النص المفهرس

صفحات 1-20

7
و
بدأ الخليقة وقصص الأنبياء

الطبعة الثانية
م
1431 هـ - 2010
حقوق الطبع محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع
و التصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق
إلا بإذن خطي من
دارابن
للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق - سوريا - ص.ب : 311
حلبوني - جادة ابن سينا - بناء الجابي
صالة المبيعات تلفاكس: 2225877 - 2228450
الإدارة تلفاكس: 2243502 - 2458541
بيروت - لبنان - ص.ب : 113/6318
برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي - بناء الحديقة
تلفاكس : 817857 01 - جوال : 204459 03
www.ibn-katheer.com
info@ibn-katheer.com
الموضوع تاريخ
العنوان البداية والنهاية 20/1
التأليف: الإمام ابن كثير
التحقيق: مجموعة من العلماء
الورق: كريم
ألوان الطباعة: لونان
عدد الصفحات: 10128
القياس: 17×24
التجليد: فني - لوحة
الوزن: 15215 غ
التنفيذ الطباعي :
مطبعة ايبكس - بيروت
التجليد :
مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد - بيروت
ISBN: 978-9953-520-84-1
9 789953 520841

وَالتَّهَايَّةَ
د
مبدأ الخليقة وقصص الأنبياء
تأليف
الِمَامِ لَحَافِظِ المَوَّرِّخْ أَبِي ألفِدَاءِإِسْتَمَاعِيل بن كَثِير
٧٠١ - ٧٧٤ هـ
٠٠٠٧/٠
حَقَّقَهُ وَفَرَّجَ أَمَادِنَّهُ وَعَلْعَلَيْهِ
د. يحي الدّْن ديب مستو
رَاجَعَهُ
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط
الدكتوربشارعوادمعروف
الجُزءُ الأَوَّلُ
دار ابنكَثِيرُ
◌ِقشق- بَيرُون

X
-
3
XX

إِنِهِالرَّحِ الرَّحِيَةِ
المَرْضَلُ
إِلَى الْبِدَايَةِ وَالنَّهَايَةِ
رَاجَعُهُ وَأَضَافَ عَلَيْهِ
الدكتور بشار عواد معروف
كَتَبَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ
د.محيي الدين ديب مستو
١

XX
X
(١ )
مقدمة التحقيق
الحمد لله الذي خلق فسَوَّى ، وقدَّر فهدى ، وجمع فأوعى .
والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى ، وعلى رسوله محمد بن عبد الله المجتبى ، وآله
الشُّرفا، وأصحابه نجوم الهُدَى ورجوم العِدَى، ومن تبعهم بإحسان ووفَّى ووفَى .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الأسماء الحسنى ، أمات وأحيا ، وجعل لكل
أمة تاريخاً وأجلاً مسمَّى . وأشهد أنَّ سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وحبيبه ، صاحب المقام
المحمود والشفاعة الكبرى ، المبعوث إلى الخليقة جميعاً بالإنذار والبُشْرى .
وبعد :
· أهمية العمل ومبرراته :
فإن النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري قد شهد صحوة إسلامية فكرية وثقافية ،
واهتماماً ملحوظاً بالكتب المطبوعة والمحقَّقة ، على وفق أحدث الطرق الطباعية الحديثة ،
والإخراج الفني المتطور ، والتجليد المتقن الفاخر ، وظهرت أمَّات الكتب في التفسير والحديث
والسيرة والتاريخ والتراجم ، موثَّقة ومفهرسة ، وبأجمل شكل وبأصدق مضمون ، مثل : تهذيب
الكمال للمزي ، وجامع الأصول ؛ لابن الأثير ، وزاد المعاد ؛ لابن قيم الجوزية ، وسير أعلام
النبلاء للذهبي ، والتفسير والتاريخ ؛ للإمام الطبري ، وغيرها .
وكان النصح إلى أصحاب دور النشر الكبيرة أن يتطلعوا إلى الكتب والمراجع في جميع مناحي
الثقافة الإسلامية ، وإحياء مخطوطاتها المنسية ، وإعادة تحقيق الكتب المطبوعة من غير توثيق ولا
تعليق ولا فهارس ، والاستفادة من المخطوطات المشرقية ، والمخطوطات المكتشفة حديثاً بعد أن
كانت ضائعة أو مجهولة .
على أنَّه يتعين علينا أن نشير إلى أن العرب المسلمين حين تنبهوا إلى أهمية تراثهم وبدؤوا بنشره
منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، كانت المطابع الكبرى تعهد إلى مصححين من كبار
العلماء لضبط النصوص وتصحيحها ، فأخرجت مطبعة بولاق بمصر نفائس من هذا التراث وتبعتها
دار الكتب المصرية وغيرها من المؤسسات المعتبرة .
XX
٢

