النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
٠٠٠
وهذا الاستغفار مطلوب للاستنصار، وكذلك هو مطلوب بعد النصر علامةٌ
على الشكر. تأملْ قول الله تعالى: ﴿إذا جاءَ نصرُ الله والفتحُ، ورأيتَ الناسَ
يدخُلُون في دين الله أفواجاً، فسبِّحْ بحمدِ ربِّك واستغفِرْه، إنه كان تواباً ﴾.
فمقابلُ فضل الله عليك بالنصر في المواقف كلها، وبفتح مكةَ الذي هو تاجُ
هذه المواقف وإكليلُها، وبإقبال الناس على الإِسلام أفواجاً أفواجاً، مقابلُ هذا:
عليك يا رسول الله - ﴿ - أن تقدِّس اللهَ وتحمدَه، وعليك أن تَستغْفِرَه. فامتثلَ قَو
الأمرَ فكان يُكثِرِ أن يقولَ في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك، اللهم
اغفرْ لي)). والركوع والسجودُ هما غايةُ الخضوع لله العزيز الكبير. فسبحانك اللهم
ربَّنا، يحمدك، اللهم اغفر لي وللمسلمين.

١٤٢
٣٠ - عن أبي طَرِيف عَدِيِّ بن حاتم الطائي رضي الله تعالى عنه
قال: بينا أنا عند النبيِ وَ لَّ إِذْ أتاه رجلٌ، فَشَكا إليه الفاقةَ، ثم أتاه آخَرُ
٣٠ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب المناقب - باب علامات النبوة في
الإِسلام ٦: ٦١٠ (٣٥٩٥)، وأخرجه مختصراً قبلُ في كتاب الزكاة - باب الصدقة
قبل الردِّ ٣: ٢٨١ (١٤١٣).
غريبه: الفاقة: الفقر والحاجة.
الجِيْرة: بلد بالعراق، وهي بكسر الحاء المهملة.
الظعينة: هي هنا المرأة المسافرة.
دُعَّار: جمع داعر، وهو الرجل الخبيث المفسِد. والمراد: قطَّاع الطرق.
سَعَّروا: قال في ((مقدمة الفتح)) ص ١٣٢: ((بتشديد العين، وحكى أبو حاتم
- السِّجِسْتاني - التخفيف، أي: الْهبوها كالتهاب السعير)). والسعير: النار الموقدة.
ونحو هذا المعنى في ((الفتح)) ٦: ٦١٣ ولكنه لم يضبط العين. فليتنبه، فإن في
((المقدمة)) من الفوائد ما ليس في الشرح.
معناه: في هذا الحديث الشريف عَلَم من أعلام النبوة، وقد كتب فيها أئمة
كُثْر باسم: أعلام النبوة، و: دلائل النبوة، جمعوا هذه الإِخبارات النبوية، وما
شاكلها. وهذا الحديث الشريف واحد منها.
أسلم عديٍّ رضي الله عنه سنة تسعٍ أو عشرٍ من الهجرة، فهذا الحدیث کان
في أواخر حياة النبي ◌َّهَ، ومع ذلك استغرب عديٌّ بشارة النبيص ◌َل بفتح خزائن
كسرى وحصول المسلمين على كنوزها! فكيف به لو سمع النبيَّ نَّهِ يقول لسُراقةً
ابن مالك يومَ الهجرة وهو في أول الطريق من مكة: كيف بك إذا لبستَ سِوَارَيْ
كسرِى ومِنْطَقَتْه وتاجَه؟ قال له ذلك وهو مختفٍ من قومه مهاجرٌ يترقَّب ! .

١٤٣
فَشَكا إليه قطعَ السبيل، فقال: ((يا عَدِيُّ هل رأيتَ الحِيْرةَ؟)) قلت: لم
أُرَها، وقد أُنْبِئْتُ عنها، قال:
((فإنْ طالتْ بك حياةٌ لَتَرَيَنَّ الظّعينةَ تَرْتَحِلُ من الحِيرة حتى تَطُوفَ
بالكعبة لا تخافُ أحداً إلا الله!)).
قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّارُ طَيٍِّ الذين قد سَعَّروا
البلاد؟ .
((ولَئِنْ طالتْ بك حياة لَتُفْتَحَنَّ كنوزُ كسرى)). قلتُ: كسرى بنِ
وقد أراد رسول الله ﴿ أن يُطمئنَ السائلَ وجَليسَه عديَّ بن حاتم أن نظام
الإِسلام كفيلٌ بأن يحقّق لأَتْباعه الأمن والطمأنينة، والعيشَ الهَنِيءَ، أراد هذين
الأمرين وخَصَّهما بالذكر مقابلَ الشِّكايتين: الفاقةِ، وقطعِ السبيل.
وسأل عدياً: ((يا عدُّ هل رأيتَ الحِيرة؟)) وهي بلد قُرب الكوفة، فبينها وبين
المدينة المنورة - الموضع الذي يُتَكَلَّم منه - مسيرةُ أيامٍ وليالٍ طويلة، ومع هذا
جاءت البشارة النبوية لمنْ لا يأمنُ على نفسه قطعَ السبيل وهو في بلده أو البلدان
المجاورة: إنْ طالتْ بك حياةٌ لَتَرَيْنَّ المرأةَ الضعيفةَ المظِنَّةَ الاعتداءِ على مالها
وعِرْضها تُسَافر من بلدها الحِيرة حاجَّة أو معتمرة، فتصلُ إلى الكعبة وتطوفُ حولها
وهي في تمام الأمن على مالها وعرضها ونفسها، لا تخافُ أحداً إلا الله عز وجل !!.
فأثارتْ هذه البشارةُ في نفس عديٍّ الاستغرابَ فقال في نفسه: أين دُعَّار طيٍ
الذين سَعَّروا البلاد، فملأوها شراً وفساداً؟ !.
وبشارةٌ أخرى، جواباً عن شاكي الفقر: ((لئنْ طالتْ بك حياة لَتُفْتَحَنَّ كنوز
كسرى)). فقال عديّ متعجّباً: كسرى بن هُرْمُز يا رسول الله؟ نعم هو كسرى بن
هرمز صاحب تلك القُوَى الضاربةِ في شرق المعمورة آنذاك، سوف يفتحها أولئك
الأعرابُ آكِلُو الجُعْلان والحيَّات، فيما سَبَق، بُناةُ صرحِ العلمِ والحضارةِ والأخلاقِ
بعد دخولهم تحت راية: لا إله إلا الله محمد رسول الله .
قال فيلسوفُ التاريخ ابنُ خلدونٍ رحمه الله تعالى في ((مقدمته)) الشهيرة ٢:
٥١٨ في ((فصلٌ في أن العرب أبعدُ الأمم عن سياسة الملك)): ((كان رُسْتُمُ إذا رأى

