النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
أنهم يستغفرون للمؤمنين بظهر الغيب ، كما قال تعالى: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ
رَحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَنَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَ الْجَمِ (٥َ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنََّتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن
صَلَحَ مِنْ ءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَّقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ
فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧ -٩]. ولما كانت سجاياهمُ(١) هذه السجية الطاهرة كانوا
يُحِبُّونَ من اتَّصفَ بهذه الصفة ، فثبت في الحديث عن الصادق المصدوق أنه قال: ((إذا دعا العبد لأخيه
بظهر الغيب قال الملك : آمين ولك بمثل )(٢) .
ومنهم: سكّان السموات السبع، يعمرونها عبادة دائبة، ليلاً ونهاراً، صباحاً ومساءً، كما قال [تعالى]:
﴿ يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. فمنهم الراكعُ دائماً، و[ومنهم (٣) القائمُ دائماً،
والساجدُ دائماً . ومنهم الذين يتعاقبون زمرة بعدَ زمرةٍ إلى البيت المعمور كل يوم سبعون ألفاً ، لا يعودون
إليه آخر ما عليهم. ومنهم الموكَّلون بالجنان، وإعداد الكرامة لأهلها ، وتهيئة الضيافة لساكنيها من ملابس
ومصاغ ومساكن ومآكل ومشارب وغير ذلك مما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌّ سمعت ولا خطرَ على قلب بشر .
وخازنُ الجنَّةَ مَلكٌ يقالُ له : رضوان ، جاء مصرَّحاً به في بعض الأحاديث .
ومنهم الموّلون بالنَّار وهم الزبانية، ومقدَّموهم تسعة عشر، وخازنُها مالكٌ، وهو مُقدَّم على جميع
الخزنة، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِىِ النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَدْعُواْرَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ
اُلْعَذَابِ﴾ [ غافر : ٤٩ ] الآية .
وقال تعالى: ﴿ وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ قَالَ إِنَّكُم مََّكِنُونَ (٣٦) لَقَدْ ◌ِشْتَكُمْ بِالْقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ
كَرِهُونَ ﴾ [الزخرف: ٧٧ - ٧٨] وقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَئِكَةُ غِلَاظٌ شِدَارٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿٢) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّا مَلَكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً
لِلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْفِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَّ وَلَا يَنَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُونٌّ وَلِيقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ وَالْكَفِرُونَ
مَاذَا أَرَدَ اللَّهُ بِهِذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَمَهْدِى مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلََّّهُوَ ﴾ [المدثر: ٣٠ -٣١].
ومنهمُ(٤): المؤكّلون بحفظ بني آدم، كما قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِّنكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ
هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِلنَّهَارِ ﴿ لَمُ مُعَقِّبَتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَلَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ
حَتَّى يُغَيِرُواْمَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَّ لَهُمْ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ [ الرعد: ١٠ - ١١].
(١) سجاياهم : طباعهم .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ( ٢٧٣٢) في الذكر والدعاء ، وأبو داود في سننه (١٥٣٤) في الصلاة ، عن أبي الدرداء
رضي الله عنه .
(٣) ما بين حاصرتين أثبته من أ.
(٤) في المطبوع : وهم ، وهو خطأ .

٨٢
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
قال الوالبي(١)؛ عن ابن عباس: ﴿لَمُ مُعَقِّبَتُ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [ الرعد: ١١]
[ والمعقبات من أمر الله }٢) هي الملائكة . وقال عكرمة عن ابن عباس ؛ يحفظونه من أمر الله : قال :
ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خَلَّوا عنه (٣) . وقال مجاهد : ما من عبد إلا
ومَلَكٌ موكّلٌ بحفظِه في نومِه ويقظتِهِ من الجِنِّ والإنسِ والهوامّ ، وليس شيء يأتيه يُريده إلا قال: وراءَك ،
إلا شيء يأذنُ الله فيه فيصيبه(٤) . وقال أبو أمامة : ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه حتى يسلِّمه للذي
قدِّر له (٥) . وقال أبو مجلز : جاء رجلٌ إلى علي فقال : إن نفراً من مراد يُريدون قتلكَ ، فقال: إن مع كلِّ
رجلٍ مَلَكين يحفظانِهِ مما لم يُقدَّر، فإذا جاءَ القدَرُ خلَّيًا بينَه وبينه، إنَّ الأجل جُنَّةٌ حصينة (٦) .
ومنهم : المؤكّلون بحفظ أعمال العباد، كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِدٌ ◌ِنْهَمَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾
كِرَامًا كَئِبِينَ
لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَخَفِظِينَ
[ الانفطار: ١٠ - ١٢]. قال الحافظُ أبو محمد عبدُ الرحمن بن أبي حاتم الرازيّ في تفسيره: حدَّثنا أبي ،
حدَّثنا علي بن محمد الطَّنافسيّ، حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا سفيان ومِسْعر ، عن علقمةَ بن مَرْئد ، عن
مجاهد، قال: قال رسول الله بَّهُ: ((أكرموا الكرامَ الكاتبينَ الذين لا يُفارقونَكُم إلا عندَ إحدى حالتين؛
الجنَابة والغائط، فإذا اغتسلَ أحدُكم فليستتر بجِذْم حائطٍ، أو ببعيره، أو ليستُرْه أخوه )(٧) .
هذا مرسلٌ من هذا الوجه، وقد وصلَه البزَّارُ في (( مسنده)): من طريق حفص(٨) بن سليمان
القارىء، وفيه كلام عن علقمة، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله رَ له: ((إن الله
ينهاكم عن التَّعرِّي ، فاستحيوا من ملائكة الله الذينَ معكم الكرام الكاتبين ، الذين لا يفارقُونكم إلا عند
إحدى ثلاث حالات : الغائط ، والجنابة ، والغسل . فإذا اغتسلَ أحدُكم بالعَراء فَلْيَسْتَرْ بثوبِهِ ، أو بجِذْمٍ
حائطٍ، أو ببعيره (٩) . ومعنى إكرامهم أن يُستحيا منهم فلا يُمْلى عليهم الأعمال القبيحة التي يكتبونها ،
فإن الله خلقَهم كراماً في خَلْقهم وأخلاقِهم .
(١) الوالبي : هو أبو خالد الوالبي المفسر ، يروي عن عبد الله بن عباس ، وجابر بن سمرة ، وعنه فِطْرُ بن خليفة ،
وعطية العوفي، وغيرهما . انظر تاريخ الطبري (١٢/١).
(٢) ما بين حاصرتين أثبته من ب .
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٣٥١).
(٤)
المصدر السابق (٣٥٢/٧) والهوامّ : السِّباع .
(٥)
المصدر السابق (٧/ ٣٥٥) . ويذود : يُدافع .
(٦)
المصدر السابق (٣٥٤/٧). وجُنَّة : درع .
(٧) تفسير القرآن العظيم ؛ للحافظ ابن كثير (٤/ ٥٦٩) وجِذْمُ الحائط : أصله ، أو قطعة منه .
(٨)
في المطبوع : جعفر ، وهو خطأ .
(٩) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٣١٧) وذكره الهيثمي في المجمع (٢٦٨/١) وقال البزار: لا نعلمه يُروى
عن ابن عباس إلا من هذا الوجه ، وحفصٌ: لَيِّنُ الحديث . والعراء : الفضاء من الأرض .

