النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
عز وجل قد استجاب لي في أمتي وغَفَر للظالم، أُهْوَى يدعو بالثُّبُور
والوَيْلِ، ويَحْثُو الترابَ على رأسه، فتبسَّمتُ مما يَصنعُ من جَزَّعه)».
اقترفوه، إلا ما كان من ◌ُلْمِ بعضهم بعضاً. أي: إلا ما كان من حقوق لبعضهم
على بعض (المظالم التي بينهم)، فإن الله تعالى أوقف ذلك.
فكان من رأفته ورحمته - وهو الرؤوف الرحيم بالمؤمنين - أن عاد إلى دعاء
ربه، وهو يعلم كرمه وفضله ورحمته بعباده، ويعلم أيضاً أن رأفته ورحمته بالمؤمنين
إنما هي مستمدَّة من رأفة الله تعالى ورحمته، فعاد الدعاءُ والإلحاح، وإن الله يحبُّ
من عبده الإلحاحَ في الدعاء.
وقال: يا رِب إنك قادر أن تغفِر لهذا الظالم، وقادر أن تُرضيَ مظلومَه عنه
فتثيّه خيراً من حقُّه الذي له على ظالمه. وذلك بأن تُعطيه ((من الجنة)) ما يشاء، كما
جاء في رواية ابن ماجه، فيكون فضلك قد عمَّ الطرفين: الظالم والمظلومَ. يا رب
فاغفر. فاغفر يا رب.
فلم يكنْ من الله الكريم إلا أنْ أجابَ دعاءَ حبيبه الذي سماه في قرآنه
الخالد: ﴿بالمؤ منين رؤوف رحيم﴾. فصلواتُ الله تعالى وسلاماتُه عليه، وجزاه الله
عنا أفضلَ ما جَزَى نبياً عن أمته، كم أسدى إلينا من الخيرات والمكرمات.
فكان من ذلك الفضلِ الإِلَهي: سرورُ حبيبه وضَحِكُه، وغضبُ إبليسَ
وجَزَعُه.
اللهم فأكرِمْ سيدنا محمداً ﴿ في أمته بالأخذ بناصيتها إلى كلُّ خير دنيا
وآخرة.
ولما كان ضحكُ النبيِّ وَهُ في وقتٍ ويومٍ لا يُناسبُه إلا الخضوع والدموع
عَجِبَ بعض الصحابة من ذلك، وسُمُّوا في رواية ابن ماجه: أبا بكر وعمر، فكان
الجواب بالبشارة بنتيجة ذاك الخضوع وتلك الدموع: إن الله عز وجل قد استجاب
لي في أمتي وغفر للظالم، وأما التبسم: فلأن الله أخزى إبليس، وراح اللعينُ يدعو
على نفسه بالهلاك الدائم، ويحثو على رأسه التراب.
فالحمد لله على ما أنعم به وتفضَّل. وصلَّى الله وسلَّم على سيدنا محمد
رحمةِ الله المُهْداةِ .

٢٠٢
٤٥ - عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: بعثني
رسول الله وَ﴿ وأبا مَرْئَدٍ والزبيرَ - وكلُّنا فارس - قال: ((انْطَلِقوا حتى تأتوا
روضةً خاخٍ ، فإن بها امرأةً من المشركين معها كتابٌ من حاطِب بن أبي
بَلْتَعَةَ إلى المشركين) فَأُدْرَكْناها تسِير على بعير لها حيثُ قَل رسول
٤٥ - تخريجه: رواه البخاري في مواطنَ عدَّة من ((صحيحه))، منها هذا اللفظ
في كتاب المغازي - باب فضل من شهد بدراً ٧: ٣٠٤ (٣٩٨٣)، وأطال الحافظ
في شرح الحديث في كتاب استتابة المرتدين - باب ما جاء في المتأوُّلين ١٢: ٣٠٤
(٦٩٣٩)، ورواه مسلم في فضائل الصحابة - باب من فضائل حاطب بن أبي بلتعة
وأهل بدر رضي الله عنهم ٤: ١٩٤١ (١٦١) ومن شرح النووي ١٦ : ٥٥.
غريبه: الحُجْزَةِ: موضع مَعْقِد الإِزار.
يدٌ: صنيعة ومعروف.
معناه: في هذا الحديث الشريف عَلَمٌ من أعلام النبوة، أظهره الله عز وجل
في هذه المناسبة، لسلامة جيش الإِسلام من الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
ومَنْقَبةٌ وبشارةٌ لطائفة من الصحابة أكرمها الله عز وجل في أول موقعة كانت
بين جيش الحق، وجيش الباطل، هي موقعة بدر الكبرى.
حاطب بن أبي بلتعة صحابيّ جليل كان من أفراد جيش الإِسلام يوم بدر،
عَرَض له ضعفٌ ممزوجٌ بحسن نيّة، فَعَذَره الله تعالى على لسان رسوله وََّ، وأنه
مغفور له. ولم يكن عذرُه ومغفَرتُه مانعاً من أن يلقِّن الله عز وجل للمسلمين درساً
فِي الوَلاَءِ والبَرَاءِ.
قال حاطب - كما في رواية للبخاري ٧: ٥١٩ -: يا رسول الله لا تعجلْ
عليَّ، إني كنت امرءاً مُلْصَقاً في قريش - أي: حليفاً لا أَصيلاً فيهم - ولم أكنْ من

