النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتك عما تَرَى؟ قال: بلى وعزَّتِك،
ولكنْ لا غِنَى بي عن بَرَکتِك)).
سبعين عاماً! فشدةُ البلاء وثقلُه يَتَضاعف على الإِنسان في هذه السنَّ المتأخرة. ومع
ذلك صَبَرَ وصابَر، فكان من فضل الله عليه أنْ عافاه معافاةً عجيبة في سرعتها
وتمامها، وأغدقَ عليه من المال ما قصَّه علينا هذا الحديث الشريف. ﴿وبشِّر
الصابرين﴾ .
أرسل الله تعالى على أيوب رِجْلاً من جراد من ذهب، وأَنَّى يُعهد أن يكون
الجرادُ ذهباً! لكنَّ الله خالقُ كلِّ شيءٍ، وقادرٌ على كلِّ شيءٍ. سبحانه وتعالى.
وكأن ذلك كان كثيراً، كما تُفيده الرواية التي نقلتُها عن ((الفتح)) قريباً: ((لما
عافى الله أيوب أمطر عليه جراداً من ذهب)).
وإنْ صح ما نُقِل عن ابن عباس فيكونُ الله قد أكرمه إكراماً ثالثاً أجلَّ من
اللذَيْن قبله، وذلك أنه قال: ((ألبسه الله حُلَّة من حُلَل الجنة)). أسنده ابن أبي حاتم
في ((تفسیر،)) عنه، فیما نقله عنه ابن كثير ٣: ١٦٥.
ولما رأى أيوبُ هذا الفضلِ الإِلّهي ((جعل يَخْثي)) الجرادَ بكلتا يديه ويجمعه
(في ثوبه)) فناداه الله تعالى اختباراً له - وهو سبحانه أعلم بعباده جميعاً - وتعليماً لنا
أن نُلاحظ النية الحسنةَ في كلِّ عملٍ نقوم به: ((ألم أكنْ أغنيتُك عما ترى؟!)) فهو
امتحانٌ ماديًّ بعد ذاك الامتحان الجَسِّدِيِّ.
قال أيوب: ((بلى)) يا رب، فقد أغنيتني عن كلِّ ما أرى، لكنه لما كان إكراماً
منك على هذا الوجه الخارق للعادة - مما يدلُّ على أنه فضلٌ منك وبركة - فإنه لا
غِنَى بي عن بركتك.
وكأن إغناءَ الله تعالى له المشارَ إليه في هذا الحديث هو ما جاء في رواية ابن
حبان التي أشرت إليها قبل قليل، ففي ((صحيح ابن حبان)) ٤: ٢٤٤ عن أنس بن
مالك، أن رسول الله وَ لّ قال: ((إن أيوب نبيَّ الله لَبِث في بلائه ثماني عَشْرةَ سنة،
فَرَفَضَه القريب والبعيد ... وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضى حاجته أمسكتْ
امرأته بيده، فلما كان ذاتَ يومٍ أبطأُ عليها، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه:
أُرَكُضْ بِرِجْلِك هذا مُغْتَسَلٌ بارَّدٌ وشرابٌ ﴾ فاستبطأتْه، فَبَلَغَتْه - أي ذهبتْ إليه -

١٠٢
فأقبلَ عليها قد أذهبَ الله ما به من البلاء، فهو أحسنُ ما كان، فلما رأتْه قالت: أَيْ
بارك الله فيك، هل رأيتَ نبيَّ الله هذا المبتَلَى؟ والله - على ذلكِ - ما رأيتُ أحداً
كان أَشْبَهَ به منك إذْ كان صحيحاً. قال: إني أنا هو.
وكان له أَنْدَران - أي بيدران - أندرُ القمح، وأندرُ الشعير، فَبَعثَ الله
سَحَابتين، فلما كانتْ إحداهما على أَنْدَر القمح أفرغتْ فيه الذهب حتى فاضت،
وأَفرغَت الأخرى على أَنْدَر الشعير الوَرِقَ - الفضة - حتى فاضت)». وهو في
((المستدرك)) ٢: ٥٨١ وصححه على شرطهما ووافقه الذهبي.
فكأن هذا هو الإِغناء المشار إليه، وكأنه كان عقبَ معافاته وقبلَ رجل الجراد
من الذهب. والله أعلم.

١٠٣
٢٢ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَّه
يقول: ((قَرَصَتْ نَملةٌ نبياً من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأُحْرقتْ، فأَوحى
الله إليه: أنْ قَرَصَتْكَ نملةٌ أَحرقتَ أمةً من الأمَم تُسَبِّح الله؟!)).
٢٢ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب الجهاد - بابٌ (بعدَ باب إذا حرَّق
المسلمُ المشركَ هل يُحرَّق) ٦: ١٥٤ (٣٠١٩). وفي بدء الخلق - باب إذا وقع
الذباب ... وخمسٌ من الفواسق ٦: ٣٥٦ (٣٣١٩). ورواه مسلم في كتاب السلام
- باب النهي عن قتل النمل ٤: ١٧٥٩ (١٥٠) وشرح النووي ١٤: ٢٣٨.
غريبه: قرية النمل: بيت النمل.
معناه: نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت ظلِّ شجرة - كما في رواية البخاري الثانية
وروايةٍ لمسلم - وهذا النبي: قيل هو موسى عليه الصلاة والسلام، وقيل:
العُزَير. فقرصتّه نملة، فأمر بجهازه فأُخْرِج من تحت الشجرة، وأمر ببيت النمل
فُخْرق.
فعتَبَ الله عليه فأوحى إليه: أنْ قَرَصَتْك نملةٌ واحدة أمرت بإحراق الجميع،
((فَهَلَّا نملةً واحدةً)) كما في روايةٍ عندهما، أما علمتَ أن النملَ أمةٌ من الأمم تُسبِّح
الله تعالى.
وتسبيحُ النمل: تسبيحٌ على الحقيقة لا على المجاز، كما تقدم تقريره في
شرح الحديث (١٢) وقولُه تعالى هنا ((فهلا نملةً واحدة)) معناه: فهلا أحرقتَ نملةً
واحدة وهي التي قَرَصتك، وليس معناه إحراقَ واحدةٍ لا على التعيين، بل: أَحْرقْ
التي آذَتك، فيكونُ المرادُ: إن استطعتَ تعيينَ التي قَرَصَتْك فأُحْرِقْها، فهو القَدْرُ
المأذونُ فيه لك، وإنْ لم تستطعْ تعيينها فلا تُحرِق غيرها. فيكونَ تعليقاً على أمر
بعيد متعذِّر، وكأنه يدعوه ضِمناً إلى الصفْح والصبر.