١٤٤
هُرْمُزَ؟ قال: ((كسرى بن هُرْمُزَ. ولئِنْ طالتْ بك حياةٌ لَتَرَيَنَّ الرجلَ يُخْرِجِ
مِلْءَ كفِّه من ذهبٍ أو فِضَّة، يَطلُبُ مَن يَقْبَلُه منه فلا يجدُ أحداً يقبلُه منه.
المسلمين يجتمعون للصلاة يقول: أكلَ عُمر كَبدي! يعلِّمُ الكلابَ الآداب!))(١).
ذلك لأنه يعرف ما كان عليه العرب قبل سنوات قليلة خَلَتْ، ثم هم الآن يجبُّون
عروش کسری وحاشيته من جذورها.
ويزيد الله تعالى فتحَ الدنيا عليكم، ولن تقفَ عند حدٍّ أخذِكم كنوزّ كسرى،
فالدنيا فيها كنوز أخرى، وسوف يَعُمُّ الغنى الناسَ جميعاً، حتى إن الرجل يريد أن
يُخرِجِ زكاةً ماله فلا يجدُ لها مستحقاً شرعياً يكون لها مَصرفاً من مصارف الزكاة
المذكورة بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين .. ﴾.
وليس هذا الحَدَثُ العظيم بعيدَ عهد عن وقت هذا النبأ، لا، إنما هو وشيكُ
الحدوث: ((لئنْ طالتْ بك حياة - يا عدُّ - لَتَرَيْنَّ الرجلَ يُخْرِج ملءَ كفِّه من ذهب
أو فضة يطلبُ من يقبلُه منه فلا يجدُ أحداً يقبلُه منه)). فهذا ليس إخباراً عن شَرَطٍ
من أشراط الساعة، بل يخاطبُ به صحابياً لو طالتْ حياته لرآه.
وقد حَصَل هذا، وحقَّق الله تعالى خبر نبيِّهِ وَ 4 1 في خاتمة القرن الذي كان
فيه، كما حَصَل الأمر الأول والثاني: أمنُ المرأة على نفسها، وفَتْحُ کنوزٍ کسری،
وشَهدَهما عديٌّ نفسُه.
ففي ((المعرفة والتاريخ)) ليعقوب بن سفيان ١: ٥٩٩ بسنده إلى عمر بن
أسيل(٢) بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: ((إنما ولي عمر بن عبد العزيز
سنتين ونصفاً: ثلاثين شهراً. لا والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جَعَل الرجلُ
يأتينا بالمال العظيم فيقولُ: اجعلوا هذا حيثُ تَرَوْن من الفقراء، فما يبرحُ حتى
يرجعَ بماله، يتذكّر من يَضَعُهُ فيهم فلا يجدُه، فيرجِعُ بماله. قد أغنى عمر بن
عبد العزيز الناس)) !.
١ - وانظر يوم أرْماث من أيام القادسية، في ((تاريخ الطبري)) ٢: ٤٠٨.
٢ - هكذا في المصدر المذكور، وفي (فتح الباري)) ٦: ٦١٣: عمر بن أسيد، وهو المعروف في
هذا الرسم، فلعله الصواب، والخبر الآتي هو في ((سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم
ص ١٢٨ عن ((رجل من ولد زيد بن الخطاب)).

١٤٥
وَلَيَلْقَيَنَّ اللهَ أحدُكم يوم يَلقاهُ وليس بينه وبينه تَرْجُمان يُتَرجِمِ له
فيقولَنَّ: أَلَمْ أَبعثْ إليك رسولاً فَيُبلِّغَك؟ فيقول: بلى، فيقول: أَلَمْ
أُعْطِك مالاً وأُفْضِلْ عليك؟ فيقولُ: بلى، فينظُرُ عن يمينه فلا يرى إلا
جهنم، وينظُرُ عن يساره فلا يَرَى إلا جهنم)) !.
وفي ((سيرته)) لابن عبد الحكم ص ٦٩: ((قال يحيى بن سعيد: بعثني عمر
ابن عبد العزيز على صَدَقات إفريقيّة، فاقْتَضَيتُها، وطلبتُ فقراءَ نُعطيها لهم فلم نجد
بها فقيراً، ولم نجدْ من يأخذُها مني. قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريتُ
بها رقاباً فأعتقتُهم، وَوَلاؤهم للمسلمين».
ولكنْ ماذا بعد هذا الغنى؟.
بعده التخلِّي الكاملُ عنه من كلِّ إنسان باختياره أو اضطراره، والانتقالُ عنه
إلى بيت الوَحْدة وصُندوق العمل: إلى القبر !.
ثم من القبر إلى لقاءِ الله عز وجل والوقوفٍ بين يديه للحساب والجزاء كفاحاً
دون واسطة ولا حاجز: ((وَلَيَلْقَيَنَّ الله أحدُكم يوم يَلْقاء وليس بينه وبينه تَرْجُمان
يُتَرجم له)) إنما الله العليمُ الخبيرُ هو السائل، وأنت أيها العبدُ الضعيفُ الجاني
المسئول ! .
(ألم أَبعثْ إليك رسولاً فيبلِّغَك؟ فيقول - العبد -: بلى. فيقول: ألم أُعْطِك
مالاً وأُفْضِلْ عليك؟ فيقول: بلى)). إذاً فما عملتَ فيما علمتَ ورُزقتَ؟
وكما أن من الأجوبة ما يسمَّى: أجوبةً مُسْكِنة، كذلك هناك أسئلَةٌ مُسْكنَةً،
فاحرصْ أيها المسلمُ على أن لا تكونَ ممن يُسألُ أسئلةً مسكتةً، فهي أسئلةً لإقامة
الحجة على العبد المقصِّر. لذلك يقع هذا العبد في الحرج، فيلتفتُ يَمْنَةً وَيَسرةً
ليرى مهرباً فلا يرى إلا ما يَسوءُه غايةَ السوء، لا يرى إلا جهنم! فأين المهربُ؟ فما
هو إلا أسوأ حالاً من المُسْتَجِير من الرَّمضاء بالنار.
إلا أن سيدنا رسول الله# الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، لم يتركنا حيارى في

