النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ والشِّنْظِيرُ الفَخَاشُ)). وذكر الثلاثة الأَوَل ثم قال: ((ويُبْغِضُ الشيخَ الزانيَ، والبخيلَ، والمتكبِّرَ) فانظر كيف قرن بين هؤلاء الثلاثة !!. وكما أن الكذبَ يُجانب الإِيمان، كما تقدَّم عن سيدنا الصديق الأكبر رضي الله عنه، فكذلك الشحُّ يجانب الإِيمان، والشح والبخل شيء واحد، أو هما من وادٍ واحد . فروى النسائي ٦: ١٣ (٣١١٠ وما بعده) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﴿ أنه قال: ((لا يجتمعُ غبارٌ في سبيلِ الله ودُخَانُ جهنّمَ في جوفِ عبدٍ أبداً، ولا يجتمعُ الشُحُّ والإِيمانُ في قلبِ عبدٍ أبداً». خامسهم: ((الشِّنْظيرُ الفخَاش)) وهو السيِّءُ الخُلُق. وفي ذمِّ الفحشِ والفاحش والفحَّاش، وسوءِ الخُلُق والسَّيءِ الخُلُق: أحاديثُ كثيرةٌ، وأكثر من هذا وذاك الأحاديثُ التي فيها الثناء على الخُلُق الحسن وحَسَن الخُلُقِ. وقد بَوَّب البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الأدب ((باب لم يكن النبيُّ ◌َإلخ. فاحشاً ولا مُتَفَاحِشاً) ١٠: ٤٥٢ وأورد تحته أحاديثَ، منها: حديث عائشة رضي الله عنها أن ((يهودَ أَتُوُا النبيِّ ◌َيهِ فقالوا: السامُ عليكم - يعنون: الموت عليكم - فقالت عائشة: عليكم، ولَعَنكم الله وَغَضِب عليكم. قال - ﴾ هو بأبي وأمي -: ((مَهْلاً يا عائشة، عليكِ بالرِّفق، وإياكِ والعُنْفَ والفُحْشَ)) قالت: أَوَ لم تسمعْ ما قالوا؟! قال: (أُوَ لم تَسْمعي ما قلتُ؟، رددتُ عليهم، فَيُستجابُ لي فيهم، ولا يُستجابُ لهم فِيَّ)) ﴿ تسليماً كثيراً. ثم ساق حديثاً آخر لعائشة: ((أن رجلاً استأذن على رسول الله صل﴾، فلما رآه قال: ((بئسَ أخو العَشِيرة، وبئس ابنُ العشيرة)). فلما جلس تطلَّق النبيُّ 12َ في وجهه وانبسطَ إليه، فلما انطلق الرجلُ قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيتَ الرجلَ قلت له كذا وكذا، ثم تطلّقتَ في وجهه وانبسطتَ إليه! فقال رسول الله أيّ: ((يا عائشةُ متى عَهِدْتِنِي فاحشاً؟! إن شَرَّ الناس عند الله منزلةٌ يوم القيامة من تركه الناس اتّقاء شرِّه)). ١٢٢ ٠٠ ورواه تحت باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب ١٠: ٤٧١ بلفظ: ((أَيْ عائشةُ، إن شر الناس من تَرَكه الناس - أو وَدَعَه الناس - اتَّقَاءَ فُحْشِه)). ورواه أبو داود في كتاب الأدب أيضاً تحت باب في حسن العِشْرة ٥: ١٤٥ (٤٧٩٢) ولفظه: ((يا عائشة إن الله لا يحبُّ الفاحشَ المتفحّش». وروى الإِمام أحمد بإسناد جيد في ((مسنده)) ٥: ٨٩ وابنُه عبدالله في الزوائد ٥: ٩٩ عن جابر بن سَمُرة رضي الله عنهما أنه قال: كنتُ في مجلس فيه النبي ◌َّ وأبي سَمُرةُ جالسٌ أمامي، فقال رسول الله وَله: ((إن الفحشَ والتفخُّشَ ليسا من الإِسلام في شيء، وإن أحسنَ الناسِ إسلاماً أحسنُهم خُلُقً». إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة . فإذا كان الفحشُ ليس من الإِسلام في شيء، وشرُّ الناسِ من اتقاه الناس لفُحْشه، وإن الفاحشَ لا يُحبُّه الله تعالى: إذا كان كذلك أدركْنا حقيقةً أن الشِّنظير الفحاش من أهل النار. وأشدُّ ما يكون الفحش وبالاً على صاحبه: إذا صَدَر ممن يَتْزَيًّا بِزِيٍّ أهل العلم، وينتسب إلى كريم مقامهم. عافانا الله بمنه وكرمه. وبعدُ: فهذه صفاتُ أهلِ الجنة وأهلِ النار، وتلك نتائجُ البعثة المحمدية: أن نتعرَّف من هم أهل الجنة، ولماذا؟، ومن هم أهل النار، ولماذا؟ حتى نعملَ بأوصاف هؤلاء، ونتجنبَ أوصافَ أولئك. والحمد لله الذي أوحى إلى نبينا محمد # بهذا، وجزى الله عنا نبينا محمداً وَ﴿ كلَّ خير على تبليغه هذا إلينا، ونسألُ الله التوفيقَ إلى العملِ بمحابِّه، والاجتناب لمساخِطه. إنه ولي التوفيق. ١٢٣ ٢٥ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله (وَلافي قال: ((أَتِيتُ بالبُراق - وهو دابَّةٌ أبيضُ طويلٌ، فوقَ الحمارِ ودون البغل، يَضَعُ حافِرَه عند مُنْتَهِى طَرْفِه - قال: فركبتُه حتى أتيتُ بيتَ المقدِس ، قال: فربطْتُه بالحَلْقِ التي يَرْبِطُ بها الأنبياء، قال: ثم دخلتُ المسجدَ، فصليتُ فيه ركعتين، ثم خرجتُ، فجاءني جبريلُ عليه السلام بإناءٍ من خمر، وإناء من لَبَنْ، فَاخْتَرْتُ اللَنَ، فقال جبريل وَّهَ: اخْتَرْتَ الفِطْرة. ثم عَرَجَ بنا إلى السماء، فاسْتَفْتح جبريلُ فقيل: مَن أنتَ؟ قال: جبريل، قيل: ومَن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِث إليه، فَفُتِح لنا، فإذا أنا بآدمَ، فَرَحِّب بي، ودعا لي بخير. ثم عَرَجَ بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريلُ عليه السلام، فقيل: مَن أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: ٢٥ - تخريجه: هذا لفظ مسلم في كتاب الإِيمان - باب الإِسراء برسول الله ◌َيّ وفرض الصلوات ١: ١٤٥ (٢٥٩)، وشرح النووي ٢: ٢٠٩. والحديث في ((صحيح البخاري)) أول كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلاة في الإِسراء ١ : ٤٥٨ (٣٤٩). وقد اعتمد القاضي عياض رحمه الله في ((الشفا)) وغيرُه سياقةً مسلم لحديث الإِسراء فتبعتُه. غريبه: القِلال: جمع قُلَّة، وهي الجَرَّة العظيمة تَسَعُ قِرْبتين أو أكثر. قاله النووي . يُنْعَتُها: يَصِفُها. بَلَوْت: خَبَّرْت. ١٢٤ وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعث إليه، فَفُتِح لنا، فإذا أنا بابْنَيْ الخالة: عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا، صلوات الله عليهما، فَرَجَّبا ودَعَوَا لي بخیر. ثم عَرَج بِي إلى السماء الثالثة، فاستفتَحَ جبريلُ، فقيل: مَن أنتَ؟ قال: جبريل، قيل: ومَن معك؟ قال: محمد نَّه، قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه، فَفُتِح لنا، فإذا أنا بيوسفَ وََّ، إذا هو قد أَعْطِيَ شطرَ الحُسْن، فرحَّب ودعا لي بخير. ثم عَرَج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه، فَفُتِح لنا، فإذا أنا بإدريسَ، فَرَحَّب ودعا لي بخير. قال الله عز وجل: ﴿ وَرَفَعْناه مكاناً عَلِيّاً﴾. ثم عَرَج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومَن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه، ففُتح لنا، فإذا أنا بهارونَ بَ، فَرَجَّب ودَعَا لي بخیر. ثم عَرَج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد معناه: الكلام على حديث الإسراء والمعراج طويل جداً، وأفردت فيه كتب كبيرة ورسائل لطيفة، ومن أوسع من تكلّم فيه - وكتابه مطبوع متداول - العلامة الصالحي رحمه الله تعالى في سيرته الشامية ((سُبُل الهدى والرشاد))، كتب فيه قرابة ٢٤٠ صفحة من القطع الكبير من الجزء الثالث، وهذا خلاصة كتابه ((الفضل الفائق في معراج خير الخلائق)) وَليو، ذكر ذلك في مقدمة كلامه المشار إليه ٣: ١١. ١٢٥ بُعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى وَّ، فرحَّب ودّعًا لي بخير. ثم عَرَجَ إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد رَّ، قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه، ففُتح لنا، فإذا أنا بإبراهيمَ مُسْنِداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخُلُه كلَّ يوم سبعون ألفَ ملَكٍ لا يعودون إليه. ثم ذَهَب إلى السِّدْرة المُنْتَهى، وإذا وَرَقُها كآذانِ الفِيَلة، وإذا ثَمَرُها كالقِلَال، قال: فلما غَشِيَها من أمر الله ما غَشِي تَغَيَّرتْ، فما أحدٌ من خَلْق الله يَستطيع أن يَنْعَتَها من حسنها، فَأَوْحَى إليَّ ما أَوحَى، فَفَرَضَ عليَّ خمسين صلاةً في كل يوم وليلة. فنزلت إلى موسى وَله، فقال: ما فَرَض ربُّك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاةً، قال: ارْجِعْ إلى ربِّك فاسأله التخفيفَ، فإن أمتك لا تُطيق ذلك، فإني قد بَلَوْتُ بني إسرائيلَ وخَبَرْتُهم. قال: فرجعتُ إلى ربي، فقلت: يا ربِّ خفّفْ على أمتي، فَحَطَّ عني خمساً. فرجعتُ إلى موسى فقلت: حَطّ عني خمساً، قال: إن أمتك لا تُطِيق ذلك، فارِجعْ إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أَزَلْ أَرجِعُ بين ربي تبارك وتعالى، وبين موسى عليه السلام حتى قال: يا محمد إنَّهنَّ خمسُ صلواتٍ كلَّ يوم وليلة، لكلِّ صلاةٍ عشرٌ، فذلك خمسون صلاةً. ومَنْ همَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبتْ له كما أسهب الزرقاني رحمه الله تعالى في ((شرح المواهب)) على ذلك في أول الجزء الخامس منه، وجلّ اعتماده على الصالحيِّ المذكور، كما هو معلوم. والقدسيُّ من هذا الحديث: آخره، وأنّبِّه إلى شيء في جملة منه، وهي قوله ١٢٦ حسنةٌ، فإنْ عمِلها كُتبتْ له عشراً، ومَن همَّ بسيئة فلم يَعمِلْها لم تُكْتَبْ له شيئاً، فإن عملها كُتِبِتْ سيئةً واحدة. قال: فنزلتُ حتى انتهيتُ إلى موسى ﴿ فأخبرتُه، فقال: ارجِعْ إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله وَلفيه: فقلت: قد رَجَعتُ إلى ربي حتى اسْتَحْيَيْتُ منه)). تعالى: ((ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها لم تُكتب شيئا)) مع أنه في الحديث الآتي برقم ٨٢ أنه تكتب له حسنة. والجواب - والله أعلم - أن قوله هنا ((لم تُكْتَبْ شيئاً) معناه: لم تكتبْ عليه سيئةً، ولكن هل تكتب له حسنة أولا؟ أمر مسكوت عنه هنا، وصُرِّحٍ به هناك أنها تُكتَب حسنة إن كان تركُه لها خوفاً من الله عز وجل، ولا تكتب شيئاً لا حسنة ولا سيئة إن كان تركُه لها لغير ذلك. والله أعلم. ١٢٧ ٢٦ - عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي ﴿﴿ تلا قولَ الله عز وجلَّ في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْن كثيراً من الناس فَمَنْ تَبِعَني فإنه منّي ... ) الآية، وقال عيسى عليه السلامُ: ﴿إِنْ تُعَذَّبْهم فإنهم عِبادُك، وإنْ تَغْفِر لهم فإنك أنتَ العزيزُ الحكيمُ﴾، فَرَفعَ ٢٦ - تخريجه: رواه مسلم في كتاب الإِيمان - باب دعاء النبي وَلاغير لأمته ١ : ١٩١ (٣٤٦) وشرح النووي ٣: ٧٧. معناه: مدار هذا الحديث الشريف على مَكْرُمتين للنبيِ وَِّ، الأولى: شَفَقَتُه على أمته واهتمامُه بأمرها ومصيرها. والثانية: مكانتُه عند الله عز وجل التي جاء التعبيرُ عنها بـ ((إنا سَنُرْضيك في أمتك ولا نَسُوْءُك)! لص .. وكان سببُ ذلك ما يحكيه سيدُنا عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي ◌َّه تلا آيتين كريمتين فيهما موقفُ بعضِ النبيين من أممهم. فالآية الأولى: قولُ الله تعالى على لسان خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام في سورة إبراهيم: ﴿ربِّ إنَّهنَّ أضللنَ كثيراً من الناس، فمن تَبِعَني فإنه مني، ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾. والآية الثانية: قولُ الله تعالى على لسانٍ كلمتِه عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام في آخر سورة المائدة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهم فإنهم عبادك، وإنْ تَغْفِر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾. ففيهما استرحامٌ لله عز وجل من إبراهيم وعيسى لأمتهما، ولكنْ ليس فيهما بيانٌ نتيجةٍ أو استجابةٍ. وائتساءً منهِرَ﴿ بهما، وعملاً بقول الله تعالى ﴿أولئكَ الذين هَدَى الله، فَبِهُدَاهُم اقْتَدِهْ﴾: فإنه دعا لأمته، ورجا ربَّه بكلمةٍ عامٍ شاملةٍ لكلِّ وجوهِ الإِحسان ١٢٨ يَدَيْه وقال: ((اللهم أُمَّتي، أُمُّتي)) وبكى، فقال الله عز وجل: ((يا جبريل اذهبْ إلى محمد - وربُّك أعلمُ - فَسَلْهُ ما يُبكيك؟)) فأتاه جبريلُ عليه الصلاةُ والسلامُ فَسَأَلَه، فأخبره رسول الله وَِّ بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريلُ اذهبْ إلى محمد فقلْ: إنا سَنُرْضِيك في أمتِك ولا نَسُوءُكَ)). إليها فقال: ((اللهم أمتي، أمتي)). وهو يَحتمِل معنى: تدارْ أمتي، ارحمْ أمتي، أَحسِنْ إِليها، الطُّفْ بها، اغْفِر لها، وما شاكل هذه التقديرات. فكان من حُسْن اختياره صلواتُ الله عليه وسلامه، أنْ دعا بكلمة جامعةٍ لكل هذه الوجوه والاحتمالات. وقد جَمَعِ بَّهَ بين دعائه هذا - ودعاؤه لا يُرَدُّ ولا يُخَيِّب ـ وبكائِه الذي يُستنزل من الله تعالى كلَّ خير ورحمة ورضوان، ليكونَ أسرعَ إجابةٌ، وأكثر إكراماً من الله تعالی . فأمَرَ الله سبحانه أمينَ وحيه جبريلَ أن يَسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن سبب بكائه، والله تعالى أعلم بالأمر. ولمزيد التكريم وإظهار المزيَّة، وَرَفْع شأن ما سيكونُ من عطاء وإكرام، أرسله إليه أولاً للسؤال، وثانياً للجواب. قال الإمام النووي رحمه الله في ((شرحٍ مسلم)): ((والحكمةُ في إرسال جبريل لسؤاله ◌َ﴿ إظهارُ شرفِ النبيِ وَ﴾، وأنه بالمحلِّ الأعلى فُيُسترضَى وَيُكْرَمُ بما يُرضيه)). ثم جاء الجواب الإِلّهي الكريم: ((يا جبريل، اذهبْ إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءُك)). وفيه لطيفتان: الأولى: التعبير بـ ((إنا)) التي يُعِبَّر بها من جانب الحق سبحانه وتعالى دائماً في مقامِ الدلالة على العظمة، ولكلِّ مقامٍ عظمتُه المناسبةُ له، كقوله تعالى: ﴿إنا أُنْزَلْناه في ليلة القدر﴾ ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ ﴿إنا مُرْسِلو الناقةِ فِتْنَةً لهم﴾ ﴿وإنا لَجَاعِلونَ ما عَلَيها صَعِيداً جُرُزاً﴾ وهكذا، وهو كثير جداً في القرآن الكريم. ١٢٩ فيكون المعنى هنا: إنا بعظمتنا وقدرتنا وسلطاننا، وكرمنا ورحمتنا ... سنرضیك. واللطيفةُ الثانيةُ: نَقَلها النووي عن ((التحرير في شرح صحيح مسلم)(١) فقال: ((وأما قوله تعالى ((ولا نسوءُك)) فقال صاحب التحرير: هو تأكيد للمعنى، أي: لا نُحزنك، لأن الإِرضاء قد يحصل في حقِّ البعضِ بالعفو عنهم، ويُدخِل الباقي النار، فقال تعالى: نُرضيك ولا نُدخل عليك حزناً، بَل نُنْجي الجميع)). اللهم حقّق ذلك. لذلك قال النووي رحمه الله قبل أسطر: ((هذا الحديث من أرجى الأحاديث لهذه الأمة، أو أرجاها)). هذا، ومعلوم أن حرف السين يستعمل للزمن المستقبل القريب، و((سوف)) للمستقبل البعيد، فقد يُسأل حينئذ: لم جاءت الآية الكريمة بـ ((سوف)) في قوله تعالى ﴿ولسوف يُعطيك رَبُّك فَتَرْضَى﴾ وهنا في الحديث: ((سنرضيك))؟. والجواب - والله أعلم -: أن الإِمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى قال ٣١: ٢١٤ عن المجيء بـ ((سوف)): ((يدلُّ على أنه ما قَرُبَ أجلُه، بل يعيش بعد ذلك زماناً)، ولعل هذا يزداد وضوحاً إذا قلنا: إن قريشاً كانوا يتمنون موت محمد - دَل ـ كما هو معلوم، فالإِتيان بـ ((سوف)» المُؤْذِنة بالزمن البعيد فيها إغاظة لقلوبهم، وأن محمداً ◌َّ بعيدٌ زمنُ وفاته. ثم إن العطاءَ الموعودَ به هناك ﴿يُعطيك ربك﴾: منه الدنيوي: كالنصر والظهور عليهم، ومنه الأخروي: كالمقام المحمود والدرجات العلى في الجنة، فحتى لا يضيقَ صدرُ النبي ◌َّ إذا تأخّر نصره وظهوره عليهم عن الوقت الذي يتوقَّعُه، قيل له: ولسوف، فإن الأمر حاصل ولا بدَّ، وهو مؤكّد باللام: ولسوف، فلا تتعجَّلْ، واطمئنَّ. ١ - انظر اسمه كاملاً عند أول موضع نقّل عنه النووي ١: ١٤٥، وهو ابن صاحب ((الترغيب والترهيب)» الذي عَمِل المنذريُّ كتابَه على مِنواله . ١٣٠ أما الحديث الشريف الذي نحن فيه: فإن استعمال ((سوف)) فيه غير مناسب للمقام أبداً، ذلك أنه مقام دعاء من محمدله وبكاء، فكيف يليقُ التسويف البعيد !. ثم إن الطلب كان مُتّمحِّضاً لحال الآخرة ومواقفها، ومع ذلك جاء الوعد بحرف السين القريب، في ذلك الزمن البعيد عن وقت الدعاء والرجاء. فسبحان الله والحمد لله على كرمه، وصلَّى الله وسلَّم على النبي الرؤوف الرحيم . ١٣١ ٢٧ - عن ثَوْبانَ مولى النبيِّ نَّهِ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إن الله ٢٧ - تخريجه: رواه مسلم في كتاب الفتن - باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض ٤: ٢٢١٥ (١٩). والنووي ١٨: ١٣. غريبه: زَوَى: جَمَع. المشارق والمغارب: هاتان الكلمتان تَرِدان في النصوص الشرعية بلفظ الإِفراد والتثنية والجمع. قال الراغب في ((مفرداته)) ص ٢٥٩: ((إذا قيلا بالإِفراد فإشارة إلى ناحيتيْ الشرق والغرب، وإذا قيلا بلفظ التثنية فإشارة إلى مطلِعَيْ ومغرِبَيْ الشتاءِ والصيف، وإذا قيلا بلفظ الجمع فاعتبار بمطلَعِ كلِّ يوم ومغرِبه، أو بمطلَعٍ كلُّ فصلٍ ومغربِه)). الأحمر والأبيض: الذهب والفضة. السنة العامة: القحطُ العامُّ الْمُهْلِكُ لبلاد الإِسلام. بيضتّهم: قال في ((النهاية)) ١: ١٧٢: ((أي: مجتمعَهم وموضعَ سلطانهم ومستقرَّ دعوتهم. أراد: عدواً يَستَأْصِلُهم ويُهلِكُهم جميعَهم)). قضيتُ قضاءً: حكمت حكماً وأبرمت أمراً. من سوى أنفسهم: المراد: عدوٌّ خارجي . معناه: في هذا الحديث بيانُ عظيمٍ مقامِ النبيِّ ◌َّ عند ربّه سبحانه وتعالى، وذكرُ بشاراتٍ لهذه الأمة المحمدية. أما مقامُ النبي ◌َله: ففي إطْلاع الله تعالى له على مشارق الأرض ومغاربها، وفي إعطائه الكنزين: الذهبَ والفضةَ، وفي استجابة الله تعالى دعاءَه. أما الأول: فإن الله تعالى جَمَع لرسوله عليه الصلاة والسلام الأرضَ فرأى مشارقها ومغاربها، وهذا كنايةٌ عن رؤيته للأرض جميعها، وهذه الرؤيةُ العامةُ الشاملة تُكْسِبه علماً عظيماً واسعاً لا يُدرك له مَدَى. ١٣٢ زَوَى لِيَ الأرضَ، فرأيتُ مَشَارِقَها ومَغَارِبَها، وإن أُمتِي سَبْلُغُ مُلْكُها ما وجاءتْه البشارةُ مع هذا الإِطلاع: ((وإن أمتي سيبلُغ مُلكُها ما زُوي لي منها)). فَبِّر بامتدادِ ملكِ أمته، وامتدادُ ملك أمته: يعني انتشارَ الإِسلام. وأما الثاني: فقال الإِمام النوويُّ رحمه