١٠٤
ومن الناحية الفقهية: فإن في قوله تعالى: ((فهلاّ نملةً واحدة)) دلالةٌ على أن
إحراق النمل جائز في شرعهم، ولكنْ هل هو جائزٌ في شرعنا؟ وسواءً بعد ذلك
كان الإِحراقُ بالنار أو بهذه المبيدات الكيماوية؟.
قال الإمام النووي رحمه الله في (شرح مسلم)) ١٤: ٢٣٩: ((أما في شرعنا:
فلا يجوز الإِحراق بالنار للحيوان، إلا إذا أحرق إنساناً فمات بالإِحراق فَلِوليّه
الاقتصاصُ بإحراقِ الجاني، وسواء في منع الإِحراق بالنار القملُ وغيرُه، للحديث
المشهور: ((لا يُعذّبُ بالنار إلا الله)) وأما قتلُ النمل - أي بغير الإِحراق، كالدَّهْس
مثلاً - فمذهبنا - أي الشافعية - أنه لا يجوز، واحتج أصحابنا فيه بحديثٍ ابن عباس
أن النبي ◌َ﴿ نَهَى عن قتل أربع من الدواب: النملةِ، والنحلةِ، والهُدْهُد والصُّرَد(١).
رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم)).
قلت: أما الحديث المشهور: فهو في البخاري: كتاب الجهاد - باب لا
يُعَذَّب بعذاب الله ٦: ١٤٩ وهو جزءً من الحديث، ولفظه: (( ... وإن النار لا
يُعَذِّب بها إلا الله)).
وأما حديثُ ابن عباس: فرواه عنه أبو داود في كتاب الأدب ٥: ٤١٨، وابن
ماجه في كتاب الصيد ٢ : ١٠٧٤.
وقد روى أبو داود حديثاً صريحاً في النهي عن إحراق النمل، ففي كتاب الجهاد
منه ٣: ١٢٥ (٢٦٧٥)، وكتاب الأدب ٥: ٤١٩ (٥٢٦٨)(٢)، عن ابن مسعود رضي الله عنه
قال: كنا مع رسول اللّه وَّ فِي سَفَر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمِّرة معها فَرْخَان، فأخذنا
فَرْخَيْها، فجاءتِ الحُمَّرة فجعلتْ تُعَرِّش(٣)، فجاء النبي ◌َّهُ فقال: ((مَنْ فَجَعَ هذه
بولدها؟ رُدُّوا ولدَها إليها)). ورأى قريةَ نملٍ قد حَرَّقْناها فقال: ((من حَرِّق هذه؟))
قلنا: نحن. قال: ((إنه لا ينبغي أن يُعذِّبَ بالنار إلا ربُّ النار)).
١ - قال في ((النهاية)) ٣: ٢١: الصرد ((طائر ضخم الرأس والمنقار، له ريش عظيم، نصفه أبيض
ونصفه أسود».
٢ - وهو من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، وفي سماعه منه خلاف، وقد أثبته
البخاري وغيره، انظر التعليق على ((الكاشف)) (٣٢٤٤).
٣ - قال في ((النهاية)) ٣: ٢٠٨: ((أي: ترتفع وتظلُّل بجناحَيْها على من تحتها)).

١٠٥
٠٠
فتحصَّل أن قتلَ النمل مطلقاً بالحَرْق والدَّهْس ونحوهما منھيُّ عنه، نعم خصَّ
الخطابيُّ رحمه الله النهيَ بالنمل الكبار ذواتِ الأرجُل الطوال، كما في «معالم
السنن)) المطبوع مع سنن أبي داود، وأفاد ابن حجر رحمه الله في ((الفتح)) ٦: ٣٥٨
أن النمل الذيَ بهذا الوصف يعرف بالسُّليماني. ثم قال: ((قال البغوي: النملُ
الصغيرُ الذي يُقال له الذرُّ يجوز قتلُه، ونَقَلَه صاحب ((الاستقصاء)» عن الصَّيْمَري،
وبه جَزَم الخطابي».

١٠٦
٢٣ - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي وَّر، أنه
ذَكَرَ رجلاً فيمن سَلَف - أو: فيمن كان قبلكم، يعني أعطاه الله مالاً
٢٣ - تخريجه: رواه البخاري كتاب التوحيد - باب ﴿يريدون أن يبدلوا كلام
الله﴾ ١٣: ٤٦٦ (٧٥٠٨) ورواه البخاري أيضاً بألفاظ أخرى في مواضع متعددة؛
وهو في مسلم نحوه في كتاب التوبة - باب في سَعَة رحمة الله تعالى ٤: ٢١١٠
(٢٥). وشرح النووي ١٧ : ٧١.
غريبه: لم يَبْتَيْ: لم يقدِّم ولم يدَّخر. وأما ((يبتثز)): فقالوا: هي شك من
الراوي، ولم أرَهم ذكروا لها معنى .
فما تلافاه: فما تداركه.
معناه: من القَصص النبوية ذات العِبَر والعِظَات: قصةُ الرجل الذي أسرفَ
على نفسِه طَوَالَ حياته، ثم أدركه خوف الله وخشيتُه، فتداركه الله بالمغفرة والرحمة.
وكان ﴿ يَتَّخَوَّل أصحابه بما جَرَى لبني إسرائيل، إذِ الأحداثُ الواقعةُ ذاتُ
أثرٍ في النفس كبير، يَفُوق التحدُّثَ بالموعظة المستفادة من الحادثة إذا لم تكن مع
الحادثة .
فلو قلتَ لآخر: من مات خائفاً من الله غَفَر الله له، كان لقولك أثر في نفسه،
وقد أفدتَه فائدةً.
أما لو قصصتَ عليه قصةً هذا الرجل من بني إسرائيل، لكان الأثّرُ في نفسه
أکبر.
فلذا كان وَلَ يقصُ على أصحابه أخبارَ من مضى.
رجلٌ أعطاه الله مالاً وولداً، وبارك له فيهما ووسَّع عليه منهما، وهذا معنى
الرواية الأخرى لمسلم: ((رَغَسَه الله مالاً وولداً)).

