النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
٠٠
وقيل: الراجع إلى الطاعة. وفيه: فضيلة الصلاة هذا الوقت، قال أصحابنا
- الشافعية -: هو أفضل وقت صلاة الضحى، وإن كانت تجوز من طلوع الشمس
إلى الزوال)».
فصلاة الضحى: صلاة الأوابين إلى ربهم، لذلك يكون لهم من الله تعالى
حفظ وكفاية خاصة .
وكما أن صلاة الضحى سبب للكفاية من الهموم والشرور، هي كذلك كفاية
عن أمور أخرى كثيرة يُطالَب بها المسلم.
روى مسلم ٥: ٢٣٣ عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي و # أنه قال:
((يُصبح على كل سُلَامى من أحدكم صدقة، فكلُّ تسبيحةٍ صدقةً، وكلَّ تحميدة
صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن
المنكر صدقة. ويجزىء من ذلك ركعتان يَرْكَعُهما من الضحى)).
وسُلَامِيات الإِنسان - كما جاء في الحديث عند مسلم ٧: ٩٣ عن عائشة
مرفوعاً - ستون وثلاثمائة، فصلاة ركعتين في الضحى تقوم مقامٍ ستين وثلاثمائة
صدقة !! فهي الصلاة الكافية، فإذا صلاها ركعتين كَفّتْه عن متطلّباتٍ كثيرة، وإذا
صلاها أربعاً كَفَتْه شروراً ومكاره كثيرة.

١٨٢
٣٩ - عن بُسْر بن جَخَّاش القُرَشي رضي الله عنه قال: بَزَقَ
النبي ◌ََّ في كفَّه، ثم وَضَع إِصْبَعَه السبابةَ وقال: ((يقول الله عز وجل:
٣٩ - تخريجه: رواه ابن ماجه: كتاب الوصايا - باب النهي عن الإِمساك في
الحياة والتبذير عند الموت ٢: ٩٠٣ (٢٧٠٧). وصححه الشهاب البوصيري في
((مصباح الزجاجة)) ٢: ٩٧ (٩٦١).
معناه: في هذا الحديث القدسي تنبيهُ إلَهِيُّ للعباد، وإيقاظُهم من طُول
الرُّقاد، وزَجْر لهم عن الاستِرِسال وراءَ الأمل ، وقلَّةِ العمل مع الزَّلَل والخَلَل! وفيه
تذكيرُهم بأصل الخِلْقة، ليرتَدِعَ المتكبِّر المتطاول، المغرور الجَشِع !.
فأصلُ الإِنسان من نطفة وماءٍ مَهين، إن لم تكن رأيتَه فهو كَالْبَصْقَة، ما
أحقرها! فهي حقاً - كما قال عز وجل - ﴿من ماءٍ مَهين﴾ ومَن كان كذلك فأنّى
يُعْجِزُ ربَّه وخالقَه ! .
ولمَ هذا الانغماسُ الشديد، والغَرَقُ في الدنيا والغفلةُ بها عن الله والآخرة،
ولمّ هذا التكالبُ على الدنيا وهي فانية زائلة من بين يديك رضيت أم كرهتَ! فما
تَصْحو من غفلتها وسيطرتها على قلبك إلا لحظةً مفارقتِها لك وانصرافها عنك،
وزوالها من بين يديك، وهي لحظة وقوعِك في أحضان الآخرة والقبر !.
فحين إدبارها عنك، ومفارقتك لها قَسْراً عنك: تذكرتَ وصحوتَ! فَرُحْتَ
تقول: أَعْطُوا فلاناً كذا، وفلاناً كذا !. فهذه صدقةُ الغافلين المكرّهين.
روى الإمام مسلم في ((صحيحه)) ٧: ١٢٣ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
أتى رسولَ الله ◌َّهَ رجلٌ فقال: يا رسول الله أيُّ الصدقةِ أعظمُ؟ فقال: ((أن تَصَدَّق
وأنت صحيحٌ شَحيح، تَخشَى الفقرَ وتَأمُّل الغنى، ولا تُمْهِل، حتى إذا بلغتِ
الحُلْقومَ قلتَ: لفلانٍ كذا، ولفلان كذا، أَلَّ وقد كان لفلان!)).

١٨٣
أَنَّى تُعْجِزُني - ابنَ آدم - وقد خَلَقتُك من مثل هذه؟! فإذا بَلَغَتْ نفسُك
هذه - وأشار إلى حَلْقه - قلتَ: أَتَصَدَّق، وأَنَّى أَوَانُ الصدقة!)).
ورواه النسائي ٦ : ٢٣٧ (٣٦١١) مثله، ورواه مختصراً قبلُ ٥: ٦٨ (٢٥٤٢)،
ورواه ابن ماجه أيضاً ١: ٩٠٣ (٢٧٠٦) وزاد آخره: «قلتَ: ما لي لفلان، وما لي
لفلان، وهو لهم وإن كرهت)).
وقد أمرنا عز وجل في كتابه الكريم بالانتباه من هذه الغفلة قبلَ الوقوع في
عواقبها الوخيمة فقال عزَّ شأنُه: ﴿وأنْفِقوا مما رَزَقْنَاكُم من قبل أنْ يَأْتِيَ أُحدَكُمُ
الموتُ فيقولَ: ربِّ لولا أَخَّرْتَني إلى أجلٍ قرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأكُنْ من الصَّالحين﴾
فيردُّ الله عليه بقوله: ﴿ولنْ يُؤَخِّر الله نَّفْسأَ إذا جاءَ أجلُها، والله خبيرٌ بما
تعملون ﴾ .
ولا يقولنَّ قائلٌ جاهل غافل: هذه الآياتُ في حق الكافرين، فكيف تُنْزِّلها
على المؤمنين(١)! ذلك أن الاياتِ مصدَّرةً بالخطاب للمؤمنين: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا
تُلْهِكُمْ أموالُكُم ولا أولادُكم عن ذكر الله، ومن يَفْعَلْ ذلك فأولئك هم الخاسرون.
وأَنْفِقوا مما رَزَقْناكم منْ قَبْل .. ﴾.
فالسعيد من تقدَّم في الخيرات، وقدَّم لآخرته بين يديه خيرات. والله وليُّ
التوفيق .
١ - وهذا غير جائز، بل إن شأن الخوارج الذين وصفهم رسول الله رية في حديث أبي ذر عند مسلم
٧: ١٧٤: ((هم شَرُّ الخَلْق والخليقة)) أي: الآدميين والبهائم. وقد حكى عنهم هذه الصفة
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فيما علّقه عنه البخاري في ((صحيحه)) ١٢: ٢٨٢ قال: ((باب
قتل الخوارج والملحدين .. وكان ابن عمر يراهم شِرارَ خَلْق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آياتٍ
نزلتْ في الكفار فجعلوها على المؤمنين)».