الله: ((قال العلماء: المرادُ بالكنزين: الذهب والفضة، والمرادُ: كنزا كسرى وقيصر مَلِكي العراق والشام)». قلت: والأمرُ أعمُّ من هذا والله أعلم، فقد رَوَى البخاري في كتاب المغازي - باب أُحُد جبل يحبنا ونحبه ٧: ٣٧٧ عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، أن النبي ◌َّ خرج يوماً فصلى على أهل أُحُد صلاتَه على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: ((إني فَرَطّ لكم، وإني شهيدٌ عليكم، وإني لأَنظُر إلى حوضي الآن، وإني أعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض - أو مفاتيح الأرض -... )). وفي البخاري أيضاً: كتاب الجهاد - باب قول النبي ◌ََّ ((نُصِرتُ بالرعب مسيرةً شهر)) ٦: ١٢٨ عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله : ﴿ قال: ((بُعثتُ بجوامع الكَلِمِ ، ونُصرت بالرعب، فبينا أنا نائمٌ أُوتيتُ مفاتيحَ خزائنِ الأرض فَوُضِعتْ في يدي)). وفي ((المسند)) ٤: ٣٠٣ من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أَمَرنا رسول الله وَّ بحفر الخندق، قال: وعَرَضَ لنا صخرةٌ في مكانٍ من الخندق لا تأخُذ فيها المَعَاول، قال: فَشَكَوْها إلى رسول الله وَّ، فجاء رسول الله ◌َهــ قال عوفٌ أحدُ الرواة: وأحسَبه قال: وَضَعَ ثوبَه ثم هَبَط إلى الصخرة - فأخذ المِعْول فقال: بسم الله، فضربٍ ضربةً فكَسَرِ ثُلُثَ الحجر، وقال: الله أكبر، أعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني لُأبْصِر قصورها الحُمْر من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وَضَربَ أخرى فكسرٍ ثُلُثَ الحجر فقال: الله أكبر، أُعْطيتُ مفاتيح فارس، والله إني لأَبْصِرِ المدائن، وأُبْصِر قصرها الأبيضَ من مكاني هذا. ثم قال: بسم الله، وضرب ضربةً أخرى فقلع بقيةَ الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا))(١). ١ - قال الهيثمي في ((المجمع)) ٦: ١٣١: ((فيه ميمون أبو عبدالله، وثقه ابن حبان وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات)) ثم ذكر عقبه حديثاً بمعناه من رواية عبدالله بن عمرو، وقال: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما حُبَيُّ بن عبدالله، وثقه ابن معين وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح)). فمثل هذا الحديث يكون حسناً لغيره. ١٣٣ زُوِيَ لي منها، وأُعْطيتُ الكنزين: الأحمر والأبيضَ، وإني سألتُ ربي لأمتي أن لا يُهْلِكَها بسنةٍ عامةٍ، وأن لا يُسَلِّطَ عليهم عدوّاً مِن سِوى أنفسِھم فَيَسْتَبیحَ بَيْضَتَهم. وإن ربي قال: يا محمدُ إني إذا قَضَيتُ قضاءً فإنه لا يُرَدُّ، وإني أُعطيتُك لُأَمَّتِك أن لا أُهلِكَهم بسنةٍ عامٍ، وأن لا أُسَلِّطَ عليهم عدوّاً مِن سِوى أنفسِهم يَستَبِيحُ بيضتّهم ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها - أو قال: مَنْ بين أقطارِها - حتى يكونَ بعضُهم يُهْلِك بعضاً، ويَسْبِي بعضُهم بعضاً)). فعلى مقتضى الحديثين اللذين في البخاري: حديث عُقبة وأبي هريرة: يكون الأمر عاماً، ويكون قوله عليه الصلاة والسلام: ((أعطيت الكنزين)): كنايةً عن كنوز الأرض جميعاً. ولهذا كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول عقب روايته لحديثه السابق: ((وقد ذهب رسول الله وَ ﴿ وأنتم تَنْشِلُونها)) أي: تَسْتَخِرجون الأموال والكنوز وما فُتح عليكم من زهرة الحياة الدنيا. وأما الأمر الثالث: فواضح في هذا الموقف وغيره من مواقفه الكريمة عليه الصلاة والسلام وهي كثيرةٌ كثيرةٌ، استجاب الله فيها دعاءَ نبيه عليه الصلاة والسلام. أما الدعوة الأولى: فأن لا يُهلكَ الله هذه الأمة بقحط عام، والمراد: هلاكُ استئصالٍ لها يستأصِلُها عن بَكْرة أبيها، أما الإِهلاكُ الجزئي: فجائز واقع. وأما الدعوة الثانية: فأن يحفظَ الله هذه الأمة من متسلَّط أجنبي عنها يُنزِل بها البأسَ والهوان، ويَكْسِر منها المُلْك والسلطان. وما ذاك إلا كرامةٌ لهذه الأمة عند ربها، فَلَّأَن تَهلِكَ هذه الأمة بسبب داخلي منها أعزُّ وأكرمُ لها من أن يتسلَّط عليها متسلِّطون من الأمم الأخرى فُيُهْلِكوها. فيكون عزّ الأمةِ المسلمةِ برجالاتها المستقلِّين، كما أن هلاكها برجالاتها المستأجَرين، ولا شأن ليدٍ أجنبية عنها بها. ولقد أكَّد الله عز وجل هذا الوعد على نفسه بقوله ((ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها)) يريد: ولو أن أهل الأرض قاطبةً اجتمعوا على إهلاك الأمة وتدميرها لن يستطيعوا ولن یجِدوا إلى ذلك سبيلاً. ١٣٤ ٢٨ - عن عبد الله بن عُمرَ رضي الله عنهما، أنه سَمعَ رسولَ اللهِله يقول: ((إنَّما بَقاؤُكُمْ فيما سَلَف قَبلَكمْ من الأمَم كما بين صلاةِ العصرِ إلى غُرُوب الشمسِ : أَوْتِيَ أهلُ التوراةِ التوراةَ، فَعَمِلوا حتى إذا انْتَصَفَ النهارُ عَجَزوا، فَأَعْطُوا قِيراطاً قِيراطاً؛ ثم أُوْتِيَ أهلُ الإِنجيلِ الإِنجيلَ، ٢٨ - تخريجه: رواه البخاري في مواضع وهذا لفظه في كتاب مواقيت الصلاة - باب من أدرك من العصر قبل الغروب ٢: ٣٨ (٥٥٧). غريبه: بقاؤكم فيما سَلَف: أي: بقاؤكم بالنسبة إلى ما سلف. قيراطاً قيراطاً: ((القيراط: جزءً من أجزاء الدينار، وهو نصف عُشُره في أكثر البلاد، وأهلُ الشام يجعلونه جزءاً من أربعة وعشرين)). قاله ابن الأثير. معناه: مدار هذا الحديث الشريف على بيانٍ فضل الله على هذه الأمة المحمدية، إذْ ضاعَفَ لها أجر عملها مع قلَّته. وفي صدر الحديث أشار النبيُّ وَلّ إلى قِصَر مدة هذه الأمة في الحياة الدنيا بالنسبة إلى مدة بقاءِ الأمم الأخرى، فشبَّه مدةَ بقائنا بوقتِ صلاةِ العصر: من أوله إلى آخره، وبقاءَ الأمَمِ الأخرى بمنزلة بقيّة النهار. ووصفَ بَّ ضعفَ اليهود أهلِ التوراة عن القيام بواجبهم تُجاه ربهم فقال: ((أُوتِيَ أهلُ التوراة التوراة، فعمِلوا، حتى إذا انتصف النهار عَجَزوا)) وفي هذا التعبير إشارةٌ إلى أنهم كُلّفوا عملَ النهار كلِّه فعجزوا عنه. ثم وصفَ ضعفَ النصارى أهلِ الإِنجيل عن القيام بواجبهم أيضاً، وعبّر في حقِّهم كما عبَّر في حق أَهل التوراة، فوصفَهم بالعجزِ. أما نحن فأُوتينا القرآنَ العظيمَ خيرَ الكتب، وعَمِلنا وقتاً أقصرَ من وقتهم، وأَعْطِينا من الأجر ضِعْفَ ما أُعطوا، ولم نُذْكَرْ بصفة العجز كما ذُكِروا. ١٣٥ فَعَمِلوا إلى صلاةِ العصرِ ثم عَجَزوا، فَأَعْطُوا قِيراطاً قِيراطاً؛ ثم أُوْتينا القرآنَ فَعَمِلْنا إلى غُروبَ الشمسِ ، فَأَعْطينا قيراطين قيراطين. فقال أهلُ الكتابَيْن: أيْ ربَّنا أُعطيتَ هؤلاء قِيراطَيْن قيراطينِ، وأعطيتَنَا قِيراطاً قِيراطاً، ونحن كُنّا أكثرَ عَمَلًا؟! قال: قال الله عز وجلّ: هل ظَلَمْتُكُم مِن أَجْرِكم مِن شيءٍ؟ قالوا: لا، قال: فهو فَضْلي أُوْتِيه مَن أشاء)» . ومن المعلوم أن الله تعالى تفضّل علينا فخصَّ أمكنةً وأزمنةٌ بمضاعفة الأجر للعاملين فيها بالصالحات، زيادةً في اغتنام الأجر، كما هو الحال في ليلة القدر مثلاً، وكالصلاة في الحرمين الشريفين. ولما اعْتَرَض أهلُ الكتابين بقولهم: ((أيْ ربَّنا)) والمعنى: يا ربنا («أعطيتَ هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن كنا أكثَرَ عملاً؟!)) أجابهم الله العليم الحكيم: ((هل ظَلَّمتكم من أجركم من شيء؟)) قالوا: لا، فأجابهم بإظهارِ حكمتِه معهم، وفضلِه علينا، وأنه الفعَّال لما يريد فقال: ((هو فَضْلي أوتيه من أشاء» . فنحن معاشرَ الأمة المحمدية محطّ فضل الله عز وجل، والحمد لله رب العالمين . ١٣٦ ٢٩ - عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنفسِكم أو تُخْفُوه يُحَاسِبْكم به الله﴾ قال: دَخَل قلوبَهم منها شيءٌ لم يَدخُلْ قلوبَهم من شيء! فقال النبي ◌َّ: ((قُولوا سَمِعْنا وأَطَعْنا وسَلَّمْنا، قال: فَأَلْقى الله الإِيمانَ في قلوبهم، فأنزل ٢٩ - تخريجه: رواه مسلم في ((صحيحه)) كتاب الإِيمان - باب بيان تجاوز الله عن حديث النفس ... ١: ١١٦ (٢٠٠)، و((شرح النووي)) ٢: ١٤٦، وأخرجه قبله مطوّلاً من حديث أبي هريرة، ولفظ الجملة القدسية منه: ((قال: نعم)). وفيه قوله ﴿ربَّنا ولا تُحمِّلْنا ما لا طاقةً لنا به﴾ قال: نعم. معناه: يحكي عبدالله بن عباس عن الصحابة رضي الله عنهم حالَهم لما نزلتِ الآية الأولى: ﴿لله ما في السموات وما في الأرضِ وإنْ تُبْدوا ما في أنفسكم أو تُخْفُوه يُحَاسِبْكم به الله ﴾ وأنهم قد أخذهم الوَجَلُ الَشديد واستصعابُ الأمر جداً، لأن الإِنسان لا يملِكُ خواطره المخفيَّة في صدرِهِ، والله تعالى يُخْبر أنها معروضةٌ يوم القيامة للحساب، والله سبحانه المشيئةُ المطلَقةُ فيمن يعذِّبه وفيمن يغفر له! فقالوا - كما في الرواية التي قبلها -: كُلُّفنا من الأعمال ما نُطيق، وقد أُنزِلت عليك هذه الآية ولا نُطيقها !. ولكن