النص المفهرس

صفحات 1-20

النِدِالَّوَالتَّهَارُ
بدأ الخليقة وقصص الأنبياء

الطبعة الثانية
م
1431 هـ - 2010
حقوق الطبع محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع
والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق
إلا بإذن خطي من
كاراب
للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق - سوريا - ص.ب : 311
حلبوني - جادة ابن سينا - بناء الجابي
حالة المبيعات تلفاكس: 2225877 - 2228450
الإدارة تلفاكس: 2243502 - 2458541
بيروت - لبنان - ص.ب : 113/6318
برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي - بناء الحديقة
تلفاكس: 817857 01 - جوال : 204459 03
www.ibn-katheer.com
info@ibn-katheer.com
الموضوع: تاريخ
العنوان: البداية والنهاية 20/1
التأليف: الإمام ابن كثير
التحقيق: مجموعة من العلماء
الورق: كريم
ألوان الطباعة: لونان
عدد الصفحات: 10128
القياس: 17×24
التجليد: فني - لوحة
الوزن: 15215 غ
التنفيذ الطباعي :
مطبعة ايبكس - بيروت
التجليد :
مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد - بيروت
ISBN: 978-9953-520-84-1
9 789953 520841

ـه
ـه
و
بدأ الخليقة وقصص الأنبياء
تأليف
الإِمَامِالْحَافِظِ المُؤَرْخ أبي الفِدَاءِإِسْتَاعِيل بن كَثِيْر
٧٠١ - ٧٧٤ هـ
حَقَّقَهُ وَفََّ أَمَادِيَّهُ وَعَلَّ ◌َعَلَيْهِ
د. محي الدّيْن ديب مستو
رَاجَعَهُ
الدكتور بشار عوادمعروف
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط
الجُزءُ الأَوَّلُ
دَار اتركتير
رِقشق- بَيرُوت

-
6
2

٥
مقدمة
مقدمة
ولا حول ولا قوة إلاّ بالله
عليه توكلت(١)
الحمدُ للهِ الأوَّلِ الآخِرِ ، الباطنِ الظَّاهِرِ ، الذي هُو بكل شيءٍ عَلِيمٌ، الأوَّلُ فليس قَبْلَهُ شيءٌ ، الآخِرُ
فليس بَعْدهُ شيءٌ، الظَّاهر فليس فَوْقَهُ شيءٌ، الباطنُ فليس دونه شيء٢ٌ) ، الأزليُّ القديم الذي لم يزل
موجوداً موصوفا٢ً) بصفاتِ الكمال ، ولا يزال دائماً مستمراً باقياً سرمدياً بلا انقضاء ولا انفصال
ولا زوالٍ . يعلمُ دَبيبَ النملةِ [السوداءِ لُ)، على الصخرة [الصمّاء]، في الليلة الظلماء، وَعَددَ
الرِّمالِ ، وهو العلي الكبير المتعال ، العلي العظيم الذي خلق كل شيء فقدّره تقديراً .
فرفع السمواتِ بغير عمدٍ ، وزيَّنها بالكواكب الزَّاهرات ، وجعل فيها سِراجاً وقمراً منيراً ، وسؤَّى
فوقَهُنَّ سَريراً، شَرْجَعْ) عالياً مُنيفاً، متَّسعاً مقبّباً مستديراً، هو العرش العظيم، له قوائمُ عظامٌ ، تحمله
(١) سقطت هذه العبارة من المطبوع، وجاء بعد هذا في ب: ((اللهم صل وسلم على أشرف الخلق سيدنا محمد)) ولعله
من إضافات النساخ ، لأن المؤلف سيذكر ذلك بعد بتفصيل .
(٢) هو اقتباس من حديث رسول الله وَ ليل الذي رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٧١٣)، في الذكر والدعاء : باب ما يقول
عند النوم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللّه رَّمَ: ((اللهم ربَّ السمواتِ وربَّ الأرضِ وربَّ
العرش العظيم ، ربَّنا وربَّ كل شيء ، فالق الحبِّ والنّوى، ومُنْزِلَ التوراة والإنجيل والفرقان ، أعوذ بكَ من شرِّ كل
شيء أنت آخذ بناصيته ، اللهمَّ أنت الأولُ فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخرُ فليس بعدك شيءٌ ، وأنت الظاهر فليس
فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء. اقض عنا الدَّيْنَ وأغننا من الفقر)).
وهذا الحديث تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاِنُّ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾[ الحديد ٣].
ومعنى ( الأول) : السابق للأشياء. و( الآخر): الباقي بعد فناء الخلق. و( الظاهر ) بحججه الباهرة وبراهينه
النَّرة وشواهده الدالّة على صحة وحدانيته ، ويكون ( الظاهر ) فوق كل شيء بقدرته ، ويكون الظهور بمعنى العلو
وبمعنى الغلبة . و( الباطن ) : المحتجب عن أبصار الخلق الذي لا يستولي عليه توهُّم الكيفية ، أو الباطن على كل
شيء علماً .
لفظة : موصوفاً ؛ سقطت من المطبوع .
(٣)
(٤)
زيادة من المطبوع . تكتمل بها السجعة .
الشرجع : الطويل ، وقد شرحه بقوله : هو العالي المنيف .
(٥)

٦
مقدمة
الملائكة الكرامُ تحقُّه الكُزوبيُون (١) - عليهم الصلاة والسلام - ولهم زَجلُ (٢) بالتقديس والتعظيم.
وكذا أرجاء السماوات مشحونة بالملائكة ، ويفدُ منهم في كل يوم سبعون (٣) ألفاً إلى البيت المعمور
بالسماء السابعة (٤) ، لا يعودون إليه، آخِرَ ما عليهم في تهليل وتحميد وتكبير وصلاة وتسليم .
ووضع الأرض للأنام على تيار الماء ، وجعل فيها رواسي من فوقها ، وبارك [ فيها ]°) وقدّر فيها
أقواتها في أربعة أيام قبل خلق السماء ، وأثبت فيها من كل زوجين اثنين ، دلالة للألبَّاء ، من جميع
ما يحتاج العباد إليه في شتائهم وصيفهم ، ولكل ما يحتاجون إليه ويملكون من حيوان بهيم .
وبدأ خلق الإنسان من طين ، وجعل نسله من سلالة من ماءٍ مهينٍ ، في قرارٍ مَكِيْن ، فجعله سميعاً
بصيراً ، بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً ، وشرّفه بالعلم والتعليم .
خلق بيده الكريمة آدمَ أبا البشر ، فصوَّر ◌ُثَّته ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وخلق منه
زوجَه حواء أُمّ البشر ، فَآنس بها وحْدَتَه ، وأسكنهما جنته ، وأسبغ عليهما نعمته . ثم أهبطهما إلى
الأرض ، لما سبق في ذلك من حكمة الحكيم ، وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً ، وقسمهم بقدره العظيم
ملوكاً ورعايا٦) ، وفقراء وأغنياء، وأحراراً وعبيداً، وحرائر وإماءً . وأسكنهم أرجاء الأرض ، طولها
والعرض ، وجعلهم خلائف فيها يخلف البعضُ البعض (٧) ، إلى يوم الحساب والعرض على الحكيم
العليم(٨). وسخّر لهم الأنهار من سائر(٩) الأقطار، تشؤُ(١٠) الأقاليم إلى الأمصار ، مابين صغار وكبار،
على مقدار الحاجات والأوطار، وأنبع لهم العيون والآبار ، وأرسل عليهم السحاب(١١) بالأمطار، فأنبت
لهم سائر صنوف الزُّروغ١٢) والثمار. وآتاهم من كل ما سألوه بلسان حالهم وقالهم: ﴿ وَإِن تَعُدُّوا
نِعْمَتَ ◌َلَّهِلَا تُخْصُوهَاً إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُوْمُ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] فسبحان الكريم العظيم الحليم.
(١) الكروبيون: سادة الملائكة وهم المقربون. النهاية لابن الأثير (١٦١/٤) واللسان (کرب).
(٢) الزجل: رفع الصوت الطَّرِب. وقال ابن الأثير: صوتٌ رفيع عالٍ. النهاية (٢/ ٢٩٧).
في ب : سبعين ؛ وهو خطأ .
(٣)
في المطبوع : الرابعة .
(٤)
(٥) زيادة من ب .
(٦) في المطبوع : ورعاة .
(٧) في ب: ((البعض منهم البعض))، والعبارة من غير ((منهم)) أجود .
(٨) في ب : على العليم الحكيم .
(٩) سائر ، بمعنى الجميع ، خطأ شائع ، والصحيح استخدامها بمعنى البقية .
(١٠) قوله: تشق. والأوطار؛ سقطت من (( ب)).
(١١) في المطبوع : السحائب .
(١٢) في ب : الزرع.