٨٣
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
ومن كرمهم أنه قد ثبتَ في الحديث المرويّ في الصحاح والسنن والمسانيد من حديث جماعة من
الصحابة عن رسول الله ربَّول أنه قال: ((لا تدخلُ الملائكةُ بيتاً فيه صورةٌ ولا كَلْبٌ ولا جُنُبٌ)»(١) وفي
رواية: عن عاصم بن ضَمْرة، عن عليّ: (( ولا بَوْلٌ)(٢) . وفي رواية رافع ، عن أبي سعيد ، مرفوعاً:
(( لا تدخلُ الملائكة بيتاً فيه صورةٌ ولا تِمْثالٌ)(٣) . وفي رواية مجاهد : عن أبي هريرة ، مرفوعاً
(( لا تدخلُ الملائكةُ بيتاً فيه كَلْبٌ أو تمثالٌ)(٤) . وفي رواية ذكوان أبي صالح السَّمَّان : عن أبي هريرة ،
قال: قال رسول الله وَ له: ((لا تصحبُ الملائكةُ رُفقةً معهم كَلْبٌ أو جَرَسٌ)(٥). ورواه زُرَارة بن أوفى
عنه (( لا تصحب الملائكةُ رُفقةً معهم جَرَسٌ)(٦) .
وقال البزار(٧) : حدَّثنا إسحاق بن سليمان البغدادي ، المعروف بالفلوسيّ. حدَّثنا بيانُ بن حمران ،
حدَّثنا سَلَّم، عن منصور بن زاذان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليه:
((إن ملائكةَ الله يعرفون بني آدم - وأحسبه قال : - ويعرفون أعمالَهم، فإذا نظروا إلى عبدٍ يعملُ بطاعة الله
ذكروه بينهم ، وسمَّوه ، وقالوا : أفلح الليلة فلان ، نجا الليلة فلان ، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصيةٍ
الله ذكرُوه بينَهم وسمَّوْهُ، وقالوا : هلكَ فلانٌ الليلةَ)). ثم قال: سلاَّم - أحسبه - سَلاَّم المدائني ، وهو
لَيِّنُ الحديث .
وقد قال البخاري(٨): حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا شُعَيْبٌ، حدَّثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج ، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّه: «الملائكةُ يتعاقبون، ملائكةٌ باللَّيل وملائكةٌ بالنهار ، ويجتمعونَ
في صلاة الفجر وفي صلاة العصر ، ثم يعرجُ إليه الذين باتو(٩) فيكم فيسألهم - وهو أعلم - فيقول : كيف
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢٢٧) في الطهارة، و(٤١٥٢) في اللباس والنسائي في المجتبى (١٤١/١) في
الطهارة ، عن عليٍّ رضي الله عنه وفي إسناده ضعف وقد صح دون الجنب ، فهو في الصحيحين من حديث عائشة
وأبي طلحة .
(٢) أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٤٦) وإسناده ضعيف جداً ، فيه الحسن بن ذكوان : ليس بالقوي ، وعمرو بن خالد
القرشي ؛ متروك .
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (٩٦٥/٢) والترمذي في الجامع (٢٨٠٥) في الأدب وقال: حسن صحيح، وهو كما
قال .
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ( ٤١٥٨) في اللباس، والترمذي في الجامع (٢٨٠٦) في الأدب.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه ( ٢١١٣) في اللباس وأبو داود في سننه (٢٥٥٥) في الجهاد ، والترمذي في الجامع
(١٧٠٣ ) في الجهاد .
(٦) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٨٥ و٤١٤) من حديث زرارة بن أوفى عن أبي هريرة ، وهو حديث صحيح .
(٧) كما في كشف الأستار (٣٢١٤) وذكره الهيثمي في المجمع (٢٢٦/١٠) وقال : رواه البزار وفيه من لم أعرفهم .
(٨) في صحيحه (٣٢٢٣) في بدء الخلق .
(٩) في البخاري : كانوا ، وفي أ : يأتون .

٨٤
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
تركتُم عبادي ؟ فيقولون: تركناهم وهم يُصَلُّون ، وأتيناهم وهُم يُصَلُّون )) . هذا لفظه في كتاب بدء الخلق
بهذا السياق ، وهذا اللفظ تفرَّد به دون مسلم من هذا الوجه .
وقد أخرجاه في الصحيحينُ(١) : من حديث مالك عن أبي الزناد به .
وقال البَزَّارُ(٢): حدَّثنا زيادُ بن أيوب، حدَّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي ، حدَّثنا تمام بن نَجِيْح ، عن
الحسن - يعني البَصْري - عن أنس، قال: قال رسول اللهِ وَالَ: (( ما من حافظين، يرفعانِ إلى الله
عزَّ وجلَّ ما حفظا في يوم ، فيرى الله تبارك وتعالى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفاراً ، إلا قال الله :
قد غفرتُ لعبدي ما بينَ طرفي الصحيفة )). ثم قال: تفرَّد به تمَّام بن نَجيح ، وهو صالح الحديث .
قلت : وقد وثَّقه ابنُ مَعينُ(٣)، وضعَفه البخاريُ(٤) وأبو حاتمُ(٥) وأبو زُرعة٦ُ) والنَّسائي(١) وابن
عديُ(٨)، ورماه ابن حبان بالوضعُ(٩). وقال الإمام أحمدٌ ١): لا أعرف حقيقة أمره .
والمقصودُ أنَّ كلَّ إنسانٍ له حافظان مَلَكان اثنان، واحدٌ من بين يديه ، وآخرُ من خلفه ، يحفظانِهِ من أمر
الله بأمر الله عزَّ وجلَّ . ومَلَكان كاتبانٍ عن يمينهِ وعن شمالِه ، وكاتبُ اليمين أميرٌ على كاتبِ الشمال، كما
ذكرنا١) ذلك عند قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِدٌ(١٦) مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ﴾ [ق: ١٧ -١٨].
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد١٢): حدَّثنا أسود بن عامر، حدَّثنا سفيان ، حدَّثنا منصور ، عن
سالم بن أبي الجَعْد ، عن أبيه، عن عبد الله هو - ابن مسعود - قال: قال رسول الله وَليقول: (( ما منكم من
أحدٍ إلا وقد وُكِّلَ به قرينُه من الجنِّ وقرينُه من الملائكةِ)) قالوا: وإيّاكَ يا رسولَ الله؟ قال: ((وإياي ،
ولكنَّ الله أعانني علیه فلا يأمُرني إلا بخيرٍ )) .
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٥٥) في الصلاة. ومسلم في صحيحه (٦٣٢) في المساجد ومواضع الصلاة عن
أبي هريرة رضي الله عنه .
(٢)
كما في كشف الأستار ( ٣٢٥٢).
تاريخ الدوري عن ابن معين (٦٦/٢).
(٣)
تاريخه الكبير ٢/ الترجمة (٢٠٤٦) .
(٤)
الجرح والتعديل ٢ / الترجمة (١٧٨٨).
(٥)
سؤالات البرذعي (٥٤٨/٢) والجرح والتعديل ٢/ الترجمة (١٧٨٨).
(٦)
(٧)
الضعفاء والمتروكون (٩٢) .
(٨)
الكامل (٢ /٥١٤) .
(٩) المجروحين (٢٠٤/١).
(١٠) تهذيب الكمال (٣٢٤/٤ _٣٢٥).
(١١) تفسير ابن كثير (٢٦٣/٤).
(١٢) أخرجه أحمد في المسند (٣٨٥/١).

٨٥
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
انفردَ بإخراجه مسلمٌ(١) : من حديث منصور به .
فيحتملُ أنَّ هذا القرينَ من الملائكة غير القرين لحفظِ الإنسان ، وإنما هو موگّل به ليرشده ويهدیَه بإذن
ربِّه إلى سبيلِ الخير وطريق الرشاد ، كما أنه قد وُكِّل به القرينُ من الشياطين لا يألوه جهداً في الخَبالْ(٢)
والإضلال ، والمعصومُ من عصم الله عزَّ وجلَّ ، وبالله المستعان .
وقال البخاري(٣): حدَّثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ، حدَّثنا ابنُ شهاب ، عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن والأغرِّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله بَّهَ: ((إذا كان يومُ الجمعةِ ،
كانَ على كلِّ بابٍ من أبوابِ المسجدِ ملائكةٌ يكتبونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، فإذا جلسَ الإمامُ طَوَوُا الصُّحفَ ،
وجَاؤُوا يستمعونَ الذِّكْرَ )) .
وهكذا رواه منفرداً به من هذا الوجه ، وهو في الصحيحين(٤) من وجه آخر .
وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [ الإسراء: ٧٨].
وقال الإمام أحمد(٥): حدَّثنا أسباط، حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعود، عن النبي ◌َّ.
وحدَّثنا الأعمشُ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ◌َِّ في قوله: ((﴿ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ
اٌلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾)) [الإسراء: ٧٨] قال: ((تشهدُه ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهار)). ورواه الترمذيّ(٦) ،
والنَّسائيّ(٧) ، وابن ماجه، من حديث أسباط. وقال الترمذي : حسن صحيح . قلت : وهو منقطع(٨)
وقال البخاري(٩): حدَّثنا عبدُ الله بن محمّد، حدَّثنا عبدُ الرَّزاق ، أنبأنا مَعْمر ، عن الزهري ، عن
أبي سلمةَ وسعيدٍ بن المُسَيِّب، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ََّ: قال: (( فضلُ صلاة الجَمْعِ على صلاة
الواحد خمسٌ وعشرون درجة، ويجتمعُ ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر)» . يقول
أبو هريرة: اقرؤُوا إن شئتم: ﴿ وَقُرْءَانَ الْفَحْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [ الإسراء: ٧٨].
وقال البخاري(١٠): حدَّثنا مُسَدَّد، قال أبو عَوانة ، عن الأعمش ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨١٤) (٦٩) في المنافقين .
(٢) ((الخبال)): الفساد .
(٣)
في صحيحه (٣٢١١) في بدء الخلق .
أخرجه البخاري في صحيحه (٩٢٩) في الجمعة ، ومسلم في صحيحه ( ٨٥٠ ) في الجمعة .
(٤)
في المسند (٢/ ٤٧٤) أقول: لكنه حديث صحيح، تشهد له الروايات التي ذكرها المصنف بعدها .
(٥)
(٦)
في جامعه (٣١٣٥) في التفسير.
(٧)
في التفسير (٣١٣).
في سننه (٦٧٠) في الصلاة .
(٨)
(٩) في صحيحه ( ٤٧١٧) في التفسير وفيه : في صلاة الصبح .
(١٠) في صحيحه (٣٢٣٧) في بدء الخلق و (٥١٩٣) في النكاح .

