النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
وقال البخاري في بدء الخلق (١): حدَّثنا مُسَدَّد، حدَّثنا عبدُ العزيز بن المختار، حدَّثنا عبدُ الله
الدَّاناج، حدَّثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َِّ قال: (( الشمسُ والقمرُ مُكوَّرانِ يومَ القيامة))
انفرد به البخاري .
--
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزَّار بأبسطَ من هذا السياق، فقال: حدَّثنا إبراهيمُ بن زياد البغدادي، حدَّثنا
يونسُ بن محمد ، حدَّثنا عبدُ العزيز بن المختار ، عن عبد الله الدَّاناج ، سمعتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن
زمنَ خالد بن عبد الله القَسْري في هذا المسجد مسجدِ الكوفةِ ، وجاء الحسنُ فجلسَ إليه ، يُحدِّث (٢) ،
قال: حذَّثنا أبو هريرة؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((إنَّ الشمسَ والقمرَ ثورانٍ في النَّارِ يومَ القيامة (٣) فقال
الحسن: وما ذنبُهما؟ فقال: أُحدِّثُكَ عن رسول الله وَّهِ وتقولُ: وما ذنبُهما؟ ثم قال البزار: لا يُروى
عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه ، ولم يروِ عبدُ الله الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث .
وروى الحافظ أبو يعلى الموصليّ : من طريق زيد الرقاشي - وهو ضعيف - عن أنس ، قال: قال
رسولُ اللهِوَّةِ: ((الشَّمسُ والقمرُ ثوران عقيران في النار)(٤).
وقال ابن أبي حاتم : حدَّثنا أبو سعيد الأشج وعمر بن عبد الله الأوديّ ، قالا : حدَّثنا أبو أسامة ،
عن مجالد ، عن شيخ من بجيلَةَ، عن ابن عباس ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ [ التكوير: ١] قال: يُكوِّرُ الله الشمسَ
والقمرَ والنجومَ يوم القيامة في البحر ، ويبعثُ الله ريحاً دبوراً، فتضرمها نارا٥ً) .
فدلَّتْ هذه الآثارُ أنَّ الشمسَ والقمرَ من مخلوقاتِ الله خلقَها٦) لما أراد ، ثم يفعلُ فيها ما يشاء ، وله
الحجَّةُ الدامغة والحكمة البالغة ، فلا يُسألُ عما يفعل لعلمه وحكمته ، وقدرته ومشيئته النافذة ، وحكمه
الذي لا يُردُّ ولا يُمانَع ولا يُغالَب .
وما أحسنَ ما أورده الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في أول كتاب (( السيرة (٧) من الشعر لزيد بن
عمرو بن نفيل ، في خلق السماء والأرض والشمس والقمر ، وغير ذلك . قال ابن هشام هي لأمية بن
أبي الصلت : [ من الطويل ]
(١) صحيح البخاري (٣٢٠٠).
(٣) ذكره الطحاوي في مشكل الآثار (٦٦/١ - ٦٧) وإسناده صحيح.
(٢)
في ب : فحدَّث .
(٤) رواه أبو يعلى في المسند (٤١١٦) وإسناده ضعيف جداً، فيه: يزيد الرقاشي ضعيف، ودُرُست بن زياد: منكر
الحديث .
(٥) ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٢١) طبعة دار الأندلس بيروت .
(٦) في ب : خلقها اللهُ.
(٧) السيرة النبوية؛ لابن هشام (٢٢٧/١ - ٢٢٩).

٦٢
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
إلى اللهِ أُهدي مدحتي وشَائيا
إلى الملكِ الأعلى الذي ليسَ فوقَه
ألا أيُّها الإنسانُ إيّاك والرَّدى
وإياكَ لا تجعلْ معَ اللهِ غيره
حَافِيْكَ إنَّ الجِنُ(٢) كانت(٣) رجاءَهم
رضيتُ بك اللّهم ربّاً فلن أَرَى
وأنتَ الذي من فضلِ مَنِّ ورحمةٍ
فقلت له : يا اذهب٤ُ) وهُرون فادعُوَا
وقُولا له أأنت سوّيتَ هذه )
وقولا له أأنتَ رفّعْتَ هَذِهِ
وقولا له أأنتَ سوّيتَ وَسْطها
وقُولا له : منْ يرسلُ الشَّمْسَ غُدْوةً
وقولا له : منْ يُنبتُ الحبَّ في الثَّرى
ويُخرجُ منه حبَّهُ في رؤوسِه
وأنتَ بفضلٍ منكَ نَجيّتَ يُونُساً
وإني وإن٧ْ) سبحتُ باسمك ربَّنا
فربَّ العِبَادِ ألقِ سَيْباً ورحمةً
وقوْلًا رَصِيْنا١ً) لا يني الدَّهرَ باقيا
إِلَهٌ ولا ربِّ يكونُ مُدَانيا
فإنَّك لا تُخفي من الله خَافيا
فإنّ سبيلَ الرُّشْدِ أصبح بادِيا
وأنتَ إلَهي ربنا ورَجائيا
أدينُ إلَّهاً غيرك الله ثانيا
بعثتَ إلى موسى رَسُولًا مُنادياً
إلى اللهِ فرعونَ الذي كانَ طاغيا
بلا وتدٍ حتى اطمأنت كما هيا
بلا عَمدٍ أرْفِقْ إذاً بكَ بَانيا
مُنِيراً إذا ما جنَّه اللَّيْلُ هَادِيا
فُيُصبح ما مسَّتْ منَ الأرضِ ضَاحِيا
فيُصبح منه البَقْلُ يهتزُّ رَابيا
وفي ذاكَ آياتٌ لمنْ كانَ واعِيا
وقد باتَ في أضْعافِ حُوْتٍ لياليا٦ً)
لأُكْثِرَ إلا ما غفرتَ خَطائيا
عليَّ وبارْ في بَنيَّ ومَالِياً)
فإذا عُلم هذا، فالكواكبُ التي في السماء من الثوابت والسيَّارات الجميع مخلوقةٌ منذ خلقها
الله تعالى، كما قال: ﴿ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾
[ فصلت : ١٢ ] .
-
(١) في ب : رضيّاً .
في السيرة : الحنّ ؛ بالحاء . وفي اللسان : الحنُّ : بالكسر ، حيٌّ من الجن ، يُقال : منهم الكلاب السود البهم ،
(٢)
وقيل : ضرب من الجن .
(٣) في الديوان : كنت رجاءهم .
(٤)
المراد بـ هذه : الأرض .
(٥)
يااذهبْ : على تقدير : يا هذا اذهبْ . وفي المطبوع : اذهبْ .
أضعاف حوت : جوف الحوت .
(٦)
(٧) في الديوان والمطبوع : ولو .
(٨) سَيْباً : عطاء.

٦٣
باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات
وأما ما يذكره كثيرٌ من المفسرين(١) في قصة هاروت وماروت من أن الزهرة كانت امرأة فراودَاها على
نفسها ، فأبتْ إلا أن يعلِّماها الاسم الأعظم ، فعلَّماها، فقالتْه، فرُفعتْ(٢) كوكباً إلى السماء، فهذا أظنُّه
من وضع الإسرائيليِّين ، وإن كان قد أخرجَه كعبُ الأحبار ، وتلقّه عنه طائفةٌ من السلف ، فذكروه على
سبيل الحكاية والتَّحديث عن بني إسرائيل .
وقد روى الإمام أحمد(٣) ، وابن حبَّان في ((صحيحه)(٤) : في ذلك حديثاً ، رواه أحمد عن
يحيى بن أبي بُكير، عن زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّر ،
وذكرَ القِصَّةَ بطولها . وفيه : (( فمثِّلَتْ لهما الزهرةُ امرأةً من أحسن البشر ، فجاءَتْهما ، فسألاها
نفسها .. )) وذكرَ القصة(٥).
وقد رواه عبد الرزاق في (( تفسيره )(٦) عن الثوري ، عن موسى بن عُقْبة ، عن سالم ، عن ابن عمر ،
عن كعب الأحبار ، به . وهذا أصحُ وأثبتُ .
وقد روى الحاكم في ((مستدركه)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)): عن ابن عباس .. فذكرَه ،
وقال فيه : وفي ذلك الزمان امرأة حسنُها في النساء كحُسْن الزهرة في سائر الكواكب . . وذكرَ تمامه(٧) .
وهذا أحسنُ لفظٍ روي في هذه القصة ، والله أعلم .
وهكذا الحديثُ الذي رواه الحافظ أبو بكر البزَّار: حدَّثنا محمد بن عبد الملك الواسطي ، حدَّثنا يزيد
ابن هارون ، حدَّثنا مبشر بن عُبيد، عن يزيد بن أسلم ، عن ابن عمر، عن النبي وَلَّ (ح) وحدَّثنا عمرو
ابن عيسى حدَّثنا عبد الأعلى ، حدثنا إبراهيمُ بن يزيد ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله
وَّ ذكرَ سُهيلاً فقال: ((كان عشَّاراً ظلوما، فمسَخه الله شهاباً))(٨) ثم قال: لم يروه عن يزيد بن أسلم إلا
(١) انظر تفسير الطبري (١/ ٣٦٢ - ٣٦٤).
(٢) في ب : فرجعتْ كوكباً في السماء .
(٣)
في المسند (٢ / ١٣٤).
ابن حبان ( ٦١٨٦ ).
(٤)
إسناده ضعيف ومتنه باطل ، وهو من قصص كعب الأحبار المنقولة عن كتب يهود .
(٥)
تفسير عبد الرزاق (٥٣/١) ورواه الطبري (٥٠١/١ -٥٠٢) وابن كثير في التفسير (١٧٤/١) وقال: فهذا أصح
(٦)
وأثبت إلى عبد الله بن عمر ، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع ، فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار ، عن
كتب بني إسرائيل .
(٧) المستدرك (٦٠٧/٤ - ٦٠٨) وصححه، وتعقبه الذهبي فقال: وتركُ حديث يحيى من المحالات التي يردُّها
العقل ، قال النسائي : متروك . وقال أبو حاتم : منكر الحديث .
(٨) كما في كشف الأستار (٩٠٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ( ٨٨/٣): رواه البزار وضعَّفه، لأن في روايته
إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو متروك ، وفي الأخرى مُبَشِّر بن عُبيد ، وهو متروك أيضاً .