وتحقيق المخطوطات والعناية بالنصوص علم قائم بذاته ، أقام العلماء المسلمون منذ أمد بعيد
قواعده على أحسن وجه ، فأخرجوا لنا ، ومنذ عصر المخطوطات ، نماذج رائعة في التحقيق
والتدقيق ، نذكر منها كتابين مهمين هما نموذج لعشرات من نظرائهما ؛ موطأ الإمام مالك برواية
يحيى بن يحيى الليثي ، وصحيح البخاري .
فقد عُني العلامة جمال الدين محمد بن يوسف المعروف بابن مَسْدي الأندلسي الغرناطي نزيل
مكة المكرمة ودفينها ((٥٩٩ - ٦٦٣هـ )) برواية الليثي من الموطأ فأخذه عن العديد من شيوخه ببلاد
شتى وأسانيد كثيرة ، وقابل بين نسخه وعَمِلَ لنفسه منه نسخة محققة مدققة مستندة إلى العديد من
الروايات ، ورمز لكل رواية من الروايات برمز معين ذكره في صدر نسخته ، وثبت في حواشيها
الاختلافات بينها(١)
وعني بصحيح البخاري عالمان جليلان هما : اليونيني ، وابن مالك صاحب الألفية فجمعا
روايات الصحيح وقابلا بينها ورجحا في القراءات ، وأثبتا الاختلافات في الحواشي ، فكانت هذه
النسخة من أعظم نسخ صحيح البخاري وأكثرها صحة وضبطاً وإتقاناً ، وهي التي انتشرت فيما
بعد، وطبع السلطان عبد الحميد يرحمه الله ((الصحيح)) استناداً إلى النسخة اليونينية ، فهي إلى يوم
الناس هذا أصح طبعة لهذا الكتاب وأدقها وأتقنها وكل الذين نشروا الصحيح عيال عليها ، ولا أظن
محققاً من محققي اليوم له القدرة على تجاوزها .
على أن انتشار الطباعة الحديثة ويُسْرها شجع الكثير من أصحاب الضمائر الضعيفة ممن يتصدون
لنشر الكتب أو يدعون المعرفة بتحقيق النصوص إلى إخراج كتب مليئة بالتصحيف والتحريف
والسقط ، أو سرقة الكتب المحققة تحقيقاً علمياً طمعاً بالربح العاجل ، فتُسلب حقوق المحققين
المعنوية ، وحقوق الناشرين الجادين المادية ، فيسيؤون إلى كل عمل جاد وكل ناشر مخلص ،
وقيل في القواعد الاقتصادية: ((إن العملة الرديئة تطرد العملة الصعبة))، نسأل الله الستر والعافية.
و ((دار ابن كثير)) للطباعة والنشر والتوزيع التي تأسست عام ١٩٨٤ م في دمشق وبيروت ، من
دور النشر الكبيرة والجادة في خدمة الثقافة الإسلامية ، وقد تطلعت إلى الإسهام في إعادة تحقيق
ونشر كتب أمَّات(٢) في بابتها، ولعل اسمها كان أكبر مُحفِّز للاضطلاع بتحقيق كتاب
((البداية والنهاية))، إذ هو من أعظم آثار الحافظ ابن كثير - رحمه الله - ، ولما يمتاز به من التأريخ
(١) انظر وصفها في مقدمة الدكتور بشار عواد لطبعته من موطأ مالك برواية الليثي، ط٢ ، دار الغرب، بيروت
١٩٩٨ م جـ١ ص ١٢ - ٢٢ .
(٢) ومنها أطراف مسند الإمام أحمد ؛ لابن حجر (١/ ١٠)، والمفهم في شرح ما أشكل من تلخيص صحيح
مسلم ؛ لأبي العباس القرطبي (١/ ٧) . وفتح القدير في التفسير ؛ للشوكاني (١/ ٦).
٣

الإسلامي العام ، والتأريخ لدمشق الشام في عصورها المختلفة بعامة ، وفي عصر المؤلف بخاصة ،
وقد طبع - قديماً - طبعة واحدة في مطبعة السعادة ، وهي طبعة غير محققة مليئة بالتصحيف
والتحريف والسقط والخلط ، مما قلَّل من قيمتها وجعل الاعتماد عليها يسيء إلى البحث العلمي
الرصين ، وجل النشرات التي تلتها كانت تعتمدها على الرغم من ادعائها الاعتماد على
مخطوطات ، ولذلك تشوَّف إلى هذا العمل العلمي الكبير جمهرة من العلماء والدكاترة بإشراف
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - يرحمه الله - ، وإدارة وتمويل الأستاذ علي مستو صاحب دار ابن كثير
- حفظه الله - .
وفي الأول من شهر شعبان المكرم سنة ١٤٠٥ هـ. تم الاجتماع في قرية (( بسيمة)) من وادي
بردى ، وحضره : الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - رحمه الله - ، والدكتور علي أبو زيد ، والدكتور
محيي الدين ديب مستو ، والدكتور رياض مراد ، والأستاذ محمود الأرناؤوط ، والدكتور نزار
أباظة ، والأستاذ محمد حسان عبيد، والأستاذ حسن مروة ، والأستاذ أكرم البوشي ، والأستاذ
إبراهيم الزيبق ، والدكتور مأمون الصاغرجي ، والأستاذ ياسين السَّواس ، والأستاذ صلاح محمد
الخيمي - رحمه الله - ، والأستاذ محمد ديب مستو ، والأستاذ علي ديب مستو .
· خطة العمل ومنهج التحقيق :
وزَّع فضيلة الشيخ عبد القادر - يرحمه الله - خطة العمل المقترحة على الأساتذة المشاركين في
التحقيق ، وهي كما يلي :
الحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
وبعد :
فإنَّ أول ما يجب أن يكون واضحاً لكل الإخوة من الأساتذة المشاركين في تحقيق الكتاب : أن
هذا المنهج لم يُوضع لتقييد المحقق في الجزء الذي وكل إليه تحقيقه ، وإنما أُريد منه أن يكون
جامعاً لجهود المحقّقين الأفاضل ، لكي تنصبَّ جميع الجهود في جهة واحدة في الشكل والمضمون
بالقدر المستطاع ، حرصاً على نجاح العمل في الكتاب من الوجهتين العلمية والفنية ، لأن الكتاب
عند ظهوره - إن شاء الله - سيكون مرتبطاً بأسماء المشاركين فيه ، مما يدلُّ على أن نجاحه هو نجاح
الجميع ، ومن هنا كانت الرغبة في أن يتناول هذا المنهج جميع ما يتصل بتحقيق الكتاب وإخراجه
على النحو التالي :
أولًا : فيما يتصل بالنسخ الخطية :
تعتمد نسخة المكتبة الأحمدية بحلب كنسخة رئيسة في العمل ، وقد اصطلح على تسميتها
٤

