النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ وربما قال: أصبْتُ - فاغفِرْ لي، فقال ربُّه: أَعَلِمَ عبدي أن له رباً يَغْفِرُ الذنبَ ويأخُذُ به؟ غفرتُ لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنباً - أو: أذنب ذنباً - فقال: ربِّ أَذْنبتُ - أو: أَصَبْتُ - آخَرَ فاغفِرْه، فقال: أَعَلِمَ عبدي أن له رباً يَغْفِرُ الذنبَ ويأخُذُ به؟ غَفَرَتُ لعبدي . ثم مكثَ ما شاء الله، ثم أذنَبَ ذنباً - وربما قال: أصاب ذنباً - فقال: ربِّ أصبتُ - أو قال: أذنبتُ - آخَرَ فاغفِرْه، فقال: أُعَلِمَ عبدي في الذنب عاد إلى التوبة، لا مَن قال: أستغفر الله، بلسانه، وقلبُه مُصِرَّ على تلك المعصية، فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى استغفار)). وفي قبول الله تعالى توبةَ العبد مع تكرّر عَوْده إلى الذنب إشكالٌ، وضَّحه القرطبي نفسُه وأجاب عنه، وهذا كلامه، كما في ((الفتح)): ((قال القرطبي: وفائدةٌ هذا الحديث أن العَوْدَ إلى الذنب وإن كان أقبحَ من ابتدائه لأنه انضاف إلى ملابسة الذنب نقضَ التوبة، لكن العَوْد إلى التوبة أحسنُ من ابتدائها، لأنه انضاف إليها ملازمةُ الطلب من الكريم، والإلحاحُ في سؤاله، والاعترافُ بأنه لا غافِرَ للذنب سواه)» . فالإِشكالُ: نقضُ التوبة، فكيف تُقْبل توبةُ ناقضِ العهدِ مع ربه؟. والجواب: تكرّر العَوْدِ إلى الله وسؤالِه المغفرة، والشعورُ من المذنب أنه عبدٌ خطَّاء، له ربُّ محاسِب مؤاخذ له بالذنب. وهذا الشعور: من مَحْض الإِيمان، لذلك كرَّر الله عز وجل قولَه في الحديث: ((أَعَلِمَ عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخُذ به؟)) وكان جزاؤه: ((غفرت لعبدي». = وهكذا. وقد يدخل الشيطان على قلب الإنسان من هذا الطريق، فعلى التائب مراجعة كلام الإِمام الغزالي في كتاب التوبة من ((الإِحياء)) فإنه نفيس. ٣٢٢ أن له رباً يغفر الذنب ويأخُذُ به؟ غفرتُ لعبدي - ثلاثاً - فليعْمِلْ ما شاء)). وهذا المعنى نفسُه موجود في الدعاء، فالداعي يعترف أنه عبد، وأن له رباً يدعوه، فلذلك سمَّى النبيُّ بَ له الدعاءَ عبادة بقوله ((الدعاء هو العبادة))(١) وفي رواية ((الدعاء مخُّ العبادة))(١). وقال تعالى: ﴿وقال ربُّكُمُ: ادْعُونِي أَسْتجِبْ لكم، إن الذين يَسْتَكَبِرون عن عِبادتي سَيَدْخُلُون جَهَنَّمَ داخِرِين﴾. والمعنى: إن الذين يستكبرون عن دعائي سَيَدْخلون جهنم صاغرين. وأما قوله آخِر الحديث: ((فليعملْ ما شاء)»: فليس من باب إباحة المحرَّمات، إنما هو مشروط باستمراره على الحال التي هو فيها، وهي التوبة بعد الوقوع في الذنب، قال الإِمام النووي رحمه الله: ((معناه: ما دمتَ تُذنبُ ثم تتوبُ غفرتُ لك)». وقال قبل سطر: ((لو تكرَّر الذنبُ مائةَ مرة، أو ألفَ مرة، أو أكثر، وتاب في كلِّ مرةٍ، قُبِلتْ توبتُه وسَقَطتْ ذنوبه، ولو تاب عن الجميع توبةٌ واحدة صحت توبته)» . قلت: ولا تنسَ أن التوبة التي تصحُّ وتُسْقِطُ الذنوب هي التوبة المستوفيةُ للشروط: الإِقلاع عن الذنب في الحال، والندم على ما فات في الماضي، والعزم على عدم العودة إليه في المستقبل، قال الحافظ ابن رجب في ((جامع العلوم والحكم)) ص ٣٤٥ في شرح هذه الجملة: ((والمعنى: ما دام على هذا الحال: كلما أذنب استغفر. والظاهر أن مراده الاستغفارُ المَقْرونُ بعدم الإصرار ... وأما الاستغفار باللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاءٌ مجرَّد، إن شاء الله أجابه، وإن شاء ردَّه، وقد يكون الإصرار مانعاً من الإِجابة .. )). فإن استوفتِ الشروطَ أسقطَتِ الذنوب، فإن عاد إلى الذنب وأَتْبَعَه بتوبة ثانية كهذه قبلتْ منه، وهكذا. والله غفور رحيم، وعليم بذات الصدور. ١ - رواهما الترمذي ٩: ٩٢ وقال عن الأول: حسن صحيح، أما الثاني: ففيه ابن لهيعة وهو ضعيف. وسبق منه رواية الأول في ٨: ١٦٣ . ٣٢٣ ٨٢ - عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي وصلقر فيما يروي عن ربه عزَّ وجلَّ قال: ((قال: إن الله كتب الحسناتِ والسيئاتِ، ثم بَيِّن ذلك: فمن هَمَّ بحسنة فلم يَعْمَلْها ٨٢ - تخريجه: رواه البخاري في الرِّقاق - باب من هم بحسنة أو سيئة ١١: ٣٢٣ (٦٤٩١)، وغيره، ورواه مسلم بألفاظ كثيرة في كتاب الإِيمان - باب إذا همَّ العبد بحسنة كتبت ١: ١١٧ - ١١٨ (٢٠٣ - ٢٠٥)، و((شرح النووي ٢: ١٤٧)). معناه: في هذا الحديث الشريف لونٌ آخَر من ألوان الفضل الإِلّهي على العباد، فيه بيانُ إكرام الله وعطائه الجزيل لمن أحسن، وتجاوزه عن بعض حالات المسيء، وفيه بيان عِظَم أجرِ الخوف من الله تعالى، وذلك في قوله في الرواية الأخرى التي عند البخاري في كتاب التوحيد ١٣ : ٤٦٥ (٧٥٠١) عن أبي هريرة: (وإنْ تركها - أي السيئةَ - من أجلي فاكتبوها له حسنة)). وقد