفُسيَّة . وقال مجاهد: علَّمه اسم كلِّ
دابَّةٍ وكلِّ طير ، وكل شيء. وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وغير واحد . وقال الربيع: علَّمه أسماء
الملائكة .
وقال عبد الرحمن بن زيد : علَّمه أسماءً ذريَّته .
والصحيح: أنه علَّمه أسماءَ الذوات وأفعالها، مُكَبَّرها ومُصغَّرها، كما أشار إليه ابنُ عبّاس رضي
الله عنهما .
وذكر البخاريُّ هاهنا ما رواه هو ومسلم : من طريق سعيد وهشام ، عن قتادة ، عن أنس بن
مالك، عن رسول الله وَّر قال: (( يجتمعُ المؤمنون يومَ القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربّنا
حتى يُريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدمَ فيقولون : أنت أبو البشر ، خلقكَ الله بيده، وأسجدَ لكَ
(١) انظر تفسير عبد الرزاق (٤٢/١) ومرآة الزمان (٢٥/١).
(٢) ما بين حاصرتين أثبته من المطبوع .
١١٣
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
ملائكته ، وعلَّمك أسماءَ كلِّ شيء ... (١) وذكر تمام الحديث .
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [البقرة: ٣١] قال الحسن
البصري : لما أراد الله خلقَ آدمَ قالتِ الملائكةُ : لا يخلقُ ربُّنا خَلْقاً إلا كنَّا أعلم منه، فابتلوا بهذه . وذلك
قوله: ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [ البقرة: ٣١].
وقيل : غير ذلك ، كما بسطناه في ((التفسير (٢).
قالوا ﴿ سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] أي: سبحانك أن يُحيطَ أحدٌ
بشيء من علمك من غير تعليمكَ، كما قال: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، إِلََّ بِمَاشَآءٌ﴾ [ البقرة: ٢٥٥].
قَالَ يَدَمُ أَنِّْثُهُمْ بِأَسْمَاءِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَّأَهُمْ بِأَسْمِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ
وَمَا كُنْتُمْ تَكْنُونَ﴾ [ البقرة: ٣٣] أي : أعلم السر كما أعلم العلانية .
وقيل : إن المراد بقوله: ﴿ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ ما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ وبقوله :
وَمَا كُنتُمْ تَكْنُهُونَ ﴾ المراد بهذا الكلام إبليس، حين أسرَّ الكِبْر(٣) على آدم عليه السلام، قاله سعيدُ بن
جُبير ومجاهد والسُّدِّي والضَّخَّاك والثوري ، واختاره ابنُ جرير(٤)
وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَكْنُونَ﴾ قولهم: لن يخلقَ ربّنا خلقاً إلا كنا أعلم
منه ، وأكرم عليه منه .
وقوله ﴿ وَإِذْقُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لَدَمَ فَسَجَدُوْاْ إِلََّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ ﴾ [ البقرة: ٣٤] هذا إكرامٌ عظيم من
الله تعالى لآدمَ ، حين خلقَه بيده، ونفخَ فيه من روحه، كما قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ
سَجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فهذه أربع تشريفات: خَلْقهُ له بيده الكريمة، ونَفْخُه فيه من روحه، وأمْرُهُ ملائكته
بالسجود له ، وتعليمُه أسماءَ الأشياء .
ولهذا قال له موسى الكليمُ حين اجتمعَ هو وإيّاه في الملأ الأعلى وتناظرا ، كما سيأتي : أنت آدم
أبو البشر، الذي خلقكَ الله بيده، ونفخَ فيك من رُوحه، وأسجدَ لكَ ملائكته، وعلَّمكَ أسماءَ كل
شيء . وهكذا يقولُ أهلُ المحشر يومَ القيامة كما تقدَّم وكما سيأتي إن شاء الله تعالى .
وقال في الآية الأخرى : ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لَدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ لَمْ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٧٤١٠) في التوحيد، ومسلم ( ١٩٣) في الإيمان.
(٢) تفسير ابن كثير (٩٥/١).
(٣) في تفسير الطبري (٢٥٩/١) وعند ابن كثير (٩٦/١) والاغترار .
(٤) تفسير الطبري (٤٤١/٥).