٢٠٣
اللّه ◌َل﴾. فقلنا: الكتابَ، فقالت: ما معنا كتاب، فأَنَخْناها، فالتمسْنا،
فلم نَرَ كتاباً، فقلنا: ما كذبَ رسول الله وَّهِ، لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ أو
لَنُجَرِّدَنَّكِ، فلما رأتِ الجِدَّ أَهْوَتْ إلى حُجْزَتها - وهي محتجزةٌ بكساء -
فَأَخْرَجَتْه، فانطلقْنا بها إلى رسول الله وَله.
أَنفُسها، وكان مَن معك مِن المهاجرين مَن لهم بها قَرَاباتٌ يَحْمُون أهليهم
وأموالَهم، فأحببتُ إذْ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أَتَّخذَ عندهم يداً يَحْمُون
قرابتي، ولم أفعلْه ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإِسلام. فهذا عذره.
فقال ◌َله: ((أما إنه قد صَدَقكم .. ، لعل الله اطلعَ على مَن شهد بدراً فقال:
اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)). فهذه مغفرةُ الله له .
فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تَتَّخِذوا عدوِّي وعدوّكم أولياءَ تُلْقُون إليهم
بالمودَّة وقد كفروا بما جاءكم من الحقِّ، يُخْرِجون الرسولَ وإياكم، أنْ تُؤْمنوا بالله
ربّكم، إنْ كنتم خرجتمْ جهاداً في سبيلي وابتغَاءَ مَرْضاتيٍ، تُسِرُون إليهم بالمودَّة وأنا
أعلمُ بما أُخْفَيْتُم وما أعلنتم، ومنْ يفعله منكم فقدْ ضلّ سَوَاءَ السبيل﴾. فهذا هو
الولاء والبَرّاء.
وفي الحديث الشريف درسٌ عظيمٌ لكل مسلم يَتَلَقَّتُه من أصحاب رسول
اللهِوَ﴿ - ومَن كان على هَذْيهم مِن الصادقين المصدِّقين -.
عليٌّ والزبيرُ وأبو مَرْثَد - وفي رواية: والمِقْداد - أربعةٌ رضي الله عنهم، قال
لهم رسول الله وَّ: امرأةٌ معها كتابٌ من حاطب، فَأَدْرَكوها، فسألوها الكتاب
فأنكرتْ، فعارض إنكارُها خبرَ رسول اللهِوَ ﴿، ولا ريبَ أنهم سيقدّمون خبرَ رسول
الله .
لكنهم فتَّشوها، فلم يجدوا شيئاً، فاعتضد إنكارُها ببحثهم وتفتيشهم، ومع
ذلك وَثِقوا بخبر رسول اللهِ وَله، ولم يلتفتوا إلى سواه: ((فقلنا: ما كذبَ رسول
اللهِ وَ﴿، لتخرجِنَّ الكتاب أو لَنجرِّدَتَّكِ)). فكان في أنفسهم من الثقة بكلام النبي
عليه الصلاة والسلام فوق ما يقولُه غيره، أو يَصِلون إليه من العلم بالبحث عنه من
قبلهم وبأنفسهم !.

٢٠٤
فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فَدَعْني
فَلَاضْربْ عنقه! فقال النبي ◌ََّ: ((ما حملكَ على ما صنعتَ؟)) قال
ولا يقال: كيف يكرِّر عمر على رسول الله وَهِ الاستئذانَ بضَرْب عُنُقٍ
حاطب، وقد أعلمه بصدقه، لأن الأمر كما قال ابن حجر ١٢: ٣٠٩: ((ظنَّ - عمر -
أن صِدْقَه في عذره لا يدفعُ ما وجب عليه من القتل)). فصدْقُه يغفر ذنبه عند الله
تعالى، أما خيانتُه فعقوبتها الدنيوية القتل، هكذا ظن رضي الله عنه.
وهذه الثقة منهم لها من الشواهدِ الأخرى والمواقفِ شيءٌ كثير من أخبار
الصحابة رضي الله عنهم.
أما مِن أخبار مَن كان على سُنَّتهم وهديهم: فكذلك لها مواقفُ كثيرة، أذكُر
منها شاهداً واحداً.
روى سيدنا عثمانُ رِضي الله عنه عن النبي ◌َلغير أنه قال: ((ما مِن عبدٍ يقول في
صباحِ كلّ يوم، ومساءِ كلِّ ليلة: بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء في الأرض
ولا في السماء، وهو السميع العليم - ثلاث مرات -: لم يضرَّه شيء)).
ورواه عن عثمان ابنُه أَبَانُ بنُ عثمان بن عفان. ومرةً كان أبانُ يحدِّث بهذا
الحديثِ الراويَ الشهيرَ بلقبه: أبا الزِّناد، وكان أبان قد أصابه فالج - عافانا الله -
فجعل أبو الزناد ينظُر إليه، كأنه يقولُ له: كيف أُصِبتَ بالفالج، وأنت تروي أن
النبي ◌َ﴾ قال: ((لم يضرَّه شيء)؟ !.
فقال له أبان: مالكَ تنظرُ إليَّ؟! أما إن الحديثَ كما حدَّثتك، ولكني لم أَقُلْه
في ذلك اليوم، لِيُمْضيَ الله عليَّ قَدَرَه. هذه رواية الترمذي ٩: ١٠٢ (٣٣٨٥)
وقال: حسن غريب صحيح.
ولفظُه عند أبي داود ٥: ٣٢٤ (٥٠٨٨): مالكَ تنظُر إليَّ، فوالله ما كذبتُ
على عثمانَ، ولا كذب عثمانُ على النبي ◌َّ، ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما
أصابني غضبتُ، فنسيتُ أن أقولَه.
وإذا كان عثمان لم يكذبْ على رسول الله، فرسولُ الله هو الصادقُ المصدوق
على الله وعن الله، فقوله وخبره حقٌّ وصدقٌ وحقيقة، فيجب أن يُؤْخَذ بالاستسلام
والتسليم .