١٨٤
٤٠ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صل قال: ((لما
خَلَق الله الأرضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ، فخلق الجبالَ، فعاد بها عليها،
فاستَقَرَّت، فَعَجِبت الملائكةُ من شدَّة الجبال، قالوا: يا ربِّ هل من
خلقك شيءٌ أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، قالوا: يا رب، فهل
مِن خَلِقِك شيءٌ أشدُّ من الحديد؟ قال: نعم، النار، فقالوا: يا ربِّ فهل
٤٠ - تخريجه: رواه الإمام أحمد ٣: ١٢٤، والترمذي آخِرَ كتاب تفسير
القرآن ٩: ٨٩ (٣٣٦٦) = ٥: ٤٥٤ (٣٣٦٩) وقال: حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً
إلا من هذا الوجه، وعزاه الحافظ في ((فتح الباري)) ٢: ١٤٧ إلى أحمد فقط وقال:
«بإسناد حسن».
غريبه: تَميد: تتحرك وتضطرب.
بها عليها: بالجبال على الأرض.
معناه: قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَى في الأرضِ رَوَاسيَ أَن تَمِيدَ بِكُم﴾. وجاء
صدر الحديث مصرِّحاً بما أشارت إليه الآية الكريمة، وذلك: أن الله تعالى خَلَق
الأرض أولاً، فلما مادَتْ أرساها وثبّتها بالجبال.
((فعجبت الملائكة من شدة الجبال، قالوا: يا ربِّ هل مِن خلقك شيءٌ أشدُّ
من الجبال؟ قال: نعم، الحديد)) فَبِهِ تُنْحَت البيوت من الجبال، وتُقْطع منها
الصخور، وتُفْتَح فيها الأنفاق، بل تُزَالُ الجبال من أماكنها بالحديد.
وكَرَّرت الملائكةُ الكرامُ السؤال: ((هل مِن خلقك شيء أشدُّ من الحديد؟
قال: نعم، النار)) فَبِها يُلَان الحديد ويكيِّف كما يريد الإِنسان، وعليها يُحْمى
ويَحْمَرُ، وبها يُصْهَر حتى يُذَوبَ وَيَنْمَاعَ - يصير مائعاً ..
ويشتدُّ العجبُ لدى كلِّ سامع.

١٨٥
مِن خَلقِك شيءٌ أشدُّ من النار؟ قال: نعم، الماء، قالوا: يا ربّ، فهل
من خلقك شيءٌ أشدُّ من الماء؟ قال: نعم، الريح، قالوا: يا رب، فهل
من خلقك شيءٌ أشدُّ من الريح؟ قال: نعم، ابنُ آدم تَصَدَّقَ بصدقةٍ
بيمينه، يُخْفيها من شماله)).
وتسأل الملائكة: ((هل مِن خلقك شيء أشدُّ من النار؟ قال: نعم، الماء)» فإن
النار مهما اضْطَرَمت وتأجَّجتْ وارتفعتْ وأكَلت الأخضر واليابس فإن الماء تُطْفِئها
وتتغلّب عليها، فلا تُبقي لها أثراً.
((قالوا: يا رب، فهل من خلقك شيء أشدُّ من الماء؟ قال: نعم، الريح)).
فإِنها تجفِّف الماء وتَذْهَب به، وإذا كانت الريحُ تَحمِل رائحةً طيبةً ومرتْ بماء
جعلت الماء طيبة الرائحة، وكذلك العكس، والماء حين يكون في السحاب فإن
الريح تُسَيِّره يَمْنَةُ ويَسْرة.
ولا ريب أن الأمر قد تَعَاظَم على الملائكة، فسألوا: ((هل من خلقك شيء
أشدُّ من الريح؟ قال: نعم، ابنُ آدم تصدّق بصدقةٍ بيمينه، يُخْفيها من شماله)).
فالأرضُ، وما أدراك ما الأرضُ، هذا المخلوق العظيم، وأعظَمُ منها الجبال،
وأعظم منها الحديد، ثم أعظم منه النار، وأعظم منها الماء، وأعظم من الماء
الربح، وأعظمُ من الريح إخفاءُ ابن آدم لصدقته إخفاءً مبالغاً فيه بحيثُ إن شماله لا
تَعْلَم بما تُنْفق يمينه.
فإخفاءُ الصدقة يجيء في المرحلةِ السابعةِ من حيثُ عِظَمُه عند ربِّ العالمين
وقوة تأثيره.
ولذلك كان صاحبُ هذه الخَصلة الصالحة في ظِلِّ الله تعالى يوم القيامة، يوم
يخوضُ الناسُ في عَرَقهم خوضاً، من شدة دنوِّ الشمس من رؤوس الخلائق،
وبعضهم يُلجِمه العَرَق فيصلُ إلى فمِه حتى يكاد يُغْرِقِه - لكنْ لا موت هناك ! -.
في تلك الحال الشديدة الرهيبة يكون هذا الصنفُ من الناس - مَنْ أَسَرِّ
بصدقته - وأصنافُ أخرى معروفة: آمنين في ظلِّ الله لا بَمَسُّهم نَصَبٌ ولا لُغُوب،
ولا حرارة شمس ولا مكروه.