١٠٧
وولداً - فلما حَضَرتِ الوفاة قال لبنيه: أيَّ أبِ كنتُ لكم؟ قالوا: خيرَ
أبٍ، قال: فإنه لم يَبْتَئِرْ - أو: لم يَبْتَئِزْ - عند الله خيراً، وإنْ يَقْدِرِ الله
علَّه يعذِّبْه، فانظروا إذا مِتُّ فأَحْرِقوني، حتى إذا صِرتُ فحماً فاسْحَقوني
فهو يتقلَّب في نِعَم الله كيف يشاء، إلا أنه لم يشكُّر الله على هذه النعم -
وشُكْرُها: صَرْفُها فيما يُرضي الله تعالى - ولم يفعل شيئاً من ذلك.
فلما حضرتْه الوفاة أوصى أولاده وصيةً يَعلَم أنها وصيةٌ غريبة، ولِيَضْمَن منهم
تنفيذَها قال لهم: ((أيَّ أبٍ كنتُ لكم؟)). قالوا: خيرَ أب. قال الرجل عن نفسه:
(إنه)) ولم يقل وَله: إني، تنزيهاً لنفسه أن يَنسُب إليها ولو بالكلام ما لا يليق، وهذه
عادةُ العرب كذلك.
قال: إنه إنسانٌ ضيّع حياتَه فيما لا يرضي الله، فهو لم يقدِّم لنفسه في الآخرة
خيراً، ولم يدَّخِر عند ربَّه صالحاً، من أعمال الجوارح(١)، ولئنْ قَدَر الله عليه
ليعذِّبنَّه عذاباً شديداً.
قال ذلك وهو معتقدً أن الله قادر عليه، وأنه سيحييه بعد موته ويُوقفُه
للحساب، لکنھا کلمةُ اليائس الذي لا يدري کیف ینجو.
قال الإمام النووي رحمه الله: قال الرجل هذا القول ((وهو غيرُ ضابطٍ لكلامه
ولا قاصدٍ لحقيقة معناه ومعتقدٍ لها، بل قاله في حالةٍ غلب عليه فيها الدَّهَش
والخوف وشدة الجزع، بحيث ذهب تيقُظُه وتدبُّرُ ما يقوله، فصار في معنى الغافل
والناسي(٢).
وقالت طائفة: هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالها، يُسمُّونه: مزج
الشكِّ باليقين، كقوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لَعَلَى هدى﴾ فصورتُه صورةُ شكّ،
والمرادُ به اليقين)).
وقد أشكل قوله: ((إن يَقْدر الله عليه يُعذّبْه))، بناء على أن معنى يقدر هو
١ - انظر ((التخويف من النار)) ص ٢٠٤ للحافظ ابن رجب رحمه الله.
٢ - ومثله قول الإِمام ابن أبي جمرة ٤: ٤٨: ((وقد يكون ذلك عن حال خوفٍ غَلَب عليه حتى
أخرجه عن حال التمييز، وهو أظهرها. والله أعلم)). أي: أظهر الأقوال والتوجيهات. وانظر بعد
قلیل.

١٠٨
- أو قال: فاسْحكِوني - فإذا كان يومَ ريحٍ عاصفٍ فَأَذْروني فيها، فقال
نبِيُّ الله وَّةِ: ((فأخَذَ مواثيقَهم على ذلك وربِّي، ففعلوا، ثم أَذْرَوْه في
يومٍ عاصفٍ، فقال الله عز وجل: كنْ، فإذا هو رجلٌ قائمٌ، قال الله:
أيْ عبدي ما حَمَلَك على أنْ فعلتَ ما فعلتَ؟ قال: مخافتُك - أو: فَرَقٌ
منك - قال: فما تَلَافاه أنْ رَحِمَهُ عندها. وقال مرةً: فما تَلَافاه غيرُها)).
المعنى المتبادر من القدرة، فيكون كلامُه كلامَ شادٍّ في اتصاف الله عز وجل بصفة
القدرة، مع أنها ثابتةٌ لله عز وجل دون أي ريب. وعلى هذا جاء كلام الإمام النووي
- وغيره -: إن الرجل كان في حال ذَهَش ولا يريد معناها.
وقد ذكر النوويُّ قبلَ هذا - وغيرُه - معنى آخَرَ لهذه الكلمة، قال ابن أبي جمرة
رحمه الله تعالى ٤: ٤٨ من ((بهجة النفوس)): ((يحتمل أن يكون المراد بقوله «لئن
قَدَر الله عليّ) بمعنى: لَئِنْ ضِيِّق الله عليَّ بإقامة عدله سبحانه وتعالى، فيكونُ مثلَ
قوله تعالى: ﴿ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عليه﴾، معناه: أنْ لنْ نُضَيِّق عليه(١)، وكذلك قوله
تعالى: ﴿فَقَدَرَ عليه رزقَه﴾ أي: ضيّق عليه. وهذا هو الظاهر. والله عزَّ وجلّ
أعلم».
ثم أوصاهم بإحراقه ثم سَحْقِه ودَقُّه حتى يصير رماداً، ثم تحيُّنٍ يومٍ عاصفٍ
لِيُذْروه في البحر - كما في رواية في الصحيحين - ففعلوا.
((فأمر الله البرَّ فجمع ما فيه، وأمر البحرَ فجمع ما فيه)» - كما في رواية مسلم -
ثم قال الله عز وجل له: كنْ، فإذا هو رجلٌ قائم، مجتمعُ الذرَّات !.
فسأله ربُّه - وهو أعلم به - لِمَ أوصى بما أوصى به؟ فأَفصح عن مكنونٍ
صدره، وندمِه على إسرافه، وعن آخر حالة عرضتْ له قبلَ الوفاة فقال: خشيتك
یا رب.
فتداركه الله تعالى بالرحمة لِمَا علمَ من صدقه في حاله ومقاله، كما في رواية
للبخاري ومسلم: ((من خشيتك وأنت أعلم)».
١ - أفاد النووي ١٧: ٧١ أن هذا أحد الأقوال في تفسير الآية الكريمة، وانظر ((تفسير الطبري)) ١٧ :
٧٨، وقال ابن كثير ٣: ١٦٧ : ((يروى نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم،
واختاره ابن جرير)ا.

١٠٩
فهذا يفيدُ أن الخوفَ من الله تعالى سببٌ للمغفرة والرحمة، والخوفُ عملٌ
قلبيٌّ لا يُضَيِّعه الله تعالى هَدَراً، بل يحفظُه لصاحبه، ويعاملُه بمقتضاه، وأعمالُ
القلوب لا يُشترطُ لقبولها اقترانُ أفعال الجوارح بها، وبما أن هذا الإِنسان خُتِم له
بهذا الخوف الشديد فإن الله عز وجل تداركه بالمغفرة والرحمة، أما غيره من العباد
فقد يكون لهم مثلُ هذه المعاملة من الله تعالى، وقد يكون لهم غيرها، وهم في
المشيئة الإلهية.
نسأل الله الكريم أن يتداركنا برحمته ومغفرته.