٨٦
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
قال: قال رسول اللّه مَله: ((إذا دعا الرجلُ امرأته إلى فراشه فأبتْ فبات غضبانَ عليها، لعَنَتْها الملائكةُ
حتَّى تُصْبِحَ )) . تابعه شعبةُ ، وأبو حمزة ، وأبو داود ، وأبو معاوية ، عن الأعمش .
وثبت في الصحيحين: أنَّ رسول الله مَ قال: ((إذا أمَّنَ الإمامُ فأمَّنُوا، فإن منْ وافقَ تأمينُه تأمينَ
الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه (١)
وفي لفظ: ((إذا قالَ الإمامُ: آمينُ (٢) ، فإنَّ الملائكةَ تقولُ في السماء : آمين ، فمنْ وافقَ تأمينُه تأمينَ
الملائكةِ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه )(٣)
وفي صحيح البخاري(٤): حدَّثنا إسماعيل، حدَّثني مالك، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة
أنَّ النبيَّ بَّه قال: ((إذا قال الإمام سمعَ الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، فإنَّ من وافقَ
قولُه قولَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه)) . ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من حديث مالك(٥)
وقال الإمام أحمد(٦): حدَّثنا أبو معاوية ، حدَّثنا الأعمشُ ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - أو عن
أبي سعيد - هو شكَّ - يعني الأعمش - قال: قال رسول الله ◌َِّ: ((إنَّ لله ملائكةٌ سيَّحينَ في الأرض
فُضُلاً عن كتّاب النَّاس، فإذا وجدُوا أقواماً يذكرونَ اللهَ تَنادوا هَلُمُّوا إلى بُغيتكم فيجيئون [ فيحقُون }(٧)
بهم إلى السماء الدنيا ، فيقول الله : أيُّ شيءٍ تركتُم عبادي يصنعونَ؟ فَيَقُولون: تركنَاهُم يحمدونك
ويمَجّدُونك ويذكرونَكَ . فيقول : وهل رأوني ؟ فيقولونَ: لا ، فيقول : كيفَ لو رأوني ؟! فيقولون :
لو رأوكَ لكانُوا أشدَّ تحميداً وتمجيداً وذكراً . قال : فيقول : فأيُّ شيءٍ يطلبونَ ؟ فيقولون : يطلبونَ
الجنَّةَ ، فيقول : وهل رأؤها؟ فيقولونَ : لا، فيقول : فكيفَ لو رأَؤْها ؟! فيقولون : لو رأوها لكانوا
أشدَّ عليها حِرْصاً وأشدَّ لها طلباً . قال : فيقول : من أيِّ شيءٍ يتعوَّذون؟ فيقولون : منَ النَّارِ ؟ فيقول :
وهلْ رَأوْها ؟ فيقولون : لا ، فيقول : فكيفَ لو رأوها . فيقولون: لو رأوها كانوا أشدَّ منها هرباً وأشدَّ
منها خوفاً . قال : فيقول : أشهدُكم أنِّي قد غفرتُ لهم . قال : فيقولون : إن فيهم فلاناً الخطّاء لم
يُرِدْهُم ، إنما جاءَ لحاجةٍ . فيقول: هُمُ القومُ لا يشقى بهم جليسُهم)) .
وهكذا رواه البخاري(٨) عن قتيبة عن جرير بن عبد الحميد عن الأعمش به . وقال : رواه شعبة
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ( ٧٨٠) في صفة الصلاة ، ومسلم في صحيحه ( ٤١٠ ) في الصلاة ، عن أبي هريرة
رضي الله عنه .
لفظ البخاري: ((إذا قال الإمام ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين)).
(٢)
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٧٨٢) في صفة الصلاة و(٤٤٧٥) في التفسير .
(٤)
(٣٢٢٨) في بدء الخلق .
مسلم (٤٠٩)، وأبو داود (٨٤٨)، والترمذي (٢٦٧)، والنسائي (١٩٦/٢) وفي الكبرى (٦٥٠) كلهم في الصلاة .
(٥)
(٦)
في المسند (٢٥١/٢ -٢٥٢) وهو حديث صحيح .
(٧) أثبتها من المسند (٢/ ٢٥١).
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٠٨) في الدعوات .

٨٧
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
عن الأعمش ولم يرفعه ، ورفعه سهيل عن أبيه .
وقد رواه أحمد(١): عن عقَّان، عن ؤُهيب، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ِّل
بنحوه ، كما ذكره البخاري معلّقا عن سهيل (٢). ورواه مسلمُ(٣) : عن محمّد بن حاتِم ، عن بَهْز بن أسد ،
عن وُهَيْبٍ به .
وقد رواه الإمام أحمد(٤) أيضاً: عن غُنْدَر، عن شُعبة ، عن سليمانَ ــ هو الأعمش - عن أبي صالحٍ،
عن أبي هُريرة [ لم يرفعه نحوه (٥)، كما أشارَ إليه البخاريُّ رحمه الله(٦).
وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، وابنُ نمير ، أخبرنا الأعمشُ ، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قالَ رسولُ الله ◌ِِّ: ((من نَفَّسَ عن مُؤمنٍ كُرْبَةً من كُرَبِ الدُّنيا ، نَفَّس
الله عنه كُرْبة من كُرَبِ يوم القيامة، ومنْ سترَ مسلماً ستره الله في الدُّنيا والآخرة، [ ومن يسَّر عن مُعْسٍ يسَّر
الله عليه في الدنيا والآخرةَ ﴾٨) واللهُ في عونِ العَبْدِ ما كانَ العبدُ في عون أخيه ، ومن سلكَ طريقاً يلتمسُ به
علماً سهَّلَ الله له به طريقاً إلى الجنَّة ، وما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ الله يتلونَ كتابَ اللهِ ويتدارسونَه
بينهم ، إلا نزلتْ عليهم السكينةُ، وغشيتهم الرَّحمةُ، وحقَّتَهُمُ الملائكةُ، وذكرَهم الله فيمن عنده ، ومنْ
بَطَّأ به عملُه لم يُسرعْ به نسبُه )) .
وكذا رواه مسلمُ(٩) من حديث أبي معاوية .
وقال الإمام أحمد١٠): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثْنا مَعْمر ، عن أبي إسحاق ، عن الأغَرّ - أبي مسلم -
عن أبي هريرة وأبي سعيد، عن رسول الله وَ له، قال: (( ما اجتمعَ قومٌ يذكرونَ اللهَ إلا حقَّتهم الملائكةُ،
وغشيتهم١١ُ) الرحمةُ، ونزلتْ عليهم السَّكينةُ، وذكرَهم الله فيمن عندَه )) .
وكذا رواه(١٢) أيضاً: من حديث إسرائيل وسفيان الثوري وشعبة ، عن أبي إسحاق به ، نحوه .
(١) في المسند (٢ /٢٥٨ - ٢٥٩).
(٢) أخرجه عقيب الحديث (٦٤٠٨).
في صحيحه ( ٢٦٨٩) في الذكر والدعاء .
(٣)
(٤)
في المسند (٢/ ٢٥٢) .
(٥) ما بين حاصرتين سقط من المطبوع.
عقيب الحديث (٦٤٠٨) من صحيحه .
(٦)
في المسند (٢/ ٢٥٢) .
(٧)
(٨) ما بين حاصرتين أثبته من المسند .
(٩) في صحيحه (٢٦٩٩) في الذكر والدعاء .
(١٠) في المسند ( ٩٤/٣).
(١١) في المسند : وتغشتهم.
(١٢) في المسند (٩٤/٣).

٨٨
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
ورواه مسلم: من حديث شعبة (١)، والترمذي من حديث الثوري(٢) وقال : حسن صحيح .
ورواه ابن ماجه(٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يحيى بن آدم ، عن عمَّار بن زريق ، عن
أبي إسحاق ، بإسناده نحوه .
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة .
وفي مسند الإمام أحمد والسنن عن أبي الدرداء، مرفوعاً: ((وإن الملائكة لتضعُ أجنحتها لطالبِ
العلم رضاً بما يصنعُ (٤) أي: تتواضع له، كما قال تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾
[ الإسراء: ٢٤] وقال تعالى: ﴿ وَأَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥].
وقال الإمام أحمد : حدَّثنا وكيع ، عن سُفيان ، عن عبد الله بن السَّائب ، عن زاذان ، عن عبد الله بن
مسعود، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّهِ قال: ((إن لله ملائكة سيَّحينَ في الأرضِ، لِيُبلِّغوني عن أمتي السَّلام)(٥).
وهكذا رواه النسائي(٦) من حديث سفيان الثوريّ وسُليمان الأعمش، كلاهما عن عبد الله بن السَّائب به.
وقال الإمام أحمد(٧): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا مَعْمر، عن الزهريّ ، عن عروةَ ، عن عائشة ،
قالت: قال رسول الله وَّل: ((خُلِقتِ الملائكةُ من نورٍ، وخُلِقَ الجَانُّ من مَارِجٍ من نارٍ، وخُلِقَ آدمُ مما
وُصفَ لكم)).
وهكذا رواه مسلم(٨): عن محمد بن رافع، وعَبْدِ بن حُمَيْد ، كلاهما عن عبد الرزاق به .
والأحاديث في ذكر الملائكة كثيرة جداً ، وقد ذكرنا ما يسَّره الله تعالى ، وله الحمد .
فصل : وقد اختلف الناس في مسألة تفضيل الملائكة على البشر على أقوال ؛ فأكثرُ ما توجد هذه
المسألة في كتب المتكلّمين ، والخلاف فيها مع المعتزلة ومَنْ وافقهم ، وأقدمُ كلام رأيتُه في هذه المسألة
ما ذكرَه الحافظ ابن عساكر في (( تاريخه(٩) في ترجمة أميّة بن عمرو بن سعيد بن العاص ؛ أنَّه حضرَ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ( ٢٧٠٠ ) في الذكر والدعاء .
(٢) في جامعه (٣٣٧٨) في الدعوات .
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه (٣٧٩١) في الأدب .
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٢٣٩/٤ و٢٤١) وأبو داود في سننه (٣٦٤١) في العلم، والترمذي (٢٦٨٢) في
العلم ، وابن ماجه ( ٢٢٣ ) في المقدمة .
(٥)
أخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٥٢) .
أخرجه النسائي في المجتبى ( ٤٣/٣) وفي السنن الكبرى (١٢٠٥).
(٦)
في المسند (١٥٣/٦ و١٦٨).
(٧)
في صحيحه ( ٢٩٩٦) في الزهد والرقائق .
(٨)
(٩) تاريخ دمشق (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٤).