٢٠٥
حاطب: والله ما بي أن لا أكونَ مؤمناً بالله ورسوله ،َ﴿، أردتُ أن تكونَ
لي عند القوم يَدّ يدفعُ الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحدٌ من أصحابك
إلا له هناك مِن عشيرته مَن يدفعُ الله به عن أهله وماله. فقال النبي أَّ من:
((صدق، ولا تقولوا له إلا خيراً)، فقال عمر: إنه قد خان الله والمؤمنين،
فُدَعْنِي فَلَأَضرِبْ عنقه! فقال: ((أليس من أهل بدر؟)) فقال: ((لعل الله
اطلع على أهل بدر فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم فقد وجبتْ لكم الجنة - أو:
فقد غفرتُ لكم)) فدمعتْ عينا عمرَ وقال: الله ورسوله أعلم.
فانظر ثقتهم بإخبارات رسول الله #، ورضي الله عنهم، ولْنَتَأْسَ بهم.
ويتصلُ بهذا: موقفُ عمر رضي الله عنه آخرَ الحديث، إنه قال عن حاطب:
قد خان الله ورسوله والمؤمنين، وهذا كلامٌ لا يُقال إلا بعد قناعةٍ تامةٍ بما في قرارة
النفس، فلما قال له : «أليس من أهل بدر، لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال:
اعملوا ما شئتم ... )): اغرورقت عيناه، وانقشَعَ ما في نفسه من تلك القناعة التي
استحلَّ بها دمَه - ولا أعزَّ من هذا ولا أشدَّ حرمةٌ من دم المرء - واستسلم لقول رسول
اللّه وَّ وقال: الله ورسوله أعلم من علمي وقناعتي، فَلأُقْلِعْ عما في نفسي إلى ما
جاء عن رسول الله أَ﴾.
ومثلُ اعتذارِ حاطبٍ لا يُزيل تُهَمَّةً، ولا يُزيحُ الشك عنه في مثل هذا الموقفِ
الخطير، أيام تجهيزِ عشرةِ آلافٍ مقاتلٍ لفتح مكة، فيكتبُ كتاباً يُفْشي فيه سرَّ
رسولِ اللهَ﴿ه العسكريَّ، فلو لم يكنِ الوَحِيُ صدَّق حاطباً لما صدَّقَه رسول الله ◌ِّ
وقال: ((صدق، ولا تقولوا له إلا خيرا)(١).
ونصُّ كتاب حاطب إلى قريش: ((أما بعدُ يا معشَرَ قريش فإن رسول الهَ وَّ
جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسَّيْل، فوالله لو جاءكم وحدَه لنصره الله وأنجز له
وعدَه، فانظروا لأنفسكم. والسلام))(٢).
١ - كونُ هذا التصديقِ كان منه﴾ عن وحي: أحدُ احتمالين ذكرهما ابن حجر ١٢: ٣٠٨،
والاحتمال الأول: ((أن يكون﴿ عرف صدقه مما ذَكَر)). وهذا أبعدُ عندي، وذاك أقربُ
وأرجحُ، إن لم يكن هو المتعيِّن. والله أعلم.
٢ - ((فتح الباري)) ٧: ٥٢١.

٢٠٦
وقوله ◌َي: ((لعل الله اطلع على أهل بدر)): قال فيه الحافظ في ((الفتح)) ٧:
٣٠٥: ((قال العلماء: إن الترجِّي - يعني كلمة: لعل - في كلام الله وكلام رسوله
للوقوع - أي: تفيد الوقوع والجزم - وعند أحمد وأبي داود وابن أبي شيبة من حديث
أبي هريرة بالجزم، ولفظه: ((إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد
غفرت لكم)) وعند أحمد بإسناد على شرط مسلم، من حديث جابرٍ مرفوعاً: ((لن
يَدخُلَ النارَ أحدٌ شهد بدراً)(١).
فهذا يؤيد جعلَ الحديث قدسياً.
ولا بدَّ من التنبيه لصحة فهم الحديث: أن الله تعالى قد غفر لأهل بدر
- والحديبية - ما فَرَطَ منهم من حقوق الله عز وجل، أما ما كان منهم من أمور تتعلّق
بحقوق العباد فحقوق العباد لا تسقط إلا بإسقاطهم، وتبقى المؤاخذة الإِلّهية مغفورة
لهم.
قال الحافظ في ((الفتح)) ٧: ٣٠٦: ((واتفقوا على أن البشارة المذكورة: فيما
يتعلَّق بأحكام الآخرة، لا بأحكام الدنيا، من إقامة الحدود وغيرها)).
وقال ١٢: ٣١٠: ((وقد استُشْكِلَتْ إقامةُ الحدِّ على مِسْطَح بقذف عائشة
رضي الله عنها، كما تقدَّم، مع أنه من أهل بدر، فلم يُسامَح بما ارتكبه من الكبيرة،
وسُومح حاطب، وعُلِّل بكونه من أهل بدر؟ والجواب ما تقدم في باب فضل من شهد
بدراً - ٧: ٣٠٦ - أن محل العفو عن البدري في الأمور التي لا حدَّ فيها)). وأصلُ
هذا للقاضي عياض والنووي ١٦ : ٥٦.
وفي الحديث أيضاً من الدروس والعبر ما يحتاجه كلِّ مسؤول، من رئيس
١ - الحديث الأول عند أحمد ٢: ٢٩٥، وأبي داود ٥: ٤٢ (٤٦٥٤) عن شيخيه موسى بن
إسماعيل وأحمد بن سنان، ولفظ موسى: فلعل الله، ولفظ ابن سنان: اطلع الله، وأما الحديث
الثاني فهو عند أحمد ٣: ٣٩٦ بلفظ: ((لن يَدخُلَ النارَ رجلٌ شهد بدراً والحديبية)). وروى
مسلم ١٦: ٥٧ عن جابر أن عبداً لحاطب جاء رسولَ الله ## يشكو حاطباً، فقال: يا رسول الله
ليدخلنَّ حاطبٌ النارَ! فقال رسول الله:﴿: ((كذبتَ، لا يدخلها، فإنه شهد بدراً والحديبية)»،
وكأن هذه الرواية أصل رواية ((المسند)»؟.

٢٠٧
وسلطان وقائد ونحوهم. وهو أن لا يُؤْخَذ ويتأثَّر بكلام مَن حوله، ولو كان مِن البطانة
الصالحة، ولو كان في مواقف صعبة حرجة، بل عليه بالتثبّت والتأني واستبانة ما
وراء الأمور بنفسه، وإلا فإن الخطأ منه قريب، وقد لا يمكنه تدارك الخطأ.
يستفاد هذا من موقف سيدنا رسول الله ﴿ الإمام الحكيم، والقائد الرشيد:
رجل يُفْشي سرَّه العسكري، ونحن نعلم حرصه الشديد ﴿ في الأمور
العسكرية، وحديث كعب بن مالك معروف يوم تخلّف عن غزوة تبوك، وقوله في
أوله: لم يكن رسول الله ﴿ يريد غزوةً إلا وَرَّى بغيرها، فكيف بهذا الموقف !! إنها
إساءةٌ كبيرة، وذنبٌ فادحٌ لا يَحتملُه أيُّ قائد كان، فهو بحدّ ذاته لا داعيَ فيه أن يُثارَ
القائدُ من أحدٍ أفرادِه ليقول له: اقتلْه، أو: دَعْني لأقتَلَه، بل يكفي اعترافُ فاعلِه
على نفسه أنه فعله، ليقتلَه القائد بنفسه، أو يأمر بقتله.
ولكنَّ رسولَ الله ◌َ﴿ القائدَ المعلِّمَ المشرِّع لم يفعل ذلك، ولم يتأثَّر بكلمةٍ
عمر وتقديمه نفسه لقتل حاطب، بل قال: (ما حملك على ما صنعتَ؟)).
فهذا هو درسُ التثُّت في المواقف الحرجة - بَلْهَ مواقف السِّلم - وهذا درس
التعقُّل وعدم الانسياق مع كلام الآخَرين وإن كان من المقرَّبين ومن البطانة الصالحة
کعمر رضي الله عنه.
ولا علاقةً هنا لكون رسول الله﴿ مسدَّداً مؤيَّداً بالوحي، فالوحيُ بعد
التثبت، وبعد إظهارِ حاطبٍ عذرَه. والله أعلم.
نسأل الله تعالى السداد في الأمور كلها بمنُّه وكرمه.