٧
مقدمة
وكان من أعظم نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، بعد أن خلقهم ورزقهم ويسَّر لهم السبيل(١)،
وأنطقهم ، أن أرسل رُسُله إليهم ، وأنزل كُتُبُهُ عليهم ، مبيّنة حلاله وحرامه ، وأخباره وأحكامه ، وتفصيل
كل شيءٍ في المبدأ والمعاد [ إلى ٢٤) يوم القيامة ؛ فالسعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم ،
والأوامر بالانقياد ، والنواهي بالتعظيم ، ففاز بالنعيم المقيم ، وزُخْزح عن مقام المكذِّبين في الجحيم
ذات الزقّوم والحميم ، والعذاب الأليم .
أحمده حمداً كثيراً طيبا٣ً) مباركاً فيه ، يملأ أرجاء السماوات والأرضين ، دائماً أبد الآبدين ، ودهرَ
الداهرين ، إلى يوم الدِّين ، في كل ساعة وآٍ ووقت وحين ، كما ينبغي لجلاله العظيم ، وسلطانه القديم
ووجهه الكريم .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له ، ولا ولد له ، ولا والد له ، ولا صاحبة له ، ولا نظير
له ، ولا وزير ولا مشير له، ولا عديد ولا نديد(٤) ولا قسيم. وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ، وحبيبه
وخليله ، المصطفى من خُلاصة العرب العَزْباء من الصميم ، خاتم الأنبياء ، وصاحب الحوض الأكبر
الرَّواء ، صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة ، وحامل اللواء الذي يبعثه الله تعالى المقامَ المحمود الذي
يرغب إليه فيه الخلقُ كلُّهم ؛ حتى الخليل إبراهيم بَِّ وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين ، وسلَّم
وشرَّف وكرَّم أزكى صلاةٍ وتسليم ، وأعلى تشريف وتكريم ، ورضي الله عن جميع أصحابه الغرِّ الكرام ،
السادة النجباء الأعلام ، خلاصة العالم بعد الأنبياء ، ما اختلط الظلام بالضياء ، وما أعلن الداعي
بالنداء ، وما نسخ النهارُ ظلام الليل البهيم .
أما بعد :
فهذا كتابٌ أذكر فيه - بعون الله وحسن توفيقه - ما يسَّرَه الله تعالى بحوله وقوته من ذكر مبدأ
المخلوقات : من خلق العرش والكرسي والسموات والأرضين وما فيهن ، وما بينهنّ من الملائكة والجان
والشياطين ، وكيفيّة خلق آدم عليه السلام ، وقصص النبيين ، وما جرى مجرى ذلك إلى أيام بني إسرائيل
وأيام الجاهلية، حتى تنتهي النبوّة(٥) إلى أيام نبيّنا محمد نِّي(٦)، فنذكر سيرته كما ينبغي ، فتشفي
الصدور والغليل ، وتزيح الداءَ عن العليل .
(١) في أ : ويسرهم .
(٢) زيادة من المطبوع
(٣) قوله : كثيراً طيباً . سقطت من ب .
(٤)
في ب : ولا عديل ولا نديد له ولا قسيم . والعديد : النظير .
(٥) في أ : النوبة .
(٦) في ب : صلوات الله وسلامه عليه .

٨
مقدمة
ثُمَّ نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، ونذكر الفتن والملاحم وأشراطَ (١) الساعة ، ثمَّ البعث والنشور
وأهوال القيامة ، ثمَّ صفة ذلك وما في ذلك اليوم ، وما يقع فيه من الأمور الهائلة . ثمَّ صفة النَّار، ثمَّ صفة
الجنان وما فيها من الخيرات الحسان ، وغير ذلك وما يتعلق به ، وما ورد في ذلك من الكتاب والسُّنَّة
والآثار والأخبار المنقولة المقبولة عند العلماء وورثة الأنبياء ، الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية
المحمدية ، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام .
ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذِن الشارع في نقله ، مما لا يخالف كتابَ الله تعالى وسنة رسوله
وَّ، وهو القسم الذي لا يُصدَّق ولا يكذَّب، مما فيه بسطٌّ لمختصر عِنْدَنا، أو تسميةٌ لمبهم وَرَدَ به شرعُنا
مما لا فائدة في تعيينه لنا ، فنذكره على سبيل التحلِّي به لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه (٢)
وإنما العمدة والاستناد على كتاب الله تعالى وسنّة رسول الله وَلَه، ما صحَ(٣) نقله أو حَسُن، وما كان فيه
ضعفٌ نبيِّته ، وبالله المستعان وعليه التكلان ، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله العزيز الحكيم العليّ العظيم .
فقد قال الله تعالى في كتابه : ﴿كَذَلِكَ نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ وَقَدْ ءَانَيْتَكَ مِن لَّهُنَا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩]
وقد قصَّ الله على نبيِّه وَل خبر ما مضى من خلق المخلوقات، وذِكْر الأمم الماضين ، وكيف فعل
بأوليائه، وماذا أحلَّ بأعدائه . وبيَّن ذلك رسولُ الله ◌ِوَ لأمته بياناً شافياً، سنورَد عند كل فَضْلٍ ما وَصَلَ
إلينا عنه ، صلواتُ الله وسلامُه عليه ، في ذلك تِلْوَ الآيات الواردات في ذلك ، فأخبرنا بما نحتاج إليه من
ذلك ، وترك ما لا فائدة فيه مما قد يتزاحم على علمه ويَتَراجم(٤) في فهمه طوائف من علماء أهل الكتاب
فيما لا فائدة فيه لكثير من الناس إليه ، وقد يستوعبُ(٥) نقلَه طائفةٌ من علمائنا أيضاً ، ولسنا نحذو حذوَهم
ولا ننحو نحوهم ، ولا نذكر منها إلا القليل على سبيل الاختصار ، ونبين ما فيه منها٦) حق مما وافق
ما عندنا ، وما خالفه فوقع فيه الإنكار .
فأما الحديث الذي رواه البخاري - رحمه الله - في ((صحيحه)(٧) عن [ عبد الله بن ] عمرو بن العاص
(١) أشراط: جمع شرط: هو العلامة. والشرط، بسكون الراء: هو إلزام الشيء والتزامه ، ج : شروط وشرائط.
(٢) كذا في ب . وأ: والاعتماد إليه، يقال: اعتمد على الشيء: إذا اتكأ عليه واتَّكل.
(٣)
في ب : مما صح .
(٤)
الرجم : القذف بالغيب والظن .
(٥)
في ب : استوعب .
(٦) لفظة : منها ؛ سقطت من المطبوع ، وفي ب : بياض مكانها قدر كتابتها .
(٧) رواه البخاري في صحيحه (٣٤٦١) في الأنبياء ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - بلفظ
((بلِّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)).
وجملة: (( وحدِّثوا عني ولا تكذبوا عليَّ)) التي ذكرها المؤلف - رحمه الله - في حديث البخاري ليست فيه. وإنما
هي جملة من حديث رواه أحمد في المسند ( ٤٦/٣) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ولفظه بتمامه :-