٦٤
الكلام على المجرّة وقوس قزح
مبشر بن عبيد ، وهو ضعيف الحديث ، ولا عن عمرو بن دينار إلا إبراهيم بن يزيد وهو لَيِّن الحديث.
وإنما ذكرناه على ما فيه من عِلَّة ، لأنا لم نحفظُه إلا من هذين الوجهين .
قلت : أما مُبَشِّرُ بن عُبيد القرشي ، أبو حفص الحمصي ، وأصلُه من الكوفة ، فقد ضعَّفه
الجميعُ(١)، وقال فيه الإمام أحمد(٢) والدار قطني (٣): كان يضعُ الحديثَ ويكذبُ.
وأما إبراهيم بن يزيد هذا فهو الخوزيّ، وهو ضعيفٌ باتفاقهم، قال فيه أحمد(٤) والنسائي(٥):
متروك . وقال ابن مَعينُ(٦): ليس بثقة وليس بشيء، وقال البخاريُّ(٧) : سكتوا عنه . وقال أبو حاتم
وأبو زُرْعةُ(٨) : منكر الحديث ضعيف .
ومثلُ هذا الإسناد لا يثبتُ به شيء بالكُلِّية : وإذا حسَّنا٩) الظنَّ قلنا : هذا من أخبار بني إسرائيل ،
كما تقدَّم من رواية ابن عمر عن كعبِ الأحبار . ويكونُ من خرافاتهم التي لا يُعوَّلُ عليها ، والله أعلم .
الكلام على المَجَرَّة وقَوْس قُزَح
قال أبو القاسم الطبراني(١٠): حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، حدَّثنا عارمُ أبو النعمان، حدَّثنا
أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس: أنَّ هرقلَ كتبَ إلى معاويةَ ، وقال : إنْ
كان قد بقيَ فيهم شيء من النبوة فسَيُخْبرُني عما أسألُهم عنه. قال : فكتب إليه يسألُه عن المجرّة ، وعن
القوس ، وعن البقعة التي لم تُصبها الشَّمْسُ إلا ساعة واحدةٌ . قال : فلما أتى معاويةَ الكتابُ والرسولُ ،
قال : إنَّ هذا لشيءٌ ما كنتُ آبَهُ له أن أسألَ عنه إلى يومي هذا؟ منْ لهذا ؟ قيل : ابن عباس ، فطوى معاويةٌ
كتابَ هرقل ، فبعثَ به إلى ابن عباس ، فكتبَ إليه : إنَّ القوسَ أمانٌ لأهل الأرض من الغَرَق ، والمجرّة
بابُ السماء الذي تنشُّ (١١) منه. وأما البقعةُ التي لم تُصِبْها الشَّمْسُ إلا ساعةً من النهار فالبحرُ الذي أُفرجَ
عن بني إسرائيل . وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنه .
(١) ينظر تهذيب الكمال (١٩٥/٢٧ - ١٩٦).
(٢) العلل ومعرفة الرجال (٣٨٢/١).
(٣) الضعفاء والمتروكون، الترجمة (٥٠٠).
الجرح والتعديل ١/ الترجمة (٤٨٠) وتهذيب الكمال (٢٤٣/٢).
(٤)
الضعفاء والمتروكون ، الترجمة (١٤).
(٥)
تاريخ الدوري عن ابن معين (١٨/٢).
(٦)
(٧) تاريخه الكبير ١/ الترجمة (١٠٥٨).
(٨) الجرح والتعديل ١ / الترجم (٤٨٠).
(٩) في ب : أحسنا .
(١٠) المعجم الكبير (١٠٥٩١).
(١١) وكذا في المعجم الكبير، وفي أ : ينشق ، وفي ب : ينبثق .

٦٥
الكلام على المجزّة وقوس قزح
فأما الحديث الذي رواه الطبراني(١): حدَّثنا أبو الزِّنْباع - روح بن الفَرَج - حدَّثنا إبراهيم بن مَخْلد ،
حدَّثنا الفضلُ بن المختار ، عن محمد بن مسلم الطّائفي ، عن ابن أبي نجيح ، عن مُجاهد ، عن جابر بن
عبد الله، قال: قال رسول الله بَّةِ: ((يا معاذ !! إنِّي مُرْسلكَ إلى قوم أهل كتاب، فإذا سُئلتَ عن
المجرّة التي في السماء ، فقل : هي لُعابُ حَيَّة ، تحتَ العرشِ)) ، فإنه حديث منكر جداً ، بل الأشبهُ أنه -
موضوع (٢) ، وراويه الفضلُ بن المختار هذا أبو سهل البصري ، ثم انتقلَ إلى مصر ، قال فيه أبو حاتم
الرازي(٣): هو مجهول حدَّث بالأباطيل. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي(٤): منكر الحديث جداً. وقال
ابن عديّ(٥) : لا يُتابع على أحاديثه لا متناً ولا إسناداً .
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَفَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُّ السَّحَابَ التِّقَالَ (١٦) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ
◌ِحَمْدِهِ، وَالْمَلَتِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ ﴾
[ الرعد: ١٢ - ١٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ الشَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَْرِ
بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ مِنَ الشَّمَاءِ مِن ◌َّاءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ
وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: ١٦٤] .
وروى الإمام أحمد(٦) : عن يزيد بن هارون ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن شيخ من بني
غِفَار، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَهِ يقولُ: ((إنَّ الله يُنشىء السَّحابَ، فينطقُ أحسنَ النُّطْقِ، ويضحكُ
أحسنَ الضَّحكِ)).
وروى موسى بن عُبيدة : عن سعد بن إبراهيم ؛ أنه قال: إنَّ نُطْقَه الرَّعْدُ وضَحِكَهُ البرقُ(٧).
وقال ابن أبي حاتم : حدَّثنا أبي ، حدَّثنا هشامُ بن عُبيد الله الرازي ، عن محمد بن مسلم ، قال :
بلغنا أنَّ البرقَ مَلكٌ، له أربعةُ وجوه : وجهُ إنسانٍ، ووجهُ ثوْرٍ ، ووجهُ نَسْرٍ، ووجهُ أسدٍ ، فإذا مَصَعَ(٨
بذنبهِ فذاك (٩) البرق(١٠) .
(١) المعجم الكبير (١٧٥٤) .
(٢) وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢١٠) رقم (٢٩٦).
(٣) العلل لابنه (٢٣٤٩)، وميزان الاعتدال (٣٥٨/٣).
(٤) ميزان الاعتدال (٣٥٨/٣).
(٥) الكامل (٢٠٢٤/٦) .
(٦) في المسند (٤٣٥/٥) وإسناده صحيح ، وجهالة الصحابي لا تضر .
(٧) موسى بن عبيدة الربذي ضعيف ، لكن رواه أبو الشيخ في العظمة (٧٢٣) من طريق سليمان بن داود الهاشمي - وهو
ثقة - قال : سألنا إبراهيم بن سعد ، فذكره .
(٨) مصع : مَصَعت الدَّابَّة بذنبها : حرَّكته وضربت به . ومصعَ البرقُ : لمع .
(٩) في ب : فذاك .
(١٠) ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (٦٢٢/٢).