١١٤
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
يَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ (١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْأَمَرْتُكَّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِى مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ الأعراف: ١١ - ١٢].
قال الحسن البصري : قاسَ إبليسُ وهو أول من قاس .
وقال محمد بن سيرين : أوَّلُ منْ قاسَ إبليسُ ، وما عُبدت الشمسُ ولا القمرُ إلا بالمقاييس . رواهما
(١)
ابن جرير(١)
ومعنى هذا أنه نظرَ نفسَه بطريق المقايسة بينه وبين آدمَ ، فرأى نفسه أشرفَ من آدمَ ، فامتنعَ من
السجود له ، مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود . والقياسُ إذا كان مقابلاً للنّص كان فاسدَ
الاعتبار ، ثم هو فاسدٌ في نفسه ، فإنَّ الطينَ أنفعُ وخيرٌ من النَّار، فإنَّ الطينَ فيه الرَّزانةُ والحِلْمُ والأناةُ
والنموُّ، والنَّارُ فيها الطَّيْشُ والخِقَّةُ والسُّرعةُ والإحراقُ .
ثم آدمُ شرَّفه الله بخَلْقِهِ له بيده ، ونَفْخه فيه من روحِه ، ولهذا أمرَ الملائكةَ بالسجود له ، كما قال :
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ إِ خَلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ (٢) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ
سَجِدِينَ (٢) فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٢) إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ (٢) قَالَ يَنَاْلِسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ
أَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَّسْنُونٍ (٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ (٦) وَ إِنَّ عَلَيْكَ
السَّجِدِينَ
اُلََّعْنَةَ إِلَ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الحجر: ٢٨ -٣٥]. استحقَّ هذا من الله تعالى، لأنه استلزمَ تنقُّصه لآدمَ وازدراؤهُ به،
وترفُّعه عليه مخالفةَ الأمر الإلهي ، ومعاندةَ الحقِّ في النَّص على آدمَ على التَّعيين ، وشرعَ في الاعتذار بما
لا يُجدي شيئاً، وكان اعتذارُه أشدّ من ذنبه، كما قال تعالى في سورة سبحان: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ
اُسْجُدُواْ لِّدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِلِسَ قَالَءَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (١) قَالَ أَرَءَ يْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّنَهُ: إِلَّا قَلِيلًا (٨) قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءَ مَّوْفُورًا (٢٦) وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ
اُسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ
غُرُورًا (٢٦) إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [ الإسراء: ٦١ - ٦٥ ] وقال في سورة الكهف:
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ أَسْجُدُواْ لَِّّدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلََّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبٌِِّّ﴾ [الكهف: ٥٠] أي: خرجَ عن
طاعة الله عَمْداً وعِناداً ، واستكباراً عن امتثال أمره ، وما ذاكَ إلا لأنه خانه طَبْعه ، وماذَّتُه الخبيثة أحوج
ما كان إليها فإنَّه مخلوقٌ من نارٍ كما قال، وكما قدَّمنا في صحيح مسلمُ(٢): عن عائشةَ، عن رسول الله وَّل
قال: (( خُلِقت الملائكةُ من نورٍ ، وخُلِقَ الجَانُّ من مارجٍ من نار، وخُلِقَ آدمُ مما وُصِفَ لكم )).
قال الحسن البصري : لم يكن إبليسُ من الملائكة طَرْفة عين قط .
وقال شهر بن حوشب : كان من الجنِّ ، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله إليهم جنداً من الملائكة
(١) المصدر نفسه .
(٢) في صحيحه (٢٩٩٦) في الزهد والرقائق، وأخرجه أحمد (١٦٨/٦).
١١٥
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
فقتلوهم وأجلوهم إلى جزائر البحار ، وكان إبليسُ ممن أُسِرَ ، فأخذوه معهم إلى السماء فكانَ هناك ،
فلما أُمِرَتِ الملائكةُ بالسجود امتنعَ إبليسُ منه .
وقال ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة وسعيد بن المسيَّب وآخرون : كان إبليسُ رئيسَ
الملائكة بالسماء الدنيا١) .