١٨٦
وحقيقٌ بطاعةٍ يكون هذا أَثَرَها في صاحبها: أن تكونَ أعظمَ من الأرض
والجبال والحديد ...
روى الإِمام البخاري ٢ : ١٤٣ - من ((الفتح)) ومسلم - من النووي ٧: ١٢٠ عن
أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ◌َ ◌ّه قال: ((سبعة يُظلُّهم الله في ظِلُّه يومَ لا ظِلَّ إلا
ظِلَّه: الإِمام العادل، وشابٌّ نَشَأَ في عبادة ربِّه، ورجلٌ قلبُه معلِّقَ في المساجد،
ورجلان تَحَابًّا في الله: اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجل طَلَبَتْه امرأةٌ ذاتُ منصِب
وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدَّق أَخْفَى حتى لا تَعلَم شِمالُه ما تُنْفق
يمينه، ورجلٌ ذَكَر الله خالياً ففاضتْ عيناه)).
وروى الإمام أحمد ٤: ١٤٧ - ١٤٨ من طريق أبي الخير اليّزَني، عن عقبة
ابنٍ عامر الجُهَني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: ((كلّ امرىءٍ في
ظلِّ صَدَقته حتى يُفْصَل بين الناس . - أو قال: يُحْكُم بين الناس -)). قال: فكان أبو
الخير اليَزَنِيُّ لا يُخْطِئُه يومٌ إلا تصدَّق فيه بشيءٍ ولو كعكةٍ أو بَصَلٍ أو كذا(١).
وروى الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٨: ٢٦١ (٨٠١٤) عن أبي أمامة
الباهلي رضي الله عنه، عن النبي ﴿ قال: ((صنائعُ المعروفِ تَقِي مصارعَ السُّوء،
وصدقةُ السرِّ تُطْفِىءُ غضبَ الربِّ، وصلةُ الرحم تزيد في العمر))(٢).
فإذا كانتْ صدقةُ السرِّ تُطْفِىءُ غضب الله عز وجل، وهو أشدُّ من كلِّ شديدٍ
مذكورٍ في الحديث الذي نتكلم عليهِ، فلا بِدْعَ أنْ كانت أشدَّ من الريح التي هي
أشدُّ من الماء الذي يُطفىءُ النار فيتغلَّبُ عليها.
١ - قال الهيثمي في ((المجمع)) ٣: ١١٠: ((رجاله ثقات)). ومعنى: لا يُخطئه: لا يفوته. وكلمة
((كذا)» هنا كناية عن أيِّ شيءٍ قليل تافه الثمن.
٢ - قال الهيثمي ٣: ١١٥: ((إسناده حسن)). وانظر التعليق صفحة ١٤٦.

١٨٧
٤١ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وصلته: ((قال
الله عزَّ وجلّ: كلّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ، فإنه لي، وأنا أُجْزي به،
٤١ - تخريجه: رواه البخاري في ((صحيحه)) بألفاظ كثيرة، ومواضع متعددة،
أولها في كتاب الصوم - باب فضل الصوم ٤: ١٠٣ (١٨٩٤) - وانظر أطرافه هناك -
ورواه مسلم أيضاً بألفاظ متعددة في كتاب الصيام - باب فضل الصيام ٢: ٨٠٧
(١٦٣)، وبشرح النووي ٨: ٣٠، وهذا لفظه. وقد جَمَع الإِمام المنذري له ألفاظاً
كثيرة أول كتاب الصوم من كتابه ((الترغيب والترهيب)) ٢: ٧٩.
غريبه: جُنَّةَ: وقاية يُتَّقى بها.
لا يرفث: لا يتكلم بكلام قبيح مطلقاً.
لا يسخب: لا يصيح ولا يرفع صوته بصُراخ على وجه يُعَدُّ قلّة أدب، وفي
رواية البخاري التي أشرت إليها، ومسلم ٨: ٢٨: ((ولا يَجْهَل)) وهي تُشير إلى
المعنى الذي ذكرته.
خُلُوف: بضم الخاء، وجوّز بعضهم فتحها لكن عدَّه آخرون خطأً، ومعناه:
تَغَيُر رائحة فم الصائم.
معناه: واضح أن الجزء الأول من الحديث قدسي، وأن الجزء الأخير من قوله
((والذي نفسُ محمد بيده .. )): نبويَّ لا قدسي، ولكن أين ينتهي القدسي، ويبدأ
النبوي؟ لم أر تنبيهاً على ذلك.
ثم إن الحديث دالٌّ على عِظَم فضل الصوم وأجر الصائم، وعلى إرشاد أدبي
وتوجيه خُلُقي للصائم ليحصِّل هذه الفضيلة.
أما قوله تعالى: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي)) ففيه إشكال ظاهر،
وهو: أن جميع الطاعاتِ والقُرُباتِ التي يعملها العبد هي الله عز وجل وحده، فلماذا