٩
مقدمة
- رضي الله عنهما١) - أنَّ رسول الله وَّه قال: ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحدِّثُوا عَنْ بَني إسْرَائيلَ ولا حَرَجَ ،
وحدِّثُوا عَنِّي ولا تكْذِبُوا عليَّ، ومنْ كذب عليَّ مُتعمداً فَلْيتبوأُ مَفْعَدَهُ منَ النَّارِ)) فهو محمول على
الإسرائيليات المسكوت (٢) عنها عندنا . فليس عندنا ما يُصدِّقُها ولا [ ما ]٣) يُكذِّبُها، فيجوز روايتُها
للاعتبار . وهذا هو الذي نستعمله في كتابنا هذا؟) .
[ فأمَّا ما شهد له شرعُنا بالصدق؛ فلا حاجة بنا إليه استغناءً بما عندنا ]°) ، وما شهد له شرعُنا منها
بالبطلان ، فذاك مردودٌ لا يجوز حكايته ، إلا على سبيل الإنْكار والإبطال.
فإذا كان اللهُ سبحانه ولهُ الحمدُ، قد أغنانا برسولنا محمد مَ له عن سائر الشرائع ، وبكتابه عن سائر
الكتب ، فلسنا نترامى على ما بأيديهم مما قد وَقَعَ فيه خَبْطِ وَخلْطٌ ، وكَذِبٌ ووضْعٌ ، وتحريفٌ وتبديلٌ ،
وبعد ذلك كله نسخ وتغيير .
فالمحتاجُ إليه قد بيَّنْه لنا رسولُنا، وشَرَحه ووضَّحه ، عَرفه من عَرَفه، وجَهله [ مَنْ جَهِلَهُ ] . كما قال
علي بن أبي طالب: كِتابُ الله فِيْهِ خَبَرُ ما قَبْلَكُمْ، وَنَبَأُ ما بَعْدِكُمْ، وحُكْمُ ما بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ
بالهزْلِ، منْ تَرَكَهُ من جَبَّار قَصَمَهُ اللهُ، ومَنِ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّه٦ً) الله(٧)
(( وحدِّثوا عني ولا تكذبوا عليَّ، ومن كذب عليَّ متعمداً فقد تبوَّأ مقعده من النار ، وحدِّثوا عن بني إسرائيل
=
ولا حرج )).
وحديثنا الذي ذكره المؤلف من رواية البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - رواه أيضاً
أحمد في المسند (١٥٩/٢ و٢٠٢ و٢١٤) والدارمي في سننه، في المقدمة (١٣٦/١) باب: البلاغ عن
رسول الله وَّر وتعليم السنن، والترمذي في سننه (٢٦٦٩)، في العلم ، باب : ما جاء في الحديث عن بني
إسرائيل ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
في الأصل : عنه ؛ وعدلتها لتستقيم مع الزيادة التي أثبتُّها عن صحيح البخاري ، وسقطت من النسخ .
(١)
في ب : والمسكوت .
(٢)
(٣)
زيادة من المطبوع .
في ب : هذا منها .
(٤)
زيادة من ب . سقطت من أبنقلة عين .
(٥)
(٦)
(٧)
في أ : أخبله ؛ وأثبت رواية ب ، وهي موافقة لما ورد في كتب الحديث .
قطعة من حديث أورده ابن كثير موقوفاً على عليّ رضي الله عنه. وقد ورد مرفوعاً عن رسول الله بَّر وهو عند الترمذي
في سننه (٢٩٠٦) في فضائل القرآن، والدارمي في سننه (٤٣٥/٢) وأحمد في مسنده (٩١/١).
وقال الترمذي : هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول ، وفي الحارث مقال .
والحارث هو الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني ، وهو ضعيف الحديث ، وخاصة فيما يرويه عن عليٍّ رضي الله
عنه ، ترجمته في ميزان الاعتدال؛ للذهبي (٤٣٥/١ - ٤٣٧).

١٠
مقدمة
وقال أبو ذر، رضي الله عنه: توفي رسول الله وُّقو وما طائر يطير بجناحيه إلا أذكرنا١) منه علماً.
وقال البخاري في كتاب(٢) بدء الخلق: وروي عن عيسى (٣) بن موسى غُنْجار ، عن رَقبة ، عن
قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: قام فينا رسول الله وَل
مَقَاماً، فأخْبَرنا عن بدء الخلق ، حتَّى دخل أهلُ الجنَّةَ منازِلَهُمْ، وأهلُ النَّارِ مَنازِلَهم، حَفِظَ ذلكَ منْ
حَفِظَهُ وَنسيهُ مِنْ نسيه٤ٌ). قال أبو مسعود٥) الدمشقي [ ((في أطْرافه))]٦) : هكذا قال البخاري ، وإنما
رواه عيسى غُنْجار عن أبي حمزة ، عن رقبة .
وقال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - في (( مسنده (٧٨): حدّثنا أبو عاصم، حدَّثنا عَزْرة بن
(١)
في ب : إلا ذكّرنا .
(٢) في ب : كتابه .
هكذا بصيغة المبني للمجهول ، وكذلك هو بخط المزي في تحفة الأشراف (٧ /٢٠٨ حديث ١٠٤٧٠)، والذي في
(٣)
البخاري : وروى عيسى عن رقبة . وقد وضّحه المؤلف فقال : عيسى بن موسى غُنجار . وغنجار لقب لعيسى ،
لقِّب به لحمرة لونه. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (٦/ ٢٠٧) قوله : وروى عيسى عن رقبة ؛ كذا
للأكثر ، وسقط منه رجل ، فقال ابن الفلكي : ينبغي أن يكون بين عيسى ورقبة أبو حمزة ، وبذلك جزم
أبو مسعود ، وقال الطرقي : سقط أبو حمزة من كتاب الفربري وثبت في رواية حماد بن شاكر ، فعنده عن
البخاري : روى عيسى عن أبي حمزة عن رقبة ، قال ، وكذا قال ابن رميح عن الفربري . قلت [ القائل ابن
حجر ] : وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج ، وهو يروي الصحيح عن الجرجاني عن الفربري ، فالاختلاف فيه
حينئذٍ عن الفربري ، ثمّ رأيته سقط أيضاً من رواية النسفي ، لكن جعل بين عيسى ورقبة : ضبة ، ويغلب على الظن
أن أبا حمزة ألحق في رواية الجرجاني ، وقد وصفوه بقلة الإتقان ، وعيسى المذكور هو ابن موسى البخاري ، ولقبه
غنجار ... وليس له في البخاري إلا هذا الموضع ، وقد وصل الحديث المذكور من طريق عيسى المذكور عن
أبي حمزة ، وهو محمد بن ميمون السكري ، عن رقبة ، الطبراني في مسند رقبة المذكور وهو بفتح الراء والقاف
والموحدة الخفيفة ، ابن مصقلة بفتح الميم وسكون الصاد المهملة ، وقد تبدل سيناً ( مسقلة ) ولم ينفرد به عيسى ،
فقد أخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسن بن شقيق ، عن أبي حمزة ، نحوه ، لكن بإسناد ضعيف .
(٤) رواه البخاري في صحيحه (٣١٩٢)، باب: ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ .. ﴾
[ الروم: ٢٧] وهو من رواية حذيفة، في مسند أحمد (٣٨٥/٥ و٣٨٩، ٤٠١) وأبي داود (٤٢٤٠) في الفتن :
باب ذكر الفتن ودلائلها ، ومن رواية أبي سعيد الخدري في الترمذي ( ٢١٩١) في الفتن: باب ما جاء ما أخبر النبي
وَلقر أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة ، وقال الترمذي : وهذا حديث حسن صحيح .
(٥) في ب : ابن مسعود ؛ وهو سهو . وأبو مسعود الدمشقي : هو إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي حافظ صدوق
ورع. توفي سنة (٤٠١ هـ). ترجمته في السير للذهبي (١٧ / ٢٢٧) وكتابه: (( أطراف الصحيحين)) رتب فيه
أحاديث كل صحابي على حدة . كشف الظنون (١١٦/١) ، وهو أحد الكتب الرئيسة التي أقام المزي عليها كتابه
(( تحفة الأشراف )» .
(٦) زيادة من ب .
(٧) مسند أحمد (٣٤١/٥).