قال ابنُ عبَّاس(٢) : وكان اسمه عزازيل. وفي رواية: الحارث، قال النقّاش : وكنيتُه
((أبو كردوس)) قال ابن عباس: وكان من حيٍّ من الملائكة يُقال له الجنُّ، وكانوا خُزَّان الجِنانِ ، وكان
من أشرفهم ، ومن أكثرهم علماً وعبادة ، وكان من أولي الأجنحة الأربعة فمسخَه الله شيطاناً رجيماً .
وقال في سورة ص: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَئِكَةِ إِنِّي خَلِقٌ بَشَرًا مِّنْ طِينٍ ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ
فَسَجَدَ الْمَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿ إِلَّ إِبْلِسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ
سَجِدِینَ
قَالَ يَابْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا
◌َلَقْتُ بِيَدَىٌّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُتَ مِنَ اْعَالِينَ (٤) قَالَ أَتَأْ خَيْرٌ مِنَّةٌ خَلَقْنَنِى مِنْ نَارٍ وَخَلَفْنَهُ مِن طِينٍ
٧٧
!قَالَ فَاخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَغْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
ـا إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِيِنِّ !
V
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرُنِيّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
VA
قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينُ (﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (لَ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَ أَقُولُ (٨) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ
مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ ص: ٧١ - ٨٥].
وقال في سورة الأعراف : ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِ لَأَفْعُدَنَّ لَهُمْ صِرْطَكَ اُلْمُسْتَقِيمَ (١) ثُمَّلَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِ يهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَن شَآَيَلِهِمَّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ﴾ [ الأعراف: ١٦ - ١٧] أي: بسبب إغوائك إيَّي لأقعدنَّ لهم كل
مَرْصد ولآتينَّهم من كلِّ جهة منهم ، فالسعيدُ من خالفَه والشقيُّ من اتَّبعه .
وقال الإمام أحمد (٣) : حدَّثنا هاشم بن القاسم، حدَّثنا أبو عقيل - هو عبدُ الله بن عقيل الثقفيِّ - حدَّثنا
موسى بن المسيَّب(٤) ، عن سالم بن أبي الجَعْد ، عن سَيْرة بن أبي الفاكه ، قال : سمعت رسولَ الله
وَ﴿، قال: ((إنَّ الشيطانَ يقعدُ لابن آدمَ بأطرقهِ .. )) وذكرَ الحديث كما قدَّمناه(٥) في صفة إبليس .
وقد اختلفَ المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدمَ، أهم جميع الملائكة، كما دلَّ عليه عموم
الآيات وهو قول الجمهور ، أو المرادُ بهم ملائكةُ الأرض ، كما رواه ابنُ جرير(٦) : من طريقِ الضَّحاك ،
(١) ولا دليل على ذلك .
(٢) تفسير الطبري (١/ ٢).
(٣) في المسند (٣/ ٤٨٣).
في المسند : موسى بن المثنى ، والصحيح ما أثبته ، وهو موسى بن المسيَّب الثقفي البزار . وانظر الكاشف ؛
(٤)
للذهبي (٣٠٨/٢). وأطراف المسند للحافظ ابن حجر، تحقيق د. زهير الناصر (٤٢٥/٢).
(٥) تقدم ذلك ص (١٠٨).
(٦) في تفسيره (٢٦١/١ - ٢٦٢).
١١٦
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
عن ابن عبّاس ؟ وفيه انقطاعٌ، وفي السياق نكارةٌ ، وإن كان بعضُ المتأخرين قد رجَّحه ، ولكن الأظهر
من السياقات الأول ، ويدل عليه الحديث : وأسجد له ملائكته ، وهذا عموم أيضاً والله أعلم .
وقوله تعالى لإبليس ﴿ فَأَهْبِطَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٣] و ﴿ أَخْرُجْ مِنْهَا﴾ [ الأعراف: ١٨] دليلٌ على أنَّه كان
في السماء ، فأُمر بالهبوط منها ، والخروج من المنزلة والمكانة التي كان قد نالها بعبادته ، وتشبُّهه
بالملائكة في الطاعة والعبادة ، ثم سُلب ذلك بكبره وحسده ومخالفته لربه ، فأُهبط إلى الأرض مذؤُوما١ً)
مدحورا٢) .
