النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
بناءً، والأرض مهاداً، والكواكب زينةٌ، والجبالِ أوتاداً ... كلُّ هذا يَنْسُبه إلى
نفسه، أما الأعمالُ التكليفية: فينسُبها إلى العباد، وما من أسطر قليلة في القرآن
تقرؤها إلا وتجدُ فيها ذلك.
وإن شئتَ فاقرأ الأسطر الأولى من سورة البقرة: ﴿الذين يُؤْمِنونِ بِالغَيْب
ويُقيمون الصلاةَ ومما رَزَقْناهم يُنْفِقون. والذين يُؤْمِنون بما أَنْزِلَ إليك وما أُنْزل من
قبلك، وبالآخِرةِ هم يُوقِنون. أولئك على هدىً من ربِّهم وأولئكَ هُمُ المُفْلِحون﴾.
فنسب إليهم الإِيمان بالغيب، وإقامةً الصلاة، والإِنفاقَ، والإِيمانَ بالكتب
كلِّها، والإِيقانَ بالآخرة.
أما إنزالُ الكتب ﴿ أُنزِل إليك، وما أُنْزِل ... ﴾: فلم يَنْسُبه إليهم، بل هو
من الله وهو معلوم، وإن لم يصرِّح به في الآية.
والذي سوَّغ نسبةً هذه الأعمال إليهم: أنهم ما عمِلوها إلا باختيارهم،
واختيارُهم جزءً من تكوينهم وفِطْرتهم التي كوَّنهم الله بها وفَطَرَهم عليها.
فكما أن الله تعالى جعلك سميعاً بصيراً عاقلاً ... كذلك جعلك مختاراً،
وهذا هو مراد علماء الكلام في قولهم: الجزء الاختياري، أي الاختيار الذي هو
جزء مما خُلِقْتَ عليه، كما قرَّره العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله في
رسالته «الكوكب الساري في حقيقة الجزء الاختياري».
ولتُحْسِنَ الاختيار أكرمك بالعقل، وبما أن العقل البشري ليس كافياً في كل
المجالات، وقد يؤثّر عليه الهوى النفسانيُّ في بعض الحالات، لذلك نَوَّر لك العقل
بالتشريع السماوي، فبيّن لك الحلال والحرامَ، والخير والشر، والعاقبةَ الحسنة
والسيئة ... وكلَّفك.
مع العلم أن اختيارك ليس هو الأولَ والأخير، فوراءَ اختيارك: إرادةُ الله
ومشيئته، وعلمه في خلقه وحكمته، لأنك لست الوحيدَ في الكون، فقد تتعارض
مصلحتك مع مصالح الآخرين، لذلك فإن حكمة الله جل جلاله وعلمه لتسيير
الكون كله على نظام حكيم، تُراعى فيه المصالحُ من خالقها جميعاً. فسبحانه
وتعالى وهو الفعَّال لما یرید.

٨٢
٠٠
على أن عقلاء هذه الأمة وصلحاءها لم يتُّخذوا هذا الكتابَ السابق
- المغيّب ــ ذريعةٌ لتسويغ المنكرات، بل اتَّخذوه وسيلةً للخوف الشديد أن يكونوا
من غير أهل اليمين والنجاة! فلله درُّهم ما أعقلَهم !.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في آخر شرح الحديث الرابع
من (جامع العلوم والحكم)) ص ٥٠: ((وفي الجملة: فالخواتيمُ ميراثُ السوابق(١)،
فكلَّ ذلك سَبَق في الكتاب السابق، ومِن هنا كان يشتدُّ خوفُ السلف من سوء
الخواتيم، ومنهم من كان يَقلَّق من ذكر السوابق. وقد قيل: إن قلوبَ الأبرار معلّقةً
بالخواتيم يقولون: بماذا يُختَّم لنا؟ وقلوبَ المقرّبين - وهم أعلى من الأبرار - معلّقة
بالسوابق يقولون: ماذا سَبَق لنا؟ .
ويكى بعضُ الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك؟ فقال: سمعت رسول
الله ◌َ يقول: ((إن الله تعالى قبضَ خَلْقَه قبضتين فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء
في النار)) ولا أدري في أي القبضتين كنت(٢)؟.