١١٠
٢٤ - عن عياض بن حِمَارٍ المُجاشِميِّ رضي الله عنه، أن رسول
اللّهِ وَّرُ قال ذات يوم في خُطبته: ((أَلاَ إن ربي أَمَرني أن أُعَلَّمَكم ما
جَهلتُم مما علَّمني يومي هذا:
٢٤ - تخريجه: رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب الصفات التي
يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ٤: ٢١٩٧ - ٢١٩٨ (٦٣ - ٦٥) وشرح
النووي ١٧ : ١٩٧ - ٢٠٠.
غريبه: نَحَلْتُه: أعطيتُه. حنفاء: على الفطرة والاستقامة.
اجْتالتهم: أَخَذَتْهم عن الفطرة والاستقامة.
سلطاناً: حجة وبرهاناً.
مَقْتَهم: المَقْت: الْبُغْض الشديد.
يُثْلَغوا: يَشُجُوا رأسي.
لا زَبْرَ له: لا عَقْلَ له یزبُره أي یَرْدَعه.
الشَّنظير: الفحَّاش، كما ذكره، السيّءُ الخُلُق.
معناه: هذا الحديثُ من جوامع الأحاديث القدسيّة، ويُمكنُ تلخيصه إلى ثلاثة
أقسام: القسم الأول: أسبابُ البعثة المحمدية. القسم الثاني: أحداث البعثة
المحمدية. القسم الثالث: نتائج البعثة المحمدية. وهو في كلّ ذلك يتحدَّث عن
أهمِّ ما يتعلَّق بكل قسم.
أما القسم الأول: فأسبابُ البعثة المحمدية: إنقاذُ الناسِ من أيدي الشياطين
الذين اختَطَفوا قلوبَ الناس وعقائدهم، وأَمَالوها عن فِطرتها الحنّيفيَّة، فَأَحْدَثَت فيهم
الجَنَف بعد الحَنَف.
قال العلامة الراغب الأصفهاني رحمه الله في ((مفرداته)) ص ١٣٣: ((الحَنَف:
هو ميلٌ عن الضلال إلى الاستقامة، والجَنَف: ميلٌ عن الاستقامة إلى الضلال)).

١١١
كلُّ مالٍ نَحَلْتُه عبداً حلالٌ، وإني خَلَقْتُ عبادي حُنَفَاءَ كلَّهم،
وإنهم أتتهم الشياطين فاجْتَالَتْهم عن دينهم، وحرَّمَتْ عليهم ما أحللتُ
لهم، وأُمَرَتْهم أن يُشْرِكوا بي ما لم أُنْزِلْ به سلطاناً.
. وإن الله عز وجل خَلَق العباد على الحنيفية مستقيمين، فجاءت الشياطين
فأمالوهم عن الحنيفية إلى الضلال، وهذا هو الجَنَّف، إلى أنْ تمكَّن الميلُ فيهم
فانحرفوا تماماً، واتخذوا أرباباً غيرَ رب العالمين.
واستمرَّ الانحراف في معتقدات الناس بتسويل من الشياطين إلى أنْ دخل ذلك
في معتقداتهم الدينية - فاتخذوا أرباباً غير الله - وفي تصرفاتهم المالية - وغيرها -
فحرَّموا ما أحلّ الله. وذلك أن الله تعالى أباح لعباده التملك عن الطريق المشروعة
فجاءت الشياطينُ وأمرتْهم أن يحرِّموا السائبة والبحيرة والوَصِيلة والحامي(١) وغيرَ
ذلك.
ولهذا افتتح الحديثَ بقوله: ((كلُّ مالٍ نَحَلْتُه عبداً حلال)»: أي: إن أصل ما
ملِّكْتُه عبادي وأعطيتُهم إياه: حلالٌ خالصٌ لهم، ليس فيه حرام، ولا حرَّمتُ عليهم
ما أعطيتُهم، إنما حرَّموا على أنفسهم ما حرَّموه بتأثير الشياطين عليهم.
وإنما افتتح الحديث بهذه الجملة: تمهيداً لبيان مدى ما أثّرت عليهم
الشیاطین.
وقولُه تعالى: ((وأُمَرَتْهم أن يُشرِكوا بي ما لم أُنْزِّل به سلطاناً»: فيه توبيخ
وتقريع للمشركين، وبيانٌ لسُخْف عقولهم، إذْ كيف يعتقدون شيئاً ليس فيه حجةٌ
باهرة قاطعةٌ مُلزِمةٌ باعتقادِ ما فيها، كما يُلزِمِ السلطانُ رعيته باتباع أوامره؟ .
لأن قوله ((سلطاناً)): معناه: حجةٌ وبرهاناً. وما وجهُ تسمية الحجة بالسلطان؟
١ - السائبة: هي الناقة التي وَلَدتْ عشر إناث متتابعةٌ، فلا تُركب حينئذ وتُترك مسيّة، فما وَلَدت
بعد ذلك إنْ كان أنثى شقوا أذنها وسُيِّبت أيضاً وسُميت بَحيرة. والوَصيلة: الشاة إذا وَلَدتْ ستة
أبطن كل بطن شاتان شاتان، فإذا وَلَدت في السابعة ذكراً وأنثى قالوا: وَصَلت أخاها، فأَحَلُّوا
لبنها للرجال فقط. كما في ((النهاية)) ١: ١٠٠، ٥: ١٩٢. والحامي: هو الفحل من الإبل إذا
ضَرَب عشرة أُبطن يُحمى ظهره فلا يُركب. كما في ((المفردات)) للراغب ص ١٣٣ .