١٨٨
والصيامُ جُنَّةً، فإذا كان يومُ صوم أحدكم فلا يَرْفُثْ يومئذٍ ولا يَسْخَبْ،
خصَّ تعالى الصيامَ من بينها؟ وأقدمُ من رأيتُه تعرَّض للإِشكالِ والجواب عنه بما
يأتي: الإِمامُ أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في ((غريب الحديث)) ١: ٣٢٥.
وقد أجاب العلماء عنه بأجوبة، ذكر منها الإمام النووي في شرح مسلم ٨:
٢٩ ستة، وأَوْصَلَها الحافظ في ((الفتح)) ٤: ١٠٧ - ١٠٩ إلى عشرة وقال في آخرها:
(هذا ما وقفت عليه من الأجوبة، وقد بَلَغَني أن بعض العلماء بلَّغها إلى أكثر من
هذا، وهو الطالقاني في ((حظائر القدس)) له، ولم أقفْ عليه)).
وعبارةُ المناوي في ((فيض القدير)) ٤: ٤٧١: ((وللطالْقاني في ذلك جزء
مفرد، جمع فيه نحو خمسين قولاً)).
وقبل ذِكْرِ الجواب لا بدَّ من التنبيه إلى ركيزة أساسية هي: أن الصوم الذي
هذا فضلُه وجزاؤه عند ربِّ العالمين، وهذا مقامُ صاحبِهِ، إنما هو الصومُ الخالصُ
الله عز وجل، السالم من شائبة المعاصي القولية والفعلية.
أما أنه خالص لله عز وجل: فلقوله في روايةٍ من رواياته - وهي في البخاري (١٨٩٤)
ومسلم ٨: ٣١ -: ((يَتْرُك طعامه وشرابه وشهوتَه من أجلي)) وهذا لفظ البخاري.
فقولُه ((من أجلي)) نصٌّ صريح في أن إكرام الله تعالى ناله الإِخلاصه.
وأما أنه سالمٌ من شوائب المعاصي مطلقاً: فلقوله في الحديث الذي نشرحه:
(والصيامُ جُنَّةٌ فإذا كان يومُ صوم أحدكم فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ ... ))، فقوله ((جُنَّة))
أي: وقايةٌ وحِصْن لصاحبه، يَقِيه من عذاب الله في الآخرة، ويَقيه من الوقوع في
المآثم في الدنيا، ولقوله و له في حديث النسائي ٤: ١٦٧ (٢٢٣٤): ((الصيام جُنّة
من النار، فمن أصبح صائماً فلا يجهل .. ))، فرتَّب النهي عن الجهل على كون
الصيام جُنَّة، وفي حديث عنده قبله وبعده: ((الصوم جُنّة ما لم يَخْرِقْه))، وعند
الطبراني في ((المعجم الأوسط)) عن أبي هريرة: ((الصيام جُنَّة ما لم يخرِقْه)) قيل:
وبمَ يَخْرِقُه؟ قال: ((بكذب أو غِيبة))(١).
وروى البيهقيُّ في ((شعب الإِيمان)) ٧: ١٧٢، ١٨٧، من حديث ابن
١ - قال في ((مجمع الزوائد)) ٣: ١٧١: ((فيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف)).

·
١٨٩
٠
وهب، عن ابن لَهِيعة: ((قال ربنا: الصيام جُنّة يَسْتَجِنُّ بها العبد من النار، وهو لي
وأنا أجزي به)). وهو في ((المسند)) ٣: ٣٤١ لكن من حديث الحسن بن موسى
الأشيب، عن ابن لهيعة. وفيه ((يستجير)) وهو تحريف عن: يَستجنُّ.
أما الجواب: فأختاره مما ذكره ابن حجر في ((الفتح))، وقد ذكرتُ قبل قليل
أنه ذكر عشرة أقوال، وختمها بقوله: ((أقربُ الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأول
والثاني))(١).
والأول: أن الصوم لا يقع فيه الرياء، كما يقع في غيره من الأعمال، لذلك
تكفَّل الله عز وجل بإثابة الصائم المُخْلِص إثابةٌ لا يعلم قَدْرَها إلا هو سبحانه.
ففعلُ الصيام لا يَدخُله رياء، لأنه كَفّ عن محظورات خاصة به، وليس مباشرةً
عملٍ ما، وإن كان قد يدخله رياءً قوليٌّ، بأنْ يُخْبِر عن نفسه أنه صائم !. أما سائر
العبادات الأخرى فيدخلها الرياء فعلاً وقولاً، كما أوضحه الحافظ ابن حجر.
وأقدم من قال هذا: الإِمامِ أبو عبيد رحمه الله في ((غريب الحديث)) وهذا
لفظه: ((قد علمنا أن أعمالَ البر كلُّها لله تعالى، وهو يَجزي بها، فَنرى - والله أعلم -
أنه إنما خصَّ الصوم بأن يكون هو الذي يتولَّى جزاءه، لأن الصوم لا يظهر من ابن
آدم بلسانٍ ولا فعلٍ فتكتبه الحَفَظة، وإنما هو نيَّةً بالقلب وإمساكٌ عن حركة المَطْعَم
والمَشْرَب والنكاح، يقول: فأنا أتولَّى جزاءه على ما أحبُّ من التضعيف، وليس
على كتاب كتب له. ومما يبِّن ذلك قوله عليه السلام: ((ليس في الصوم رياء)).
- حدَّثنيه شَبَابة، عن ليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، يرفعه(٢) -.
١ - وقال: ((ويقرب منهما الثامن والتاسع))، ولدى مراجعة كلامه فيهما يُرى أنه أورد عليهما
اعتراضات، فلذا لم أذكرهما.
٢ - ما بين المعترضتين ثابت في إحدى النسخ الخطية التي طبع عنها كتاب ((غريب الحديث))، كما
أفاده محققه، ونقله كذلك الحافظ في ((الفتح)) ٤: ١٠٧، وسقط منه قوله ((عن ليث))،
فيصحح، ثم خرّجه عن ((الشَّعَب)) للبيهقي ٧: ٢٠١ من مراسيل الزهري، كما هنا، ومن مسند
أبي هريرة - من طريق الزهري - بإسناد ضعيف، وقال: ((لو صحَّ لكان قاطعاً للنزاع)). وكأن هذا
السقط من قلم الحافظ وليس مطبعياً، فقد جاء كذلك - ساقطاً - في ((عمدة القاري)). ٩: ١٠.

