النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ١٩ - والمرابط. ٢١ - أو افترسَتْه السباع. ٢٣ - ومن طلب الشهادة بنية صادقة. ٢٥ - والمتردِّي من رأس جبل بغير قصدٍ. ٢٠ - ومن شَرِق بالماء فمات. ٢٢ - أو مادَ به البحر فأصابه القيءُ فمات. ٢٤ - ومن صبر في الطاعون فمات بغيره. ثم قال: ((ووردتْ أحاديثُ أخرى في أمور أخرى لم أُعَرِّج عليها لضعفها)) وما أرى ذلك مسلماً في جميع ما سوى المذكور. قال المناوي رحمه الله في ((فيض القدير)) ٤: ١٧٩ - ١٨٠: ((تنبيه: قد التقطّ ابنُ العماد الشهداءَ من الأخبار ونَظَمَها .. )) وذكر الأبيات، ويُستخلص منها زيادةٌ على ما تقدم - دون التزام الصحة -: ٢٦ - محبُّ آل بيت النبي ◌ِّ. ٢٨ - المشتغِلُ بالعلم ومات على ذلك. ٣٠ - المتوفَّى فَجْأَةٌ. ٣٢ - أو مسموماً. ٣٤ - العاشق المتعفّف. ٣٦ - المقتول ظلماً. ٣٨ - المؤذِّن المحتسِب. ٤٠ - من أصابته عين حاسدة فمات من ذلك. ٢٧ - من نَطَق عند إمام جائر بكلمة حق. ٢٩ - من مات على وضوء. ٣١ - من مات مسحوراً. ٣٣ - أو عطشاً. ٣٥ - المجنون . ٣٧۔ أو مات في الحرب - وقد يكون هو المتقدم برقم ١٧ . ٣٩ - الجالبُ القوت إلى البلد ويبيعُ بسعر یومِه دون احتکار أو غَبْن فاحش. ٤١ - من قرأ أواخر سورة الحشر فمات في يومه. ٤٢ - المواظب على وِرْده من صلاة الضحى. ٤٣ - المواظب على الصيام - أي النافلة - فهؤلاء كلُّهم من شهداء الآخرة، أي: لهم في الآخرة أجر الشهيد، أما من حيثُ أحكامُ الدنيا - عدم التغسيل والتكفين -: فلا، بل يغسَّلون ويكفنون كسائر الأموات. ٢٢٢ يُتَوَفَّون من الطاعون، فيقول الشهداء: إخوانُنا قُتِلوا كما قُتِلْنا، ويقول المُتَوَفُّوْن على فُرُشهم: إخواتُنا ماتوا كما مُتْنا، فيقولُ ربُّنا: انظُروا إلى ولا يُستثنى من هذا العدد إلا الأول: الشهيد في سبيل الله، فإنه إن استوفى أحكام المجاهدين المخلصين الصادقين فهو شهيد دنيا وآخرة، وإنْ تلبّس بشيء مما سوى ذلك: فأمره إلى الله تعالى، لكنا نعطيه أحكامَ الشهيد الدنيويةً. ولا ينبغي أن يتوسَّع في إعطاء هذا اللقب الكريم (الشهيد) لأيٍّ كان، كما يحصل في كثير من البلاد إذْ يطلقونه .. حتى على الكافر !!. هذا، وأحاديثُ إثباتِ الشهادةِ للمتوقَّيْن بالطاعون متعددة، وثَبَت - كما قال الحافظ في ((الفتح)) ١٠: ١٨١ - أن الطاعون إنما هو من وَخْز أعدائنا من الجن، وذَكَرَ الأحاديثَ الواردة بذلك ثم قال ص ١٨٢: ((قال العلماء: أراد ﴿ أن يحصُل لأمته أرفعُ أنواع الشهادة، وهو القتل في سبيل الله بأيدي أعدائهم إما من الإِنس، وإما من الجن)). وكونُ الطاعونِ شهادةً لهذه الأمة المحمدية: خَصِيصةً لها من أعظم مزاياها التي امتازتْ بها على طائفة من بني إسرائيل، فإنه أرْسِل الطاعون عليهم رجزاً وعذاباً، كما جاء في كتاب أحاديث الأنبياء من ((صحيح البخاري)) ٦: ٥١٣ (٢٤٧٣)، بل جاءت الرواية التي بعدها بلفظ ((عذابٌ يبعثُه الله على من يشاء)» على بني إسرائيل وغيرِهم ((وأن الله جعله رحمةٌ للمؤمنين)). وفي ((المسند)) ٥: ٨١: ( .. الطاعون شهادةٌ لأمتي ورحمةٌ لهم، ورجسٌ على الكافرين)). ومن أجل هذه المرتبة الرفيعة للمطعون: استشرفَ مَن توفّاه الله وفاةً عادية إلى مرتبته، للشَّبه الظاهريِّ بين وفاتّيْهما، كما قال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الذي نحن بصدد شرحه: ((يقول الشهداء: إخواننا قُتِلوا كما قُتِلنا، ويقول المُتَوَفَّوْن على فُرُشهم: إخواتُنا ماتوا على فرشهم كما مُتْنًا)) أي: فإن كنتَ يا ربَّنا ستُلْحِقُهم بالشهداء في سبيلك، فَأَلْحِقنا بهم أيضاً، فإن بيننا وبينهم شبهاً في الوفاة على الفُرُش !. قال العلامة السندي رحمه الله في ((حاشية سنن النسائي)): ((لا شك أن مقصود الشهداء بذلك إلحاقُ المطعون معهم، ورفعُ درجته إلى درجاتهم. وأما ٢٢٣ جِراحِهم، فإِنْ أَشْبَهَ جِراحُهم جِراحَ المقتولين: فإنهم منهم ومعهم. فإذا جِراحُهم قد أُشْبَهَتْ جِراحَهم)). الأموات على الفُرُش فلعله ليس مقصودهم أصالةً أن لا تُرفَع درجة المطعون إلى درجات الشهداء، فإن ذلك حسدٌ مذموم، وهو منزوع عن القلوب في ذلك الدار، وإنما مرادهم أن ينالوا درجات الشهداء، كما نال المطعونُ مع موته على الفراش. فمعنى قولهم ((إخواننا ماتوا على فُرُشهم كما متنا، أي: فإن نالوا مع ذلك درجاتِ الشهداء ينبغي أن ننالَها أيضاً». والحديثُ الشريفُ: من الأدلة على صحة القول بالقياس والعمل به. ٢٢٤ ٥٢ - عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ وَ قال: ((قالَ الله ٥٢ - تخريجه: رواه الإمام أحمد في ((المسند)) ٢: ٢٤٢ بإسناد من أصح الأسانيد، وأصلُه في البخاري: كتاب القَدَر - باب إلقاءُ النذرِ العبدَ إلى القدر ١١ : ٤٩٩ (٦٦٠٨، ٦٦٠٩)، عن ابن عمر، وعن أبي هريرة رضي الله عنهم، وليسا صريحين في كونهما حديثاً قدسياً، إلا الثاني فقريبٌ، وكررهما البخاري ١١ : ٥٧٥ (٦٦٩٢ - ٦٦٩٤) وقال الحافظ ١١: ٥٧٥: ((هذا من الأحاديث القدسية لكنْ سقط منه التصريح بنسبته إلى الله عز وجل)). معناه: في هذا الحديث الشريف ذمّ لنذر البخيل، وتنبيه لأمر اعتقادي يتعلَّق بالقدر. والنذرُ - من حيثُ هو - غيرُ مذموم، ولو كان مذموماً لما أمر الله تعالى بالوفاء به، ولما مَذَح المُوفِين بنذرهم. أما البخل فمذموم، ومذموم ما يتصَّل به وينشأ عنه. قال في ((فتح الباري)) ١١: ٥٧٦: ((قال القرطبي: النذر من العقود المأمور بالوفاء بها، المُثْنَى على فاعلها، وأعلى أنواعِه ما كان غيرَ معلّق على شيء - يريد حصولَه - كمن يُعَافَى من مرضٍ فقال: لله عليَّ أن أصوم كذا، أو أتصدَّق بكذا، شكراً لله تعالى، ويليه: المعلِّق على فعلِ طاعة، كإِنْ شَفَى الله مريضي صمتُ كذا، أو صليت كذا. وما عدا هذا من أنواعهَ كنذر اللُّجاج: كمن يستثقلُ عبدَه فينذرُ أن يُعتقَّه ليتخلّص من صحبته، فلا يقصد القُربة بذلك، أو يحملُ على نفسه فينذرُ صلاةً كثيرةٌ أو صوماً مما يشقُّ عليه فعلُه ويتضرَّر بفعله، فإن ذلك يُكره، وقد يبلُغ بعضُه التحريم». وواجبُ العبد أن يكونَ مع الله عز وجل بالرجاء والذُّل والخضوع، يلتمس بذلك ما عند الله من خير، أما هذا البخيلُ فإنه يلتمسُ ما عند الله بطريق المعاوضة، كأنَّ لسانَ حاله - والعياذُ بالله - يقول: إن أعطيتني كذا عملتُ لك كذا !! فهذا مَثَل عبدِ السَّوءِ. ٢٢٥ عزَّ وجلَّ: لا يَأْتِي النَّذْرُ على ابنِ آدمَ بشيءٍ لم أقدِّره عليه، ولكنَّه شَيءٌ أُسْتَخرجُ به من البخيل ، يُؤْتِيني عليه ما لا يُؤْتِيني على البُخْلِ)). والنذرُ سببٌ من الأسباب التي يترتَّب عليها - إن شاء الله ذلك - ما يُريدُه العبد، كالدعاء والصدقة، وقد لا يترتّب عليه شيء. وقد نبّه أولُ الحديث إلى هذا المعنى: ((لا يأتي النذرُ على ابنِ آدَمَ بشيءٍ لم أُقدِّره عليه)) فهو لا يمنع عنه المرض، ولا يقدِّم له الشفاء، إن لم يكن هذا وذاك مقدَّرَیْن عليه . فإذا أراد الله عز وجل أن يَستخرجَ من البخيل ما تَشِحُّ به نفسُه ويَثْقُلُ عليه بذلُه أُوقَعَه في مكروهٍ ما، كمرض أو خسارة .. ، فحينئذ يلجأ إلى ربه ويتذكّره، فيقول: إن فعلتَ لي كذا فعلتُ كذا !! فيستخرجُ الله تعالى منه المالَ العزيز عَليهِ، الضنينَ به ! . فمعنى قوله في الحديث: ((يُؤْتيني عليه)) أي: ينذر لي على ما يَطْلُبُهِ مني، كالشفاء مثلاً ((ما لا يؤتيني على البخل)): ما لا يُنْفِقُه في سبيلي، لكونه بخيلاً. وفي رواية لمسلم ١١: ٩٩: ((إن النذر لا يُقَرِّب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدَّره له، ولكن النذرَ يُوافِقِ القدرَ، فَيُخْرَجُ بذلك من البخيلِ ما لم يكنِ البخيل يُريد أن يُخرِج». ٢٢٦ ٥٣ - عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّي وَلّ قال: ((قال الله تعالى: ثلاثةٌ أَنا خَصْمُهُمْ يومَ القيامةِ: رَجُلٌ أُعطَى بي ثم غَدَر؛ ورجلٌ ٥٣ - تخريجه: رواه البخاري: كتاب البيوع - باب إثم من باع حراً ٤: ٤١٧ (٢٢٢٧) وكتاب الإِجارة - باب إثم من منع أجر الأجير ٤: ٤٤٧ (٢٢٧٠). معناه: هذا الحديث الشريف فيه بيانُ جانبٍ من جوانب أخلاق الإِسلام في المعاملة، وفي كلِّ جملةٍ منه تنبيهً إلى خُلُق كريم. ففي الجملة الأولى: حضّ على الوفاء بمقتضى ما يَحلِف عليه الرجل من أيمان، وتحذيرٌ من نقضِها والغدرِ بالمحلوف له. وتقدير معنى الجملة الكريمة: رجلٌ أعطى يمينَه بي ثم نقضَه، أي: عاهدَ عهداً وحَلَف عليه بالله، كما في «فتح الباري». ونقضُ العهد، ونكثُ الأيمان، والغدرُ وعدمُ الوفاء: كلُّ منها صفةٌ ذميمة على انفرادها، فكيف لو تجمّعت في أمر واحد، فمن عاهد آخر عهداً، ثم إنه لغير عذر شرعي لم يَفِ له بما عاهده عليه، كان ذلك مذموماً منه، فكيف لو وَثَّق له عهده بالحلف بالله عز وجل؟ !. وأسوأُ من عدم الوفاء: أن يعاملَه بنقيض ما عاهده عليه، كمن عاهد آخر بالأمانة فخانه، أو بالأمن فأخافه، ونحو ذلك. فهذه إساءاتٌ متراكمة . فهذا أحد ثلاثة أصناف یکون الله عز وجل خَصْمهم، ومن کان الله عز وجل خَصْمَه خَصَمَه الله - كما صحَّ في بعض الروايات عند غير البخاري - أي: غَلَبه الله وقهره . والصنف الثاني: رجلٌ باع حراً فأكل ثمنه، ذلك لأن بيع الحرِّ حرام عظيم، وأعظمُ منه بيعُه واغتصابُ ثمنِهِ والتصرُّفُ فيه! والإِسلام جاء بتحرير الأرقّاء، لا ٢٢٧ باعَ حُرّاً فأكلّ ثَمَنَه؛ ورجلٌ اسْتَأْجَر أَجيراً فاسْتَوْفَى منه ولم يُعْطِهِ أَجْرَه)). باسترقاق الأحرار! وما أجملَ قولَ ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ((الحرُّ عبدُ الله، فمن جَنَّى عليه فَخَصْمُه سيدُه)) . - نقله عنه ابن حجر - وهذه - أيضاً - إساآت متراكمة . والصنف الثالث: رجل استأجر أجيراً فَوَقَّى الأجيرُ ما عليه من حقٍّ وعمل، واستحقِّ ماله على المستأجر، لكن المستأجر خانه وغَدَرَ به وعامله معاملة الرقيق، فلم يُعطه أجره، وكأنه السيد وذاك العبد! فيكون هذا المسكينُ الجائر قد جمع ذَميمتَيْ مَن قبله: غَدَرَ بمن ائتمنه، فلم يتقاضاه أجرتَه قبل البدء بعمله؛ وعامَلَ الأحرار كأنهم أرقّاء، واستضعفَ غيرَه واسْتَقْوَى نفسه !. وإذا سمع العبد المسلمُ الموقنُ بربه وبيوم الحساب بين يديه عز وجل، إذا سمع أن هؤلاء الثلاثة خُصَماء الله، خاف ورَهِبَ، وأشفق على نفسه فاتَّعظ وانزجر عن هذه الأعمال بذاتها، وعن الخصال التي تؤدي إليها، وتخلّق بأضدادها، فسعِد. والله تعالى هو الموفق. ٢٢٨ ٥٤ - عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّي لَ﴿ قال: ((ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ الله يومَ القيامةِ ولا يَنظُرُ إليهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ على سِلْعَةٍ: لقد ٥٤ - تخريجه: رواه البخاري: كتاب المساقاة - باب من رأى أن صاحب الحوض والقِرْبة أحقُّ بمائه ٥: ٤٣ (٢٣٦٩)، وهذا لفظه. وهو في ((صحيح مسلم)) كتاب الإِيمان - باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار ... ١: ١٠٣ (١٧٣)، ((شرح النووي)) ٢: ١١٥ لكن ذكر بدلَ الرجلِ الأول ((ورجلٌ بايع إماماً لا يُبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها وَفَى، وإن لم يُعْطِه منها لم يَفٍ))، وهذه الزيادة مذكورة في ((صحيح البخاري)) ٥: ٣٤ (٢٣٥٨). غريبه: فَضْلي: إحساني ومعروفي. فَضْلَ: ما فَضَلَ وزادَ عن كفايتك. معناه: ثلاثُ خصالٍ أخلاقية تتصلُ كثيراً بتعامل الناس فيما بينهم، يحضّنا رسول الله قر على الاستقامة فيها وسلوك طريق الخير والرشاد. وهي ثلاثُ خصال في هذا الحديث، وجاء في أحاديثَ أخرى ثلاثٌ أخرى، ورواياتٌ تزيد على غيرها، فلا أريدُ من كلمة ((ثلاثُ خصال)) الحصرَ وعدمَ الزيادة عليها . وذُكِر في صدر الحديث جزاآن لهم: لا يُكلُّمهم الله، ولا يَنظُر إليهم، وجاء في بعض رواياته زيادة: ((ولا يُزَكِّيهم ولهم عذاب أليم)). وكيف ((لا يُكلُّمهم الله)) وهو الذي سيحاسبُهم؟ وكيف ((لا ينظر إليهم)) وهم في ملكه ولا يغيب عنه سبحانه وتعالى مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء لا علماً ولا نظراً؟ قال الإمام النووي رحمه الله: ((قال جمهور المفسّرين: لا يكلُّمهم كلاماً ٢٢٩ أُعْطيَ بها أكثرَ مما أُعْطي، وهو كاذبٌ؛ ورجلٌ حَلَفَ على يمينٍ كاذبةٍ ينفعهم ويسرُّهم، وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية. ومعنى: لا ينظر إليهم أي: يُعرِض عنهم، ونَظَرُه سبحانه وتعالى لعباده: رحمتُه ولطفُه بهم. ومعنى: لا يُزَكِّيهم:َ لَا يُطَهِّرهم من دَنَس ذنوبهم. وقال الزجاج وغيره: معناه: لا يُثني عليهم. ومعنى عذاب أليم: مؤلم، قال الواحدي: هو العذاب الذي يخلُّصُ إلى قلوبهم وَجَعُه)). وأولُ هؤلاء: غاشٍّ، كاذبُ، يحلِف على كذبه الأيمانَ الكاذبةَ، خائنٌ في بيعه وشرائه. فما أجدرَ هذا بهذه العقوبات الإِلّهية! وما أعظمَ الإِسلامَ حين حرَّم هذه الأمور، وتوعَّد فاعلَها بهذا الوعيد، ليطهِّر المجتمع الإسلامي منها ومن مرتكبيها !! . يَحلِف أنه أُعطِيَ بهذه السلعة ثمناً أزيد من الثمن الذي دفعه إليه المشتري القائم أمامه، والواقع أنه لم يُدفع إليه شيء أبداً، أو أنه دُفع إليه غيرُ المقدار الذي يذكره. فهو كاذب، ويحاولُ أن يستْرَ كذبه باسم الله تعالى فيحلف به، ويَغِش المشتري ويخدعُه ويُغرِّر به، من أجل دُريهمات يَستدرُها من المشتري !. وأين هذا الخُلُقُ الدنيءُ من خُلُق الإِسلام الرفيع ! . حكى النووي في (شرح مسلم)) ٢: ٤٠: ((أن جرير بن عبدالله رضي الله عنه أمر مولاه أن يشتري له فرساً، فاشترى له فرساً بثلاثمائة درهم، وجاء به وبصاحبه لينقُده الثمن، فقال جرير لصاحب الفرس: فَرَسُك خير من ثلاثمائة درهم، أَتبيعُه بأربعمائة درهم؟ قال: ذلك لك يا أبا عبد الله ! . فقال: فرسُك خير من ذلك، أَتبيعُه بخمسمائة درهم؟ ثم لم يزل يزيده مائةٌ فمائةً وصاحبُه يرضى، وجريرٌ يقول: فرسك خير، إلى أن بلغَ ثمانمائة درهم، فاشتراه بها. فقيل له في ذلك - أي عُوتِب وسُئِل عن السبب - فقال: إني بايعتُ رسول الله ﴿ على النصح لكل مسلم!)). وروى الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٢ (٢٥١٠) عن جرير نفسِه ((أنه كان إذا أقام سلعةٌ - ليبيعها - بَصَّر عيوبَها - للمشتري - ثم خيَّره فقال: إن شئتَ فخُذْ، وإن ٢٣٠ بعدَ العَصْرِ، لِيقْتَطِعَ بها مالَ رَجُلٍ مسلمٍ؛ وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مائِهِ فيقولُ شئت فاترك، فقيل له: يرحمك الله إنك إذا فعلتَ هذا لم ينفذ لك البيع! فقال: إنا بايعنا رسول الله صل على النصح لأهل الإسلام)». فلا غرابة إذا رأينا هذا الوعيدَ لمن يخالف هذا الصراط المستقيم !. وثاني الثلاثة: رجلٌ حلف يميناً كاذبةٌ ليأكُل بها حقَّ مسلم ومالَه، فلم يُراعِ حرمةَ اسم الله تعالى في الحلف، ولم يراعِ الصدقَ الذي هو من أساسيات الأخلاقَ الإِسلامية، ولم يُراعِ حقَّ الإِخوَّةِ الإِسلامية، ولم يُراعِ حرمةَ أموالِ الآخَرين، وأيضاً: لم يُراعِ حرمةَ الوقتِ والزمنِ: بعد العصر. وإنما خصَّ رسول الله﴿ بعدَ العصر بالحرمة لأنه آخِرُ النهار بالنسبة للناس العاملين أعمالاً دنيوية، كانوا يختمون عملَهم اليوميَّ الدنيويَّ بعد العصر، وينصرفون إلى بيوتهم، وهذا إلى عهد قريب منا غير بعيد. ولأنه أيضاً وقتُ ختم ملائكةِ النهار صحفَ الإِنسان، ومباشرةٍ ملائكة الليل عملَهم مع هذا الإِنسان، وذلك كما تقدم في الحديث برقم (٣٥)، فانظره. فمن فَقَد مراعاةَ هذه الحُرَمِ فلا غرابةَ أن يكونَ متوعَّداً من الله عز وجل بهذه العقوبات ! . أما ثالث الثلاثة: فرجلٌ بخيل شحيح، فَقَدَ فضيلة النجدةِ وإغاثة اللهفان دون أن يخسر شيئاً من مال أو جهد، وهو في فَلاَةٍ - كما جاء في رواية مسلم - والفلاةُ مظنَّة الهلاك والانقطاع من وسائل النجاة، فكيف تَطِيبُ نفسُه بمثل هذا الخُلُق الرخيص، وأخلاقُ الإِسلام الذي ينتسب إليه عاليةٌ غالية !!. ولم يكفِ هذَا المسكينَ المحرومَ أن يُحرَم خُلُق الإِيثار الذي مدح الله تعالى الصحابة من أجله، وخلَّد ذلك في كتابه العظيم، لم يَكْفِه حرمان ذلك، بل زاد عليه حرمانَ أجرٍ أفضل الصدقة(١)، وحرمانَ أجرِ إغاثة اللهفان، وقد يبلغ به الأمر إلى الحرمان من أجر ﴿وَمَنْ أَحْياها فكأنما أحيا الناسَ جميعاً﴾. ١ - روى النسائي ٦: ٢٥٤ (٣٦٦٤) أن سعد بن عبادة سأل النبي ﴿: أيُّ الصدقة أفضل؟ فقال له: ((سَفَيُ الماء)»، ورواية أبي داود ٢ : ٣١٣ (١٦٧٩): أيُّ الصدقة أعجبُ إليك؟ قال: ((الماء). ٢٣١ الله: اليومَ أَمْنَعُكَ فَضْلي، كما مَنَعْتَ فَضْلَ ما لم تَعْمَلْ يَدَاكَ)). قال الله عز وجل في صفة الأنصار رضي الله عنهم: ﴿والذين تَّبَّوَّؤُأ الدارَ والإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِم يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَر إليهم، ولا يَجِدونَ في صُدورِهم حاجةٌ مما أُوتُوا، ويُؤْثِرونَ على أنفسِهم ولو كان بهم خَصَاصةٌ، ومَنْ يُوْقَ شُحَّ نفسِه فأولئك هم المفلحون ﴾. وقصةُ ذاك الأنصاريِّ وزوجتِه مع ضيف رسول الله وَّغير معروفة. روى البخاري في ((صحيحه)) في تفسير هذه الآية ٨: ٦٣١ (٤٨٨٩) - ومن قبلُ في مناقب الأنصار ٧: ١١٩ (٣٧٩٨) - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجلٌ رسولَ اللهِ وَل﴿ فقال: يا رسولَ الله أصابَنِي الجَهْد! فأرسلَ وَ﴿ إلى نسائه، فلم يَجدْ عندهنَّ شيئاً، - وفي الرواية الثانية: فقلنَ: ما معنا إلا الماء !! - فقال رسول الله ◌َ﴾: ((ألا رجلُ يُضِيفُهُ الليلةَ يَرَحَمُه الله؟!)) فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيفُ رسول الله ﴿، لا تدَّخِريه شيئاً، فقالت: والله ما عندي إلا قُوتُ الصِّبْية! قال: فإذا أراد الصِّبيةُ العَشاءَ فَنَوِّمِيهم، وتعالَيْ فَأَطْفِئِي السُّراجِ ونَطْوِي بطونَنا الليلةَ! ففعلتْ! ثم غدا الرجلُ على رسول الله ◌َ﴿ فقال ◌َله: ((لقد عَجِبَ الله عز وجل - أو: ضحك - من فلانٍ وفلانة)) فأنزل الله عز وجل: ﴿ويُؤْثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خَصَاصة ﴾. وروى البيهقي في الشُّعبة الثانية والعشرين من ((شُعَب الإِيمان)) ٧: ٩٥ عن أبي جَهْم بن حذيفة العَدَوي قال: ((انطلقتُ يومَ اليرموك أطلُبَ ابنَ عمي ومعي شَنَّةٌ من ماء أو إناءً، فقلت: إن كان به رَمَقْ سَقَيتُه من الماء ومَسَحتُ به وجهه، فإذا أنا به يَنْشَغ(١)، فقلت: أسقيك؟ فأشار أيْ نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق به إليه! فإذا هو هشام بن العاص أخو عمرو، فأتيتُه، فقلت: أسقيك؟ فسمع آخر فقال: آه، فأشار هشامٌ أن انطلق به إليه! فجئته، فإذا هو قد مات! فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات! فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات!)). رضي الله عنهم وأرضاهم . ١- أي: يَشْهَق حتی یکاد يغشى عليه. ٢٣٢ وأعقبَ هذه القصةَ المشهورةَ بإسنادِ قصةٍ أخرى مثيلتها، مع رجال آخرين، فكأن الحادثة تكرِّرت، قال: ((إن الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وعياش ابن أبي ربيعة ارتْثُوا(١) يوم اليرموك، فدعا الحارثُ بماءٍ يشربُه، فنظر إليه عكرمة فقال الحارث: ادفعوه إلى عكرمة، فنظر عياش بن أبي ربيعة، فقال عكرمة: ادفعوه إلى عياش، فما وصل إلى عياش ولا إلى أحد منهم حتى ماتوا وما ذاقوه)) !. فأين هذا الشحيحُ المَقِيتُ من هؤلاء الذين يُؤْثرون غيرَهم على حياتهم في آخرِ لحظةٍ من لحظاتهم في الدنيا وهم على عَتَّبة البرزخ !!. وانظر تقبيح الله عز وجل لصنيعه وشُحُّه إذْ يقول له: كما منعتَ فضلَ ما لم تَعْمِلْ يداك، أي: إنك بَخِلْتَ ومنعتَ المحتاجَ من عبادي شيئاً ليس لك في وجوده يدّ ولا أَثَر، إنما أوجدتُه لك لأختبرك وأَبتليك، أخرجتُ لك الماء من أرضك دون جهد منك ولا تَعَمُّل، وجعلتُ حاجةَ الناسِ إليك، ولم أجعلْ حاجتَك إليهم، فكانت يدُك العليا، ومع هذا فلم تَشكُرْ هذه النِّعَم ببذلها لعبادي وعيالي !. فلا غرابة إذا كان ممن يشملهم الوعيد المذكور في الحديث: لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم في نار جهنم لتزكّيَ نفوسَهم من أدران هذا الأخلاق السيئة، نعوذ بالله من ذلك. وفي حديثٍ ضعيف - وقال بعضهم: حسن لغيره - يقول عليه الصلاة والسلام: ((الخَلْقُ كلَّهم عيال الله، وأحبُّهم إلى الله أنفعُهم لعياله)). وشواهد الكتاب والسنة کلُّها تدلّ على صحته. ١ - أي: حُمِلوا من أرض المعركة جرحى وبهم رَمَّق. ٢٣٣ ٥٥ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ النبيَّ وَ ﴿ يقول: ((قال الله عز وجل: ومَنْ أَظْلَمُ ممن ذَهَبَ يخلُق كَخَلْقي؟! ٥٥ - تخريجه: رواه البخاري حديثاً قدسياً في كتاب التوحيد - باب قول الله ((والله خَلَقكم وما تعملون)) ١٣ : ٥٢٨ (٧٥٥٩). ورواه قبلُ نبوياً في كتاب اللباس - باب نقض الصُّور ١٠: ٣٨٥ (٥٩٥٣). ورواه مسلم قدسيًّا: كتاب اللباس والزينة - باب تحريم تصوير الحيوان .. ٣: ١٦٧١ (١٠١)، و((شرح النووي)) ١٣ : ٩٤. غريبه: ذهبَ: قَصَدَ وتوجّه وأراد. كَخَلْقي: الخلق هنا: مصدرٌ أُريد به اسم المفعول، التقدير: كمخلوقي، والكاف للتشبيه، فالمعنى: يخلُق مخلوقاً مشابهاً للمخلوقات الإلهية، وخُصَّ هذا العموم بحديث ابنِ عباس الآتي نقلُه عن البخاري ومسلم. ذَرَّة: نملةً صغيرةً، أو هي الهَبّاء الذي يُرَى في البيت بدخول الشمس من نوافذه. معناه: افتتح الله عز وجل هذا الحديثَ القدسيَّ بهذا الاستفهام الإنكاري، وتقديره: لا أحدَ أظلمُ لنفسه ممن ((يصوِّر صورةً تُشْبِه صورةٌ خلقتُها)) كما قاله القاري في ((مرقاة المفاتيح)) ٨: ٣٣٠. قال المناوي في ((فيض القدير)) ٤: ٤٨١: ((وهذا التشبيه لا عمومَ له، يعني: كخلقي من بعض الوجوه في فعل الصورة، لا من كل وجه)). والظاهر أن الحرمةَ تثُبُت بالقَصْد والإِرادة، كما قال: ((ذَهَب يخلُق كخلقي))، وسواء أكان ماهراً أم متدرِّباً، أم في بداية امتهانه عملَ التصوير. و ((يخلُق)) أي: يصوِّر، كما قال الله تعالى حاكياً قول عيسى عليه الصلاة ٢٣٤ ٠ والسلام لبني إسرائيل: ﴿أَنِّي أُخْلُق لكم مِن الطين كهيئةِ الطيرِ فَأَنْفُخُ فيه فيكونُ طيراً بإذن الله﴾، أي: أصْوِّر من الطين ... وقوله ((كخلقي)) أي: يصوِّر صورةً تُشبه مخلوقاً من مخلوقات الله تعالى، وهذا كقوله وَّر في حديث عائشة المتفق عليه عند الشيخين: ((أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُضاهون بِخَلْق الله)) - وهو حديثُ القِرَام المعروف - أي: يَعملُون عملاً يُشابهون به خَلْق الله، أي: ما خَلَقه الله، أو - كما تقدم -: مخلوق الله. ولا يصح أن يَّراد المصدر، لأن خَلْق الله - بمعنى المصدرية - لا يُعلَم، إذْ لا أَحَدَ يعلم كيف يخلُق الله الخَلْق، ولأن خَلْق الله للخَلْقِ يكونُ بتوجُّه إرادته إلى الأمر فيكون ما يريد، جل وعلا، وهذا التوجُّه هو المعبّر عنه بقوله عز وجل: ﴿ إنما أمرُه إذا أرادَ شيئاً أن يقول له: كنْ، فیکون ﴾. قال الحافظ في ((الفتح)) ١٠: ٣٨٧ في شرح حديث القِرام: ((أي: يُشَبِّهون