١٤٦
قال عديٍّ: سمعتُ النبيِّ نَّهِ يقولُ: ((اتَّقوا النار ولو بشِقِّ تمرةٍ،
فمن لم يَجِدْ شِقَّ تمرةٍ فَبِكلمة طِّبة)).
هذا الموقف الرهيب، بل دلَّنا على النجاة منه بما لا يَضرُّنا، فقال: ((اتَّقوا النار ولو بشِقِّ
تمرة ... )). والروايةُ المذكورة فوق تُوهِم أنه حديثٌ آخر لا ارتباطً بين هذه الجملة
والتي قبلها، لكن الرواية الأخرى في كتاب الزكاة الارتباطُ بينهما واضح، وأنهما
حديث واحد، جاء ذلك بحرف الفاء التي تفيد تفريعَ ما بعدها عما قبلها: ((فَلْيَتَّقِيَنَّ
أحدُكم النارَ ولو بشِقٌّ تمرة ... )).
ذلك أن النار مَظْهَرُ غضب الربِّ جل جلاله، والصدقةُ تُطفئ ◌ُ غضب الربِّ(١)،
فلذلك جاء الإِرشادُ النبويُّ إلىَ اتَّقاء نار جهنم بالصدقات ولو قلَّتْ وخَفَّتْ فإنها في
ميزان الله تعالى كبيرةٌ ثقيلة، حتى لو كانتْ شِقَّ تمرة، فإنها بالنظر إلى ما عند
المتصدِّق بها كثيرةٌ، ويزيدها كثرةً إخلاصُه، وعظمُ موقعها لدى المتصدَّق عليه،
فقد تَسدُّ منه رَمّقاً، وَتَشدُّ أزراً.
ففي ((المسند)) ٦: ٧٩ ((يا عائشةُ استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسدُّ
١ - ورد ذلك في عدة أحاديثَ تؤيِّد بعضها بعضاً، منها عند الترمذيِّ ٣: ٢٦ (٦٦٤) وقال: حسن
غريب، وخَولِف، والطبراني في «الكبير» ٨: ٢٦١ (٨٠١٤) عن أبي أمامة، وحسّنه الهيثمي
في ((المجمع)) ٣: ١١٥، وعند ابن عساكر عن عبدالله عباس، وهو في ((الجامع الصغير))
للسيوطي ٢: ٤٥٦ بشرحه للمناوي، وحديث عبدالله بن جعفر، عند الطبراني في ((الأوسط))،
وضعَّفه الهيثمي ٣: ١١٠، ومعاويةً بن حَيْدَة في ((الأوسط)) أيضاً، وضعَّفه المناوي ٢ : ٤٥٧
في الشرح، وليس في المتن، وحديثُ أبي سعيد الخُذْري عند أبي أحمد العسكري في
((السرائر))، ذكره السيوطي في ((الجامع)) أيضاً ٤: ١٩٣ بشرحه، وعند الطبراني في (الكبير)
١٧: ٢٨٦ (٧٨٧) عن عقبة بن عامر بلفظ: ((إن الصدقة لَتُطْفىءُ من حرِّ القبور)) و(٧٨٨)
بلفظ: ((إن الصدقة لتطفىء عن أهلها حرَّ القبور)).
وفي إسناد الرواية الأولى الحكم بن يعلى بن عطاء: متروك الحديث، منكر الحديث، عند
أبي حاتم، ونحوه عند أبي زرعة، انظر ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم ٣: ١٣٠ (٥٨٩)،
وفي إسناد الثانية: رِشّدين بن سعد، ضعيفُ الحديث مع صلاحه في دينه. وإعلالُ الهيثمي له
بابن لهيعة - ومتابعةُ ناشرِ ((المعجم الكبير)) له -: فيه نظر، فإن ابنَ لهيعة مقرونً في الإسناد
برجلين: عَمْرو بن الحارث وهو ثقة فقيه حافظ، والحسن بن ثَوبان، وهو صدوق فاضل، كما
في ((تقريبٍ التهذيب)). فلا يَستحقُّ الحديثُ أن يُعَلَّ به.
وعلى كلُّ: فالمعنى ثابتٌ بجملة هذه الأحاديث.

١٤٧
قال عديُّ: فرأيت الظعينةَ تَرْتَحِلُ من الحِيرة حتى تطوف بالكعبة لا
تَخافُ إلا الله، وكنتُ فيمن افتتح كنوز كسرى بنِ هُرْمُز، ولئِنْ طالتْ بكم
حياةٌ لَتَرَوُنَّ ما قال النبيُّ أبو القاسمِ وَله: ((يُخْرِجَ مِلْءَ كفِّه)).
من الجائع مسدَّها من الشبعان)) وإسناده حسن، كما في ((فتح الباري)) ٣: ٢٨٤.
ولا يَعجبنَّ القارىءُ أو السامعُ من مثل هذه الافتراضات من النبي ◌َِّ فيقولُ:
هل يُتصوَّرُ أنْ يَضيق الأمر على إنسان فلا يجدُ ما يتصدَّقُ به إلا شقَّ تمرة !.
لقد حَصَل هذا في بيت النبوة، في بيت سيِّد ولدِ آدمَ عليهما الصلاة والسلام!
فقد روى البخاري في (صحيحه)) ٣: ٢٨٣ (١٤١٨) - من (فتح الباري)) - عن
عائشة رضي الله عنها قالت: دخلتِ امرأةً معها ابنتان تسألُ، فلم تجدْ عندي شيئاً
غيرَ تمرة! فأعطيتُها إياها، فَقَسَمَتْها بين ابْنَتَيْها ولم تأكل منها، ثم قامتْ وخرجتْ،
فدخل النبي ◌َّ علينا فأخبَرْتُه فقال: ((مَن ابْتُلِيَ مِن هذه البناتِ بشيءٍ كُنَّ له سِتْراً
من النار)).
ورَوَى قبله بحديثٍ عن أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه قوله:
كان رسول الله وَ﴿ إذا أُمَرنا بالصدقة انطلق أحدُنا إلى السوق فَتَحَامَلَ، فَيُصيبُ
المُدَّ، وإنَّ لبعضهم اليومَ مائةَ ألف)». ولو كان يجدُ تمرةً أو شِقُّها لتصدَّق به، وأغنى
نفسَه عن مشقة مؤاجرة ظهره للحُمولة بِمُدٍّ من طعام ليتصدَّق به. وانظر عِظَم أجر
الصدقة! وانظر حرصَ الصحابة رضي الله عنهم على كسب الثواب !.
ثم لو ضاقت عليه الصدقة فلم يجد شقَّ تمرة، أو بصلةً ونحوهما: فإنه لا
يَعْدَمُ لساناً ناطقاً أو إشارةً مُفْهمةً فيها دلالةٌ على خير، أو إرشاد إلى بِرِّ، أو إشارةٌ
إلى معروف، أو نحوُ ذلك مَما يدخُل تحت قوله وَالَ: ((فمن لم يجدْ شِقَّ تمرةٍ
فبكلمة طيبة)) أي: فليتَّقِ النار بكلمة طيبة، ولا يليقُ بعاقلٍ عَرَف نار جهنمٍ وأهوالَها
أن يُقَصِّر في اتَّقائها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، قبل أن يتلفَّت يميناً ويساراً فلا يرى
سواها. اللهم أجرنا من النار وأسبابها برحمة منك يا أرحم الراحمين.