١١
مقدمة
ثابت، حدَّثنا عِلْباء بن أحمر(١) اليشكري، حدَّثنا أبو زيد الأنصاري، قال: صلَّى بنا رسول الله وَّه صلاةَ
الصُّبْحِ، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطبنا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الُهْرَ، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَ ، فَخَطِبنا
حَتَّى حَضَرتِ العصْرُ، ثُمَّنَزلَ فَصَلَّى العَصْرِ، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبرِ فَخطبنا حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ ، فَحَدَّثَنَا بما كانَ،
وما هُوَ كائنٌ، فأعلمُنا أحْفَظُنا . انفرد بإخراجه مسلم، فرواه في كتاب الفتن من ((صحيحه (٢) عن
يعقوب بن إبراهيم الدورقي وحجاج بن الشاعر ، جميعا٢ً) عن أبي عاصم الضخَّاك بن مخلد النبيل ، عن
عزرة ، عن علياء ، عن أبي زيد عمرو بن أخطب بن رفاعة الأنصاري رضي الله عنه، عن النبيِّ ◌َّ بنحوه.
وقال الإمام أحمد(٤) : حذَّثنا يزيد بن هارون وعقَّان، قالا: حدَّثنا حمّاد بن سلمة، أخبرنا علي بن
زيد، عن [أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد قال: خطبنا رسول الله وَّ خُطْبَةً بعد العصر إلى مُغَيْرِبان الشَّمْسِ ،
حَفظها [ منا ] منْ حفظَها، ونسِيَها من نسيها . قال عَقَّان: قال حمّاد: وأكثر حفظي أنَّه قالَ: ما هو كائنٌ
إلى يوم القيامة، فَحَمِدَ الله، وأثنى عليه، ثمَّ قال: ((أمَّا بَعْدُ فإنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، وَإِنَّ اللّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ
فيْها فناظِرٌ كَيْفَ تَعْمِلونَ، ألا فَاتَّقُوا الدُّنْيا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ .. )) وذكر تمام الخُطبةُ(٥) ، إلى أن قال : فلما
كان عند مغيربان الشمس قال: ((ألا إنَّ مِثْلَ ما بقيَ منَ الدُّنْيَا مِثْلُ ما بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيْمَا مَضَى مِنْهُ)) .
ثم قال الإمام أحمد(٦): حدَّثنا عبدُ الرزّاق، أخبرنا مَعْمَر ، عن علي بن زيد بن جُدْعان ، عن
(١) في أ: أحمد ؛ وهو تحريف .
(٢) صحيح مسلم (٢٨٩٢) باب إخبار النبي ◌َّ فيما يكون إلى قيام الساعة .
(٣) كذا في صحيح مسلم وط . وفي أوب : كلاهما .
(٤) مسند أحمد (١٩/٣) والزيادات منه. والكلام حتى نهاية الفصل سقط من المطبوع.
(٥) وتمام الخطبة فيه : (( ألا إنَّ بني آدم خُلقوا على طبقات شتَّى، منهم من يُولَد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموتُ مؤمناً ،
ومنهم من يُولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً ، ومنهم من يُولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً ، ومنهم من يولد
كافراً ويحيا كافراً ويموتُ مؤمناً .
ألا إنَّ الغضب جَمْرةٌ تُوقد في جَوف ابن آدَمَ؛ ألا تَرَونَ إلى حُمْرة عينيه وانتفاخِ أوْدَاجِه، فإذا وَجدَ أحدُكم شَيئاً من
ذلك فالأرض الأرضَ .
ألا إنَّ خَيْرَ الرجالِ من كان بَطيءَ الغضب سريعَ الرِّضى، وشَرّ الرِّجال من كانَ سَريعَ الغضب بطيءَ الرضى ، فإذا كان
الرجلُ بطيءَ الغضب بطيء الفَيْء وسريعَ الغضب سريعَ الفيء فإنَّها بها .
ألا إنّ خيرَ التجّار من كان حسنَ القضاء ، حسن الطلب ، وشرَّ التجار من كان سيّء القضاء سيّء الطلب ، فإذا كان
الرجل حسنَ القضاء سيّء الطلب ، أو كان سيّء القضاء حسن الطلب فإنها بها .
ألا إن لكل غادرٍ لواءً يوم القيامة بقدْر غدرته ، ألا وأكبر الغدر غدرُ أمير عامة . ألا لا يمنَعنَّ رجُلاً مهابةُ الناسِ أنْ
يتكلم بالحقّ إذا علمه. ألا إنَّ أفْضَل الجهادِ كلمةُ حقِّ عند سُلطان جائر .. )).
أقول : وفي سنده علي بن زيد بن جُدعان ، وهو ضعيف بطوله، ولكن أول الحديث الذي ذكره المؤلف صحيح ،
وآخره صحيح من قوله: ((ألا إن لكل غادر لواءً )) إلى آخره .
(٦) مسند أحمد (٦١/٣) .

١٢
الله خالق كل شيء
أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد قال: صلَّى بنا رسول الله بِ ◌ّه صلاةَ العَصْرِ ذاتَ يوم بِنهارٍ، ثمَّ قام فَخطبنا إلى
أنْ غَابَت الشَّمس ، فلم يَدَغْ شَيْئاً مما يَكُون إلى يوم القيامة إلا حدَّثناهُ ، حفِظ ذلَكَ من حَفِظه ، وَنسيَ ذلك
من نَسِيه ، فكان ممَّا قال: (( يا أيها النَّاسُ؛ إنَّ الدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإِنّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فيها فناظرٌ كيفَ
تَعْمِلونَ، فاتَّقوا الدُّنْيا وَاتَّقوا النساءَ ... »(١). وذكر تمامها إلى أن قال: ثمَّ دَنتِ الشَّمْسُ أن تغرب
فقال : ((وإنَّ ما بقي من الدُّنيا فيمَا مَضَى [ منها ] مثلُ ما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه)) .
(٢)
وهذا هو المحفوظ . والله أعلم
فَصْلٌ
قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ [ الزمر: ٦٢].
فكل ما سواه تعالى مخلوق له ، مزبوب مدبّر مكوَّن بعد أن لم يكن ، محدث بعد عدمه فالعرش الذي
هو سقف المخلوقات إلى ما تحت الثَّرى ، وما بين ذلك من جمادٍ وناطق الجميعُ خَلْقَهُ ، وملكهُ وعَبيده ،
وتحت قَهْره وقُدرته، وتحت تصريفه ومشيئته(٣) ﴿ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِّ﴾ [ الفرقان: ٥٩]، ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ آلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَغْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَّا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا
كُتُمْ﴾ [ الحديد : ٤] .
فقد أجمع علماء الإسلام قاطبةً ، لا يشُكّ في ذلك مسلم ، أنَّ الله تعالى خَلَقَ السماوات والأرضَ ،
وما بينهما في ستة أيام، كما دلَّ عليه القرآن العظيمُ(٤) واختلفوا في هذه الأيام : أهي كأيامنا هذه ؟ أو كل
يوم كألف سنة مما تعدّونُ(٥) ؟ على قولين، كما بيّنا ذلك في (( التفسير)(٦) ، وسنتعرض لإيراده في
(١) رواه أحمد مطولًا (٦١/٣) وإسناده ضعيف بطوله ، ولأوله وآخره شواهد .
(٢) قوله : والله أعلم ؛ ليس في ب .
وأدرج بعد هذا الحديث في نسخة ( ب ) حديث آخر في معناه ، وقال الإمام أحمد: حدَّثنا مكي بن إبراهيم ، حدَّثنا
هاشم - يعني ابن هاشم - عن عمر بن إبراهيم بن محمد ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن المغيرة بن شعبة أنه
قال : قام فينا رسول الله وَير مقاماً فأخبر بما يكون في أمته إلى يوم القيامة ، وعاه من وعاه ، ونسيه من نسيه ، وهو
في مسنده ( ٤ / ٢٥٤) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده .
(٣)
كذا في ب وفي أ : خشيته .
في المطبوع : الكريم ، وسقط اللفظان من ب .
(٤)
قال الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾ [ الحج: ٤٧] .
(٥)
تفسير القرآن العظيم (٢٢٠/٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةٍ
(٦)
أَيَّامٍ ... ﴾ [ الأعراف : ٥٤ ].