١٩٠
فإِنْ سابُّه أَحَدٌ أو قاتَلَه فليقلْ: إني امْرُؤٌ صائمٌ، والذي نفسُ محمدٍ بيده
وذلك أن الأعمال كلُّها لا تكون إلا بالحركات، إلا الصومَ خاصة، فإنما هو
بالنية التي قد خفيتْ على الناس، فإذا نواها فكيف يكون ها هنا رياء؟! هذا عندي
- والله أعلم - وجه الحدیث)).
وهذا القول ارتضاه - بعد أبي عبيد - المازِّري، والقُرطبي صاحب ((المُفْهِم))،
وصدَّر به الأقوال: النوويُّ وابنُ حجر والعيني وغيرهم، وظاهرُ نقلِ ابن حجر عن
ابن الجوزي أنه يعتمده أيضاً.
أما الثاني: فهو ((أن المراد بقوله ((وأنا أجزي به)): أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه
وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات فقد أُطْلِعُ عليها بعض الناس)). وأَيِّد هذا
بروايات وأخبار، فانظر ((الفتح)) ٤: ١٠٨.
وسَبَق إلى نحو هذا: سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى، فقد نقل عنه أبو عبيد
في ((غريبه)) ١: ٣٢٦ أنه علّل ذلك بقوله: ((لأن الصوم هو الصبر، يَصبر الإِنسان
عن المطعم والمشرب والنكاح، ثم قرأ: ﴿إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير
حساب ﴾. فثواب الصبر ليس له حساب يُعلم، مِن كثرته)).
قلت: القول الأول يتناسب تماماً مع الرواية المذكورة أعلاه، والقول الثاني
يتناسب تماماً مع رواية مسلم ٨: ٣١: ((كلّ عملِ ابنِ آدم يُضاعَف، الحسنة عَشْرُ
أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصومَ فإنه لي وأنا أجزي به،
يَدَع شهوته وطعامَه من أجلي)».
فانظر موقع قوله ((فإنه لي وأنا أجزي به)) بين سِباقه ولِحاقه، تتضح لك
المناسبة. والله أعلم.
وإرشادُ النبيِّ ◌َ﴿ الصائمَ المخاصَمَ إلى أن يقول ((إني امرؤ صائم))(١): فيه
تنبيه للصائم أن لا يجاوز حدَّه، ولا يقابل خصمه بمثل فِعْله، وفيه زجر للمخاصِم
الشاتم أن يرتدع عن سوء فعله.
١ - بلسانه، وبقلبه، في صيام الفرض أو النفل، وانظر ((فتح الباري)).

١٩١
٠٠٠
ذلك أن الصيامَ وشهرَه (دورة) تدريبية عملية على الترقِّي في مكارم الأخلاق
لمن كان من أهلها متدرِّجاً في معاليها.
و(دورة) تدريبيَّة عمليّة على الدخول في سلكها، والانتظام في أهلها، ويكونُ
ذلك بحبس النفس عن الانطلاق معها في سَفَه الكلام، وبذاءة اللسان، وسَوْرة
الغضب، وما إلى ذلك من مظاهر الجهل الخُلُقي.
وشهر رمضان فترة زمنية تكفي لهذه (الدورة) العملية على التحصُّن من هذه
المنزَلَقات، وعلى التدرُّج في تلك الكمالات: المخاصَم يحفظ نفسَه ويترفع بها
عن مقابلة السيئة بسيئة، فيذكّر نفسه بأنه صائم، ويذكّر مخاصِمه أيضاً بأن كليهما
في صيامٍ وحبسٍ نفسٍ عن شهوتَيْ البطن والفرج، وبأنهما في صيام، والصيام جُنّة
ووقاية من عذاب الله وناره الجهنمية، فلا يليق بهما أن يَخْرِقاها بالمُلَّحاة
والمخاصمة، وقد كانت الملاحاة في ساعة من الساعات سبباً في حَجْب ليلة القدر.
روى البخاري ٤: ٢٦٧ (٢٠٢٣) - بشرح ((الفتح)) - عن عبادة بن الصامت
رضي الله عنه قال: خَرِج النبي وَّه لِيخبرنا بليلة القدر، فَتَلاحَى رجلان من
المسلمين فقال: ((خرجتُ لأخبركم بليلة القدر، فَتَلاحَى فلان وفلان فَرُفِعت،
وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)).
فحينما يقول الصائم المخاصَم: إني امرؤ صائم - ويكرره، كما في بعض
الروايات - يكون في قوله هذا تذكيرٌ لنفسه، لتبقى مستعصِمة برَزَانتها وخُلُقها
الحسن، وتذكيرٌ لمخاصِمه، ليكفَّ عن خصامه، وإن الذكرى تنفع المؤمنين، فإن
لم يكفَّ يكون قد أظهر الصائمُ فضلَ صيامه، وأنه هو السبب في اعتصامه
بالسكوت، وأن ترفّعه عن مجاراة السفيه: من فضل تلبسه بعبادة الله تعالى، لا عن
ضعف وجُبن.
فالصوم حاجز بين الصائم وبين آفات اللسان خاصة، وبينه وبين الآفات
المهلكات - المعاصي - عامة. وهذا ما عبّر عنه النبي صلوات الله وسلامه عليه:
(الصيام جُنّة)) أي: وقاية تَحوُل بينه وبين الوقوع في الآثام عامة.
ومن جعل بينه وبين الآثام حائلاً: جنّبه الله تعالى بفضله النارَ وعذابَها. وعلى

١٩٢
لَخُلُوفُ فمِ الصائمِ أَطْيبُ عند الله يومَ القيامةِ من ريحِ المسكِ،
هذا المعنى جاءت الرواية الأخرى: ((الصيام جُنَّة من النار كجُنَّة أحدكم من
القتال».
فالصيام جنّة من الوقوع في المعاصي، وجُنَّة من النار. وقانا الله ذلك بفضله.
ومن قَبِيل دفع التوهُّمِ والإِشكال: قال القرطبي رحمه الله: ((لا يُفْهَم من هذا
أن غير الصوم يُبَاح فيه ما ذُكر - من الرَفَث والصَّخَب و .. - وإنما المراد أن المنع
من ذلك يتأكَّد بالصوم))(١). ذلك أن الإِنسان يُفارق مألوفَه في حال الصيامِ، فهو في
حالٍ عُرْضٍ لتغيّر مزاجه، فجاء التنبيه النبويُّ الكريم إلى التحفّظ والتصُوُّن. وهذا
هو الذي يُعينه على الدخول في سلك ذوي الأخلاق الكريمة، وعلى الترقِّي
والتدرُّج في كمالاتها.
أما خُلُوفُ فم الصائم: فقال القاضي عياض رحمه الله: ((يجازيه الله تعالى به
في الآخرة، فتكون نَکْهَتّه أطيب من ريح المسك، وقيل: لكثرة ثوابه وأجره، وقيل:
يَعْبَق في الآخرة أطيب من عَبَق المسك، وقيل: طِيبُه عند الله رضاه به وثناؤه
الجميل وثوابه. وقيل: إن المراد أن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح
الخُلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك .. )). نقله العيني ٩: ٩.
وهذه الأطيبية لريح خُلوف الصائم حاصلة في الدنيا وفي الآخرة، جمعاً بين
أدلة الإِمام العز ابن عبد السلام الذي رجَّح أنها في الآخرة - وأدلة الإِمام ابن الصلاح
الذي رجَّح أنها في الدنيا. وإن كان قوله هنا (( .. عند الله يوم القيامة)) يؤيد قول ابن
عبد السلام(٢).
ومن المقارنة بين قوله ﴿ هنا ((لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة
من ريح المسك))، وبين قوله الذي رواه البخاري في كتاب الجهاد ٦: ٢٠
(٢٨٠٣): ((والذي نفسي بيده، لا يُكْلَم أحدٌ في سبيل الله - والله أعلم بمن يُكْلَم
في سبيله - إلا جاء يوم القيامة واللونُ لونُ الدم، والريح ريح المسك)): من المقارنة
١ - نقله عنه العيني ٩: ٨.
٢ - انظر ((فتح الباري)) ٤: ١٠٦، و((عمدة القاري)) ٩: ٩.