١٤٨
٣١ - عن عُقْبَةَ بنِ عامرِ الجُهَنيِّ رضي الله تعالى عنه قال: سمعت
رسول الله وَ﴿ يقول: ((يَعْجَبُ ربُّكم من راعي غنمٍ في رأس شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ،
٣١ - تخريجه: رواه أبو داود في كتاب الصلاة - باب الأذان في السفر ٢: ٩
(١٢٠٣). والنسائي في باب الأذان لمن يصلي وحده ٢ : ٢٠ (٦٦٦).
وقال المنذري في ((تهذيب سنن أبي داود)) ٢: ٥٠: ((إسناده ثقات)).
غريبه: شَظية: قطعة مرتفعة في أعلى الجبل.
معناه: هذا مثالٌ من أمثلةِ الخوفِ من الله عز وجل، يكونُ سبباً لنجاةٍ صاحبه
من النار، ودخوله الجنة.
فصاحبُه في مكانٍ منعزِلٍ قاصٍ عن الناس، لا يَراه أحدٌ منهم فيخافَ أمره
ونهيَه ولومَه، يعلمُ أنه لا يراهَ أحد إلا الله، فيقومُ لأداء حقِّ الله عليه، إعظاماً لهذا
الحق، وإخلاصاً لله، وإلا فما الدافعُ له وهو في هذه الحال؟ !.
فيقومُ: يكبِّر الله، ويشهدُ له بالوحدانية، ولنبيّه محمد﴿ بالرسالة، ويُنادي
مَن يسمعُه من سكان المكان وعامِريه إلى الصلاةِ والفلاحِ، ثم يُثْنِّي فيكبِّر الله
ويهلِّله، ثم يجيبُ نفسَه بنفسه إلى الصلاة فيؤدِّيها.
فهو موقف يُرضي الله سبحانه، ويُعظم صاحبَه عليه، إنه موقفُ مراقبةٍ لله
وإخلاصٍ له، لا يَحمل صاحبه عليه إلا شهودُه حقَّ الله عليه وخوفُه المقامَ بين
يديه، وإن الله عز وجل أكرمُ من أن يجمع على عبده خوفين: خوفَه الله في الدنيا،
وخوفَه عذابَه في الآخرة. بل إنْ خافه العبدُ في الدنيا أمَّنه في الآخرة، وإن أُمِنَه
العبدُ في الدنيا أخافَه الله في الآخرة.
قال الله تعالى على لسان الأبرار: ﴿ إنا نخافُ من ربِّنا يوماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً.
فَوَقَاهُمُ الله شرَّ ذلك اليومِ وَلَّقَّاهُمْ نَضْرَةٌ وسُروراً ﴾.

١٤٩
يُؤَذِّنُ بالصلاة ويُصلِّي، فيقول الله عز وجل: انْظُروا إلى عبدي هذا، يُؤْذِّن
ويُقيمُ الصلاة، يخافُ مني، قد غَفَّرتُ لعبدي وأُدْخَلْتُه الجنة)).
فمن خاف الله في الدنيا حفظه الله في الآخرة من مكارهها، وأَنَالَه نعيمها
وسرورها. نسأل الله ذلك من فضله.
وثمَّة دقيقةً في الحديث، يقول الله فيه: ((قد غَفَرتُ لعبدي .. ))، وهذا تنبيه
إلى أن العبدَ الذي لم يَذكُرِ الله من شأنه إلا الخير، لا يخلو من هَفَوات
ومؤاخذات، لكن الله الرحمن الرحيم يغفِرها له ولا يؤاخذُه عليها، ويدخلُه الجنة.

١٥٠
٣٢ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَ قال: ((مَنْ صلَّى
صلاةً لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خِدَاجُ - ثلاثاً - غيرُ تَمَّامٍ)).
فقيل لأبي هريرة: إنا نكونُ وراء الإِمام؟ فقال: اقْرأ بها في
نفسك، فإني سمعتُ النبيَّ وَِّ يقولُ:
((قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي
ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله ربِّ العالمين﴾ قال الله تعالى:
حَمِدَني عبدي، وإذا قال: ﴿الرحمنِ الرحيم﴾ قال الله تعالى: أَثْنَى
٣٢ - تخريجه: رواه مسلم: كتاب الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة في كل
ركعة ١: ٢٩٦ (٣٨). والنووي ٤: ١٠١.
غريبه: خِداج: غير تمام، كما فُسِّرت في الحديث.
قسمت الصلاة: قسمت الفاتحة. ومن أسماء الفاتحة: الصلاة، أَخْذاً من هذا
الحدیث.
مجَّدني : عظُّمني.
معناه: في هذا الخبر حديثان يرويهما أبو هريرة رضي الله عنه، أولُهما حديث
نبوي، وثانيهما هو الحديث القدسي.
وفي الأول يقول عليه الصلاة والسلام: من لم يقرأ الفاتحة في صلاته فصلاتُه
ناقصةٌ غيرُ تامة. والنقصانُ غيرُ الفساد.
وفي الثاني: يقول الله تعالى: جَعلتُ الفاتحةَ نصفين نصفاً لي، فيه الثناءُ
والحمدُ والتمجيدُ، ونصفاً لعبدي فيه الدعاءُ له، ومني الإِجابة والعطاء.