١٣
الله خالق كل شيء
موضعه . واختلفوا : هل كان قبل(١) السموات والأرض شيء مخلوق قبلهما؟ فذهب طوائف من
المتكلمين إلى أنَّه لم يكن قبلهما شيء وأنهما خلقت(٢) من العدم المحض .
وقال آخرون: بل كان قبل السموات والأرض مخلوقات أُخَر ، لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَتَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [ هود: ٧) الآية.
وفي حديث عمران بن حُصَيْنٍ - كما سيأتي -: ((كان اللهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ قَبْلُهُ وكَانَ عَرْشُهُ على الماءِ ،
وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأرْضَ)(٣).
وقال الإمام أحمد(٤): حدثنا بهْزٌ، حدثنا حمَّاد بن سلمة، حدَّثنا يَعْلَى بن عَطَاء ، عن وكيع بن
حُدُس(٥) ، عن عمه أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي، أنه قال: يا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أنْ يَخْلق
السَّموات والأرْض؟ قال: ((في عماءٍ ما فوْقَهُ هواءٌ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الماءِ)(٦) .
ورواه عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، ولفظه: (( أيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أنْ يَخْلقَ خَلْقَهُ ؟ )(٧) ،
وباقيه سواء .
وأخرجه الترمذي(٨) عن أحمد بن منيع، وابن ماجه (٩) عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، ومحمد بن
الصبَّاح ، ثلاثتهم عن يزيد بن هارون، وقال الترمذي: حسنٌ(١٠) .
واختلف هؤلاء في أيّها خُلِق أولاً ؟ فقال قائلون : خلق القلم قبل هذه الأشياء كلها ، وهذا هو اختيار
(١) في المطبوع: قبل خلق ... وكُتب في ((أ)): خلق، ثمّ شطب عليها ، وهي ليست في ( ب ).
(٢) في ب : خلقهما .
(٣) سيرد تخريجه (ص ٣٠).
(٤) المسند (٤/ ١١).
(٥) ضبطه ابن حجر في التقريب : عُدُس، بضمتين، وقال: وقد يفتح ثانيه، ويقال: [ حُدُس ] بالحاء بدل العين،
وقال الترمذي : هكذا يقول حماد بن سلمة : وكيع بن حُدُس ، ويقول شعبة وأبو عوانة وهُشيم : وكيع بن عُدُس ،
وهو أصح .
(٦) العماء: السحاب، وقيل: الضباب. قال أبو عبيد: لا يُدرى كيف كان ذلك العماء. النهاية لابن الأثير (٣٠٤/٣).
(٧) مسند أحمد (١١/٤) رقم (١٦١٣٢) وإسناده ضعيف ، لجهالة وكيع بن عدس.
(٨) الجامع (٣١٠٩) في التفسير.
(٩) سنن ابن ماجه (١٨٢) في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية.
(١٠) زاد في نسخة ب هنا: وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب ((صفة العرش)): حدَّثنا عبد الله بن مروان بن
معاوية ، سمعت الأصمعي يقول - وذكر هذا الحديث فقال - : العماء في كلام العرب : السحاب الأبيض الممدود ،
وأما العمى ، المقصور ، فهو البصر .
ويبدو أنَّ ناسخ ( ب) وقف على كتاب ((صفة العرش)) ثمَّ أدرج منه ما يؤيد الأخبار والأحاديث التي يذكرها ابن كثير
وهذا ما سنلاحظه في كثير من الزيادات التي تفردت بها نسخة ( ب ) في هذا الموضوع .

١٤
الله خالق كل شيء
ابن جرير(١) ، وابن الجوزي ، وغيرهما . قال ابن جرير(٢): وبعد القلم السحاب الرقيق ، وبعده العرش.
واحتجوا بالحديث الذي رواه [ الإمام ]٣) أحمد، وأبو داود والترمذي(٤)، عن عُبادة بن الصامت ،
رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إنَّ أوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ. ثُمَّ قالَ لَهُ اكْتُبْ ، فجرى في تلك
السَّاعة بما هُوَ كائنٌ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ)) لفظ أحمد .
وقال الترمذي : حسن صحيح غريب(٥) .
والذي عليه الجمهور ، فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهَمَذَاني وغيره : أنَّ العرش مخلوق قبل ذلك ،
وهذا هو الذي رواه ابن جرير(٦) من طريق الضَّحاك عن ابن عباس ، كما دلَّ على ذلك الحديث الذي رواه
مسلم في (( صحيحه)) حيث قال : حدّثني أبو الطاهر أحمدُ بن عمرو بن السَّرْح، حذَّثنا ابن وهب ،
أخبرني أبو هانىء الخَوْلاني ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي (٧) ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال :
سمعتُ رسولَ الله وَله يقول: ((كَتَبَ اللهُ مَقَاديْرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسين ألْفَ
سَنةٍ ، قالَ: وعَرْشُهُ على المَاءِ )(٨)، قالوا : فهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقاديرَ .
وقد دلَّ هذا الحديثُ أنَّ ذلك بعد خلق العرش ، فثبتَ تقدُّم العرش على القلم الذي كتبت به المقادير
كما ذهب إلى ذلك الجماهير . ويُحمل حديثُ القلم على أنَّه أوَّلُ المخلوقات من هذا العالم .
ويؤيد هذا ما رواه البخاري(٩)، عن عِمْران بن حصين: قال: قال أهلُ اليمن لرسول الله وَلَه: جِئْنَاكَ
تاريخ الطبري (٣٢/١) وما بعدها .
(١)
تاريخ الطبري (٣٧/١) وما بعدها .
(٢)
(٣) زيادة من ب تجري على نسق أسلوب ابن كثير .
(٤) رواه أحمد في المسند (٣١٧/٥) وأبو داود في السنن (٤٧٠٠) في السنة، والترمذي في الجامع (٢١٥٥) في
القدر ، وفي التفسير (٣٣١٩).
(٥) الذي في الترمذي باب القدر : هذا حديث غريب من هذا الوجه . وقال في التفسير : هذا حديث حسن غريب
صحيح ، وهو الذي اقتصر عليه المزي في التهذيب والتحفة ، وهو حديث صحيح .
(٦) تاريخ الطبري (٣٩/١) والصواب أن القلم أول ما خلق الله ولا نص عن رسول الله مَّيول صريح بأن العرش خلق
أول ، وإنما هو استنباط واجتهاد . ومن ذلك يتبين خطأ من يقول : أول خلق الله صلّوا عليه ؛ وهو أفضل الخلق ،
ولیس أول الخلق ، وسيد ولد آدم .
(٧) في أ: الجبلي ، وفي ب: الختلي ، وفي ط : الجيلي؛ وكله تصحيف . والحُبُلي ، بضم الحاء المهملة والباء
المنقوطة بواحدة ، منسوب إلى حيٍّ من اليمن . وأبو عبد الرحمن الحبلي هو عبد الله بن يزيد ، من تابعي أهل
مصر . الأنساب للسمعاني (٥٠/٤). وقيل: الحُبَلي ، بفتح الباء .
(٨) رواه مسلم في صحيحه (٢٦٥٣) في القدر، والزيادة منه. وأخرجه الترمذي كذلك في السنن (٢١٥٦) في القدر.
(٩) رواه البخاري في صحيحه (٣١٩٠) و(٣١٩١) في بدء الخلق، باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى
يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ﴾ [الروم: ٢٧]، و (٤٣٦٥)، في المغازي، و(٤٣٨٦)، باب: قدوم الأشعريين وأهل
اليمن، و(٧٤١٨) في التوحيد، وأخرجه أحمد في مسنده (٤٢٦/٤، و٤٣١، ٤٣٣، ٤٣٦) والترمذي في =