((وقال بعض السلف: ما أبكى العيونَ ما أبكاها الكتابُ السابق. وقال سفيان
- الثوري - لبعض الصالحين: هل أبكاك قطَّ علم الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل:
تَرَكني لا أفرح أبداً. وكان سفيان يشتدُّ قلقُه من السوابق والخواتيم، فكان يبكي
ويقول: أخافُ أن أكونَ في أم الكتاب شقياً، ويبكي ويقول: أخاف أن أُسلَبَ
الإِيمانَ عند الموت.
((وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضاً على لحيته ويقول: يا رب قد
علمتَ ساكنَ الجنة من ساكن النار، ففي أيِّ الدارَيْن منزلُ مالكٍ؟)) إلى آخر كلامه
النفيس الرقيق رحمه الله تعالى.
١ - يريد: خاتمة الإنسان بالوفاة على الإيمان، أو غير ذلك - والعياذ بالله - نتيجة لما سبق له في
علم الله وقدره.
٢ - هذه رواية بالمعنى والاختصار، وأصل الحديث في ((المسند)) ٥: ٦٨، قال الهيثمي ٧: ١٨٦ :
((رجاله رجال الصحيح)). ومثل هذه القصة ما حصل لمعاذ بن جبل حین احتضر: بکی وروى
مثل هذا الحديث. ذكره الهيثمي ٧: ١٨٧ وعزاه إلى الطبراني وضعفه.

٨٣
١٤ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه، يرفعه: ((إن الله عزَّ وجلَّ
يقول لأهونِ أهل النار عذاباً: لو أن لك ما في الأرض من شيءٍ، كنتَ
تَفْتَدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سَأَلتُك ما هو أهونُ من ذلك وأنت في
صُلب آدمَ: أنْ لا تُشْرِك بي، فَأَبْتَ إلا الشركَ)).
١٤ - تخريجه: رواه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء - باب خلق آدم وذريته
٦: ٣٦٣ (٣٣٣٤)، وفي كتاب الرقاق - باب صفة الجنة والنار ١١: ٤١٦
(٦٥٥٧). ورواه مسلم: كتاب صفات المنافقين - باب طلب الكافر الفداء: ٤:
٢١٦٠ (٥١) وشرح النووي ١٧ : ١٤٧.
غريبه: ((يرفعهُ)): قال في ((فتح الباري)) ٦: ٣٦٩: ((هي لفظةٌ يستعمِلُها
المحدثون في موضع: قال رسول الله پچ، ونحو ذلك)). لكنه لم یذکر هنا أسباب
عدولهم عن هذه الصيغة الصريحة إلى هذه الكلمة المحتملة، وبيَّن في ((النكت
على ابن الصلاح)) ٢: ٥٣٧ أسباب ذلك، وخلاصتها:
١ - شكُّ الراوي في الصيغة التي سمعها من شيخه - الصحابيِّ فمن دونه -:
هل هي: قال رسول الله وَّه، أو: سمعتُ رسول الله وَليه، أو غير ذلك.
٢ - الاختصار. قلت: وهذا - فيما أَرى - حالُ المصنفين في كتبهم.
٣ - شُّ الراوي في ثبوتٍ رفعِ الحديث إلى النبيِ﴾. ويصلُح مثالاً لذلك:
أن يكون الحديث عند هذا الراوي من وجهين فأكثر، بعضُها موقوفٌ، وبعضها
مرفوع، فأورثَ هذا الاختلافُ شكاً في نفس الراوي، فلما رواه من طريق مَنْ رفعه
لم يأتِ بالصيغة الصريحة الجازمة: قال رسول الله وَ﴿، بلْ عَدَل إلى قوله: رَفَعه،
أو يرفعه، أو ينميه، ونحو ذلك.

٨٤
وهناك احتمالٌ رابع: أن يكون من ورع هذا الراوي في الرواية، حيثُ عَلِم
أن في الرواية بالمعنى خلافاً، فجاء بهذه العبارة - ((يرفعه)) - ليخرجَ من الخلاف،
فلا يجزمَ في موضع الخلاف. والله أعلم.