٢٠٨
٤٦ - عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي # فيما يَحْكيه عن
ربِّه عزَّ وجلَّ، قال: ((أيُّما عبدٍ من عبادي خَرَج مُجاهداً في سبيل الله
٤٦ - تخريجه: رواه النسائي: كتاب الجهاد - باب في ثواب السَّرِية التي
تُخفق ٦: ١٨ (٣١٢٦). ونحوه في صحيح مسلم: كتاب الإمارة - باب فضل
الجهاد والخروج في سبيل الله ٣: ١٤٩٥ (١٠٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه،
عن النبي# أنه قال: ((تَضَمِّن الله لمن خَرَج في سبيله لا يُخرجُه إلاَّ جهاداً في
سبيلي وإيماناً بي وتصديقاً برسُلي: فهو عليَّ ضامنٌ أنْ أُدخِلَه الجنة، أو أَرْجِعَه إلى
مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة .. )) وهو في شرح النووي ١٣ :
١٩، ونحوه لفظ البخاري ١: ٩٢ (٣٦) وواضح ما فيه من جُمَلٍ لفظُها حديثٌ
قدسي، لكنْ روايةُ النسائي صريحة فاعتمدتُها.
معناه: الحديثُ في لون آخر من ألوان أجرِ المجاهدين. فهو يحكي ما أعدَّه
الله سبحانه للمجاهدين من أجر دنيويّ وأخروي.
فالمجاهد: له إحدى الحُسْنِين: إما سلامةٌ وإما استشهاد.
فإن سَلِم ورجع إلى أهله: رَجَع بأجرٍ عظيم ذَخَره الله له يوم القيامة، ورجع
أيضاً بمغنَم من أرض المعركة. والأجرُ العظيمُ يومَ القيامة محفوظً له مدَّخَر، أما
المغنم: فقد يكون مع الأجر، وقد لا يكون، ولذلك جاء بلفظ: أو غنيمة، على أنه
جاء في حديثٌ آخر عند أبي داود ٣: ١٦ (٢٤٩٤) عن أبي أمامة الباهلي مرفوعاً:
(( . . رجلٌ خرج غازياً في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يتوفاه، فيدخلُه الجنة
أو يردُّه بما نال من أجر وغنيمة))(١).
وإن استشهد: قَدِم على الله تعالى يوم القيامة مرحوماً مغفوراً له. وكفى ببارقة
١ - وانظر ((الفتح)) ٦: ٨.

٢٠٩
ابتغاءَ مَرْضاتي: ضَمِنْتُ له أنْ أَرْجِعَه - إنْ أَرْجَعْتُه - بما أصابَ من أجرٍ أُوْ
غنيمة، وإِنْ قَبَضْتُه غَفَرْتُ له وَرَحِمْتُه)).
السيوف له فتنةً، فلا يُعرَض على فتنة أخرى بعدها. وكلَّ مؤمن مضمون له الجنة،
لكنْ قوله في الروايات الأخرى: ((فهو عليَّ ضامن أن أدخله الجنة)): أي مع أول
الداخلين لها، لأنه مغفور له، فليس ثمة عَثَراتٌ أمامه تُعَرْقِل سرعةً دخوله الجنة.
ويلاحظ في الحديث أن الله تعالى رتَّب هذا الجزاء العظيم في الدنيا والآخرة
لمن توفّر في جهاده أمران: أن يكون جهاده في سبيل الله، وأن يكون خالصاً لوجه
الله وابتغاء مرضاته .
ويكون الجهاد في سبيل الله إذا كان لإعلاء كلمته سبحانه.
روى البخاري ٦: ٢٧ (٢٨١٠) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن
رجلاً جاء إلى النبي ﴿ فسأله فقال: الرجلُ يُقاتِل للمغنم، والرجل يقاتل للذِّكْر،
والرجل يُقاتل لِيُرَى مكانُه، فمنْ في سبيل الله؟ فقال له عليه الصلاة والسلام جواباً
عاماً وقاعدةً عامة: ((مَن قاتل لتكونَّ كلمةُ الله هي العليا: فهو في سبيل الله)).
ويكون خالصاً لوجه الله وابتغاء مرضاته: بأنْ لم تُشارِك نيةَ الجهاد في سبيل
الله نیةٌ أخرى.
روى النسائي في ((سننه)) ٦: ٢٥ (٣١٤٠) بإسناد جيد (١) إلى أبي أمامة
الباهلي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّ فقال: أرأيتَ رجلاً غزا يلتمسُ
الأجرَ والذُّكْرَ، مالَه؟ فقال رسول الله بَّهِ: ((لا شيءَ له)) فأعادها ثلاثَ مراتٍ يقول له
رسول الله وَ﴿ ((لا شيء له))، ثم قال: ((إن الله لا يقبلُ من العمل إلا ما كان خالصاً
وابتُغِيَ به وَجْهُه)».
١ - وعزاه الحافظ في (الفتح)) ٦: ٢٨ إلى أبي داود أيضاً، ولم أره فيه، وانظر ((فيض القدير))
للمناوي ٢ : ٢٧٥ .