١١٢
وإن الله نَظَر إلى أهلِ الأرضِ فَمَقَتَهم: عَرَبَهم وعَجَمَهم إلا بَقَايا
وجه ذلك: أن الحجةَ تكونُ ملزمة لسامعها بالانصياع إليها واتِّباع مقتضاها ومدلولها،
فإذا كانت الحجةُ بهذه القوةِ الملزمةِ، سمِّيت سلطاناً، كما أن السلطان يتَّصف
بصفة السلطةِ الملزِمةِ للرعية بتنفيذ أوامره واتّباعها كما يريد.
فالله تعالى يَعيب على المشركين عقولَهم السخيفة التي تَقْبل الانصياع والاتباع
العقائدَ غيرِ ملزِمة، وإذا كانت غيرَ ملزِمة فهي غيرُ قوية الحجيّة، والعاقلُ لا يكون
کذلك.
وفي هذه القول الإِلَهي «وأَمَرَنْهم أن يشركوا ... )): دليلٌ ضمنيٍّ على أن
عقائد الإِسلام كلَّها مبنيةٌ على (سلطان) من الأدلة والبراهين الملزمة للإنسان أن
يَتَّبِعها ويَنقادَ إليها، فإنه تعالى لا يُنْزِّل إلا ما به سلطان.
ولما تمَّ هذا الانحرافُ البشريُّ عن الحنيفيَّة السمحة، بوساوس الشياطين،
وبسخافة العقول، حلَّ سَخط الله الجبّار على هؤلاء المشركين فمقْتَّهم وأبغَضَهم
أشدَّ البغض، ولم يَنْجُ من سَخَطه تعالى إلا قليل جداً ممن تمسَّك بالكتاب الذي كان
بين يديه .
فهذا هو واقعُ الناس في تلك الفترة، وخلاصتهُ: إشراكٌ وكفر بالله، واتّباع
للشيطان، وزيغٌ في العقائد، وانحرافٌ في المفاهيم، حتى دخل في تصرُّفاتهم
المالية ومع حيواناتهم وبهائمهم، ومَقْتُ إلَهي وسُخْط ربَّاني ...
وهاهنا تقتضي الحكمةُ الإِلَهية إنقاذ البشريةِ المنحرفةِ الضالةِ الممقوتة،
إنقاذَها بنورٍ ربَّاني، ورحمة إلَهية - مع هذا المقْت والسخط - لأن رحمة الله عز وجل
تغلِب غضبَه وتَسْبِقُه.
وهنا يجيء الحديث عن القسم الثاني.
أرسل الله تعالى محمداً صلوات الله وسلامه عليه رحمةً لأولئك الناس ومَن
بعدهم إلى يوم الدين، لينقِذَهم من مقت الله وغضبه، ويصحِّح لهم عقائدهم
وأفهامهم، ويبصِّرهم الطريق القويم في معاملاتهم وتصرُّفاتهم، وينهَضَ بهم من
وَهْدة الفكرِ السخيف إلى العقل السليم ....

١١٣
من أهل الكتاب، وقال: إنما بَعَثْتَك لَأَبْتَلِيَك وأَبتليَ بك، وأنزلتُ عليك
كتاباً لا يَغسِلُه الماءِ، تَقْرَؤِ نائماً ويقظانَ.
كلُّ ذلك مبنيٌّ ومتصلٌّ بقانونٍ سماوي وكتاب رباني، وتشريعٍ خالد دائم
ثابت، ليس كتلك الأديان والتشريعات السابقة، إذْ كانت محلاً للتبديل والتحريف،
والتأقيت والنسخ.
وذلك في قوله ((إنما بعثُك لأبتليَكَ وأبتلي بك)).
والابتلاءُ والفتنةُ والامتحان والاختبار كلماتٌ كلُّها ذات مدلول واحد هنا.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى ١٧: ١٩٨: ((معناه: لأمتحنّك بما يَظْهر
منك من قيامك بما أمرتُك به: من تبليغ الرسالة وغير ذلك، والجهادِ في الله حقّ
جهاده، والصبرِ في الله تعالى وغير ذلك. وأبتلي بك مَنْ أرسلتُك إليهم، فمنهم من
يُظهِر إيمانه ويُخْلص في طاعاته، ومن يتخلَّف ويتأَبِّد بالعداوة والكفر، ومن يُنافق.
((والمراد: أنه يمتحنُه ليصيرَ ذلك واقعاً بارزاً، فإن الله تعالى إنما يُعاقِب العباد
على ما وقع منهم، لا على ما يَعلَمِه قبل وقوعه، وإلا فهو سبحانه عالمٌ بجميع
الأشياء قبل وقوعها. وهذا نحو قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنّكم حتى نَعْلَمَ المجاهدين منكم
والصابرين﴾ أي: نعلَمَهم فاعلين متّصفين به)).
ولقد أيَّد الله تعالى نبيَّهِ ﴿ بكتابٍ من لَدُنْه، فيه تشريعٌ خالدٌ مؤيّد، وهذا
معنى قوله ((وأنزلتُ عليه كتاباً لا يَغْسِله الماء)) إذ المراد بقوله «لا يغسله الماء)»: ثَبَاتُه
ودوامُه، وحفظُه واستمراره، وليس المرادُ أنك إذا كتبتَ كلماتِه على لوح - مثلاً - لا
يُمْحی بالماء لو غسلته به.
بل المراد كما قلتُ: أن هذا الكتاب يختلف عن الكتب السماوية السابقة
عليه، فهذا محفوظ بحفظ الله: ﴿إنا نحن نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنا له لَحافظون﴾ فلا يُذْهَبُ
به، ولا يغيِّر ولا يُبدَّل ولا يُزاد فيه ولا يُنْقَصُ منه. على خلاف ما حَصَل لتلك
الكتب، فإنهم استُحْفِظُوا عليها، أي: وُكِلَ إليهم حفظها.
وهذا دائم لا يُنْسَخ ولا يُغَيِّر حكمه، على خلاف ما حَصَل لتلك الكتب، فإن
تشريعها مؤقت.

١١٤
وإن الله أمرني أن أُحَرِّق قريشاً، فقلت: رب إذاً يَثْلَغُوا رأسِي،
فَيَدَعوهِ خُبزةً! قال: اسْتَخْرِجْهم كما استخرجوك، واغْزُهُمْ تُغْزِكَ،
ثم إن من مزايا هذا الكتاب العظيم الذي أيَّد الله به سيدنا محمداً وصل: أنه
كتاب ميسَّر للحفظ والفهم والعمل به. وهذا معنى قوله ((تقرؤُه نائماً ويقظانَ))، وكما
قال جل شأنه: ﴿ولقد يَسَّرنا القرآنَ للذُّكْرِ فهلْ مِن مُذَكِّرٌ﴾.
على خلافٍ واقع الكتب الأخرى وأصحابها، فإنه لا يُعرفُ عن واحد منهم
أنه حفظ التوراةً أو الإِنجيل أو الزبور كما أنزلت من الله سبحانه.
وبعد أن أيَّد الله سبحانه نبيّنا عليه أفضل الصلاة والسلام بالقرآن العظيم أَمَره
بدعوةِ قريش إلى اتباعه ونّبْذِ ما كانوا عليه من قبلُ، وفي دعوتهم هذه هلاكُهم إنْ لم
يستجيبوا له، ولذلك عبّر عن ذلك بالإِحراق المستلزِم للهلاك(١)، وفي قريشٍ عُتَّاة
طُغَاة، فلذلك قال رَّ: ((ربِّ إذاً يَثْلَغوا رأسي)) وتعبيره بـ((إذاً)) بيانٌ لنتيجة حتمية
عنده مَ﴿، لعلمه بما جُبلتْ عليه نفوسُ قریش.
قال في ((النهاية)) ١: ٢٢٠: (الثَّلْغ: الشَّدْخ)) ثم فسَّر الشدْخ في ٢: ٤٥١
فقال: ((الشَّدْخ: كسر الشيء الأجْوف)). وهذا غايةُ الشَّجِّ، لذلك شبَّهه بالخُبزة
المنكسرة المنقسمة.
إلا أن الله عز وجل أعلَمه بأن العاقبةَ له، بما أعَّد له من الإِمدادات الإِلَهية
التي لا يقوم لها بشر.
أَعلمه بأن العاقبة له، وذلك في قوله تعالى له: ((استخرجْهم كما استخرجوك))
من مكة، وكيف لا، ومن سنة الله في خلقه أن العاقبة الحسنةً دائماً وأبدا للمتقين؟.
وأعلَمه بما أعدَّ له من إمدادات إلَهيَّة: ((أُغْزُهم تُغْزِك)) أي: نكنْ عوناً لك على
غزوهم، ﴿فَلَمْ تَقْتُلوهم ولكنَّ اللهَ قَتَلَهم، وما رَمَّيْتََ إذْ رميتَ ولكنَّ الله رَمَى﴾
﴿ سأَلْقِي في قلوبِ الذين كَفَّروا الرعبَ﴾ ﴿وما يَعْلُمُ جُنودَ ربَّك إلا هو) ....
١ - ذَكَر الحديثَ في ((النهاية)) ١: ٣٧١ وفسّره بالهلاك.