١٩٣
وللصائمِ فرحتانِ يَفْرَحُهما: إذا أفطرَ فَرِحَ بفِطْرِهِ، وإذا لَقِي ربَّه فرح
بصومه)) .
بينهما يَنْتُج أن رائحة خُلوف الصائم ((أعظمُ من دم الشهادة، لأن دم الشهيد شُبِّه
ريحه بريح المسك، والخُلُوف وُصف بأنه أطيب))(١) ومع ذلك ((فلا يلزم من ذلك أن
يكون الصيامُ أفضلَ من الشهادة))(١) فرائحة أثر عمل من الأعمال لا تقتضي أفضلية
العمل.
ولماذا كان لهذه الرائحة تلك الأطيبيّة؟ قال العلامة الفقيه ابن حجر الهَيْتَميُّ
رحمه الله في ((إتحاف أهل الإِسلام بخصوصيات الصيام)) ص ٤١ - ٤٢: ((إما لكون
صيامه سراً بينه وبين ربه في الدنيا، فأحب أن يظهره بإظهار أثره في الآخرة علانيةٌ
للخلق، ليشتهر فضل الصوَّام، وتمتاز مراتبهم، جزاءً لإِخفائهم صيامهم في
الدنيا .. ، وقيل: إنه إشارة إلى أن من عَبد الله وأطاعه وطلب رضاه في الدنيا
بعمل: ينشأ من عمله آثار مكروهة للنفس في الدنيا، وهي محبوبة لله وطيبة عنده،
لأنها نشأت عن طاعته، فإخباره بذلك للعالمين في الدنيا فيه تطييب لقلوبهم، لئلا
يُكره منهم ما وجد في الدنيا)» ثم أيَّ القول الأول.
ومما حكاه أن ((عبدالله بن غالب أحدَ العُبَّاد المجتهدين في الصلاة والصوم،
فاح من تراب قبره رائحة المسك، فَرُئي في المنام فسئل عنها؟ فقال: تلك رائحة
التلاوة والظمأ)).
وأما قوله ((للصائم فرحتان .. )): فقال النووي رحمه الله ٨: ٣١: ((قال
العلماء: أما فرحته عند لقاء ربّه: فَبِما يراه من جزائه وتذكّر نعمة الله تعالى عليه،
بتوفيقه لذلك، وأما عند فِطْره: فسببها تمام عبادته وسلامتها من المفسدات وما
يرجوه من ثوابها: انظر ((الفتح)) ٤: ١١٨.
كما أن من دواعي فرح الصائم عند فطره: إجابةَ الله تعالى دعاءه.
روى الترمذي أواخر کتاب الدعوات ٩: ٢٢٥ (٣٥٩٢)- وقال: حديث
حسن - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل﴾: ((ثلاثةٌ لا تُردُّ
١ - ((الفتح)) الموضع المذكور نفسه.

١٩٤
دعوتهم: الصائم حين يُفْطِرِ، والإِمام العادل، ودعوةُ المظلوم يَرفعها الله فوقَ الغَمّام
ويَفتح لها أبواب السماء ويقول الربُّ: وعزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ ولو بعد حين)).
هذا لفظ الترمذي ((الصائم حين يُفطر)). أما لفظ الإِمام أحمد ٢: ٣٠٥،
٤٤٥، وابن ماجه ١: ٥٥٧ (١٧٥٢): ((الصائم حتى يفطر)). أي: إن دعاءه
مستجاب ما دام صائماً، فإذا أفطر توقفت الخصوصية. ولا تعارض، إنما هي زيادةً
في الوقت الذي يستجاب فيه دعاء الصائم، هل هو عند فطره فقط، أو من أول
صومه إلى حين فِطْره. والله أعلم. ونسأل الله أن يكرمنا بما هو أهله.