٦٦
الكلام على الرعد
وقد روى الإمام أحمد(١) والترمذي (٢) والنسائي(٣) والبخاري في كتاب الأدب (٤) والحاكم في
((مستدركه (٥) من حديث الحجّاج بن أرطاة، حدَّثني ابن مطر، عن سالم، عن أبيه، قال: كان رسولُ الله
إذا سمعَ الرعدَ والصَّواعقَ قال: (( اللَّهُمَّ لا تقتلْنا بغضبكَ، ولا تُهْلكنا بعذابك، وعافِنا قبلَ ذلكَ)(٦) .
وروى ابن جرير : من حديث ليث ، عن رجل ، عن أبي هريرة رفعَه ، كان إذا سمعَ الرعدَ قال :
((سبحانَ منْ يُسَبِّحُ الرّعدُ بحمدِهِ)(٧).
وعن عليّ أنه كان يقول : سبحانَ منْ سَبَّحْتَ له . وكذا عن ابن عباس ، والأسود بن يزيد ،
(٧)
وطاووس ، وغيرهم
وروى مالك(٨): عن عامرٍ بن عبد الله بن الزبير : أنه كانَ إذا سمعَ الرعدَ تركَ الحديثَ ، وقال :
سبحانَ منْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بحمدِه والملائكةُ من خيفته ، ويقول : إنَّ هذا وعيدٌ شديدٌ لأهلِ الأرض .
وروى الإمام أحمد(٩): عن أبي هريرة؛ أن رسولَ الله وَّر قال: ((قال ربّكم: لو أنَّ عبيدي
أطاعُوني لأسقيتُهم المطرَ باللَّيل، وأطلعتُ عليهم الشمس بالنهار ، ولما أسمعتُهم صوتَ الرَّعْدِ .
[ وروى الطبراني عن ابن عبّاس مرفوعاً: إذا سمعتُم الرعدَ ] فاذكروا الله، فإنه لا يُصيب ذاكراً)١٠) .
وكلُّ هذا مبسوطٌ في ((التفسير)(١١) ولله الحمدُ والمنّة .
(١) في مسنده (٢/ ١٠٠).
(٢) في جامعه (٣٤٥٠) .
في عمل اليوم والليلة (٩٢٧) و(٩٢٨).
(٣)
(٤)
الأدب المفرد (٧٢١) .
المستدرك (٢٨٦/٤) .
(٥)
في إسناده أبو مطر، شيخ الحجاج بن أرطاة ، وهو مجهول ، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا
(٦)
الوجه.
(٧) تفسير الطبري (٧/ ٣٦٠) وحديث أبي هريرة في إسناده رجل مبهم.
(٨) رواه مالك في الموطأ (٩٩٢/٢) وفيه: ثم يقول: إنَّ هذا لوعيدٌ لأهل الأرض شديدٌ . وهو موقوف ، من كلام
عبد الله بن الزبير رضي الله عنه .
(٩) في المسند (٣٥٩/٢) ورواه الحاكم في المستدرك (٢٥٦/٤) وصححه ، وتعقبه الذهبي فقال : صدقة بن موسى
الدقيقي ؛ ضعفوه .
(١٠) رواه الطبراني في الدعاء (٩٨٢) وفي المعجم الكبير (١٦٤/١١) وإسناده ضعيف ، فيه يحيى بن كثير ،
وعبد الكريم أبو أمية ؛ ضعيفان . وانظره في المجمع ( ١٠/ ١٣٦) .
وما بين حاصرتين سقط من المطبوع .
(١١) انظر تفسير القرآن العظيم؛ للحافظ ابن كثير (٦٢٢/٢ - ٦٢٣).

٦٧
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
عليهم السلام
لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَهْ بَلْ عِبَادٌ شُكْرَمُونَ
بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ (٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ!
(٢) ﴾ وَمَن
يَقُلْ مِنْهُمْ إِلَّى إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ تَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْرِى الَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ -٢٩].
وقال تعالى: ﴿ تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَتَبِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِىِ
اُلْأَرْضِّ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [ الشورى: ٥].
وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا
وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَنَّبَعُوْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْحَمِيِ ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ
الَِّى وَعَدَنَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر: ٧ -٨].
وقال تعالى: ﴿ فَإِنِ اسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ يِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ ﴾﴾ [ فصلت:
٣٨ ] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ [ الأعراف: ٢٠٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ( يُسَبِّحُونَ
اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩-٢٠]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ وَإِنَّالَنَحْنُ الصَّآفُونَ (٨٦) وَإِنَّا
لَنَحْنُ الُْسَبِحُونَ﴾ [ الصافات: ١٦٤ - ١٦٦]. وقال تعالى: ﴿ وَمَا نَثَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا
بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ (١ كِرَامًا كَئِينَ (١) يَعْلَمُونَ مَا
تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢] وقال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُدَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [ المدثر: ٣١] وقال تعالى:
وَ سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [ الرعد: ٢٣ -٢٤]، وقال تعالى:
٢٢
وَالْعَلَئِكَهُ يَدْخُلُونَ عَلِمِ مِن كُلِّ بَاپٍ
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلَا أُوْلٍ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَ ثُلَثَ وَرُبَعَ يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَآءٍ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١] وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ وَنُزِلَ الْمَتَكَةُ تَنزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَيِدٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنّ وَكَانَ
يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا
﴾ [الفرقان: ٢٥ -٢٦ ] .
وقال تعالى: ﴿ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَ نَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدٍ اسْتَكْبَرُواْ فِىَ أَنْفُسِهِمْ
وَعَنَّوْ عُتُوَّا كَبِيرًا ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لَا يُشْرَى يَوْمَيِدٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا فَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢١ -٢٢].

٦٨
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
وقال تعالى: ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ ﴾
[ البقرة : ٩٨ ] .
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَتِكَةُ غِلَاظُ شِدَادٌ لَّا
يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [ التحريم: ٦] .
والآيات في ذكر الملائكة كثيرة جداً ، يصفُهم تعالى بالقوة في العبادة ، وفي الخَلْق وحسن المنظر ،
وعظمة الأشكال، وقوة التشكُّل(١) في الصور المتعدِّدة، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوَطَّاسِّءَ بِهِمْ
وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُّ عَصِيبٌ ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُّهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوْ يَعْمَلُونَ السَِّئَاتِ قَالَ بَقَوْمِ هَؤُلَاءِبَنَانِ
هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِىّ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ [ هود: ٧٧ - ٧٨ ] الآيات ، فذكرنا في
((التفسير)(٢) ما ذكرَه غيرُ واحد من العلماء، من أن الملائكة تَبَدَّوْا لهم في صورة شبابٍ حِسَانِ امتحاناً
واختباراً ، حتى قامت على قوم لوط الحجَّة ، وأخذَهم الله أخذ عزيز مقتدر .
وكذلك كان جبريلُ يأتي إلى النبيِّ نََّ في صفاتٍ متعدِّدة، فتارةً يأتي في صورة دِحْيةَ بن خليفة
الكَلْبِيِّ ، وتارةً في صورة أعرابيٍّ، وتارةً في صورتِه التي خُلِقَ عليها ، له ستمئة جناح ، ما بين كل
جناحين كما بين المشرق والمغرب ، كما رآه على هذه الصفة مرتين ، مرَّة منهبطاً من السماء إلى الأرض ،
وتارة عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، وهو قوله تعالى: ﴿ عَلَّمَّهُ شَدِيدُ الْقُوَىْ ٥ ذُو مِرَّةٍ فَأَسْتَوَى (٥)وَهُوَ
بِآلْأُمُّ الْأَعْلَى﴾ [ النجم: ٥ -٨] أي: جبريل كما ذكرناه عن غير واحد من الصحابة ، منهم : ابن مسعود،
وأبو هريرة، وأبو ذر، وعائشة ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴿ فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوَحَى﴾ [النجم: ٩ - ١٠ ] أي:
إلى عبد الله محمد رَّهثم قال: ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى (٤) عِندَ سِدْرَةِ الْنُنَهَىِ (٩)) عِندَهَا جَنَّةُ الْأْوَى (٤) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ
مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَفَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٧].
وقد ذكرنا في أحاديث(٣) الإسراء في سورة (( سبحان)) أنَّ سدرة المنتهى في السماء السابعة . وفي
رواية: في السادسة، أي: أصلُها وفروعها في السابعة. ((فلما غشيها من أمر الله ما غشيَها)) قيل:
غشيَها نورُ الرب - جلَّ جلاله - وقيل : غشيها فراش من ذهب . وقيل : غشيَها ألوانٌ متعدِّدة كثيرة غير
منحصرة . وقيل : غشيَها الملائكة مثل الغربان . وقيل : غشيها من الله (٤) أمرٌ فلا يستطيعُ أحدٌ أن
ينعتَها . أي : من حسنها وبهائها .
(١) في المطبوع : الشكل .
(٢) تفسير القرآن العظيم؛ للحافظ ابن كثير (٥٥٨/٢).
(٣) المصدر السابق (٦/٣ - ٣١).
(٤) في المطبوع : من نور الله تعالى .