١١٥
وأَنْفِقْ فَسَنْفِقَ عليك، وابعثْ جيشاً نَبْعَثْ خمسةً مثلَه، وقاتِلْ بمنْ
أطاعك مَنْ عصاك.
وهذه الإِمداداتُ مضاعفةٌ بالنظر إلى ما يكونُ من قوة مادية يُعِدُّها رسول
اللّه ◌َ﴿ لمقاتلتهم: ((ابْعَثْ جيشاً نبعثْ خمسةً مثلَه)).
وَرَسم له وَ منهجاً: ((قاتِلْ بمن أطاعك مَن عصاك)) ففي ذلك فائدة لك
ولهم، فإن هذا المنهج برهانٌ صادقٌ على صدق إسلام من أطاعك، إذْ لا تُبذَل
الروح العزيزة إلا في سبيل ما هو أعزّ منها.
وأما قوله تعالى: ((وأَنفِقْ فسنتفقَ عليك)): فقد ورد حديثاً قدسياً جملةً مستقلّة
عند البخاري أول كتاب النفقات ٩: ٤٩٧ ولفظه: ((قال الله: يا ابن آدم أَنْفِقْ أُنْفِقْ
عليك)).
وورد جملة قدسية أول حديث نبوي، وقد تقدم برقم ١٠.
ووردت هذه الجملةُ هنا في حديث عياض الذي نشرِحه، وهي أمرٌ بالإِنفاق
عامةً دون تحديد جهةٍ مُنْفَقِ عليها، أو سببٍ يكون الإِنفاقُ من أجله، وقد تقدم
شرحها على هذا النحو العام، لكن جاءت رواية الإِمام أحمد ٤: ١٦٢ تحدِّد جهةً
مُنْفَقاً عليها، ولفظ الحديث عنده: ((وأنفقْ عليهم فسننفقَ عليك)).
فَيَحتمِل المعنى حينئذ أن يكون أمراً بالإِنفاق على الجيوش الغازية معٍ
النبي ◌َّه، ويحتمل أن يكون أمراً بالإنفاق على أولئك المعاندين، ليكونَ تألَّفاً
لقلوبهم. أو أن يجمع بين الاحتمالين، وهو الأولى. والله أعلم.
ويلاحظُ من التأمُّل في الأمر بالمقاتلة والإِنفاق: أن الله تعالى جَمَع بين
الجهادين: الجهاد ببذل النفس، والجهاد ببذل المال، كما قال الله تعالى في وصف
المؤمنين الصادقين: ﴿إنما المؤمنونَ الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يَرْتابوا،
وجَاهَدُوا بأموالهم وأنفسِهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون ﴾.
وخلاصةُ الحديث عن أحداث البعثة المحمدية: بيانٌ للمقصود من بعثة
النبيِ وَّهَ، وهو امتحانُه وامتحانُ أمته: ((لَأَبْتَليك وأبتلي بك)).
- تأييدُه بالقرآنِ العظيم والشريعةِ الخالدة المؤيّدة.
- دعوةُ قريشٍ إلى الله تعالى مع الوعد بالإِمدادات الإِلَهية.

١١٦
قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطانٍ مُقْسِطٌ متصدِّق موفَّق؛
- تقديمُ الأرواحِ والأموالِ في سبيل الدعوة إلى الله.
أما الحديثُ عن نتائج هذه البعثة النورانية: ففي الحديثِ عن أوصاف أتباعها
ومآلهم، وعن أوصافِ مخالفيها ومعانديها ومصيرهم.
(وأهلُ الجنة ثلاثةٌ)) ومعلومٌ أن الجنة ((أُعِدَّت للمتقين)) وهم أتباع الرسل
عامة، وأتباعُ هذا النبيِ وَّ خاصةً.
ثم قال ((وأهلُ النار خمسةٌ))، ومعلوم أن النار ((أُعِدَّت للكافرين)) وهم أعداءُ
الرسلِ عامةً، وهذا النبيِّ وَِّ خاصةً.
والأصناف الثلاثة :
أولُهم ((ذو سُلطانٍ، مُقْسِطٌ، متصدِّقٌ، موفَّقٌ)).
فأولُ وصفٍ للصنف الأول: أنه حاكمٌ سلطانٌ، ولَّه الله عز وجل أمر الرعية،
وجَعَله خليفةً عنه في تنفيذ أحكامه فيهم أمراً ونهياً، فاستجاب لذلك، وهذا هو:
الوصف الثاني له: ((مُقْسِطٌ)) أي: عادلٌ، ولا يتحقَّق العدل إلا بالحكم بما
أنزل الله .
والوصف الثالث له: أنه ((متصدق)): لا يَستأثر على رعيته بالدنيا التي تأتيه،
بل لا يَدَّخِرُ وُسْعاً في التوسعة عليهم والعطاء والإِنفاق.
والوصف الرابع له - وهو الوصفُ المجمِّل لما تقدم - أنه رجل ((موفّق))
للخيرات، ولتحبيب شريعة الله إلى قلوب الناس، وذلك بتطبيقها تطبيقاً حكيماً، لا
بتطبيقها تطبيقاً منقِّراً منها. و((موفّق)) مسدّد في أحكامه وأقضيته بين الناس، وكلِّ ما
هنالك، مما يَعرِض لمن يقومُ هذا المقام، فهي كلمةٌ عامة تدلّ على أنه إنسان يُسِّر
للخير ويُسِّر له الخير.
والحقُّ أن هاتين الصفتين ((متصدَّق، موفّق)): صفتان زائدتان على مقتضى
الصفتين الأوليين: ((ذو سلطان مقسط))، فهما زائدتان مجمِّلتان محيِّتان فيه.
فإذا كان ((الإِمام العادل)) هو أولَ مذكور في ((السبعة الذين يُظِلُّهم الله في ظِلَّه

