النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ . عينية في حق باقي المسلمين. فالفرض الكفائي: إما أن ينقلبَ إلى فرض عيني، وإما أن ينقلب إلى سنّة عينية. وحفظُ القرآن الكريم كلِّه من هذا القبيل. وهل قُربُ الفرائضِ أعلى درجةً أو قرب النوافل؟ والجواب: أن قرب الفرائض أعلى درجة، لأنه لا تكون نوافلُ إلا بعد أداء الفرائض، فبالفرائض كانت النوافل، فهي قاعدتُها وأساسُها، أما أن يأتي الإِنسان بالنوافل دون الفرائض فهذا أحمقُ مغرورٌ على شَفَا جُرُف. والنوافلُ متمِّمةٌ مكمِّلة للفرائض، كما روى الترمذي ٢: ١٣٧ (٤١٣) وحسَّنه، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((إن أولَ ما يحاسَبُ به العبد يوم القيامة من عمله: صلاتُه، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فَسَدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب عز وجل: انظروا، هل لعبدي من تطوُّع فيكمَّل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك)) وتقدم شرحه برقم ٣٣ . فالنوافل شُرعت لتكميل ما يخلُّ به العبد في الفرائض. ولذلك كان قرب الفرائضِ أعلى رتبةٌ. وقد يُخَيَّل إلى بعض الناس أن قُرب النوافل أعلى درجةً، أخذاً من ظاهر لفظ هذا الحديث: كنتُ سَمْعَه الذي يسمع به .. ، ومن ظواهر أحاديثَ أخرى تقدم بعضها في شرح الحديث ٣٣: ركعتا سنة الفجر خير من الدنيا وما فيها، صلاة أربع ركعاتٍ قبل فرض الظهر وأربعٍ بعده تُحرِّم صاحبها على النار، و((رحم الله امرءاً صلَّى قبل العصر أربعاً)، وهكذا مما لم يَرَدْ مثلُه في الفرائض. وجوابه: توضيحُ قولي السابق: لا تكون نوافلُ إلا بعد أداء الفرائض، وأن الفرائض أساس النوافل، ويكون ذلك بالمثال. إن منزلة النوافل من الفرائض: منزلةُ الزخرفةِ والزينة للبيت، فالبناءُ من جدران وأرض وسقف: هو الأساسُ الذي يقومُ به كِيانُ البيتِ، ثم تأتي ألوان الزخارفِ والتجميل بعد ذلك، ولولا ذلك الحجر لما كانت ألوانُ الزينة، فعلى أيِّ ١٦٢ فإذا أحببته كنتُ سَمْعَه الذي يَسمعُ به، وبَصَرَه الذي يُبْصِر به، ويَدَه التي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَه التي يمشي بها، وإنْ سأَلَنِي لَأَعْطِيَنْهِ، ولَئِنِ استعاذَني لأَعِيذَنَّه، شيء ترتكز الدُّهانات والرسوم والتشكيلات، وبمّ تتعلَّق القناديل .. ؟؟ فالأساسُ هو الفرائض، وزخارفُه هي النوافل، ولولا الأساسُ والفرائضُ، لما كانت الزخارف ولما سُمِّیت نوافل. ومع ذلك فإن نتيجة قرب النوافل حبُّ الله عز وجل لعبده، ويا لَه من شرفٍ لا يَعْدِلُه شرف! ثم بَيَّن سبحانه ما ينتجُ عن حبِّه لعبده فقال: ((فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به، وبِصرَهِ الذي يُبصر به، ويَدَه التي يَبطِش بها، ورِجْلَه التي يمشي بها، وإنْ سألني لُأعْطِيَنَّهِ، ولَئِن استعاذني لأعيذنَّه)). قال الحافظ في ((الفتح)) ١١: ٣٤٤: ((قال الطّوفيُّ: اتفق العلماء ممن يُعتدُّ بقوله أن هذا مجاز وكناية عن نُصرة العبد وتأييده وإعانته، حتى كأنه سبحانه یُنزِّل نفسه من عبده منزلةَ الآلات التي يستعين بها، ولهذا وقع في رواية: ((فبي يَسمع، وبي يُبصر، وبي يبطش، وبي يمشي)). ونقله ابن حجر الهيتمي في ((شرح الأربعين)) صفحة ٢٧٢ دون عزو لقائل، وصدَّره بقوله: ((والتحقيق أنه مجاز وكناية ... )) وفسَّر الهيتميُّ الروايةَ التي ذكرها الطّوفي: ((فَبِي يسمع وبي يبصر ... )) بقوله: ((أي: أنا الله الذي أُقْدَرْتُه على هذه الأفعال وخَلَقْتُها فيه، فأنا الفاعل لذلك، لا أنه یخلق أفعال نفسه - سواء الجزئيات والكليات - خلافاً لما زعمتْه المعتزلة من خلقه - أي العبد - للجزئيات، وهذا الحدیثُ یردُّ عليهم)). قلت: ويؤيِّد هذا القولَ تتمةُ الحديث: ((وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لَّعيذنَّه))، ففيها تمامُ نصرةِ الله للعبد وتأييدِه وإعانته. وخلاصةُ المراد من هذه الكلمات: أن الله تعالى يتولاه في كل تصرُّفاته التي يتصرف فيها بكل جارحة من جوارحه، ولا يَردُّ له دعوةً ولا سؤالاً ولا استعاذة، ذلك لأنه صار حبيب الله . ١٦٣ وما تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُه تَرَدُّدي عن نفسِ المؤمنِ: يَكْرَهُ الموتَ، وأنا أُكْرَهُ مَسَاءَتَه)). وهذا إكرامٌ من الله تعالى لا يكون من غير الله، فسبحان الله الكريم الوهاب. ومما يُستفادُ من هذا الحديث: أن المحافظةَ على النوافل سببٌ رئيسي لاستجابة دعاء صاحبه، فقد وَعَد الله تعالى صاحبَه وعداً مؤكّداً بالإجابة: (وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه)). ثم قال