٦٩
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
ولا منافاة بين هذه الأقوال ، إذ الجميع ممكنٌ حصوله فى حال واحدة .
وذكرنا أن رسول الله وَّر قال: ((ثم رُفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نَبْقُها كالقلال)). وفي رواية:
((كِلال هَجَرَ ، وإذا ورقُها كآذان الفيلة ، وإذا يخرجُ من أصلِها نهران باطنان ، ونهران ظاهران ؛ فأما
الباطنان ففي الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات )) .
وتقدَّم الكلامُ على هذا في ذكر خلق الأرض(١) وما فيها من البحار والأنهار. وفيه: (( ثم رُفعَ لي
البيتُ المعمورُ ، وإذا هو يدخلُه في كلِّ يومٍ سبعون ألفَ ملكِ ثم لا يعودون إليه آخرَ ما عليهم ))(١) .
وذكر أنه وجد إبراهيم الخليل عليه السلام مُسْنِداً(٣) ظهرَه إلى البيت المعمور .
وذكرنا(٤) وجه المناسبة في هذا : أن البيت المعمور هو في السماء السابعة بمنزلة الكعبة في الأرض .
وقد روى سفيانُ الثوريُّ، وشعبةُ ، وأبو الأحوص : عن سماك بن حرب ، عن خالد بن عَزْعرةَ ، أن
ابن الكَوَّاء سألَ عليّ بن أبي طالب عن البيت المعمور ، فقال : هو مسجد في السماء ، يُقالُ له
((الضُّراح)) وهو بحيال الكعبة من فوقها ، حرمتُه في السماء كحرمةِ البيت في الأرض ، يُصلِّي فيه كلَّ يومٍ
سبعون ألفاً من الملائكة ، لا يعودون فيه أبداً(٥) .
وهكذا روى عليُّ بن ربيعة وأبو الطفيل ، عن عليٍّ، مثله (٦).
وقال الطبراني(٧): حدثنا الحسنُ بن علويه القطَّان، حدَّثنا إسماعيلُ بن عيسى العطَّار، حدَّثنا
إسحاق بن بشر أبو حذيفة ، حدَّثنا ابن جُرَيْج ، عن صفوان بن سليم ، عن كريب ، عن ابن عباس ،
قال: قال رسول الله وَّهُ: (( البيتُ المعمورُ في السماء يُقال له: الصُّرَاحُ، وهو على مثل البيت الحرام
بحياله ، لو سقط لسقط عليه ، يدخله كل يوم سبعون ألف مَلَك، ثم لا يرونه قطُ ، فإن له في السماء
حرمة على قدر حرمة مكة)) . يعني في الأرض.
(١) تقدم الحديث وتخريجه ( ص٤٦).
(٢) حديث الإسراء بعد مجاوزته سيه السماء السابعة، وبلوغه سدرة المنتهى ... أخرجه البخاري في الصلاة (٣٤٩)
ومسلم في الإيمان ( ١٦٢).
(٣) في المطبوع : مستنداً .
(٤) انظر تفسيره (٤/ ٢٨٢).
(٥) ذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٨٢) .
(٦) المصدر السابق (٤/ ٢٨٢).
(٧) في المعجم الكبير ( ١٢١٨٥)، وفي ألفاظه خلاف يسير ، وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ١١٤ ) وفيه إسحاق بن
بشر - أبو حذيفة - وهو متروك . وفيه عنعنة ابن جريج .

٧٠
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
وهكذا قال العُوفيُّ : عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والربيع بن أنس ، والسُّدي ، وغير
واحد (١).
وقال قتادةٌ: ذُكِرَ لنا أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال يوماً لأصحابه: «هل تدرون ما البيتُ المعمورُ؟ قالوا:
الله ورسولُه أعلم . قال : فإنه مسجدٌ في السماء بحيال الكعبة ، لو خرَّ لخرَّ عليها ، يُصلِّي فيه كلَّ يومٍ
سبعون ألف مَلكِ، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخرَ ما عليهم )(٢) .
وزعمَ الضَّحاكُ أنه تعمره طائفةٌ من الملائكة يُقال لهم الجِنُّ ، من قبيلة إبليس(٣) - لعنه الله - كأنه
يقول: سدنته وخدَّامه منهم . والله أعلم .
وقال آخرون : في كل سماء بيت يعمره ملائكتُه بالعبادة فيه ، ويفدون إليه بالنَّوبة والبدل ، كما يعمرُ
أهلُ الأرض البيتَ العتيقَ بالحجِّ في كل عام ، والاعتمار في كل وقت ، والطواف والصلاة في كل آن.
قال سعيدُ بن يحيى الأموي في أوائل كتابه (( المغازي)): حدَّثنا أبو عبيد في حديث مجاهد (( أن
الحَرَمَ حرام ، مناه - يعني قدره - من السموات السبع والأرضين السبع ، وأنه رابع أربعة عشر بيتاً ، في كل
سماء بيت وفي كل أرض بيت ، لو سقطت سقطَ بعضُها على بعض )) .
ثم روى عن مجاهد أنه قال : مناه ؛ أي : مقابله ، وهو حرف مقصور .
ثم قال : حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش ، عن أبي سليمان - مؤذِّن الحجّاج - سمعتُ عبدَ الله بن
عمرو يقول : إنَّ الحرمَ لمُحرَّمٌ في السموات السبع ، مقدارُه من الأرض ، وإنَّ بيت المقدسِ يُقَدَّسُ في
السمواتِ السبع، مقدارُه من الأرض . قال بعض الشعراء : [ من الكامل ]
إنّ الذي سَمكَ السّماء بَنى لنا بَيْتاً دَعائمهُ أشدُّ وأطْولُ
واسمُ البيت الذي في السماء الدنيا بيتُ العزة ، واسم الملك الذي هو مُقدَّم الملائكة فيها إسماعيل.
فعلى هذا يكون السبعون ألفاً من الملائكة الذين يدخلون في كل يوم إلى البيت المعمور ثم لا يعودون
إليه آخرَ ما عليهم ، أي : لا يحصلُ لهم نوبة فيه إلى آخر الدهر ، يكونون من سكان السماء السابعة
وحدها، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا يَقْلَمُ جُدَ رَبِّكَ إِلَّهُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
وقال الإمام أحمد : حدَّثنا أسودُ بن عامر، حدَّثنا إسرائيلُ ، عن إبراهيمَ بن مُهَاجر ، عن مُجاهد ،
عن مُورِّق، عن أبي ذرِّ، قال: قال رسول الله وَ له: ((إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون،
(١) تفسير القرآن العظيم (٤ / ٢٨٢).
(٢) المصدر السابق (٤/ ٢٨٢).
(٣) المصدر السابق (٤ / ٢٨٢).

٧١
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
أطَتِ السَّماءُ وحُقَّ لها أن تَنِطَّ ما فيها موضعُ أربع أصابعَ إلا عليه مَلَكٌ ساجدٌ ، لو علمتُم ما أعلمُ لضحكتُم
قليلاً ولَبَكْتُم كثيراً، ولما تلذَّذْتُم بالنساء على الفُرُشات، ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرونَ إلى الله
عزَّ وجلَّ)(١) . فقال أبو ذر : والله لوددتُ أني شجرةٌ تُعْضدٌ(٢).
ورواه الترمذي وابنُ ماجه من حديث إسرائيل، فقال الترمذي: حسن غريب ويُروى عن أبي ذر موقوفاً (٢).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدَّثنا حُسين بن عرفةَ المصري ، حدَّثنا عُروةُ بن مروان العِرْقي ،
حذَّثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم بن مالك ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله ،
قال : قال رسول الله ربَّمَ: (( ما في السمواتِ السبع موضعُ قَدَمِ ولا شِبْرٍ ولا كفِّ إلا وفيه مَلَكٌ قائم ، أو
مَلكُ ساجدٌ(٣) ، أو ملَكٌ راكعٌ، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعاً: ما عبدناك حقَّ عبادتِكَ إلا أنّا
لا نُشْرِكُ(٤) بكَ شيئاً (٥)
فدلَّ هذان الحديثان على أنَّه ما من موضع في السمواتِ السبع إلا وهو مشغول بالملائكة ، وهم في
صنوف العبادات، منهم من هو قائم أبداً ، ومنهم من هو راكعٌ أبداً ، ومنهم من هو ساجدٌ أبداً ، ومنهم من
هو في صنوفٍ أُخر . اللهُ أعلمُ بها . وهم دائبونَ في عبادتهم وتسبيحِهم وأذكارِهم وأعمالهم التي أمرَهم
الله بها ، وهم منازلُ عندَ ربِّهم ، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴿٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ (١٦) وَإِنَّ لَنَحْنُ
الُْسَِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٤ - ١٦٦]. وقال ◌َّ: ((ألا تصُقُّونَ كما تصفُّ الملائكةُ عندَ ربّهم)). قالوا: وكيفَ
يصفُون [عند ربِّهم(٦) قال: ((يُكمِّلونَ الصفوفَ الأُوَل، ويتراضُون في الصف)(٧). وقال: (( فُضِّلنا على
الناس بثلاث. جُعِلتْ لنا الأرضُ مَسْجِداً، وتُرْبَتُها لنا طَهوراً، وجُعلتْ صفوفُنا كصفوفِ الملائكة)(٨) .
(١) رواه أحمد في المسند (١٧٣/٥) والترمذي في الجامع (٢٣١٢) في الزهد، وابن ماجه في سننه (٤١٩٠) وهو
حديث حسن، دون قوله: والله لوددت أني شجرة تعضد، فهي مدرجة من قول أبي ذر في الزهد ، والبيهقي في السنن
الكبرى (٥٢/٧) والحاكم في المستدرك (٥٤٤/٤) وصححه ، ووافقه الذهبي .
وتجأرون : ترفعون أصواتكم بالدعاء . تُعضد : تُقطع .
(٢) هذه الجملة مدرجة من كلام أبي ذر .
(٣) في المعجم الكبير (١٨٤/٢): أو ملكٌ راكعٌ، أو مَلكٌ ساجدٌ .
(٤) في المعجم الكبير : إلا أنَّا لم نُشرك .
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٨٤/٢) وذكره الهيثمي في المجمع (٥٢/١) وقال: فيه عروة بن مروان . قال
الدار قطني : كان أميا وليس بالقوي في الحديث . ميزان الاعتدال ( ٦٤/٣).
(٦) ما بين حاصرتين سقط من أ .
(٧) أخرجه مسلم في صحيحه ( ٤٣٠) في الصلاة ، وأبو داود في سننه (٦٦١) في الصلاة ، والنسائي في سننه
(٢/ ٩٢) في الإمامة.
(٨) أخرجه مسلم في صحيحه (٥٢٢) (٤) في المساجد ، عن حذيفة رضي الله عنه.