معناه: أورد الإِمام البخاريُّ رحمه الله تعالى هذا الحديثَ تحت باب خَلْق
آدم وذريَّته، إشارةً منه إلى الربْط بين قوله في الحديث هنا ((وأنت في صلب آدم))
وقوله تعالى: ﴿وإذْ أَخَذَ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذُرِّيَّتهم وأَشْهَدَهُم على
أَنْفُسهم: ألستُ بربِّكم؟ قالوا: بلى﴾ وهذا ما يُسمَّى على لسان بعض أهل العلم
بعالم الذَّرِّ. وارجع إلى الحديث السابق برقم ١٣ .
قال في ((الفتحِ)) ١١: ٤٠٣: ((قال عياض: فهذا الميثاقُ الذي أُخِذ عليهم في
صلب آدم، فمن وفّى به بعد وجوده في الدنيا فهو مؤمن، ومَن لم يُوَفِّ به فهو
الكافر. فمراد الحديث: أردتُ منك حين أُخذتُ الميثاقَ فأبيتَ إذْ أخرجتُك إلى
الدنيا إلا الشرك)).
والإِرادةُ هنا: إرادةُ تكليفٍ لا إرادةُ تكوين، فإرادةُ التكليف قد تتخلّف، أي:
لا تُوجَد، بمعنى أن العبدَ المكلَّفَ يتقاعس عن تنفيذ أمر الله تعالى وتكليفه
الشرعي .
أما إرادةُ التكوين: فهذه لا تتخلَّف أبداً، وهي المرادةُ بقوله عز وجل: ﴿إنما
أَمْرُنا لشيءٍ إذا أَرَدْناه أن نقولَ له: كنْ، فیکون ﴾.
إلا أن هذا الكافر قد فَرَط أمره، ولاتَ حينَ مَنَاصٍ ولا مَنْدَم، فلا حَسْرَةً
تَنفعه، ولا اقْتداءَ يُنقذه، وقد أَعذر الله إليه فيما عَمَّره من عُمُرُ: ﴿والذين كَفَروا لهم
نارُ جَهِنَّم، لا يُقْضَى عليهم فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عنهم من عذابها، كذلك نَجْزىٍ كلِّ
كَفُور. وهم يَصْطَرِخون فيها: ربَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالحاً غيرَ الذي كُنَّا نَعَمَلُ. أَوَ لَمْ
نُعَمِّرْكم ما يَتَذكَّرُ فَيه مَنْ تَذَكَّر، وجَاءَكُمُ النذيرُ، فَذُوقُوا فما للظالمينَ مِنْ نَصِير﴾.
اللهم إنا نعوذ بك من النار وأسبابها.

٨٥
١٥ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ قال: ((خَلَق الله
آدمَ، وطولُه ستُّون ذراعاً، ثم قال: اذهبْ فَسَلَّم على أولئك من
الملائكة، فاستمعْ ما يُحَيُّونك، فإنها تحيَُّك وتحيةُ ذُريتك، فقال:
السلام عليكم، فقالوا: السلامُ عليك ورحمة الله، فزادوه (ورحمة الله)،
١٥ - تخريجه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء - باب خلق آدم ٦: ٣٦٢
(٣٣٢٦) وفي الاستئذان - باب بدء السلام ١١: ٣ (٦٢٢٧). ومسلم في كتاب
الجنة وصفة نعيمها - باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير
٤: ٢١٨٣ (٢٨)، وشرح النووي ١٧ : ١٧٧.
معناه: خلق الله تعالى آدم عليه الصلاة والسلام خلقاً مبْتَدَءاً - لا متسلسِلاً
متطوِّراً - كما قال جل شأنه: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسانِ مِن طِينٍ﴾ وكان طولُه عليه
السلام ستين ذراعاً في سبعة أذرع عَرْضاً، كما في ((المسند)) ٢: ٥٣٥ من رواية
علي بن زيد بن جُدْعان(١).
قال الحافظ في تقدير الذراع ٦: ٣٦٦: ((يَحتملُ أن يريد بقدرِ ذراع نفسِهِ،
ويَحتمل أن يريدَ بقدر الذراع المتعارَف يومئذ عند المخاطبين، والأولُ أظهر))(٢).