وأمرَ الله آدمَ عليه السلام أن يسكن هو وزوجه الجنَّة، فقال: ﴿ وَقُلْنَا يَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا
مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [ البقرة ٣٥]. وقال في الأعراف: ﴿قَالَ آَخْرُجُ
مِنْهَا مَذْءُ ومَا مَّدْحُورًاْ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٢) وَبَعَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنََّ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ
الشَّجَرَةَ فَتَكُونَ مِنَ الظِّينَ﴾ [الأعراف: ١٨ -١٩] وقال تعالى: ﴿ وَإِذْقُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ اسْجُدُ واْلِأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ
إِيْلِسَ أَبَى ﴿ فَقُلْنَا يَتَّعَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَ يُخْرِحَتَُّها مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ (١) إِنَّ لَكَ أَلَّ تَّجُعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىُ !!
وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٦ - ١١٩] وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلقَ حواء كان قبلَ دخول
آدم إلى الجنَّة [ لقوله: ﴿يَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾(٣) [البقرة: ٣٥]].
وهذا قد صرَّح به إسحاقُ بن يَسار ، وهو ظاهرُ هذه الآيات .
ولكن حكى السُّدِّي : عن أبي صالح وأبي مالك ، عن ابن عبّاس ، وعن مُرَّة عن ابن مسعود ، وعن
ناس من الصحابة؛ أنَّهم قالوا : أُخرجَ إبليس من الجنَّة ، وأُسكنَ آدمُ الجنّة ، فكان يمشي فيها وحشياً ليس
له فيها زوج يسكن إليها ، فنامَ نومةً فاستيقظَ، وعند رأسه امرأةٌ قاعدةٌ ، خلقَها الله من ضِلْعه ، فسألَها :
منْ أنتِ ؟ قالت : امرأةٌ . قال : ولمَ خُلقتِ ؟ قالت : لتسكنَ إليَّ. فقالت له الملائكةُ ينظرونَ ما بلغَ من
علمه : ما اسمُها يا آدمُ ؟ قال : حوَّاء . قالوا : ولمَ كانتْ حوَّاء ؟ قال : لأنها خُلِقتْ من شيءٍ حيّ(٤).
وذكر محمد بن إسحاق : عن ابن عبّاسِ : إنَّها خُلقتْ من ضِلْعه الأقصرِ الأيسرِ وهو نائمٌ ، ولأمُّ(٥)
مكانَه لحماً، ومصداق هذا في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ
مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ﴾ [النساء: ١] الآية. وفي قوله تعالى: ﴿﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا
(١) مذؤوماً : مذموماً بأبلغ الذم .
(٢) مدحوراً: مقصّاً، مُبعداً .
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من (( ب)).
(٤) تفسير الطبري (٥٧٨/٣).
(٥) لأمَ : أصلح .
١١٧
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّنَهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهٍّ، ﴾ [الأعراف: ١٨٩] الآية. وسنتكلَّم عليها فيما
بعد إن شاء الله تعالى .
وفي الصحيحينُ(١) : من حديث زائدةً ، عن مَيْسرة الأشجعيِّ ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، عن
النبي ◌ِ ◌ّ أنه قال: ((استوصُوا بالنساء خيراً، فإنَّ المرأةَ خُلِقتْ من ضِلَع، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الصِّلَعِ
أعلاه ، فإن ذهبتَ تُقيمه كسرتَه ، وإن تركتَه لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً )) لفظ البخاري .
وقد اختلف المفسرون(٢) في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [ البقرة: ٣٥] فقيل : هي الكَرْمُ ،
ورُوي عن ابن عبّاس، وسعيد بن جُبَيْر ، والشعبي، وجَعْدةَ بن هُبيرة ، ومحمد بن قَيْس ، والسُّدِّي ،
ورواه عن ابن عبّاس ، وابن مسعود ، وناس من الصحابة ، قال : وتزعمُ يهودُ أنَّها الحنطةُ ، وهذا مرويٍّ
عن ابن عبّاس ، والحسن البصري ، ووهب بن منبِّه ، وعطية العوفي ، وأبي مالك ، ومحارب بن دِثار ،
وعبد الرحمن بن أبي ليلى .
قال وهب : والحبَّةُ(٣) منه ألينُ من الزبد وأحلى من العسل .
وقال الثوريُّ: عن حُصَيْن، عن أبي مالك: ﴿ وَلَا نَقْرَبَاهَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هي النَّخْلَة٤ُ).