تعالى مبيِّناً تمامَ إكرامه لهذا العبد: أنه تعالى لا يريد إنفاذ أمرٍ بهذا العبد فيه شيءٌ من الإساءة إليه، لكنْ حكمةُ الله وقدرُه لا بدَّ من نفاذ آثارهما في هذا العبد وغيره. قال: ((وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن: يكره الموت، وأنا أكره مساءته)). فقوله ((تردُّدي عن نفس المؤمن)): أي: عن قبضٍ نفسِ المؤمن. والتردد: إحجامٌ عن أمر بعد الإقدام على فعله، لمصلحة تبدو لصاحبه، فهو صفةُ نقصٍ وبَداءٍ، لذلك قال الإِمام ابن الصلاح - كما في ((فتح المبين)) ص ٢٧٣ -: ((ليس المرادُ بالتردُّد هنا حقيقتَه المعروفةَ منا، بل أنه يفعل به كفعل المتردِّد الكاره)). وعلَّق عليه ابن حجر الهَيْتَمي بقوله: ((فهو لمحبته له يكره مساءته بالموت ... وفيه إشعارٌ بأنه لا يَفعلُ به ذلك مريداً إهانته، بل رِفْعتَه، إذْ هو طريق انتقاله إلى دار الكرامة والنعيم)). ونقل الحافظ في ((الفتح)) ١١: ٣٤٥ - ٣٤٦ عن الخطابي كلاماً في تأويل التردد، منه قوله: ((الثاني: أن يكون معناه ما رَدَّدتُ رُسُلي - أي ملائكتي - في شيء أنا فاعلُه کتردیدي إياهم في نفس المؤمن)». وهذا معناه: تفسير ((ترددتُ)) بـ ((رَدَّدتُ)) ولما كان الظاهرُ اختلافهما، نَقَل الحافظ بعد قليل عن الكّلاباذي قوله: ((وقد وَرَدَ أي في اللغة - تفعَّل بمعنى فَعَّل، مثل: تفكّر وفكّر، وتدبَّر ودبَّر، وتهدَّد وهدَّد)). فيسوغُ حينئذ تفسير تردّد بـ: ردَّد. والله أعلم. ١٦٤ ٣٥ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله عوض الله قال: ٣٥ - تخريجه: رواه البخاري في مواضع من («صحيحه))، منها: كتاب مواقيت الصلاة - باب فضل صلاة العصر ٢: ٣٣ (٥٥٥) وهذا لفظه، وكتاب بدء الخلق - باب ذكر الملائكة ٦: ٣٠٦ (٣٢٢٣) ولفظ ((كانوا فيكم)) منه. ورواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١: ٤٣٩ (٦٣٢)، ومن ((شرح النووي)) ٥: ١٣٣. ورواه آخرون، منهم ابن خزيمة في ((صحيحه)) ١: ١٦٥ (٣٢١) وجاءت روايته مفصّلةً أكثر من سائر الروايات الأخرى، ولفظه: ((إن لله ملائكةً يتعاقبون فيكم، فإذا كان صلاة الفجر نزلت ملائكة النهار، فشهدوا معكم الصلاة جميعاً، ثم صَعِدَتْ ملائكة الليل، ومكثتْ معكم ملائكة النهار، فيسألهم ربُّهم وهو أعلم بهم: ما تركتم عبادي يصنعون؟ فيقولون: جئنا وهم يصلُّون، وتركناهم وهم يصلُّون. (فإذا كان صلاةُ العصر نزلتْ ملائكة الليل فشهدوا معكم الصلاة جميعاً، ثم صَعِدتْ ملائكة النهار، ومكثت معكم ملائكة الليل، قال: فيسألُهم ربُهم وهو أعلمُ بهم، فيقول: ما تركتم عبادي يصنعون؟ قال: فيقولون: جئنا وهم يصلّون، وتركناهم وهم يصلّون. قال: فحسِبت أنهم يقولون: فاغفِرْ لهم يوم الدين)). وجاءت هذه الجملة الأخيرة مجزوماً بها في الرواية الثانية عنده برقم (٣٢٢) دون قوله: «فحسبتُ أنهم يقولون)». معناه: في الحديث الشريف إخبار عن فَوْجَين من الملائكة الكرام عليهم السلام جميعاً، فوج يحفُّ بالإنسان من أول النهار الشرعي: صلاة الفجر، إلى صلاة العصر، ولعل ذلك يكون إلى حين أدائه إياها، فيمتدُّ ذلك معه إلى صلاة المغرب، فيجتمع ملائكة هذا الفوج مع ملائكة الفوج الثاني الذين يحقّون به من ١٦٥ أول الليل: وقت صلاة المغرب، إلى آخره وأول النهار، وذلك عند الفجر. فيكون منهم اجتماعان ولقاآن، وتوضيحهما في رواية ابن خزيمة: ((إذا كان صلاة الفجر نزلت ملائكة النهار فشهدوا معكم الصلاة جميعاً)) أي: شهدت ملائكة الليل الذين انتهت مهمتهم الليلية مع هذا الإِنسان، وشهدت معهم ملائكة النهار الذين سيبلؤون مهمتهم الآن، هذا معنى قوله صل#: ((شهدوا معكم الصلاة جميعاً)). ثم تصعد الملائكة الليليون الذين انتهت مهمتهم، وتبقى ملائكة النهار، فيسأل المولى العليم الخبير ملائكة الليل المُغَادِرين: ((كيف تركتم عبادي؟)) وعلى أي حال كانوا؟، فتجيبه الملائكة الكرام جواباً فيه غاية الرحمة للمؤمنين: ربنا تركناهم وهم يصلون، والظاهر أن ينتهي الجواب هنا. لأن السؤال عن حالهم التي تركوهم عليها فقط، لكنهم يزيدون في الثناء على العباد زيادةً في استرحام الله لهم فيقولون: وأتيناهم وهم يصلُّون. ويزيدون في الاسترحام لهم تقديمَ الرجاء إلى رب العزة أن يَتَدارك هؤلاء الأقوام بالمغفرة يوم الجزاء والحساب، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فيقولون: ((فاغفر لهم يوم الدين)). فجزى الله عنا الملائكةَ الكرامَ كلَّ خير. وهكذا تنتهي مهمة كل فوج، ويجتمع من بعده به قبل المغادرة، وهكذا يكون السؤال، وهكذا يكون الجواب منهم مع رجاء المغفرة. فعلى المسلم العاقل أن يَحرص على أوقاته