٧٢
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
وكذلك يأتونَ يومَ القيامةِ بين يدي الربِّ جلَّ جلالُه صفوفاً كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاً
صَفَّا﴾ [الفجر: ٢٢] ويقفونَ صفوفاً بين يديْ ربَّهم عزَّ وجلَّ يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ
وَالْمَلَئِكَةُ صَفَّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. والمرادُ بالروح هاهنا: بنو آدم ،
قاله ابن عباس والحسنُ وقتادة(١) . وقيل : ضربٌ من الملائكة يُشبهون بني آدم في الشكل ، قاله ابن
عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش . وقيل : جبريل ، قاله الشعبيُّ، وسعيد بن جُبَيْر ، والضخَّاك .
وقيل : مَلَكٌ يُقال له : الروح ، بِقَدْرِ جميع المخلوقات . قال عليّ بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : قوله
يَوْمَ يَقُومُ الزُّوحُ﴾ [النبأ: ٣٨] قال: هو مَلكٌ من أعظم الملائكة خَلْقا٢ً) .
وقال ابنُ جرير(٣): حدَّثني محمد بن خلف العسقلاني، حدَّثنا رؤَّاد بن الجرّاح، عن أبي حمزةً ،
عن الشعبيِّ ، عن علقمةَ ، عن ابن مسعود ، قال : الرُّوح في السماء الرابعة ، هو أعظم من السماواتِ
ومن الجبالِ ، ومن الملائكةِ ، يُسبِّح كلَّ يومٍ اثني عشرَ ألف تسبيحةٍ ، يخلقُ الله من كُلِّ تسبيحةٍ مَلَكاً من
الملائكة ، يجيءُ يومَ القيامة صفَّاً وحدَه . وهذا غريب جداً .
وقال الطبراني (٤): حدَّثنا محمد بن عبد الله بن عرس المصريّ، حدَّثنا وَهْبُ الله بن رزق أبو هُبيرة ،
حدَّثْنا بِشْرُ بن بكْر ، حدَّثنا الأوزاعيُّ ، حدَّثني عطاء ، عن عبد الله بن عباس ، قال : سمعتُ رسولَ الله
وَ يقول: ((إنَّ لله مَلكاً لو قيلَ له التقم السمواتِ والأرضينَ بلقمةٍ واحدةٍ لفَعلَ، تسبيحُه: سبحانَكَ حيثُ
كنتَ )) وهذا أيضاً حديث غريب جداً ، وقد يكون موقوفاً .
وذكرنا في صفةٍ حمَلَة العرش: عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: «أُذِنَ لي أنْ أُحدِّثَ
عن مَلَكِ من ملائكةِ الله من حملةِ العَرْش، إنَّ ما بينَ شحمة أذنهِ إلى عاتقهِ مسيرةُ سبعمئة عام)) . رواه
أبو داود(٥)، وابن أبي حاتم، ولفظه: ((مَخْفقُ الطَّيْرِ سبعمئة عام)) (٦).
وقد وردَ في صفة جبريل عليه السلام أمرٌ عظيمٌ، قال الله تعالى: ﴿عَلََّهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥]
قالوا : كان من شدة قوَّتهِ أنه رفعَ مدائنَ قوم لوط ، وكُنَّ سبعاً ، بمن فيها من الأمم ، وكانوا قريباً من
1
(١) تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير (٥٤٩/٤).
(٢) المصدر السابق (٤/ ٥٤٩).
(٣) في تفسيره (١٢ /٤١٥).
(٤) في المعجم الكبير (١٩٥/١١) وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٨٠) وقال: تفرَّد به وَهْبُ الله بن رزق ، وهو
مجهول .
(٥) في سننه (٤٧٢٧) في السنة، وأخرجه أبو يعلى في المسند (٦٦١٩) وذكره الهيثمي في المجمع (١٣٥/٨)
وقال : رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح .
(٦) تفسير ابن كثير (٤٨٩/٤) وقال: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات .

٧٣
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
أربعمئة ألف ، وما معهم من الدوابِّ والحيوانات ، وما لتلكَ المدنِ من الأراضي والمعتملات
والعمارات ، وغير ذلك. رفعَ ذلكَ كلَّه على طرفِ جناحه حتى بلغَ بهنَّ عَنانَ السماءِ ، حتى سمعتِ
الملائكةُ نُباح كلابهم ، وصياح ديكتهم ، ثم قلبَها ، فجعلَ عاليها سافلها ، فهذا هو شديدُ القوى .
وقوله ﴿ ذُومِرَةِ﴾ [النجم: ٦] أي: ذو خُلُقٍ حسن وبَهاءِ وسَناءٍ، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّهُ لَقَوَّلُ
رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ [ الحاقة: ٤٠] أي: جبريل، رسولٌ من الله، كريمٌ: أي: حسن المنظر، ذي قُوَّة: أي: له قوَّةٌ
وبأسٌ شديد ﴿ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَشْ مَكِينٍ﴾ [ التكوير: ٢٠] أي: له مكانةٌ ومنزلةٌ عالية رفيعة عند الله ذي العرش
المجيد. ﴿ قُطَارِ ثَّ﴾ [ التكوير: ٢١] أي: مُطاع في الملأ الأعلى ﴿أَمِينٍ﴾ [ التكوير: ٢١] أي: ذي أمانةٍ
عظيمةٍ ، ولهذا كان هو السفير بين الله وبين أنبيائه عليهم السلام ، الذي ينزلُ عليهم بالوحي ، فيه الأخبارُ
الصَّادقةُ، والشرائعُ العادلة. وقد كان يأتي إلى رسول الله وَ له، وينزلُ عليه في صفاتٍ متعدِّدة كما قدَّمنا.
وقد رآه على صفته التي خلقه الله عليها مرتين، له ستمئة جناح، كما روى البخاري(١): عن طَلْقِ بن غَنَّام
عن زائدةً ، عن الشَّيْبانيّ، قال: سألتُ زِرَّاً عن قوله تعالى: ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴿ فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ
أَوْحَى﴾ [النجم: ٩ -١٠]. فقال: حدَّثنا عبدُ الله - يعني ابن مسعود - أنَّ محمّد(٢) وَ﴿ رأى جبريلَ له ستمئة
جناح .
وقال الإمام أحمد : حدَّثنا يحيى بن آدم ، حدَّثنا شريك ، عن جامع بن أبي راشد ، عن أبي وائل ،
عن عبد الله، قال : رأى رسولُ اللهِوَ ◌ّه جبريلَ في صورته وله ستمئة جناح، كلُّ جناحٍ منها قد سدَّ الأفقَ ،
يسقط من جناحه من التهاويل ، من الدرِّ والياقوت ما الله به عليمٌ (١) .
وقال أحمد أيضا٤ً): حدَّثنا حسن بن موسى، حدَّثنا حمَّاد بن سَلَمة ، عن عاصِم بن بَهْدلةَ ، عن
زِرِّ بن حُبَيْش، عن ابن مسعود في هذه الآية: ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) عِندَ سِدْرَةِ الْمُتَفَى﴾ [ النجم: ١٣ - ١٤]
قال: قال رسول الله وَّه: «رأيتُ جبريلَ وله ستمئة جناح، يَنْتَثِرُ من ريشِه التَّهاويلُ، الدُُّ والياقُوت)).
وقال أحمد(٥): حدّثنا زيدُ بن الحباب، حدَّثنا الحسينُ ، حدَّثني عاصمُ بن بَهْدلة ، سمعتُ شقيقَ بن
سَلَمة، يقولُ: سمعتُ ابن مسعود يقول: قال رسول الله وَّهِ: ((رأيتُ جبريلَ على سِدْرة المُنْتهى، وله
(١) في صحيحه ( ٤٨٥٧ ) في التفسير .
(٢)
في البخاري ( أنه محمد الي).
لم أجده في المسند بهذا الإسناد، وإنما أخرجه (٣٩٥/١) رقم (٣٧٤٨) عن حجَّاج ، عن شريك ، عن عاصم ،
(٣)
به . وأخرجه (١ / ٤٠٧) رقم (٣٨٦٢) عن زيد بن حباب ، عن حسين ، عن عاصم ، عنه ، نحوه .
وانظر أطراف المسند ، للحافظ ابن حجر ( ٤/ ١٥٨) رقم ( ٥٥٥٠) طبعة دار ابن كثير ودار الكلم الطيب
(١٤١٤ هـ). والتهاويل : الأشياء المختلفة الألوان .
(٤) في المسند (١/ ٤٦٠) وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٥٤٢).
(٥) في المسند (١/ ٤٠٧) .