وقال ابن جريج ، عن مجاهد : هي التِّيْنَةُ ، وبه قال قتادةٌ(٢) .
وقال أبو العالية : كانت شجرةٌ منْ أكلَ منها أحدثَ ، ولا ينبغي في الجنَّةُ حدَثٌ(٥).
وهذا الخلاف قريبٌ، وقد أبهمَ اللهُ ذِكرَها وتعيينَها ، ولو كان في ذكرها مصلحةٌ تعودُ إلينا لعيَّنَها
لنا ، كما في غيرها من المَحالِّ التي تُبْهِمُ في القرآن .
وإنما الخلافُ الذي ذكروه في أنَّ هذه الجنَّة التي أُدْخِلها آدمُ؛ هل هي في السماء(٦) أو في
الأرض ؟ هو الخلاف الذي ينبغي فَضْلُه والخروج منه ، والجمهور على أنها هي التي في السماء ، وهي
جنّة المأوى ؛ لظاهر الآيات والأحاديث، كقوله تعالى: ﴿ وَقُلْنَا بَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾
[ البقرة: ٣٥] والألف واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي، وإنما تعود على معهود ذِهْني، وهو
المستقر شرعاً من جنَّة المأوى ، وكقول موسى عليه السلام لآدم عليه السلام (( علامَ أخرجْتنا ونفسكَ من
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٣٣١) في الأنبياء، ومسلم (١٤٦٨) (٦٠) في الرضاع .
(٢) انظر تفسير الطبري (٢٦٨/١ -٢٧٠) وتفسير ابن كثير (١٠٢/١ -١٠٣).
(٣)
في ب : والخبز، وما أثبتناه من أ، والمطبوع، والتفسير (١٠٢/١).
(٤)
تفسير الطبري ( ١/ ٢٧٠) .
(٥) تفسير ابن كثير (١/ ١٠٢).
(٦) في ب : السموات .
١١٨
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
الجنة .. (١) الحديث ، كما سيأتي الكلام عليه .
ورواه مسلم في صحيحه(٢) : من حديث أبي مالك الأشجعيّ ، ـ واسمه : سعدُ بن طارق - عن
أبي حازم سلمةَ بن دينار ، عن أبي هريرة . وأبو مالك ، عن ربعي ، عن حذيفة ، قالا : قال رسول الله
وَج *: «يجمعُ الله النَّاسَ، فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة، فيأتون آدمَ فيقولون : يا أبانا ! استفتح
لنا الجنَّة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلَّ خطيئة أبيكم .. )) وذكر الحديث بطوله .
وهذا فيه قوة جيِّدة ظاهرة في الدلالة على أنها جنَّة المأوى ، وليست تخلو عن نظر .
وقال آخرون : بل الجنة التي أُسكنها آدمُ لم تكنْ جنََّ الخلد ، لأنه كُلِّفَ فيها ألا يأكلَ من تلك
الشجرة ، ولأنه نامَ فيها وأُخرجَ منها ، ودخلَ عليه إبليسُ فيها ، وهذا مما يُنافي أن تكونَ جنّة المأوى .
وهذا القول محكيٌّ عن أَبيِّ بن كعب، وعبد الله بن عبّاس، ووهْبٍ بن مُنَبِّه، وسفيان بن عُيَيْنة ، واختارَه
ابنُ قُتيبة في ((المعارف)(٣) والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في (( تفسيره )) وأفرد له مصنفاً على حدة ،
وحكاه عن أبي حنيفة ٤) الإمام وأصحابه ، رحمهم الله .
ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي ابن خطيب الريّ في (( تفسيره)(٥) عن أبي القاسم البَلْخي
وأبي مُسلم الأصبهاني .
ونقله القرطبيُّ في ((تفسيره (٦) عن المعتزلة والقدرية ، وهذا القول هو نصُّ التوراة التي بأيدي أهل الكتاب.
وممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم في (( الملل والنحل )(٧) وأبو محمد بن عطيّة
في ((تفسيره)(٨) وأبو عيسى الزُّمَّاني في (( تفسيره)). وحكى عن الجمهور الأوّل، وأبو القاسم الراغب ،
والقاضي الماوردي في (( تفسيره )) فقال: واختلف في الجنة التي أسكناها ، يعني آدم وحواء على قولين .