٨٩
باب خلق الجان وقصة الشيطان
مجلساً لعمرَ بن عبد العزيز ، وعندَه جماعةٌ ، فقال عمرُ : ما أحدٌ أكرمُ على الله من كريم بني آدم ،
واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] ووافقَه على ذلك
أميّةُ بن عمرو بن سعيد ، فقال عِرَاكُ بن مالك : ما أحدٌ أكرمُ على الله من ملائكته ، هم خزنة داره ،
ورسلُه إلى أنبيائه. واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿ مَا نَهَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْتَكُونَ مِنَ الْخَلِينَ ﴾.
[ الأعراف: ٢٠] فقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القُرظي: ما تقولُ أنتَ يا أبا حمزة ! فقال: قد
أكرمَ الله آدمَ ، فخلقَه بيده ونفخ فيه من روحه ، وأسجدَ له ملائكته ، وجعلَ من ذريَّتِه الأنبياء والرسل ،
ومن يزورُه الملائكةُ(١) . فوافقَ عمرَ بن عبد العزيز في الحكم ، واستدلَّ بغير دليله . وأضعفُ دلالةٍ
ما نزعَ به من الآية، وهو قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [البيئة: ٧] بما مضمونُه أنَّها ليست
بخاصَّة بالبشر، فإنَّ الله قد وصفَ الملائكةَ بالإيمان في قوله: ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ،﴾ [غافر: ٧] وكذلك الجانّ
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىَ ءَامَنَّا بِهِ، ﴾ [الجن: ١٣] ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ [الجن: ١٤].
قلت : وأحسنُ ما يُستدلُّ به في هذه المسألة ما رواه عثمان بن سعيد الدَّارميّ : عن عبد الله بن
عمرو ، مرفوعاً، وموقوفاً، وهو أصحُ، قال: ((لمَّا خلقَ الله الجنَّة قالتِ الملائكةُ: يا ربَّنا اجعلْ لنا
هذه نأكلُ منها ونشربُ ، فإنَّك خلقتَ الدنيا لبني آدم ، فقالَ الله : لنْ أجعلَ صالحَ ذَرِّيةِ منْ خلقتُ بيدي
كمَنْ قلتُ له : كنْ فكان)»(٢) .
باب خلق الجان وقصّة الشيطان
قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنِسَنَ مِن صَلْصَلٍ كَالْفَخَّارِ (١) وَخَلَقَ الْجَاَنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَارٍ (٥) فَبِأَتِّءَالَآءِ
رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ [الرحمن: ١٤ -١٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ [٥] وَالْجَنَّ
خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن ثَّارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦ - ٢٧] وقال ابن عبّاس وعكرمة ومجاهد والحسن وغير واحد
﴿ مِن مَارِجِ مِّنْ ثَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] قالوا: من طَرَفِ اللَّهَب ، وفي رواية : من خالصِه وأحسنِهِ .
وقد ذكرنا آنفاً: من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله مَ له: (( خُلِقَتِ
الملائكةُ منْ نُورٍ، وخُلِقت الجَانُّ من مارج من نار ، وخُلِقَ آدمُ مما وُصفَ لكم )) رواه مسلم (٣) .
(١) في المصدر السابق ((وجعل من ذريته من تزوره الملائكة)).
(٢) عثمان بن سعيد الدارمي السجستاني ، محدث ، حافظ ، له كتاب المسند الكبير ، مخطوط ، ولم أجد الحديث في
المصادر الحديثية المطبوعة .
(٣) في صحيحه (٢٩٩٦) في الزهد، وتقدم ( ص ٦٥).

٩٠
باب خلق الجان وقصة الشيطان
قال كثير من علماء التفسير(١): خُلِقتِ الجِنُّ قبلَ آدَمَ عليه السلام، وكان قبلَهم في الأرض الجن
والبِنُّ ، فسلَّط الله الجن عليهم فقتلوهم وأخلوهم عنها ، وأبادوهم منها ، وسكنوها بعدهم .
وذكر الشُّدِّيُ(٢) في تفسيره : عن أبي مالك، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرَّة ، عن ابن
مسعود. وعن أناس من أصحابِ رسول الله بَّ: لما فرغَ الله من خلق ما أحبَّ استوى على العرش فجعلَ
إيليسَ على مُلْك سماء الدنيا ، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم : الجن ، وإنما سموا الجن لأنهم
خُزَّان الجنة ، وكان إبليس مع ملكه خازناً فوقعَ في صدره : إنما أعطاني الله هذا لمزية لي على الملائكة .
وذكر الضخَّاك(٣): عن ابن عباس: أن الجن لما أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء بعث الله إليهم
إبليس ومعه جند من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم عن الأرض إلى جزائر البحور .
وقال محمد بن إسحاق(٤) : عن خلاد ، عن عطاء ، عن طاووس ، عن ابن عباس : كان اسم إبليس
قبل أن يرتكبَ المعصية عزَازيل . وكان من سكَّان الأرض ، وكان من أشد الملائكة اجتهاداً ، وأكثرهم
علماً ، وكان من حيٍّ يقال لهم : الجن .
وروى ابن أبي(٥) حاتم : عن سعيد بن جُبير ، عنه : كان اسمه عزازيل ، وكان من أشرف الملائكة
من أولي الأجنحة الأربعة .
وقال سُنَيْدُ(٦) : عن حجَّاج ، عن ابن جُريج ، قال ابن عباس : كان إبليسُ من أشرف الملائكة
وأكرمهم قبيلةً ، وكان خازناً على الجنان وكان له سلطان سماء الدنيا ، وكان له سلطان الأرض .
وقال صالحٌ مولى التوأمة : عن ابن عباس ، كان يسوسُ ما بينَ السَّماء والأرض . رواه ابن جرير(٧).
وقال قتادة(٨) : عن سعيد بن المسيب : كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا .
وقال الحسن البصري(٩) : لم يكنْ من الملائكةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وإنَّه لأصلُ الجنِّ ، كما أن آدم أصل
البشر .
(١) انظر تفسير الطبري (٢٤٠/١ -٢٤١) وتفسير القرطبي (٣٠٧/١).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٢٤١).
(٣) المصدر السابق (٢٣٩/١) وتاريخ الطبري (٨٥/١).
(٤) أخرجه الطبري في التاريخ (٨٦/١) وفيه: فذلك الذي دعاهُ إلى الكبر، وكان من حيٍّ يُسمَّون جناً.
(٥)
ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره ( ٣/ ١١٤) مختصراً .
(٦) المصدر السابق (١١٤/٣) وأخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٢٣٥) وفي المطبوع: وقد أسند .
(٧)
تفسير الطبري (٢٣٦/٨)، وفي هامش أ: والجن قبيلة من الملائكة ، وربما سموا الجن ؛ لأنهم خزَّان الجنة .
(٨) المصدر السابق (٢٣٥/٨).
(٩) المصدر السابق (٨/ ٢٣٦).