١٥
الله خالق كل شيء
لنَتَفَقَّه في الدِّيْنِ وَلَنَسْألَكَ عَنْ أوَّلِ الأَمْرِ. فَقَالَ: ((كانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ - وفي رواية : معه ، وفي
رواية: غيره - وكَان عَرْشُهُ عَلَى الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمُواتِ والأرضَ)) ، وفي
لفظ: ((ثُمَّ خَلقَ السَّمواتِ والأرضَ)(١). فسألوه عن ابتداء خلق السَّمواتِ والأرض ، ولهذا قالوا :
جئناك نسألك عن أول هذا الأمر ، فأجابهم عمَّا سألوا فقط . ولهذا لم يخبرهم بخلق العرش كما أخبر به
في حديث أبي رَزين المتقدمُ(٢) .
قال ابن جرير(٣): وقال آخرون: بل خلقَ اللهُ - عَزَّ وجلَّ - الماءَ قَبْلَ العَرْشِ. رواه الشُّدّي عن
أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مُرَّة عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي ◌َّه
قالو(٤) : إنَّ الله كان عرشه على الماء ، ولم يخلق شيئاً غير ما خلق قبل الماء .
وحكى ابن جرير(٥) عن محمد بن إسحاق أنَّه قال: (( أول ما خلقَ الله - عزَّ وجلَّ - النور والظلمة، ثمَّ
ميَّز بينهما ، فجعل الظلمة ليلاً أسودَ مظلماً ، وجعل النور نهاراً مضيئاً مبصراً )).
قال ابن جرير : وقد قيل: ((إنَّ الذي خلقَ رَبُّنا بعدَ القلم الكرسيُّ، ثمَّ خلق بعد الكرسيّ العرش .
ثمَّ بعد ذلك خلق الهواء والظلمة . ثمَّ خلق الماء [ فوضع عرشه على الماء ])(٦) .
[ وروى الحافظ أبوالقاسم بن عساكر في ترجمة علي بن الحسن(٧) بن محمد بن أحمد بن جميع
الغَسَّاني الصَّيْداوي(٨)، من طريق الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي، عن أبيه (٩) ، عن جده أحمد بن
جميع؛ حدَّثنا محمد بن المعافى الصدوق، حدَّثنا محمد بن خلف ، حدَّثنا محمد بن يوسف، عن سفيان،
عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو ، عن أبي أراكة قال : سأل رجلٌ عبدَ الله بن عمرو : ممَّ خُلق الخلق ؟
قال : من النور والظلمة والماء والثرى . وقال : إيت ابن عباس واسأله ؛ فأتاه وسأله ، فقال له مثل
ذلك. فقال ارجع إليه فسلْه ممّ خلق ذلك كله؟ فرجع إليه، فسأله ، فتلا قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا
الجامع (٣٩٥١) في المناقب ، والنسائي في التفسير (١١٢٤٠).
(١) قوله: وفي لفظ: ثمَّ خلق السماوات والأرض ؛ ليس في ب.
(٢)
تقدم ص( ١٣ ) .
تاريخ الطبري ( ٤٩/١) .
(٣)
(٤)
في ب : قال .
(٥)
تاريخ الطبري (٣٤/١) .
(٦)
زيادة من ب توافق المصدر السابق .
في ط: ((الحُسين))، وهو تحريف، فالحسن هذا هو ابن محمد صاحب ((المعجم)) المشهور، والحسن يعرف
(٧)
بالسكن ، وهو مترجم في تاريخ دمشق (٣٥٢/١٣) وسير أعلام النبلاء (١٥٦/١٧) وغيرهما .
(٨) تاريخ دمشق (٣٣٨/٤١).
(٩) يعني : الحسن بن محمد بن أحمد بن جميع .

١٦
فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي
فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. قال: قال ابن معين: لم يرو الفريابي حديثا أغرب من هذا.
قلت : غالب هذه المذكورات من الإسرائيليات الذي لا يصدَّق ولا يكذّب ، إلا ما قام دليل على
صدق بعضها أو كذبه . والله أعلم }(١) .
فصل
فيما ورد في صفة خلق(٢) العرش والكرسي
قال الله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥].
وقال تعالى: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [ المؤمنون: ١١٦].
وقال الله: ﴿لَآَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾﴾ [النمل: ٢٦].
وقال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٥].
وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [ طه: ٥].
وقال: ﴿ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في غير ما آيةٍ(٣) منَ القُرْآنِ.
وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا
وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
وقال تعالى: ﴿وَيَحِلُ عَشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ ثَمَنِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].
وقال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْمَلَئِكَةَ حَفِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمٌّ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
وفي الدعاء المروي في ((الصحيح )(٤)، في دعاء الكرب: ((لا إلَهَ إلا الله العَظيم الحَليم(٥) لا إلّهَ
(١) زيادة من ب ، وفي تاريخ الطبري : فوضع عرشه عليه .
(٣) في سورة الأعراف : ٥٤، ويونس: ٣، والرعد: ٢، والفرقان: ٥٩، والسجدة : ٤، والحديد : ٤ .
(٢) في (ب ) : في العرش.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٣٤٥) و(٦٣٤٦) في الدعوات، باب: الدعاء عند الكرب، و(٧٤٣١) في
التوحيد، باب : قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَكَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. وأخرجه مسلم في صحيحه
(٢٧٣٠)، في الذكر والدعاء، باب: دعاء الكرب، وأحمد في المسند (٢٢٨/١) كلهم من رواية عبد الله بن
عباس رضي الله عنهما . مع خلاف يسير في اللفظ .
(٥) في أ ، وب : الحليم العظيم . وأثبت رواية المطبوع ، لأنها موافقة لرواية الحديث في صحيح البخاري الذي ينقل
منه المصنف .