أحدُهما: أنَّ(٩) جنَّةُ الخلد . الثاني: أنَّه جنَّة أعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاءٍ ، وليست جنَّة الخلد التي
جعلها دار جزاء .
(١) انظر الحديث وتخريجه (ص ١٣١).
صحيح مسلم ( ١٩٥) في الإيمان . وتزلف : تقترب .
(٢)
(٣) المعارف لابن قتيبة ( ٦٩).
في هامش ((أ)» : روى عن أبي حنيفة أن الجنة التي أدخل فيها آدم ليست جنة الخلد.
( ٤)
(٥)
التفسير الكبير للفخر الرازي (٤/٣).
(٦)
تفسير القرطبي (٣١٥/١).
(١) الملل والنحل لابن حزم الأندلسي (١٨/١).
(٨) المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز لابن عطية (٢٤٩/١).
(٩) في المطبوع : أنها .
١١٩
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
ومن قال بهذا اختلفوا على قولين :
أحدُهما : أنها في السماء ، لأنه أهبطهما منها ، وهذا قول الحسن . والثاني : أنها في الأرض ، لأنه
امتحنَهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نُهيا عنها دون غيرها من الثمار . وهذا قول ابن يحيى ، وكان ذلك "
بعد أن أُمر إبليسُ بالسجود لآدم ، والله أعلم بصواب(١) ذلك.
هذا كلامه . فقد تضمَّن كلامُه حكايةَ ثلاثة أقوالٍ، وأشعرَ كلامُه أنَّه متوقف في المسألة . ولهذا حكى
أبو عبد الله الرازي في ((تفسيره(٢) في هذه المسألة أربعةً أقوال ، هذه الثلاثة التي أوردها الماوردي .
ورابعُها : الوقف . وحكى القولَ بأنها في السماء ، وليست جنَّة المأوى عن أبي علي الجُنَّائي.
وقد أوردَ أصحابُ القول الثاني سؤالًا يحتاج مثلُه إلى جواب ، فقالوا : لا شكَّ أنَّ الله سبحانه وتعالى
طردَ إبليسَ حين امتنع من السجود عن (٣) الحضرة الإلهية ، وأمره بالخروج عنها ، والهبوط منها ، وهذا
الأمرُ ليس من الأوامر الشرعية بحيثُ يُمكن مخالفتُه، وإنما هو أمر قدَريٍّ لا يُخالفُ ولا يُمانَعُ ، ولهذا
قال: ﴿أَخْرُجُ مِنْهَا مَذْءُومَا مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] وقال: ﴿ فَأَهْبِطِ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾
[ الأعراف: ١٣] وقال: ﴿فَأَخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ﴾ [ص: ٧٧] والضميرُ عائدٌ إلى الجنة أو السماء أو المنزلة ،
وأيًّا ما كان فمعلومٌ أنه ليس له الكونُ قدراً في المكان الذي طُرد عنه وأبعد منه ، لا على سبيل الاستقرار
ولا على سبيل المرور والاجتياز . قالوا : ومعلومٌ من ظاهر سياقاتِ القرآن أنَّه وسوسَ لآدمَ وخاطبَه بقوله
له : ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ اْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى﴾ [ ص ١٢٠] وبقوله: ﴿ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ
تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْتَكُوْنَا مِنَ الْخَالِدِينَ الَْهُ وَقَاسَمَهُمَا إِى لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ ﴿يَا فَلَّنْهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [ الأعراف ٢٠ - ٢٢] الآية.
وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنَّتهما . وقد أُجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمعَ بهما في الجنَّة على
سبيل المرور فيها ، لا على سبيل الاستقرار بها ، أو أنَّه وسوسَ لهما وهو على باب الجنة أو من تحت
السماء .
وفي الثلاثة نظر ، والله أعلم .
