النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ وصَدَروا عن قوله، فسألتُ عنه، فقيل: هذا معاذُ بنُ جبلٍ، فلما كان الغدُ هَجَّرت، فَوَجْدتُه قد سَبَقَني بالتهجير، ووجدتُه يصلّي، قال: فانتظرتُه حتى قَضَى صلاتَه، ثم جثْتُه من قِبَل وجهه، فسلّمتُ عليه ثم وأصل معناه: أبيضُ الثَّغْرِ حَسَنُه. أسندوه إليه: رَجَعوا إليه فيما يختلفون فيه. صَدَّروا عن قوله: عَمِلوا به واعتمدوه دون اختلاف. مجّرت: بكرت إلى المسجد. بحُبْو ردائي: أي بطرف ثوبي من محلّ الحُبْوَة. والاحتباء: نصبُ الساقين وضمُّ الفَخِذين إلى البطن. الله: الهمزة الأولى بدل عن القَسَم، ويجب الجر معها، كأنه يَستَثْبتُ من أبي إدريس: أُتُحِبُّني الله؟ ويُجِيبُه أبو إدريس باللفظ نفسِه، وبالمدِّ، من باب المشاكلة اللفظية . فجبذني : أي: جَذَبَنِي إليه وشدَّني وأَمالني. وجَبَتْ: حقّت، كما في رواية («المسند»، وهما بمعنى: ثَبَتَتْ. المتجالسين، والمتزاورين: الرجل يجلس إلى الرجل، أي: يُجالِسه، ويزوره زيارةً خالصة لله تعالى، لا يَحمِله على ذلك أمر دنيوي آخر. المتباذلين: المتباذل: هو الذي يبذُل لأخيه في اللّه ما لديه من غالٍ ورخيص. معناه: يذكّرني هذا الانجذاب السريع من أبي إدريس الخولاني إلى معاذ بن جبل رضي الله عنهما، بوصية فيها تشبيه بديع، حكاها الأصمعي عن بعض الحكماء يوصي بها ابنه، وقد ساق المُعَافِى النُّهْرواني في ((الجليس الصالح)) ٣: ٧ سنده بها إلى الأصمعي أنه قال ((قال بعض الحكماء لابنه: يا بنيَّ اقْبَلْ عهدي ووصيتي: إن سُرعةَ ائتلافٍ قلوب الأبرار حين يَلْتَقون، كسُرعةِ اختلاطِ قَطْرِ المطرِ بماء الأنهار)). وفي هذا الحديث يخبرنا الله عز وجل عن أناس مخصوصين، خصهم بمحبته الخاصة، وأن هذه المحبَّة قد أوجبها الله تعالى على نفسِه من قِبَل نفسه، لا بإيجاب ء ٢٨٢ قلت: والله إني لُأحبُّك الله، فقال: آلِلِهِ؟ فقلت: آلِلهِ، فقال: آلِلِهِ؟ فقلت: آلِلهِ، فقال: آلِلهِ؟ فقلت: آلِلهِ، فأخذ بحُبْوِ ردائي فجذبني إليه وقال: أَبْشِرْ، فإني سمعت رسول الله وَ ﴿ يقول: ((قال الله تبارك وتعالى: وَجَبَتْ محبتي لِلمُتَحابِّين فيَّ، من غيره عليه، فإنه لا مُوجِبَ لَشيء على الله تعالى إلا ما كان من الله عز وجل، هو يُحِقُّه على نفسه. ومما أوجبه الله عز وجل على نفسه: محبتُه سبحانه لمن تحابُّوا في الله تعالی، وتجالسوا، وتزاوروا فيه، وتبادلوا من أجله. وفي رواية ابن سعد في ((طبقاته)) ٣: ٥٨٧ عن معن بن عيسى، عن مالك، به: ((وجَبَتْ رحمتي .. ))، وهي أعمُّ من المحبَّة، فمَنْ رَحِمَه الله فقد ظَفِرِ بمحبته تعالى وبغيرها. ومَنْ أحبَّه الله: فهو من التوابين، والمتطهِّرين، والمتَّقين، والمحسنين، وما إلى ذلك مما ورد به القرآن العظيم والحديث الشريف، ومع هذا فالرحمةُ أعم وأشملُ. وقد يُرَجِّح الروايةَ الأولى المشهورة وهي (((وجبت محبتي)): القاعدةُ المقرَّرةُ: الجزاء من جنس العمل، وهؤلاء المذكورون قد اتُّصفوا بالمحبة في الله، سواءٌ فيهم المتحأبُّون، والمتجالسون، والمتزاورون، والمتباذلون، فناسبَ المقامَ محبةُ الله عز وجل لهم. أما فضلُ المحبة في الله - والبُغضِ في الله -: فأعظمُ من أن يُخْتَصَرَ الحديث عنه في سطور، لكن انظر - إن شئتَ ((الترغيب والترهيب)) ٤: ١٤ - ٢٨ - تجد أحادیث ذلك بكثرة . وأعظمُ منها: المحبة لله. قال الإِمام الغزالي ٢: ١٦٥: ((إن حبَّ الله إذا قَوِيَ أثمرَ حبَّ كلٍّ من يقوم بحِق عبادة الله في علم أو عمل، وأثمرَ حبَّ كلِّ مَن فيه صفةٌ مرضيَّة عند الله، من خُلُق حسن، أو تأدُّب بآداب الشرع، وما مِن محبّ للآخرة، أو محب الله إلا إذا أُخْبِر عن حال رجلين أحدُهما عالمٌ عابدٌ، والآخر ٢٨٣ والمتجالِسِينَ فيِّ، والمُتَزاوِرين فيَّ، جاهل فاسق، إلا وجد في نفسه ميلاً إلى العالم العابد. فذلك الميلُ هو حبّ في الله ولله، من غير حظّ». ومثَّل لذلك بحبِّ المؤمنين لأنبياءِ الله ورسُلِه عليهم الصلاة والسلام، وللصحابة والصالحين، والأخيار السابقين. وانظر تمام كلامه النافع، رحمه الله تعالى . وأما قوله: ((والمتجالسين فيَّ)): فهم القوم الذين يَجلِسون إلى بعضهم بعضاً يذكرون الله عز وجل، ويتذاكرون فيما بينهم جلالَه وعظمتَه، وأمرَه ونهيه، وإقامةً حدوده وحقوقه، وما إلى ذلك، يجمعهم المحبةُ في الله وذكرُ الله. قال المُنَاوي رحمه الله ٤: ٤٨٥ - وعنه الزُّرقاني في ((شرح الموطأ» ٤: ٣٤٩ -: ((كان الجنيد أبداً مشغولاً في خَلْوته، فإذا دخل إخوانُه خرج