وهل المرادُ أن (السلام عليكم) تحيةُ ذرية آدمَ جميعهم، أو من العام الذي
أريد به الخصوص؟.
١ - وهو ضعيف عند الجمهور، وبعض الأئمة يحسِّن حديثه، كما تجده آخر ((مسند عمر بن عبد
العزيز)) للباغندي بتحقيقي ص ٢٨٦، وفي تعليقاتي على ((الكاشف)) للذهبي رقم الترجمة
٣٩١٦.
٢ - سقطت كلمات من أول هذا النص من الطبعة السلفية التي أنقل عنها، واستدركتها من طبعة
البابي الحلبي ٧: ١٧٥ فلتستدرك.

٨٦
فكلُّ من يدخل الجنة على صورةٍ آدمَ، فلم يَزَل الخَلْقُ ينقُصُ حتى
الآن)).
قال في ((الفتح)) ١١: ٤: ((أخرج البخاري في ((الأدب المفرد)) - ٢: ٤٦٢
(٩٨٨) - وابن ماجه - ١: ٢٧٨ - وصححه ابن خزيمة - ٢: ٢٨٨ بمعناه - من طريق
سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة مرفوعاً: ((ما حَسَدَتَكُم اليهودُ على شيء
ما حَسَدُوكُمْ على السلام والتأمين» وهذا يدلُّ على أنه شُرِع لهذه الأمةِ دونهم» ثم
ساق أدلةً أخرى.
وقولُه وَلِ: ((فكلُّ من يدخل الجنة .. )) هذا من باب الاستئنافِ والإخبار بخبر
جديد، لا التفريع ، أخبرنا أن كلَّ من يدخُل الجنة فهو على طول آدم وعرضه
وحسنه وجماله.
ثم قال :﴿ من باب دفع الإشكال قبلَ إيراده: ((فلم يَزَل الخَلْق ینقُص حتى
الآن)). كأنه قيل: إن النسل يَتَوارث من أصلِه صفاتِه، ومنها: الطولُ، فأين نحن من
ذاك الطول؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((لم يزل الخلق ينقُص .. )).
أما الألوان والأخلاق: فهي متوارَثَةٌ من آدم عليه السلام نفسِه، كما قال ◌َ :
((إن الله تعالى خَلَق آدمَ من قبضةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر
الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسَّهْلُ والحَزْن، والخبيث
والطيب)) رواه أبو داود ٥: ٦٧ (٤٦٩٣) والترمذي أول تفسير البقرة ٨: ١٥٤
(٢٩٥٨) وقال: حسن صحيح.
*

٨٧
١٦ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وخلافه: ((لما
خَلَق الله آدمَ ونَفَخَ فيه الروحِ عَطَسَ فقال: الحمد لله، فَحمِد الله بإذنه،
فقال له ربُّه: رَحِمَك الله يا آدم،
١٦ - تخريجه: رواه الترمذي آخر كتاب التفسير باب [الأمر بالكتابة والشهود]
٨٨:٩ (٣٣٦٥) = ٥: ٤٥٣ (٣٣٦٨) وقال: حديث حسن غريب.
وابن حبان في ((صحيحه)) ٨: ١٤ (٦١٣٤) من طبعة الحوت، عن ابن
خزيمة، عن محمد بن بشار شیخ الترمذي، بمثله، ورواه نحوه الإِمام أحمد ٢: ٢٥٢
عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً، قال الهيثمي ٨: ٢٠٦ ((فيه علي بن زيد
ضعفه الجمهور)). وانظر ما تقدم تعليقاً ص ٨٥.
معناه: ((لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح)) فبلغ الروحُ رأسَه، كما جاء في رواية
ابن حبان: ((موارد الظمآن)) صفحة ٥٠٨ (٢٠٨١)، عَطَس آدم عليه السلام حينئذ،
فألهمه ربه أن يقول: الحمد لله، كما في رواية ابن حبان أيضاً (٢٠٨٠)، ولَفْظُ
حَمْدِه في هذه الرواية الثانية: الحمد لله، وفي الرواية الأولى: الحمد لله رب
العالمين، وكلاهما جائز، وهذا اللفظُ التامُ أولى(١).