ومما احتجَّ به أصحابُ هذه المقالة: ما رواه عبدُ الله بن الإمام أحمد في الزيادات، عن هُدبة بن
خالد ، عن حمَّاد بن سلمةً ، عن حُميد ، عن الحسن البصريّ ، عن عُنَّيّ بن ضَمْرة السعديّ، عن أبيّ بن
كعب ، قال : إنَّ آدمَ لما احتُضرَ اشتهى قِطْفاً من عِنَب الجنَّة، فانطلقَ بنوه ليطلبوه له، فلقيتْهم الملائكةُ ،
فقالوا : أينَ تُريدونَ يا بني آدمَ ؟! فقالوا : إنَّ أبانا اشتهى قِطْفاً من عِنَبِ الجنَّة . فقالوا لهم : ارجعوا فقد
في المطبوع : والله أعلم بالصواب من ذلك .
(١)
(٢) انظر التفسير الكبير؛ للفخر الرازي (٣/٣ - ٤).
(٣) في أ : وعن .
١٢٠
باب ما ورد في خلق آدم عليه السلام
كُفيتمُوه . فانتهوا إليه فقَبضُوا روحَه، وغسَّلوه وحنَّطوه وكفَّنوه،، وصلَّى عليه جبريلُ ومنْ خلفَه من
الملائكة ، ودفنوه . وقالوا : هذه سُنَّتكم في موتاكم . وسيأتي الحديث بسنده ، وتمام لفظه عند ذكر وفاة
آدم عليه السلام .
قالوا : فلولا أنَّه كان الوصولُ إلى الجنَّة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها القِطْفَ ممكناً لما ذهبوا
يطلبونَ ذلك ، فدلَّ على أنها في الأرض لا في السماء ، والله تعالى أعلم .
قالوا: والاحتجاجُ بأنَّ الألف واللام في قوله: ﴿ وَبَعَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [ الأعراف: ١٩] لم
يتقدَّم عهد يعود عليه ، فهو المعهود الذهني مُسلَّم ، ولكن هو ما دلَّ عليه سياق الكلام ، فإن آدمَ خُلِقَ من
الأرض ، ولم يُنقل أنه رُفعَ إلى السماء ، وخُلقَ ليكونَ في الأرض ، وبهذا أعلمَ الربُّ ، حيث قال :
﴿ إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ ﴾ [ البقرة: ٣٠].
قالوا: وهذا كقوله تعالى: ﴿ بَلَوْنَا أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧ ] فالألفُ واللام ليس للعموم ولم يتقدَّم
معهودٌ لفظيٍّ ، وإنما هي للمعهود الذهني الذي دلَّ عليه السياق ، وهو البستان .
قالوا: وذِكرُ الهبوط لا يدلُّ على النزول من السماء ، قال الله تعالى: ﴿قِلَ يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِنَّا
وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىَّ أُمَمٍ مِّعَنْ قَعَكََّ﴾ [هود: ٤٨] الآية. وإنما كانَ في السفينةُ(١) حين استقرت على
الجوديِّ، ونضبَ الماءُ عن وجه الأرضِ ، أُمرَ أن يهبطَ إليها هو ومن معه ، مباركاً عليه وعليهم ، وقال
الله تعالى: ﴿أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] الآية وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ
خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ٧٤] الآية . وفي الأحاديث واللغة من هذا كثير.
قالوا : ولا مانعَ - بل هو الواقع - أن الجنَّة التي أُسكنها آدمُ كانت مرتفعةً على سائر بقاع الأرض ،
ذات أشجار وثمار وظلال ونعيم ونُضْرة وسرور ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [ طه:
١١٨] أي: لا يذلُّ باطنُكَ بالجوع، ولا ظاهرُك بالعُرْي: ﴿ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيَهَا وَلَا تَضْحَى ﴾ [ طه: ١١٩]
أي : لا يمسُّ باطنك حرُّ الظمأ ولا ظاهرك حرُّ الشمس . ولهذا قرنَ بين هذا وهذا ، وبين هذا وهذا ؛ لما
بينهما من المقابلة ٢)
فلما كان منه ما كان من أكله من الشجرة التي نُهي عنها ؛ أُهبط إلى أرض الشقاء والتعب والنَّصب
والكد٣ّ) والسعي والنَّكد والابتلاء والاختبار والامتحان، واختلاف السكان دِيناً وأخلاقاً وأعمالاً
(١) في نسخة : السفين.
(٢) في المطبوع : الملائمة .
(٣) كذا في الأصل ، وفي المطبوع : والكَدَر .