١٥١
عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مالكِ يومِ الدين﴾ قال الله: مَجَّدني عبدي
- وقال مرةً: فَوَض إليَّ عبدي -.
((فإذا قال: ﴿إِيَّكُ نَعْبُدُ وإياك نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين
عبدي، ولِعبْدي ما سألَ، فإذا قال: ﴿ اهْدِنا الصِّراطَ المستقيمَ. صِراطَ
الذينَ أنعمتَ عليهم. غيرِ المغضوب عليهم ولا الضالِينَ ﴾ قال: هذا
لعبدي، ولعبدي ما سألَ)).
قال الإِمام النوويُّ رحمه الله: ((وقوله تعالى: حَمِدني عبدي، وأثنى عليَّ،
ومجَّدني، إنما قاله لأن التحميدَ: الثناءُ بجميل الفعال، والتمجيدَ: الثناءُ بصفات
الجلال، ويقال ((أثنى عليه)) في ذلك كلّه، ولهذا جاء جواباً للرحمن الرحيم،
لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية.
((وقولُه: وربما قال: فَوَّض إليَّ عبدي)): وَجْهُ مطابقة هذا لقوله ﴿مالك يوم
الدين﴾: أن الله تعالى هو المنفردُ بالملك ذلك اليوم، وبجزاء العباد وحسابهم
- والدين: الحساب، وقيل: الجزاء - ولا دعوى لأحدٍ ذلك اليوم، ولا مجازَ، وأما
في الدنيا فلبعضِ العباد ملكٌ مجازيٌّ، ويدَّعي بعضُهم دعوى باطلة، وهذا كلَّه
ينقطع في ذلك اليوم. هذا معناه.
((وإلا فالله سبحانه وتعالى هو المالكُ والمَلِك(١) على الحقيقة للدارين وما
فيهما ومَن فيهما، وكلُّ من سواه مربوبٌ له، عبد مسخَّر، ثم في هذا الاعترافِ من
التعظيم والتمجيد وتفويض الأمر ما لا يخفى)).
١ - يشير رحمه الله إلى القراءتين المتواترتين: ﴿مالك يوم الدين﴾، و﴿مَلِك يوم الدين﴾.

١٥٢
٣٣ - عن حُرَيثٍ بن قبيصةَ قال: قَدِمتُ المدينة فقلتُ: اللهم يسِّرْ
لي جليساً صالحاً، قال: فجلستُ إلى أبي هريرة رضي الله عنه، فقلت:
٣٣ - تخريجه: رواه الترمذي في كتاب الصلاة - باب ما جاء أن أول ما
يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة ٢: ١٣٧ (٤١٣)، وقال: حسن غريب، وهذا
لفظه = ٢: ٢٦٩ (٤١٣)، ورواه النسائي في كتاب الصلاة - باب المحاسبة علي
الصلاة ١: ٢٣٢ (٤٦٥)، ورواه أبو داود في كتاب الصلاة - باب قول النبي محمدطاهر: كل
صلاة لا يُتمها صاحبها تُتَّمُّ من تطوُّعه ١ : ٥٤٠ (٨٦٤) عن أبي هريرة، ثم رواه
نحوه ١ : ٥٤١ (٨٦٦) عن تميم الداري، وذكر جملةً واحدة من آخره، ورواه ابن
ماجه كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة ١ : ٤٥٨
(١٤٢٥) عن أبي هريرة، ثم رواه نحوه عن تميم الداري.
معناه: في صدر هذا الحديث تنبيهً عظيمُ الأهميةِ لكلِّ مسلم، يتعلَّق بسلوكه
العامٌّ، وبحالٍ خاصةٍ من أحواله، هو قولُ راوي الحديث: إني دعوتُ الله عز وجل
أن يرزقني جليساً صالحاً، فحدِّثني ...
فاختيارُ الجليس ، وسؤالُ الله تعالى أن يكون جليساً صالحاً: أمرٌ هامٍّ في
حياة كلِّ مسلم، ولا مجالَ الآن للإِفاضةِ فيه، لكن الذي يَلِفِتُ النظر في كلام هذا
التابعي رحمه الله تعالى أنه قال: قدمتُ المدينة، وذكروا في ترجمته أنه بصريُّ،
فيكون قد قَدِم المدينةَ مسافراً إليها من البصرة، وبما أنه غريبُ البلد رَغِبَ إلى الله
عز وجل أن يُهيِّىءَ له جليساً صالحاً يستفيد منه.
وفائدة أخرى في كلامه رحمه الله تعالى، وهي أنه فور جلوسه إلى أبي هريرة
رضي الله عنه قال له: إني دعوت الله أن يرزقني جليساً صالحاً فحدِّثني ... ،
فعجّل بطلب الفائدة العلمية من هدي سيدنا رسول الله وَ طاهر. فهكذا فليكن المسلم،
حِرْصاً على الجليس الصالح، ومبادرةً إلى الاستفادة من العلم والخير.

١٥٣
إني سألتُ الله عز وجل أن يرزقني جليساً صالحاً، فحدِّثْني بحديثٍ
سمعتّه من رسول الله وَ ﴿﴿، لعل الله أن يَنفعَني به، فقال: سمعت رسول
ولم يكن هذا الخُلُق شأنَ هذا الرجل حسبُ، بل نُقِل مثلُه عمن هو أجلُ
منه، ففي ((صحيح البخاري)) ٧ : ٩٠ (٣٧٤٢) عن علقمة بن قيس أنه قال : قدمتُ
الشام فصليت ركعتين ثم قلت : اللهم يسر لي جليساً صالحاً ، وذكر حديثه مع أبي الدرداء
والحديث عند مسلم دون هذه الجملة ٦ : ١٠٩ . وعند الترمذي ٩: ٣٥٥ (٣٨١٣)
وقال : حسن غريب صحيح ، عن خيثمة بن أبي سَبْرَة أنه قال : أتيت المدينة فسألت الله
أن ييسِّر لي جليساً صالحاً ، فيسَّر لي أبا هريرة .
أما معنى الحديث الشريف: ففيه الدلالةُ على أهمية الصلاة في الإِسلام،
وعلى لطف الله بعبده، وعلى الترغيب بفعل نوافل العبادات.
أما أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام: فتُستفادُ من تقديم الله عز وجل لها
بالمحاسبة عليها، فإنها أولُ ما يُحاسَب عليه العبد، وفوزُه في هذا الحساب علامةٌ
على فوزه فيما بعده.
ومعلومٌ أن الحقوق قسمان، حقوقٌ لله تعالى، وحقوقٌ لعباده بين بعضهم
بعضاً، فهذه الأوَّلية: إنما هي بالنسبة لحقوق الله سبحانه، وأما أولُ ما يُحاسَب عليه
العبد من بين حقوق العباد، فهو الدماء.
روى البخاري في الرقاق ١١: ٣٩٥ (٦٥٣٣) وأول الديات ١٢ : ١٨٧
(٦٨٦٤)، ومسلم في كتاب القَسَامة - باب المُجازاة بالدماء في الآخرة ١١: ١٦٧
عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((أولُ ما يُقْضَى بين
الناس يومَ القيامة الدماء)».
ولا ريب أن الأوليةَ دليلُ الأهمية.
وأما لطفُ الله بعبده: ففي تَدارُكه تقصيرَ العبدِ في هذا الركن الركين من
أعمال الإِسلام، وهو الصلاة، فإنه سبحانه لم يُؤاخِذ العبدَ لأولٍ وَهْلةٍ ظهر فيها
تقصيره، بل أمر ملائكته أن تنظرُ في نوافله من جنسها، فإن وُجِدتْ له نوافلُ جعلتْها
الملائكةُ جوابر للفرائض الناقصة.
وهل النوافل تجبُر الصلاة التي أخلَّ المصلِّ بسننها مثلاً وخشوعها، فقط، أو

١٥٤
الله ◌َّ يقول: ((إن أولَ ما يُحاسبُ به العبد يوم القيامة من عمله صلاتُه،
فإنْ صلُحَتْ فقد أَفْلَح وأنجح، وإن فَسَدتْ فقد خاب وخسِر، فإنٍ
انتقصّ من فريضته شيءٌ قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من
تطوُّع، فيكمَّلُ بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائرُ عمله على
ذلك».
أنها تجبُر هذا النوع وتجبُر أيضاً وتَسُدُّ مسدَّ الصلاة التي لم يُصلُّها أبداً؟ قولان
للعلماء، انظرهما في ((حاشية السيوطي)) على ((سنن النسائي)).
وظاهرُ كلامِهم أن سائر الأعمال من الزكاة والصيام والحج يجري فيها
الخلافُ على هذا النحو، لقوله آخِرِ الحديث: ((ثم يكونُ سائرُ عمله كذلك)».
وأما الترغيبُ بالقيامِ بالنوافل: فواضحٌ من قول الله عز وجل للملائكة:
((انظُرُوا هل لعبدي من تَطَوُّع))، فلا ينبغي للمسلم التهاونُ بها، والنظرُ إليها نظرةً
العملِ (الثانوي)، فإنه سيندم على تقصيره بها أحوجَ ما يكونُ إليها، لِنُتَمم له
فرائضَهَ، فإن تمتْ له فرائضُه: فقد أفلح وأنجح، كما قال ◌َّ في الحديث: ((فإن
صلُحَتْ فقد أفلَح وأنجح)) وإلا فيا خسارتَه ويا ندمَه !.
وهل يليقُ بمسلمٍ أن يتهاون بركعتي سنة الفجر - مثلاً - وهو يسمعُ قول رسول
اللّه ◌َلَى: (ركعتا الفجرِ خيرٌ من الدنيا وما فيها))؟ والحديث رواه مسلم ٦: ٥.
أو هلْ يليقُ به التهاونُ بأربع ركعاتٍ قبلٍ فريضة الظهر وأربعٍ بعدها وهو
يسمعُ قول رسول الله وَّهَ: ((من صلَّى قبلَ الظهر أربعاً وبعدها أربعاً حرَّمه الله على
النار)) رواه أصحاب السنن وقال الترمذي ٢: ١٥٣ (٤٢٧): ((حسن غريب» ثم رواه
بلفظ: ((من حافظَ على أربع ركعات .. )) وقال: ((حسن صحيح غريب)).
وروى الترمذي أيضاً - وغيره - ٢: ١٥٥ (٤٣٠) عن ابن عمر رضي الله
عنهما، عن النبي وَله: ((رحم الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعاً)) وقال: ((غريب
حسن)). ومَن منا غيرُ مفتقِرٍ إلى رحمة الله تعالى، لا سيما والداعي لك بالرحمة هو
سيدُنا رسول الله وَلِ﴾؟ !.
والركعتانِ اللتان بعد المغرب من جملة اثْنَيْ عَشْرَةَ ركعةُ حضّ النبي ◌َقَد

١٥٥
.
عليها مع المواظبة والمثابرة، في كلَّ يوم وليلة، وَوَعَدَ من ثابر عليها ببيتٍ في
الجنة. والحديث في ((صحيح مسلم)) دون تعداد لركعات النوافل، وجاء بيانها
وتعدادها في رواية الترمذي - وغيره - ٢: ١٤٠ (٤١٥) وقال: حسن صحيح،
ولفظه: ((من صلَّى في يومٍ وليلةٍ ثنتي عشرة ركعةٌ بُني له بيتٌ في الجنة: أربعاً قبل
الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل
صلاة الفجر)).
وهذا ما يُسمِّيه العلماء بالنوافل الراتبة، أي: الدائمةِ الثابتةِ ذاتِ الوقت
المعيّن.
وهناك النوافلُ المطلقة التي لا تحدَّد بوقت: كهذه، ولا بسبب: كتحية
المسجد، وسنة الوضوء، إنما هي تطوُّعَ محضٌ لله عز وجل.
والنوافل - جميعُها - تدخُل تحت قوله تعالى في الحديث القدسي التالي رقم
(٣٤): ((وما يَزَالُ عبدي يَتَقَرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه .. )). وفيه: أن من أسباب
إجابة الدعاء الإِكثار من النوافل .
فهل يليقُ بمسلم أن يتهاون بالنوافل وينظر إليها تلك النظرة التي تُهُوِّن عليه
تَرْكَها؟ ! .
فإن قال قائل: إذا كنا نحافظ على القيام بالنوافل كمحافظتنا على الفرائض،
فما الفرق بينهما من الناحية العملية؟.
أقول في الجواب: إن السلف الصالح رضي الله عنهم لم يكونوا يفرِّقون من
الناحية العملية بين أشدِّ الفرائض الإِسلامية - كفريضة الصلاة مثلاً - وبين أدنى
السنن العملية الفقهية، بل كانوا يحرصون - عملاً - على هذا وذاك، إنما التفرقة من
حيثُ الاعتقاد، كانوا يعتقدون أن هذا سنة، وهذا فرض، ويحكمون - ويعتقدون -
على من أنكر فريضةً بالكفر، ولا يحكمون به على من أنكر سنة غير معلومة من
الدين بالضرورة.
قال القرطبي: ((من داوم على ترك السنن كان نقصاً في دينه، فإنْ كان تّرْكها
تهاوناً بها ورغبةً عنها كان ذلك فسقاً - يعني لورود الوعيد عليه حيث قال وَله: ((من