ما يصنعونه بما يصنعُه الله، ووقع في رواية الزهري عن القاسم عند مسلم - ١٣ : ٨٨ -: الذين يُشَبِّهون بخلق الله)). فالمضاهاة: المشابهة، وهي مشابهةٌ بين ما يَصنعُه العبد، وبين ما صَنَعه الله، كما هو صريحُ قول ابن حجر: بما يصنعه الله، فمِراده: المصنوعُ المخلوقُ، لا الصَّنّعة، بمعنى المصدر. ونقل ١٣: ٥٣٥ عن ابن بطَّال قولَه: ((إنما نُسِب خَلْقُ - الصُّوَر - إليهم، تقريعاً لهم بمضاهاتهم الله تعالى في خلقه، فبكْتَهم بأنْ قال: إذا شابهتم بما صوَّرتم مخلوقاتِ الله تعالى فأُحْيُوها، كما أَحيا هو ما خَلَق)). فانظر قوله: مخلوقات الله تعالى. وقال القاري في ((مرقاة المفاتيح)) ٨: ٣٣٠ في شرح ((يُضَاهون بخلْق اللّه)): أي يُشابِهون عملَهم التصوير بَخلق الله. قال القاضي - البيضاوي -: أي يفعلون ما يُضاهي خَلْق الله. أي: مخلوقه. أو يشبِّهون فعلهم بفعله، أي: في التصوير والتخليق)). فمآل القول الثاني إلى القول الأول، لأن المصوِّر يحاول محاكاةً مصنوعه بمصنوع الله، من طُول وقِصَر، ونَحَافَةٍ وبَدَانةٍ، وكِبَرِ عينيه وصِغَرِهما، وكذا فمه وأنفه وخَدَّيه ... وينتج عن ذلك أن من توجّه قصدُه لإِحداث هيئة تُشْبِه - قليلاً، أو كثيراً، أو تماماً - هيئةً مخلوقٍ من مخلوقات الله عز وجل: فقد حقَّتْ عليه الحُرمة والمعصية. ٢٣٥ وهاهنا اعتراضان: ١ - قد يقول قائل: إن مقتضى هذا الذي تقدَّم أن تصوير كلِّ مخلوق لله تعالى كائناً ما كان: حرام، ولو كان شجرةً، أو سماءً، أو شمساً، أو قمراً، أو نهراً ... ، وكل ما يدخل تحت قول الناس في زماننا: المناظر الطبيعية. وأقول: نعم، إن هذا هو مقتضى عموم ما تقدم، لكنْ أَخَذَ جماهير العلماء بفتوى ابن عباس رضي الله عنهما، المروية في الصحيحين، لرجل قال له: إني رجلٌ أصوِّر هذه الصُّوَرَ، فَأَقْتِنِي فيها، فقال له: أُدْنُ مني، فدنا منه ثم قال: ادنَ مني، فدنا حتى وَضَع يده على رأسه - وكأن هذا حَصَلَ له لما قام بصِرُه - قال: أَنَبِئْك بما سمعتُ من رسول اللهِوَ﴿، سمعتُ رسول الله : ﴿ه يقول: ((كلَّ مصوِّرٍ في النار، يَجعلُ له بكل صورة صوَّرها نَفْساً فتعذّبُه في جهنم)) وقال ابن عباس: إن كنتَ لا بدَّ فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نَفْس له. أي: ما لا روح له. هدا لفظ مسلم ١٣: ٩٣، ولفظه عند البخاري في أواخر كتاب البيوع ٤: ٤١٦ (٢٢٢٥) عن النبي ◌َّه: ((مَن صوَّر صورةً فإن الله معذِّبُه حتى يَنْفُخَ فيها الروح، وليس بنافخٍ فيها أبدا)) قال: فَرَبا الرجلُ رَبْوةٌ شديدة - أي تنفّس الصُّعَداء - واصفرً وجهه فقال له ابنٍ عباس: وَيْحك - وهي كلمة ترحُم - إنْ أبيتَ إلا أن تصنعَ فعليك بهذا الشجرِ: كلّ شيء ليس فيه روح)). فهذا هو أصل ما اشتهر لدى الناس بجواز تصوير المناظر الطبيعية، وهو - كما قلت ـ مذهب الجماهیر. ونقل العلماء - النووي وابن حجر وغيرهما - أن مجاهداً تلميذَ ابنِ عباس خالف في ذلك. قال النووي رحمه الله ١٣: ٩١: ((أما الشجر ونحوه مما لا روح فيه: فلا تَحْرُم صَنْعَتُه ولا التكسُّبُ به، وسواءً الشجر المثمِر وغيره، وهذا مذهب العلماء كافة إلا مجاهداً فإنه جَعَل الشجر المثمِر من المكروه. قال القاضي - عياض - لم يقله أحدٌ غير مجاهد، واحتج مجاهد بقوله تعالى في هذا الحديث القدسي -: ومن أظلمٌ ممن ذَهَبَ يخلق كخلقي. واحتج الجمهور بقوله صار: يقال لهم: أُحْيوا ما خلقتم. أي: اجعلوه حيواناً ذا روح كما ضاهيتم .. )). ٢٣٦ فيكون استدلال مجاهد بعموم قوله: يخلُق كخلقي، والشجر ونحوه من مخلوقات الله تعالى. وملحظ آخر لمجاهد، نبّه إليه المناوي، هو قوله في الحديث: ((أو ليَخْلقوا حبةً أو شعيرة)). قال المناوي ٤: ٤٨٢: ((وأخذَ منه مجاهد حرمةَ تصوير ما لا روح فيه، حيث ذكر الشعيرة، وهي جَمَاد)). واستثنى بعضُ العلماء من جواز تصويرِ المناظرِ الطبيعية: تصويرَ الشمس والقمر ونحوهما، مما عُبِد من دون الله تعالى. قال عليّ القاري رحمه الله في ((المرقاة)) ٨: ٣٣١: (وأما ما ◌ُبد من دون الله ولو كان من الجمادات كالشمس والقمر، فينبغي أن يَحْرُمَ تصويرُه، والله أعلم». وهذا ۔ کما تری- استظهار منه، وليس جزماً بالمنع. ٢ - وللمعترض أن يقول أيضاً: إن مقتضى ما تقدَّم أن يَحرُم تصوير ما له ظِلِّ، أي: المحرَّم من التصوير هو هذه (المجسِّمات) ولو لم تكن كبيرةٌ كالتماثيل الكبيرة لبعض زعماء العالم. أما ما كان صورةً (فوتوغرافية) مطبوعةً على ورقة فلا تدخل تحت التحريم، إذ كيف تُنْفَخ الروحُ في صورة كهذه، أما المجسَّمات: فنعم ! . والجواب: أن الأمر يحتاجُ إلى نظرٍ في جميع الأحاديث الواردة في المسألة، ومما ورد فيها حديثُ النُّعْرُقة أو القِرام، أَو النَّمَطِ، أو السِّتْر، أو الدُّرْنوك - بالنون أو الميم - ألفاظٌ متعدِّدةٌ، ومعناها متقاربٌ، وكلُّها واردةٌ في حديث واحد، تعددتْ رواياته وألفاظه، وقد ساقها مسلم، واتفق معه البخاري على رواية أصل القصة، وخلاصته : أنه كان عند عائشة رضي الله عنها بساطً لطيف له خَمَل - أهداب - فسترتْ به باب بيتها، وكان رسول الله وَ ﴿ قد خرج في غزوة من غَزَواته، فلما قَدِم منها ورآه، استنكره، قالت عائشة: فعرفتُ الكراهية في وجهه، فَجَذَّبَه حتى هَتَّكَه وقال: ((إن الله لم يأمرنا أن نَكْسُو الحجارةَ والطينَ)) قالت: فقطعْنا منه وسادتين وحَشَوْتُهما لِيفاً، فلم يَعِبْ ذلك عليّ. ٢٣٧ وليس في هذه الرواية ما يدلُّ أن على البساط صورةً، لذلك أعقبها مسلم بروايةٍ أخرى فيها أنه كان على البساط تِمثالٌ طائر، وفي رواية ثانية: فيه الخيل ذواتُ الأجنحة. وفي رواية ثالثة: تناول السِّتْر فهتكه وقال: ((إن من أشدِّ الناس عذاباً يومَ القيامة الذين يُشَبِّهون بخلق الله)). وفي عدد من الروايات الأخرى أنها جعلتْ منه وسادة أو وسادتین. وفي رواية: أنها نَصَبتْ سِتراً فيه تصاوير، فنزعه، فجعلتْ منه وسادتين، فكان يَرْتَفِق عليهما، أي: يتكىء. ثم ذكر مسلم حديثَها رضي الله عنها وأنها اشترتْ للنبيِ وَ﴿ نُمْرُقَة - أي وسادةً صغيرةٌ - فيها تصاوير، فلما رآها لم يدخُل البيت فقالتْ عائشة: يا رسول الله أتوبُ إلى الله وإلى رسوله! فماذا أذنبتُ؟ قال: (ما بالُ هذه النَّمْرُقَة؟)) فقالت: اشتريتُها لك تَقْعُد عليها وتَوَسَّدُها، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن أصحاب هذه الصور يُعَذَّبون ويقال لهم: أَحْيوا ما خَلَقْتم)) ثم قال: ((إن البيت الذي فيه الصُوَر لا تَدخُلُهُ الملائكة)». وزاد في رواية: قالت عائشة: فأخذتُه فجعلتُه مِرْفَقَّتين، فكان يَرتَّفِقُ بهما في البيت. والمِرْفَقَة: المُتِّكَأُ، فهي أعمُّ من النمرُقة التي هي الوسادة الصغيرة. ويؤخذ من هذه الروايات: جوابُ الاعتراض الثاني، وهو أن الصُّوَر حرامٌ اتخاذُها وفعلُها، سواء أكانت مجسَّمةً ذاتَ ظلِّ أم لا، لأن هذه التماثيل التي كانت على السِّتارة لم تكن ذاتَ ظلُّ، قال الحافظ في ((الفتح)) ١٠: ٣٩٠: ((يُستفاد منه أنه لا فرق في تحريم التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا، وبين أن تكون مدهونةً أو منقوشة أو منقورة أو منسوجة، خلافاً لمن استثنى النسج وادَّعى أنه ليس بتصوير)) . ويُستفاد منها أنها إذا كانت على هيئة محترمة لا يجوز، وإذا جُعلتْ ممتهَنةً جاز، يدلُّ على ذلك روايةُ: نَصَبَتْ سِتراً فيه تصاوير، فلما جعلتْه وسادتين ارتفق عليهما، على أنه لا دليلَ واضحٌ على أن التصاوير فيه بقيتْ كاملة بعد تقطيعه إلى ٢٣٨ ٠ ٠ وسادتين، قال الحافظ في الموضعِ المذكور قبلُ: ((يَحتمِل بأنها لما قَطَعتْ السِّتر وقع القَطْع في وَسَط الصورة مثلاً، فخرجتْ عن هيئتها، فلهذا صار يرتفق بها)) وأيَّده. نعم، نصَّ فقهاؤنا الحنفية رحمهم الله تعالى على كراهة السجود على صورةٍ في البساط أو السَّجادة وإن كانت تُوطأ بالأقدام، فالاتكاء عليها أمرٌ غير السجود عليها . ومما ينبغي التنبيه إليه أمور: أولها: يزعم بعض الناس أن تحريم التصوير إنما كان أولَ الإِسلام، قطعاً للناس وإبعاداً لهم عما يمتُ إلى أمور الجاهلية بأية صِلَة، فقُرْبُهم من عبادة الأوثان في الجاهلية حَمَل الشارعَ على أن يحرِّم عليهم ما يَتَّصل بذلك من قريب أو بعيد، فهذا من شاكلة ما يُسمى في أصول الفقه سدَّ الذرائع. وهو زعم خاطىء، فما زال الصحابة رضي الله عنهم ومَن بعدهم يَرْوُون على الناس أحاديثَ تحريم الصور فعلاً وتزيُّناً بها في بيوتهم، وأيُّ عبادة لخيل لها أجنحة؟!، وقد تقدم بيانُ تحريم الصُّور المجسَّمةِ وغيرِها. ولو صح قولهم لجاء التصريح بالنسخ، كما في الأنبذة، ولَمَا بقي حاجة لتعذيب الله لهم في الآخرة. ثانيها: من السَّخافة في التحليل والتحريم اعتبارُ اختلاف الأسماء من بلد إلى بلد، فكَوْنُ ممتَهن عملِ التصوير يسمَّى في بعض البلاد: مصوَّراً، وفي بعضها يسمى غيرَ ذلك: لا يدلُّ على جواز التصوير الفوتوغرافي، فالعبرةُ بالمعاني لا بالحروف والمباني! فهو تصويرٌ وصورةً ومصوِّر ومصوَّر، شاء المغالِطون أم أَبُوْا. ثالثها: زعمهم أن التصوير الشمسي (الفوتوغرافي) لا يدخُل تحت التصوير المحرَّم، وما هو إلا (حَبْس ظلّ)، كمن وقف أمام مرآة، فظهرتْ صورتُه وشخصيتُه فيها، ثم إنا