كلِّها، خاصةً منها ما يكون هذا فضله، وهذا مشهده، وهذا شهوده، وهذا هو السؤال عن حاله فيه من قِبَل رب العزّة سبحانه وتعالى . فهذا وقت مشهود، يشهده ويحضره مع الإنسان من ملائكة الله عز وجل وجنوده ما لا يعلم عددهم إلا الله، فهم حاضرون معه، شاهدون عليه أمام الله عز وجل بما يفعله، فإن كان في المسجد - أو في البيت - في صلاة وعبادة، شهدوا عليه بذلك، وزادوا له في الاسترحام والاستعطاف ورجاء المغفرة. : ١٦٦ ((يَتَّعَاقَبون فيكم ملائكةٌ بالليل، وملائكةٌ بالنهار، ويَجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يَعْرُجُ الذين باتوا - أو: كانوا - فيكم، فيسألُهم - وهو أعلم بهم -: كيف تركتم عبادي؟ وإن كان حالُه على غير ذلك، وأدنى، وأدنى .. - والعياذ بالله -: فليعلم أن عليه شهوداً صادقين مصدَّقين، سيرفعون عمله إلى الله تعالى بعد ساعة أو سُوَيعات، ويجيبون عن سؤاله: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركنا فلاناً وفلاناً علی کذا وكذا مما لا يرضیك يا رب !. فلا بدَّ للمسلم من مراقبة أحواله، ومحاسبة نفسه في كل أوقاته. ثم إن هؤلاء الملائكة هم الحَفَظة في قول الأكثر من أهل العلم. وقيل: إنما هم موكّلون برفع أعمال اليوم والليلة. وهذا الرفعُ هو المذكورُ في حديث أبي موسى الأشعري الذي رواه مسلم في ((صحيحه)) ٣: ١٢، قال: قام فينا رسول الله وَلفر بخمس كلمات فقال: ((إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفِضُ القِسْطَ ويرفعُه، يُرفَع إليهِ عملُ الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبلَ عملِ الليل، حجابُه النور لو كَشّفه لُأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بَصَرُه من خلقه». ويُستفاد من الحديث المشروح: فضيلةُ وقت الفجر والعصر، فإنهما الوقتان اللذان اختارهما الله تعالى لرفع أعمال النهار، وأعمال الليل. واختار العلامة ابن أبي جمرة رحمه الله في ((بهجة النفوس)) ١: ٢٠٣ أن الصلاة الوسطى التي أمرنا بالمحافظة عليها هي صلاتان: وسطى النهار، وهي العصر، ووسطى الليل، وهي الفجر. وأما وقتُ عروج كل طائفة: فقد جاء في الرواية: ((ثم يَعْرُج الذين باتوا)) والمبيت وقته من المغرب إلى الفجر، فهذا فيه إخبار عن ملائكة الليل، إذا أخذنا بهذه الرواية، فأين الحديث عن ملائكة النهار؟ . لذلك أشرتُ إلى رواية ((ثم يعرج الذين كانوا فيكم))، أي: تعرج الطائفة الأولى: النهارية أو الليلية التي كانت، بعد صلاة الفجر أو العصر، وتبقى الطائفة الثانية . ١٦٧ فيقولون: تَرَكناهم وهم يصلُّون، وأتيناهم وهم يُصلُّون)). وأما قول الملائكة الكرام في جوابهم الله عز وجل: ((أتيناهم وهم يصلُّون، وتركناهم وهم يصلّون)): فلا يلزم من هذا أن يكونوا أَتَوْا بني آدم وهم مباشرون لفعل الصلاة، وتركوهم وهم مباشرون لها أيضاً، بل المراد: أنهم في حال صلاة فعلًا، أو استعداداً، أو انتظاراً لصلاة آتية - وإن الرجل في صلاة ما دام ينتظر الصلاة - وهكذا، فهو في صلاة أو في متعلُّقاتها. وكما أن النبي ◌َّهُ حذَّرنا أن نكون من الثلاثة الذين لا يُكَلِّمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، ومنهم: ((رجلٌ حَلَف على يمينٍ كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مالَ رجل مسلم)» كما سيأتي الحديث برقم ٥٤ مراعاةً منه الآن لحرمة هذا الوقت، لمثل هذا الحَدَثِ الهامِّ الذي يخصُّ الإِنسانَ، فكذلك ينبغي القول: إن الحلفَ الكاذبَ بعد الفجر ليقتطعَ به مالَ رجل مسلم، يُدخِل صاحبه بمثل هذا الوعيد، والله أعلم. ذلك أن الحرمة مشتركة بين الوقتين، لاتَّحادهما في السبب، وإن كان وقتُ ما بعد العصر يزيد بأنه نهايةُ العمل اليومي للإِنسان، فيكون قد خَتَّمَ صحيفته بهذا المنكر، نسأل الله العافية. * ١٦٨ ٣٦ - عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتَبَسَ عنا رسول الله وَّ ذاتَ غَداةٍ عن صلاة الصبح، حتى كِدْنا نَتَراءِى عينَ الشمس، فخرج سريعاً فَثَوَّب بالصلاة، فصلَّى رسول الله ◌َّةٍ وَتَجَوَّز في صلاته، فلما سلَّم دَعَا بصوته قال لنا: ((على مَصَافُكم كما أنتم))، ثم انْفَتَلَ إلينا، ٣٦ - تخريجه: رواه الترمذي: أبواب تفسير القرآن - باب سورة ص ٨: ٣٦٥ (٣٢٣٣) = ٥: ٣٦٨ (٣٢٣٥) وقال: حديث حسن صحيح. وللحديث ألفاظ وروايات كثيرة، ورواه من الصحابة كثيرون، وخرَّجه كثيرون من أئمة الحديث، وقد استقصى ذلك شيخنا العلامة المفسِّر المحدِّث الشيخ عبدالله سراج الدين حفظه الله تعالى، في كتابه ((صعود الأقوال ورفع الأعمال)) ص ١١١ - ١٢٣. وللحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله رسالة مطبوعة في شرحه سماها («اختيار الأَوْلَى في اختصام الملأ الأعلى)). غريبه: الغَداة: الصباح، وهو وقت غدوِّهم - أي: رَوَاحهم - إلى أعمالهم. نَتَراءَى: نحاولُ ونتكلَّف رؤية عين الشمس. ثَوَّب بالصلاة: أقامها . تجوّز: خفّف. على مصافّكم: يريد: الزموا أماكنكمٍ. فاستُثْقِلْتُ: غَلَبني النعاسُ وصار ثقيلاً. فهي رؤيا منامية . الملأ الأعلى: طائفةٌ خاصة من الملائكة المقرَّبين. يختصم: يختلف. معناه: هذا الحديث الشريف من أعظم الأحاديث جمعاً لأعمالٍ صالحةٍ تكفِّر الخطيئات، وأعمالٍ أخرى ترفعُ الدرجات، ودعواتٍ جامعةٍ أُلهمَها رسول الله عليه أفضل الصلوات والتسليمات، في هذا الموقف العظيم. ١٦٩ فقال: ((أَمَا إني سأُحدِّثُكم ما حَبَسَني عنكم الغَداةَ. إني قمتُ من الليل فتوضأتُ فَصَلَّيتُ ما قُدِّر لي، فَنَعَسْتُ في صلاتي فاسْتَثْقَلْتُ، فإذا أنا بربِّي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمدُ، قلت: ربِّ لبيك، قال: فِيمَ يختصِمُ الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري ربِّ - قالها ثلاثاً -. ورؤيا الأنبياءِ جميعاً عليهم الصلاة والسلام وحيّ من الله وحقٌّ، فلا يقالُ عن هذا الحديث: إنه رؤيا منامية! ذريعةً لعدمِ الاهتمام بشأنه وبما فيه. فالله عز وجل قد تجلَّى لحبيبه ﴿ في هذا المشهد، فتجلَّى له كلُّ شيءٍ وعَلِمِه، لذلك كرَّر عليه السؤال، فلما سأله المرةَ الأولى قال: ((لا أدري)) ثلاثاً، كما جاء في الآية الكريمة على لسان النبي ◌َّار: ﴿ما كانَ ليَ من علمٍ بالملأ الأعلى إذْ يَخْتَصِمون ﴾. فلما تجلَّى الله له، تجلّى للنبي ◌َ﴿ كلُّ شيء وعرفه، وفي رواية للترمذي ٨: ٣٦٢ (٣٢٣١) ((فعلمتُ ما في السموات وما في الأرض)). فأجاب حينئذ عن اختصام الملأ الأعلى. واختصامُهم: اختلافُهم فيما بينهم في تقدير أجورِ أعمالٍ معيَّنة، فقسمٌ منهم يقدِّرُ لهذا العمل أَجْرَ كذا وكذا، وبعضٌ آخرُ يقدِّر أكثر من ذلك، وهكذا، يختلفون في ثوابٍ أعمالٍ معيَّنة لبني آدم، وإعطائها ما تستحقُّ من مكافآت . والأمرُ الأول الذي يختلفون فيه: الكفارات، أيْ: الأعمالُ الصالحةُ التي إذا عَمِلها ابنُ آدمَ كفِّر الله عنه بها من خطاياه، فالكفارات: هي مكفِّرات الذنوب والخطايا. وقد عدَّد رسول الله وَّه منها هنا ثلاثة أعمال: المشي إلى صلاة الجماعة، وانتظار صلاةٍ فريضةٍ بعد أداء فريضة قبلها، وإسباغَ الوضوء بالماء البارد في أيام البرد. والأمر الثاني: في الدرجات، كما وُصفتْ بذلك في رواية الترمذي التي برقم ٣٢٣١ و٣٢٣٢(١)، أما الرواية التي تقدَّم نصُّها فلم تردْ هذه اللفظة فيها. والمراد ١ - وسقطت كلمة ((الدرجات)) من ((المسند)) ٥: ٢٤٣ من رواية معاذ بن جبل، لكنْ سياقه واضح في ثبوتها، وأن سقوطها خطأ مطبعي . ١٧٠ قال: فرأيتُه وَضَع كفَّه بين كتفيَّ حتى وجدتُ بَرْدَ أنامِله بين ثَدْنَيَّ، فتجلَّى لي كلُّ شيء وعرفتُ، فقال: يا محمدُ، قلت: لَبَّيْك ربِّ، قال: بالدرجات: تقديرُ ثواب الأعمال الصالحة التي إذا عملها ابن آدم رفع الله بها درجاتِه في الجنة. وعدَّ منها رسول اللهِ وَ﴿ هنا ثلاثةَ أعمال أيضاً: إطعام الطعام، ولِيْنَ الكلام، والصلاةَ بالليل والناس نيام. وهي داخلة في هذه الرواية تحت الكفارات. ١ - فالعمل الأول من الأمر الأول: الخُطَا التي يَخْطُوها المسلم إلى صلاة الجماعة. روى البخاري ٢: ١٣١ (٦٤٧) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َّ: ((صلاة الرجل في الجماعةِ تُضَعَّف على صلاته في بيته وسوقه خمساً وعشرين ضِعْفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يُخرِجِه إلا الصلاةُ، لم يَخْطُ خُطوةً إلا رُفعتْ له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذاَ صلَّى لم تَزَل الملائكةُ تصلِّي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدُكم في صلاةٍ ما انتظر الصلاة)). فقوله ((حُطَّ عنه بها خطيئة)) يجعل المشي إلى الجماعات من الكفارات، لكن قوله ((رفعت له بها درجة)) يجعلُه من الأمر الثاني، وهو الدرجات، فيحصُل إشكال، وجوابُه: أن من الأعمال الصالحة ما له اعتبارٌ واحد، إما من الدرجات، وإما من الكفارات، ومنها ما له اعتباران مختلفان، يُغَلَّب أحدُهما فيُلْحِقِ العملَ بالدرجات، أو يُلحقُه بالكفارات. كالصلاة، فيها مجاهدة للنفس على أدائها والمواظبة عليها، وكونها في وقت مخصوص، فهذا يُلْحَقها بالكفارات. وفيها عبادةٌ ومناجاة، وتسبيح وتحميد ودعاء، فهي بهذا الاعتبار من الدرجات. وعلى الاعتبار الأول - كون الصلاة من الكفارات - جاء قوله ويقال: ((الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان: مكفِّراتٌ لما بينهنَّ ما اجْتُنِبَت الكبائر)) رواه مسلم ٣: ١١٧، ورواه قبله بلفظ: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن)). ١٧١ فِيمَ يختصِمُ الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: ما هنَّ؟ قلت: مَشْيُ الأقدام إلى الجماعات، والجلوسُ في المساجد بعد الصلوات، وإسباغُ الوضوء في المكروهات. وعلى الاعتبار الثاني - كونها من الدرجات - جاء قوله وله: ((أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد، فأكْثِروا الدعاء)). رواه مسلم أيضاً ٦: ٢٠٠. وبمراعاة الاعتبارين: جاء قوله ◌َ له: ((من ركع ركعةً أو سجد سجدةٌ رُفع بها درجةٌ وحُِّت عنه بها خطيئة))(١). وهذا الإِشكال يَرِدُ في أعمالٍ أخرى، وجوابُه كما ذكرت، فلا حاجة إلى تكراره. ٢ - والعمل الثاني من الأمر الأول - وهو الكفارات -: هو الجلوس في المساجد بعد الصلوات، بنيّة انتظار الصلاة الأخرى اللاحقة. وفي الحديث الذي بعد هذا: أن الله تعالى يُبَاهي بهؤلاء الجالسين المنتظرين ملائكته الكرامَ يقول لهم: ((انظروا إلى عبادي قد قَضَوْا فريضةٌ، وهم ينتظرون أخرى». ٣ - وأما إسباغُ الوضوء في المكروهات - أي إتمامُه واستيعابُ أعضائه مسحاً وغَسلًا، واستيفاءُ سُنته، في حالة البرد الشديد مع التوضؤ بماء بارد. فقد جاء عن النبي عليه أن إسباغ الوضوء وحده من الكفارات، فكيف في المكاره؟ روى مسلم ٣: ١١٣ عن حُمْران مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: أتيت عثمان بوضوء، فتوضأ، ثم قال: إن ناساً يتحدّثون عن رسول الله وَله أحاديثَ لا أدريٍ ما هي؟ إلا أني رأيت رسول الله وَّه توضأُ مثلَ وُضوئي هذا ثم قال: ((من توضأ هكذا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، وكانت صلاتُه ومشيه إلى المسجد نافلة» . ١ - رواه أحمد عن أبي ذر ٥: ١٤٧ وله قصة ٥: ١٤٨، قال الهيثمي ٢: ٢٤٨ - ٢٤٩: ((رواه كله أحمد، والبزار بنحوه، بأسانيدَ وبعضُها رجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الأوسط». ١٧٢ ٠٠ هذا، وقد روى مسلم أن هذه الأعمال الثلاثة التي تقدمت هي كفارات ودرجات، وشبَّهها رسول الله ◌َ ﴿ بالمرابطة في سبيل الله، ومعلومٌ أن الرباط كالجهاد، وأن المرابط مجاهد. ففي صحيح مسلم ٣: ١٤١ عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله واله قال: ((ألا أُدُلَّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة. فذلكُمُ الرَّباط)). وقد بيَّن لنا النبي وَ له فائدةَ هذه الكفارات في الدنيا والبرزخ والآخرة فقال - كما في رواية الترمذي (٣٢٣١) وغيره -: ((من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيومَ وَلَدَتْه أمُّه)). وهذه نتيجةٌ طبيعية لكون هذه الأعمال الثلاثة كفاراتٍ للذنوب. لكنْ رواية الترمذي الأخرى برقم (٣٢٣٢) جاءت بلفظ: ((من يحافظ عليهن عاش .. )) فالفعلُ لها مرةً أو مرتين أو مراتٍ لا يُسمَّى محافظةً ومداومةً، بل لا بدَّ من كثرة الفعل لها بحيث يقال عن صاحبها: إنه محافظ مداوم عليها، ولو تخلَّل ذلك انقطاعه عنها في بعض الأحايين، فإنه ذلك لا يضرُّه إن شاء الله. ٤ - وأما أولُ أعمال الأمر الثاني - وهي الدرجات -: فهو إطعام الطعام وبذلُه، وكونُه لمستحِقِّ فقير أولى وأحبُّ، وسببٌ لرفع درجاتٍ أكثر مما لو كان مبذولاً لغير فقير. روى البخاري ١: ٨٢ (٢٨) و١١: ٢١ (٦٢٣٦) عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رجلاً سأل رسول الله وَلٍ: أَيُّ الإِسلام خيرٌ؟ فقال له عليه الصلاة والسلام: ((تُطْعِمُ الطعامَ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرِف)). فإطعام الطعام من خيرِ أعمالِ الإِسلام وأفضلها. وروى الترمذي ٦: ١٣٥ (١٨٥٦) عن عبدالله بن عمرو أيضاً، عن رسول ١٧٣ ٠ اللّه ◌َيّ أنه قال: ((اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأَفْشُوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام)). قال الترمذي: حسن صحيح. وروى الترمذي أيضاً وصححه ٧: ١٨٢ (٢٤٨٧) عن عبدالله بن سَلَام رضي الله عنه قصة إسلامه، يقول فيها: لما قدِم رسول اللّهِ وَِّ انجفلَ - أي: أسرع- الناسُ إليه، وقيل: قدم رسول الله ﴿! قدم رسول الله وَّ! قدم رسول الله وَاتر! فجئتُ في الناس لأنظرَ إليه، فلما اسْتَثْبَتُّ وجهَ رسول اللهِوَّ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أولَ شيء تكلُّم به أن قال: ((أيُّها الناسُ أَقْشُوا السلامَ، وأَطْعِموا الطعام، وصلُّوا والناسُ نيام، تدخلوا الجنة بسلام)). ودخولُ الجنة بسلام: معناه - والله أعلم -: دخولُها من غير حساب ولا عذاب. وهذا ترغيبٌ عظيم، لا ينبغي للقادر عليه أن يَغْفُل عنه. وفقنا الله لما يرضيه عنا. بل لقد ثبت عن النبي ◌َ﴿ أن لصاحب هذه الخصال الثلاثة مرتبةً خاصة في الجنة غيرَ دخوله إياها بسلام. فقد روى الطبراني في ((معجمه الكبير)) بإسناد حسن - كما قال المنذري ٢ : ٦٣، والهيثمي ٢: ٢٥٤ - عن عبدالله بن عَمْرو رضي الله عنهما، عن رسول الله ◌َّ أنه قال: ((إن في الجنة غُرفاً يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنها من ظاهرها)) فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: ((لمن أطابَ الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائماً والناس نيام))(١). وهذه الأحاديثُ وغيرها كثير تدلُّ على أن هذه الخصلةَ من شرائف الخِصال التي يترتَّب عليها رفعُ درجاتِ العبدِ المسلمِ عنده. ١ - ورواه الإِمام أحمد ١: ١٥٦، والترمذي ٦: ٢٠٢ (١٩٨٥)، ٧ : ٢١٢ (٢٥٢٩) عن علي رضي الله عنه، وفي إسنادهما عبد الرحمن بن إسحاق، ضعَّف الترمذي الحديثَ بسببه. ورواه عبدالله بن أحمد في ((زوائد المسند)) ٥: ٣٤٣ عن أبي مالك الأشعري المذكور في حديث ابن عَمْرو، وفيه شيء، فالحديث ثابت. ١٧٤ وقد ذكر الله عز وجل هذه المكرمة في خصال (الأبرار) المذكورة في سورة الدهر: ﴿هل أَتَّى على الإِنسان﴾، وذلك عند قوله تعالى: ﴿إن الأبرارَ يَشْرَبون مِنِ كأسٍ كان مِزَاجُها كافوراً، عيناً يَشْرِبُ بها عبادُ اللّه يُفَجِّرونها تفجيراً، يُوفُون بالنَّذْر، وَيَخافونَ يَوْماً كان شرُّهُ مُسْتَطِيراً، ويُطْعِمون الطعامَ على حبِّ مِسكيناً ويتيماً وأَسِيراً، إنما نُطْعِمُكُم لوجه الله، لا نُرِيدُ مِنكم جزاءً ولا شُكوراً، إنّا نخافُ من ربِّنا يوماً عَبوساً قَمْطَريرا، فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم ولَقَّاهم نضرةً وسروراً ... ﴾. فإطعامُ الطعام لمستحقّيه مع الإِخلاص لله عز وجل من صفات الأبرار، وإن الله تعالى يقول: ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾. وأما ما رواه الحاكم ٤: ١٢٠ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الكفاراتُ: إِطْعَامُ الطعام ، وإِفْشاءُ السلام، والصلاةُ بالليل والناسُ نيام»، ففيه راو متروك شديد الضعف، فلا يُلتفت إليه. ٥ - وأما الأمر الثاني من أعمال الدرجات: فهو لين الكلام. وهو داخل في الأحاديث السابقة، وهو المعبّر عنه في الحديث السابق: ((لمن أطاب الكلام)) فلِيْنُ القول وطِيْبُه شيء واحد، وكذلك القول المعروف، والقول الكريم. وإن البرّ الذي يجعل صاحبه من الأبرار قائم على شيئين، جَمَعهما ابن عمر رضي الله عنهما، كما في ((عيون الأخبار)) ٢: ٣٦٢: ((البرّ شيء هين: وجه طليق وكلام لين )) ثم جُعِل شعراً . بُنَيَّ إن البِرِّ شيءٌ هيِّنُ وجهُ طَليقٌ وكلامٌ ليِّنُ ولِينُ القول سِمَةٌ للمسلم حتى مع أعدائه! حتى في حال مخاصمته !. أما مع أعدائه: فقد روى البخاري في كتاب الأدب ١١ : ٤١ (٦٣٥٦) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: دخل رَهْطٌ من اليهود على رسول اللهِ وَّ فقالوا: السامُ عليك، ففهمتُها. فقلت: عليكم السامُ واللعنةُ. فقال رسول اللّه وَلّهِ: ((مهلاً يا عائشة، فإن الله يحبُّ الرِّفْق في الأمر كلِّه)) فقلت: يا رسول اللّه أَوَ لم تسمعْ ما قالوا؟ قال رسول اللّه وَله: ((فقد قلتُ: عليكم)). · ١٧٥ ثم أسند إلى أنس - وابن عمر نحوه - عن النبي ◌َّ: ((إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم)). فجعل ذلك ◌َه حكماً عاماً وسنةً لأمته من بعده. ولفظُ حديث عائشة في كتاب الأدب ١٠: ٤٥٢ (٦٠٣٠): أن يهود أُتُوا النبيَّ ◌َّ فقالوا: السام عليكم. فقالت عائشة: عليكم، ولعنكم الله وغضب الله عليكم! قال: ((مهلًا يا عائشة، عليكِ بالرِّفق، وإياكِ والعُنفَ والفُحْشَ)) قلت: أو لم تسمعْ ما قالوا؟ قال: ((أو لم تسمعي ما قلتُ؟ رددتُ عليهم، فَيُسْتجاب لي فيهم، ولا يُستجابُ لهم فيَّ». ولمناسبة قوله: إياكِ والعنف والفحشَ: أخرج البخاري حديثاً قبله فيه وصف عبد الله بن عَمْرو للنبي ◌َ﴿ بقوله: لم يكنْ وَلَ﴿ فاحشاً ولا متفحّشاً. أما في حال مخاصمته للآخرين: فذلك فيما رواه البخاري أوائل صحيحه ١: ٨٩ عن عبدالله بن عمرو أيضاً، عن النبي وَ﴿ قال: ((أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانتْ فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خَصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اثْتُمِن خان، وإذا حدَّث كَذَب، وإذا عاهد غَدَر، وإذا خاصم فَجَرَ)). ففي قوله ومثاله: ((وإذا خاصم فجر»: تنبيه للمسلم أن يحفظً لسانه فلا يخرج عن طَوْره في الخصومة، وعن حدٍّ الأدب في القول، والنَّصَفَة في الانتصار لنفسه، بحجة أن هذا خَصْمه! يُسوِّل له الشيطان كلَّ رذيلةٍ لينتصر عليه! فإن ذلك من خصال النفاق ! . ٦ - وأما الأمر الثالث من أعمال الدرجات: فهو صلاة الليل. والحديث عن صلاة الليل طويل جداً، لكثرة ما في صلاة الليل من آيات كريمة، وأحاديث نبوية شريفة، وأقوال وأفعال عن السلف الصالح رضي الله عنهم حولها. وفي كتاب ((قيام الليل)) لمحمد بن نصر المروزي، المطبوع ((مختصره)) للمقريزي، و((الترغيب والترهيب)) للمنذري ١: ٤٢٢ - ٤٤٦ شيءٌ كثير وفير، لا سيما الكتاب الأول ففيه من آثار السلف ما يَشْرح الصدر ويُنوِّر القلب. وقد أشار الحديث الذي نحن بصدد شرحه إلى سبب من أسباب فضيلة صلاة ١٧٦ قال: ثم فِيمَ؟ قلت: إطعامُ الطعام، ولينُ الكلام، والصلاةُ بالليل والناسُ نِیام. قال: سَلْ، قلت: اللهم إني أسألُك فِعْلَ الخيرات، وتركَ المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تَغْفِرَ لي وتَرْحَمَني، وإذا أردتَ فتنةٌ في الليل، وذلك في قوله ((والصلاةُ بالليل والناس نِيام)) فأشار إلى أن الليل وقتُ غفلةٍ الناس ونومِهم، أما هذا الإِنسانُ طالبُ الدرجات عند ربه تعالى فهو منتصبٌ قائم بين يدي الله عز وجل يُناجيه ويُناديه: يا رب يا رب. ويستمع بقلبه هو كذلك إلى مناجاةٍ الله لعباده ومناداته لهم: هل من مستغفِرٍ فأغفرَ له؟ هل من مسترزِقٍ فأرزقَه؟. وقد روى أبو الدرداء عن النبي وسلم أنه قال: ((ثلاثة يحبُّهم الله ويضحكُ إليهم، ويَستبشرُ بهم: الذي إذا انكشفتْ فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل، فإما أن يُقتل، وإما أن ينصرَه الله عز وجل ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صَبْرَ لي بنفسه. والذي له امرأةً حسنة، وفراشَ لَيِّن حسن، فيقومُ من الليل، فيقول: يَذَرُ شهوتَه ويذكرني، ولو شاء رَقَد. والذي إذا كان في سفر - وكان معه ركْب ـ فَسَهِروا ثم هَجَعوا، فقام من السَّحر في ضرَّاء وسرَّاء))(١). وفي صحيح مسلم ٨: ٥٤ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّهِ وَّ: ((أفضلُ الصيام بعد رمضان شهرُ اللّه المحرَّم، وأفضلُ الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل)). وروى الطبراني في ((الأوسط)) بإسناد حسن - كما قال المنذري ١ : ٤٣١ - عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهما قال: جاء جبريل إلى النبي م# فقال: ((يا محمد عِشْ ما شئتَ فإنك ميت، واعملْ ما شئتَ فإنك مَجْزِيٌّ به، وأُحْبِبْ من شئت فإنك مفارقُه، واعلمْ أن شرفَ المؤمنِ قيامُ الليل، وعزَّه استغناؤه عن الناس)). وفي ختام هذه المقام العظيم الذي أفاض الله تعالى فيه على حبيبه المصطفى ◌َ# بما أفاض من علومٍ ومعارفَ، قال الله تعالى له: ((سلْ)) وكأنه يقول ١ - قال المنذري ١: ٤٣٥: ((رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن)) وقال الهيثمي ٢: ٢٥٥: «رجاله ثقات)). وذكرا بعده حديثاً آخر نحو هذا عن ابن مسعود، وإسناده حسن أيضاً. وهذا حديث قدسي. ١٧٧ قوم فَتَوَفَّني غيرَ مفتونٍ، وأسألك حبَّك، وحُبَّ من يُحِبُّك، وحبَّ عملٍ يقرِّبُ إلى حبِّك)). قال رسول الله وَله: ((إنها حقٌّ، فادرُسُوها، ثم تعلّموها). له: إنك في مقام إجابة فاسألْ وادع، كما في رواية البغوي في ((شرح السنة)) عن ثوبان رضي الله عنه، وفيها: ((يا محمد قُل يُسمعْ، وسَلْ تُعْطَ)). فدعا رسول اللّه ◌َ﴿ في هذا المقام بعد أنْ تجلّى له كلُّ شيءٍ وعَرَفه، وبعد أن تجلّى له كلُّ ما في السموات والأرض، فهو في مقام إفاضات علمية عظيمة جداً لا يَعلَم حقيقته من البشر إلا هو ◌َّة، في هذا المقام دعا عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوات الجامعات العظیمات. وهذه الرواية هي أُوْفى الروايات الجامعة للدعوات، ففيها الدعاءُ بتسعة أمور، وجاء في بعضها أربعةٌ، وفي أخرى ستة، وفي رواية عبد الرحمن بن عائش الحضرمي رضي الله عنه عند البغوي في ((شرح السنة)) ٤: ٣٦ الدعاء بسبعة أمور، وفيها زيادة واحدة على التسعة المذكورة هنا، وهي قوله: ((وتتوبَ عليَّ)) مع قوله ((وأن تَغْفِر لي وتَرحَمَني)». ومغايرة أخرى، جاءت في رواية البغوي في ((شرح السنة)) ٤: ٣٩ عن ثوبان رضي الله عنه في آخر الدعاء: ((وحبّاً يُبلِّغني حبَّك)). فيكون * قد سأل حسب الروايات المشهورة - حبَّ أعمال تقرِّب إلى حب الله له. أما في هذه الرواية فإنه يسأل الله تعالى