((النسخة الأم))، وذلك لكونها أتم النسخ من جهة ، ولكونها قوبلت على أصل قوبل على نسخة
المؤلف من جهة أخرى ، وأخيراً لاعتبارها نسخة شامية المصدر ، لذا تجري عملية مقابلة المطبوع
=
عليها لتصحيح ما وقع في المطبوع من الأخطاء ، واستدراك ما حصل فيها من السقط ، والإشارة إلى
ما ورد فيها من الزيادة على النسخة المطبوعة من الكتاب ، وبعد ذلك تجري عملية مقابلة النسخة
الأحمدية على النسخة الأخرى : نسخة برلين ، والنسخة الثالثة : نسخة دار الكتب الظاهرية ،
وذلك في الأجزاء التي توفّرت لها أوراق من النسختين المذكورتين ، فيثبت ما قد يرد فيها من الزيادة
بين حاصرتين هكذا [ ]، ويشار إلى ما وقع فيها من السقط والتحريف والتصحيف والاختلاف ،
وهذا الأمر ينطبق على ما يتوفر من النسخ الخطية الأخرى من الكتاب ، ويُشار إلى النسخ المخطوطة
في الحواشي عند وقوع سقط أو زيادة ، أو تحريف أو تصحيف أو اختلاف بالرموز ، وتُسمَّى
مخطوطة الأحمدية بـ ((النسخة: أ)) ونسخة برلين بـ (( النسخة: ب)) ونسخة الظاهرية
بـ ((النسخة: ظ)) والمطبوعة بـ ((النسخة: ط)).
ثانياً : فيما يتصل بتحقيق نصوص الكتاب فإنه يجري على هذا الشكل :
١ - تفصيل النصوص، وترقيمها، وترتيبها، واعتبار الفصول في الأجزاء (١ - ٦)
و (١٧ - ١٨) والسنوات فى الأجزاء (٨ - ١٦) فيما يتعلق بأوائل الصفحات ، وختم كل فصل،
* ) في وسط الصفحة .
وحوادث كل سنة بخمس نجوم (x
ويرجى ترقيم الآيات الواردة في الكتاب بذكر اسم السورة مع رقم الآية بين حاصرتين في متن
الكتاب هكذا [ ] وحصر الآيات بقوسين مزهرين هكذا ﴿﴾ والأحاديث والآثار وأسماء الكتب
بقوسين هكذا (()).
٢ - ضبط ألفاظ الآيات، والأحاديث، والآثار، والأبيات الشعرية، وأسماء الأعلام،
والبلدان والأماكن ، والألفاظ التي قد يُشكل فهمها على كثير من الناس .
٣ - ذكر مصادر الترجمة للمترجمين تراجم مفردة في الكتاب مرتبة ترتيباً زمنياً ، بحيث تذكر
المصادر التي سبقت المؤلف وعاصرته .
٤ - تخريج الأحاديث النبوية الواردة في الكتاب من المصدر الذي نقل عنه المؤلف ، والإشارة
إلى ورود الحديث في المصادر الأخرى التي سبقت المؤلف ، أو المصدر الذي نقل عنه ، لا من
طريق غيره من الرواة ، وكذلك بالنسبة إلى الآثار الموقوفة على الصحابة ، والتي لم ترفع إلى
رسول الله وَّة، ويرجى ترتيب المصادر حسب الترتيب الزمني أيضاً، والتأكد من سلامة النقل في
المصدر الذي نقل منه المؤلف ، وذلك لاستدراك ما قد يقع من السقط ، والإشارة إلى ما قد يكون
من زيادة في نصّه ، ويكون تخريج الحديث وفق ما يلي على سبيل المثال :
٥