٢١٠
٤٧ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّه:
((يُؤْنَى بالرجل من أهل الجنة، فيقول الله عز وجل: يا ابن آدم كيف
وجدتَ منزِلَك؟ فيقول: أيْ ربِّ خيرَ منزل، فيقول: سَلْ وَتَمَنَّ، فيقول:
٤٧ - تخريجه: رواه النسائي في كتاب الجهاد - باب ما يتمنَّى أهل الجنة ٦:
٣٦ (٣١٦٠).
معناه: في هذا الحديث إعلانٌ من الله عز وجل لفضل الشهادة في سبيله عن
طريق الحوار مع رجل من أهل الجنة، ولم يُوصَف في الحديث بأن هذا الرجل من
زمرة الشهداء، فَيَحتمِل أن يكونَ منهم، فيكونَ سؤالُه الله تعالى أن يردّه إلى الدنيا
سؤالَ من ذاق كرامة الشهادة، فلذلك يطلُبُها أن تتكرر له عشر مرات - ولربما كان
العدد هنا غير مراد، بل للكثرة -.
ويَحتمل أن يكون الرجل ليس منهم، إنما سأل ذلك لِمَا رآه من إكرام الله عز
وجل للشهداء، فأحبَّ أن يُردَّ إلى الدنيا لِيُقَاتَلَ في سبيل الله فيقتلَ، ثم يردّ ثانية
وثالثة، وهكذا، ليتكرَّر له تذوُّقُ فضل الشهيد(١).
ومع أن منزلته التي هو فيها الآن في خير عظيم، وقد شكر ربَّه عليها، وقال
له: إنها يا ربِّ خير منزل، لكنْ لما يكون له مجال للرجوع إلى الدنيا التي بها يكون
التزُّد للدرجات العالية في الجنة، فإنه يرغب إلى الله تعالى أن يردّه إلى الدنيا ليفوز
١ - ذكر هذين الاحتمالين السنديُّ رحمه الله تعالى في ((حاشيته)) على ((سنن النسائي)). ويُضْعِفُ
الاحتمالَ الثاني حديث البخاري ٦: ٣٢، ومسلم ١٣: ٢٤ عن أنس عن النبي 18: ((ما من
أحدٍ يدخل الجنة يحبُّ أن يرجع إلى الدنيا وأن له ما على الأرض من شيء، غيرُ الشهيد، فإنه
يتمنى أن يَرجِع فيقتلَ عشر مرات، لِمَّا يرى من الكرامة)). فهذا الحصر الذي في قوله (ما من
أحد .. غير الشهيد)) يدل على أن الشهيد هو الذي يرى الكرامة، وأن غيره لا يحب الرجوع
إلى الدنيا. والله أعلم.

٢١١
أسألُك أن ترُدَّني إلى الدنيا فأقتلَ في سبيلك عَشْرَ مراتٍ. لِمَا يَرَى من
فضل الشهادة».
فيها بالشهادة مرة تِلْوَ مرة. وما ذلك إلا لِمَا يُريه الله تعالى لأهل الجنة من فضل
الشهادة والشهداء.
وفي حديث البخاري ٦: ١٦ (٢٧٩٧) وغيره: ((والذي نفسي بيده لَوَدِدْتُ
أني أقتلُ في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل)). قال
هذا لبيان فضل الجهاد في سبيل الله وتحريض المسلمين عليه. صلوات الله وسلامه
عليه .
ولئن كانت هذه الرغبة من غير الشهيد(١): فإنها من الشهيد متوقّعةٌ من بابٍ
أولى، كما جاء ذلك في حديثي ابن مسعود عند مسلم، وجابر عند الترمذي،
الآتییْن.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ((الفتح)) ٦: ٣٣: ((قال ابن بطال: هذا
الحديث أَجَلُّ ما في فضل الشهادة، قال: وليس في أعمال البرِّ ما تبذل فيه النفس
غيرُ الجهاد، فلذلك عَظُم فيه الثواب)».
١ - هذا بناء على الاحتمال الثاني.

٢١٢
٤٨ - عن مسروق قال: سأَلْنا عبدالله بن مسعود عن هذه الآية:
( وَلا تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلوا في سبيل الله أَمْوَاتاً بلْ أحياءٌ عند ربِّهم
يُرْزَقون﴾؟ قال: أَمَا إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: ((أرواحُهم في جَوْفٍ
طَيْرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلّقةٌ بالعرش، تَسْرَحُ من الجنة حيثُ شاءتْ، ثم
تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلَعَ إليهم ربُّهم اطّلاعةً فقال: هل تَشْتَهون
شيئاً؟ قالوا: أيَّ شيءٍ نشتهي ونحن نَسْرحُ من الجنة حيثُ شِئنا؟! ففعل
٤٨ - تخريجه: رواه مسلم في ((صحيحه)) كتاب الإمارة - باب بيان أن أرواح
الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ٣: ١٥٠٢ (١٢١) و((شرح
النووي)) ١٣ : ٣١.
معناه: بيّن هذا الحديثُ الشريفُ أن الشهيد لا يتمنَّى إلا أن يُعيده الله تعالى
إلى الدنيا، ليقاتلَ مرة ثانية وثالثة .. في سبيل الله، فيقتلَ، ليتجدَّد تنعُّمه بفضل الله
مرة بعد مرة.
وفي هذا الحديث تفسير للحياة المذكورة في الآية الكريمة: ﴿أحياءً عند
ربهم يُرْزَقون﴾ فالحياةُ: هي أن أرواحهم في حواصلِ طيرٍ تتنقّل تحت العرش
على قناديلَ معلّقةٍ به، كما تتنقل طير الدنيا وبلابلُها على أغصان الشجرة.
والمشابهة في الأسماء فقط، فقناديلُ الآخرة غيرُ قناديل الدنيا - ولا سيما
القناديل التي تتعلَّق بالعرش - والطير غير الطير !.
(((فقال: هل تشتهون شيئاً): في نسخة الإمام النووي التي شرح عليها: ((فقال
لهم الله تعالى: هل تشتهون شيئاً). وهذا تصريح بقدسيَّة هذه الجملة، وإن كان
واضحاً.

٢١٣
بهم ثلاث مرات، فلما رَأَوْا أنهم لن يُتْرکوا من أن يَسألوا(١) قالوا: يا رب
نريد أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادنا حتى نُقْتَلَ في سبيلك مرةً أخرى، فلما
رأى أنْ ليس لهم حاجةٌ تُرِکوا)).
فلما أظهر الله عز وجل منهم أنْ ليس لهم حاجة في الجنة سوى هذه
الحاجة، لم يُكَرِّر عليهم الطلبَ بعد المرات الثلاث، لأن عودهم إلى الدنيا أمرٌ قد
فُرِغ منه، كما جاء بيانه في الحديث الآتي.
١ - ضبط العلامة عليّ القاري رحمه الله في ((المرقاة)) ٧: ٢٧٧ ((يَسألوا)) هكذا: ((بصيغة الفاعل))
أي: بفتح الياء، ليكون مبنياً للفاعل - أي للمعلوم - لا بضم الياء مبنياً لما لم يُسمَّ فاعله - أي
للمجهول، كما يقولون ..
وما جاء في طبعة متن ((صحيح مسلم)) نشرة محمد فؤاد عبد الباقي، متابعاً لما في طبعة
(شرح النووي)) يُسْألوا: فخطأ مطبعي يُجتَنَب.