صُدِّرتْ احتمالاتُ عَمَلِ العبد هنا بـ ((هَمَّ)، وصُدِّرت في رواية أبي هريرة المشار إليها عند البخاري بـ: ((أراد)). وهذا هو دليلُ الراغب الأصفهاني رحمه الله في جَعْلِه الإرادة هي الهَمَّة، وذلك في كتابه ((الذریعة)» حیث قال فيه ص ٤٦: ((أولُ ما يَعرِضُ: السانح، ثم الخاطر، .. ، ثم الإِرادة، ثم العزم، ثم العمل. فالسانحُ عِلَّةُ الخاطر، والخاطرُ علَّةُ الإِرادة، والإِرادة وهي الهَمَّة علةُ العزم، فالسانح والخاطر يعبّر عنهما بالهاجس، والهاجس مُتَجاوَز عنه ما لمَ يَصِرْ إرادة وعزماً». فالمراحل عنده خمسة، والإِرادةُ والهمةُ شيء واحد، لكن نقل عنه العلامة ابن عابدين في ((حاشيته)) الشهيرة ٢: ١٥٨ أن المراحل سبعة: ((السانح، ثم الخاطر، ثم الفكر، ثم الإِرادة، ثم الهمَّة، ثم العزم)) أي: ثم العَمّل المذكور في كلامه السابق. ٣٢٤ ونقل العلامة الفقيه ابن حجر المكي في ((شرحه على الأربعين النووية)) ص ٢٦٦ عن ((الأجوبة الحلبيات)) للإِمام تقي الدين السُّبْكي رحمهما الله تعالى أن مراحل العمل لشيءٍ ما ستةٌ: الهاجس، الخاطر، حديث النّفْس، الهَمُّ، العزم، الفعل . وقد قال الراغب في ((مفرداته)) عن الإِرادة هي منقولة من: راد يرود، إذا سَعَى في طلب شيء، والإِرادة في الأصل: قوّة مركبة من: شهوة، وحاجة، وأمل، وجُعل اسماً لنزوع النفس إلى الشيء مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يُفْعل أو لا يفعل .. )) إلى آخر كلامه . وقد رأيت للشيخ للإِمام ابن تيمية رحمه الله كلاماً نفيساً مسهباً عن الإِرادة والهمِّ المذكورين في هذا الحديث، في ((مجموع فتاويه)) ١٠: ٧٢٠ - ٧٦٩، أكَّد فيه أن الإِرادة المرادة هنا هي الإِرادة الجازمة مع القدرة التامة على الفعل، فإذا لم يقع الفعل مع القدرة التامة عليه، دلَّ على أن الإِرادة غير جازمة . ونقل ص ٧٤٠ عن الإِمام أحمد قوله: ((الهمُّ همَّان: هُمُّ خَطَرَات، وهمُّ إصرار، فهمُّ الخَطَرات يكون من القادر، فإنه لو كان همُّه إصراراً جازماً وهو قادر لوقع الفعل)). ووُجِد هذا المعنى في كلام المتأخرين عن الإِمام أحمد، ففي ((شرح مسلم)) للنووي ٢: ١٥١ عن القاضي عياض: (( .. فأما الهمُّ الذي لا يُكتب: فهي الخواطر التي لا تُوَطَّن النفس عليها، ولا يصحبُها عقد ولا نيَّة وعزم)). ثم إن حديث ابن عباس هذا يستفاد منه حكمُ أربعة احتمالات، ويُضَمُّ إليها احتمال خامس من حديث أبي هريرة الذي تقدمت الإِشارة إليه، وها هي ذي : ١ - من همَّ بحسنة فلم يعملها. ٢ - ومن همَّ بحسنة فعملها. ٣ - ومن همَّ بسيئة فلم يعملها خوفاً من الله. ٤ - ومن همَّ بسيئة فلم يعملها لعدم توافر أسبابها . ٥ - ومن همَّ بسيئة فعملها. ٣٢٥ كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، ١ - أما الهمُّ: فتقدَّم، وأما عدمُ عمله للحسنة فينبغي أن يكون لعائق عَرَض له، أو أن العارض قائم من قبلُ، كأن ينويَ فعل الخيرات والمَبَرَّات، لكنه لا يملك مالاً، فهذا الذي له الحسنةُ كاملةً. أما إذا همَّ بها ثم فَتَرت همته فلم يعملها: فلا شيء له. ويدلُّ للوجه الأول - صاحبُ الحسنةِ الكاملةِ - حديث الترمذي ٧: ٨١ (٢٣٢٦) - وقال: حسن صحيح - عن أبي كَبْشَة الأنْماري رضي الله عنه، عن النبي ◌َّل: (( .. إنما الدنيا لأربعة نَفَر: عبدٍ رَزَقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقيِّ فيه ربَّه ويَصِل فيه رَحِمِهِ، ويَعلمُ لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رَزَقَه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنَّته، ... فَأَجْرُهما سواء، وعبدٍ رزقه الله مالاً ولم يرزقْه علماً، فهو يَخْبط في ماله بغير علم، لا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يَصِلُ فيه رحمه، ولا يعلَم لله فيه حقاً، فهذا بأخبثٍ المنازل، وعبدٍ لم يرزقْه الله مالاً ولا علماً فهو يقولُ: لو أن لي مالاً لعملتُ فيه بعملِ فلان، فهو بنيّته، فوزْرُهما سواء)». وللإمام النووي رحمه الله تعالى تنبيهً دقيقٌ لقوله ((كتبها الله عنده) و((حسنة كاملة))، فقال عَقِب ذكرِه الحديثَ في ((أربعينه)) - وهو الحديث السابع والثلاثون فيها -: ((فانظر - يا أخي وفّقنا الله وإياك - إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمَّلْ هذه الألفاظ، وقوله ((عنده)): إشارة إلى الاعتناء بها، وقوله ((كاملة)) للتأكيد وشدَّة الاعتناء بها. وقال في السيئة التي همَّ بها ثم تركها ((كتبها الله عنده حسنةً كاملة)) فأكَّدها بـ ((كاملة))، وإنْ عملها كتبها سيئةً واحدة، فأكَّد تقليلَها بواحدة ولم يؤكِّدها بكاملة)). وقولُه («كتبها الله عنده)): أي أمر الملائكة بكتابة ذلك، كما جاء في رواية أبي هريرة عند البخاري في كتاب التوحيد - وتقدمت الإشارة إليها -: ((يقول الله: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعمَلَها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها .. )). فهذه الرواية تبيّن من يُباشِر الكتابة، تُسْنِد الكتابة إلى الله تعالى باعتبار أنه الآمر بها. وهذا له نظائر كثيرة في الكتاب والسنة. ٣٢٦ فإنْ هو همَّ بها فَعَمِلها كتبها الله له عنده عَشْرَ حسناتٍ ، إلى سبعمائةٍ ضِعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرة. ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، ٢ - ((فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة)). وهذه الزيادة ((إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة)) مفسِّرة لرواية ابن ماجه ١: ١٢٥٥ عن أبي ذر: ((يقول الله: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأَزِيدُ)). فهذه زيادة مطلقة، أما حديث الباب فزيادته مقيّدة محددة. وللحافظ احتمال آخر قاله في ((الفتح)) ١١: ٣٢٦، فإنه ذكر حديث أبي ذر (١) وقال: ((هذا يدلُّ على أن تضعيفَ حسنةِ العمل إلى عشرٍ: مجزومٌ به، وما زاد عليها جائزٌ وقوعه بحسب الزيادة في الإِخلاصِ وصدقِ العزم، وحضورِ القلب، وتَعَدِّي النفع: كالصدقة الجارية، والعلم النافع، والسنة الحسنة، وشَرَف العمل ونحو ذلك)» . وعلى كل حالٍ فإنه مَزيدُ فضلٍ إلَهيِّ يَحمِلُ المسلم العاقل على الازدياد من فعل الخيرات، وتمحيص النيات لله عز وجل. ٣ - ((ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملة)). فهذا فضلٌ من الله جسيم، إذ يُثيب على تركِ السيئةِ والإِعراضِ عن الأذى والكفِّ عن الشر. ففي الصحيحين: البخاري ١٠ : ٤٤٧ ومسلم ٩: ٩٤ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ◌َّ﴿ قال: ((على كلُّ مسلمٍ صدقةٌ)) قيل: أرأيتَ إنْ لم يجدْ ... قال: ((يُمسِكُ عن الشر فإنه له صدقةً)). ذلك لأن تركَ الشيءِ ناشىءٌ عن ميلٍ قلبيّ إلى تَرْكه والإِعراض عنه، وهذا الميلُ القلبي عملٌ، فلذلك قرَّر الشرعُ له جزاءً: مثوبةً أو عقاباً. ١ - وعزاه إلى مسلم، حسبما يبدو من سياق كلامه، ولم أره فيه، إنما هو في ابن ماجه ٢ : ١٢٥٥. ٣٢٧ وتقدَّم في كلام الإمام النووي رحمه الله أنه أكَّد الحسنة بقولهِ ((كاملة)) لئلا يَظُنَّ ظانٌّ أن أجر تركِ السيئة دون أجر من لم يتمكّن من فعل الحسنة بعد أنْ همَّ بها . وقد جاء في رواية البخاري المشار إليها قبل، في كتاب التوحيد ١٣ : ٤٦٥ : (( .. وإنْ تَرَكها - أي السيئة - من أجلي فاكتبوها له حسنة)). وجاء مثل هذا القيد في رواية مسلم ٢: ١٤٨: ((وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تَرَكها من جَرَّايَ)) أي: من أجلي. فدلَّ على أن عدم عمل السيئة قد يكون خوفاً من الله ومن أجله، وقد يكون لغير ذلك، لعائقٍ دنيوي، أو لسُمعة، أو لفقر ... فبَيَّنت الرواية السابقة حكمَ من تركَ السيئةَ خوفاً من الله عز وجل، وسكتتْ عن الاحتمال الثاني فما حكمه؟. حاصل ما في ((شرح مسلم)) للنووي ٢: ١٥١ أن من عزم على المعصية بقلبه ووطّن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه، ويُكتبُ عليه سيئةً، لكنْ دون سيئةٍ مَن فعل ونفَّذ، وهذا قولُ عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين، وعلَّق على هذا الإِمام النووي بقوله: ((قد تَظَاهرتْ نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزْم القلب المستقرُّ، ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿إنّ الذين يُحبُّون أن تَشِيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا لهم عذاب أليم﴾ وقولُه تعالى ﴿اجْتَنِبُوا كثيراً من الظنِّ إن بعضَ الظنِّ إِثْم﴾ والآياتُ في هذا كثيرة، وقد تظاهرتْ نصوصُ الشرع وإجماع العلماء على تحريم الحسد واحتقار المسلمين وإرادة المكروه بهم وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها. والله أعلم)) . وقال ١٨: ١٢ في شرح حديث: ((إذا التقى المسلمان بسيفَيْهما .. )): ((قولُه وَسّ: إنه أراد قَتْلَ صاحبه: فيه دلالةٌ للمذهب الصحيح الذي عليه الجمهور: أن من نَوَى المعصية وأصرَّ علَى النية يكون آئِماً وإنْ لم يفعْلها ولا تكلّمَ)). ونحو هذا في ((الفتح)) ١١: ٣٢٦ - ٣٢٧ وذكر هذا الحديثَ وقال: ((والذي ٣٢٨ فإن هو همَّ بها فَعَمِلها كتبها الله له سيئةً واحدة)). يظهر أنه يُعاقب على عَزْمه بمقدار ما يستحقُّه، ولا يُعاقَبُ عقابَ مَنْ باشر القتل حساً)). ٤ - ((فإنْ هو همَّ بها فَعَمِلَها كتبها الله له سيئة واحدة)). فأكَّد السيئةَ بقوله ((واحدة)) ولم يؤكِّدها بقوله: كاملة، تقليلاً لها، كما تقدَّم في كلام الإمام النووي. وهي تُكتبُ عليه سيئةَ العملِ السَّيِّءِ الذي عمله، تمييزاً لها عن سيئة الهمِّ دون العمل، كما تقدم قبل أسطر، ومع ذلك فإنها سيئةً تحت مشيئة المغفرة. فقد ساق مسلم عقبَ روايته الحديث الذي نشرحه روايةٌ أخرى له فيها زيادة في آخر الحديث. ولفظه: ((وزاد: أو مَحَاها الله، ولا يَهْلِكُ على الله إلا هالك)). فهذه السيئةُ الواحدة التي تُكتب عليه بعد كلِّ هذه الإِفضالات: قد يَمْحوها الله تعالى عنه، قال في ((الفتح)): ((والمعنى: أن الله يمحوها بالفضل أو بالتوبة، أو بالاستغفار، أو بعمل الحسنة التي تكفِّر السيئة». وأما قولُه ((ولا يَهْلِكُ على الله إلا هالكٌ)) فمعناه: لا يَهْلِك مع فضل الله إلا هالك، فـ ((على)) بمعنى: مع، وفيه مضافٌ محذوفٌ تقديره: فضل. كما أفاده المَدَابِغيُّ في حاشيته على ((الفتح المبين)) لابن حجر المكي ص ٢٦٧ . وفي ((شرح النووي على مسلم)) ٢: ١٥٢: ((قال القاضي عياض رحمه الله: معناه: من حُتُّم هلاكُه وسُدَّت عليه أبوابُ الهدى مع سعة رحمة الله تعالى وكرمه وجَعْلِه السيئةَ حسنةً إذا لم يَعمِلْها، وإذا عَمِلها: واحدةً، والحسنةَ إذا لم يعملُها واحدةً، وإذا عملها عشراً إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فمن حُرِم هذه السعةَ وفاتَه هذا الفضلُ وكَثُرَتْ سيئاتُه حتى غَلَبت - مع أنها أفرادٌ - حَسَناتِه مع أنها متضاعِفةٌ: فهو الهالك المحروم. والله أعلم)). فمع كل هذا التجاوز الإِلّهي من هذا الجانب، ومع كل هذا الإِفضال الرباني من هذا الجانب، ويبقى واحد من العباد هالكاً! إنه لعبدٌ شَرود جداً، لم يدخِّر لنفسه عند ربِّه خبيئةً خير. عافانا الله. ٣٢٩ ٨٣ - عن جُنْدُب بن عبدالله البَجَليِّ رضي الله عنه، أن رسول الله حدَّث أن رجلاً قال: ((والله لا يَغْفِرُ الله لفلان، وإن الله تعالى قال: ٨٣ - تخريجه: رواه مسلم كتاب البر والصلة - باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى ٤: ٢٠٢٣ (١٠٣٧) وشرح النووي ١٦ : ١٧٥. ورواه أبو داود بلفظ أطولَ في كتاب الأدب - باب في النهي عن البغي ٥: ٢٠٧ (٤٩٠١)، وسيأتي لفظه في الشرح. غريبه: يتألَّى: يَحِلِف ويُقْسِمِ. تَأَلَّى، يَتَأَلَّى، تَأَلَّياً: حَلَف يحلِفِ حَلِفاً. أحبط عمله: أَفْسَدَه وأبطله، فلا يُقْبل. معناه: من صفات الله عز وجل أنه يَعفُو ويغفِر، ومن أسمائه الحسنى: العفوُ الغفُور، وهو يحبُّ أن يعفو عن عباده، ولا يحبُّ من عبد من عباده أن يحجّر ويضيِّق دائرة العفو والمغفرة الإلهية، فيُدخِلَ فلاناً فيها، ويخرجَ فلاناً منها، فإنه سبحانه غفور، وفعَّال لما يريد، يغفِر لمن يشاء ويعذب من يشاء، بمقتضى علمه وحكمته. ولا يحبُّ الله سبحانه أن يُقنِّط إنسانٌ إنساناً من سَعَة مغفرته، بل على الناصح والمذكِّر والداعية إلى الله أن يوسِّع الآمال بالله: بمغفرته ورحمته وعفوه، كي يُقْبِل الناس على الله، وقد قال ﴿ ﴿ لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما لما بعثهما إلى اليمن: ((بشِّرا ولا تُنفِّرا، ويسِّرا ولا تعسِّرا)) كما في البخاري ١٠ : ٥٢٤. بل إن الله تعالى يكره القنوطَ من رحمته ويحرِّمه، وخصّ القنوط بالكافرين فقال تعالى: ﴿ إنه لا يَيّْأْسُ من رَوَحِ الله إلا القوم الكافرون﴾. ويكون تحجير مغفرة الله أشدَّ قبحاً عند الله إذا صَدَر من مُتَعالٍ مُعْجَب بعمله الصالح - في ظاهره - كما جاءت رواية أبي داود المشار إليها في التخريج موضّحة لهذا المعنى ومفسِّرة متممة لحديث الباب الذي نشرحه، ولفظها: ٣٣٠ مَنْ ذا الذي يَتَلَّى عليّ أنْ لا أُغفِرِ لفلان؟! فإني قد غَفَرْتُ لفلان، وأُحْبَطتُ عملك)). أو كما قال. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَله يقول: كان رجلان في بني إسرائيل مُتَوَاخِيَيْن، فكان أحدُهما يُذْنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزالُ المجتهدُ يَرَى الآخَرَ على الذنب، فيقول: أَقْصِرْ. فوجَده يوماً على ذنب، فقال له: أَقْصِرَّ، فقال: خلِّني وربِّي، أبُعِثْتَ عليَّ رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك. أو: لا يُدخلِك الله الجنة. فَقَبَضَ أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنتَ بي عالماً؟ أو كنتَ على ما في يدي قادراً؟. وقال للمذنب: ((اذهبْ فادخُل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار)). قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لَتَكَلَّم بكلمة أَوْبَقَتْ دنياه وآخرته. فقولُ المذنب ((خلِّني وربي)): كلمةُ طامعٍ برحمة ربه. وقول الآخر ((والله لا يغفر الله لك)): كلمةُ افتيات(١) على الله في ربوبيته وتصرُّفه في خلقه، ورجمٌ بالغيب. إذْ أن هذا المقصِّرَ مذنبٌ لكنه مسلِم، فأعمالُه كلُّها داخلة تحت مشيئة المغفرة: ﴿إن الله لا يغفِرِ أن يُشركَ به ويغفرُ ما دون ذلك لمن يشاء ﴾. لكنْ قد يَفْهَم بعض البسطاء أو الغافلين عن الله عز وجل من حديث أبي داود وقولِ الرجل المجتهد في العبادة ((أَقْصِر)) ومن جواب المقصِّر ((خلِّني وربي، أَبُعثتَ عليّ رقيبًا)) قد يفهم بعض الناس تعطيلَ مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن هذا المجتهد في العبادة لما أُمَر ونهى: كانت عاقبتُه إلى إحباطِ عملِه ودخوله النار ! . والجواب: أن إحباطَ عمله ليس ناشئاً عن أمره ونهيه، إنما حَبِط عملُه لتدخلُّه ١ - في ((النهاية)) ٣: ٤٧٧: ((يقال لكل من أحدث شيئاً في أمرِك دونَك: قد افتات عليك فيه)). ٣٣١ ٠٠ ٠ في شؤون الربوبية، وإن من شؤونها المغفرةَ لفلانٍ وعدمَها في حق آخر ... وهذا التدخّل لا يكون إلا من معجَب بنفسه، غرّه ما يظنّه عملاً صالحاً يعمله، ولا يجوزُ تعطيلُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنهما من أسهم الإِسلام وأركانه. ولهذا أخرج مسلم عَقِّبَه حديث: ((ربَّ أشعثَ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لُأَبَرَّه)) وحديثَ: ((إذا قال الرجل: هلك الناسُ، فهو أَهْلِكُهم)). عافانا الله. ٠ ٣٣٢ ٨٤ - عن صفوانَ بن مُحْرزٍ المازني أحدِ التابعين قال: بَيْنا ابنُ عمر رضي الله عنهما يَطوفُّ إِذْ عَرَض له رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن ٨٤ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب التفسير - تفسير سورة هود: باب: ﴿ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كَذَبوا على ربهم ... ﴾ ٨: ٣٥٣ (٤٦٨٥) وهذا لفظه. ورواه مسلم: كتاب التوبة - باب قبول توبة القاتل وإنْ كثر قَتْلُه ٤: ٢١٢٠ (٥٢). وشرح النووي ١٧ : ٨٦. غريبه: النَّجوى: المحادثة سرّاً. كَنَّفه: قال في ((الفتح)) ١٠: ٤٨٨: ((الكنف: الستر، وهو المراد هنا)). الأشهاد: جمع شاهد، مثل صاحب وأصحاب، كما قال الإِمام البخاريُّ نفسُه، فالمعنى: يقول الأشهاد الحاضرون وقد فَضَح الله أمامَهم الكافرين: هؤلاء الذين كَذَبوا على ربهم . . معناه: يُعاملُ الله تعالى الحكيمُ في أفعاله الناسَ يوم القيامة كلّ على حَسَبه، وعلى مقتضَى حكمته. ومن حيثُ الجملةُ تكون معاملتُه للكافرين - عموماً - بالفضيحة لهم والمحاسبة العَلَنية، ومعاملتُه للمؤمنين - من حيثُ الجملةُ أيضاً - بالسُّتر على مسيئهم، وبالإِكرام العَلَني لمحسنهم، كمن يُظِلُّهم تحت ظِلِّه، أو يُقیمُهم على منابر من نور. ويكفي للتفاوت الكبير بينهم: أن هؤلاء يُعْطَون كُتُبهم بأيمانهم، وهؤلاء بشمائلهم أو من وراء ظهورهم، وهذا يكون علناً للطائفتين. ومن مواقف سَتْر الله تعالى على العبد المؤمن العاصي: ما جاء في حديث النجوى، وهو الحديث الذي نحن فيه، وأما ذِكرُ الكافرين فيه وأن خطابهم يكون نداءً لا مُسَارَّة: فهو من باب: وبضدِّها تتميَّزُ الأشياء، فَلِيُظْهِرَ الله تعالى تمامَ فضله على الصنف الأول ذَكَر أن الكفرةَ يَفْضَحهم الله على رؤوس الخلائق ويُنادَوْن: ٣٣٣ هل سمعتَ النبيِّ نَّهِ فِي النَّجْوى؟ فقال: سمعتُ النبيِّ لَّ يقول: ((يُذْنَى المؤمنُ من ربِّه حتى يَضَعَ عليه كَنَّفَه، فَيُقَرِّرُه بذنوبِه: تَعْرفُ ذنبَ ﴿ هؤلاءِ الذين كَذَبوا على ربِّهم، ألا لعنةُ الله على الظالمين﴾. فهو نداءُ لعنة، لا نجوی سَتْر !. يُدني الله تعالى عبدَه المؤمنَ منه، ويُقرِّبُه إليه، لماذا؟ مع أن عالَم المسافاتِ لا وجود له بين الله ومخلوقاته! قال النووي رحمه الله: ((المرادُ بالدنُوِّ هنا دُنُوُّ كرامةٍ وإحسان، لا دُنُوُ مسافة، والله تعالى منزَّه عن المسافة وقُرْبها)). ونحوه عند ابن حجر ١٠ : ٤٨٨. وهذا الإِدناءُ علامةُ اطمئنان للعبد، أنه من أهل الكرامة والإِحسان، فلا خوفَ عليه. وما أعظمَ وَقْعَ هذه المقدَّمات المُطَمْئِنة للعبد في ذلك اليوم العسير !. وَيَضَعِ الله كنفَه على العبد. وكَنَفُ الشيء لغةً: ناحيتُه وجانبه وطَرَفُه، والله تعالى منزّه عن هذا المعنى اللغويِّ، لذلك قال العلماء بالمعنى اللغويِّ الآخرَ، وهو السَّتر، قال الحافظ في ((الفتح)) ١٠: ٤٨٨: كَنَفُه: ((أي: جانبُه، والكتف أيضاً السَّتر، وهو المراد هنا، والأولُ - الناحية - مجازٌّ في حق الله تعالى، كما يقال: فلان في كنف فلان، أي: في حمايته وكلاءته)). ويؤيد هذا المعنى روايةُ البخاري أيضاً ٥: ٩٦: ((إن الله يُدْني المؤمنَ فيضعُ عليه كَنَفَه ويستره)). وكذا روايةُ الطبراني التي ذكرها ابن حجر في ((الفتح)) ١٠ : ٤٨٨ أيضاً - وهي على شرطه من الصحة أو الحسن -: ((فيلتفتُ - أي العبد - يَمنَةٌ ويَسْرةُ فيقول: لا بأس عليك، إنك في سَتري، لا يطّلع على ذنوبك غيري)). ولعل أقدم من فسَّر الكنف بالسَّتر الإِمام عبدالله بن المبارك، ونقله عنه الإِمام البخاريُّ في ((خَلْق أفعال العباد)) (٢٤٨). ولذلك قال النووي: ((كَنَفُه: هو ستره وعفوه)) ولم يقل: المراد: ستره وعفوه، بل قال: هو .. ، وانظر لِزاماً ((لسان العرب)). وبعد هذا التفضُّل بالسَّتْر عليه يُقَرِّره الله تعالى بذنوبه: أَتَعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟، ولسان حالِ العبدِ یقول: ولكني أقولُ كما تقولُ وما قابلتُ عَتْبَك باعتذار ويحكُم بينا الخُلُقِ الجميلُ وأْرُقُ بابَ عفوك بانكسار ٣٣٤ كذا؟ يقول: أُعرف، يقول: ربِّ أعرفُ - مرتين -، فيقول: سَتَّرتُها في الدنيا، وأَغْفِرِها لك اليومَ، ثَم تُطْوَى صحيفةُ حسناتِه. وأما الآخِرَون ۔ أو الكفار۔: فَيُنادَى على رؤوس الأشهاد: ﴿ هؤلاء الذين كَذَبوا على ربِّهم، أَ لَعْنَةُ الله على الظالمين﴾. وحينئذ يُتُمُّ الله عز وجل تفضّلَه على العبد بقوله: سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم !. ثم تُطْوى صحيفةُ حسناتِه، ويُعْطَاها. ومن الواضح أن هذا السَّتر الأخروي إنما هو لمن سَتّر نَفْسَه فَسَتَره الله في الدنيا، أما مَن جاهر بالمعاصي والآثام في الدنيا: فليس له من هذا التفضَّل نصيب، إلا إذا تاب بعد ذلك وأناب. وليس لنا أن نحجِّر فضلَ الله الواسع. وقد روى البخاري رحمه الله حديث النجوى هذا في كتاب الأدب - باب ستر المؤمن على نفسه ١٠ : ٤٨٦ (٦٠٧٠) ويجدرُ التنبيه إلى أن روايته له جاءت بعد روايته حديثاً آخر، هو حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه، سمعتُ رسول الله ﴿ يقول: ((كلُّ. أمتي مُعَافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يَعملَ الرجل بالليل عملاً ثم يُصبح وقد سَتّره الله فيقول: يا فلانُ عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يَستُره ربُّه، ويُصبحُ یکشِف ستر الله عنه)». وهذا الترتيبُ منه رحمه الله بين الحديثين يفيدُ صراحةً ما قدَّمته: السَّتْر الأخروي لمن سَتر نفسه دون المجاهر. ونسأل الله السلامة من كل ما يُسخط الله تعالی . وأما قوله: ((وأما الآخَرون - أو الكفار -: فينادَى .. )): فإن كلمة ((الآخرون)) معناها: الصنف الآخَر، وهم الكفار، وفي رواية البخاري ٥: ٩٦: ((وأما الكافرون والمنافقون .. )). وحكى العينيُّ رحمه الله ١٥: ٢٢٧ ضبطاً آخَر لكلمةِ ((الآخَرون) فقال: ((بالمدِّ وفتح الخاء وكسرها، ويُرْوَى بالقصر والكِسر - (الآخِرون) -، فهم المُذْبرون المتأخِّرون عن الخير)). وفي ((المصباح)): ((الأخِر - وزانُ فَرِح - بمعنى المطرود المُبْعَد، يقال: أبعد الله تعالى الأخِر: أي: مَنْ غابَ عنا وبَعُد حكماً، وفي حديثٍ ماعزٍ: إن الأخِرِ زنى، يعني نفسَه، كأنه مطرود، ومدُّ همزته خطأ)). ٣٣٥ ٨٥ - عن عبدالله بن عَمْرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَّل: ((إن الله سيخلِّص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يومَ القيامة، فَيَنْشُرُ عليه تسعةً وتسعين سِجِّلاً، كلُّ سِجِلّ مِثلٌ مَدِّ البصرِ ثم يقولُ: أَتْنِكرُ من هذا شيئاً؟ أَظَلَمك كَتَبَتي الحافظون؟ ٨٥ - تخريجه: رواه الترمذي كتاب الإِيمان - باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله ٧: ٢٩٥ (٢٦٤١) = ٥: ٢٤ (٢٦٣٩) وقال: حسن غريب، وابن ماجه ٢: ١٤٣٧ (٤٣٠٠)، والحاكم ١: ٥٢٩ وصححه ووافقه الذهبي. غريبه: السِّجِلَّ: الكتاب الكبير. البطاقة: الورقة الصغيرة. طاشت السجلات: خفَّتْ السجلات مع كِبَرِها وثقلها. معناه: هذا حديثٌ عظيمُ الفضلِ، جليلُ الوَقْع، يسمَّى عند المحدثين ((حديث البطاقة)) وقد جَمَع طرقَه وألفاظَه بَعضُ المحدثين في جزء خاص. يحدِّثُنا رسول الله ﴿ عن مشهدٍ من مشاهد القيامة، وموقفٍ من مواقف الفضل الإِلّهي العظيم، وفيه بيانُ فضيلةٍ كلمة التوحيد. في هذا المشهد: يأتي الله عز وجل برجلٍ من هذه الأمة المحمدية، ويُظهره للناس جميعاً، لَيَظْهَر لهم فضلُ الله وكرمُه، وليقَوَّى أملُ الآملين به. فَتُقَدَّم له صُحُفُه ودواوينه: تسعةٌ وتسعون سجلاً: كتاباً كبيراً، وَصَفَ رسول الله ﴿ِ كِبَرِه بأن طولَه حيثُ ينتهي بصره في أرضٍ مستويةٍ ﴿لا تَرَى فيها عِوَجاً ولا أمْتاً﴾. فكم يُمَدُّ البصرُ ومتى ينتهي؟. تُقدَّم له صُحُفه ويُقَرّر على ما فيها: ((أَتْتِكِر من هذا شيئاً؟ أَظَلَمك كَتَبَتي الحافظون؟)، فيُقِرُّ ويعترفُ. ٣٣٦ فيقول: لا يا ربِّ، فيقول: أَفَلَكَ عذرً؟ فيقول: لا يا ربِّ. ٠ فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنةً، فإنه لا ظُلْمَ عليك اليومَ، فَتُخْرَج بطاقةً فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أُحضُر وَزْنَك، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقةُ مع هذه السِّجلاتِ؟ ثم يُسْتَعْذَر فيُسأل: ((أَفَلَكَ عذرٌ)) فيقرُّ ويعترفُ على نفسه بالخطايا والذنوب العِظام الجِسام، كمّاً وكيفاً، عمداً واختياراً، وأنه لا عذر له. وإن تقديمَ الله عز وجل الصحفَ إلى العبد يطَّلعُ عليها، إنما هو لإقامة الحجة الإِلّهية عليه، إذْ لا يجبُ على الله تعالى شيءٌ، ومن أول ذاك اليوم يُوقِن من فرَّط بأنه قد فرَّط، ويعلم نتيجته، فلا حاجة عنده للصُّحُف، لكنه بمحضِ عدلٍ. إلَهيّ تُعرَض عليه أعمالُه كلها: صغيرُها وكبيرها. وموقفُ هذا العبدِ هو الموقفُ الراجح عند أهل العلم: أن العبد إذا قُرِّر بذنوبه فالأفضلُ في حقُّه الاعترافُ وعدمُ الاعتذار، وأنشدوا عليه ما تقدم قريباً في شرح حديث النجوى: ولكني أقولُ كما تقولُ وما قابلتُ عَتْبَك باعتذارٍ ويَحْكُمُ بيننا الخُلُقِ الجميلُ وأَطْرُقُ بابَ عفوك بانكسار وتُدرِكُ العنايةُ الإِلَهية هذا العبدَ المفرِّطَ في دنياه، وهو بين يدي ربه، فيقول الله تعالى له: ((إن لك عندنا حسنةً)). فَتُخْرَج له بطاقةً: ورقة صغيرة لا تَتَّبِع لأكثرَ ما يُوضَع فيها أو يُكْتَب عليها، فهي صغيرة لا تتسع لأكثر من كتابة كلمة الشهادتين: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)». ويناديه ربه: ((أُحضُر وَزْنَك)). ومهما بَلَغ عقلُ الإِنسانِ الذي خُلِقٍ ضعيفاً، فإنه لن يَتْمَالِكَ نفسَه من السؤال: ((يا رب ما هذه البطاقةُ مع هذه السِّجِلَات؟!)). ٣٣٧ فقال: إنك لا تُظْلَم. قال: فتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، والبطاقةُ في كِفَّة، فطاشت السِّجلَاتُ، وثَقُلَت البطاقة، فلا يَثْقُلُ مع اسم الله شيء)). ولكن الله تعالى العليم الرحيم، الحكّمَ العدلَ يقولُ له: ((إنك لا تُظْلَمُ)). يريد جلَّ شأنه إدخالَ الطمأنينة على قلوب عباده أنه: لا ظُلْمَ اليومَ، بل ولا قبله ولا بعدَه، لا ظُلْمَ أبداً، بل: عدلٌ وفضلٌ، ورحمة وإحسان. وكانت النتيجة أن: ((طاشَت السجلات وثقلت البطاقة)) ذلك لأنه ((لا يثقُل مع اسم الله شيء)). وكيف لا تطيش، ولو أن ((لا إله إلا الله)) وُضِعتْ فِي كِفَّة، ووُضِعَت السمواتُ والأرضُ في كِفَّة: كانت أرجح، كما جاء في وصيّة نوحٍ عليه الصلاة والسلام لولدَيْه، رواها الإِمام أحمد ٢: ٢٢٥ عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً، ورجاله ثقات، كما قال الهيثمي ٤: ٢١٩ - ٢٢٠ . ولقد كان طيشُها وخِفْتُها شديداً وسريعاً، لأنهما لا يلتقيان في الميزان. نَقَل المناوي رحمه الله في ((فيض القدير)» ٢: ٣٣ عن بعضهم وهو يتحدَّث عن التوحيد وكلمته، فقال: ((التوحيد: لا يُماثِلُه شيء، إذْ لو ماثله شيءٌ ما كان واحداً، بل اثنين فصاعداً - على قدر عدد المماثل - فما ثَمَّ ما يَزِنُه إلا المُعادِلُ والممائِلُ، ولا مُعادِلَ ولا مُماثِلَ. فلذلك هو المانع للا إلّه إلا الله أنَ تدخلَ الميزانَ يوم القيامة، فإن الشرك الذي يُقابلُ التوحيد لا يصحُّ وجوده من العبد مع وجود التوحيد، فإن الإِنسان إما مشرك وإما موحّد، فلا يزنُ التوحيدَ إلا الشرك، ولا يَجتمعانِ في ميزان أبداً)). ومعنى ((لا يَثْقُل مع اسم الله شيء)) حينئذ: لا يثبتُ أمام اسم الله شيء من الذنوب: أعظمِها وهو الشرك، وأصغرِها مثل اللَّمَم، لِفَقل اسم الله، وحقارة ما سواه . وعلى هذا التأويل فإن هذا الرجل كان كافراً طَوَال حياته، وفي الساعات الأخيرة منها خُتِم له بخاتمة الخير، فأَسلّمَ وتشهَّد، ومات، فكان آخِرَ قوله ((أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) و ((من كان آخرُ كلامه لا إله إلا الله: دخل الجنة)) كما رواه أبو داود ٣: ٤٨٦ (٣١١٦) وغيره عن معاذ بن جبل مرفوعاً. ٣٣٨ . . ٠٠ . وإذا كان قد نَطَقَ بالشهادتين آخِر حياته - وكان إسلامُه بهما - فقد هَدَمَ ما عَمِله من قبلُ مهما عَظُم، كما قال ◌َّ لعمرو بن العاص رضي الله عنه لما جاء مسلماً مبايعاً: ((أما علمتَ أن الإِسلام يَهْدِم ما قبله .. )) رواه مسلم ٢: ١٣٨. وهذا قول بعض العلماء. وقال آخرون: ((إنه كان مسلماً، لكنه مُسرِف على نفسه بكثرة ذنوبه، وقد نطق بهاتين الشهادتين منيباً إلى ربه، تائباً من ذنوبه، خائفاً من ذنبه، راجياً رحمة ربه (١)، فيكون نظيرَ الرجل الآخر الذي قتل تسعة وتسعين نفساً. كما في الصحيحين(٢) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي ريليه قال: ((كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قَتَّلَ تسعةً وتسعين نَفْساً، فسألَ عن أعلمِ أهلِ الأرض، فَدُلَّ على راهب - أي عابدٍ غيرِ عالمٍ - فأتاه، فقال: إنه قَتَّلَ تسعةً وتسعينَ نفساً، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمَّل به المائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائةَ نفسٍ ، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومَن يَحولُ بينه وبين