X
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ؟؟: «خير النّاس قرْني، ثمّ الذين
يَلُونَهُمْ، ثمَّ الذينَ يَلُونَهُمْ، ثمَّ يجيءُ قومٌ تَشْبِقُ شهادةُ أحدِهم يمينَه ، ويمينُه شهادتَه )) . رواه أحمد
في ((مسنده)) (٤٤٢/١) والبخاري في ((صحيحه)) (٦/٧) في فضائل أصحاب النبي محطّ ،
ومسلم في ((صحيحه)) رقم (٢٥٣٣) في فضائل أصحاب النبي ◌ُّر، والترمذي في ((جامعه )) رقم
(٣٨٥٨) في المناقب، باب ما جاء في فضل من رأى النبي بُ ثّ وصحبه. كلَّهم من حديث
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
٥ - التعريف بالبلدان المغمورة باختصار ، مع الإشارة إلى المصدر الذي نقلت عنه
المعلومات ، وذكر الجزء والصفحة أو المادة من كتب اللغة .
٦ - الإشارة في الحواشي إلى أسماء المصادر التي نقل عنها المؤلف ، وذكر الجزء والصفحة ،
ومقابلة النقل على المصدر الذي نقله منه ، للتأكد من سلامة النقل ، واستدراك ما قد يقع فيه من
السقط ، وتصحيح ما فيه من الخطأ ، والإشارة إلى الخلاف ما بين النص المنقول من الكتاب أو
النص الموجود في الأصل المنقول عنه .
٧ - ترقيم التراجم المفردة في الكتاب بأرقام متسلسلة ، وذلك لحصر العدد الكامل لها في آخر
الكتاب ، والتعريف بالأعلام الذين ليس لهم ترجمة في الكتاب باختصار .
٨ - ذكر المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في كل جزء على حدة.
٩ - صنع فهرس للموضوعات في كل جزء على حدة ، والتراجم المفردة الواردة فيه .
١٠ - يقوم كل محقق بكتابة مقدمة موجزة للجزء الذي وكل إليه تحقيقه .
١١ - يتولَّى كلُّ محقِّق تصحيح تجارب الطبع في الجزء الذي وكل إليه تحقيقه . وبالنسبة
الحواشي والتعليقات يقوم المحقق بكتابتها على أوراق مستقلة ، ويترك فراغاً بين التعليق والآخر
مقدار ثلاثة أسطر تقريباً ، لكي يتسع لما قد يضيفه المراجع من التعليقات أثناء مراجعة الكتاب ،
لا سيما فيما يتصل بتخريج الأحاديث النبوية ، للحكم عليها من جهة الصحة والضعف .
وفي الختام : نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا جميعاً على إخراج هذا الكتاب العظيم على النحو
الذي يُرضيه عنا جلَّ جلاله ، وأن ينال الكتاب تقدير المخلصين العاملين في خدمة تراث هذه الأمة
العظيمة ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
دمشق في ١ شعبان ١٤٠٥ هـ- خادم السنة النبوية / عبد القادر الأرناؤوط .
٦

· مدى الالتزام بهذه الخطة
التزم المحققون جميعاً بهذه الخطة ، وأتقنوا تفاصيلها ، وبخاصة عندما تعدَّى التكليف
بالتحقيق إلى أكثر من جزء أو جزأين .
وبدأت تظهر بعض الأجزاء المتقدمة ، فتكون نموذجاً ونبراساً للأجزاء المتأخرة ، وكانت
الجهود ظاهرة في خدمة النص ، وتقديمه كاملاً ومتطابقاً مع ما أراده المؤلف وهدف إليه أو قريباً
منه ، مع تعليقات وإضاءات مدروسة تنير غوامض بعض الألفاظ ، وتشع الضوء في مرامي جمله
وعباراته .
* وأسهم التنضيد الحديث بإشراف وتنفيذ الأستاذ محمد إبراهيم شونو، في تقديم النص
بصورة متقدمة ومشرقة ، وأخذت الآيات القرآنية مشكولة من المصحف الشريف ، مع فواصلها
وأرقامها ، وتمَّ إدخال اللون الأحمر ، ليبرز العناوين والأرقام والفوائد المهمة .
* وربما أعرض كثير من المحققين عن التقديم للأجزاء التي أنجزوها ، حرصاً على وحدة
الكتاب ، واكتفاء منهم بالمقدمة الضافية التي سبقت الجزء الأول ، وكانت بمثابة مقدمة للأجزاء
كلها ، واستقر الرأي على الاستغناء عن كثير من المقدمات الفردية .
* وامتاز الكتاب في هذه الطبعة المشرّفة بالجمع بين البداية والنهاية ، والتاريخ من بدء الخليقة
إلى النهاية في أحوال الآخرة ، وحقَّق هذا الجزء السابع عشر وراجعه فضيلة الشيخ المحدث
عبد القادر الأرناؤوط - رحمه الله - وجزاه الله أعظم الأجر والثواب عن هذا العمل المبارك
الموصول ، وإنه لفخر يستحق الذكر والشكر أن تصدر البداية والنهاية كاملة وافية .
# وخُتم الكتاب بثلاثة أجزاء اشتملت على الفهارس العلمية الوافية ، ولا شكَّ أن الفهارس
مفاتيح ، تُيُسِّر للقارىء الاستفادة من الكتاب ، والتجوال ضمن موضوعاته وكنوزه ، وتضمَّنت :
- فهارس الآيات القرآنية ، والأحاديث القولية والفعلية والآثار، صنعة الأستاذ محمود
الأرناؤوط .
- وفهارس الأعلام المترجم لهم ، وغير المترجم لهم ، صنعة الأستاذ أكرم البوشي .
- وفهرس الموضوعات، وفهرس الشمائل والتاريخ ، وفهرس مصادر ابن كثير والكتب
المذكورة في الكتاب ، وفهرس مشايخ ابن كثير ، وفهرس الأقوال والخطب والرسائل والوصايا
والتوقيعات ، وفهرس الأماكن والبلدان والمواضيع ، وفهرس الحيوان والنبات ، وفهرس الشروح
اللغوية ، وشروح الغريبين، وفهرس القوافي والأشعار، وفهرس الأمثال والحكم العربية
والإسلامية ، وفهرس الأساليب العربية ، وفهرس الفوائد، وفهرس الفهارس ، صنعة الدكتور
ریاض مراد .
٧