وقعد معهم ويقول: لو أعلم شيئاً أفضلَ من مجالستكم ما خرجتُ إليكم. وذلك لأن لمجالسةٍ الخواصِّ أثراً في صفاء الحضور ونشر العلوم، ما ليس لغيرهم)). وهذا تنبيه من الله عز وجل لضرورة مجالسة الصالحين على ذكره جل جلاله، لفائدة مجالستهم، كما ذكر المناوي والزرقاني، ولنيل محبة الله تعالى ورحمته، كما جاء به الحديث الشريف المذكور. ((والمتزاورين فيَّ)): فإخْوة متحابُّون في الله، أراد أحدهم أن يزور أخاه زيارة خالصة لا يبغي من ورائها شيئاً أبداً سوى صلةِ الأخُوَّة في الله، فهذا ممن أوجب الله عز وجل على نفسته محبته إياه ورحمته له. روى مسلمٍ في ((صحيحه)) ١٦: ١٢٣ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﴿ أن رجلاً زار أخاً له في قريةٍ أخرى، فأُرصدَ الله له على مَدْرَجَته مَلَكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريدُ؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمةٍ تَرُبُّها؟ قال: لا، غيرَ أني أَحْبَيْتُه في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك بأنَّ الله قد أحبَّك كما أحببتَه فيه)). والمراد في قوله ((نعمة تَرُبُّها)): فائدة دنيوية تُريد دوامَها بينكما. ٢٨٤ والمتباذِلین فيَّ)). ومما يحسنُ التنبيه إليه لتصحيح خطأ عاميّ: أن المراد بالزيارة ذهابُ الأخ إلى أخيه للقاء به، وليس المراد بها عيادة المريض. فكم يخسر المسلمون في مجالس سَمَرهم وأمْسِياتهم! وكم يربحون لو أنهم جعلوها في ذكر الله تعالى! فهم متجالسون متزاورون لكنْ على لهو وباطل، ولغو وحِنث، وهَرْج واختلاط، وأخفُّ منكراتِ بعضِهم: الجلوسُ أمام الرائي (التلفزيون)، على عُجَرِهِ وبُجَرِهِ، وخيره وشره، وقد يكون أشدَّ منكراتِ بعضهم. فاستفادةُ هذا البعض واتِّعاظُهم وقَلْبُ مجالسهم إلى ذكر الله تعالى أمرٌ قريب يسير، فلو أنهم ﴿فعلوا ما يُوَعَظُون به لكان خيراً لهم﴾. اللهم وفِّقنا لما تحبُّه وترضاه. ومعنى ((والمتباذِلين فيَّ)): الذين يبذُلون لبعضهم بعضاً ما يحتاجونه: غَلَا أو رَخُص. قال الإِمام الباجيُّ رحمه الله تعالى في ((المنتقى)) ٧: ٢٧٥: ((يريد: يبذُلون أنفسَهم في مرضاته من الإنفاق على جهاد عدوه وغير ذلك مما أمِروا به، ويُعطِيه مالَه إن احتاج إليه)). وروى الإمام أحمد في «مسنده)) ٤: ٣٨٦ هذا الحديثَ عن عمرو بن عَبَسَة بإسناد حسن وزاد فيه صِفَتين: ((وحقَّتْ محبتي للذين يتصافَوْن من أجلي .. وحقَّت محبتي للذين يَتْنَاصرون من أجلي)). أما الأولى: فمعناها: يَرجع إلى المتحابين في الله، لأن معنى يتصافَوْن: يَتَّخذ كلُّ واحد من الآخرَ صَفِيّاً له وخليلاً، فالأول اصطفى الثاني، وكذلك العكس، فكل منهما صَفيُّ أخيه في الله . وأما الثانية: فثناءً على من ينصُر أخاه من أجل الله وفي سبيله وفي سبيل إحقاق الحق، لا مناصرةً جاهليةٌ عمياءَ، لا، بل ينصرُه على ظالمه، بمعاضدته والوقوف بجانبه؛ وينصر مظلومَه عليه بأنْ ينبِّهَه ويرشده إلى الحق الذي جَانَبَه، ليرجع إليه. وفي تحقيق هذه الصفة راحةٌ كبرى للعالَم من عنائه في مجالات كثيرة. فأعظِمْ بالإِسلام وتعاليمه !. ٢٨٥ ٦٨ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة: أينَ المُتَحَابُّون لجلالي؟ اليومَ أَظِلُّهم ٦٨ - تخريجه: رواه مالك في ((الموطأ)) أيضاً كتاب الجامع - ما جاء في المتحابّين في الله ٣: ١٢٧، ومن طريقه رواه مسلم: كتاب البر والصلة - باب فضل الحبُّ في الله ٤: ١٩٨٨ (٣٧) وشرح النووي ١٦: ١٢٣ بلفظ: ((أين المتحابُّون بجلالي)». معناه: يريد الله عز وجل أن يُظهر يومَ القيامة فضيلةً طائفةٍ خاصةٍ من عباده، تحابُّوا في الدنيا حباً خالصاً لجلال الله، أي: لعظمته وطاعته، دون دخول أيُّ شائبة أخرى على هذا الحبِّ الإِلَهي الكريم، وعلامةُ ذلك - إن شاء الله -: أن لا يزيدَ حبُّ أحدِهم للآخر إذا برَّه، ولا يَنقصَ إذا جفاه، فما دام الحبُّ بينهما لجلال الله وعظمته، فلن يزيدَ بمؤثِّرات خارجيّة، ولن يَنْقُصَ بها، إنما يزيدُ كلَّما زاد سببُه، ويَنْقُصُ إذا نَقَص. فإذا أراد الله تعالى إظهارَ فضيلتهم قال: أينَ المتحأُبُّون لجلالي، وهذا نداء وليس سؤالاً، وهو نداء تكريم لهم وتعظيم. وإعلامُ الله تعالى لنا بهذا - عن طريق سيدنا رسول الله ◌َ - فيه حضَّ ضِمنيُّ لنا أن نتخلَّق بهذا الخُلُق، وإلا فما الفائدة؟ ! . وإن للقيامة أهوالاً وشدائدَ، ومواقفَ مُفْظِعةً مُفْزِعةً - وقانا الله إياها بمنِّه علينا - ومنها: دُنُوُّ الشمسِ من رؤوس الخلائق حتى تدنوٍ من رؤوسهم دُنُوّاً شديداً جداً فيخوضون في عَرَقِهَم خَوْضاً، ومنهم من يُلْجِمُه عرقُه، أي يصلُ إلى فمه! ومنها: فيحُ جهنم ورائحتُها، ولَهَبُها، إضافةً إلى أنفاس الخلائق، ولا ينجو منها أحد إلا ذَوو أعمال خاصة وفَّقهم الله تعالى للقيام بها في الدنيا، وتكونُ نجاتُهم من هذه الأهوال بوقوفهم في الظّلال آمنين مستريحين من ذاك العَنّاء، وتكون لهم بشرى عاجلةً بالفوز الأبدي . ٢٨٦ في ظِلِّي يوم لا ظِلَّ إلا ظِلِّي)). وقد جَمَع بعض العلماء الأحاديثَ التي ذُكِر فيها من يَنْعَمُ بهذه الظلال، ومنهم الحافظ الجلال السيوطي رحمه الله في رسالة سماها ((تمهيد الفَرْش في الخصال الموجبة لظِلِّ العَرْش)»، ثم لخّصها في ((بزوغ الهلال في الخصال الموجبة للظلال)»، وقد طُبِعَتا. وسَبَقه إلى هذا الحافظُ ابن حجر، وجمعها عصريُّه السخاويُّ، ولم تُطْبَعا، ولَخَّص رسالةَ السخاويِّ الزُّرْقانيُّ في جزء لطيف، ولخصه أيضاً في ((شرحه على الموطأ)) فانظره ٤: ٣٤٣ فما بعدها. وهذه الظلالُ منهم من جَعَلها ثلاثة: ظل الله تعالى، وظل عرشِه، وظلّ العمل الصالح، وقوفاً عند ظواهر النصوص، إذْ في بعضها: في ظلِّي، وفي بعضها: في ظلِّ عرشي، ونحوه، وفي بعضها: في ظل كذا، وذلك كحديث مَرْئَد ابن عبدالله اليَزَني، عن عقبةَ بنِ عامٍ الجُهَني رضي الله عنه، عند أحمد ٤: ١٤٧ - ١٤٨، والحاكم ١: ٤١٦ بإسناد صحيح: ((كلُّ امرىءٍ في ظلِّ صَدَقَته حتى يُفْصَلَ بين الناس. أو قال: يُحكّمَ بين الناس)) فكان مَرْتد لا يُخْطِئه يومٌ إلا تصدَّق فيه بكعكة أو بَصَلة أو كذا. ومنهم من جعلها ظلّاً واحداً هو ظلُّ العرش، لأن الظلَّ من شأن الأجسام، فإضافة الظلّ إليه سبحانه في بعض الأحاديث: لأن العرش عرشُه وهو خالقُه، وما ورد من إضافة الظلّ إلى العمل - كحديث الصدقة - فعلى معنى أن لكل عاملٍ ظلّاً يخصُّه من الظلِّ العامِّ للعرش. ومنهم من جَعَلها ظلّ واحداً هو ظلُّ الله تعالى، لكنْ لما كان الظُّ من شأن الأجسام والله منزَّه عن هذا أوَّلوا كلمة ((ظلّ))، وجعلوها بمعنى: الكرامة والكَنَف والرِّعاية والسَّتر، كقولهم: فلان في ظل السلطان، أي: في كنفه وكرامته وحفظه. قلت: ورواية عبدالله بن الإمام أحمد في ((زوائده على المسند) ٥: ٣٢٨ نصَّ في المغايرة بينٍ ظلَّ الله تعالى وبين ظلٍ عرشه، فلفظه: ((إن المتحابين بجلال الله في ظِلِّ الله وظِلِّ عرشه يوم لا ظِلَّ إلا ظلَّه))، لكنْ في إسناده رجلٌ مبهم، فلفظُ الأوزاعي: ((حدثني رجلٌ في مجلس يحيى بن أبي كثير عن أبي إدريس .. )). ٢٨٧ . في حين أن روايات الطبراني له تدلُّ على أنهما واحد، فبعضُها بلفظ: في ظل الله، و: في ظله، وبعضُها الآخر وهو الأكثر: في ظل العرش. انظر ((المعجم الكبير)» ٢٠ (١٤٥، ١٤٨) و(١٤٤، ١٤٦، ١٤٧، ١٤٩، ١٥١، ١٥٤، ١٦٧، ١٦٨)، ولا تستقيم المغايرة. والله أعلم. والنظرُ في رسالتيْ الحافظ السيوطي المذكورتين قبلُ يؤيد عدم المغايرة وأنهما ظل واحد، وبينما سمى جُزْأه: ((تمهيد الفَرْش في الخصالِ الموجبة لظل العرش))، إذ به يقول في مقدمته: ((الحمد لله العظيم، الذي لا ظلَّ إلا ظلَّه .. وبعد: فإن الحديث المشهور في السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظلِّ عرشه .. )). ثم ذكر لفظ الحديث: ((سبعةٌ يُظِلُّهم الله في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه .. )). فهؤلاء المتحابون لجلال الله: محفوظون من أهوال القيامة، هم في كرامة الله ورعايته وحفظه. وليسوا وحدَهم في هذه الكرامة، بل يَشْرَكُهم فيها آخرون، ورد فيٍ تَعْدادهم أحاديثُ، أشهرُها حديثُ: ((سبعةٌ يظلُّهم الله في ظله، يوم لا ظلَّ إلا ظلَّه: الإِمام العادل، وشابٌّ نشأ في عبادة ربه، ورجلٌ قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابًّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدقَ أَخْفَى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)). رواه كثيرون جداً، ومنهم البخاري في مواضع من ((صحيحه)) وهذا لفظ أول موضع منها: كتاب الأذان - باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة ٢: ١٤٣ (٦٦٠). وهناك أناس آخرون، انظر تعدادهم وأحاديثهم وتخريجها باختصار شديد في (شرح الزرقاني على الموطأ)) ٤: ٣٤٣ فما بعدها عند شرح حديث هؤلاء السبعة. وليست هذه الكرامةُ العظيمةُ للمتحابين لجلال الله هي الكرامةَ الوحيدةَ لهم، بل لهم إكرام إلّهيُّ آخر، هو ما تقدم ذكره في تخريج الحديث السابق عن ((سنن الترمذي)»، وهذا