٧٤
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
سِتُّمئةِ جَناح )) قال : فسألتُ عاصماً عن الأجنحة ؟ فأبى أن يُخبرني ، قال : فأخبرني بعضُ أصحابه : أنَّ
الجناحَ ما بينَ المَشْرقِ والمغربِ .
وهذه أسانيد جيدة قوية انفرد بها أحمد .
وقال أحمد (١): حدّثنا زيدُ بن الحباب، حدَّثني حسين، حدَّثني خُصَيْن، حدَّثني شقيق، سمعتُ
ابن مسعود قال: قال رسول الله مَ الَ: «أتاني جبريلُ في خُضرٍ(٢) مُعلَّقٍ به الدُّرُ)) . إسناده صحيح .
وقال ابن جرير(٣): حدَّثنا ابن بزيع البغدادي ، قال : حدَّثنا إسحاق بن منصور، قال : حدَّثنا
إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَنَّ﴾ [ النجم: ١١]
قال: رأى رسولُ اللهِ وَّه جبريلَ عليه حلَّتا رفرف قد ملأ ما بينَ السماء والأرض . إسناد جيد قوي.
وفي الصحيحين(٤) : من حديث عامر الشعبيّ ، عن مسروق ، قال : كنتُ عند عائشةً فقلتُ : أليسَ
الله يقولُ: ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالْأُفُقِّ الْمُِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] ﴿ وَلَقَدْرَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [ النجم: ١٣] فقالت: أنا أوَّلُ هذه
الأمة سألَ رسولَ الله ◌ِوَلَه عنها، فقال: ((إنما ذاك جبريلُ)) لم يره في صورته التي خُلِقَ عليها إلا مرتين،
رآه منهبطاً من السماء إلى الأرض ، سادّاً عظمُ خلقه ما بينَ السماء والأرض .
وقال البخاريّ(٥): حذَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا عمرُ بن ذرّ (ح) وحدَّثني يحيى بن جعفر، حدَّثنا وكيعٌ ،
عن عمرَ بن ذرٍّ، عن أبيه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَ له لجبريل: ((ألا
تزورنا أكثرَ مما تزورُنا؟ قال: فنزلت ﴿ وَمَا نَشَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِكٌّ لَهُ, مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤] الآية)).
وروى البخاريّ(٦) : من حديث الزهريّ ، عن عُبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : كان
رسولُ اللهِوَّ أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريلُ، وكان يلقاه في كلِّ ليلةٍ من
رمضان، فيدارسُه القرآنَ، فلرسولُ الله ◌ِ له أجودُ بالخير من الرِّيح المرسلة .
وقال البخاري(٧): حدَّثنا قُتَيْبة، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن ابن شهاب، أن عمرَ بن عبد العزيز أخَّر العصرَ
شيئاً ، فقال له عروةُ: أما إنَّ جبريلَ قد نزلَ فصلَّى أمامَ رسول الله وََّ، فقالَ عمر: أعلمُ ما تقولُ
يا عروةُ: قال: سمعت بشير بن أبي مسعود يقولُ: سمعتُ أبا مسعود يقولُ: سمعتُ رسولَ الله وَلّ
(١) في المسند (١/ ٤٠٧).
معنى : في خَضْرِ : في ثياب خضر .
(٢)
(٣) في تفسيره (١١ / ٥١٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٨٥٥) في التفسير، ومسلم ( ١٧٧ ) في الإيمان .
(٥) في صحيحه (٣٢١٨) في بدء الخلق.
(٦) في صحيحه ( ٦) في بدء الوحي.
(٧) في صحيحه (٣٢٢١) في بدء الخلق .

٧٥
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
يقول: (( نزلَ جبريلُ فأمَّني، فصلَّيْتُ معه، ثمَّ صلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه ، ثم صلَّيتُ معه ، يحسبُ
بأصابعه خمسَ صلواتٍ» .
ومن صفة إسرافيل عليه السلام ، وهو أحدُ حملةِ العرش ، وهو الذي ينفخُ في الصُّور بأمر ربِّه نفخاتٍ
ثلاثة : أولاهنَّ نَفْخةُ الفَزع ، والثانية نَفخةُ الصَّعْقِ، والثالثة نَفْخةُ الْبَعْث ، كما سيأتي بيانه في موضعه من
كتابنا هذا بحول الله وقوته وحسن توفيقه .
والصُّور : قَرْنٌ ينفخُ فيه ، كلُّ دارة منه كما بين السماء والأرض ، وفيه موضعُ أرواح العباد حينَ يأمرُه
الله بالنفخ للبعث ، فإذا نفخَ تخرجُ الأرواحُ تتوهجُ فيقولُ الربُّ جلَّ جلالُهُ: وعِزَّتي وجَلالي لترجعنَّ كلُّ
روحٍ إلى البَدنِ الذي كانت تعمُّره في الدنيا ، فتدخلُ على الأجساد في قبورها ، فتدبُّ فيها كما يدبُّ السُّمُّ
في اللَّيْغ ، فتحيا الأجسادُ وتنشقُّ عنهم الأجداث ، فيخرجونَ منها سِراعاً إلى مقام المحشر ، كما سيأتي
تفصيله في موضعه (١) .
ولهذا قال رسول الله وَّه: «كيف أنعمُ وصاحبُ القَرْنِ قد التقمَ القَرْنَ وحنَى جبهتَهُ وانتظرَ أن يُؤْذَنَ
له)). قالوا: كيف نقولُ يا رسول الله؟ قال: ((قولوا حسْبُنا اللهُ ونعمَ الوكيل، على الله توكَّلْنا)). رواه
أحمد والترمذي من حديث عطيّة العوفيِّ، عن أبي سعيد الخدري(٢).
وقال الإمام أحمد(٣) : حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمشُ ، عن سعد الطَّائِّ، عن عطيَّةَ العوفيِّ،
عن أبي سعيد ، قال: ذكرَ رسولُ اللهَ بَّهَ صاحبَ الصُّور فقال: عن يمينه جبريلُ، وعن يساره ميكائيلُ
عليهم السلام .
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٤): حدَّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدَّثنا محمد بن عمر بن
أبي ليلى ، حدَّثني أبي عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال : بينا
رسولُ اللهِ وَّلَه ومعه جبريلُ بناحيةٍ إذ انشقَّ أفقُ السَّماء، فأقبلَ إسرافيلٌ(٥) يدنو من الأرضِ ويتمايلُ ، فإذا
مَلَكٌّ قد مَثُلَ بين يدي النبيِّ وَّه، فقال: يا محمد! إن الله يأمرُكَ أن تختارَ بين نبيِّ عَبْدٍ أو ملكِ نبيِّ.
قال : فأشارَ جبريلُ إليَّ بيده : أنْ تواضعْ . فعرفتُ أنه لي ناصحٌ . فقلتُ : عبدٌ نبيٌّ. فعرجَ ذلكَ الملكُ
إلى السماء . فقلتُ : يا جبريلُ : قد كنتُ أردتُ أنْ أسألَكَ عن هذا، فرأيتُ منْ حَالِكَ ما شغلَني عن
(١) النهاية للحافظ ابن كثير (٢٧٣/١).
(٢) أخرجه أحمد في المسند ( ٣/ ٧) والترمذي في الجامع ( ٢٤٣٣) وإسناده ضعيف ، وله شواهد يتقوَّى بها ، ذكرها
الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (١١/ ٣١٧).
(٣) في المسند ( ١٠/٣).
(٤) المعجم الكبير (٣٧٩/١١ - ٣٨٠).
(٥) في المعجم: ((فأخذ جبريل يدنو)).