وقولُه هنا ((فحمد الله بإذنه)): يحتمل أن يكون معناه: بإلهامه، كما تقدم في
رواية ابن حبان، فشمَّته ربه سبحانه وقال له: ((رحمك الله)).
قال الحافظ في ((الفتح)) ١٠: ٦٠٢: ((قال الحليميُّ: الحكمةُ في مشروعيةٍ
الحمدِ للعاطِس: أن العُطَّاسَ يدِفَع الأذى من الدماغ الذي فيه قوةُ الفِكْر، ومنه منشأَ
الأعصاب التي هي معدِن الحسِّ، وبسلامته تسلَم الأعضاء، فظهر بهذا أنها نعمةٌ
جليلة، فناسب أن تُقابَل بالحمد لله)).
١ - كما قرَّره الحافظ في ((الفتح)) ١٠: ٦٠٠.

٨٨
اذهبْ إلى هؤلاء الملائكة - إلى ملأ منهم جلوسٍ - فقلْ: السلام
عليكم، قالوا: وعليك السلامُ ورحمةُ الله، ثم رَجَعَ إلى ربِّه فقال: هذه
تحیُّك وتحيًِّ بنیك بینھم.
فقال الله له - ويداه مقبوضتان -: اخْتَرْ أيَّهما شِئتَ، قال: اخترتُ
يمينَ ربي - وكِلْتا يَدَيْ ربي يمينٌ مباركة - ثم بَسَطَها فإذا فيها آدمُ وذُرِّيتُه
فقال: أيْ ربِّ ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذُرِّيتُك. فإذا كلُّ إنسانٍ مكتوبٌ
عُمُره بين عينيه، فإذا فيهم رجلٌ أَضْوَؤُهم - أو: من أَضْوَئهم - قال:
يا ربِّ من هذا؟ قال: هذا ابنُك داود، وقد كتبتُ له عُمُر أربعين سنةً،
قال: يا ربِّ زِدْهُ في عُمُرُه، قال: ذاك الذي كُتِب له، قال: أيْ ربِّ فإني
قد جعلتُ له من عُمُري ستينَ سنةً. قال: أنتَ وذاك.
قال: ثم أُسْكِنَ الجنة ما شاء الله، ثم أُهْبِط منها، فكان آدمُ يَعُدُّ
لنفسه. قال: فأتاه مَلَكُ الموت، فقال له آدم: قَد عَجِّلْتَ، قد كُتِب لي
ألفُ سنةٍ! قال: بلى، ولكنك جعلتَ لابنِك داودَ ستين سنةً !.
فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيتُه، ونسيَ فنسيتْ ذريتُه.
وأما مناسبةُ الدعاء للعاطس بالرحمة فَنَقَلَ الحافظ أيضاً قبل قليل ١٠: ٦٠١
عن القاضي ابن العربي قوله: ((إن العاطِسَ ينحلُّ كلَّ عضو في رأسه وما يتصل به
من العُنُق ونحوه، فكأن إذا قيل له: رحمك الله، كان معناه: أعطاه الله رحمةٌ يرجع
بها بذلك العضو إلى حالِهِ قبل العُطاس ويُقيم على حاله من غير تغيير)).
ثم إن الله تعالى قال لآدم: ((اذهبْ إلى هؤلاء الملائكة: إلى ملأ منهم
جلوسٍ، فقل: السلام عليكم))(١) فامتثلَ أمرَ ربِّه، فأجابتْه الملائكة بقولهم:
((وعليك السلام ورحمة الله)) فزادوه وردُّوا عليه بأحسنَ من تحيّته، كما قال تعالى:
﴿ وإذا حُيِّيْتُمْ بتحيةٍ فحيُّوا بأحسنَ منها أَوْ رُدُّوها ﴾.
١ - وغاب عن الحافظ رحمه الله لفظ هذه الرواية فقال في ((الفتح)) ١١: ٤: ((لعل الله ألهمه أيضاً
صفة السلام)» مع أنها صريحة في ذلك.

٨٩
قال: فمِن يومئذٍ أُمِر بالكتاب والشهود)).