١٧
فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي
إلا الله رَبُّ العَرْشِ الكَريم ، لا إلَهَ إلا الله رَبّ السَّمواتِ وَرَبُّ الأرْضِ رَبّ العَرْشِ الكَريم».
وقال الإمام أحمد(١): حدَّثنا عبدُ الرزاق، حدَّثنا يحيى بنُ العلاء، عن عمِّه شُعيب بن خالد ،
حدَّثني سمَاكُ بن حرب ، عن عبد الله بن عَميرةَ ، عن الأحنفِ بن قَيْسٍ(٢) ، عن عبّاس بن عبد المطلب
قال: كُنَّا جُلُوساً مع رسول اللهَوَ لَه بالبطحاء، فمرَّتْ سحابةٌ، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أتَدْرُون مَا هَذَا؟))
قال: قُلْنا: السَّحابُ. قال: ((والمزنُ)). قلنا: والمزْن. قال: ((والعَنان))، قال: فسكتنا،
فقال: (( هَلْ تَدْرُونَ كمْ بَيْنِ السَّماءِ والأرضِ))؟ قال(٣): قلنا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعلم. قال: (( بَيْنِهُما مَسِيرَة
خَمْسمئة سنةٍ، ومن٤ٌ) كُلِّ سَماءٍ إلى سماء مَسيرة خمسمئة سَنَةٍ وكثف كُلّ سَماء مَسِيْرة خَمْسمئَةِ سنةٍ ،
وفوْق السَّماء السَّابعة بحْرٌ بين أسْفله وأعْلاهُ كما بَيْن السَّماء والأرضِ [ ثُمَّ فَوْق ذلكَ ثَمَانِيةُ أوْعَالٍ بيْن
رُكبهن وأظلافهنَّ كما بينَ السَّماء والأرْضِ، ثُمَّ عَلى ظُهُورهمُ(٥) العَرْضُ بَيْنَ أسْفَلَهِ وَأَعْلاهُ كمَا بَيْنَ السَّماءِ
والأرضِ ) . واللهُ فَوْقَ ذلك، وليْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أعْمَالِ بَنِي آدَمَ شَيْءٌ)) . هذا لفظ الإمام أحمد .
ورواه أبو داود ، وابن ماجه، والترمذي(٧) من حديث سماك بإسناده، نحوه . وقال الترمذي(٨):
هذا حديث حسن . وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك وَوقفَهُ .
ولفظ أبي داود: (( وهَلْ تَدْرُونَ بُعْدَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ؟)) قالوا: لا نَدْري. قال: ((بُعْدُ
ما بَيْنَهُمَا إِمَّا واحدةٌ أو اثنتان٩ُ) أو ثلاثة وسَبْعُونَ سَنَةً))، والباقي نحوه (١)
(١) مسند أحمد (٢٠٦/١ - ٢٠٧).
(٢) ليست زيادة (للأحنف بن قيس) في المسند، وقد صرح محمد بن عثمان بن أبي شيبة في ((العرش)) أن عبد الرزاق
لم يذكر في حديثه الأحنف بن قيس ، ولكن روى الحديث بزيادة (الأحنف بن قيس ) أبو داود (٤٧٢٣) والترمذي
(٣٣٢٠) وغيرهما .
في ب : والأرض ؟ قلنا .
(٣)
في ب : وبين .
(٤ )
في مسند أحمد: (( ثم فوق ذلك العرش» وقوله: ثمَّ على ظهورهم . . والأرض . ليس في ب .
(٥)
ما بين الحاصرتين سقط من أ ، وسقط بعضه من ب كما أشرتُ . وهو في المطبوع ، ومسند أحمد الذي نص
(٦)
المؤلف على أنَّه نقل لفظه .
(٧) أخرجه أبو داود في سننه ( ٤٧٢٣) في السنة ، وابن ماجه في سننه ( ١٩٣) في المقدمة ، والترمذي في
الجامع (٣٣٢٠) في التفسير . وإسناده ضعيف .
قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . وروى الوليد بن أبي ثور عن سماك نحوه ، ورفعه . وروى شريك عن
(٨)
سماك بعض هذا الحديث وأوقفه ولم يرفعه ..
(٩) كذا في ب ، وسنن أبي داود . والذي في أ ، والمطبوع : أو اثنتين ؛ وهو خطأ.
(١٠) أدرج ناسخ ( ب ) هنا القول: قال شهربن حوشب: حملةُ العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهمَّ
وبحمدك على حلمك بعد علمك ، وأربعة يقولون : سبحانك اللهمَّ وبحمدك على عفوك بعد قدرتك . قال : وكانوا=

١٨
فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي
وقال أبو داود١): حدَّثنا عبد الأعلى بن حَماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وأحمد بن سعيد
الرِّباطي(٢) قالوا : حدَّثنا وَهْب بن جرير - قال أحمد: كتبناه من نسخته ، وهذا لفظه ــ قال: حدَّثنا أبي
قال(٣) : سمعت محمد بن إسحاق يُحدِّث عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مُطعم ،
عن أبيه ، عن جده قال: أتى رسول الله وَّل أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ الله: جهِدَتِ الأَنْفُسُ، وَجَاعتِ(٤)
العيالُ، وَنُهكتِ الأمْوالُ [وهَلَكتِ الأنْعامُ]، فاسْتَسْقِ اللهَ لَنا، فإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللهِ وَنَسْتَشْفِعُ بالله
عَلَيْكَ. فقال(٥) رسول الله وَّةِ: ((وَيحكَ؛ أَتَدْري ما تَقُولُ))؟! وَسَبَّحَ رسولُ اللهِ ﴿ فما زال يُسَبِّحُ حتى
عُرف ذلك في وجوه أصحابه. ثمَّ قال: (( وَيْحكَ؛ إنَّهُ لا يُسْتَشْفعُ باللهِ على أحدٍ منْ خَلْقِهِ ، شَأْنُ اللهِ
أعْظمُ منْ ذَلكَ . وَيُحكَ، أَتَدْري ما اللهُ؟ إنَّ عَرْشَهُ على سَمواتِهِ لَهَكذا)) - وقال بأصابعه مثل القبة عليه -
((وَإِنَّهُ لَئِطُ بِهِ أطِيْطَ الرَّحْلِ بالرَّاكب)). قال ابنُ بشار في حديثه: ((إنّ اللهَ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَعزْشُهُ فَوْقَ
سَمواتِهِ )) ؛ وساق الحديث . وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار عن يعقوب بن عتبة وجبير بن
محمد بن جبير ، عن أبيه عن جده . والحديث بإسناد أحمد بن سعيد أيضاً ، [ هو الصحيح ، وافقه عليه
جماعةٌ، منهم يحيى بن معين، وعلي بن المديني ، ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضاً !٦)
وكان سَماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني (٧) . تفرد بإخراجه أبو داود .
يرون أنَّهم يرون ذنوب بني آدم . رواه ابن أبي شيبة في ( صفة العرش ) . ورواه أيضاً من طريق الضحاك ، عن ابن
عباس في قوله: ﴿وَيَجِّلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيَذٍ ثَمَنِيَةٌ﴾ [ الحاقة: ١٧ ] قال: الجن، والإنس ، والشياطين، و
الملائكة ، والكرُوبيون ، ثمانية أجزاء كل جزء منهم بعدّة هؤلاء فذلك قوله سبحانه: ﴿وَيَجِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ بَوْمَدٍ
ثَنِيَّةٌ﴾ )).
(١)
أبو داود (٤٧٢٦) .
(٢) الرباطي ، بكسر الراء المهملة ، وفتح الباء المنقوطة بواحدة : نسبة إلى الرباط ، وهو اسم لموضع رباط الخيل
وملازمة أصحابها الثغر لحفظه من عدو الإسلام . وأحمد بن سعيد هذا ثقة ، وإنما قيل له الرباطي لأنه كان على
الرباط وعمارته وتولّي الأوقاف التي له . وتصحّف في المطبوع من سنن أبي داود إلى : الرياطي بالياء آخر
الحروف . أنساب السمعاني ( ٦/ ٧٠) .
(٣)
في ب : أبي سمعت .
كذا في الأصول ، وفي سنن أبي داود : وضاعت .
(٤)
ليست في أ ، وهي في ب وسنن أبي داود .
(٥)
زيادة من ط ، موافقة لنص أبي داود ، ليست في أوب .
(٦)
(٧)
إسناده ضعيف ، ولا يصح في أطيط العرش حديث . والنهك : المرض ، المراد به هاهنا: التلف . والأطيط :
صوت أقتاب الناقة، أي: إنَّه ليعجز عن حمله وعظمته ، إذ كان معلوماً أنَّ أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما
فوقه وعجزه عن احتماله . النهاية لابن الأثير (٥٤/١) . وانظر ما نقله ابن الأثير عن الخطابي ، في هذا الحديث ،
في جامع الأصول (٤/ ٢٤) .