٢١٤
٤٩ - عن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما قال: لَقِيَني
رسولُ اللهِ وَّ فقال لي: ((يا جابرُ مالي أراكَ مُنْكَسِراً؟)) قلتُ: يا رسول الله
استُشْهِد أبي يومَ أُحُد وترك عِيالاً ودَيْناً. قال: قال: ((أَلَ أَبَشِّرُك بما لَقِيَ الله
٤٩ - تخريجه: رواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن - من تفسير سورة آل
عمران ٨: ١٨٧ (٣٠١٣) وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأشار إلى
رواية الإِمام أحمد في ((المسند)) ٣: ٣٦١ من طريق عبدالله بن محمد بن عَقيل،
عن جابر مرفوعاً بلفظ: ((يا جابر أما علمتَ أن الله أحيا أباك فقال له: تمنَّ عليّ
فقال: أُرَدُّ إلى الدنيا فأقتلَ مرة أخرى، فقال: إني قضيتُ الحكمَ أنهم إليها لا
یرجعون).
غريبه: منكسراً: أي منكسر الخاطر، حزينا.
العيال: قال في ((المصباح المنير)): هم ((أهل البيت ومَن يَمُونه
الإنسان، الواحد: عَيِّل، مثل: جِياد وجيِّد)).
كفاحاً: قال في ((المرقاة)) ١١: ٤٣٩: أي: ((من غير واسطة بينه وبين الله تعالى)).
تمنَّ عليّ: التمني: تَشَهِّي حصول الأمر المرغوب فيه، كما قال ابن الأثير
أيضاً، وهذا الأمرُ المرغوبُ فيه: مطلقٌ، سواء كان بعيدَ الحصول عليه، أو قريباً،
ممكناً أو غير ممكن. أما ((ليت)) - وهي للتمني - فإنها غالباً تُستعمل مع المستحيل
الوقوع، وقد تأتي مع ممكن الحصول، على قلّة.
معناه: في هذا الحديث تأكيدٌ على المعنى السابق، وهو أنه لا أُمنيةَ ولا رغبةَ
عند الشهداء إلا أن يَردِّ الله تعالى عليهم أرواحهم، ليقاتلوا في سبيله مرة أخرى،
فَيُقْتلون، فَيَتْنَعِّمون بكرامة الشهادة. لكنْ زادت هذه الرواية على سابقتها أن الله
تعالى يُخبرهم أنه لا مجال إلى العودة ثانية إلى الدنيا، إذْ قد سَبَق من الله تعالى
قضاؤه المُبْرَمَ: أنْ لا رجعةً إلى الدنيا بعد الخروج منها.

٢١٥
به أباك؟)) قال: بلى يا رسول الله. قال: ((ما كلَّم الله أحداً قطُّ إلا من
وراء حجاب، وأَحيا أباكَ فكلَّمه كِفَاحاً فقال: يا عبدي تَمَنَّ عليَّ أُعْطِك،
قال: يا ربِّ تُحْييني فأقتلَ فيك ثانيةً. قال الرِبُّ تبارك وتعالى: إنه قد
سَبَق مني أنهم إليها لا يُرْجَعون)). قال: وأنْزلتْ هذه الآية: ﴿ولا
تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلوا في سبيل الله أمواتاً ﴾ الآية.
وفي قوله ((سَبَق مني أنهم إليها لا يرجعون)): تلطّف وتنبيه إلى أدب من آداب
المخاطبة، فإن الله تعالى لم يخاطبْ عبدَالله والدَ جابر: سَبَق مني أنكم إليها لا
ترجعون، قطعاً لتمنَّه، إنما تلطّف فخاطبه بضمير الغائب، وإن كان المؤدَّى واحداً،
لا سيما والمقامُ مقامُ تكريم للشهيد، لا مقامُ ردِّ رغبة، وصدٍّ عن طَلَب.
وقوله وَله: ((ما كلَّم الله أحداً قطُّ إلا من وراء حجاب)): فيه أمران: الأمر
الأول: أن ظاهره لا يُلَقي قول جابر: ترك أبي دَيناً وعيالاً، فلذلك تَراني منكسر
الخاطر! وجوابه: أن هذا الإِكرامَ الإِلَهيَّ الذي لقيه أبوك إكرامٌ عظيمٌ يَفوق ويُغطّي
كلَّ مشكلة تَعرِض لك من جَرَّائه، فلا تَهتَمَّ .
قال القاري في ((المرقاة)) ١١: ٤٣٩: ((قال الطَّبيُّ: هذا الجواب من
الأسلوب الحكيم، أي: لا تهتم بشأن أمر دنياه من همَّ عياله وقضاء دينه، فإن الله
تعالى يقضي عنه دينه ببركة نبيِّه ◌َ ﴿، ويلطف بعياله، ولكن أبشِّرك بما هو فيه من
القُرب عند الله سبحانه، وما لقيه به من الكرامة والمنحة)).
والجملة الأولى من هذا الجواب تذكّرنا بالحديث الذي رواه البخاري في
مواضعَ من ((صحيحه))، أولها في كتاب البيوع - باب الكيل على البائع والمعطي ٤:
٣٤٤ (٢١٢٧) فانظره وانظر أطرافه هناك. وجملة الحديث، أن والدَ جابر: عبدَ الله
ابن عمرو بن حَرَام رضي الله عنه استشهد يوم أُحُد، وترك ديناً كثيراً عليه، وجاء
الغرماء يطالبون جابراً بما لهم على أبيه، وفيهم رجل يهودي، فكلّمهم جابر أن
يقسِّطوا الدَّيْن أو يحطّوا عنه بعضه، فلم يفعلوا، فاستشفع إليهم بالنبي ◌َّ فلم
يقبلوا .
وكانت تَرِكةُ عبدالله بن عمرو بن حرام حائطاً من نخيل، ومحصولُه قليل لا
يَفي بدَيْنه، بلَ غلَّة سنين له لا تفي بدينه.
٠