· القراءات المتعددة للكتاب بكامله :
١ - قراءة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - رحمه الله - وهو المشرف العام على الكتاب، ومراجعة
وتخريج الأحاديث ، واستدراك أي خلل أو تقصير ، والحكم على أحاديث غير الصحيحين . وهذه
القراءة الأولى لمسوَّدة كل جزء ، والتعليقات لا تزال جذاذات وقصاصات ، مفخرة للكتاب
وللعاملين في تحقيقه ؛ لما يحمله الشيخ بين جوانحه من علم وتواضع وإخلاص ، وأنفاس طاهرة
وأخلاق رضية ، واختصاص حديثي مشهود له ، ويظهر جلياً من خلال التعليقات القيمة المختومة
بحرف ((ع)) ، رحم الله تعالى المحدث الجليل الشيخ عبد القادر ، وأسكنه الله تعالى فسيح جناته ،
وجمعنا به تحت لواء سيدنا محمد دَله.
٢ - قراءة الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف حفظه الله تعالى، وهو غني عن التعريف في
اختصاصه وأستاذيته في مادة التاريخ الإسلامي والحديث النبوي الشريف ، وأعماله الكثيرة في
مجال التحقيق وخدمة الكتب التراثية ، والنصوص التاريخية والحديثية . وتصحيحاته المثبتة على
التجارب الأخيرة من تصحيح أجزاء (( البداية والنهاية)) في الأجزاء الست عشرة تشهد بخبرة عالم
متضلع في فن التاريخ والتراجم والحديث ، ومستحضر لأخطاء وتصحيفات يقع بها الرواة
والنُّسَّاخ . وتعليقاته المختومة باسمه (( بشار)) تؤكد الحظ الباسم والوافر لهذا الكتاب .
٣ - قراءة الدكتور محيي الدين ديب مستو للكتاب في آخر تصحيح ، ولصورة كاملة للأجزاء
التي اعتمدت في الفهرسة ، وكان الغرض منها : التنسيق العام في كل الأجزاء ، وتوحيد علامات
الترقيم ، وتصحيح بعض الأخطاء المطبعية ، ومقارنة النص كاملاً مع نسخة مقروءة ومصححة بقلم
أستاذنا وشيخنا نايف العباس - رحمه الله تعالى -، والتوقف عند تصحيحات الشيخ والاستفادة
منها ، ومعروف في دمشق اهتمام الشيخ نايف بالتاريخ الإسلامي وتدريسه له في معهد العلوم
الشرعية التابع للجمعية الغراء ، وقد قرأنا بين يديه السيرة النبوية لابن كثير بأجزائها الأربعة ، وكانت
قراءته أو ضبطه لما نقرأ في البداية والنهاية - طبعة المعارف - بيروت - ١٩٦٦م ، وقد أحضرها لي
كاملة ابنه عبد المؤمن العباس جزاه الله كل خير ، وجعله سلفاً صالحاً لوالده .
وقد أثمرت هذه القراءة فوائد عظيمة وفرائد جليلة ، فيها العبرة الصادقة والعظة المؤثرة ،
أشرت إليها في دفتري ، وستُطبع في دار ابن كثير مستقبلاً تحت عنوان (( فوائد وفرائد )) من البداية
والنهاية ، ولله الحمد والمنة .
٤ - قراءة الأستاذ أكرم البوشي للكتاب مرتين ، مرة أثناء الفهرسة ، ومرة أخيرة ؛ لتكون مسكَ
الختام ، وقد أثبتَ تصحيحات مهمة بقلمه الأخضر ، فيها تقويم الشكل ، وتصحيح الخطأ ، وفيها
استدراك بعض السقط ، جزاه الله كل خير ، ووفَّقَه لكل صواب .
=
٨

وختاما :
أسأل الله الجواد الكريم أن يجزل الأجر العظيم ، والخير العميم لدار ابن كثير ممثلة بصاحبها
الأستاذ علي ديب مستو الذي ضخَّى بماله ووقته ، وصبر وصابر ، معرضاً عن جهل الجاهلين ،
وهفوات المتعالين والمتعالمين .. كما أشكر باسمه كل من أسهم في إنجاز هذا العمل أو شارك فيه
ولو بالقليل .. اللهم تقبل منا هذا الجهد - وهو جهد المقل - واكتبه في صحائفنا ، وصحائف
والدينا ومشايخنا .. يوم نلقى الأحبة محمداً وَ لّ وصحبه، ونلقى الحافظ ابن كثير .. والحمد لله
ربِّ العالمين .
و کتب
الدکتور محيي الدین دیب مستو
أبو أدیب
٩

( ٢ )
دراسة شخصية المؤلف
الحافظ ابن كثير
أولاً : عصر المؤلف
ثانياً : اسمه و
ثالثاً : ولادته ونشأته
رابعاً : أسرته
خامساً : شيوخه وتلاميذه
سادساً : كتبه
سابعاً : مكانته العلمية والاجتماعية
ثامناً : وفاته
١٠