النبي ولم أرشدهم إلى السلامة في أمرهم، فقال لهم: ((قولوا: سَمِعْنا وأَطَعنا وسلَّمنا)) لئلا يكونوا كغيرهم من أهل الكتاب ممن أشْرِبوا في قلوبهم حبَّ العِجْل فيقولوا: سمعنا وعصينا؛ فقالوا ما أمرهم به. فأنزل الله تعالى ثناءَه عليهم: ﴿ .. والمؤمنونَ كُلِّ آمَنَ باللَّهِ وملائكتِه وكُتُبه ورسله﴾، وخفّف عنهم ما ثَقُل عليهم - وعلى مَن بعدهم من باب أولى - فأنزل قوله الكريم: ﴿لا يُكَلِّف الله نفساً إلا وُسْعَها ... ﴾ وتكرَّم سبحانه عليهم - وعلى من ١٣٧ الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهِ نَفْساً إلا وُسْعَها، لها ما كَسَبَتْ وعليها ما اكْتَسَبَتْ، ربَّنا لا تُؤَاخِذْنا إنْ نَسِينا أو أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فَعَلْتُ، ﴿ ربَّنا بعدهم - بأنْ أنزل في هذه الآية الدعواتِ المذكورةَ، فلما قرأها عليهم رسول الله ◌َّ أَعلَمهم أن الله تعالى قد أجاب دعاءَكم بها فقال: ((قد فعلت)). وليس هذا قاصراً عليهم، بل هو عامّ بإذن الله ومشيئته لكلِّ من دعا بها. وقد أعقب الإِمام مسلم رحمه الله روايةً هذا الحديث بحديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إن الله تجاوزَ لُأمتي ما حدَّثتْ به أنفسَها ما لم يتكلَّموا أو يَعملوا به)). وبحديثه القدسيِّ الآتي برقم ٨٢: ((قال الله عز وجل: إذا همَّ عبدي بسيئةٍ .. ))، والمناسبة واضحة تماماً. وانظر قوله: فأَلقى الله الإِيمان في قلوبهم، يُرشدك إلى أن الإِيمان نورٌ يقذفُه الله في قلوب من يشاء من عباده، ثم يكون التصديق بالجَنّان، والإِقرار باللسان، والعمل بالأركان - أي الجوارح -. وبإنزال الله تعالى قولَه الكريم ﴿لا يكلِّف الله نفساً إلا وُسْعها .. ﴾: ((انكشفت الكُربة عن المسلمين في تَأُوُّلهم أمرَ الخواطر)) كما قاله الإِمام ابن عطية رحمه الله في تفسيره ((المحرَّر الوجيز)) ٢: ٥٣٩. ومما يُستفاد للوقوف على دقائق التعبير في القرآن العظيم: التنبيهُ على ما وراء التفرقة اللفظية بين: كَسَبَتْ، واكتسبت، فأقول: جاءت الآية الكريمة بـ ((لها ما كَسَبَتْ)) و((عليها ما اكتسبت))، فاستعمل اللام مع: كَسَب، وهي تستعمل في مجال الغُنْم والاستفادة، فيقول القائل: لي حقٌّ، ولي دَيْن، ولي مال، ومنفعة، ونحو هذا. واستعمل ((على)) مع: اكْتَسَبَ، وهي تُستعمل في حال الغُرْم والمسؤولية، فيقول القائل: عليَّ لفلان حق، ودَيْن، ومال، ونحو هذا. وهذا كثير في القرآن الكريم، وما جاء على خلاف هذا فمأوَّل، كقوله تعالى : ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنفسكم، وإنْ أسأتُم فَلَها﴾ بأن هذه اللام هي لام الاستحقاق، كقوله ﴿ لهم عذاب أليم﴾ أو اللام بمعنى إلى، أي: فالإِساءة راجعة ١٣٨ ولا تَحْمِلْ علينا إصْراً كما حَمَلْتَه على الذين مِن قَبْلِنا﴾ قال: قد فعلتُ، وَاعْفُ عَنّا، واغْفِرْ لنا، وارْحَمْنا، أنتَ مولانا﴾ قال: قد فعلتُ)). إليها، وجاءت بمعنى إلى في قوله ﴿بأنَّ ربك أوحى لها﴾، أو بمعنى على كقول الشاعر: فخرِّ صَرِيعاً لليدينِ والفمِ(١) والأصل في استعمال هذين الحرفين ما قدَّمتُهُ، فلما استعمل اللامَ مع كَسَبَ، علمنا أن معناها فيما هو غُنْم وخير لها، وكذلك في استعماله على مع: اكتسبت، أي: فيما هو ضرر وشرِّ عليها، وليس هذا من باب التفنن في التعبير، كما قاله بعضهم، وحكاه ابن عطية ٢: ٥٤٤، إنما هو كما ارتضاه ابن عطية فقال: ((الذي يَظْهرُ لي في هذا أن الحسناتِ هي ما كُسِب دون تكلُّف، إِذْ كاسِبُها على جادَّةٍ أمرٍ الله ورَسْمِ شرعه، والسيئات تُكتَسَبُ ببناء المبالغة - أي زيادة حروف في الكلمة - إذْ كاسِبُها يتكَلَّف في أمرها خرقٍ حجاب نَهْي الله تعالى ويتخطَّه إليها، فحسُنَ(٢) في الآية مجيءُ التصريفيْن إحرازاً لهذا المعنى)). وخلاصةُ هذا: أن زيادة المَبْنَى تدلُّ على زيادة المعنى، فاكتسب فيها تكلّف وزيادةٌ ليخرجَ الإِنسان عن فِطرته حين عمل الشرِّ الذي يجلب عليه وزره. أما كسب فالخيرات تتمثَّى مع فِطْرة الإِنسان، ولا يَحتاج الإِنسانُ إلى زيادة تَعَمُّل وتكلُّف فيها ليخرجَ عن طَبْعه. وتوجيه آخَر للزمخشري في ((الكشاف)) ١: ١٧٢ قال: ((في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشرُّ مما تشتهيه النفسُ وهي منجذبٌ إليه وأمَّارة به كانت في تحصيله أعملَ وأجدًّ، فَجُعِلتْ لذلك