النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ فِتْياني أن يُنْظِروا المُعْسِرَ، ويَتَجاوزوا عن المُوسِرِ، قالَ: قال الله عز وجل: تَجَوَّزوا عنه)). لكونه مُعْسِراً ليس عنده من المال ما يَقضي دَينَه، أوصيتُهم بأن يُمْهلوه: ﴿وإنْ كانَ ذو عُسْرةٍ فَنَظِرَةً إلى مَيْسَرَةَ﴾. ومن تعامل معهم فاشترى منهم شيئاً وكان موسراً كنت أوصيهم بالتسامح معه في استيفاء الثمن، كما جاء في رواية أخرى: ((كنت أَنْظِرِ المعسِر، وأتجوَّز في السِّكَّة))، والسِّكَّة: هي النقدُ: الدنانير والدراهم. فكان جزاؤه من الله عز وجل من جنس عمله، لكنْ شتَّان بين عِظَم العمل وجزائه، فهذا التاجر یحصل على نتيجة حسن خُلُقه في الدنیا، وذلك بإقبال الناس على التعامل معه، هذا جزاؤه العاجل، أما جزاؤه الآجل: فقول الله تعالى لملائكته: ((تجوَّزوا عنه))، أو: ((أنا أحقُّ بذا منك، تجاوزوا عن عبدي)). ومتى هذا؟ هذا ﴿ يومَ يَفِرُّ المرءُ من أخيه، وأمُّه وأبيه، وصاحبتِه وبَنيه، لكلِّ امرئٍ منهم يومئذٍ شأنَّ يُغْنيه ﴾. في ذاك اليوم يُلقِّه الله تعالى بهذا التجاوز عنه. فحيَّهلا به من جزاء!، ولا عَجَبَ، فهذا من العبد، وذاك من رب العباد. ولماذا؟ لأن ((الخَلْقُ كلُّهم عيالُ الله، وأحبُّهم إلى الله أنفعُهم لعياله))(١)، فالإِحسانُ إلى عيال الله جزاؤه عند الله عظيم. بل، أَلَّ تَرى إلى المرأة - وهي ما هي - حين أحسنتْ إلى كلب يَلْهَثُ الثَّرَى، غفر الله لها! وإلى الذي أزاح غصنَ شوكٍ عن طريق المسلمين لا يُؤذيهم، غفر الله له! وإلى المرأة الأخرى عذَّبها الله بناره حين حبستْ هرةً عن الطعام من قِبَلها أو من خَشَاش الأرض وهَوَامُّها وحشراتها ! . فلا يحقرنَّ أحدٌ من المعروف شيئاً، ولو مع حيوان، ولا يَستسهلنَّ إساءةً إلى أحد ولو إلى حيوان، فإن أحدنا لا يدري من أين تأتيه السعادةُ، أو غيرُها. نسأل الله التوفيق . ١ - حديث ضعيف، حسِّنه بعضهم لطرقه المتعددة. انظر شروح ((الجامع الصغير)) للمناوي والعزيزي، وغيرها. ٣٤٢ ٨٧ - عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَلّ يقول: ((إن الله لَيَسْأل العبدَ يوم القيامة حتى يقول: ما مَنْعَكَ إذا رأيتَ المنكرَ أن تُنْكِرَه؟ فإذا لقَّنَ الله عبداً حُجتَه قال: يا ربِّ رَجَوْتُك وَفَرِقْتُ من الناس)). ٨٧ - تخريجه: رواه ابن ماجه كتاب الفتن - باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ ٢: ١٣٣٢ (٤٠١٧)، وقال الشهاب البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. غريبه: لقَّن: علّم وعرَّف. فَرِقْتُ: خِفت. معناه: من مواقف يوم القيامة: عالَم السؤال، ويكون السؤال فيه عن أشياء كثيرة، منها: ما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي ٧: ١٣٦ - وقال حسن صحيح - عن أبي بَرْزَة الأسلمي مرفوعاً: ((لا تَزُولُ قَدَما عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسأل عن عُمُرُه فيما أفناه، وعن علمه فيمَ فَعَل، وعن ماله من أين اكتسَبَه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه)». ومنها: ما جاء في هذا الحديث: سكوتُه عن المنكر، إذْ يَعتِبُ الله تعالى عليه ((ما مَتَعك إذا رأيتَ المنكر أن تنكره؟)). وحقُّ الله عليه: أن يتحرّك في قلبه خوفُ الله إِذْ رَأَى ما يُغضبه، وتَثُور في فؤاده الغَيْرة لله، فينكرَ المنكر على ترتيب مراحله الثلاث: ((من رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإنْ لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإِيمان)) رواه مسلم ٢: ٢٢ . إلا أن شيئاً من ذلك لم يكنْ، إلا رجاءَه من الله العفوَ والستر، والتجاوز ٣٤٣ . والمغفرة، فيلقُّنه الله كلمةً تَشْفَع له عنده، وتجبرُ زلَّته، فيقول: يا ربِّ رجوتك ولا يَخيبُ راجيك، وأما الناس فلا يُؤْمَن لهم جانبٌ، فإني قد فَرِقَتُ منهم. فهذه الملاحظة القلبية (الرجاء) هي التي كانت سببَ نجاته، وبها لقَّنه الله الحجة، فنَّجاه بها. ومع هذا، فإن الأمر والنهي لا بدَّ منهما، لصلاح أمر الإِسلام والمسلمين. روى الترمذي ٦: ٣٣٦ - وحسنه - عن حذيفة مرفوعاً: ((والذي نفسي بيده لَتَأمُرُنَّ بالمعروف وَلَتنهوُنَّ عن المنكر، أو لَيُوشِكنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يُستجابُ لكم». ٣٤٤ ٨٨ - عن جُنْذُب بن عبدالله البَجَلي رضي الله عنه، عن النبي ◌َّو أنه قال: ((كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جُرحٌ فَجَزِع، فأخذ سِكِّيناً فَحَزَّ ٨٨ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب الجنائز - باب ما جاء في قاتل النفس ٣: ٢٢٦ (١٣٦٤) معلّقاً، ثم وصله في كتاب أحاديث الأنبياء - باب ما ذكر عن بني إسرائيل ٦: ٤٩٦ (٣٤٦٣)، وهذا لفظه، ورواه مسلم في كتاب الإيمان - باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ١: ١٠٧ (١٨٠)، ٢: ١٢٤ بشرح النووي. معناه: قال الله عز وجل: ﴿ولا تقتُلُوا أَنْفُسَكم، إن الله كان بكمْ رحيماً ﴾ فمن رحمته سبحانه أنْ حرَّم على الإنسان أن يَقتلَ نفسَه، أو أن يَقتلَ نفسَ غيرِهِ، وهذا من باب قوله تعالى ﴿ولا تَلْمِزُوا أنفسَكم﴾ والإِنسانُ لا يَلْمِزُ نفسَه، لكنه نَزَّل سبحانه المؤمنَ من المؤمن الآخَر منزلةً نفسِه، فأخوك نفسُك، لذلك قال ﴿ ولا تَلْمِزوا أنفسَكم﴾، وكذلك هنا ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾، تُحمَل على هذين المعنيين: قتلِ الإِنسانِ نفسَه، وقتلِ الإِنسان غيره. والمراد هنا الحديث عنها بالمعنى الأول. حرَّم الله عز وجل على الإنسان أن يقتل نفسه قاصداً لذلك، أما لو كان يُعالجُ نفسَه من مرضٍ فمات: فإنه لا يَدخُلُ هنا تحت هذه الآية أو الحديث. وعلَّل الله تعالى نهيه لنا عن هذه الجريمة بقوله: ﴿إن الله كان بكم رحيماً ﴾. وجاء هذا الحديثُ على وَفق هذه الآية، وكان تكون في بني إسرائيل العِبَرُ والعِظَاتُ، وكان ◌َ﴿ يتخوَّلُ أصحابه بالحديث عنهم من أجلها، فقصَّ عليهم هذه القصةَ من جملة ما قصَّ عليهم : أصاب رجلاً قَرْحةً - وهي حبَّ تكون في البدن - في يده، فاشتدَّ عليه أَلَمها، ٣٤٥ بها يدَه، فما رَقَأْ الدمُ حتى مات، قال الله تعالى: بادَرَني عَبدي بنفسِه، حرَّمتُ عليه الجنة)). وقلَّ صبره عليها، وهذامعنى قوله ((فَجَزِع)). فأخذ أولاً طرفَ سهمِه فَنَخَسَ به القَرْحة، فلم ينفعْه ذلك، كما يستفاد من أول رواية مسلم للحديث، فحزّه بالسكين، يريد: أنه عَمَّقَ الجرحَ بالسكين، لأن الحزَّ لا يكون معه فصلٌ وإبانةٌ للعضو عن موضعه . فكان من جَرَّاء ذلك نَزْفٌ شديدٌ للدم، أعقبه وفاتُه. وواضح من التفرقة التي تقدمتْ بين مَن مات مِن معالجة جرحه غيرَ قاصدٍ الموتَ، فمات: فلا شيء عليه ولا مؤاخذة، وبين من مات من معالجةٍ جُرحه قاصداً الموتَ والخلاصَ من الألم. فعليه المؤاخذة. أقول: واضح منها أن هذا الرجل من الصنف الثاني. لذلك عاقبه الله عز وجل بقوله: ((بادرني عبدي بنفسه، حرَّمت عليه الجنة)). أما قوله: ((بادرني عبدي بنفسه)): أي: استعجل الموت لنفسه، وهذا الإِنسان لا يعلم متى انتهاءُ أجله، فصورةُ عمله هذا صورةُ المبادر المتعجل بالموت، لا أنه أمات نفسَه قبلَ حلولٍ أجله، فإن الأجلَ لا يتقدَّم نَفَساً ولا يتأخّر نَفْساً. وأما قولُه ((حرَّمت عليه الجنة)): فإن النصوصَ الأخرى القطعيةً من آياتٍ وأحاديثَ تدلُّ على أن الجنة غيرُ محرَّمةٍ على أحد إلا على الكافرين. قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ونادى أصحابُ النارِ أصحابَ الجنةِ أنْ أَفِيضُوا علينا من الماء، أو مما رَزَقَكم الله، قالوا: إن الله حرَّمهما على الكافرين ﴾ فماءُ الجنةِ ورزقُها محرَّم على الكافرين، وهما بعضُ الجنة، فدخولُها محرَّمٌ من باب أولی . ومن الأحاديث: ما أخرجه مسلمٌ بعد هذا الحديث بحديثين ٢: ١٣٠ عن جابر رضي الله عنه، أن الطَّفَيلَ بنَ عمرٍو الدَّوسيَّ أتى النبيِّ وَّ فقال: يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومَنَّعَة - قال: حِصنّ كان لدَوْسٍ في الجاهلية - فَأَبی ذلك النبيُّ ◌َ﴿، للذي ذَخَرَ الله للأنصار، فلما هاجر النبيُّ * إلى المدينة، هاجر إليه ٣٤٦ الطفيلُ بن عمرو، وهاجر معه رجلٌ من قومه، فاجْتَوَوا المدينةَ، فمرِض، فجِزِع، فأخذ مَشَاقِصَ له فقطعَ بها بَرَاجِمَه، فَشَخَبَتْ يداه حتى مات. فرآه الطفيلُ بنُ عمرو في منامه، فرآه وهيئتُه حسنةٌ، ورآه مُغَطِّياً يَدَيْهِ، فقال له: ما صنع بك ربُّك؟ فقال: غَفَر لي بهجرتي إلى نبيه صلله، فقال: ما لي أراك مُغَطّاً يديك؟ قال: قيل لي: لن نُصْلِحَ منك ما أَفْسَدتَ !. فقصَّها الطفيلُ على رسول اللهِ وَّهِ، فقال رسول الله مَّ: ((اللهم ولِيَدَيْه فاغفر!))(١). فظهر بهذا أن من تسبَّب بقتلِ نفسِه لا تحرُمُ عليه الجنة حرمةً مؤبِّدةً، فلا بدَّ من تأويل هذا الحديث ليتلاءَمَ مع الأدلة الأخرى. قال النووي رحمه اللّه ٢: ١٢٧ تعليقاً على قوله ((حرَّمت عليه الجنة)): ((قال القاضي - عياض - رحمه الله: يَحتمِلُ أنه كان مستَحِلّاً، أو: يُحْرَمُها حين يدخُلُها السابقون والأبرار، أو يُطيلُ حسابَه، أو يُحبسُ في الأعراف. هذا كلام القاضي. قلت: ويَحتمِل أن شرعَ أهلِ ذلك العصر تكفيرُ أصحاب الكبائر)». وزاد على هذه الاحتمالات الحافظُ في ((الفتح)) ٦: ٥٠٠: احتمال أن يكون الرجل كافراً من الأصل، واحتمالَ تحريمِ جنةٍ معينةٍ عليه كالفردوس، واحتمالَ أن هذا تخويف وتهدید لا يُراد ظاهره، واحتمالَ أن هذا جزاؤه إن شاء الله تعالی استمراره، وإلا فلا. ولعل أولاها القولُ بأنه يُحرَمُ دخولَ الجنة مع السابقين الأولين، فجريمتُه هذه تُعَرْقِلُ دخولَه العاجلَ، وهو ما اختاره شيخنا العلامة الشيخ عبدالله الصديق الغُماري حفظه الله تعالى، في رسالته ((قمع الأشرار عن جريمة الانتحار)). والله أعلم. ١ - ومعنى هذا الحديث إجمالاً: أن الطفيل كان يدعو رسولَ الله ﴿ أن يهاجرَ إلى بلاده حيثُ قبيلتُه دَوْسٌ، لكن الله تعالى خَبُّ هذه المَكْرُمة للأنصار، ثم جاء الطفيل وصديقٌ له إلى المدينة فأصابهم بعضُ مرِض فيها، فكرهوا المُقَام بها، إلا أن صديقَه لم يحتملْ المرضَ والكراهية، فأخذ نَصْلاً عريضاً وطويلاً، فقطع به مفاصل أصابعه (العُقَد) فنزفَ دمُه بقوة، فمات، فرآه في المنام كما وصف: بهيئة حسنة مغفوراً له إلا يديه، فدعا له * بتمام المغفرة والمجاوزة عن سيئة يديه . ٣٤٧ ٠٠ وإن الله تبارك اسمه خَلَق عباده للحياة، لا لتعجّل الموت، فلذلك حرَّم عليهم تمنّيَ الموت، وأن يدعوَ أحدُهم على ولده بالموت ربما وافق ساعة إجابة، وأن يتمَّنوا لقاء العدو، لما فيه من شدائد وسبب للموت، والإلقاء بالنفس في التَّهْلُكة، والوَأْدَ الجليَّ، والوَأْدَ الخفيَّ (العزل)(١). وهكذا. فالله تعالى خلق الناس للحياة، وشَرَع تَعَاطي ما يَدِفَعُ عنهم الموتَ وأسبابَه، كالتداوي، ولم يخلقهم لِتعجّل الموتِ، إلا في سبيله. ١ - إلا إذا كان هناك مسوّغ شرعي للعزل. ٣٤٨ ٨٩ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنّا عند رسولِ الله وَ﴿ فضحكَ، فقال: ((هل تَدْرُون مِمَّ أَضحكُ؟)) قال: قلنا: الله ورسولُه أعلم. قال: ((مِنْ مُخاطبةِ العبدِ ربِّه يقول: يا ربِّ أَلَمْ تُجِرْني من الظّلم؟ ٨٩ - تخريجه: رواه مسلم في كتاب الزهد ٤: ٢٢٨٠ (١٧)، ١٨: ١٠٤. غريبه: هل تدرون: هل يُمكنكم التوصّل إلى معرفةٍ سببٍ ضَحِكي بأيِّ وسيلة؟ . أركانُه: جوارحه، قاله النووي، وهو المعروف، ومثله ابن الأثير في ((النهاية)»، وزاد: ((وأركانُ كلِّ شيءٍ: جوانبُه التي يستند إليها ويقوم به)). وعلى هذا المعنى جاء الحديث التالي: ((فَيُخْتَم على فِيهِ ويُقالُ لفَخِذه ولحمه وعظامه: انطِقي)). أُناضل: أدافعُ وأجادل. معناه: لما كان في هذا الموقف سببُ ضحِك النبي ◌َّ غِيرَ ظاهر، تعيّن أن يكون سبباً خفياً، لخاطرٍ خَطَرَ بباله و﴿، وإدراكُ هذا صعبٌ على الآخرين، لذلك قال لهم عليه الصلاة والسلام: ((هل تدرون ممَّ أضحك؟)). قال الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى في ((مفرداته)): ((الدراية: المعرفة المدرَكَةُ بِضَرْبٍ من الخَتْلِ)). أي: المعرفةُ التي يُوصَل إلى إدراكها وبلوغها بنوعٍ من الحيلة. وبناءً على هذا فلا يَصحُ أن يقالَ: الله تعالى أدرى بما يُصلح عبادَه، ونحو هذا من العبارات الشائعة على أقلام بعض الكتَّاب، وألسنة بعض المتحدِّثين. ثم أبان لهم ◌َّر عن سبب ذلك: وهو جُرأةُ العبد على ربه، ظناً منه أنه يستطيع مغالطة الله العليم الخبير !! يقولُ العبد لربه سبحانه: إنك وعدتَني أن لا تَظلمني، ومِن ظلمي أن تَقْبلَ شهادة مَن لا أرضاه شاهداً عليَّ، فَيُعطيه الله ذلك، بأنْ تَشْهِدَ نفسُه عليه، فيستنطقُ الله جوارحَه عليه ويختمُ على فمه. ٣٤٩ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أُجِيزُ على نفسي إلا شاهداً مني. قال: فيقولُ: كَفَى بنفسِك