١٩٥
٤٢ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَظافر: ((قال
الله عز وجل: أحبُّ عبادي إليَّ: أعجلُهم فِطْراً».
٤٢ - تخريجه: رواه الترمذي: كتاب الصوم - باب ما جاء في تعجيل الإِفطار
٣: ٥٦ (٧٠٠) = ٣: ٨٣ (٧٠٠) وقال: حديث حسن غريب، ورواه أحمد في
((المسند) ٢: ٣٢٩. وتضعيف المناوي له في ((فيض القدير)) ٤: ٤٨٥ في غير
محله(١).
معناه: يخبرنا الله عز وجل عن عباده الذين استجابوا لأمره بالصيام فصاموا،
وبالإِفطار فأفطروا: أنهم كلَّهم أحبابُ الله تعالى، لكنْ أحبُّهم إليه من بادر إلى
الفطر قبل غيره - بعد الاطمئنان إلى غروب الشمس -.
ذلك أن في الإِمساك وفي الإفطار معنى عظيماً من معاني العبودية لله العظيم.
فمن أمسك: أمسك امتثالاً لأمر الله، ومن أفطر: أفطر امتثالا لأمره أيضاً، فهو في
كلتا الحالين متقلِّبُ في الانقياد لأمر الله، ممثلٌ له، عبدُ بين يديه، لسانُ حالَه
يناجي ربَّه: يا رب أمرتني بالإِمساك عن شهواتي البشرية، فأنا ممتثل، ثم إنك أذِنتَ
لي ورغبت مني بتناولها: فأنا لك عبد مِطْواع، مبادر لأمرك، أُحِبُّ أن تَراني حيث
تحبُّ يا رب.
١ - وسبب وهمه في هذا الحدیث وأمثاله: أنه کان عمل فهر سالأحاديث((ميزان الاعتدال)) و ((لسان الميزان»،
فكان يكشف فيه عن الحديث، فيجده فيه، فينقل كلام الذهبي أو ابن حجر في الراوي الذي
ذكر الحديث في ترجمته، ظناً منه رحمه الله أن هذا الراوي مذكور في سند من عزا السيوطيُّ
الحديثَ إلى كتابه، وقد يكون الأمر كذلك، وقد لا يكون، كما هو الحال في حديثنا هذا، فإن
الذهبي ذكره في ((الميزان)) ٤: ١١٠ في ترجمة مسلمةً بن عُلَي الخُشَني أُحدِ الضعفاء.

١٩٦
فلهذا المعنى كان أحبَّ عباد الله الصائمين أعجلُهم فطراً. والله أعلم.
يضاف إلى هذا الملحظ: مخالفةُ المسلمين لليهود والنصارى، إذْ يؤخِّرون
فِطْرهم، كما صحَّ عند أبي داود ٢: ٧٦٣ (٢٣٥٣) عن النبي - أنه قال: ((لا يزال
الدين ظاهراً ما عجّل الناسُ الفِطر، لأن اليهود والنصارى يؤخَرون».
وهذه الأمة المحمدية هي أحبُّ الأمم إلى الله تعالى، بفضل نبيها
الكريم وَ، وأحبُّهم إلى الله من كان ممتثلاً لأوامره، مخالفاً لليهود والنصارى.
*

١٩٧
٤٣ - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إن رسول الله واليوم
قال: ((ما مِن يومٍ أَكْثَرَ مِن أن يُعتِقَ الله فيه عبداً من النار: من يوم عرفة،
٤٣ - تخريجه: رواه مسلم في ((صحيحه)) كتاب الحج - باب في فضل يوم
عرفة ٢ : ٩٨٣ (٤٣٦)، و((شرح النووي)) ٩: ١١٧.
غريبه: ((مِن)) الأولى والثانية زائدتان، والثالثة: متعلقة بـ ((يعتق)) والرابعة:
متعلِّقة بـ ((أكثر)). و((ما)) التي في أول الحديث تميمية، أو حجازية تعمل عمل
لیس.
معناه: في هذا الحديث الشريف ترغيب إلّهي عظيم، بالتعرُّض لهذا الفضل
العميم، في ذاك اليوم المبارك، فإنه أمنيّة كلِّ مسلم يخشى عذاب الله.
ذاك يوم عرفة، يوم التجلّي الإِلَهي بالمغفرة والغفران، والرضا والرضوان،
بالمغفرة العامة لكل من أكرمه الله تعالى فشهد ذاك المشهد الذي لا يفوقه مشهد
سواه بخشعته وهيبته، وجلاله وعظمته.
يوم تتّصل فيه القلوب المتجرِّدة بخالقها، وأصوات الحناجر الصاخبة بالسماء،
مناديةً مناجية: لبيك اللهم لِبَّيك، لبّيكَ لا شريكَ لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك
والملك، لا شريك لك. تُكرِّر هذه المناجاةَ التي فيها الاستجابة لنداء الله لهم:
وأُذِّنْ في الناس بالحج﴾، لعل الله يستجيب لهم.
فالعباد: استجابوا لنداء الله لهم، وقالوا له: لبيك ربَّنا وسَعْدَيك، والخير كلُّه
بيديك، ونحن نرجوك من هذا الخير العظيم، فإنه لا يَملِکه أحدٌ سواك، فأَتِلْنا منه یا
ربنا. فحينئذ يتعطّف المولى الكريم على عباده، ويُكرم جُؤَارهم - صُرَاخهم
بالتلبية - ودعاءهم، ويرحم غربتهم وفراقهم للأهل والولد والوطن، ويُعْدَهم عن
أسباب الراحة المعتادة لهم، فيتجلّى عليهم بالمغفرة العامة الشاملة، ويُعتقهم من
ناره، فإن الله أرحم بعبيده أن يجمع عليهم خوفه في الدنيا وخوفه من عذابه في الآخرة.