٧٦
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
المسألةِ ، فمَنْ هذا يا جبريلُ ؟ فقال : هذا إسرافيل عليه السلام خلقَه الله يومَ خلقَه بين يديْه صَافّاً قدميه
لا يرفعُ طَرْفهُ ، بينه وبين الربِّ سبعون نوراً، ما منها من نورٍ يكادُ يدنو منه إلا احترقَ، بين يديه لوحٌ ، فإذا
أذنَ الله في شيء من السماء أو في الأرض ارتفعَ ذلك اللَّوْحُ فضرب جبهته ، فينظر ، فإنْ كان من عملي
أمرني به ، وإنْ كان من عمل ميكائيلَ أمرَه به ، وإن كان من عمل مَلَكِ الموت أمره به . فقلت : يا جبريل
وعلى أيِّ شيءٍ أنت ؟ قال : على الريح والجنود . قلت : وعلى أيِّ شيءٍ ميكائيلُ ؟ قال : على النبات
والقَطْر . قلتُ : وعلى أيِّ شيءٍ مَلَكُ الموت؟ قال: على قَبْضِ الأنْفُسِ ، وما ظننتُ أنه نزل إلا لقيام
السّاعةِ ، وما الذي رأيتَ منِّي إلا خوفاً من قيام السّاعة . هذا حديث غريب من هذا الوجه .
وفي صحيح مسلم(١): عن عائشة؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ: كان إذا قامَ من اللَّيل يُصلِّي يقول: ((اللَّهم
ربَّ جبريل وميكائيلَ وإسرافيلَ ، فاطرَ السمواتِ والأرض، عالم الغيبِ والشَّهادة ، أنتَ تحكمُ بين عبادِكَ
فيما كانوا فيه يختلفونَ ، اهدني لما اختُلفَ فيه من الحقِّ بإذنكَ، إنَّكَ تهدي منْ تشاءُ إلى صراطٍ
مستقیمٍ )) .
وفي حديث الصُّور : أن إسرافيلَ أول من يبعثه الله بعد الصعق لينفخ في الصُّورُ(٢) .
وذكر محمد بن الحسن النقّاش : أن إسرافيل أول من سجد من الملائكة فجُوزي بولاية اللوح
المحفوظ. حكاه أبو القاسم السهيلي في كتابه ((التعريف والإعلام بما أُبهم في القرآن من الأعلام)(٣).
وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِ كَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨] عطفَها على
الملائكة لشرفهما ، فجبريلُ مَلَكٌ عظيم قد تقدَّم ذِكرُه . وأما ميكائيلُ ، فموّل بالقَطْر والنبات ، وهو ذو
مَكانةٍ من ربّه عزَّ وجلَّ ، ومن أشراف الملائكة المقرّبين .
وقد قال الإمامُ أحمد(٤): حدَّثنا أبو اليمان ، حذَّثنا ابنُ عيَّاش، عن عمارة بن غَزِيَّة الأنصاري ؛ أنه
سمع حُميد بن عُبيد مولى بني المُعلَّى يقولُ : سمعتُ ثابتاً البُناني يُحدِّثُ عن أنس بن مالك ، عن
رسول الله وَيُ: أنه قال لجبريلَ: (( ما لي لم أرَ ميكائيلَ ضاحكاً قطُ ؟ فقال: ما ضحكَ ميكائيلُ منذ
خُلقتِ النَّارُ (٥).
(١) (٧٧٠) في صلاة المسافرين ، وفيه قالت : كان إذا قام من الليل افتتح صلاته .
(٢) حديث الصُّور أخرجه البيهقي (٦٦٨) في ((البعث والنشور)) والسيوطي في الدر المنثور (٣٢٥/٥) والطبراني
(٣٦) في المطولات ، عن أبي هريرة . قال الحافظ ابن كثير: وهذا حديث مشهور، وهو غريب جداً، ولبعضه
شواهد في الأحاديث المتفرقة .
(٣) التعريف والإعلام؛ للسهيلي (ص١٨) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت - .
(٤) في المسند (٢٢٤/٣) وهو حسن بطرقه وشواهده .
(٥) أخرجه أحمد في المسند ( ٢٢٤/٣) ، وإسناده ضعيف .

٧٧
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
فهؤلاء الملائكةُ المصرّح بذكرهم في القرآن .
وفي الصِّحاح هم المذكورون في الدعاء النبويِّ ((اللهم رب جبريل وميكائيلَ وإسرافيل )) . فجبريلُ ؛
ينزلُ بالهدى على الرسل لتبليغ الأمم . وميكائيلُ : موَّل بالقَطْر والنبات اللَّذين يُخلق منهما الأرزاق في
هذه الدار ، وله أعوانٌ يفعلون ما يأمرهم به بأمرِ ربِّه، يصرفونَ الرِّياحَ والسَّحابَ كما يشاءُ الربُّ جلَّ
جلاله ، وقد روينا أنه ما من قطرةٍ تنزلُ من السماء إلا ومعها مَلَكٌ يُقَرِّرُها في موضعها من الأرض .
وإسرافيلُ : مُوكَّل بالنفخ في الصُّور ، للقيام من القبور ، والحضور يوم البعث والنشور ، ليفوزَ الشَّكُور ،
ويُجازی الكفور ، فذاك ذنبه مغفور ، وسعيه مشکور ، وهذا قد صار عمله کالهباء المنثور ، وهو يدعو
بالويل والثبور . فجبريلُ عليه السلام يحصلُ مما هو (١) موّلٌ به الهدى، وميكائيلُ يحصلُ مما٢) هو
موّل به الرزق ، وإسرافيلُ يحصلُ مما هو موَّلٌ به النصر والجزاء .
وأما مَلَكُ الموت ، فليس بمصرَّح باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصِّحاح ، وقد جاء تسميتُه في
بعض الآثار بعزرائيل والله أعلم .
وقد قال الله تعالى: ﴿ ﴿ قُلْ يَنَوَقَّكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ [ السجدة: ١١] وله
أعوانٌ يستخرجون روحَ العبد من جثَّته حتى تبلغَ الحلقومَ ، فيتناولُها مَلَكُ الموت بيده، فإذا أخذَها لم
يدَعُوها في يده طَرْفَةَ عَيْنٍ حتَّى يأخذوها منه فيلقوها في أكفان تليق بها ، كما قد بُسط عند قوله ﴿ يُثَبِّتُ اللّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فىِ الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. ثم يصعدونَ بها، فإن كانت
صالحةً فُتحتْ لها أبوابُ السماء وإلا غُلِّقَتْ دونَها ، وأُلقيَ بها إلى الأرض ، قال الله تعالى :
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ (١) ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى
اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحَكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَسِيِينَ﴾ [ الأنعام: ٦١ - ٦٢].
وعن ابن عبّاس ومجاهد وغير واحد ؛ أنهم قالوا : إنَّ الأرضَ بين يديْ مَلَكِ الموت مثل الطّسْتِ
يتناولُ منها حيث يشاء ، وقد ذكرنا أن ملائكة الموت يأتونَ الإنسانَ على حَسَبِ عملهِ ، إنْ كان مؤمناً أتاه
ملائكةٌ بيضُ الوجوه ، بيضُ الثياب ، طَيِّةُ الأرواح . وإن كان كافراً فبالضدِّ من ذلك ؛ عياذاً بالله العظيم
من ذلك .
وقد قال ابنُ أبي حاتم : حدَّثنا أبي ، حدَّثنا يحيى بن أبي يحيى المُقرىء، حدَّثنا عَمْرو بن شمر(٣) ،
قال : سمعتُ جعفرَ بن محمّد، قال : سمعتُ أبي يقولُ: نظرَ رسولُ اللهِ وَّهِ إلى مَلَكِ الموتِ عندَ رأسٍ
(١) كذا في الأصول ، وفي المطبوع : بما ينزل .
(٢) في المطبوع: بما .
(٣) في الأصول: سمر؛ والتصحيح من ((المعجم الكبير)) (٤/ ٢٢٠) و((تفسير القرآن العظيم)) ( ٥٦٥/٣).

٧٨
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
رجلٍ من الأنصار ، فقال له النبيُّ وَ ◌ّهِ: يَا مَلَكَ الموتِ ارفُقْ بصاحبي فإنه مؤمن، فقال مَلَكُ الموت:
يا محمَّدُ ! طِبْ نفساً وقرّ عيناً فإنِّي بكلِّ مؤمنٍ رفيق ، واعلم أنَّ ما في الأرض بَيْتَ مَدرٍ ولا شَعرٍ في برِّ
ولا بحرٍ ، إلا وأنا أتصَفَّحُهمُ(١) في كلِّ يوم خمسَ مرَّاتٍ ، حتى إني لأعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم
بأنفسهم ، والله يا محمَّد ؛ لو أني أردتُ أن أقبضَ روحَ بعوضةٍ ما قدرتُ على ذلك حتى يكونَ الله هو الآمر
بقبضها . قال جعفر بن محمد : أي : هو الصادق . بلغني : يتصفَّحُهم عندَ مواقيتِ الصلاة ، فإذا حضرَ
عند الموتِ فإذا كان ممن يحافظُ على الصَّلاة دنا منه الملَكُ ودفعَ عنه الشيطانَ ، ولقَّنه الملَكُ : لا إله
إلا الله محمَّد رسولُ الله . في تلك الحال العظيمة(٢) .
هذا حديث مرسلٌ وفيه نظر .
وذكرنا في حديث الصور من طريق إسماعيل بن رافع المدني القاصِّ ، عن محمد بن يزيد بن
أبي زياد(٣)، عن محمد بن كعب القُرَظِيّ، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَله ... الحديث بطوله.
وفيه : ويأمرُ الله إسرافيل بنفْخةِ الصَّعْقِ ، فينفخُ نفخةَ الصَّعْقِ ، فَيَضْعقُ أهلُ السموات وأهلُ الأرض إلا منْ
شاء الله ، فإذا هم خَمِدُوا ، جاء مَلَكُ الموت إلى الجبّار عزَّ وجلَّ، فيقول : يا ربّ قد ماتَ أهلُ السمواتِ
والأرض إلا من شئتَ . فيقول الله - وهو أعلم بمن بقي - : فمن بقيَ؟ فيقولُ: بقيتَ أنتَ الحيُّ الذي
لا يموتُ، وبقيتْ حملة عرشك، وبقيَ جبريلُ وميكائيلُ . فيقول: ليمتْ (٤) جبريلُ وميكائيلُ. فيُنطِقُ
اللهُ العرشَ ، فيقولُ : يا رب ! يموت جبريل وميكائيل ؟! فيقول : اسكتْ فإني كتبتُ الموتَ على كلٍّ منْ
كان تحتَ عرشي ، فيموتان . ثم يأتي ملَكُ الموتِ إلى الجَبَّارِ عَزَّ وجلَّ ، فيقولُ : يا ربّ قد ماتَ جبريلُ
وميكائيل . فيقول الله - وهو أعلم بمن بقي ــ فمنْ بقيَ؟ فيقولُ : بقيتَ أنتَ الحيَّ الذي لا يموتُ ، وبقيت
حملةُ عرشك ، وبقيتُ أنا ، فيقول الله : لتمت حملة عرشي ، فتموتُ . ويأمرُ الله العرشَ فيقبضُ الصُّورَ
من إسرافيل ، ثم يأتي مَلَكُ الموت فيقولُ : يا ربِّ قد مات حملة عرشكَ، فيقول الله : - وهو أعلم بمن
بقي - : فمن بقي ؟ فيقولُ : بقيتَ أنتَ الحيَّ الذي لا يموتُ، وبقيتُ أنا ، فيقول الله : أنتَ خلْقٌ من
خَلْقِي ، خلقتُك لما أردتُ ، فمتْ ، فيموت . فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهَّار الأحد الصمد الذي لم يلد
ولم يُولد ولم يكن له كفواً أحد ، فكان آخراً كما كان أوَلًا .. وذكر تمام الحديث بطوله . رواه الطبراني
(١) في المطبوع : أتفحصهم . وفي المعجم الكبير : أتصفحهم في كل يوم خمس مرات .
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢٠/٤) وذكره الهيثمي في المجمع (٣٢٦/٣) وقال: وفيه عمرو بن شمر
الجعفي ، ضعيف جداً ، والحارث بن الخزرج مجهول .
وبيت المَدَر : مبني من الطين .
(٣) في المطبوع : محمد بن زياد .
(٤) في أ : فيمت .