أن يرزقَه حباً لله يُوصلُه إلى حب الله له، فهو قربٌ بالحبِّ لا بالعمل، وهذا أعلى من الأول. وقد حدَّدت بعض الروايات وقت هذه الدعوات، أن تكون عقب الصلوات. ففي رواية الترمذي وغيره: ((وقال: يا محمد إذا صليتَ فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات .. )). وإنه لا ينبغي لمن علم بهذه الدعوات أن يتخلَّف عن جَعْلها هِجِّيراه ودَيْدَنه بعدما يَسمع رسول الله وَ﴿ يختمها بقوله: ((إنها حق، فادرُسُوها ثم تعلَّموها)). نسأل الله التوفيق لذلك، والإِجابة. آمين. ١٧٨ ٣٧ - عن عبدالله بن عَمْرو بن العاص رضي الله عنهما قال: صلَّيْنا مع رسول الله وََّ المَغْرِبَ، فَرجَع مَن رَجَع، وعقّب من عقّب، فجاء رسولُ اللهِ وَِّ مُسْرعاً قَد حَفَزَه النفَس، وقد حَسَرَ عن ركبتيه، فقال: ((أَبْشِروا، هذا ربّكم قد فَتَح باباً من السماء يُبَاهي بكمُ الملائكةَ يقول: انظروا إلى عبادي قد قَضَوْا فريضةً وهم يَنتظِرون أخرى)). ٣٧ - تخريجه: رواه ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات - باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة ١: ٢٦٢ (٨٠١)، وصححه الشهاب البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ١: ١٧٠ (٣٠٣). غريبه: عقّب: أقام في المسجد بعدما فَرَغ من الصلاة. حَفَزَه النفَس: قال الإِمام النووي في ((شرح مسلم)) ٥: ٩٧: ((أي: ضَغَطَه لسرعته)) . معناه: هذه مباهاة إلّهية أخرى، وعمل من أعمال البر يتسابق فيه البررة في حَلْبةٍ مَيدان الخيرات والأعمال الفاضلة. وَلْيَتَصَوَّرْ أحدُنا أنه يسمعُ هذا النداء الإِلَّهي الملائكة الكرام الأطهار: ((انظروا إلى عبادي)) وأنت فيهم يفاخر بك الله عز وجل، فما أعظمَه من شرف! وما أعظمَها من بشارة !. لذلك رَجَعَ سيدنا رسول الله وَله إلى من بقي في المسجد ينتظر أداءَ فريضةٍ أخرى، رَجَع إليهم مسرعاً بالبشارة، قد أثقله نَفَسه من السرعة، قال لهم: ((أَبْشِروا، هذا ربکم .. يُباهي بكم الملائكة .. )). والطاعة التي تؤهّلك لهذا المقام الرفيع: أنك إذا صليتَ فريضةً مكثتَ في مسجدك أو مصلاك، تَنتظِرِ دخولَ وقت فريضة أخرى لتصلِّيَها أيضاً. كمن صلى المغرب في المسجد، وجلس ينتظر العشاء ليؤدِّيَها، ففي انتظاره مباهاةُ الله تعالى به ١٧٩ الملائكة، ثم إن منتظر الصلاة كأنه في صلاة، والملائكة تستغفر له ما دام كذلك. روى البخاري - وغيره - ٢: ١٤٢ (٦٥٩) عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله وَ﴿ل قال: ((الملائكةُ تصلِّي على أحدكم ما دام في مصلاه، ما لم يُحدِث: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، لا يزالُ أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يَمنعُه أن يَنقلِبَ - أي: يرجعَ - إلى أهله إلا الصلاة)). لذلك كره السادة الحنفية تنزيهاً السلام على الجالس ينتظر الصلاة. ذكره ابن عابدين في ((حاشيته)) ١ : ٤١٥. ١٨٠ ٣٨ - عن أبي الدرداء، وأبي ذرِّ رضي الله عنهما، عن رسول الله وَل*، عن الله عز وجل أنه قال: ((ابنَ آدَمَ اركَعْ لي من أول النهار أربعَ رَكَعاتٍ أَكْفِكَ آخِرَه)). ٣٨ - تخريجه: رواه الترمذي في أبواب الصلاة - باب صلاة الضحى ٢: ١٩٧ (٤٧٥) = ٢: ٣٤٠ (٤٧٥) وفيهما قولُ الترمذي: حسن غريب، ونحوه في أبي داود: كتاب الصلاة - باب صلاة الضحى ٢: ٦٣ (١٢٨٩). وصحَّ عن غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم. انظر ((الترغيب والترهيب)) ١: ٤٦٤ و((مجمع الزوائد)» ٢: ٢٣٥، إلا حديث أبي مُرَّة الطائفي فقد ذكر الحافظ في ترجمته في ((الإِصابة)) ٧: ٧٤ أنه شاذ. معناه: يرغِّب الله تعالىٍ عباده بصلاةِ أربع ركعاتٍ في وقت الضَّحْوة، ويَعدُهم عليها بما يَرْغَب به كلَّ عاقل، هو كفايةُ الله تعالى لهم من همومٍ بقيَّةِ يومهم وشروره ومکارهه. وسبب ذلك أن وقت الضحى وقتُ انهماكِ الناس في أعمالهم، وغفلتِهم عن التوجُّه إلى ربهم سبحانه، فيقوم هذا الإِنسان ويصلِّي لله ويذكره ويدعوه، فيقابلُه الله تعالى بأفضلَ مما عمل، هو حفظُه بقية يومه، كِفاءَ توجُّهه إليه دقائق معدودة. ولذلك سمى رسول الله وَّه صلاة الضحى هذه بصلاة الأوَّابين، والأوَّاب: صيغة مبالغة من: آيب، وهو الراجع إلى ربه بالطاعة والتوبة والإنابة ... فقال ◌َ﴿ فيما رواه مسلم ٦: ٣٠: ((صلاة الأوابين حين تَرْمَضُ الفِصال)). قال النووي رحمه الله: ((رمِض يرمَض: كعلم يعلم، والرمضاء: الرمل الذي اشتدتْ حرارته بالشمس. أي [صلاة الأوابين] حين تحترق أخفاف الفِصال - وهي الصغارُ من أولاد الإِبل، جَمْع فَصيل - من شدة حرِّ الرمل. والأوَّاب: المطيع،