( ٢ )
دراسة شخصية المؤلف
الحافظ ابن كثير
أولاً : عصر المؤلف
تمهيد :
عاش الحافظ ابن كثير عمره البالغ ( ٧٤ ) عاماً ، في حكم دولة المماليك البحرية ، والممتد
من عام ٦٤٨ هـ إلى ٧٨٤هـ وقد انتزع هؤلاء السلطة والحكم من أسيادهم الأيوبيين، وتسمّوا
بالسلاطين مع الاحتفاظ بكلمة مملوك ، وآثروا وجود الخلافة (١) العباسية شكلاً وصورة ، لتبرير
حكمهم ، وإضافة شيء من الشرعية عليه ، وقد خلا لهم الجو بمصر ، وفرغت الساحة ،
واستطاعوا بفروسيتهم أن يبنوا لهم مجداً جهادياً بهزيمة المغول في عين جالوت ( ٦٥٨ هـ) والتتار
في شقحب (٧٠٢هـ)، وهزيمة لويس التاسع وأسره في دمياط ( ٦٤٨هـ) وفتح عكا ( ٦٩٠هـ)
وتطهير جميع السواحل الشامية من الغزاة الصليبيين إلى الأبد .
واستمروا من عام ( ٧٠٣هـ) إلى (٧٨٤هـ ) يخضعون البلاد والعباد بهاجس الخطر الصليبي ،
الذي يغيب ويظهر ، بعد أن تجمعت فلوله في جزيرة قبرص .
وامتدت حدود الدولة المملوكية من اليمن جنوباً إلى حدود الدولة العثمانية شمالاً ، ومن
الفرات شرقاً إلى برقة غرباً ، وظهرت قوتهم في توحيد الشام ومصر ، والتشرف بإخضاع الحجاز ؛
لخدمة الحرمين الشريفين . أما بقية الأقاليم فتخضع لعاصمة الحكم في القاهرة بدرجات متفاوتة .
وقد عاصر ابن كثير من ولادته إلى وفاته ( ٥) خمسة من الخلفاء العباسيين ، و (١٥) خمسة
عشر سلطاناً، و (٢٠) عشرين نائباً في دمشق ، وسنلقي الضوء على هذه الفترة الزمنية من خلال
التعرف على الحياة السياسية ، والاجتماعية ، والعلمية ، والفكرية .
(١) السلطان الظاهر بيبرس هو أول من عمل على إحياء الخلافة العباسية بمصر بدءاً من سنة ٦٥٩ هـ.
١

١ - الحياة السياسية :
وقد بدأنا بها لأنها التي توجد الاستقرار والأمان ؛ لحياة اجتماعية فارهة ، وحياة علمية
متوهجة ، وحياة فكرية متوقدة .
وهي التي إذا اضطربت وضعفت ، وانعدمت الشورى ، وافتقدت العدالة ، وخاب الرأي الحر
الغيور عن الحكام ؛ انقلبت حياة الناس إلى ظلم وتعاسة ، وفقر بائس ، وركود علمي ، وجمود
فكري .
ومن المؤسف حقاً أن المماليك البحرية بدأوا تفرُّدهم بالحكم بالخيانة والغدر والتآمر والقتل ،
واستمر هذا حال الأمراء فيما بينهم ، لا يستثنى من ذلك سوى مدة حكم السلطان الناصر محمد بن
قلاوون بعد عودته للمرة الثالثة ( ٧٠٩ - ٧٤١هـ ) ، ومدة حكم النائب سيف الدين تنكز في دمشق
(٧١٢ - ٧٤٠هـ) .
فالخليفة : رمز شكلي يبايع السلطان ، ويعيش في ظله ، ولا يملك من أمور الدولة الداخلية أو
الخارجية شيئاً ، ويحمل لقباً فخماً ، كما حمل أجداده من بني العباس ؛ كالمستكفي بالله الأول
( ٧٠١ - ٧٣٦) والواثق بالله الأول (٧٣٦ - ٧٤٢) والحاكم بأمر الله الثاني (٧٤٢ - ٧٥٣)
والمعتضد بالله الأول ( ٧٥٣ - ٧٦٣) والمتوكل على الله الأول ( ٧٦٣ - ٧٨٥).
والسلطان : هو الحاكم الفعلي ، والذي يملك مقاليد الأمور السياسية الداخلية والخارجية ،
وتجبى الأموال إلى قصره ، ولذلك يكون عرضة للقتل أو الخنق إذا كان ضعيفاً أو صغيراً ، أو لم
يستطع أن يلبي متطلبات الأمراء من حوله وفوق رأسه ، أو كان فاسقاً أو فاجراً يعلن مبررات خلعه ،
أو كان خائناً غادراً يعرض الأمة والبلاد للخطر الداهم ، فتسقط عند الناس هيبته ، ويطيح
المتربصون برأسه . وإذا كان السلطان المنصور قد تمكن من تأسيس أسرة حاكمة ، واستمرت في
السلطنة (١٠٥) سنوات ، فإن ابنه محمد هو الوحيد الذي حكم بقوة ومات على فراشه ، وإن ستة
من أولاد الناصر وأحفاده كانوا ضعافاً فخلعوا ، وأربعة قتلوا ، واثنان فقط ماتوا ميتة طبيعية .
والنائب في دمشق(١) : هو المتنفذ طالما استقر به الحال ، وهدأت من حوله العواصف ،
وجمع الثروات والعقارات ، ولكن المؤامرات والوشايات له بالمرصاد ، فيأمر السلطان بمسكه
ومصادرته وقتله ، وقد استثني النائب تنكز ، فقد طالت مدته ، وظهر العدل والاطمئنان في نيابته ،
وأصبح السلطان يخطب وده ، ويكاتبه بألقاب الفخامة وعلو الجناب(٢) ، ولكن قبض عليه حين
(١) أكثر من نصف النواب الذين حكموا دمشق، وعاصرهم ابن كثير كانوا يحملون لقب ((سيف الدين)).
(٢) كتب له مرة يقول: ((أعز الله أنصار المقر الكريم العالي)) بدائع الزهور (ص ١٤٦).
١٢