لفظه وشرحه . ٢٨٨ ٦٩ - عن أبي مسلم الخَوْلاني قال: حدثني معاذ بن جبل قال: ٦٩ - تخريجه: رواه الترمذي في ((سننه)) كتاب الزهد - باب ما جاء في الحبِّ في الله ٧: ١١٩ (٢٣٩١) وقال: حسن صحيح. معناه: هذا لونٌ آخَر من إكرام الله عز وجل للمتحابِّين فيه، يخبرنا الله تعالى به على لسان النبي ويله ترغيباً لنا، وتحبيباً بهذا المقام العظيم: مقامِ المحبة في الله . يخبرنا أن لهم منابر من نور يومَ القيامة، يقومون عليها، والمِنْبر: سُمِّي منبراً لارتفاعه عن الأرض، فهم يقومون مقاماً مرتفعاً عما سواهم من الناس، علامةً على رفعة مكانتهم، إذْ رفعةُ المكان دليلٌ على رفعة المكانة. وهذه المنابر من نور، من نور يوم القيامة، فلا يُقاسُ على نور شمس الدنيا وكَهْرُبائها، إنما هو نورٌ خاص، وهو دالَّ على رفعة مكانتهم أيضاً، لأنه منبر من نور، ولأن فيه لفتاً لنظر أهل الموقف نحوهم، وهذا كما يقولُ الناسُ اليوم في كلماتهم الاصطلاحية: فيه تسليطٌ للأضواء عليهم، زيادةً في إشهار الله عز وجل لهم. ومن عِظَم ما هم فيه فإن خواصَّ عباد الله تعالى - وهم الأنبياء والشهداء - يغبطونهم على ذلك، أي: يتمنَّوْن أن يكونوا مثلَهم دون أن يزول عنهم ما أُكْرِموا به، من شدة إعظامهم لهم. ومعلوم أن هذا حَسَد جائز. وكيف يتمنَّى الأنبياءُ مقامَهم - وهم صفوةُ الخلق وأكرمُهم لديه ؟. ذكر المناوي رحمه الله أجوبةً فقال ٤: ٤٨٥: ((يعني: أن حالهم عند الله يوم القيامة بمثابةٍ لو غَبَط النبيون والشهداءُ يومئذ - مع جلالة قَدْرَهم ونَبَاهةِ أمرهم - حالَ غيرهم لغبطوهم. وقال البيضاويُّ: كلُّ ما يتحلّى به الإِنسان ويتعاطاه من علم وعمل ٢٨٩ سمعت رسول الله ◌َّه يقول: ((قال الله عزَّ وجلَّ: المتحابُّون في جلالي لهم منابر من نور يَغْبِطُهم النبيون والشهداء)). فإن له عند الله تعالى منزلةً لا يشاركه فيها من لم يتّصفْ بها، وإن كان له من نوع آخر ما هو أرفعُ قدراً وأعزُّ ذخراً، فيغبطه بأنْ يتمنى ويحبَّ أن يكون مثلُ ذلك مضموماً إلى ماله من المراتب الرفيعة الشريفة ... ، هذا من أولى ما قيل في التأويل. ((وأما قول السبكي: هؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب، وأما أولئك فلا بد من سؤالهم عن التبليغ فيغبطون السالم من ذلك التعب لراحته، ولا يلزم أن تكون حالة الراحة أفضل: تعقّبه ابن شهبة (؟) بأن المتحابِّين في مقام الولاية، وهي أولُ درجةٍ النبي قبل النبوة، ولا يمكن أن يحصُّلَ للولي خَصلة ليست للنبي. قال: والجوابُ المرضيُّ عندي أنهم لا يغبطونهم على منابر النور والراحة، بل على المحبة، فإن المحبة في الله محبةً لله، وهو مقام يُتّنافَس به، فالغِبْطةُ على محبة الله، لا على مواهبه. انتھی)). قلت: ما أورده ابن شهبة - ولعله: ابن قاضي شهبة - على كلام السبكي: صحيح مسلّم به، لكن قوله أخيراً: الغبطة على محبة الله لا على مواهبه: فيه نظر، ففي بعض روايات الحديث التصريح بأن الأنبياء والشهداء يَغبطون المتحابِّين في الله لما وهبهم الله إياه في ذلك اليوم الفظيع. ففي روايةٍ لعبدالله بن الإمام أحمد في ((زوائده)) ٥: ٣٢٨ لحديث معاذ: (( .. يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء)) ثم ذكر رواية عبادة بن الصامت الحديث لأبي مسلم بلفظ ((يَغْبِطهم بمكانهم النبيون والصدِّيقون)). وروى الإِمام أحمد في «مسنده)) ٥: ٣٤١، ٣٤٣ من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، عن النبي # من جملة حديث آخر: (( .. إن لله عز وجل عباداً ليسوا بأنبياءَ ولا شهداءَ يغبطهم الأنبياءُ والشهداءُ على مجالسهم وقُرْبهم من الله .. )) ثم وصفهم بأنهم تحابُّوا في الله .. ومثله حديث عمر رضي الله عنه مرفوعاً عند أبي داود في كتاب البيوع والإِجارات - باب في الرهن ٣: ٧٩٩ (٣٥٢٧): ((إن من عباد الله لأناساً ما هم ٢٩٠ ٠٠ بأنبياء ولا شهداء يَغبطهم الأنبياءُ والشهداءُ يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى .. )) فذکرهم . فهذا تصريح بما نفاه ابن شهبة. وأُرجَع العلامة عليَّ القاري رحمه الله تعالى في ((المِرْقاة)) ٩: ٢٥٢ معنى الغِبْطة في الحديث إلى المعنى اللغوي الأصلي لها، فقال: (( .. الغِبْطة في الحقيقة عبارةٌ عن حسن الحال، كذا قيل، وفي ((القاموس)): الغبطة حسنُ الحال، والمَسَرَّةُ، فمعناها الحقيقي مطابق للمعنى اللغوي، فمعنى الحديث: يستحسن أحوالَهم الأنبياءُ والشهداء. وبهذا يزول الإشكال الذي تحيّر فيه العلماء)». وإشكالٌ آخر في كلام الإِمام