٩١
باب خلق الجان وقصة الشيطان
وقال شهر بن حوشب ، وغيره : كان إبليس من الجنِّ الذينَ طردتهم (١) الملائكة فأسرَه بعضهم
فذهب به إلى السماء . رواه ابن جرير .
قالوا : فلما أراد الله خلقَ آدمَ ليكونَ في الأرض هو وذريَّته من بعده ، وصوَّر جثَّته منها ، جعلَ إبليسُ
- وهو رئيسُ الجَانِّ وأكثرُهم عبادةً إذ ذاك، وكانَ اسمُه عزازيل - يطيفُ به، فلما رآه أجوفَ علمُ(٢) أنه
خَلْقٌ لا يتمالك ، وقال : أما لئن سُلِّْتُ عليكَ لأهلكنَّكَ، ولئن (٣) سُلِّطْتَ عليَّ لأعصينَّك، فلما أنْ نفخَ
الله في آدم من روحه ، كما سيأتي(٤) ، وأمر الملائكة بالسجود له دخلَ إبليسَ منه حسد عظيم وامتنع من
السجود له وقال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ، فخالفَ الأمرَ ، واعترضَ على الربِّ
عزَّ وجلَّ ، وأخطأ في قوله ، وابتعد من رحمة ربِّه ، وأُنزلَ من مرتبتهِ التي كان قد نالَها بعبادتِه ، وكان قد
تشبّه بالملائكة ، ولم يكنْ من جنسهم ، لأنه مخلوقٌ من نار ، وهم من نور ، فخانَه طبعُه في أحوج ما كان
إليه ، ورجعَ إلى أصله الناريِّ ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَتِكُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٣) إِلَّ إِبْلِيسَ أَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ [ ص:
٧٣ - ٧٤] وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُواْ لَِدَمَ فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.
أَفَنَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلَا﴾ [ الكهف: ٥٠].
فأُهْبِطَ إبليسُ من الملأ الأعلى وحُرِّمَ عليه قدَراً أن يسكنه ، فنزلَ إلى الأرض ذليلاً حقيرا٥ً) مذؤوماً
مدحورا٦) ، متوعَّداً بالنار هو ومن اتَّبعه من الجن والإنس ، إلا أنه مع ذلك جاهدَ كلَّ الجهد على إضلال
بني آدم بكل طريق وبكلّ مَرْصدٍ(٧)، كما قال: ﴿أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَإِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّنَهُ: إِلَّا قَلِيلًا (١) قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءُ مَّوْفُورًا (٦) وَأَسْتَفْرِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ
مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٣) إِنَّ
عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [ الإسراء: ٦٢ - ٦٥].
وسنذكر القصة مستقصاه٨) عند ذكر خلق آدم عليه السلام . والمقصود أنَّ الجانَّ خُلقوا من النَّار،
وهم كبني آدمَ ، يأكلونَ ويشربونَ ويتناسلونَ ، ومنهم المؤمنون ، ومنهم الكافرون ، كما أخبر تعالى عنهم
(١) في الأصول : طردوهم، والتصحيح من تفسير الطبري ( ٢٣٦/٨).
(٢) في المطبوع . عرف .
(٣) في أ : وإن .
سيأتي في باب خلق آدم عليه السلام ( ص١٠٩ ).
(٤)
(٥) في المطبوع : حقيراً ذليلاً .
مدحوراً : مطروداً .
(٦)
(٧) مرصد : الطريق والمكان يُرصد منه العدوُ .
(٨) في المطبوع: مستفاضة . وانظر القصة في باب خلق آدم ( ص١٠٩) وما بعدها .

٩٢
باب خلق الجان وقصة الشيطان
في سورة الأحقاف ، في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْصَرَفْنَآ إِلَّكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ
فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ (3) قَالُوا يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى
اَلْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِمٍ ﴿ يَقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْلَكُمْ مِنِ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِّكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢) وَمَن لَّا
يُجِبْ دَاعِىَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِرٍ فِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِ ضَلَلِ تُّبِينٍ﴾ [ الأحقاف: ٢٩ -٣٢].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبً ﴿ يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَن
تُشْرِكَ بِنَا أَحَدًا (أَ وَنَُّ تَعَلَى جَذُّ رَبِنَا مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًّا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُنَا عَلَى اَللَّهِ شَطَطًا (١) وَأَنَّا ظَنَّا أَن ◌َّن
نَقُولَ اَلْإِنْسُ وَاَلِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا فَ وَأَنَُّ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا ﴾ وَأَنَهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَهُ أَن لَّنَ
يَبْعَثَ اَللَّهُ أَحَدًّا ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبً (٨) وَأَنَّا كُنَانَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعَ فَمَن يَسْتَمِعِ
اَلْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبَا رَصَدًا (٥) وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (٢) وَأَنَا مِنَّا الصَّلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ
كُنَّا طَرَابِقَ قِدَدًا (٦) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَّنْ تُعْجِزَ اللَّهَ فِى الْأَرْضِ وَلَنْ تُعْجِزَهُ هَرَبًا (٢٦) وَأَنَا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىّ ءَامَنَّا بِهِ، فَمَن يُؤْمِنُ بِرَبِهِ،
وَأَمَّا الْقَسِطُونَ
جَ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونِّ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًا (
فَلاَ يَخَافُ بَحْسَا وَلَا رَهَقًّا
فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٦) وَأَلَّوِ اسْتَقَدّمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُمْ مَّةَ غَدَقًا (١) لِنَفْئِنَهُمْ فِيَةٍ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِهِ، يَسْلُكْهُ عَذَابًا
صَعَدًا﴾ [ الجن: ١ - ١٧ ].
وقد ذكرنا تفسيرَ هذه السورة (١) ، وتمامَ القِصَّة في آخر سورة الأحقاف، وذكرنا الأحاديثَ المتعلّقة
بذلك هنالك، وأنَّ هؤلاء النَّفْرَ كانوا من جن ((نصيبين)) وفي بعض الآثار من جن (( بصرى)) ، وأنَّهم مؤُوا
بِرسولِ الله ◌َِّ وهو قائمٌ يُصلِّ بأصحابه ببطنِ نخلةَ منْ أرضٍ مَّة، فوقفُوا فاستمعُوا لقراءته(٢).
ثم اجتمعَ بهم النبيُّ ليلةً كاملةً ، فسألوه عن أشياءَ أمرهم بها ونهاهم عنها ، وسألوه الزاد ، فقال
لهم : (( كلُّ عظم ذُكِرَ اسمُ الله عليه ، تجدونَه أوفرَ ما يكون لحماً ، وكلُّ روثةٍ علفٌ لدوابِّكم)) ونهى النبيُّ
وَ النَّاسَ أن يستنْجوا بهما، وقال: ((إنَّهما زادُ إخوانكم الجِنّ)»(٣).
ونهى عن البول في الأسواق (٤) ، لأنَّها مساكنُ الجنِّ .
وقرأ رسولُ اللهَ بَّر عليهم سورةً الرحمن، فما جعلَ يمرُّ بآية فيها ﴿ فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾
[ الرحمن: ١٣]. إلا قالوا: ولا بشيءٍ من آلائكِ ربَّنا نُكَذِّبُ، فلكَ الحمدُ.
وقد أثنى عليهم النبيُّ وَّلَ في ذلك لما قرأ هذه السورة على الناس فسكتُوا. فقال: ((الجنُّ كانوا
(١) انظر تفسير القرآن العظيم؛ للمؤلف الحافظ ابن كثير (١٩٢/٤ - ٢٠٢).
(٢) المصدر السابق (٤/ ١٩٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٤٥٠) في الصلاة ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(٤) في المطبوع : السرب .

٩٣
باب خلق الجان وقصة الشيطان
أحسنَ منكم ردّاً ، ما قرأت عليهم ﴿ فَأَيِّءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالوا: ولا بشيءٍ من آلائك ربَّنا نُكَذِّبُ
ولكَ الحمدُ )). رواه الترمذيُّ: عن جابر، وابنُ جرير والبزَّار عن ابن عمر(١).
وقد اختلف العلماءُ في مؤمني الجنِّ هل يدخلون (٢) الجنة، أو يكونُ جزاء طائعهم أن لا يعذَّبَ في
النار فقط . على قولين : الصحيحُ أنهم يدخلون الجنَّة لعمومات (٣) القرآن ، ولخصوص قوله تعالى:
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّ جََّانِ (١٦) فَأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦ -٤٧ ]فامتنَّ تعالى عليهم بذلك، فلولا أنهم
ينالونه لما ذكرَه وعدَّه عليهم من النِّعمِ ، وهذا وحدَه دليلٌ مستقلٌّ كافٍ في المسألة ، والله أعلم .
وقال البخاري(٤): حدَّثنا قُتَيْبة، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبي صعصعة ، عن أبيه ، أن أبا سعيد الخدريَّ قال له : إني أراك تُحبُّ الغنمَ والباديةَ ، فإذا كنتَ في
غنمكَ وباديتك فأذَّنتَ بالصَّلاة ، فارفع صوتك بالنِّداء ، فإنَّه لا يسمعُ مدَى صوتِ المؤذِّن جِنٍّ ولا إنسٌ
ولا شيءٌ إلا شهدَ له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعتُه من رسولِ اللهِ وَله. انفردَ به البخاري دون
مسلم .
وأما كافرو الجِنِّ فمنهم الشياطين، ومقدَّمُهُم الأكبرُ إبليسُ عدؤُ آدم أبي البشر، وقد سُلِّطَ(٥) هو
وذريَّته على آدمَ وذريَّتِهِ ، وتكفَّل الله عزَّ وجلَّ بعصمةٍ منْ آمنَ به ، وصدَّق رسلَه ، واتَّبع شرعه منهم ، كما
قال: ﴿إِنَّعِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥ ] وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ
عَلَيْهِمْ إِيْلِسُ ظَنَهُ فَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِينَ ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّنِ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِعَّنْ هُوَ
مِنْهَا فِى شَِّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَّظُ﴾ [ سبأ: ٢٠] وقال تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَآدَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَنُ كَمَا أَخْرَجَ
أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِيَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَتِهِمَاً إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيْلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةَ
لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧].
وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ إِنِ خَلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن ◌ُوحِى
٢٩
◌َ فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿ إِلَّ إِبْلِسَ أَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ ﴿ قَالَ يَكِلِيسُ مَا لَكَ أَلَّ
فَقَعُوْ لَهُ سَجِدِينَ
◌َ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَمَلٍ مَّسْنُونٍ ﴿ قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ (٦) وَإِنَّ
تَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ
عَلَيْكَ اَلَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٢٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرُنِيِّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِيِنَّ (٣٢) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ اٌلْمَعْلُومِ
(١) أخرجه الترمذي في الجامع (٣٢٩١) في التفسير عن جابر وقال: ((هذا حديث غريب))، وابن جرير في التفسير
(١١/ ٥٨٢) عن ابن عمر ، أقول: وهو حديث حسن.
(٢) في هامش أ : بيان هل يدخل الجنة أم لا ؟ .
(٣) في المطبوع : لعموم القرآن ، ولعموم قوله تعالى .
(٤) في صحيحه (٣٢٩٦) في بدء الخلق .
(٥) كذا في الأصول ، وفي المطبوع : سلَّطه .