٢١٦
·
فلما رأى النبي # ذلك منهم قال لجابر: ((صنّف تمرك أصنافاً: العجوةَ على
جِدَة، وعِذْقَ ابن زيد على حِدَة، ثم أَرْسِل إليَّ))، ففعل ذلك جابر، وأخبر
النبي ﴿ بما فعل، فجاء عليه الصلاة والسلام ومشى حول البيادر المصنّفة، ودعا
الله تعالى، ثم جلس على أحدها، وأمرهم بالكيل والاستيفاء، ففعلوا، فأوفاهم
دَيْنِهم جميعَه، قال جابر: وبقي تمري كأنه لم يَنْقُص منه شيء! وفي رواية: كأنه لم
يُمَسَّ !.
وقال ﴿ لجابر: ((أخبر بذلك ابن الخطاب))، وفي رواية: أبا بكر وعمر،
فأخبرهما، فقالا: قد علمنا إذَّ صَنَع رسول الله وَلِ ما صَنَع - وهو الدعاء والجلوس -
أنْ سيكونُ ذلك. وقال عمر: قد علمنا أنك رسول الله، والله إنك لرسول الله.
صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا ما يُشير إليه الطّيبي رحمه الله في قوله: إن الله تعالى يقضي عنه دَيْنه
ببركة نبيه وَي*، ويلطف بعياله، فلا داعي للاهتمام.
والأمر الثاني الذي في قوله وَله: ((ما كلَّم الله أحداً قطّ إلا من وراء حجاب)»:
فهو أنه لا تعارض بين هذا القول الكريم، وبين قول الله عز وجل: ﴿وما كانَ لبشرٍ
أن يُكَلِّمَه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب .. ﴾ الخاصُّ بالأنبياء والمرسلين عليهم
الصلاة والسلام، وعبدُالله هذا ليس منهم.
وبيانُ عدمِ التعارض: أن التكليمَ المذكورَ في الآية الكريمة خاصّ بالدنيا،
أما عبدُ الله رضي الله عنه فإن الله تعالى كلَّمه كفاحاً وهو في عالم البرزخ. أفاده العلامة
القاري رحمه الله، أيضاً.

٢١٧
٥٠ - عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَالَ: ((عَجِبَ ربُّنا من رجلٍ غَزَا في سبيل الله، فانهزم - يعني: أصحابه -
فعلمَ ما عليه، فرجع حتى أَهَرِيقَ دمُه، فيقول الله تعالى لملائكته:
٥٠ - تخريجه: رواه أبو داود: كتاب الجهاد - باب الرجل يشري نفسه ٣ :
٤٢ (٢٥٣٦)، ورواه الحاكم في ((المستدرك)) ٢: ١١٢ وصححه ووافقه الذهبي،
ولفظه: ((فانهزم أصحابُه)) دون أداة التفسير ((يعني)).
معناه: يخبرنا النبي ◌َ عن عبدٍ من عباد الله جاد بنفسه في سبيل الله، على وجه
غير مألوف من قِبل كثير من المجاهدين، فنال هذا العبد الشهيد إعظامَ الله تعالى لفِعْلته
هذه، وإكبارَه لها، فأكرمه الله عز وجل بأنْ باهى به ملائكته الكرام وفاخَرَهم به !.
وإخبارُ النبيِ وَّهُ لنا بذلك: فيه حضّ لنا وترغيبٌ بهذه المَكْرُمة التي نال بها
هذا الشرفَ العظيم.
تلك هي: رجلٌ غزا مع قوم في سبيل الله، فانكشفوا أمامَ عدوّهم وهُزِموا،
أما هو فعلم ما عليه من وزر(١)، فراجع نفسَه، وذكَّرها بحق الله تعالى والإِسلام عليه،
فرجع إلى مصافِّ العدوِّ وحده، فقاتلهم حتى قُتِل، يبتغي بذلك ما عند الله من
أجر، ويَحْذَر ما عنده من عقاب: أَن يكتبه من الفارِّين من الزَّحْف، والفرارُ من
الزَّحْف أحدُ السبع المُؤْبِقات.
فعجب الله جلَّ شأنُه من إقدام عبده على إراقةٍ دمِه بعد أنْ تمكّن من عذر
يُعْذَر به لو فرَّ، وكيف يرجع إلى الموت مَن نجا منه؟ ولو لم يكن مُلىء هذا العبد
إيماناً من فَرْقه إلى قدمه لما فَعَل ما فَعَل، وربُّك أكرمُ من أن يَغمُرَ عبداً أراد إعلاءَ
كلمة الله، فلذلك رَفَع ذكّرَه عند ملائكته فباهاهم به.
١ - كتبت هذا وما بعده بناءً على كلام المناوي في ((التيسير)) ٢: ١٢٧، وتبعه صاحب ((عون
المعبود)» ٧: ٢١١، مع أن في الجزم بالحرمة والوزر وقفةً ظاهرة، إذا لا يجب على الواحد أن
يقف أمام أكثر من اثنين. انظر كلام العلقمي الآتي.

٢١٨
انظُرُوا إلى عبدي! رَجَع رغبةً فيما عندي، وشفقةً مما عندي، حتى
أُهَرِيقَ دمُّه!)).
والتعجّبُ يكون من أمرٍ خَفِيَ سببُه ولم يُعلَم - كما قال ابن الأثير في ((النهاية))
٣: ١٨٤ - و﴿إن الله لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء﴾ فكيف
يَخْفى عليه سببُ رجوع هذا المجاهد إلى حَلْبته، بل إنه يقولُ هنا: ((رجع رغبةٌ
فيما عندي، وشفقةً مما عندي)» فالأمرُ والسببُ معلومان مذكوران.
لذلك استبعد أهل العلم هذا المعنى بالنسبة إلى الله عز وجل.
فَنَقَل المناوي رحمه الله في ((فيض القدير)» ٤: ٣٠٣ في شرح حديث
البخاري: ((عَجِبَ ربُّنا من قوم يُقَادُون إلى الجنة بالسلاسل))؛ عن القاضي
البيضاوي رحمه الله قوله: ((إن صفات العباد إذا أُطلقتْ على الله أريد بها غاياتها،
فغايةُ التعجُّبِ من الرضا بالشيء: استعظامُ شأنِه)».
وأولى من هذا وغيره من التأويلات أن يقال: إنه عَجَب يليق بكمال ربِّنا
وجلاله .
وفي هذا الحديث من الفوائد الفقهية: ما ذكره المناوي في المصدر
المذكور: ((أن نية المقاتل في الجهاد طَمَعاً في الثواب وخَوْفَ العقاب على الفرار:
معتبرةٌ، لأنه علَّل الرجوع للرغبة وللإشفاق)). أي: إن هذا الطمع والخوف لا يؤثّران
على نية المقاتل، ولا يُفسِدان نيّتَه الجهادَ في سبيل الله.
وحكمٌ فقهي آخر: قال صاحب ((عون المعبود)) ٧: ٢١١: ((قال العَلْقَمي:
في الحديث دليلٌ على أن الغازي إذا انهزم أصحابُه وكان في ثباته للقتال نكايةٌ
للكفار، فيستحبُّ الثبات، لكن لا يجب، كما قاله السُّبْكي. وأما إذا كان الثبات
موجِباً للهلاك المحض من غير نِكاية فيجبُ الفرار قطعاً. انتهى)).
قلت: قال الله تعالى: ﴿والله يَعلَمُ الْمُفْسِدَ من المُصْلِحِ﴾.