تغير خاطر الناصر عليه في أواخر نيابته ، ودبَّت عقارب الفتن بينهما ، فصودر وسُجن
XX
بالإسكندرية ، حيث مات ، قيل مخنوقاً ، وقيل : مسموماً، وقيل : غير ذلك ، في المحرم سنة
٧٤١ هـ، وتأسف الناس عليه كثيراً وطال حزنهم عليه(١)
٢ - الحياة الاجتماعية :
ارتاح الناس من الخطر القادم من الشرق أو الشمال بعد الانتصار على التتار في مرج الصفر
جنوب دمشق سنة ( ٧٠٢هـ) ، وبقيت عيونهم مسَمَّرة على الساحل الغربي حيث طيف الخطر
الصليبي . وآثار التدمير المغولي والتخريب الصليبي ماثل للعيان ، وأوصال الأمة متقطعة ،
والأخبار منقطعة ، وبخاصة في هذا القرن الثامن ، فالقارىء لتاريخ ابن كثير لا يجد أي أخبار عن
بغداد أو عن بلاد المغرب ، وكأن العالم اختصر في دمشق والقاهرة .
والبعد الزمني عن الهجرة النبوية والقرون الخيِّرة الأولى ، أدى إلى اختلاف وانقسام ، وضعف
في التطبيق العملي لمبادىء الإسلام .
فالحاكم السلطان ونوابه يتفنون في فرض الضرائب ، ويتوسعون في منح الإقطاعات ، لضمان
جمع أكبر قدر من الأموال ، مما يزيد في تراجع الزراعة ، وتخلف الصناعة ، وإفلاس التجارة ،
وتفشي البطالة ، وغلاء الأسعار .
والمرأة يرتكس دورها في بناء الأسرة وصلاح المجتمع ، فتتطلع إلى حبس زوجها إذا عجز عن
النفقة ، أو تأخر عن طلبها مؤخر صداقها ، وتلبس الثياب ذات الأكمام العريضة والأزرار
الحريرية ، والأحذية المزركشة ، التي تثير الغرائز أو تكشف عن المفاتن ، مما يستدعي تدخل
السلطان (٢) ومنعها . وربما يسهم الفقر في انتشار البغاء، وظهور نساء متنفذات يضمنَّ عمل
البغايا ، ثم يُبطل السلطان ذلك ، وتنتشر الأغاني الخليعة وما يصاحبها من فسق وخمر ، رغم فتاوى
العلماء بتحريم ذلك ، وكتابتهم أن هؤلاء المغنين هم ((نوَّاحو جهنم)) وأن السامعين لهم يُعذَّبون في
قبورهم ، ويُحاسبون يوم حشرهم .
وتزداد الحياة الاجتماعية سوءاً بتعرُّض البلاد لكثير من الجوائح والكوارث الطبيعية ،
كالفيضانات والزلازل والجراد ، وإصابتها بالمجاعات والأوبئة ؛ كالطاعون الذي يحصد الناس
حصداً ، ويذهب منهم في اليوم الواحد بالمئات والألوف .
والناس الفقراء والمتبطلون يتبلَّد حسُّهم الجماعي ، ويرضون بالواقع المر والظلم الغاشم ،
(١) انظر البداية والنهاية (١٦ / ٢٩٢).
(٢) المصدر السابق (١٦ / ٣٥٢).
١٣

ويغيبون عن المطالبة بأي تغيير ، أو إحداث أي تأثير ، مع أنهم في بعض الاستقبالات أو المآتم
يحضرون ويتحر كون .
٣ - الحياة العلمية :
وفي هذا الجو المظلم المكفهر كانت الحياة العلمية مزدهرة تعطي أطايب الثمار وأفضل
النتائج ، والعلماء يتمتعون بتكريم الحكام ، واحترام الرعية ، والمدارس الكثيرة تُبنى وتوقف لها
الأوقاف ، وتُرصد لها الأموال ، ذلك أن المماليك كانوا يتقرّبون إلى الناس برفع منزلة العلماء
وتقديم الجوائز والوظائف الدينية للمتفوقين وذوي السمعة الطيبة منهم ، وبخاصة في أوقات
الشدة ، وعندما يحتاجون إلى تأثير العلماء ونفوذهم القوي على عامة المسلمين .
وتتجلى للمتأمل في الحياة العلمية خلال القرن الثامن الظواهر التالية :
الأولى : عظمة هذا الدين الإسلامي وخلوده ، وأنه صخرة منيعة ، تتحطم عليها مطامع الغزاة
ومعاول الهدَّامين والمخربين ، لقد امتحن الإسلام في هذا العصر ، وخرج من أقسى المحن وأشد
الخطوب سالماً منتصراً، وأثَّر حتى في أعدائه القساة الحاقدين عليه، فاعتنقوه وانضووا تحت لوائه.
الثانية : نشاط العلماء في هذا العصر ، وكثرتهم وكثرة تآليفهم ، وقد وصلوا بكتبهم بين ماضي
الأمة وحاضرها ومستقبلها ، وأثبتوا صلابة مواقفهم وأنهم لم تقهرهم روح اليأس مما يُحيط بهم من
ظلمات وأحوال .
الثالثة : الخلافات الاعتقادية لا سيما بين السنة والشيعة ، وبين المذاهب الفقهية ، كل ذلك
أضعف الحياة العلمية ، واستنفد أوقاتاً وجهوداً عظيمة ، جعلت الماضي عبئاً على الحاضر ، ولم
يُقد واقع الأمة ولا مستقبلها شيئاً مذكوراً .
الرابعة : بعض الفرق الصوفية التي لا تلتزم الكتاب والسنة ، حجرت على عقول الناس
وأفكارهم ، ومنعت كل تطور وإصلاح ، واستهلكت أوقات العلماء وأعمارهم في تآليف وردود ؛
لكشف البدع ، وبيان زيف الخرافات ، وتجاوز المظاهر والقشور .
الخامسة : الاقتصار على العلوم الشرعية ، وعدم الاهتمام بالعلوم الكونية ، وغياب شمس
الحضارة التي سبق وسطعت في بغداد ، وملأت الآفاق بنورها الشامل الوهَّاج .
علماً بأن تحصيل العلوم الدنيوية ، والنهوض بالصناعة وحيازة أسباب القوة مطلب شرعي ، إذ
هي فروض الكفاية المضيعة ، والتي تزيد المسلمين ضعفاً وتخلُّفاً .
٤ - الحياة الفكرية :
لم تثمر الحياة العلمية في القرن الثامن الهجري حياة فكرية متوثبة أو متوقدة ، بل بقيت مظاهر
١٤