١٥٦
رغب عن سنتي فليس مني)) - وقد كان صدر الصحابة ومن تبعهم يواظبون على
السنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرِّقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج
الفقهاء إلى التفرقة لما يترتّب عليه من وجوب الإِعادة وتركها، ووجوب العقاب على
الترك ونفيه)). نقله عنه الحافظ في ((فتح الباري)) ٣: ٢٦٥.
ومن هذا المنطلق أوصى بعضُ العلماء أصحابَه فقال: ((اجعلوا النوافلَ
كالفرائض، والمعاصيّ كالكفر)) أي: من حيثُ الحرصُ على الأداء للنوافل، والتركُ
والاجتناب للمعاصي .
وإن فقهاءنا رحمهم الله تعالى وهم الذين يرتِّبون هذه المراتب - هذا
مستحبُّ، وهذا سنة، وهذا واجب، وهذا فرض، وذاك حرام، ومكروه، وخلافُ
الأولى - لم يكونوا في تطبيقهم العمليِّ إلا على هَذْي السلف الذي شَرَحْتُه، ومعاذَ
الله أن يكونوا متهاونين في أداء النوافل، متساهلين في ارتكاب المكروهات، كما قد
يُفْهَم هذا عنهم بسبب تقسيماتهم المذكورة ! .
ولا مجال الآن للإِفاضة في الحديث عن ورعهم، وزهدهم، وتحرِّيهم
للحلال، ومحاسبتهم لأنفسهم، وإكثارهم من النوافل وألوان العبادات، رضي الله
عنهم، فكتبُ الطبقات والتراجم مستفيضةً بأخبارهم في هذا الصدد، مما يجعلُهم
مناراتٍ يَستَرشِد بها السالكون.
اللهم وفُّقنا لكل خيرٍ يُرضيك عنا يا أكرم الأكرمين.

١٥٧
٣٤ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن
الله عزَّ وجلَّ قال: مَنْ عَادَى لي ولياً فقد آذَنْتُه بالحرب،
٣٤ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب الرقاق - باب التواضع ١١: ٣٤٠
(٦٥٠٢).
معناه: هذا الحديث الشريف من مشهور الأحاديث القدسية، ومن أشدِّها هيبةً
وجلالةً في نفس سامعه والمتدبِّر لمعانيه.
وفيه حضّ أكيدٌ ودعوةً لازمة، إلى تقوى الله عز وجل وملازمتها والازدياد منها
ما استطاع العبد المسلم، ليحظى بحبِّ الله له.
يقول الله تعالى فيه: ((مَنْ عادى لي ولياً فقد آذَنْتُه بالحرب)).
من هو الوليُّ؟ وما مُعَاداته المرادةُ هنا؟ وكيف تكون الحرب من الله لمن
عادى ولياً من أوليائه؟.
الوليُّ: هو كلُّ مؤمن تقيّ. قال الله عز وجل: ﴿أَلَّ إن أولياءَ الله لا خوفٌ
عليهم ولا هُم يَحْزَنون. الذين آمنوا وكانوا يَتَّقون﴾. فعرَّف القرآنُ الكريمُ الوليِّ الله
بأنه مؤمنٌ تقيّ. ولا بدَّ لكل مؤمن أن يكون تقياً، مهما كان غارقاً في معاصيه، على
معنى أنه آمَنَ فاتَّقى الشركَ والكفر، فهو تقيّ تقوى عامة، وبهذا المعنى تكون
ولا يته عامً .
أما الوليُّ المذكورُ هنا في الحديث: فهو الوليُّ بالمعنى الخاص، فتقواه تقوى
أهلِ الخصوص، وأهلُ الخصوص على مراتب متفاوتة، فتقواهم لله عز وجل
متفاوتة، وجميعهم وصلوا إلى رتبة الولاية الخاصة.
فهؤلاء هم الذين يَنتصِرُ الله تعالى لهم إذا أُوذوا، ويدافعُ عنهم إذا اعتُدِيَ
عليهم، فيرضى لرضاهم ويغضبُ لغضبهم، وينتقمُ ممن أساء إليهم، ويُحسن إلى

١٥٨
من أحسن إليهم. ذلك لأنهم وَالَوُا الله في دينه وأحكامه، فَطَبَّقوها ودَعَوْا إليها
وعلَّموها الناسَ، فوالاهم الله تعالى في أمورهم الدنيوية والأخروية.
ومن معاني الموالاة: المناصرة.
أو على معنى: أنهم تَوَلَّوُا الله. أي: أَقْبَلوا عليه وأعرضوا عما سواه، فتولاهم
الله. أي: أَقبلَ عليهمِ الله ربُّ العالمين، فكان لهم عوناً ونصيراً، ولم يتركهم
لأنفسهم أو للناس، فتولَّى شؤونَهم كلَّها بالتدبير الخاص.
والأولياءُ على هذا المعنى: هم صفوة المؤمنين، ولا ريبَ أنهم على مراتبَ
متفاوتةٍ كثيرة جداً. وكلما عَلَتْ مرتبةُ هذا الرجل الصالح: كلَّما ازداد انتصار الله له.
أما معاداةُ الوليِّ المذمومة، وهي المِرادةُ في الحديث: فهي ما لم تكنْ لله،
بل لمآربَ شخصيةٍ دنيوية، ولم تكنْ ناشئةً عن اختلاف وجهات النظر.
أما إذا كانت المعاداةُ لله وفي الله: فلا يترتَّب عليها الوعيدُ المذكور، وقد
جَرَى بين بعض الصحابة رضوان الله عليهم مشاجرةً لله تعالى، فلا يدخلون تحت
هذا الوعيد.
إنما المعاداة في دنيا يُيَسِّرها الله لهذا الولي الصالح، فيحسُده عليها غيره، أو
إقبالٍ من الناس عليه ينتفعون بعلمه وتعليمه، فَيُبْغَض على ذلك من قِبَل بعض
الناس الهلكى، فينقُّرون الناسَ عنه ويُشيعون عليه الإِشاعاتِ الكاذبة ... أو جاهٍ
ومكانةٍ عند ذي سلطان يستخدمه الوليُّ في قضاء حوائج المسلمين، فَتَحمِلُ النفسُ
الشرِّيرة صاحبها على بغض هذا الصالح، لما يُجْريه الله على يديه من منافع
للمسلمين ... وما إلى ذلك.
والمعاداة في ظاهرها تكون من طرفينٍ: من طرفِ المبغِضِ المُعَادِي، ومن
طرفِ الوليِّ. إنما يَختلِفِ المَنْزِعُ الذي ينشأ عنه العِداء، فالوليُّ يَّعَادي مبغِضَه لله
لا لحظًّ نفسي دنيوي، وذاك: يُبْغِضُ الوليَّ بدافعٍ شيطاني نفسي دنيوي. فاختلفا،
فأحدهما مأجور - وهو الوليُّ -، والثاني مأزور - وهو المعادي له.
وأما محاربةُ الله لمعادِي أوليائه: فالمرادُ منها لازمُ الحرب، أي: ما ينتج عن