٧٩
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
وابن جرير والبيهقي(١)، ورواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب (( الطوالات (٢) وعنده زيادة غريبة ،
وهي قوله: فيقول الله له: (( أنت خَلْقٌ من خَلْقي خلقتُك لما أردتُ، فمتْ موتاً لا تحيا بعده أبداً)).
ومن الملائكة المنصوص على أسمائهم في القرآن : هاروت وماروت في قول جماعة كثيرة من -
السَّلف . وقد ورد في قصتهما وما كان من أمرهما آثار كثيرة غالبُها إسرائيليات .
وروى الإمام أحمد حديثاً مرفوعاً عن ابن عمر وصحَّحه ابن حبان في ((تقاسيمه (٣). وفي صحّته
عندي نظر ، والأشبه أنه موقوف على عبد الله بن عمر ، ويكون مما تلقَّاه عن كعب الأحبار ، كما سيأتي
بيانه، والله أعلم . وفيه : أنه تمثلت لهما الزهرة امرأةً من أحسن البشر .
وعن عليٍّ وابن عبّاس وابن عمر أيضاً : أن الزهرة كانت امرأة ، وأنهما لما طلبا منها ما ذُكِر أبت إلا
أن يُعلِّماها الاسمَ الأعظمَ، فعلَّماها ، فقالته ، فارتفعت إلى السماء ، فصارتْ كوكب(٤)
وروى الحاكم في ((مستدركه)): عن ابن عباس ، قال : وفي ذلك الزمان امرأة حسنُها في النساء
كحسن الزهرة في سائر الكواكب(٥) . وهذا اللفظ أحسنُ ما ورد في شأن الزهرة .
ثم قيل : كان أمرهما وقصَّتهما في زمان إدريس . وقيل : في زمان سليمان بن داود كما حرَّرنا ذلك
(٦)
. (
في التفسير
وبالجملة فهو خبرٌ إسرائيلي مرجعه إلى كعب الأحبار ، كما رواه عبدُ الرزاق في تفسيره ، عن
الثوريِّ، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار بالقِصَّةُ(٧) . وهذا أصح
إسناداً وأثبت رجالاً والله أعلم .
ثم قد قيل : إن المراد بقوله: ﴿ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَرُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢ ] قبيلان من
الجَانِّ ، قاله ابن حزم ، وهذا غريب وبعيد من اللفظ .
(١) رواه الطبراني في المطولات (٣٦) وابن جرير في التفسير (١٨٦/٣٠) والبيهقي (٦٦٨) في البعث والنشور .
(٢) قال في كشف الظنون : الطوالات ؛ للحافظ الكبير أبي موسى محمد بن أبي بكر عمر المديني المتوفى سنة
(٥٨١هـ) وهي في مجلدين .
(٣) أخرجه أحمد فى المسند (٢/ ١٣٤) وابن حبان في صحيحه، الإحسان (٦١٨٦) والبزار (٢٩٣٨) كما في كشف
الأستار ، والبيهقي في السنن (٤/١٠ - ٥). وفي إسناده موسى بن جبير: يخطىء ويخالف ، وزهير بن محمد
التيميُّ ؛ في حفظه شيء وله أغاليط .
(٤) انظر تفسير ابن كثير (١٧٥/١ - ١٧٦).
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢٦٦/٢) وصححه ، ووافقه الذهبي .
(٦) انظر تفسير ابن كثير (١/ ١٧٢).
(٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٩٧).

٨٠
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
ومن الناس من قرأ ( وما أنزل على الملكين ) بالكسر ، ويجعلهما علجين من أهل فارس ، قاله
الضخَّاك١) . ومن الناس من يقول : هما مَلَكان من السماء ، ولكن سبقَ في قدر الله ما ذكره من أمرهما إن
صحَّ به الخبر ، ويكون حكمهما كحكم إبليس إن قيل : إنه من الملائكة ، لكن الصحيح أنه من الجنِّ كما
سيأتي تقريره .
ومن الملائكة المسمّيْن في الحديث : منكر ونكير عليهما السلام . وقد استفاضَ في الأحاديث
ذِكْرُهُما في سؤال القبر. وقد أوردناها٢) عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فىِ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اَللَّهُ الظَّالِمِينْ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ [ إبراهيم: ٢٧] وهما فتَّانا القبر، موثّلان
بسؤال الميت في قبره عن ربِّه ودينه ونبيه ، ويمتحنان البرَّ والفاجرَ ، وهما أزرقان أفرقان ، لهما أنيابٌ
وأشكالٌ مزعجة ، وأصواتٌ مفزعة ، أجارنا الله من عذاب القبر ، وثبّتنا بالقول الثابت آمين .
وقال البخاري(٣): حدَّثنا عبدُ الله بن يُوسف، حدَّثنا ابنُ وَهْب، حدَّثني يونسُ ، عن ابن شهاب ،
حدَّثني عروةُ؛ أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ وَّهَ حدَّثته أنَّها قالتْ للنبيِ وََّ: هل أتى عليكَ يومٌ كان أشدَّ من يوم
أحد ؟ قال : لقد لقيتُ من قومك ما لقيتُ(٤)، وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يومَ العقبة ، إذ عرضتُ نفسي
على ابن عبد يا ليل بن عبدِ كُلال فلم يُجبْني إلى ما أردتُ ، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي ، فلم أستفقْ
إلا وأنا بقَرْنِ الثعالب ، فرفعتُ رأسي ، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّني ، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ ، فناداني ،
فقال : إنَّ الله قد سمعَ قولَ قومِكَ لكَ وما ردُّوا به عليكَ، وقد بعثَ اللهُ إليكَ(٥) ملَكَ الجبال لتأمره بما
شئتَ فيهم ، فناداني ملَكُ الجبال فسَلَّم عليّ، ثم قال : يا محمَّد! فقال ذلك ، فما شئتَ ، إنْ شئتَ أنْ
أُطْبِقَ عليهم الأخشبين. فقال النبي ◌ََّ: ((بلْ أرجو أنْ يُخْرِجَ الله من أصلابهم منْ يَعْبُدُ اللهَ وحدَه
ولا يُشركُ به شيئاً )) . ورواه مسلم(٦) من حديث ابن وهب به .
فصل : ثم الملائكة عليهم السلام بالنسبة إلى ما هيَأهم الله له أقسام :
فمنهم حَمَلةُ العرشِ ، كما تقدَّم ذكرهم ، ومنهم الكروبيون الذين هم حولَ العرش ، وهم أشرف
الملائكة مع حملة العرش، وهم الملائكة المقرَّبون، كما قال تعالى: ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ
عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [ النساء: ١٧٢]. ومنهم جبريل وميكائيل عليهما السلام، وقد ذكر الله عنهم
(١) انظر تفسير القرطبي (٥٢/١) والعلج : الرجل من كفار العجم.
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٦٥٥ - ٦٦٣) وفي أ : وقد أوردنا .
(٣)
في صحيحه (٣٢٣١).
سقطت من الأصول ، وأثبتها من صحيح البخاري .
(٤)
(٥)
في ب : والمطبوع : بعث لك .
(٦) في صحيحه (١٧٩٥ ) في الجهاد .