٩٤
باب خلق الجان وقصة الشيطان
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَ
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَّيِّنَنَّ لَهُمْ فِ اُلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌّ ◌ِ﴿) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِبِنَ الْ
مُسْتَقِيرٌ (٤) إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ إِلَّا مَنِ اتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤) وَإِنَّ جَهَنََّ لَمَوْعِدُ هُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ
لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ قَفْسُومُ﴾ [ الحجر: ٢٨ - ٤٤].
وقد ذكرَ تعالى هذه القصَّةَ في سورة البقرة ، وفي الأعراف ، وهاهنا١ً) ، وفي سورة سبحانَ ، وفي
سورة طه ، وفي سورة ص . وقد تكلّمنا على ذلك كله في مواضعه في كتابنا التفسير ولله الحمد .
وسنوردها في قصة آدمَ إن شاء الله تعالى(٢).
والمقصودُ أنَّ إبليسَ أنظرهَ الله إلى يوم القيامة محنةً لعباده ، واختباراً منه لهم ، كما قال تعالى :
وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيُّطُ ﴾ [ سبأ:
٢١] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَّتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لَِ
عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى فَلَا تَلُومُونِ وَلُومُوَاْ أَنفُسَكُمْ مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِخِىٌّ
إِ كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَ كْتُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٦) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمَّ تِيَّنُهُمْ فِيَهَا سَلَمُ﴾ [إبراهيم: ٢٢ - ٢٣].
فإبليسُ لعنه الله حيٌّ الآن ، منظَرٌ إلى يوم القيامة بنصِّ القرآن، وله عرشٌ على وجه البحر، وهو جالسٌ
عليه ، ويبعثُ سراياه يُلقون بينَ النَّاس الشَّرَّ والفتنَ. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾
[ النساء: ٧٦] وكان اسمُه قبلَ معصيته العظيمة عزازيل، قال النَّقَّاشُ: وكنيته : أبو كردوس ، ولهذا لما
قال النبيُّ لابن صيّاد: (( ما ترى؟)(٣) قال: أرى عرشاً على الماء. فقال له النبيُّ نَّهِ: ((اخسأُ فلنْ تعدو
قَدْرَكَ )(٤) فعرفَ أن مادَّة مكاشفته التي كاشفَه بها شيطانيَّة ، مستمدَّة من إبليس الذي هو يُشاهد عرشَه على
البحر، ولهذا قال له : ((اخسأ فلنْ تعدو قَدْركَ)) (٤) أي: لن تُجاوزَ قيمتك الدنيَّة الخسيسة الحقيرة.
والدليلُ على أنَّ عرشَ إبليسَ على البحر الحديثُ الذي رواه الإمام أحمد : حدَّثنا أبو المغيرة ، حذَّثنا
صفوان، حدَّثني ماعز التميمي، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله وَ الَ: ((عرشُ إبليس
[على] البحر، يبعثُ سراياه في كلِّ يوم يفتنون النَّاسَ، فأعظمُهم عندَه منزلةً أعظمُهم فتنةً للناس )(٥) .
وقال أحمد(٦): حدَّثنا روح، حدَّثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير ، أنَّه سمعَ جابر بن عبد الله
(١) أي : في سورة الحجر .
(٢) انظر باب خلق آدم عليه السلام (ص١٠٩).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٦٦/٣ و٩٧) عن أبي سعيد الخدري و(٣٨٨/٣) عن جابر.
(٤)
أخرجه مسلم في صحيحه ( ٢٩٣٠ ) في الفتن وأشراط الساعة .
في المسند (٣٥٤/٣) .
(٥)
(٦) في المسند (٣/ ٣٨٤).

٩٥
باب خلق الجان وقصة الشيطان
يقول: سمعتُ رسول الله وَ لَه يقول: ((عرشُ إبليسَ على البحر، يبعثُ سراياه، فيفتنون النَّاس،
فأعظمُهم عنده أعظمهم فتنةً )) تفرَّد به من هذا الوجه .
وقال أحمد(١): حدَّثنا مُؤمَّل، حدَّثنا حمَّاد، حدَّثنا علي بن زَيْد ، عن أبي نضرة ، عن جابر بن
عبد الله، قال: قال رسول الله وح له لابن صائد: ((ما ترى؟ قال: أرى عرشاً على الماء - أو على البحر -
حولَه حَيَّات)) قال ◌َّ: ذاك عرش إبليس. هكذا رواه في مسند جابر.
وقال في مسند أبي سعيد(٢): حدَّثنا عقَّان، حدَّثنا حمَّاد بن سَلَمةَ ، أنبأنا عليُّ بن زَيْد ، عن
أبي نَضْرة، عن أبي سعيد؛ أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال لابن صيّاد: (( ما ترى؟)) قال: أرى عرشاً على البحر
حوله الحَيَّات. فقال رسول الله وَّ: (صَدَقَ، ذاك عرشُ إبليس)).
وروى الإمام أحمد (٣) : من طريق ماعز التَّميميّ وأبي الزُّبير ، عن جابر بن عبد الله، قال : قال
رسول الله وَّل: ((إنَّ الشيطانَ قد يئسَ أن يعبدَه المُصلُّونَ، ولكن في التحريش بينهم)).
وروى الإمام مسلم(٤) : من حديث الأعمش ، عن أبي سفيان - طلحة بن نافع - عن جابر ، عن النبي
وَ﴿ قال: ((إنَّ الشيطانَ يضعُ عرشه على الماء ، ثم يبعثُ سَراياه في النَّاسِ ، فأقربُهم عندَه منزلةً أعظمهم
عنده فتنة ، يجيءُ أحدُهم فيقول : ما زلتُ بفلانٍ حتى تركته وهو يقول : كذا وكذا ، فيقول إبليس :
لا والله ما صنعتَ شيئاً. ويجيءُ أحدُهم فيقول : ما تركته حتى فرَّقت بينه وبين أهله ، قال : فيُقرِّبه
ويُدنيه . ويلتزمه . ويقول : نِعْم أنتَ )) .
يُروى بفتح النون بمعنى نَعَمْ أنت ذاك الذي تستحقُّ الإكرامَ ، وبكسرها ، أي : نِعْمَ منْكَ . وقد
استدلَّ به بعضُ النحاة على جواز كون فاعل نعم مضمراً ، وهو قليل . واختارَ شيخُنا الحافظ أبو الحجّاج
الأوَّلَ ، ورجَّحه ، ووجَّهه بما ذكرناه ، والله أعلم .
وقد أوردنا هذا الحديث(٥) عند قوله تعالى: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه٤ِ﴾ [ البقرة: ١٠٢]
يعني : أنَّ السحرَ المتلقَّى عن الشياطين من الإنس والجنِّ ، يُتوصَّل به إلى التفرقة بين المتآلفين غاية
التآلف ، المتواذَّين المتحابّين ، لهذا يشكرُ إبليسُ سعيَ من كان السبب في ذلك . فالذي ذمَّه الله يمدحُه ،
والذي يُغْضِبُ الله يُرْضيه ، عليه لعنة الله .
وقد أنزل الله عزَّ وجلَّ سورتي المعوِّذتين مطردةً لأنواع الشر وأسبابه وغاياته ، ولا سيما سورة
(١) أخرجه أحمد في المسند ( ٦٦/٣ و٣٨٨).
(٢) من المسند ( ٩٦/٣ ).
(٣) في المسند ( ٣/ ٣٥٤) عن ماعز التميميّ وهو في صحيح مسلم (٢٨١٢) في صفات المنافقين .
(٤) في صحيحه ( ٢٨١٣) (٦٧) في صفات المنافقين وقد ذكره المؤلف بالمعنى .
(٥) انظر تفسير ابن كثير (١/ ١٨٠).