السبكي رحمه الله، هو جزمُه بأن المتحابِّين في الله يدخلون الجنة بغير حساب، فإن كان استفاد هذا من علوِّ مقامهم المذكور: ففيه نظر أيضاً، لأن الحديثَ الآخر المشهور، حديثَ ((سَبَقك بها عُكَّاشة)) بَيِّن مَن هم الذين يدخلون الجنة بغير حساب: ((كانوا لا يَكْتوون، ولا يَسْتَرقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون)). هذا لفظ البخاريِّ في كتاب الطب والرقاق (٥٧٠٥، ٥٧٥٢، ٦٥٤١)، ومسلم في أواخر كتاب الإِيمان، وفي إحدى رواياته زيادة صفة أخرى: ((لا يَرْقُون)). وليس فيها ذكر المتحابِّين في الله عز وجل. والله أعلم. وكرامةٌ أخرى من الله عز وجل لهذه الطائفة الميمونة: أخبرنا بها النبي ◌َّ بقوله الكريم: ((إن المتحابِّين لْتُرى غُرَفهم في الجنة كالكوكب الطالع الشرقيِّ أو الغربي، فيقال: مَن هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحأبُّون في الله عز وجل)). رواه الإِمام أحمد في ((مسنده)) ٣: ٨٧ بإسناد قال عنه الهيثمي في آخر («مجمع الزوائد»: ((رجاله رجال الصحيح)). نسأل الله أن يكرمنا بهذه الخصلة المرضيَّة عند الله تعالى ورسوله وَله. ٢٩١ ٧٠ - عنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ وَلات: ((إن #: الله عز وجلٍ يقول يوم القيامة: يا ابنَ آدمَ مرِضْتُ فلم تَعُدْني. قال: يا ربِّ كيف أَعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين! قال: أَمَا عَلِمتَ أنَّ عَبْدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْه؟، أمَا علمتَ أنكَ لو عُدْتَه لَوَجَدْتَني عنده ! . ٧٠ - تخريجه: رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب - باب فضل عيادة المريض ٤: ١٩٩٠ (٤٣)، و ((شرح النووي)) ١٦: ١٢٥. وزاد المُنّاويُّ ٢: ٣١٣ عزوه إلى ((الترمذي في الزهد)) ولم أرَه فيه . معناه: في هذا الحديث القدسي غايةُ التشريف من الله عز وجل لعبده المريض، وذلك أنه سبحانه وتعالى وتقدَّس أقام ذاته العليّة المقدَّسة مُقام العبد المريض فقال - وذلك يوم القيامة - معاتِباً المسلمَ المقصِّر في عيادة أخيه المسلم المريض: مرضتُ، وإنما مراده: مرض عبدي فلان الذي قصَّرتَ فلم تَعُدْه. ومثلُ هذا قولُه الآتي: استطعمتك، واستسقيتك، أي: استطعمك عبدي فلان، واستسقاك فلان. وأما الله عز وجل فقد أجمع العقلاء على تنزُّهه سبحانه عن كل هذا ونحوه. قال الإِمام النووي رحمه الله: ((قال العلماء: إنما أضاف المرض إليه سبحانه وتعالى، والمرادُ العبدُ: تشريفاً للعبد وتقريباً له)). وزاد العلامة القاري ٣: ٢٤٩: ((والحاصل أن من عاد مريضاً لله، فكأنه زار الله))، ونحوه في ((فيض القديرِ)) ٢: ٣١٣. وأما قوله عز وجل: «لو عُدْتَه لوجدتني عنده): فمعناه كما حكاه النووي عن العلماء أيضاً: ((أي: وجدتَ ثوابي وكرامتي. ويدلَّ عليه قولُه تعالى في تمام الحديث: لو أطعمتَّه لوجدت ذلك عندي، لو أسقيتَه لوجدتَ ذلك عندي. أي ثوابه» . ٢٩٢ يا ابنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُك فلم تُطْعِمْني. قال: يا ربِّ وكيف أُطْعِمُك وأنتَ ربُّ العالمين! قال: أما عَلِمتَ أنه استَطْعَمك عَبْدي فلانٌ فلم تُطْعِمْه؟، أما عَلِمتَ أنكَ لو أطعمتَه لوجدت ذلك عندي ! . يا ابنَ آدمَ اسْتَسْقَيْتُك فلم تَسْقِني. قال: يا ربِّ كيفَ أَسْقيك وأنت ربُّ العالمين! قال: اسْتَسْقاك عَبْدي فلان فلم تَسْقِهِ، أما إنك لو سَقَيْتَه وجدت ذلك عندي)). وقد قال الله تعالى في سورة الكهف: ﴿ وَوَجَدوا ما عَمِلوا حاضِراً﴾. وفي الحديث: حضّ على هذه المكارم الأخلاقية الثلاثة: عيادةُ المريض، لما فيها من مواساةٍ له وتخفيفٍ لآلامه؛ وإطعامُ الجائع؛ وسقايةُ الظمآن، فإنها عنوان تكافل المسلمين، فيما ينزِل ببعضهم من شدائد، يخفّفُها عنهم إخوانُهم الآخَرون المُعَافَوْن. وفي عيادة المريض من الأجر العظيم ما لا يعلمه إلا الله تعالى الذي يكتبُه للعائد، من ذلك حديث ثوبان رضي الله عنه - عند مسلم ١٦: ١٢٥ - عن النبيِ وَّه: ((مَنْ عاد مريضاً لم يَزَلْ في خُرْفَة الجنة)) قيل: يا رسول الله وما خُرْفة الجنة؟ قال: ((جَنَاها)). فشبَّه وبَشَّر ◌َّ عائد المريض بأنه ما دام في عيادة المريض فهو يَجْتَني من ثمار الجنة، وبشَّره: لأن جَنَاها لا يكون إلا لمن دخلها، ومن دخلها لا يخرج منها. فهي بشارة عاجلة له بأنه من أهلها. ولا ينبغي للمسلم أن يَستَثْقِل من كثرة ذهابه إلى المريض وإيابه ما دام الأمر يتطلَّب منه ذلك، فإن زيارة المريض سُمِّيتْ عيادةً، لأن فيها الزيارةَ مرة بعد مرة، والعودَ إليه مكرَّراً - كما أفاده ابن الأثير في ((النهاية)) ٣: ٣١٧ -. فاجعل عيادتك له مواساةً له، وشكراً لله على معافاتك وأنك تعود لا تُعاد. وإن معنى قوله تعالى: ((لو عدتَه لوجدتني عنده)) كمعنى قوله في المناسبتين الثانيتين: ((لوجدتَ ذلك عندي))، كما تقدم، لكن لاختيار اللفظ أَثْرٌ ومدلولٌ، ولا بدَّ، فانظر الفرق بين العبارتين: لوجدتَني، و: لوجدتَ ذلك عندي، لِتُدرِك الفرق بين الثوابين. والله تعالى هو الموفق للخيرات. ٢٩٣ ٧١ - عن عطاء بن يسار، أن رسول الله وسلم قال: ((إذا مرض العبد بعث الله تعالى إليه مَلَكَيْن فقال: انظُرا ماذا يقول لِعُوَّاده، فإنْ هو إذا جاؤوه حَمِد الله وأثنى عليه: رَفَعا ذلك إلى الله عز وجل - وهو أعلمُ - ٧١ - تخريجه: رواه الإِمام مالك في ((الموطأ)): كتاب الجامع - ما جاء في أجر المريض ٣: ١٢٠، وعطاء بن يسار تابعيٌّ، فحديثه هذا مرسل، لكن وصله ابن عبد البر من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً. غريبه: عُوَّاده: جمع عائد، وتقدم أن العيادة مأخوذة من تكرار الزيارة والعود إليها مرة بعد مرة. معناه: في هذا الحديث الشريف تنبيه إلّهيٌّ للعبد المسلم أن يَحمّد الله تعالى على ما يُصيبه من ابتلاء ومرض، وأن عاقبة حَمْده خيرٌ كبير في الدنيا والآخرة. والله تعالى أعلمُ بعباده منهم بأنفسهم، لكنه أراد أن يظهر هذا الثواب لملائكته، ثم لنا عن طريق سيدنا رسول الله والفر . فحمدُ الله والثناءُ عليه من قِبَل العبد المبتلَى: له عند الله تعالى منزلةٌ رفيعة، والله أكرمُ من أن يضيِّع ذلك، وأكرمُ من أن يجمع على عبده المرضَ والحرمانَ من فضله . فهو يُوجبُ على ذاته العليَّة أن يُدخِل هذا العبدَ الحامدَ جنْتَه ودارَ كرامته مع السابقين الأولين - أو دون عذاب - إنْ توفَّه في مرضه هذا؛ وإن شفاه منه أُبدلَ له الله بدناً خيراً من بدنه المريض، وكفّر عنه سيئاتِه. 1 فهو على خير وإلى خير كيفما انقلب. ونسأل الله من خيره وفضله مع العافية. روى مسلم في ((صحيحه)) كتاب الزهد - باب في أحاديث متفرقة ١٨ : ١٢٥ عن صُهَيب الروميِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((عجباً لأمر المؤمن، إن ٢٩٤ فيقولُ: لعبدي عَلَيَّ إِنْ تَوَقَيْتُه أن أُدْخِلَه الجنة، وإنْ أنا شَفَيْتُه أنْ أُبْدِلَ له لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، وأن أُكَفِّر عنه سيئاته)). أمرَه كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن، إنْ أصابته سَرّاءُ شكر، فكان خيراً له. وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له)). وروى الإِمام أحمد في «مسنده)) ٤: ١٢٣ عن أبي الأشْعَث الصَّنْعاني أنه راح إلى مسجد دمشق وهجَّر بالرواح، فلقيَ شدادَ بنَ أَوْسٍ - والصُّنَابِحِيُّ معه - فقلت: أين تريدان يرحمكما الله؟ قالا: نريد هاهنا، إلى أخ لنا مريضٍ نعوده، فانطلقتُ معهما حتى دخلا على ذلك الرجل، فقالا له: كيف أصبحتَ؟ قال: أصبحت بنعمة، فقال له شداد: أبشر بكفَّارات السيئات، وحَطِّ الخطايا، فإني سمعت رسول الله ◌َ* يقول: ((إن الله عز وجل يقول: إني إذا ابتليتُ عبداً من عبادي مؤمِناً فحمِدني على ما ابتليتُه فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته من الخطايا، ويقول الربُّ عزَّ وجل: أنا قيّدت عبدي وابْتَلَيْتُه فَأَجْروا له كما كنتم تُجْرون له وهو صحيح)). وفي إسناده إسماعيل بن عيَّاش الحمصي، عن راشد بن داود الصنعاني، وإسماعيل روايته عن الشاميين مقبولة، وعن غيرهم فيها تخليط، وأشار المنذري إلى هذا في ((الترغيب)) ٤: ٢٩١ - ٢٩٢ وزاد عَزْوَه إلى ((الطبراني في الكبير والأوسط)) وقال: ((له شواهد كثيرة)). فكأنه يقول: حديث حسن لغيره. وروى الإِمام أحمد في ((مسنده)) ٢: ٣٤١، ٣٦١ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِ رَله قال: ((قال الله عز وجل: إن المؤمنَ عندي بمنزلةٍ كلُّ خير، يَحْمَدُني وأنا أَنْزِع نفسَه من بين جنبيه)). وعزاه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢: ٣٢١ إلى البزار فقط ((عن شيخه أحمد بن أبان القرشي، ولم أعرفه، وبقيّة رجاله رجال الصحيح))، وكذلك اقتصر على عزوه إلى البزار الحافظ ابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح)) ٢: ٥٣٩، لكنه قال: ((حديث حسن رواته من أهل الصدق))(١). ١ - وكذلك حسَّنه السخاوي في ((فتح المغيث)) ١: ١٢٠ وليس فيه عزو الحديث إلى أحد. ونقل الصنعاني