١٩٨
وإنه لَيَدْنو، ثم يُباهي بهم الملائكة
ومن أصبح مغفوراً له مُعتَقاً من النار: فقد شابَةَ الملائكةَ الكرام، على ما
رُكُّب فيه من الصفات البشرية الأرضية، لذلك يكرمه الله عز وجل بمباهاة ملائكته
به، وبقوله لهم: انظروا إلى هؤلاء العباد، إنهم على ما هم عليه من العالم
الأرضي، المركّب من نوازع الخير والشر، قد أقبلوا عليَّ، وتجرّدوا لي، خائفين
راجين، ضارعين باكين، معترفين آملين ... أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرتُ لهم
ما كان منهم، فإني أكرمُ من أنْ أردَّ سائلًاً !.
فقوله في الحديث: ((إنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة .. )): اعتبره الإمام
النووي رحمه الله روايةً مختصرة من رواية عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٥: ١٧
(٨٨٣٠) عن ابن عمر، وهو حديث طويل، محلَّ الشاهد منه: قوله وَّ لرجل
أنصاري جاء يسألُه عما أعدَّه الله للحاج يوم عرفة: ((وأما وقوفك بعرفة فإن الله تبارك
وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوا شُعْئاً
غُبْراً من كل فجَّ عميق، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يَرَوْني، فكيف لو
رأوني؟ فلو كان عليك - الخطاب للأنصاري - مثلُ رملٍ عالجٍ (١) أو مثلُ أيام الدنيا،
أو مثلُ قَطْر السماء ذنوباً: غَسَلها الله عنك))(٢).
١ - قال في (المصباح المنير)): ((رمل عالجٍ: جبالٌ متواصلةٌ يتصل أعلاها بالدَّهناء - والدهناء بقرب
اليمامة - وأسفلها بنجد، ويتسع اتساعاً كثيراً، حتى قال البكري: رمل عالج يحيط بأكثر أرض
العرب».
٢ - لكنْ شيخ عبد الرزاق فيه: ابن مجاهد، وهو عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر المكي، وهو
ضعيف بل اتّهم، كذّبه الثوري.
إنما جاء هذا اللفظ تقريباً من رواية ابن عمر أيضاً عند البزار والطبراني في ((المعجم الكبير))،
قال الهيثمي في ((المجمع)) ٣: ٢٧٥: ((رجال البزار موثّقون وقال البزار: قد رُوي هذا الحديث
من وجوه ولا نعلم له أحسن من هذا الطريق))، وهو في ((صحيح ابن حبان)) بلفظ قريب منه
جداً، وصححه المنذري في ((الترغيب)) ٢: ٢٠٥ ثم انظر أول صفحة ٢٠٧ منه.
ثم ذكره أيضاً من رواية أنس عند البزار وقال: ((فيه إسماعيل بن رافع وهو ضعيف)). ثم ذكر
رواية عبادة بن الصامت وعزاها إلى الطبراني في ((الأوسط)) وقال: ((فيه محمد بن عبد الرحيم
ابن شَرْوَس، ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ومَن فوقه موثقون». وقریب
منه رواية جابر التي رواها ابن حبان في ((صحيحه)) وعزاها المنذري في ((الترغيب)) ٢: ٢٠٠ =

١٩٩
فيقول: ما أراد هؤلاء)).
فقوله: ((ما أراد هؤلاء)): سؤال منه للعطاء، لا للعلم، فإنه أعلم من كل
إنسان بنفسه، سبحانه وتعالى، يسأل ملائكته عما يريد هؤلاء العباد لِيُعْلِمَهم بأنه
جل جلاله سيعطيهم سُؤلهم ويزيدُهم من فضله.
وهل عموم المغفرة للحجاج يوم عرفة يتناول (المظالم) أي حقوق العباد فيما
بينهم؟ والجواب: أن المقام مقام كرم وتفضَّل، وإحسان وامتنان، فلا يليق السؤال
والاستفصال، وتعلَّقُ العبدِ المذنب بعموم ذلك أولى، وكما أن صاحب الحق يتمنّى
أن لا يكون ذلك حينما يكون الحق له، لكنه يتمناه حينما يكون الحقُّ عليه.
وأيضاً: قد جاء التصريح بمغفرة المظالم في حديث العباس بن مِرداس الآتي
ذكره عقب هذا الحديث. نسأل الله من فضله أن يوفقنا لذلك ولا يحرمنا منه، إنه
جواد کریم.
= إلى أبي يعلى والبزار وابن خزيمة أيضاً. فلا أقلَّ من تحسين الحديث، وكان الأولى عزوه إلى
هؤلاء لا إلى ((مصنف)) عبد الرزاق.

٢٠٠
٤٤ - عن العباس بن مِرْداسٍ السُّلَمي رضي الله عنه، أن النبي
وَ﴿ دعا عشيّة عرفةَ بالمغفرة والرحمة، فأكثرَ الدعاءَ، فأجابه الله عز وجل:
((أنْ قد فعلتُ، وغفرتُ لأمتك إلا مَن ظَلَمَ بعضُهم بعضاً، فقال: يا رب
إنك قادر أن تَغْفِر للظالم وتُثيبَ المظلوم خيراً من مَظْلِمَته)). فلم يكن في
تلك العشيَّة إلا ذا، فلما كان من الغدِ دعا غَداةَ المُزْدَلِفِةِ، فعاد يدعو
لأمته، فلم يَلْبَثِ النبي وَ﴿َ أن تَبَسَّم، فقال بعض أصحابه: يا رسول الله
بأبي أنت وأمي ضحكتَ في ساعة لم تكنْ تضحكُ فيها، فما أضحكك؟
أضحك الله سِنْك! قال: ((تبسَّمتُ من عدوِّ الله إبليس حين علم أن الله
٤٤ - تخريجه: رواه ابن ماجه في ((سننه)) كتاب المناسك - باب الدعاء بعرفة
٢: ١٠٠٢ (٣٠١٣)، وعبدالله بن الإِمام أحمد في ((زوائد المسند)) لأبيه ٤: ١٤،
واللفظ له، وروى منه أبو داود طَرَف ((أضحك الله سِنَّك)) ٥: ٤٠٠ (٥٢٣٤). وقد
قوَّى الحديثَ الحافظُ ابنُ حجر في ((القول المسدَّد)) ص ٤٤، ثم أفرد الكلام عليه
في رسالة لطيفة سماها ((قوّة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج)). وانظر ((الترغيب))
للمنذري ٢ : ٣٠٢ .
غريبه: غَداةَ المزدلفة: صباح يوم مزدلفة، وهو صبيحة يوم النحر.
أهوى: أسرع وتعجّل.
الثُّبور: هلاك فيه معنى الدوام والاستمرار، مأخوذ من (المثابرة) كما نَّه إليه
الراغب الأصفهاني في ((مفردات القرآن)). فعطف (الويل) عليه من عطف العام على
الخاص.
معناه: في الحديث: بيانُ رأفةِ النبي ◌َ# ورحمتِه بمن يُكرمه الله تعالى بالحج
والوقوف بعرفة، فقد اجتهد في الدعاء لهم الوقت الطويلَ ليضمن لهم تفضّل الله
تعالى عليهم بالمغفرة العامة، وهم على مدار السنين ومواسم الحج كُثُر، والحمد لله.
دعا لهم مساءَ عرفةً كثيراً وكثيراً، فاستجاب الله تعالى له أن يَغْفِر لهم كلَّ ما