١٩
فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي
وقد صنَّفَ الحافظ أبو القاسم بنُ عساكر الدمشقي جزءاً في الرد على هذا الحديث. سمَّاه: (( بيانُ
الوَهْم والتخليط الواقع في حديث الأطيط )) ، واستفرغ وسعه في الطعن على محمد بن إسحاق بن يسار
راويه . وذكر كلام النَّاسِ فيه .
ولكنْ قد١) رُوي هذا اللفظ من طريقٍ أخرى عن غير محمد بن إسحاق؛ فرواه عَبْد بن حُميد(٢) ،
وابن جرير(٣) في ((تَفْسيريْهما))، وابن أبي عاصم والطبراني في كتابي ((السُّنَّة)) لهما، والبَزَّار في
(( مُسنده))، والحافظ الضياء المقدسي في ((مختاراته)) من طريق أبي إسحاق السَّبيعي(٤) عن عبد الله بن
خَليفة عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه قال: أتَّتِ امْرأةٌ إلى رسولِ الله ◌ِ لَه فقالت: ادْعُ اللهَ أنْ يُدْخلني
الجنَّةَ قال: فَعَظّمَ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعالى، وقال: ((إِنَّ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمُواتِ والأرضَ، وَإِنَّ لَهُ أطيطاً
كَأَطِيْطِ الرحل الجديد منْ ثقلِهِ)).
عبد الله بن خليفة ليس بذاك المشهور ، وفي سماعه من عمر نظر . ثمَّ منهم من يرويه موقوفاً
ومُرسلاً ، ومنهم من يزيد فيه زيادةً غريبةً . فالله أعلم .
وثبت في ((صحيح البخاري(٥) عن رسول الله وَّ أنَّهُ قال: ((إذا سَأَلْتُمُ اللهَ الجَنَّةَ فَسَلُوْهُ الفِرْدَوسَ
فَإِنَّهُ أَعْلى الجنَّة٦ِ)، وَفَوقَهُ عَرْشُ الرَّحْمنِ)). يُروى: ((وفوقَه)) بالفتح على الظرفية، وبالضمُ(٧) ، قال
شيخُنا الحافظُ المِزِّي(٨): وهو أحسن ، أي: وأعلاهما عَرْشُ الرحمنِ .
وقد جاء في بعض الآثار : أنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يسمعون أطيطَ العَرْشِ ، وهو تَسْبِيْحُهُ وتعظيمه ،
وما ذاك إلا لقربهم منه .
(١) في ب : ولكن روي.
(٢) هو أبو محمد عبد الحميد بن حُميد بن نصر الكِسِّ، إمام جليل القدر، يُعرف بعبد بن حميد له (( تفسير))
و((مسند)). توفي سنة (٢٤٩) هـ. أنساب السمعاني (٤٢٩/١٠).
(٣) تفسير الطبري (٨/٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ من آية الكرسي في سورة البقرة.
(٤) كذا في ب وفي أ: السنبقي ؛ وهو خطأ . وأبو إسحاق السبيعي هو : عمرو بن عبد الله بن علي ، توفي سنة
( ١٢٧ ) .
(٥) الحديث كاملاً في صحيحه ( ٢٧٩٠) في الجهاد . و(٧٤٢٣) في التوحيد ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
ورواه الترمذي في الجامع (٢٥٣٠) في صفة الجنة ، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه .
(٦) قوله : وأوسط الجنة ؛ سقط من ب .
(٧) على الابتداء أو الإخبار.
(٨) الحافظ المزي، هو أبو الحجاج، يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف القضاعي المتوفى سنة (٧٤٢) هـ . إمام
محدّث حافظ ، له مجموعة من الكتب على رأسها (( تهذيب الكمال في أسماء الرجال)). نُشر بتحقيق الدكتور بشار
عواد معروف في مؤسسة الرسالة .

٢٠
فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي
وفي ((الصحيح)(١) أنَّ رسول الله وَ لَه قال: ((لَقَدِ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحمنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعاذ)).
وذكر الحافظ ابن الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شَيْبة٢ُ) في كتاب ((صِفَة العرش)) عن بعض السلف
أنَّ العَرْشَ مخلوقٌ من ياقوتةٍ حَمْراء بُعْدُ ما بَيْنَ قُطْريه مسيرةُ خمسين ألف سنةٍ(٣).
وذكرنا٤) عند قوله تعالى: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَتَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ [المعارج:
٤] أنه بُعْد ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرةٌ خمسين ألف سنةٍ، واتساعُهُ(٥) خمسون ألف سنة(٦)
وقد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أنَّ العرش فلكٌ مستدير من جميع جوانبه ، محيطٌ بالعالم من كل
جهة، ربما سَمَّوهُ : الفلك التاسع والفلك الأطلس والأثير . وهذا ليس بجيدٍ ؛ لأنَّه قد ثبت في الشرع أنَّ
له قوائمَ تحمله الملائكة ، والفلك لا يكون له قوائم ولا يُحمل ، وأيضاً فإنَّهُ فوق الجنَّةَ ، والجنةُ فوق
السماوات ، وفيها مئةُ درجةٍ ، ما بين درجتين كما بين السماء والأرض ، فالبعد الذي بينه وبين الكرسي
ليس هو نسبة فلك إلى فلك . وأيضاً فإنَّ العرش، في اللغة: عبارة عن السرير الَّذي لِلْمَلِكِ، كما قال
تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ﴾[ النمل: ٢٣]. وليس هو فلكاً، ولا تَفهم منه العرب ذلك. والقرآن إنَّما نَزل
بلغة العرب ، فهو سريرٌ ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقُبَّة على العالم، وهو سقفُ المخلوقات(٧).
(١) البخاري (٣٨٠٣)، في مناقب الأنصار. وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٤٦٦) في فضائل الصحابة ، وابن ماجه
في سننه ( ١٥٨) في المقدمة، والترمذي في الجامع (٣٨٤٨) في المناقب، وأحمد في المسند (٢٩٦/٣) كلهم
من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما .
(٢)
سيترجم له المؤلف في وفيات سنة ( ٢٩٧ )هـ .
أورد المؤلف هذا النقل عن ابن أبي شيبة في تفسير قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ اٌلْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ... ﴾
(٣)
( ٤ / ٤٩٤ ) .
(٤) تفسير القرآن العظيم (٤٩٢/٤) وما بعدها . وقد أورد أربعة أقوال لتفسير مقدار اليوم .
(٥)
كذا في المطبوع . وفي أ، ب : الساعة. وعبارته في التفسير : .... وكذلك اتساع العرش من قطر إلى قطر مسيرة
خمسين ألف سنة .
(٦) جاء في ب : زيادة مدرجة ليست في باقي الأصول : قال سهل بن أبي خلف: هو من ياقوتة حمراء . وقال وهب بن
منّه : هو مسيرة خمسين ألف سنة . رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح إليهما . وقال أيضاً: حدَّثنا قعنب بن محمد
التيمي ، حدّثنا الوليد بن مسلم ، حدّثنا داود بن عبد الرحمن المكّي ، عن محمد بن زاذان ، أنه أخبره عن أم سعد
- امرأة من المهاجرات قالت: قال رسول الله وَلير: (( العرش على ملك في صورة ديك رجلاه في تخوم السفلى ،
وعنقه مثبتة تحت العرش، وجناحاه في المشرق والمغرب. فإذا سبّح ذلك الملك لم يبق شيء إلا سبح)).
(٧)
أُدرجَ في ب . قوله : قال ابن أبي شيبة في صفة العرش : حدّثنا إبراهيم بن أبي معاوية وهنَّاد بن السري قالا: حدَّثنا
أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي نضرة، عن أبي ذر قال رسول الله وَ الر: (( ما بين الأرض إلى السماء خمسمئة
سنة ، وغلظ كل سماء خمسمئة سنة ، وما بين كل سماء إلى التي تليها خمسمئة سنة ، والأرضون مثل ذلك .
وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك كله )) .