اليومَ عليك شهيداً، وبالكرامِ الكاتبين شهوداً. قال: فَيُخْتَم على فِيه فيقالُ لأركانه: اِنْطِقي. قال: فتنطِقُ بأعماله، قال: ثم يُخَلَّى بينه وبين الكلام، قال: فيقولُ: بُعْداً لكُنَّ وسُحْقاً. فَعَنْكُنَّ كنتُ أُناضِلُ)). فتنطق يداه بما بطشتْ ظلماً، وسَرَقت، وكَتَبتْ زوراً، وامتدتْ إلى حرام، ... ، وتَنْطِق رجلاه بما مَشَتْ إلى حرام، وَسَعَتْ فِيٍ باطل، وذهبتْ إلى منكر .... وهكذا .. وهكذا .. ، حتى تأتيَ جوارحُه على ما أَثِمَتْ فيه، نعوذ بالله من الفضيحة ! . ثم يأذن الله تعالى للسانه بالكلام، فيوبِّخ نفسَه بنفسه، ويدعو على نفسه بنفسه: هلاكاً بعيداً مديداً لكُنَّ أيتُها الأعضاء (الصادقة الصريحة)، فإنني ما تجرّأتُ على ربي وقلتُ له ما قلتُ إلا لُأَنْقِذَكنَّ من عذابه، وظننت أني بذلك أنجو !! اللهم فاحفظنا ! . ٣٥٠ ٩٠ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسولَ الله هل نَرَى رَبَّا يوم القيامة؟ قال: ((هل تُضَارُّونَ فِي رُؤْية الشمسِ في الظَّهيرة ليستْ في سَحَابة؟)) قالوا: لا، قال: ((فهل تُضَارُّونَ في رؤية القمر ليلةً البَدْر ليس في سَحَابة؟)) قالوا: لا، قال: ٩٠ - تخريجه: رواه مسلم: كتاب الزهد ٤: ٢٢٧٩ (١٦)، وشرح النووي ١٨ : ١٠٣. غريبه: تُضَارُّون: قال النووي رحمه الله في ((شرح مسلم)) ٣: ١٠٨: ((رُوي تضارون - بتشديد الراء وبتخفيفها، والتاء مضمومة فيهما، ومعنى المشدَّد: هل تُضارُّون غيركم في حالة الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه، كما تفعلون أول ليلة من الشهر؟. ومعنى المخفّف: هل يَلحقُكم في رؤيته ضَيْر؟ وهو الضرر)) فالمعنى واحد، وبمعناه في ((النهاية)) و((فتح الباري)) ١١ : ٤٤٦. أسوِّدك: أجعلْك سيداً على غيرك. أَيْ فُلْ: أيْ: أداة النداء، مثل: يا، وفُلْ: فلان. فالمعنى: يا فلان. قال النووي: فلْ ((هو ترخيم على خلاف القياس. وقيل هي لغة بمعنى: يا فلان)). وأما ابن الأثير فقال ٣: ٤٧٣: قُلْ ((معناه: يا فلان، وليس ترخيماً له، لأنه لا يقال إلا بسكون اللام، ولو كان ترخيماً لفتحوها أو ضمُّوها)). أَذَرْك: أَدَعْك. والمراد: ألم أُمَكِنْك، ألم أَجْعَلْك. تَرْأَسُ: تكون رئيساً لِقومك. تَرْبَعُ: تأخذُ رُبُع الغنيمة، كما كانتْ ملوك الجاهلية تفعل. وفي رواية: تَرْتَع، ومعناها: تتَنعَّم وتتوسَّع في عيشك. أَفَظَنْتَ: الظنُّ هنا: الاعتقاد الجازم. أنساك: أَحْرِمُك من رحمتي، كما تركتَ طاعتي . هاهنا إذاً: قَفْ هاهنا لتشهد عليك جوارحك. ٣٥١ ((والذي نفسي بيده لا تُضَارُّون في رؤيةِ ربّكم إلا كما تُضَارُّون في رؤية أحدهما. قال: فَلْقَى العبدَ فيقول: أيْ قُلْ أَلَمْ أَكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْك، وأزوِّجْك، وأُسَخِّرْ لك الخيلَ والإِبلَ، وأَذَرْك ترْأْسُ وَتَرْبَعُ؟ فيقول: بلى، قال: فيقول: أَفَظَنْتَ أنك مُلَاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نَسِيتَني . لِيُعْذِرَ من نفسه: قال في ((النهاية)): (أَعْذَرَ فلان من نفسه: إذا أمكن منها)). أي: جَعَل لغيره المُكْنَةَ والقدرةَ على نفسه. والمراد: أنه فَضَح نفسَه بنفسه، فحقَّ عليه العذاب. وفي ((سنن أبي داود)) ٤: ٥١٥ (٤٣٤٧): ((لن يَهلِكَ الناسُ حتى يَعْذِروا - أو: يُعْذِروا - من أنفسهم)). معناه: في الحديث الشريف إثباتُ رؤية المؤمنين ربّهم عز وجل يومَ القيامة رؤيةً واضحةً لا لَبْس ولا خَفَاءَ ولا حجابَ، ويُقْسِمُ سيدنا رسول اللهِوَّ على ذلك بقوله: ((والذي نفسي بيده لا تُضَارُّون في رؤية ربكم كما أنكم لا تُضارُّون في رؤية الشمس حينٍ الظهيرة، أو القمر ليلة البدر في سماء مُصْحِية. فلا تتزاحمون ليستَوضحَ كلِّ منكم الرؤية، ولا تَتَنازعون، ولا تَتَضايقون، ولا يحجُبُ بعضكم بعضاً عن الرؤية، بل هي رؤية واضحة تمام الوضوح. وهذه الرؤية تكون في أرض المحشر يوم القيامة، وهي غير الرؤية التي تكون للمؤمنين خاصة في الجنة(١). ثم يحكي ◌ََّ مشهداً وموقفاً من مواقف القيامة لبعض الناس من الكافرين والمنافقين. فالرجلُ الأولُ والثاني من صنف الكافرين، لأنهما أنكرا لقاء الله عز وجل لما سألهما الله تعالى: ((أفظننتَ أنك مُلاقيَّ؟ قال: لا)). فهذا قد أُعْذَر نفسه فوراً دون مُكابرة وتَصنّع ونفاق. ١ - انظر ((أعلام الحديث)) للإمام الخطابي رحمه الله تعالى ١: ٥٢٣، وسيأتي بعضه في شرح الحدیث الآتي ص ٣٥٥ ٣٥٢ ثم يَلقَى الثانيَ فيقول: أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْك، وأُسَوِّدْك، وأُزَوِّجْك، وأُسَخِّرْ لك الخيلَ والإِبلَ، وأَذَرْك تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول: بلى أيْ ربِّ، فيقول: أَفَظَننتَ أَنكَ مُلَاقِيٍّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك کما نسيتني . ثم يَلْقَى الثالثَ، فيقول له مثلَ ذلك، فيقول: يا ربُّ آمنتُ بك، وبكتابك، وبرسُلك، وصلَّيتُ، وصُمْتُ، وتصدَّقتُ، ويُثْني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذاً. قرّره الله تعالى بِنِعَمه: أَلَمْ أُكْرِمْك فجعلتك سيداً على قومك، وأنعمتُ عليك فزوَّجتك وأعطيتك من أصناف المالَ ما أعطيتك، وعاملتَ قومك بما يعاملهم به أهلُ الجاهلية - لا أهل الهداية - فأخذتَ منهم المِرباعِ: رُبُع الغنائم، وعِشْتَ في بُلَهْنِيَةٍ وَسَعَةٍ وَرَغَد. وهو في كل هذا يُقرُّ ويقول: بلى، ولكنه ختم ذلك بأنّه ما كان يعتقد بلقاء الله أنه حاصل كائن. فهو على غير شاكلة ذاك الذي يُقرِّره ربُّه بذنوبه فيقول: أَعرفُ ربِّ، أعرف. ذاك مؤمنٌ مُوقِنّ بيوم اللقاء والحساب والجزاء. وتقدم حديثه برقم ٨٤. أما الرجل الثالث: فهو من الصنف الثاني، صنف المنافقين، يَظُن أنه يَقِدر على مغالطة ربِّه علام الغيوب، العليم بذات الصدور. إنه يقول الله بعد أنْ قرَّره بنعمه: يا رب آمنتُ بك، وبكتابك، وبرسُلك، وفعلت كذا وكذا وكذا !! مع أنه إيمانُ المنافقين وفعلُهم ! . فيقول الله تعالى له: إذاً أنت تحتاجُ إلى كشفٍ وفضيحة وخِزْي! إنك تكذب وتُنافِقِ، وهذا إنْ صَلَح في الدنيا مؤقّتاً، فإنه لا يَصلُح في الآخرة مِقدارَ لحظة واحدة، فإن من أسماء يوم القيامة: الحاقَّة، يُحقُّ الله تعالى فيه الحقائق، ويكشف الزَّيف. وأفظعُ طرقِ الفضيحة: أن تكونَ عن طريق الإِنسانِ المفضوحِ نفسِهِ، وأقواها: أن تكونَ عن طريق من لا يُتَصَوَّر منه كذبٌ وخداعٍ، إذِ اللسانَ يَلْتوي ٣٥٣ قال: ثم يُقَالُ له: الآن نبعثُ شاهدَنا عليك، ويَتَفكِّرُ في نفسه: مَن ذا الذي يَشهدُ عليه؟! فَيُخْتَم على فيه، ويُقال لِفَخِذه ولحمه وعظامه: انطِقي، فتنطِقُ فَخِذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك لِيُعذِرَ من نفسه . وذلك المنافقُ، وذلك الذي يَسْخَطُ الله عليه)). ويَتَّلاعب بالحقائق، أما سائرُ الجوارح فلا يُعْهَد منها نُطق وكلام، حتى يُتَصوَّر منها كذب! ولكن الله تعالى بقدرته على كل شيء يُنْطِقُها فتنطقُ بالحقائق الثابتة، وحينئذ يُعْذِر هذا الإِنسانُ من نفسه، أي: أمكن من نفسه، ومكَّن غيره من إقامة الحجة عليه . ((الآن نبعثُ شاهدَنا عليك)) فَيُدْهَشُ: ((من ذا الذي يَشهدُ عليَّ؟!)). ولا يدري المسكين من أين يُؤْتَى! فهذا هو المنافق، وهذا هو الذي يَسخط الله عليه. ويختم الله على فمه، ويُنطِقُ جوارحَه، ويُحِقُّ الله الحقَّ، ويَمحقُ الباطل والنفاق. ونعوذ بالله تعالى من خزي الدنيا والآخرة، إنه أرحم الراحمين. ٣٥٤ ٩١ - عن عطاءِ بنِ يزيدَ الليثيِّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن ناساً قالوا لرسول الله وَله: يا رسول الله هل نَرَى رَبَّنا يومَ القيامةِ؟ فقال ٩١ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب الأذان - باب فضل السجود ٢: ٢٩٢ (٨٠٦)، وكتاب الرقاق - باب الصراط جسر جهنم ١١: ٤٤٤ (٦٥٧٣)، وكتاب التوحيد - باب قول الله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ ١٣: ٤١٩ (٧٤٣٧)، ورواه مسلم: كتاب الإِيمان - باب معرفة طريق الرؤية ١ : ١٦٣ (٢٩٩) وشرح النووي ٣: ١٧ - ٣٣، واللفظ له. غريبه: تضارون: تقدم في الحديث السابق ضبطُ الراء بالتشديد والتخفيف، وأنه من الضرر أو الضَّيْر، والمعنى واحد. الطواغيت: جمع طاغوت، وهو: كل ما عُبِد من دون الله عز وجل. أول من يُجيز: أول من يمشي عليه ويقطعه. منهم المؤمن بقي بعمله: في رواية البخاري الأخيرة، ((فمنهم المُوبَق بقي بعمله»، وهي أوضح، ونحوها الروايتان الأخريان. ومنهم المجازَى: أي المُعاقَب الذي يُلْقى في النار. فَرَغَ اللّه: تقدم ص ٢٧٢ قول القرطبي في ((التذكرة)) ص ٤١١: ((معناه: تمم عليهم حسابهم وفصل بينهم، لأنه لا يشغله شأن عن شأن، سبحانه وتعالى)). امتحشوا: احترقوا بالنار حتى انكشف العظم! ويجوز في ضبطه: امتُحِشوا، وامتَحَشُوا، واختار الثاني النووي ٣: ٢٦ . الحِبَّة: بزور البقل البرّي. حَميل: قال في ((النهاية)): ((حَمِيل السيل: هو ما يجيء به السيل من طين أو غثاء وغيره، فإذا اتفقت - أي صادف - فيه حبة واستقرت على شط مجرى السيل ٣٥٥ رسول الله وَالَ: ((هل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟)) قالوا: لا يا رسول الله، قال: ((هل تُضَارُّون في الشمس ليس دونها سَحَاب؟)) قالوا: فإنها تنبت في يوم وليلة، فشُبِّه بها سرعة عود أبدانهم وأجسامهم إليهم بعد إحراق النار لها)). وانظر شرح النووي ٣: ٢٣ . قَشَبَنِي: قال الخطابي في ((أعلام الحديث)) ١: ٥٣٣: ((يقال: قَشَبه الدخان: إذا امتلأتْ خياشيمه من الدخان. ويقال: أصل القَشَب: السُّمُّ، كأنه يقول: صار ريحها كالسُّمِّ في أنفي)). العهود والمواثيق: العهد: التقدُّم إلى المرء في الشيء، واليمين يَحلِفُ بها الرجل. والوثيقة: إحكام الأمر، كما في ((لسان العرب))، فالميثاق في الأصل الإحكام للأمر، والحَلِف من جملة ألوان التوثيق. وقد حصل ذلك من هذا الإنسان المذكور في الحديث. انْفَقَهَتْ: انفتحت له. تَمَنَّهُ: فعل أمر من التمني أُلْحِقَتْ بآخره هاء السُّكْت. ذكاؤها: الذِّكاء هنا شدَّة وَهَج النار. معناه: هذا الحديث الشريف فيه حكاية عددٍ لمواقفَ من مواقف الآخرة. ففيه الحديث عن موقف من أوائل المواقف، كما أنه خُتِم بالحديث عن رجل هو آخر من يُخْرَج من النار ويدخل الجنة. وفي أوله سؤال بعض الصحابة رضي الله عنهم عن رؤية الله تعالى، فأثبتها لهم وأكّدها بأنها واضحة لهم دون حجاب ولا واسطة. وهذه الرؤية التي تكون في أرض المحشر غيرُ الرؤية الثانية التي تكون في الجنة، وفيها يكون أعظمُ سرور لأهلها. قال الإِمام الخطابي رحمه الله تعالى في ((أعلام الحديث) ١: ٥٢٣: ((ويجبُ أن يُعْلَم أن الرؤيةَ التي هي ثوابُ الأولياء وكرامةً لهم في الجنة غيرُ هذه الرؤيةِ المذكورة في مقامهم - أي موقفهم - يوم القيامة)). وذكر حديثَ مسلمٍ الآتي (٩٩) عن صُهَيب رضي الله عنه مرفوعاً، وأن هذه الرؤيةَ التي تكونُ في الموقف هي رؤيةُ امتحانٍ لأهل الموقف عامةً . ٣٥٦ لا، قال: ((فإنكم تَرَوْنَه كذلك. يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبُدُ شيئاً فليتَّبِعْهُ، فيتَّبِعُ من كان يعبد الشمسَ: الشمسَ، ويتبعُ من كان يعبُد الطواغيتَ: الطواغيتَ، وتبقى هذه الأمةُ فيها منافِقوها. وقوله وَطاهر: ((فإنكم ترونه كذلك)): التشبيه في وضوح الرؤية وأنها دون ضرر ولا حجاب، كما هو واضح، وليس في اتحاد المَرْئي - وهو الشمس - معاذ الله !! فوجه الشبه: وضوح الرؤية. ثم ابتدأ﴿ يحكي الموقفَ من أوله، وذلك: أن الله تعالى يجمعُ الناس عامةٌ، ثمٍ يأمرُهم: أن تتّبعَ كلَّ طائفةٍ معبودَها الذي كانت تعبده في الحياة الدنيا، فتلحق كلّ طائفة معبودَها. ويبقى أهل الإِيمان ومَن تَظَاهر بمظهرهم، وهم المنافقون. فيتجلّى الله عز وجل للمؤمنين بغير ما يَعرفون عنه من صفاتِ الجلال والكمال والرحمة، فَيَستعيذون بالله منه ! . ثم يتجلّى لهم بالصفات التي يعلمونها عن الله، فيقولون: نعم أنت ربُّنا. وموقفٌ آخَر من مواقف الآخرة، هو عالم الصراط. والصراطُ مما يجبُ الإِيمان به، ووردتْ في السنة بعضُ تفاصيله، فمنها: أنه على ظهر جهنم، أي: إنه ممدودٌ فوقها، فأوَّلُه في أرض المحشر، وآخره على باب الجنة، يجوزُ عليه الناسُ جميعاً، وعلى حافَتَّه كلاليبُ من نار تَخْطَفُ الناسَ بأعمالهم. ولكلِّ عملٍ من الأعمال موقفُ عليه، يسمى قَنْطَرة، فيما قيل. قال القرطبي في ((تَذْكِرته)) ص ٣٨١ تحت ((باب كيف الجواز على الصراط ... )): ((ُرُوي عن بعض أهل العلم أنه قال: لن يجوزَ أحدٌ الصراطَ حتى يُسأل في سبع قناطر، فأما القنطرةُ الأولى: فيسألُ عن الإِيمان بالله، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فإنْ جاء بها مخلصاً - والإِخلاص قول وعمل - جاز، ثم يُسأل على القنطرة الثانية عن الصلاة، فإن جاء بها تامةً جاز، ثم يُسأل على القنطرة الثالثة عن صوم شهر رمضان، فإن جاء به تاماً جاز، ثم يسأل