التوبة؟! انطلقْ إلى أرضٍ كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبدِ الله معهم، ولا تَرجِع إلى أرضِك، فإنها أرضُ سَوْء. ((فانطَلَقَ حتى إذا نَصَفَ الطريقَ أتاه الموت، فاختصمتْ فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مُقبلاً بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قطُّ، فأتاهم ملَكٌ في صورة آدميّ، فجعلوه بينهم فقال: قِيسُوا ما بين الأرضين، فإلى أيَّتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضتْه ملائكة الرحمة)). فصاحبُ البطاقة - من جهة حُسْن العاقبة - نظيرُ هذا الرجل الذي قُتل مائة نفس، والذي قالت فيه ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قطَّ، ولكن قالت فيه ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله. ١ - فيكون تشهُّداً ملاحظاً فيه التوبة، لا تشهداً قاصراً على التوحيد المستقرِّ في قلبه من قبلُ. ٢ - البخاري ٦: ٥١٢ (٣٤٧٠)، ومسلم ١٧ : ٨٢. ٣٣٩ وقال بعض العلماء: إن صاحب البطاقة أراد الله الغفورُ الرحيمُ أن يُكرمه إكراماً خاصاً، ويُعلنَ ذلك على رؤوس الخلائق، فغفر له جميعَ ذنوبه ومَحَاها عنه، بسبب تلك الشهادة التي تقرَّب بها إلى الله سبحانه. فهذا من باب الإكرام الإِلَهيِّ الخاصِّ به، كما يُشير إلى ذلك قوله ﴿﴿ في صدر الحديث: ((إن الله سيخلّص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق)). ذكر هذه الأقوال الثلاثة - ولخّصتُها من كلامه - شيخُنا العلامةُ الحجة الشيخ عبد الله سراج الدين حفظه الله تعالى بخير وعافية، في كتابه «الإِيمان بعوالم الآخرة ومواقفها)) ص ٣٠٣ - ٣٠٥. نعم، في الحديث نفسه ما يُستأنس به أنه كان كافراً، فينطبق عليه القول الأول، وهو أن في البطاقة: ((أشهد .. وأشهد))، فهذا اللفظ يُستأنس به لذلك. والله أعلم . ثم رأيت الشيخ الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى أشار في ((مجموع فتاويه)) ١٠: ٧٣٣ إلى حديث أبي كبشة الأنْماري رضي الله عنه الذي رواه الترمذي ٧ : ٨١ (٢٣٢٦) وقال: حسن صحيح: ((إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رَزَقَه الله مالاً وعلماً فهو يتَّقي فيه ربَّه ويَصِل فيه رَحِمَه .. ، وعبد رَزَقه الله علماً ولم يرزقْه مالاً فهو صادقُ النية يقول: لو أن لي مالاً لعملتُ بعملٍ فلان فهو بنيَّته، فأُجْرهما سواء .. ))، ثم قال: ((وحديث أبي كبشة في النيات مثلُ حديث البطاقة في الكلمات)) فذكر الحديث وعلَّق عليه بقوله: ((فهذا)) أي هذا الأجر وهذا التجاوز عن عظيم وزره ((لِمَا اقترن بهذه الكلمة من الصدق والإخلاص، والصفاء وحسن النية، إذ الكلمات والعبادات وإن اشتركت في الصورة الظاهرة، فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوتاً عظيماً، ومثل هذا الحديث الذي في حديث المرأة البَغِيِّ التي سَقَتْ كلباً، فغفر الله لها، فهذا لما حَصَل في قلبها من حسن النية والرحمة إذ ذاك)). وهذا أعلى من القول الثاني، مع اشتراكهما في أن كلاً منهما يشير إلى ملاحظة قلبية اقترنت بتشهُّده. والله أعلم. ٣٤٠ ٨٦ - عن حذيفة بن اليَمَان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َله: (تَلَقَّت الملائكةُ روحَ رجلٍ ممن كان قبلكم، فقالوا: أَعَمِلْتَ من الخير شيئاً؟ قال: لا، قالوا: تَذُّكَّرْ، قال: كنتُ أُداينُ الناسَ فَآَمُرُ ٨٦ - تخريجه: رواه مسلم: كتاب المساقاة والمزارعة - باب فضل إنظار المُغْسِر ٣: ١١٩٤ (٢٦) وشرح النووي ١٠: ٢٢٤، وله روايات أخرى أكثرها صريح في أن الحديث قدسي، ومدارها على حذيفة بن اليمان وأبي مسعود الأنصاري وعقبة بن عامر الجهني - إنْ صحَّ أنه هو - رضي الله عنهم. وليس في روايات البخاري ما يفيد بأنه قدسي. انظر منه: كتاب البيوع - باب من أنظر موسراً ٤: ٣٠٧ - ٣٠٨ (٢٠٧٧، ٢٠٧٨)، وكتاب الاستقراض - باب حسن التقاضي ٥: ٥٨ (٢٣٩١)، وأحاديث الأنبياء - في الحديث عن بني إسرائيل ٦ : ٤٩٤ (٣٤٥١). غريبه: يَتَجاوزوا: يَتَسامحوا. يُنْظِروا: يُمهلوا ويُؤخِّروا. معناه: هذا الحديث الشريف من جملة الأدلة على صحة القاعدة المشهورة عند العلماء: الجزاء من جنس العمل. فالله تعالى أوحى إلى سيدنا رسول الله صل# بقصة رجلٍ من بني إسرائيل كان يعامل الناس بيعاً وشراءً، وكان من خُلُقه التجاريِّ أن يتسامح، ولا شيءَ سواه من الخير عنده، فحياتُه حياةٌ مادية تجارية، لكن الله تعالى أكرمه فحلاّه بهذا الخُلُق الحسن الذي أدَّى به إلى عاقبة حسنة. تلقّتْه الملائكة للحساب، فسُئل: هل عندك عملٌ صالح خيِّر؟ فقال: لا، فذكَّروه. فتذكَّر قال: نعم، كنتُ أعاملُ الناسَ باليسر والسماح، كنت آمُر غلمانِ الذين يعملون عندي أن يُحسِنوا إلى من يَتَعاملون معه، فمن استدان منهم وتأخّر