١١٧
ورجلٌ رحيمٌ رقيق القلب لكلِّ ذي قُرْبى ومسلم ؛ وعفيفٌ متعفِّفٌ ذو
عیالٍ.
يومَ لا ظِلَّ إلا ظلُّه، فكيف بمن كان إماماً عادلاً مِعْطَاءٌ موقَّقاً في كل أموره
للخيرات؟
- والصنف الثاني من أهل الجنة: ((رجلٌ رحيم رقيقُ القلبِ لكلِّ ذي قُربی
ومسلم).
والرحمة صفةٌ تَحمِل صاحبها على إرادة كلِّ خير للعباد، فإنْ قَدَر على تنفيذه
وتحصيله لهم فَعَله، وإلَّ أراده لهم بقلبه ودعا لهم به، ويَنطبق عليه قوله {َّ:
((الخلقُ كلُّهم عيالُ الله، وأحبُّهم إلى الله أنفعُهم لعياله))(١). وهذه خَصلةٌ من أعظم
خصال الإِيمان، وما أحوجَ المسلمين اليومَ إليها !.
وأما ((رقيق القلب لكل .. )): فهذه هي صفةُ الصدِّيقين. قالت السيدةُ عائشة
رضي الله عنها لرسول الله ﴿﴿ لما قال وهو في مرض وفاته: ((مُرُوا أبا بكرٍ فليصلِّ
بالناس)) فقالت له السيدة عائشة: ((إنه رجلٌ رقيقٌ، إذا قام مَقَامك لم يَسْتَطع أن
يُصلِّي بالناس)). قال ابن الأثير في ((النهاية)) ٢: ٢٥٢: ((أي: هَيِّنَ لَيِّنْ)).
فيكون المعنى: رجلٌ رحيمٌ يُحِبُّ كلَّ خير للناس، وهو هيِّنُ الجانب، لِيِّنُ
الخُلُقِ، حَسَنُ العِشْرةِ مع الناس عامةً قربِهم وبعيدِهم ما دام مسلماً. وما أعظمَ
ذلك ! .
والصنفُ الثالثُ من أهل الجنة: ((عفيفٌ متعقّفٌ ذو عيالٍ)) أَبيّ كريم النّفْس
متجمِّلٌ في مظهره، متحمِّل لمرارة الصبر على الفقر مع الحاجة والخَصّاصة:
وإذا تُصِبْكَ خَصَاصةٌ فتحمَّلِ
أو: فَتَجَمَّلِ . ومما يزيدُ صبرَه مرارةً أنه ذو عيالٍ، فالإِنسانُ قد يَصبِر فيما بينه
وبين نفسه، ويتصَبَّر، ويُصبِّر نفسه، ويصابرُها، أما العيالُ فلا يصبرون، ولئن
صَبَرت الزوجة فالأولاد الناشئون المراهقون لا يَصبرون، والأطفال الصغار لا
يُدرِكون ما بأبيهم فيطلُبون ويُطالبون، ومع ذلك فهو صابر في نفسه مصابرٌ لعياله،
متجَمِّل متعفِّف. فهو من أهل الجنة.
١ - حسَّنه بعضهم لكثرة طرقه وشواهده العامة. وانظر التعليق على صفحة ٣٤١.

١١٨
قال: وأهلُ النار خمسةٌ: الضعيف الذي لا زَبْرَ له، الذين هم
فيكم تَّبَعاً، لا يبتغون أهلاً ولا مالاً؛ والخائنُ الذي لا يَخفَى له طمعٌ وإنْ
دَقَّ إلا خانه؛ ورجلٌ لا يُصْبحُ ولا يمسي إلا وهو يُخَادِعُك عن أهلِك
ومالك.
ولا ريبَ أن كلِّ هذه الصفات مقرونة بالإِيمان.
وأما أهل النار المشاقُّون لله ورسوله فخمسة أصناف:
أولهم: ((الضعيف الذي لا زَبْر له)) أي: لا رادعَ له يَحجزه، وذلك هو العقل
السليم الذي يبصِّر صاحبَه بالأمور، إنما فيه العقلُ التكليفي، أما العقلُ الذي
(يَعقِله) ويردّعه عن التبعيَّة لكل ناعق: فلا، ولشدةٍ ضعفه العقليِّ، وتمكّن التبعية
فيه وصفه الله تعالى: ((لا يبتغون أهلاً ولا مالًاً)) إلا التبعيَّة والإِمَّعة للآخرين.
ثانيهم: ((الخائن)) والخيانة لا تَقْتَصر على خيانة الأمانة والمال، بل تشملُها
وتشملُ نقض العهد والذمة، ولذلك كان وزرها عند الله عظيماً، وجاء فيها الوعيد
الشديد، قال ◌َّه: ((يُطْبَع المؤمن على كلِّ شيء إلا الخيانةَ والكذبَ))(١).
وهي هنا شاملةٌ للمعنى العام، لأنه ((الذي لا يَخْفَى له طمع وإنْ دقَّ إلا خانه))
فقوله: ((لا يخفى)) أي لا يظهر. قال الإمام النووي رحمه الله ١٧: ١٩٩: ((معنى لا
يخفى: لا يظهر، قال أهل اللغة: يقال: خَفَيْتُ الشيء: إذا أظهرتَه، وأخفيتُه: إذا
سترته وکتمته)).
فالمعنى: الخائن الذي لا يَظهر له مطمع وإن كان قليلاً دقيقاً إلا خانه.
وقوله ((طمع)): أي مَطْمَع، وهو الأمر الذي يكون محلاً للطمع. وهذا المطمع
قد يكون مادياً يُوْصَل إليه مباشرةً، كاختلاس مال وخيانة أمانة، وقد لا يُوصَل إليه
مباشرة إلا بخيانة أخلاقية كنقض عهدٍ وكذب، فيكون قد جمع الرذيلتين.
ثالثهم: ((رجل لا يُصبح ولا يُمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك))
١ - قال الهيثمي في ((المجمع)) ١: ٩٢: ((رواه البزار وأبو يعلى - عن سعد بن أبي وقاص - ورجاله
رجال الصحيح)) لكن انظر ((الترغيب)) للمنذري ٣: ٥٩٥ و((الفتح)) ١٠: ٥٠٨، ورواه أحمد
٥: ٢٦٢ عن أبي أمامة منقطعاً، ورواه الطبراني في الكبير موقوفاً على ابن مسعود ورجاله
ثقات، كما قال الهيثمي .