٩٦
باب خلق الجان وقصة الشيطان
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ جَمَلِكِ النَّاسِ ﴿ إِلَهِ النَّاسِ ﴿ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿ الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِى
صُدُورِ النَّاسِ ﴿ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [ الناس: ١ -٦].
وثبتَ في الصحيحين(١) عن أنس، وفي صحيح البخاري(٢) عن صفيّة بنت حيي أن رسول الله وَّة
قال : ((إنَّ الشيطان يجري من ابنِ آدم مجرى الدم)).
وقال الحافظ أبو يعلى المَوْصلي(٣): حدَّثنا محمد بن بحر، حدَّثنا عديّ بن أبي عمارة، حدَّثنا زياد
النُّمَيْري، عن أنس ، قال: قال رسول الله بِّر: ((إنَّ الشيطانَ واضع خَطْمه على قَلْب ابن آدم ، فإن ذكرَ
الله خَسَ، وإن نسيَ التقمَ قلبه ، فذلك الوسواسُ الخنَّاسُ)).
ولما كانَ ذكرُ الله مطردةً للشيطان عن القلب، كان فيه تذكار للنَّاس، كما قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَبَّكَ
إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وقال صاحب موسى: ﴿ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَّكْرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣ ] وقال
تعالى: ﴿ فَأَنَسَنْهُ الشَّيْطَنُ ذِكْرَ رَبِّهِ،﴾ [ يوسف : ٤٢] يعني الساقي لما قال له يوسف: اذكرني عند
ربِّكَ ، نسيَ الساقي أن يذكرَه لربّه، يعني مولاه الملك، وكان هذا النسيانُ من الشيطان ، فلبثَ يوسفُ
في السجن بضع سنين، ولهذا قال بعد هذا ﴿ وَقَالَ الَّذِى نَّجَا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [ يوسف: ٤٥] أي: مدة.
وقُرىء ﴿بعد أَمَّة ﴾ أي : نسيان . وهذا الذي قلنا من أن الناسي هو الساقي هو الصواب من القولين، كما
قرَّرناه في التفسير(٤) ، والله أعلم .
وقال الإمام أحمد(٥): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن عاصم ، سمعتُ أبا تميمة يُحدِّث
عن رديف رسول الله وَ لجر، قال: عثرَ بالنبيِّ وَ لَهَ حمارُه، فقلت: تَعِسَ الشَّيطانُ، فقال النبيُّ ◌َيرِ:
(( لا تقلْ : تَعِسَ الشيطانُ، فإنَّك إذا قلتَ : تَعِسَ الشيطانُ تعاظَمَ ، وقال: بقوَّتي صرعتُهُ . وإذا قلتَ :
بسم الله ، تصاغرَ حتى يصيرَ مثلَ الذباب )) .
انفرد به أحمد ، وهو إسناد جيد .
وقال أحمد(٦): حدَّثنا أبو بكر الحنفي، حدَّثنا الضخَّاك بن عثمان، عن سعيد المَقْبُريّ ، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله وََّ: ((إن أحدكم إذا كان في المسجد جاءه الشيطانُ فأبَسَ به كما يَأْبِسُ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ( ٢١٧٤) في السلام ولم يخرجه البخاري عن أنس ، لكن أخرجه في كتاب الأدب المفرد
(١٢٨٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٢١٩) في الأدب ومسلم (٢١٧٥) في السلام .
(٣) في المسند (٤٣٠) وفي إسناده زياد النميري ، ضعيف.
(٤) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٥٩١).
(٥) في المسند (٥٩/٥).
(٦) في المسند (٢/ ٣٣٠).

٩٧
باب خلق الجان وقصة الشيطان
الرجلُ بدابَتِهِ ، فإذا سكنَ له زَنَقَه أو ألجَمَه)»(١). قال أبو هريرة وأنتم ترون ذلك. أما المَزنوقُ: فتراه
مائلاً كذا لا يذكر الله، وأما المُلْجم : ففاتحٌ فاه لا يذكر الله عزَّ وجلَّ. تفرَّد به أحمد .
وقال الإمام أحمد(٢) : حذَّثنا ابنُ نُمَيْر ، حدَّثنا ثَوْر - يعني ابن يزيد - عن مكحول ، عن أبي هريرة ،
قال: قال رسول الله بََّ: ((العينُ حقٌّ، ويحضرُ بها الشيطان وحسدُ ابن آدم)(٣).
وقال الإمام أحمد(٤) : حدّثنا وكيع ، عن سفيانَ ، عن منصور، عن ذرِّ بن عبد الله الهَمْدانيّ ، عن
عبدِ الله بن شَدَّاد، عن ابن عبّاس قال: جاء رجل إلى النبيِّ وَّهِ، فقال: يا رسول الله! إنِّي أُحدِّثُ نفسي
بالشيء، لأَنْ أخِرَّ من السَّماء أحبُّ إليَّ من أن أتكلّمَ به. [ قال: °) فقال النبيِ وَّ: ((الله أكبرُ(٦) ،
الحمدُ الله الذي ردَّ كيدَه إلى الوَسْوسة )) .
ورواه أبو داود والنسائي(٧) من حديث منصور ، زاد النسائي: والأعمش ، كلاهما عن أبي ذر به .
وقال البخاري (٨): حدَّثنا يحيى بن بُكَيْر، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عقيل، عن ابن شِهاب، قال :
أخبرني عُرْوةُ، قال: قال أبو هريرة: قالَ رسول الله بِّهَ: ((يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقولُ من خلقَ كذا ؟
من خلقَ كذا ؟ حتى يقولَ: من خلقَ ربّك، فإذا بلغَ فليستعذْ بالله وَلْيَنْتَهِ » .
وهكذا رواه مسلم(٩) من حديث اللَّيث ومن حديث الزهري وهشام بن عروة وكلاهما عن عروة به .
وقد قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَتَهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾
[ الأعراف: ٢٠١]. وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ (١) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾
[ المؤمنون: ٩٧ -٩٨] وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنََّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعُ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيهُ ﴾ [ الأعراف:
٢٠٠] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَنُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى
رَيِّهِمْ يَتَوَكَلُونَ ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
(١) ((أبَسَه)): زَجَره. ((وَزَنقه)): أماله. ((وأَلْجمَ)): يقال: ألجمت فلاناً عن حاجته: كففته ومنعته .
(٢)
في المسند (٤٣٩/٢).
إسناده ضعيف لانقطاعه فإن مكحولًا لم يسمع من أبي هريرة، وقوله ((العين حق )) صحيح .
(٣)
(٤)
في المسند (٢٣٥/١) وهو حديث صحيح .
(٦) في المسند: ((اللهُ أكبرُ ، اللهُ أكبرُ ، اللهُ أكبرُ)).
( ٥)
زيادة من المسند .
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٥١١٢) في الأدب ، والنسائي في عمل اليوم والليلة ( ٦٦٨).
(١) في صحيحه (٣٢٧٦) في بدء الخلق .
: ٩) في صحيحه (١٣٢).

٩٨
باب خلق الجان وقصة الشيطان
وروى الإمام أحمد(١) وأهل السنن(٢): من حديث أبي المتوكل ، عن أبي سعيد ، قال : كان
رسول الله وَ﴿ يقول: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من هَمْزهِ ونَفْخِهِ ونَفْتِهِ)(٣) . وجاء
مثلُه من رواية جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود وأبي أمامة الباهلي .
وتفسيرُه في الحديث: فهمزه الموتة، وهو الخَنْقُ الذي هو الصَّرْعِ. ونفخُه: الكِبَرُ . ونَفْتُه: الشِّعْرُ.
وثبتَ في الصحيحينُ(٤): عن أنس، أنَّ رسولَ الله وَ لَه كان إذا دخل الخلاء قال: ((أعوذُ بالله من
الخُبْثِ والخَبائِثِ )) قال كثيرٌ من العلماء : استعاذ من ذُكرانِ الشياطينِ وإناثهم .
وروى الإمام أحمد(٥) : عن سُرَيْج، عن عيسى بن يُونس، عن ثَوْر، عن الحُصَيْن ، عن أبي سعدٍ
الخير - وكان من أصحاب عمرَ - عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِوَ ل ◌َهَ: ((ومنْ أتى الغائطَ فليستتر،
فإن لم يجدْ إلا أن يجمعَ كثيباً من رملٍ فليستدبره ، فإنَّ الشيطان يلعبُ بمقاعدٍ بني آدمَ ، منْ فعلَ فقد
أحسنَ ، ومنْ لا فلا حَرَج )) .
ورواه أبو داود وابن ماجه ٦) من حديث ثور بن يزيد به .
وقال البخاري(٧): حذَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا جريرٌ ، عن الأعمش ، عن عديٍّ بن ثابت ،
قال: قال سليمانُ بن صُرَد : استبَّ رجلان عند النبيِّ وََّ ونحنُ عندَه جلوسٌ ، فأحدُهما يسبُ صاحبَه
مُغْضَباً قد احمرَّ وجهُه، فقال النبيُّ ◌َّةَ: ((إنِّي لأعلمُ كلمةً لو قالَها لذهبَ عنه ما يجدُ ، لو قالَ : أعوذُ
بالله من الشيطان الرجيم)) فقالوا للرجل: ألا تسمعُ ما يقولُ النبيُّ بَّه؟ فقال: إني لستُ بمجنون.
ورواه أيضاً مسلم وأبو داود والنَّسائي من طرقٍ عن الأعمش (٨).
وقال الإمام أحمد(٩): حدَّثنا محمد بن عُبيد ، حدَّثنا عُبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ؛
أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: (( لا يأكلْ أحدُكم بشمالِه ولا يشربْ بشمالِه ، فإنَّ الشيطانَ يأكلُ بشمالِهِ ، ويشربُ
(١) في مسنده (٣/ ٥٠ و٦٩) .
(٢) أخرجه أبو داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢)، وابن ماجه (٨٠٤)، والنسائي (١٣٢/٢).
أخرجه أحمد في المسند ( ٣٨/٣) وأبو داود في سننه ( ٧٧٥) في الصلاة، والترمذي (٢٤٢) في الصلاة.
(٣)
أقول: وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده .
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١٤٢) في الوضوء، ومسلم في صحيحه (٣٧٥) في الحيض .
(٥)
في المسند (٢/ ٣٧١) رقم (٨٨٢٤)، وإسناده ضعيف .
(٦) أخرجه أبو داود في سننه (٣٥) في الطهارة، وابن ماجه في الطهارة (٣٣٧) وفي (٣٤٩٨) في الطب مختصراً،
وإسناده ضعيف .
(٧) في صحيحه (٣٢٨٢) في بدء الخلق .
(٨) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦١٠) في البر، وأبو داود (٤٧٨١) في الأدب، والنسائي (١٠٢٢٤) في السنن الكبرى.
(٩) في المسند (٨٠/٢).