ثم خَيِّره الله عز وجل بين قَبْضَتين فاختار اليمنى فإذا فيها آدمُ وذريتُه، وبين
عَيْنَيْ كلّ واحدٍ منهم عُمُره، ((فرأى فيهم رجلًا يَزْهَر)) كما في رواية ابن عباس في
((المسند)» وتقدمت الإشارة إليها في التخريج، فإذا هو داود عليه السلام، فأحبَّه آدم
عليه السلام، وسأل الله تعالى أن يزيدَ في عمره، لأنه استقلَّ ما رآه مكتوباً عليه:
أربعين سنة فقط، ولآدم ألفُ سنة، فقال آدم: ((أيْ ربِّ فإني قد جعلتُ له من
عُمُري ستين سنة)) وذلك بعد أن أشار الله تعالى إليه بذلك فقال له - كما في
(المسند)) ١: ٣٧١ -: ((لا، إلا أنْ تَزِيدَه من عُمُرك)).
فوهبه آدمُ ستين سنةٌ من عُمره، فكان لآدمَ أربعون وتسعُمائةٍ سنة، ولداود مائة
سنة. وفي رواية ((المسند)) المشار إليها: ((فكتب الله عز وجل عليه كتاباً، وأشهد
عليه الملائكة)) ثم كان ما كان، وهذه الزيادة تُظهر مناسبةً قوله آخِر الحديث: ((فمن
يومئذٍ أُمِر بالكتاب والشهود».
والجحود: معناه في الأصل: الإنكار بعد علم، لكنك ترى في الحديث
صراحة أن جحود آدم عليه السلام لم يكن من هذا القبيل، بل كان عن نسيان:
((ونسي فنسيت ذريته)). ومعاذ الله أن يقع ذلك من نبيِّ معصوم.

٩٠
١٧ - عن أبي سعيد الخُدريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول
الله ◌َّ: ((يَجيءُ نوحٌ وأمتُه، فيقول الله تعالى: هل بلِّغتَ؟ فيقول: نعم
١٧ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء - باب ﴿إنا أرسلنا
نوحاً إلى قومه .. ﴾ ٦: ٣٧١ (٣٣٣٩)، وفي تفسير سورة البقرة - باب ﴿وكذلك
جعلناكم أمةٌ وَسَطاً﴾ ٨: ١٧١ (٤٤٨٧) وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب
﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ أيضاً ١٣: ٣١٦ (٧٣٤٩).
معناه: من مشاهد القيامة ومواقفها: إظهارُ الله عز وجل فضيلة محمد ولد،
وفضيلةَ أمةِ محمد رَّةِ، وإقامتُه الحجةَ على الكافرين المنكرين من الأمم الأخرى.
يقول عليه الصلاة والسلام: ((يَجِيءُ نوحٌ وأمتُه .. )) وهذا ذكرٌ لموقفٍ واحد
على سبيلِ المثالِ، لا لأنه موقفٌ واحدٌ لا يتكرَّر، وليس خاصاً بنوح وأمته، لا.
والآية الكريمة المذكورة آخِرَ الحديث تُشير إلى العموم: ﴿لِتكُونوا شُهداءَ
على الناس ﴾ فلم يخصِّ من بينهم نوحاً وأمته.
وجاءت رواية الإِمام أحمد ٣: ٥٨ وابن ماجه ٢: ١٤٣٢ بإسناد صحيح
صريحةٌ في العموم، ولفظ أحمد(١): ((يجيءُ النبيُّ يومَ القيامةِ ومعه الرجلُ، والنبيُّ ومعه
الرجلان، وأكثر من ذلك، فيدعَى قومُه فيقالُ لهم: هل بلَّغكم هذا؟ فيقولون: لا،
فيقالُ له: هل بلَّغتَ قومك؟ فيقول: نعم، فيقال له: من يَشهدُ لك؟ فيقول: محمدٌ
وأمته، فيُدْعَى محمد وأمته، فيقال لهم: هل بلَّغ هذا قومَه؟ فيقولون: نعم. فيقال:
وما عِلْمُكم؟ فيقولون: جاءنا نبيُّنَا فَأَخْبَرَنا أن الرسل قد بلَّغوا [فصدَّقناه]. فذلك
قولُه: ﴿وكذلك جَعَلْناكم أمةً وَسَطاً﴾ قال: يقول: عدلاً ﴿لِتَكُونوا شُهداءَ على
الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيداً ﴾.