١٥٩
وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليّ مما افْتَرَضْتُه عليه، وما يَزَالُ عبدي
يَتَقَرَّبُ إليّ بالنوافل حتى أُحِبِّه،
الحرب وما ينشأ عنها، وهو إهلاكُ الله عز وجل الغالب القاهر لكل من يُعادي ولياً
له، إذ المخلوقاتُ كلُّها في أَسْرِ الله وتحت تصرُّفه، فكيف يُحاربونه؟ إنما هو
سبحانه يُحاربُهم فَيُهلِكُهم. وإن جنود الله التي يحاربُ بها أعداءَ أوليائه كثيرةٌ لا
تدخل تحت الحصر: ﴿وما يَعلَم جنودَ ربِّك إلا هو﴾.
ومما ينبغي أن يُتأمّل في هذا التعبير العظيم: ((مَن عادى لي ولياً .. )) تقديم
الجارِّ على متعلَّقه فقال: لي ولياً، ولم يقلْ: من عادى ولياً لي، وهذا معروفٌ في
أساليب لغة العرب، يُرادُ منه مزيدُ اختصاصِ اللّه لهذا الوليِّ .
وقولُه: (آذَنْتِهِ بِالحرب)) أي: أَعلَمته بها وأنذرتُه، فسيبدأُ نزولُ البلاء به، فإنْ
كان عاقلاً حكيماً اتَّعَظَ واعتبر، وانزجر عما هو واقع فيه، فإن هؤلاء خاصَّتي من
خلقي، وعلى سائر خلقي حبُّهم لا مُعَاداتُهم. قال العلامة ابن حجرٍ المكي في
((فتح المبين)) ص ٢٧٠ : ((وإذا عُلم ما في معاداة الوليِّ من عظيمِ الوعيد والتهديد:
عُلِم ما في مُؤَالاته من جَسيم الثواب وباهر التوفيق، والهداية والقُرْب والتأييد)).
ثم بَيِّن سبحانه طريقَ الولاية . فأشار إلى أنها ذاتُ مرتبتين: طريقُ الفرائض
وطريق النوافل، أو إن شئت قلتَ: قربُ الفرائض، وقرب النوافل.
قال سبحانه: (وما تَقَرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه)).
فأحبُّ ما يُتَقَرَّب به إلى الله عز وجل: أداءُ فرائِضه على اختلاف أنواعها: البدنية
كالصلاة والصيام، والمالية كالزكاة، وما يَجمعُ بينهما كالحج والجهاد، والقلبيَّة كذكر
الله تعالى، والقلبية واللسانية كذكر الله - أيضاً - وتلاوة القرآن.
ويدخلُ في الفروض: ما كان تركاً كترك السرقة والخمر .. والغيبة والحقد
والحسد ... وما إلى ذلك.
ولا ريبَ أن هذه الأعمال تُحبِّبُ صاحبَها إلى الله عز وجل. إلا أن الحديث
ذكر حبّاً خاصاً من قِبَل الله عز وجل للعبد، وذلك في قوله:
(وما يزالُ عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه)).

١٦٠
وذلك هو قربُ النوافل الذي ينشأ عنه حبُّ الله عز وجل لصاحبه، وهذا هو
الحبُّ الخاص.
وسببه: أن لسان حال صاحب النوافل يقول: اللهم إنك تحبُّ من الأعمال
كذا وكذا، فأنا سأعملُها وأداومُ عليها وأَكْثِر منها، ابتغاءَ قُربك ورضاك، ولأنك
تحبُّها، فأنا ما حييتُ ساعٍ في محابِّك وما يزيدني قرباً إليك ورضاءً عني ... وإن
الله أكرم من أن يخيِّ مَنَّ هذا رجاؤه ومُنَاه.
قال سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: ((إنك ما كنتَ في صلاةٍ فإنك
تَقْرَعُ باب الملِكِ، ومن يُكثُرُ قَرْعَ باب الملك يُوشِك أن يُفْتَح له)(١).
والدليل على أن صاحب النوافل عازمٌ على دوامِ النوافل والإِكثارِ منها: التعبير
بـ ((وما يزال عبدي)) فإنها تفيد الدوام والاستمرار.
والدليلُ على أن قَصْدَ المتنفِّل التحبُّب إلى الله عز وجل: روايةُ الطبراني
- على ضعفٍ فيها - عن أبي أمامة رضي الله عنه، وفيها: ((ولا يزالُ عبدي يتحبُّب
إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه))(٢).
والنوافلُ: هي الطاعاتُ الزائدةُ على الفرائض، فالصلواتُ الزائدة على
الصلوات المفروضة، والصدقات الزائدة على الزكاة المفروضة، والصيام
والحج ... وحفظ القرآن الكريم - ما زاد منه على المفروض حفظُه للصلاة -
وهكذا، كلَّها نوافل يَتَقَرَّب بها العبد إلى ربه سبحانه، ويُسمَّى: قرب النوافل.
وهذه الفرائضُ ينبغي أن يُلاحَظَ فيها الفرائضُ العينيّة المتوجِّبة على كل مسلم
بعينه، والفرائض الكفائية التي تجبُ أولَ ما تجبُ على جماعة المسلمين، فإذا قصّر
بها كثيرون وبقيت ثلَّةٌ من المسلمين تعمل بهذا الفرض الكفائي، وكان بحيث إذا
تخلَّف بعضُهم لا يَتُّ القيامُ به، فقد انقلب الكفائيُّ إلى فرض عيني، وإذا وُجد
جماعةٌ من المسلمين قائمةٌ به وسُدَّتْ الحاجة بها: صار هذا الفرض الكفائي سنّةً
١ - قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢: ٢٥٧: ((رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح)).
٢ - انظر ((المعجم الكبير)) للطبراني ٨: ٢٦٤ (٧٨٨٠) و((مجمع الزوائد)) ٢: ٢٤٨ و((الفتح))
١١ : ٣٤٣.