١١٩
وذكَّر البخلَ - أو الكذبَ -
فالمخادعة صفة لازمة متمكِّنة في كلِّ حركة وسكنة منه، وفي كل مجال: في الأهل
والعرض والنساء، وفي المال. والخداعُ في النار، وأهلُه في النار، وقد روى ابن
حبان ٧: ٤٣٤ - من طبعة الحوت - عن النبي ◌ِّير: ((المكر والخداع في النار)).
فكيف بمن تمكَّنتْ هذه الصفة الذميمة في تصرُّفاته كلّ هذا التمكن؟! نعوذ بالله.
رابعهم: ((البخل، أو الكذب)). أي المتَّصِف بإحدى هاتين الصفتين: البخيل
أو الكذاب. أما الكذب: فقد تقدَّم قبل أسطر قوله عليه الصلاة والسلام: ((يُطْبَع
المؤمنُ على كل شيء إلا الخيانة والكذب)) وهو بابُ المآثم، كما يُفيده قوله وَل
فيما رواه البخاري عن ابن مسعود عن النبي ◌َّه: ((إن الصدقَ يَهدي إلى البرِّ، وإن
البرُّ يهدي إلى الجنة، وإن الرجلَ لَيَصْدُق حتى يُكتبَ صدِّيقاً، وإن الكذب يهدي
إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذِب حتى يُكْتَب كذاباً»
رواه البخاري ١٠ : ٥٠٧، ومسلم ١٦ : ١٥٩.
فتأمَّلْ قوله وََّ ((يهدي إلى الفجور)): أي يدلُّ ويُوصلُ إلى كلِّ فسق ومعصية.
وتذكَّرْ قصة كعب بن مالك رضي الله عنه وحديثَ توبته وتوبةِ الله عز وجل
عليه، لكونه صَدَق الحديث مع رسول الله وَلات .
وقد رأى النبي ◌ََّ مناماً فيه بيانُ عذاب الكذاب في عالم البرزخ، فأخبرنا
به، ورؤيا الأنبياء جميعهم من الوحي الإِلَهي.
روى البخاري في صحيحه في آخر كتاب التعبير ١٢: ٤٣٨ عن سَمُرةً بن
جُنْدُب رضي الله عنه قال: كان رسول الله وَلَمْ يُكْثر أن يقول لأصحابه: ((هل رأى
أحدٌ منكم من رؤيا؟)) وإنه قال لنا ذات غَدَاة - أي: صباحاً -: ((إنه أتاني الليلةَ
آتيان، وإنهما ابْتَعَثَاني، وإنهما قالا لي: انطلقٌ، وإني انطلقتُ معهما ... فأتينا
على رجل مُستلقٍ لِقَفَّاه، وإذا آخَرُ قائمٌ عليه بكُلُّوب من حديد، وإذا هو يأتي أحدَ
شِقَّيْ وجهه، فَيُشَرْشِرُ - أي يُشِقُّقُ ويَقْطَع - شِدْقه إلى قفاه، ومَنْخِرَه إلى قفاه، وعينَه
إلى قفاه، ثم يتحوَّلُ إلى الجانب الآخر - أي الشُّدق الثاني - فيفعل به مثلَ ما فعل
بالجانب الأول، فما يَفْرُغ من ذلك الجانب حتى يَصحَّ ذلك الجانبُ كما كان، ثم
يعودُ عليه فيفعلُ مثل ما فَعَل في المرة الأولى.

١٢٠
((قال: قلت: سبحان الله! ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق .... )).
ثم قال لهما عليه الصلاة والسلام في آخر الرؤيا: ((إني قد رأيتُ منذ الليلةِ
عَجَباً، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أَمَا إنا سنُخْبِركِ .... وأما الرجلُ الذي
أتيتَ عليه يُشَرْشَرُ شِدْقه إلى قفاه، ومَنْخِرهُ إلى قفاه، وعينُه إلى قفاه: فإنه الرجل
يُغُدو من بيته فيكذبُ الكِذْبةَ تبلغُ الآفاق)».
وفي رواية البخاري في كتاب الجنائز ٣: ٢٥١ زيادة: ((يُصنعُ به ما رأيتَ إلى
يوم القيامة)).
وقد صحَّ عن سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه قوله: ((الكذب يُجانب
الإيمان))(١).
والنصوصُ في هذا الصددِ كثيرة.
وأما البخلُ: فكذلك جاء عن سيدنا رسول الله ﴿ أحاديثُ كثيرةٌ في ذمِّه،
ومنها: حديث الترمذي ٦: ١٩٢ (١٩٦٤) عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن
النبي ◌َ﴿ أنه قال: ((لا يدخلُ الجنةَ خَبٌّ، ولاَ مَنَّان، ولا بخيلٌ)). والخَبُّ: هو
الخذَّاع الذي يُفْسِد فيما بين الناس.
وروى الطبراني في ((الكبير)) ١٢: ١٤٧ (١٢٧٢٣) و((الأوسط)) عن ابن عباس
رضي الله عنهما، عن رسول الله وَله: «خلق الله جنة عدنٍ بيده، ودَلَّى فيها ثمارها،
وشقَّ فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال لها: تكلَّمي، فقالت: ((قد أفلح المؤمنون))
فقال: وعزَّتِي وجَلَالِي لَا يُجَاورُني فيكِ بخيلٌ))(٢).
وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يُبغضُ البخيل !.
فروى ابن حبان في «صحيحه)) ٥: ١٤٥ (٣٣٣٨) من طبعة الحوت، عن أبي ذر
رضي الله عنه، عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((ثلاثةٌ يُحبُّهم الله، وثلاثةً يُبْغِضُهم الله))
-
١ - ((الترغيب)) ٣: ٥٩٥، و((الفتح)) ١٠ : ٥٠٨.
٢ - قال المنذري ٣: ٣٨١ والهيثمي ١٠: ٣٩٧ عن أحد إسنادي الطبراني في الأوسط: جيد.