قد استطعْنا حبسَ هذه الصورة على ورقة مع تحوُّل الإِنسان من أمام المرآة . وهذا لون آخر في تحوير الحكم الشرعي، ذلك أن هذه وسيلةً حديثةٌ للحصول على صورة الشخص، واختلافُ الوسائل لا يُغَيِّر الحكم الشرعيَّ الذي ٢٣٩ اتَّحَدَتْ فيه نتائج هذه الوسائل، وحَصَلَ منها للإِنسان مُبْتَغاه ومراده، وهو أن يحصل علی (رسم) لإِنسانٍ ما، أو حيوانٍ ما. فسواءٌ أَحَّصَل ذلك بالرسم اليدوي - وغالباً ما يكون مع بعض الفوارق - أم حصل بآلة، وغالباً ما يكون دون أيِّ فارق، بل قد يكونُ فيها تجميلٌ وتلوين. وتقدَّم قبل أسطر ذِكْرُ القاعدة الشرعية: العبرة بالمعاني، لا بالحروف والمباني. وقد شاعت فتوى العلامة الكبير الشيخ محمد بخيت المطيعي المتوفّى سنة ١٣٥٤ رحمه الله تعالى بإباحة هذا النوع من التصوير، واتّكاً على فُتياه هذه مَن جاء بعده، متمسِّكاً بتعليله، أو مُتَدَرِّناً بمقامه العلمي. ومقام الرجل لا يُنكَر، لكنْ قد ردًّ عليه علماء - أيضاً - ذَوو جلالة ومقام علمي كبير من معاصريه، منهم العلامة الحجة الشيخ محمد زاهد الكوثري المتوفى سنة ١٣٧١ رحمه الله تعالى، فإنه قال في («مقالاته)) ص ١٤٣ وهو يردُّ عليه اعتماده قولاً لأبي السُّعود العِمادي في مسألة من مسائل الطلاق: ((غلط الشيخ بخيت رحمه الله في تأييد هذا القول الذي ليس من المذهب في شيء، حتى ألَّف رسالة فيه، لكنْ قوله هذا كقوله في التصوير الشمسي، مغمورٌ في زاخر صوابه، سامحه الله)). والكوثري من أعرف الناس بمكانة الشيخ بخيت رحمهما الله، وأشدِّهم ثناءً عليه، ويُكْثِر من وصفه وتلقيبه بـ ((شيخ فقهاء عصره)). وانظر المقال نفسه ص ١٤٠. ومنهم العلامة الداعية الشيخ مصطفى أبو سيف الحَمَّامي المتوفّى سنة ١٣٦٨ رحمه الله تعالى، في كتابه المشهور ((النهضة الإصلاحية)) ص ٢٦٤ وما بعدها، وعرَّض بالشيخ ولم یصرِّح باسمه . وكأن العلامةَ المحبَّ الشيخ يوسف النبهانيَّ المتوفّى سنة ١٣٥٠ رحمه الله تعالى، كتب رسالته ((التحذير من اتخاذ التصوير)) ردّاً على رسالة الشيخ بخيت. وكذلك الظنُّ برسالة الشيخ محمد الفاهاشم الفُوتي المالكيِّ المذهب، أحدٍ علماء المدينة المنورة المتوفى نحو سنة ١٣٤٥، جَمَع فيها أقوال علماء المذاهب الأربعة الدالة على تحريم التصوير، وفيهم الإِمام مالك، رضي الله عنهم. ٢٤٠ فَلْيَخْلُقوا ذَرَّةً، أو لِيَخْلُقوا حبَّةً، أو شَعيرةً!)). وغير هؤلاء كثيرون ممن عاصروا الشيخ، وبعده، قبل أن يَسْتَمْرِىء الناس هذه الفَعْلة، بسبب شيوعها فيهم. وفي الصورة والتصوير أحكام فرعية عديدة، منها ما هو جائز مع شيوع حرمته بين العامة، ومنها ما هو حرام مع تَعَارُف الناس حِلَّه، ليس هذا مجالَ استعراضها. وفي قوله آخرَ الحديث: ((فَلْيَخْلُقوا ذَرَّة، أو لِيَخْلُقُوا حبةً أو شعيرة)) نكتتان علمیتان : الأولى: الأمر في قوله ((فليخلقوا) أمرٌ للتعجيز، ومعنى التعجيز: إيقاعُ المأمورِ بالعجز، وذلك بتكليفه بأمرٍ لا يَستطيعُ القيامَ به، فيعجِزُ عنه، وهذا يُقصد منه إيقاعُه بالعَنَتِ والمشقَّةِ، ولا يكونُ ذلك إلا من آمرٍ قادر، إِلى مأمور عاجز مسيءٍ أراد الآمرُ قهرَه. وأنَّى للمخلوقِ الضعيفِ أن يصيرَ خالقاً قوياً. الثانية: أن قوله ((فليخلقوا ذرَّة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة)): فيه ذكر لنوعين: ذرة - وهي مخلوق فيه حياة -، وحبة وشعيرة وهما مخلوقان لا حياة فيهما. فيكون في المأمور به ذِكْرٌ لما فيه حياةٌ، ولما لا حياةَ فيه، وذَكَر أولاً ماله وجودٌ وحياة، - والتكليف به أصعبُ - ثم ذكر من باب التدنِّي ماله وجودٌ ولا حياةَ فيه - والتكليفُ به أسهل - ومع ذلك فلن يستطيع المأمورُ أحدَهما. هذا على القول بأن الذرَّة هي النملةُ الصغيرة. وعلى القول بأنها من الهَبَاء، فيكون من باب التدنّي في التعجيز أيضاً. قال الحافظ السخاوي في ((الضوء اللامع)) ٢: ١٧٥ في ترجمةِ العلامةِ تقيّ الدين أحمد بن محمد الشّمُنِي (٨٠١ - ٨٧٢) رحمه الله تعالى: إنه أخذ علم الحديث عن الحافظ ابن حجر، وكان ابن حجرٍ يساعده («وزاد إقبالاً عليه حين وَقَعَ السؤالُ عن حكمة الترقِّي - في التعجيز - من الذَّرة إلى الحبّة إلى الشعيرة في قوله ((فليخلقوا ذرةً) وأجاب التقي ـ الشُّمُنِّي - بديهةً بأنَّ صُنعَ الأشياء الدقيقة فيه صعوبة، والأمر بمعنىٍ التعجيزِ، فناسب التدلِّي من الأعلى - الأشدِّ صعوبةٌ، لصغره - إلى الأدنى - الأقلُّ صعوبةً، لكبره -، فاستحسنه - ابن حجر - وزاد في إكرامِه والتعريفِ يفضيلته)). ونبَّهني إلى هذه القصة أولاً المناويُّ في ((فيض القدير)» ٤: ٤٨٢.