في ((توضيح الأفكار) ١: ٢٥٨ كلام ابن حجر بطوله، وحَصَلَ تحريف فاحش جداً في اسم مخرجه فجاء فيه: ((أخرجه الدارمي في ((مسنده)))! فليصحح، وليس له وجود في كتاب الدارمي. وهو حديث نبوي - لا قدسي - في ((سنن النسائي)) ٤: ١٢ (١٨٤٣) وله قصة. ٢٩٥ ٧٢ - عن أبي أَمَامةَ الباهليِّ رضي الله عنه، عن النبي وَطِّ قال: ((يقول الله سبحانه: ابنَ آدمَ إن صَبَرتَ واحتسبتَ عند الصَّدْمة الأولى لم أُرْضَ لك ثواباً إلا الجنةَ)). ٧٢ - تخريجه: رواه ابن ماجه: كتاب الجنائز - باب ما جاء في الصبر على المصيبة ١: ٥٠٩ (١٥٩٧)، وصحّح إسناده البُوصيري في ((مصباح الزجاجة)) (٥٨٤). معناه: سيأتي الكلام عن الصبر والاحتساب تحت رقم الحديث ٧٥. وأما الصدمة الأولى: فقال الإِمام الخطابي في شرحه على البخاري ((أعلام الحديث)) ١: ٦٩٠: ((يريد - *-: أن الصبرَ المحمودَ المأجورَ علیه صاحبُه هو ما كان عند مفاجأة المصيبة، وهي الصدمة الأولى، دونَ ما بعدها، فإنه إذا طالت الأيام عليها وَقَعَ السُّلُوُّ، وصار الصبر حينئذ طبعاً، فلم يكن للأجر موضع(١). ((وقد قال بعض الحكماء: إن الإِنسان لا يُؤْجَر على شيء من المصائب التي تناله في نفسه من مرضٍ وموتٍ حميمٍ ورُزْءٍ مالٍ، لأجل ذوات هذه الأمور، فإن ١ - جاءت هذه الجملة عند المناوي رحمه الله ٤: ٢٣٤ - دون عزو إلى أحد -: ((وأما إذا طالت الأيام على المصائب وقع السُّلُوُ، وصار الصبر طبعاً، فلا يؤجر عليه مثلَ ذلك)) وفرق واضح بين النتيجتين. وقد قال الطيبي مثلَ قول الخطابي، وتفصيلُ العلامة عليّ القاري أولى. وهذا لفظهما من ((المرقاة)) ٤: ٩٠: ((قال الطيبي :.. فيصير الصبر طبعاً فلا يُثَاب عليها. اهـ. أما إذا لم يَصِر الصبرُ طبعاً ثم تذكر المصيبة ثم صَبَر ولو طال العهد فيثاب، ولكن الدرجة الأعلى عند الصدمة الأولى)). ٢٩٦ جميع ذلك طبعً وجِبِلَة، ولا صنعَ للإنسان فيه، وقد يصيب الكافرَ مثلُ ما يصيب المسلمَ، إنما يؤجر الإِنسان على نيَّته واحتسابه الأجرَ فيها، وتَلَقِّي الأمرَ في ذلك بالرضا وجميل الصبر)». وأفاد الحافظ رحمه الله في ((الفتح)) أيضاً ٣: ١٧٢ أن ((الصبر عند الصدمة الأولى هو المطلوبُ المبشِّرُ عليه بالصلاة والرحمة)) في قوله تعالى: ﴿وبِشِّرِ الصابرين﴾ ﴿ أولئك عليهم صَلَواتٌ من ربهم ورحمة .. ﴾. ٢٩٧ ٧٣ - عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن رسول الله والدول قال: ((إذا ماتَ وَلَّدُ العبدِ قال الله لملائكته: قَبَضْتُم ولدَ عبدي؟ فيقولون: ٧٣ - تخريجه: رواه الترمذي: أبواب الجنائز - باب فضل المصيبة إذا احتُسِبَتْ ٣: ٣٩٦ (١٠٢١) = ٣: ٣٤١ (١٠٢١) وقال: حديث حسن غريب، وهو في ((المسند)) ٤ : ٤١٥. معناه: إن العبد الذي مات ولده: هو من المؤمنين، كما يدلُّ عليه آخر الحديث، إذ الكافر لا حظّ له في الجنة. وسؤالُ الله عزَّ وجلَّ للملائكة - ملائكةِ الموت -: قبضتُم ولدَ عبدي، قبضتم ثمرة فؤاده، سؤالٌ لإِبراز الله تعالى عِظَم مُصاب الإِنسان بفقد ولده، ولذلك تدرِّج بصيغة السؤال: ولد عبدي، ثمرة فؤاده، وفي رواية ((المسند)): ((يا ملك الموت قبضتَ ولد عبدي، قبضت قرةً عينه وثمرةً فؤاده)). والولد ثمرة أبيه، كمنزلة الثمرة من الشجرة. وتأكيداً لهذا السبب وتنويهاً من الله العظيم الكريم بمقام عبده يَسألُهم سؤالاً ثانياً - وهو سبحانه أعلم - فيقول لهم: ماذا قال عبدي حين أنزلتُ به هذه الفاجعة؟ فيجيبونه: حَمِدك يا ربَّنا واسترجع فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمدُ - كما قالوا - هو: ((النعتُ بالجميل على الجميل. أي: الفعل الحسن الصادر من المحمود باختياره))(١). فهذا المبتلَى بفقد ولدِه وقرة عينه وثمرةٍ فؤاده: يَصف الله سبحانه المبتلِيَ له بفقد ولده، يصفُه بالجميل، ويَرَى أن ما نزلَ به إنما هو جميلٌ وفعلٌ حسن، لأنه صدر من مولاه خالقه وخالقٍ ولده وخالقِ الخلق أجمعين. وهو أرحمُ الراحمين، وأرحمُ بنا من أنفسنا - سبحانه وتعالى - فلَذلك يحمّده ! . ١ - هذا لفظ المناوي في ((فيض القدير)) ١: ٦. ٢٩٨ نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال وفي هذا الموقف من عظمة إيمان المبتلَى ما لا يدخُل تحت الوصف، فلذلك كرّر المولى سبحانه السؤالَ على الملائكة ليُظهر لهم فضلَ الإنسان المؤمن الذي قال فيه الملائكة أولَ الأمر: ﴿ أَتَجعلُ فيها من يُفْسِد فيها ويَسْفِكُ الدماءَ ونحن نُسَبِّح بحمدك ونقدِّس لك ﴾. لذلك نجد في كثير من الأحاديث إبرازَ الله تعالى فضلَ المؤمنين أمامَ ملائكته - علی قدسیتهم لدیه، سبحانه -. وهذا هو مقام الرضى عن الله سبحانه وعن قضائه لعبده، وهو من أعظم ما يَصلُ إليه الواصلون، وهو الذي دعا به سيدنا رسول الله وَّر، فيما رواه النسائي ٣: ٥٤ (١٣٠٥)، وأحمد ٤: ٢٦٤ من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما، وبعض جُمَله جاءت من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه في ((المسند)) أيضاً ٥: ١٩١، ونصّه: ((اللهم بعلمِك الغيب، وقدرتِك على الخَلْقِ، أَحْيِني ما علمتَ الحياةَ خيراً، وتَوَفَّني إذا علمتَ الوفاةَ خيراً لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمةً الحقِّ في الرضا والغضب، وأسألك القَصْدَ في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا يُنْفَدُ، وأسألك قُرَّةً عينٍ لا تَنقطِعُ، وأسألك الرضاءَ بعد القضاء، وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذَّةً النظر إلى وجهك، والشوقَ إلى لقائك، في غير ضَرَّاء مُضِرَّة، ولا فتنة مُضِلَّة، اللهم زَيِّنًا بزينة الإِيمان، واجعلْنا هُداةً مهتدين». فانظُر قوله ◌َ له: ((أسألك الرضاء بعد القضاء)): ((سأله الرضى بعد وقوع القضاء لأنه حينئذ تتبيّن حقيقة الرضى، وأما الرضى قبلَه فإنما هو عزمٌ على أنه يرضى إذا أصابه، وإنما يتحقّق الرضى بعده)) كما في ((مدارج السالكين)) ٢: ٢٢٣ لابن القيم نقلاً عن شيخه ابن تيمية رحمهما الله تعالى. ويجد القارىء الكريم فصلاً في الحديث عن الرضى في المصدر المذكور ٢: ١٧١ - ٢٤٢ هو من أنفس ما يُقرأ ويُستفاد، ومما حكاه فيه ٢: ٢٢٧: ((لما قدم سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه إلى مكة - وقد كُفَّ بصره - جعل الناسُ يُهْرَعون إليه، ليدعوَ لهم - ومعلومٌ أنه كان مستجابَ الدعاء - فجعل يدعو لهم، قال عبد الله ابن السائب: فأتيتُه وأنا غلام، فتعرَّفتُ إليه فَعَرَفني، فقلت: يا عمِّ أنت تدعو للناس ٢٩٩ عبدي؟ فيقولون: حَمِدَك واسْتَرْجَع، فيقول الله: ابْنُوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسَمُّوه: بيتَ الحَمْد)). فَيُشْفَوْن، فلو دعوتَ لنفسك لردَّ الله عليك بصرك! فتبسُّم، ثم قال: يا بنيَّ قضاءُ الله أحبُّ إليّ من بصري)». ثم ذكر سبحانه لهم ما أعدَّه من جزاء لعباده الحامدين له في الضرَّاء - بَلْه السراء - فقال لهم: ((ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد)). فهاتان بشارتان: الجنة، وبيت الحمد فيها. والجزاء من جنس العمل، فالجنة دار المؤمنين، وهذا منهم، ودار الحامدين: ﴿الحمدُ لله الذي أُحلِّنا دارَ المُقامة .. ﴾ ﴿الحمد لله الذي صَدَقَنا وَعْدَه .. ﴾، وهذا منهم. ولمزيد اختصاصه بالحمد مَنّحَه الله فيها بيت الحمد. والتنوين في قوله تعالى: ((ابنوا لعبدي بيتاً) هذا التنوين للتعظيم، أي: بيتاً عظيماً(١). ليلقَ بحمده وبصبره. اللهم إنا نسألك ذلك بفضلك من فضلك مع عافیتك، فإنها أوسع لنا. ١ - أفاده القاري في ((المرقاة)) ٤: ٩٥. ٣٠٠ ٧٤ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَلفيه ٧٤ - تخريجه: رواه البخاري: كتاب المرضى - باب فضل مَن ذهب بصره ١٠: ١١٦ (٥٦٥٣)، ورواه الترمذي في كتاب الزهد - باب ما جاء في ذهاب البصر ٧: ١٢٥، ١٢٦ (٢٤٠٢، ٢٤٠٣) عن أنس وأبي هريرة، وقال عن الأول: حسن غريب، وعن الثاني : حسن صحيح. غريبه: حبيبتيه: هما العينان. وشدةُ حاجة الإِنسان إلى عينيه سوَّغتْ وَصْفَهما بالحبیبتين. معناه: يُطمِئن الله عز وجل مَن يبتليه مِن عباده بفقد بصره، بأنه سبحانه سيعوضه عوضاً أعظمَ مما أخذه منه، ذلك ((أن الالتذاذ بالبصر يَفْنَى بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باقٍ ببقائها)) قاله ابن حجر. وهذا الأجر ملاحَظٌ فيه من الشروط: - أن يكون العبدُ المبتلَى مؤمِناً، فتكون إضافتُه في قوله ((عبدي)) إضافةً تشريف. - الصبر، أخذاً من صريح الحديث المذكور. - الاحتساب، أخذاً من رواية الترمذي المشار إليها، ففيها: ((فَصبر واحتسب))، فهو يلاحِظ في صبره ادّخارَ أجره عند الله تعالى . - وأن يكون صبره واحتسابُه من أول الأمر، لا بعد أن تبلَّد طبعُه وإحساسه، واعتاد فقد البصر - نسأل الله العافية -، جاء ذلك في رواية البخاري للحديث في كتابه ((الأدب المفرد)) ١: ٦٣٦ ((يقول الله: يا ابن آدم إذا أخذتُ كريمتيكَ فصبرتَّ عند الصَّدْمة واحتسبتَ لم أَرْضَ لك ثواباً دون الجنة)). والتعبير بالفاء في الحديث المشروح يفيد هذا المعنى: ((إذا ابتليتُ عبدي فصبر .. )).