على القنطرة الرابعة عن الزكاة، ٣٥٧ فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورةٍ غيرِ صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: نعوذُ بالله منك، هذا مكانُنا حتى يأتينا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنا عَرَفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: أنت ربُّنا، فيتبعونه. ويُضْرَب الصراطُ بين ظَهْرَي جهنمَ، فأكونُ أنا وأمتي أولَ مَنْ نُجيزُ، ولا يتكلَّمُ يومئذٍ إلا الرسُلُ، ودعوى الرسُلِ يومئذ: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ. فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل في الخامسة عن الحج والعمرة، فإن جاء بهما تامتين جاز، ثم يسأل في القنطرة السادسة عن الغسل والوضوء، فإن جاء بهما تأمّيْن جاز، ثم يسأل في السابعة - وليس في القناطر أصعبُ منها - فُيُسألُ عن ظُلامات الناس)). وللصراط هولٌ وَفَزَعْ، فكلٍّ من الناس غارقٌ في همِّه، وهمُّه معرفةُ مآله: سقوطُ وجَنْدَلةً في جهنم، وكَلَالِيُها تنتظره، أو نجاة وسلامة إلى آخره عند باب الجنة؟؟. ومن شدَّة الكرب الآخِذِ بحناجر الناس أن أحداً منهم لا يَتكلَّم، وكلُّ واحدٍ منا يُدرك هذه الحال،َ إذا أَخَذَ منه الكرب مأخذاً شديداً كره الكلامَ منه أو معه! عافانا الله . فقال ◌َله: ((ولا يَتَكلَّم يومئذٍ إلا الرسُل، ودعوى الرسلِ يومئذٍ: اللهم سلِّمْ سلُمْ)) فهم على عظيم مقامهم لا يتكلمون بشيء إلا بالدعاء بالسلامة والنجاة. لكنْ لصاحب المقام المحمود والشفاعة العظمى ﴿ أُوَّلِيَّاتُ وخصائصُ، منها: أنه أولُ من يَجوزُ على الصراط، ومعه أمته؛ يجوز بها الصراط، وهي أمةُ الإِجابة، أي: كلّ من استجاب لدعوة الإِسلام، سواءٌ أكان صالحاً أم غير ذلك، فإذا مشى ◌َ﴿ على الصراط ومشتْ أمتُه وراءَه، وقع منهم من قُدِّر عليه الوقوع، ونجا من نجا. ويكون هو ◌َّ أولَ واقفٍ على باب الجنة يَسْتَفتح لأمته وللناس من بعدهم ليدخلوها. رَوَى مسلم في ((صحيحه)) ٣: ٧٣ عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ وَ﴾: ((أنا أكثرُ الأنبياءِ تَبَعاً يوم القيامة، وأنا أولُ من يَقْرعُ باب الجنة)). ٣٥٨ وفي جهنم كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوكِ السَّعْدان، هل رأيتم شوكَ السَّعْدان؟)» قالوا: نعم يا رسول الله، قال: ((فإنها مِثْلُ شوك السَّعْدان، غير أنه لا يعلمُ ما قَدْرُ عِظَمِها إلا الله، تَخطَفُ الناسَ بأعمالهم، فمنهم المؤمنُ بقيَ بِعَمَلِه، ومنهم المُجَازَى حتى يُنَجِّى. ثم رَوَى بعده عن أنس أيضاً: ((آتِي بابِ الجنةِ فَأَسْتَفْتح، فيقولُ الخازنُ: مَن أنت؟ فأقول: محمد، فيقولُ: بك أُمِرِتُ لا أَفتحُ لأحدٍ قبلك)) ﴿ تسليماً كثيراً. وقَرَّب النبي ﴿ لأفهام الصحابة كلاليبَ النار، فشبّهها لهم بشوكٍ معروفٍ عندهم فقال: ((وفي جهنم كلاليبُ، مِثلُ شوكِ السعدان .. ، غير أنه لا يَعلَم ما قَدْرُ عِظَمِها إلا الله))، ووظيفتُها أنها ((تخطّف الناسَ بأعمالهم)) السيئةِ فَتُوقِعُهم في نار جهنم، فإذا طهَّرتْهم النارُ من معاصيهم، وطابوا من خَبَثها، أَخْرِجوا منها، لِيُتموا مسيرتهم على الصراط. وهذه الكلاليب هي الشهوات التي ذكرها النبي عليه بقوله: ((حُفَّتِ الجنة بالمكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات)) رواه مسلم عن أنس وأبي هريرة. نقله في ((الفتح)) ١١: ٤٥٣ عن ابن العربي المالكي. فليحذرِ المسلم من الانزلاق وراءَ الشهوات، فإن كلاليب النار له بالمرصاد !!. نسأل الله العافية. ثم يأذنُ الرحمنُ الرحيمُ لملائكته أن يُخْرِجوا من النار مَن كان لا يُشرِكُ بالله شيئاً، فيخرجونهم منها، وذَكَر في الحديث أن الملائكة تعرف هؤلاء - من بين أهل النار - بآثار السجود، وأن الله تعالى حرَّم على النار أن تأكل أَثَرَ السجود، أي: أن تُحرِقه. وقد يُسْتَشكّل: كيف أن الملائكة تَعرف هؤلاء بآثار السجود مع أنهم الطائفة التي ليس عندها شيءٌ من الخير إلا قَدْرُ الإِيمان المنجي من الخلود في النار، دون أيِّ عملٍ آخر، لا صلاة، ولا زكاة، ولا صيام .. ؟