مكتسبة، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفتْ بما لا دلالة فيه على الاعتمال». ثم بعد هذا جاء الأمر الإِلّهي بالدعاء: قولوا: ﴿رَبَّنا لا تُؤَاخِذْنا إنْ نَسِينا أو أخطأنا ١ - انظر تفسير الآية أول سورة الإسراء في تفسير الرازي، وأبي حيان، والألوسي. ٢ - في المصدر المنقول منه: فيحسن، ولعل صوابها ما أثبتُّه. ١٣٩ ومن النسيان ما يُؤْاخَذ عليه صاحبه، كمن حفظَ القرآنَ الكريمَ ثم أَهْمَلَ مذاكرتَه حتى نسيه، ذلك أنه أهملَ ما وَجَب عليه تعهُّده، أو يكون النسيانُ بمعنى الترك، كقوله عز وجل: ﴿نَسُوا الله فَتَسِيَهم﴾ أي: تَرَكوا أمر الله، فتركهم الله من رحمته . ومن الخطأ ما يُؤاخَذ عليه فاعله، وذلك: ((أنْ يأتيَ العبد ما نُهي عنه بقصد وإرادة، فذلك خطأً منه، وهو به مأخوذ، فيحسُن طلبُ العفو والغفران لذلك الفعل الذي ارتكبه))(١) أما إذا كان ((على سبيل الجهل والظنّ بأنَّ له فِعْلَه، كمن ظنَّ أن وقت الصلاة لم يدخُل، وهو في يومٍ غيمٍ، فأخّرها حتى خرج وقتُها، فهذا من الخطأ الموضوع عن العبد، لكنْ طلبُ العفو والغفران لسبب تقصيره))(١). فتحصَّل من هذا أن الدعاء بعدم المؤاخذة على الخطأ: إما الخطأ في الفعل، وإما الخطأ فى سببه . وسبحان المتفضِّل على عباده بدعوتهم إلى الدعاء، وبإجابة الدعاء. أمرهم وعلَّمهم الدعاء، وتفضَّلَ عليهم بإجابته فقال: قد فعلت. وأما الإِصْرُ: فهو في قول ابن عباس وآخرين: العهد والميثاق الغليظ، ونحوه قول الإمام مالك: الأمر الغليظ الصعب، وقال غيرهم: الذنب الذي لا كفارة فيه. والفرق بين هذا الدعاء، والدعاء الذي يليه: أن المدعوَّ به في هذه الجملة أمرٌ خاصٍّ، وهو الذي يُشْبِه ما كان على الأمم من قَبْلنا، أما الدعاء الآتي: فهو أن لا يُحَمِّلنا ما لا طاقة لنا به عامة، مما لا علاقة لمن قبلنا به. ثم علَّمنا سبحانه أن نسأله النصر على القوم الكافرين، لكنْ علَّمَنا قبلَه أن ندعوه بممهِّدات النصر ومقدِّماته: واعفُ عنا، واغفر لنا، وارحمنا. ١ - من ((تفسير الخازن)) ١: ٢٢٧، وهو من أجود التفاسير وأسهلها لُيُسْر الحصول على الفائدة منه، لكنْ شَوَّه بعضُهم سُمعته وصُورته بما فيه من إسرائيليات، يبيّن هو ما فيها من مخالفات لشرعنا، ويسكتُ عما سوى ذلك، إلا ما لا يخلو عنه الطبع البشري، فهو جدير بأن يُلقَّب بـ ((التفسير المظلوم)). ١٤٠ ٠٠ العفو عن الذنب: يكون بإسقاط العقوبة عليه، والمسامحة بها. والمغفرة: تكون بستر الذنب على صاحبه، فلا فضيحة. والرحمة: بالإِحسان إلينا، ويكونُ ذلك بإعطاء كلِّ مقام ما يناسبُه من الإِحسان، ونحن نرجوك وندعوك يا ربنا بهذه الأمور، لأنها بيدك، ونحن تحت سلطانك وتدبيرك، فأنت مولانا، وأنت مولانا وناصرُنا، فانصرْنا على القوم الكافرين، ولا نصرَ لنا على القوم الكافرين إلا من عندك. وهذه الذنوب إن لم يَعفُ عنها ربنا، ويَغفرْها لنا فإنها عَثَراتٌ في طريق النصر، وعَثَرات في طريق رفع البلاء. وقد قال الصحابي ابن الصحابي النعمان بن بشير رضي الله عنهما: (إن الهَلَكَة كلَّ الهَلَكَة أن تُعملَ السيئاتُ في أيام البلاء))(١). وما تسبَّب في تسلُّط الكافرين على المسلمين إلا ذنوبُهم، بل إن الذنوبَ سببٌ لنزول كلِّ بلاء. وقد قال أحدُ صلحاءِ الأندلس وزُهادها: ابنُ العَسَّال، لما سقطتْ إِشِيليَّة بيد النصارى وأُخِذت من المسلمين، قال أبياتاً، منها: ما لهنَّ خَفَاءُ ركبوا الكبائر لولا ذنوبُ المسلمين وأنهم أبداً عليهم، فالذنوبُ الداءُ ما كان يُنْصَرُ للنصارى فارسٌ وإذا كانت الذنوبُ هي الداءَ، فإن الدواء هو التوبة والاستغفار. قال التابعي الجليل قتادةُ بن دِعامةَ السَّدوسيُّ رحمه الله تعالى: ألا أدلكم على دائكم ودوائكم؟ ألا إن داءَكم الذنوب، ودواءَكُم الاستغفار(٢). ومن روائع القول والتشبيه: دَارِ بِمَرَاهمِ التوبةِ جرحَ دِينك، فَبُرْؤُها أسرعُ من طرفة العين(٣). ١ - كما في ترجمته من ((البداية والنهاية)) لابن كثير ٨: ٢٤٨. ٢ - ذكره المنذري في ((الترغيب)) ٢: ٤٦٨ حديثاً مرفوعاً وصدَّره بـ (رُوي)) وقال: ((رواه البيهقي، وقد رُوي عن قتادة من قوله، وهو أشبه بالصواب)) لذلك نَسَبْتُه إلى قتادة. ٣ - ((بهجة النفوس)» للإمام ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى ٤: ٤٩، وصدَّره بقوله: ((وقد قال)) ولم يسبق ذِكْر لقائل، ليعود الضمير عليه هنا، فالله أعلم.