فالوسطُ: العَدْل بنصِّ قول رسول الله وَغر، كما تراه في هذا الحديث: ((قال
- أي الصحابي راوي الحديث وهو أبو سعيد الخدري -: يقول - أي رسول
١ - إلا كلمة ((فصدقناه)) فمن عند ابن ماجه، لذا وضعتها بين معكوفين.

٩١
أيْ ربِّ، فيقول لأمَّته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبيِّ.
فيقول لنوحٍ: مَن يشهدُ لك؟ فيقول: محمد - وَلهــ وأمتُه، فنشهدُ أنه قد
بلَّغ. وهو قولُه جلَّ ذِكره: ﴿وكذلك جَعَلْناكُم أمة وَسَطاً لِتَكُونوا شُهَداءَ
على الناسٍ﴾. والوَسَطُ: العَدْلُ)).
الله ﴿ -: عدلاً)). وكما تراه في آخر الحديث الذي نحن بصدد شرحه: ((والوَسَطُ:
العدلُ)) فقد حقَّق في (الفتح)) أنه مرفوع من كلام رسول الله ﴿ه، لا مُذْرَج في
الحديث من كلام بعض الرواة للتفسير.
وهل جميعُ أفرادِ الأمةِ سَتشهد للأنبياء على أُممهم، أو العدولُ منهم، كما
يقتضيه لفظ ((وَسَطاً))؟ وإذا كان العدولُ منهم فقط فما معنى ﴿جعلناكم أمةً وسطاً ﴾
فإن ظاهره يقتضي جميع الأمة؟.
والجواب: أنه من المعلوم أن الشهادة لا تُقبل إلا من عدل، ولا يُرجَع إلى
غير العدل في الشهادات، وكذلك: من المعلوم المشهور أن العلماء يَقسِمون الأمة
المحمدية إلى قسمين: أمةٍ دعوة وهي كل من بَلَغَتْه دعوة النبي 8 1 وسمع بدين
الإِسلام، سواء أسلم أو لم يُسلم، فمن أسلم منهم سُمي بأمة الإِجابة، أي:
استجاب لدعوة النبي وَالر، ودخل دين الإِسلام.
وهناك من يجعلُ التقسيم ثلاثياً: أمة دعوة، وأمة إجابة، وأمة اتّباع، ذلك أن
أفراد أمة الإجابة يقع للواحد منهم ما يخرجه عن مقتضى العدالة، كما نشهده في
الواقع، فالصالحون الصادقون في استجابتهم لله ورسوله هم خيار هذه الأمة
المتبعون المستمسكون بالهدي المحمدي.
وقد رأيتُ هذا التقسيم الثلاثي لأبي بكر الكَلَاباذي المتوفّى سنة ٣٨٠ - أو
٣٨٤ - في كتابه ((بحر الفوائد)) المشهور بـ (معاني الأخبار))، نقله عنه الحافظ في
(فتح الباري) ١١: ٤١١ عند كلامه على حديث ((سَبَقك بها عُكَّاشة)) قال: ((قال
الكلاباذي: المراد بالأمة أولاً - في حديثٍ ذكره هناك - أمةُ الإِجابة، ويقوله آخِراً
(أمتي)): أمةُ الاتباع، فإن أمته : ﴿ على ثلاثة أقسام، أحدُها أخصُّ من الآخر: أمة
الاتباع، ثم أمة الإجابة، ثم أمة الدعوة، فالأولى: أهل العمل الصالح، والثانية:
مطلَق المسلمين، والثالثة: مَن عداهم ممن بُعِث إليهم)).
وبهذا يزول الإشكال: كيف يَشهدُ من ليس عدلاً، ويَقبل الله شهادته !!