٢١٩
٥١ - عن العِرْباض بن ساريةً رضي الله عنه، أن رسول الله وَه
قال: ((يَخْتَصِمُ الشهداء والمُتَوَقَّوْن على فُرُشهم إلى ربنا، في الذين
٥١ - تخريجه: رواه النسائي: كتاب الجهاد - باب مسألة الشهادة ٦ : ٣٧
(٣١٦٤)، وهذا لفظه، ورواه أحمد ٤: ١٢٨ و١٢٩، وعبد الله بن أبي بلال راويه
عن العرباض: وثقه ابن حبان ٥: ٤٩، فحديثه حسن، ولا أقلّ.
غريبه: يختصم: يتجادل، والخصام: المجادلة.
الطاعون : هو ((المرض العامُّ والوباء الذي يَفسُد له الهواء، فتفسُد به الأمزجة
والأبدان)) كما قال ابن الأثير، وفيه كلام كثير غيرُ هذا جمعه الحافظ ابن حجر في
((فتح الباري) ١٠ : ١٨٠.
معناه: هذا لونٌ آخَر من ألوان الشهادة والشهداء.
وإن من فضل الله على هذه الأمةِ أنْ أَكْثَرَ مِن أنواع الشهادة، ليكثرُ الشهداء
في الأمة المحمدية، وقد جَمَعَ العلماء أنواع الشهادة، وأفرد لها المنذري رحمه الله
فصلًا في ((ترغيبه)) ٢: ٣٣٢ - ٣٤٠، ثم أفردها في جزءٍ شيخنا العلامةُ الحافظُ الشيخ
عبد الله الصديق الغُماري حفظه الله تعالى، سماه («إتحاف النبلاء)) وهو مطبوع.
والشهداء ثلاثة أصناف: شهيد في الدنيا والآخرة، وشهيد دنيا، وشهيد آخرة.
فشهيد الدنيا والآخرة: شهيد الجهاد في سبيل الله ولم يرتكب محظوراً من
محظورات الجهاد، ومات فور طَعْنِه، أو بعد أنْ طُعن لكنْ لم يستفدْ من هذه الفترة
بين طعنه ومفارقته الحياة فائدةً دينيةً - كوصيَّة مثلاً - أو دنيويةً، ولا يؤثِّر على شهادته
معالجتُه - مثلاً - ليبرأ من أضرار طعنه، إلا إذا بَرَأ منها.
وشهيد الدنيا: مَن وَقَع في محظورٍ من محظورات الجهاد، فأفسدَ جهاده،
- كغُلُوله من الغنيمة، أو ريائه - لكنه لو استشهد لَعُومِلَ معاملةَ الشهيد من أنه: لا

٢٢٠
يُغسَّل، ولا يُكَفَّن، بل يُزَمَّلُ ويُلَفَّفُ بثيابه، وعملُه ذاك يُفْسِدُ عليه أجرَ آخرتِهِ،
لذلك لا يُقال له: شهيد آخرة أيضاً.
وشهيدُ الآخرة: هم أصحابُ الأنواع الأخرى من أنواع الشهادات، التي
تقدَّمتْ الإِشارة إليهم، فهؤلاء لا يُسمَّون: شهداء دنيا أيضاً، لأنهم ليس لهم:
أحكامُ الشهداء في الجهاد من أن الواحد منهم لا يُغَسَّل ولا يُكفّن، بل لهم الأجر
العظيم في الآخرة، فهم شهداء آخرة.
ومن هذا الصنف الثالث: ما جاء ذِكْره في ((صحيح البخاري)): كتاب الجهاد
- باب الشهادة سَبْعٌ ٦: ٤٢ (٢٨٢٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن
رسول الله ﴿ قال: ((الشهداءُ خمسةٌ: المطعونُ، والمُبْطون، والغَرِق، وصاحبُ
الهَدْم، والشهيد في سبيل الله)).
فالمطعون: من مات في طاعون، والمبطون: من مات بمرضٍ بطنه،
كالاستسقاء ونحوه، والثلاثةُ الباقيةُ معروفة.
وجاءت أحاديثُ أخرى تذكر أنواعاً كثيرةً سوى هذه الخمسة. قال الحافظ في
(الفتح)) ٦: ٤٣: ((وقد اجتمع لنا من الطرق الجيِّدة أكثرُ من عشرين خَصْلةً))، وهذا
تعدادها ملخّصاً من كلامه رحمه الله :
١ - الشهيد في سبيل الله.
٣ - المبطون .
٥ - صاحب الهدم.
٧ - من مات بذات الجنْب.
٩ - من مات بمرض السِّلِّ.
١١ - ودينه.
١٣ - وأهله.
١٥ - ومن وَقَصَته فرسُه أو بعيره فمات.
١٧ - ومن خرج في سبيل اللّه فمات
على فراشه.
٢ - المطعون.
٤ - الغريق .
٦ - من مات في الحريق.
٨ - من ماتتْ في نفاسها.
١٠ - من قُتِل دون ماله.
١٢ - ودمه .
١٤ - ومظلِمته .
١٦ - ومن لدغَتْه هامَّة فمات.
١٨ - والغريب.