(١). ١ - هذا ما ظهر لي، وظاهر كلام ابن حجر في ((الفتح)) ١١: ٤٥٦ أن عندهم شيئاً من عمل الخير، لذلك تأوَّلتُ في الجواب المذكورِ قولَه ((أَثَرَ السجود)» بـ: موضع السجود، لأنهم لم يسجدوا فعلاً. وبنحوه قال الكرماني في ((شرحه)) ٢٥: ١٤٣. أما الحافظ رحمه الله فقال هناك: ((هل المرادُ بأثر السجود نفسُ العضو الذي يَسجد، أو المراد: مَنْ سَجَد؟ فيه نظر، والثاني أظهر)» . = ٣٥٩ حتى إذا فَرَغَ الله من القضاءِ بين العباد، وأراد أن يُخْرِجَ برحمته من أراد من أهل النار: أمرَ الملائكةَ أن يُخْرِجوا مِن النار مَن كان لا يُشْركُ بالله شيئاً، ممن أراد الله أن يَرحمَه ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكُلُ النارُ من ابن آدم إلا أثَّرّ السجودِ، حرَّم الله على النار أن تَأْكُلُ أَثَرَ السجود. فُيُخْرَجون من النار قد امتُحِشُوا، فُيُصَبُّ عليهم ماءُ الحياةِ، فينبتُون منه كما تَنْبُتُ الحِبَّة في حَمِيلِ السَّيْل. ثم يَفْرُغُ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجلٌ مقبلٌ بوجهه على النار، وهو آخر أهل الجنةِ دخولاً الجنةَ فيقول: أيْ ربِّ اصرِفْ وجهي عن النار، فإنه قد قَشَبَنِي ريحُها، وأُحْرَقني ذَكاؤها. فيدعُو اللهَ ما شاء الله أن يَدْعُوَه . والجواب: المعنى: أن الله حرم على النار أن تأكل موضع السجود، وهي الأعضاء السبعة التي بها يحصل السجود، وقيل: الجبهة منها فقط. فالله تعالى يحفظ موضعَ السجود من أكل النار إياه، لكرامةِ السجود وعظيمٍ فضله، لذلك بَوَّب البخاري: باب فضل السجود، وأورد الحديث تحته. وهذه الطائفة هي المذكورة في الحديث الآتي برقم ٩٥ أنهم ليس في قلبهم إلا مثقالُ حبة من خردل من إيمان، ثم يُكْرمهم الله بالإِلقاء في نَهَر الحياة، فينبتُون منه كما تنبت الحِبَّة في حَميل السيل، وجاء في حديث أبي سعيد عند مسلم ٣: ٣٢ أنهم ((لم يعملوا خيراً قط)). ثم يقصُّ علينا رسول الله ﴿ قصةَ رجلٍ - لعله أحد المذكورين قبلُ - وهو آخر أهل الجنةِ دخولاً الجنةَ، وحالُه تمثِّل حالَّ النفس البشرية التي تطمح دائماً = أي: إن الله حرَّم على النار أن تأكلَ منهم الأعضاء التي سَجَدَت له، فهي باقية على حالها، لذلك عُرِفوا بها. وأقول: إن الذين يُلقَون في نهر الحياة قومٌ ((لم يَعملوا خيراً قطُ)) كما في حديث أبي سعيد عند مسلم ٣: ٣٢. ٣٦٠ ثم يقول الله تبارك وتعالى: هل عَسَيتَ إن فعلتُ ذلك بك أن تسألَ غيرَه؟ فيقول: لا أسألك غيره، ويُعطي ربَّه من عهودٍ ومواثيقَ ما شاء الله. فيصرِفُ الله وجهه عن النار. فإذا أقبل على الجنة ورآها، سكتَ ما شاء الله أن يَسكُتَ، ثم يقولُ: أيْ ربِّ، قَدَّمْني إلى باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت عُهودَك ومواثيقَكَ: لا تَسألُني غيرَ الذي أُعطيتُك؟ ويلك يا ابنَ آدمَ ما ٥٤ أَغْدَرَك ! . فيقولُ: أيْ ربِّ، ويَدْعُو الله، حتى يقولَ له: فهل عَسَيتَ إِنْ أعطيتك ذلك أن تسألَ غيره؟ فيقول: لا، وعزَّتِك. فيُعْطي ربَّه ما شاء الله من عهود ومواثيق، فيقدِّمه إلى باب الجنة. إلى حالٍ أحسنَ من الحال التي هي عليها، فإذا بلغتْ ما تَصْبُو إليه، طَمَحَتْ إلى أعلی، ثم، وثم، وهكذا. وهي حالٌ محمودة ما دام هذا الطموحُ في الخير، أما في أمور الدنيا ونحوها - بَلْهَ الشرَّ والمعاصي - فلا ينبغي الاسترسال معه. قال سيدنا رسول الله وَله: ((انظُرُوا إلى من هو أسفلَ منكم، ولا تنظُروا إلى من هو فوقَكم، فهو أجدرُ أن لا تَزْدروا نعمة الله عليكم)) رواه مسلم ١٨ : ٩٧، وبنحوه رواه البخاري ١١: ٣٢٢ (٦٤٩٠) كلاهما عن أبي هريرة. وروى الترمذيُّ ٧: ٢٠٠ (٢٥١٤) وحسَّنه: ((خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكراً صابراً، ومن لم تكونا فيه لم يَكْتُبه الله شاكراً ولا صابراً. من نَظَر في دينه إلى مَن هو فوقَه فاقتدى به، ونَظَر في دنياه إلى مَن هو دونه فحمد الله على ما فضِّله به عليه: كتبه اللهِ شاكراً صابراً، ومَن نَظَر في دينه إلى من هو دونه، ونَظَر في دنياه إلى مَن هو فوقَه فَأْسِفَ على ما فاته منه: لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً)). وكأنه حسَّنه لشاهده الذي الذي ذكرتُه من الصحيحين، فإنه ساق لفظ مسلم عَقِبَه. تكرِّر من هذا الإِنسان هذا التطلُّعِ والطَّموح ثلاثَ مرات، وهو في كلِّ مرة يدعوه ويَرجُوه، ويشكُو إليه ضُرَّه، ويسألُه خيره، ويَعدُ ويُوثَّق عهده بالأيمان، ثم