الجمود والتخلف الفكري واضحة وراسخة ؛ فالتعليم يقوم على حفظ المتون ، والتآليف قاصرة
على الشرح أو الاختصار ، أو صنع الحواشي والهوامش ، والطلاب الجدد لا يعرفون أي تجديد
وابتكار ، وهذا ما لاحظه الشيخ محمد أبو زهرة على الحياة العلمية وآثارها الفكرية ؛ فقال :
((وإذا كانت القرون الثلاثة - ٦ و٧ و٨ - قد امتازت بشيء ، فقد امتازت بكثرة العلم ،
لا بعمق الفكر ، فقد كانت المعلومات كثيرة ، وتحصيلها كان بقدر عظيم ، وعكوف الناس عليها
كان كبيراً . ولكن التفكير المطلق في مصادرها ومواردها ، والمقايسة بين صحيح الآراء وسقيمها
مقايسة حرة نزيهة من التعصب الفكري ، والتحيز المذهبي ، بالنظر الفاحص المجرد ، أو النظر
الذي يعم كلَّ الجوانب ، لم تكن بقدر يتناسب مع تلك الثروة المثرية التي توارثتها الأجيال)(١)
ولا بد هنا ونحن نتصور الحياة الفكرية من تسجيل الملاحظات التالية :
الأولى : وجود التعصب المذهبي بين المذاهب الأربعة ، وبين أهل المذاهب الواحد أحياناً .
الثانية : الخلاف بين الشيخ ابن تيمية وتلاميذه وبين المتصوفة وبعض الفقهاء ، مما أدى إلى
سجن ابن تيمية ثلاث مرات ، إحداهن بمصر ، وسجن الحافظ المزي ، وابن القيم في دمشق ،
بسبب اجتهادات فرعية فقهية ، تدل على تحجر وضيق أفق .
الثالثة : الاهتمام بعلم التاريخ ، ولكن من غير تجديد ولا نقد - باستثناء ابن خلدون
والمقريزي - والاقتصار على التذييل والاختصار، مما عطّل هذا العلم العظيم عن تحريك بناء
الأمة ، وتوحيدها ، ودفعها إلى بناء الحضارة وتوحيد الشمل من جديد .
الرابعة : التأثر بعقائد الأمم والأجناس المختلفة ، والخوض في علم الكلام ، والتأثر بالمنطق
الصوري ، والانزلاق إلى متاهات الجبر والاختيار ، والتأويل والتفويض ، والتجسيم والتعطيل ..
والإبقاء على الآراء المختلفة معلّقة ، تقسم الصف ، وتهدد المستقبل ، وتنذر بالفناء .
(١) ابن تيمية ، للدكتور محمد أبو زهرة (ص ١٥٤).
XX
١٥

ثانياً : اسمه ونسبه
هو الحافظ الحجّة ، والمُفسِّر العمدة، والمحدِّث الثقة، والمؤرِّخ الموضوعيّ ، والفقيه
المستحضر ، عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، بن ضَوْ بن درع (١) القرشي ،
الحَصْلي ، البُصروي ، الدِّمشقي ، الشافعي ، المعروف بابن كثير .
فهو عربي (( قرشي)) لأن بني حَصْلة ينتسبون إلى الشرف ، وبأيديهم نسب ، وقد وقف على
بعضها الشيخ أبو الحجاج جمال الدين المِزِّي ، فأعجبه ذلك وابتهج به ، فصار يكتب في نسب ابن
كثير (( القرشي )(٢) .
وهو (( بُصروي)): لأن أباه من (( بصرى)) وهي بلدة قديمة بالشام من أعمال دمشق ، وتقع في
الجنوب الشرقي من سورية ، وثاني مدينة بعد ((درعا )) في منطقة حوران ، وتبعد عن دمشق حوالي
( ١٣٧) كم .
وهو بعد ذلك ((دمشقي)): لأنه سكن دمشق، ونشأ فيها ، ثم توفي ودُفن فيها .
(١) كذا في طبقات المفسرين؛ للداودي (١١/١) وإنباء الغمر بأبناء العمر، لابن حجر (٤٥/١) وفي شذرات
الذهب ، لابن العماد (١٩٧/٨) وذيل تذكرة الحفاظ ؛ للحسيني (ص ٥٧) ابن ذُرَع. وفي الدرر الكامنة في
أعيان المئة الثامنة ؛ لابن حجر (٣٩٩/١) ((القيسي)) وفي نسخة ((العبسي)).
(٢) البداية والنهاية (١٦ /٣٥).
١٦