٩٩
باب خلق الجان وقصة الشيطان
بشماله)). وهذا على شرط الصحيحين بهذا الإسناد، وهو في الصحيح من غير هذا الوجه (١).
وروى الإمام أحمد من حديث إسماعيل بن أبي حكيم ، عن عروة، عن عائشة، عن رسول الله اليوم؛
أنه قال: (( منْ أكلَ بشمالِه أكلَ معه الشيطانُ، ومنْ شَرِبَ بشمالِهِ شربَ معه الشيطانُ )(٢) .
وقال الإمام أحمد(٣) : حدَّثنا محمد بن جعفر ، أخبرنا شعبةُ ، عن أبي زياد الطخّان ، قال: سمعتُ -
أبا هريرة يقولُ: عن النبيِّوَّهِ؛ أنَّه رأى رجلاً يشربُ قائماً، فقال له: ((قِهْ)) قال: لمَ؟ قال: ((أيسُرك
أنْ يشربَ معكَ الهِرُّ؟. )) قال: لا. قال: ((فإنَّه قد شربَ معكَ من هو شرّ منه، الشَّيطانُ)) . تفرَّد به
أحمد من هذا الوجه .
وقال أيضا٤ً): حدَّثنا عبد الرزّاق، قال معْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن رجلٍ ، عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله وَله: ((لو يعلمُ الذي يشربُ وهو قائمٌ ما في بطنهِ لاستقاءَه)). قال: وحدَّثنا عبد الرزاق، عن
معمر ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ بمثل حديث الزهريّ(٥).
وقال الإمام أحمد٦): حدَّثنا موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، أنه سألَ جابراً : أسمعتَ
النبيَّ ◌ََّ قالَ(٧) ؟ ((إذا دخلَ الرجل بيتَه فذكرَ اسمَ الله حين يدخلُ وحين يَطْعمُ ، قال الشيطان: لا مبيتَ
لكم ولا عشاء هاهنا ، وإن دخلَ ولم يذكرِ اسمَ الله عند دخولِه ، قال: أدركتمُ المبيتَ، وإن لم يذكر اسمَ
الله عند طعامه ، قال: أدركتم المبيتَ والعَشَاء؟)) . قال: نعم.
وقال البخاري(٨): حدَّثنا محمد ، أخبرنا عَبْدةُ، عن هشام بن عُرْوةَ ، عن أبيه ، عن ابن عمر ،
قال: قال رسول الله وَّله: ((إذا طلعَ حاجبُ الشمس فدَعُوا الصَّلاةَ حتى تبرُزَ، وإذا غابَ حَاجِبُ الشَّمس
فدعُوا الصلاةَ حتى تغيبَ ، ولا تحَّنوا بصلاتِكم طلوعَ الشمس ولا غُروبها ، فإنها تطلعُ بين قَرْني شيطان))
أو ((الشيطان)) لا أدري أيَّ ذلك قال هشام ؟.
(١) هو في صحيح مسلم (٢٠٢٠) (١٠٥) في الأشربة، من طريق سالم عن ابن عمر وغيره .
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٧٧ ) .
(٣) في المسند (٢/ ٣٠١).
في المسند (٢٨٣/٢) وفي الإسناد الأول انقطاع.
(٤)
(٦) في المسند ( ٣٤٦/٣)، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه (٢٠١٨) في الأشربة ، وأبو داود ( ٣٧٦٥) في
(٥)
في هامش أ : شربُ الماء قائماً مكروه .
الأدب ، وابن ماجه (٣٨٨٧) والنسائي (١٧٨) في عمل اليوم والليلة .
(٧) في المسند: أسمعتَ رسول الله مَّه يقول ؟
(٨) في صحيحه ( ٥٨٣) في مواقيت الصلاة، و(٣٢٧٢) في بدء الخلق، وفي المطبوع: ((تطلع بين قرني الشيطان))
أو ((الشياطين)).

١٠٠
باب خلق الجان وقصة الشيطان
ورواه مسلم والنسائي(١) من حديث هشام به .
وقال البخاري(٢): حدَّثنا عبد الله بن سلمة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمرَ ،
قال: رأيتُ رسولَ الله ◌َه يُشيرُ إلى المشرق، فقال: ((ها إنَّ الفتنةَ هاهنا، إن الفتنة هاهنا، من حيثُ
يطلعُ قرنُ الشيطان )» . هكذا رواه البخاري منفرداً به من هذا الوجه .
وفي السنن أن رسول الله و ﴿ نهى أن يجلسَ بين الشمس والظِلِّ، وقال: ((إنَّهُ مجلسُ الشيطان)(٣).
وقد ذكروا في هذا معاني ، من أحسنها أنه لما كان الجلوس في مثل هذا الموضع فيه تشويه بالخلقة فيما
يُرى ، كان يُحبُّه الشيطان ، لأن خِلْقته في نفسه مشوَّهة ، وهذا مستقرٍّ في الأذهان ، ولهذا قال تعالى :
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيِطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] الصحيح أنَّهم الشياطينُ لا ضَرْبٌ من الحيَّات ، كما زعمه
من زعمه من المفسرين . والله أعلم. فإن النفوس مغروزٌ فيها قبحُ الشياطين ، وحُسْنُ خَلْقِ الملائكة ،
وإن لم يُشاهدوا، ولهذا قال تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ﴾ [ الصافات: ٦٥] وقال النسوة لمَّا
شاهدْنَ جمالَ يوسفَ ﴿ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَآ إِلَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [ يوسف: ٣١].
وقال البخاريُّ(٤): حدَّثنا يحيى بنُ جعفرٍ، قال محمّد بن عبد الله الأنصاريُّ ، قال ابنُ جريج ،
أخبرني عطاءٌ، عن جابرٍ، عن النبيِ وََّ، قال: ((إذا استجنحَ [اللَّيْلُ ]°) أو كان جُنْعُ اللَّيْلِ - فكفُوا
صبيانكم ، فإنَّ الشياطينَ تنتشرُ حينئذ - ، فإذا ذهبَ ساعةٌ من العشاء فخلُّوهم ، وأغلقْ بابَكَ ، واذكر اسمَ
الله، وأطفىءْ مصباحَكَ، واذكرِ اسمَ الله، وأوكٍ سِقَاءكَ واذكرِ اسمَ الله، وخمِّرْ إناءكَ واذكرِ اسمَ اللهِ،
ولو تَعْرُضُ عليه عُوداً )) .
ورواه أحمد(٦): عن يحيى، عن ابن جُريج، وعندَه: ((فإنَّ الشيطانَ لا يفتحُ مُغْلِقاً ».
وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا وكيع ، عن مطر ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : قال رسولُ الله
وَّه: ((أغلقُوا أبوابَكم، وخمِّروا آنيتكم، وأوْكُوا أسقيتكم، وأطفِئُوا سُرُجكم، فإن الشيطان لا يفتحُ باباً
مُغلقاً، ولا يكشفُ غِطاءً، ولا يحلُّ وِكَاءُ(٨)، وإن الفويسقةَ تضْرُ البيتَ على أهله)) يعني : الفأرة .
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ( ٨٢٨) في صلاة المسافرين، والنسائي (١/ ٢٧٧) في المواقيت.
(٢) في صحيحه (٣٢٧٩) في بدء الخلق .
(٣) رواه أحمد في المسند ( ٤١٣/٣) بتمامه. وروى منه أبو داود رقم (٤٨٢١) وغيره النهي فقط .
(٤) في صحيحه ( ٣٢٨٠) في بدء الخلق .
(٥) زيادة من البخاري .
(٦) في المسند (٣٠١/٣).
(٧) في المسند (٣٠١/٣).
(٨) في ب : وعاءً ، وأثبت ما في أوالمسند ، والمطبوع .