٩٢
١٨ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَّ قال: ((يَلْقَى
إبراهيمُ أباه آزَرَ يوم القيامة - وعلى وجه آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةً - فيقول له
إبراهيم: أَلَمْ أَقُلْ لك: لا تَعْصِني! فيقولُ أبوه: فاليومَ لا أَعْصِيك،
فيقولُ إبراهيم: يا ربِّ إنك وَعَدتَني أن لا تُخْزِيَنِي يومَ يُبْعثون، وأُّ
١٨ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء - باب قوله تعالى
﴿واتّخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ ٦: ٣٨٧ (٣٣٥٠). وفي كتاب التفسير - سورة الشعراء:
باب ﴿ولا تُخْزِني يوم يُبْعَثون﴾ ٨: ٤٩٩ (٤٧٦٨، ٤٧٦٩) مختصراً، وهنا شَرَحه ابن
حجر.
غريبه: قَتَرَة وغَبَرَة: قال الإِمام البخاري في تفسير سورة الشعراء: الغَبرة هي
القترة، فتكون الواو هنا من عطف التفسير، وجَعَله بعضهم عطفَ مغايرة، فالغَبَرة:
الغُبار الذي يعلق بالأشياء، والقَتّرة: شِبهُ دُخَان يغشَى الوجه من الكرب(١)، كما في
((مفردات)) الراغب ص ٣٥٧، ٣٩٣.
لا تُخْزِيَني: الخِزْي: إنكسارٌ يلحق الإِنسان من غيره، كما قاله الراغب أيضاً
ص ١٤٧ .
الأبعد: بمعنى: البعيد، وهو الهالك، كما يؤخذ من ((النهاية)) ١: ١٣٩، وهو
في ((الفتح)) وقال: هي صفةٌ لإِبراهيم عليه الصلاة والسلام وَصَف بها نفسه ((على
طريق الفَرْض إذا لم تُقبل شفاعته في أبيه)) وقيل: الأبعد: صفةٌ أبيه، أي: إنه شديد
البعد من رحمة الله، لأن الفاسق بعيد منها، فالكافر أبعد)). ورجَّح الاحتمال الأول.
ذِيخ: الضَّبُع الذُّكَر.
ملتطخ: متلوّثٌ بدم أو رجيع، أو طين، أو غير ذلك.
١ - في ((المفردات)): من الكذب، والظاهر: من الكرب، كما أثبته عن ((الفتح)).

٩٣
خِزْيٍ أَخزى من أبي الأبعد؟! فيقول الله تعالى: إني حرَّمتُ الجنة على
الكافرين، ثم يُقال: يا إبراهيم ما تحت رِجْلَيك؟ فينظر، فإذا هو بذِیخٍ
مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخِذُ بقوائمه، فيُلْقَى في النار)).
معناه: من أوصاف يوم القيامة أنه يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بَنون، إلا مَنْ أتى
الله بقلب سليم. وهذا الموقف الذي يَحكيه لنا النبيُّ ◌َ#* يصوِّر لنا هذه الحقائق.
فازَرُ: لم ينفعه في ذاك اليوم شيءٌ، بل مُسِخ على هيئةٍ أحمقٍ حيوانٍ وعلى
حالة قَذِرةٍ: ضبُعٍ متلوّث بماله رائحة نتنة، كما أفادته بعض الروايات، ثم أخذ
بقوائمه وأُلقي في النار !. وهذه نتيجةُ كلٍّ من كان على شاكلته، وإن اختلفت
المقدّمات .
ونَدَمُه لم ينفعْه، لأنه نَدِم حين رأى العذاب وعاين النار، فقال: اليومَ لا
أَعصيك. أما في الدنيا: فكان إبراهيم عليه السلام يتلطّف به ويُقيم عليهِ الحجةَ
بأبسطِ ما تكونُ وأوضح، وآزَرُ يُغلظ عليه ويقول له: ﴿لئن لم تَنْتَهِ لأَرْجُمِنَّكَ
واهْجُرْنِي مَلِيًَّ﴾ أي: هجراً طويلاً.
وندمُ آزرَ لم ينفعُه لأنه حَقَّ القولُ من الله العظيم: إني حرَّمت الجنة على
الكافرين. وحينئذ تبرأ منه إبراهيم التبرُّؤَ النهائي الأخير، أما تبرُّؤه الأول فذاك يومَ
تركَ الاستغفار له، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وما كان استغفارُ إبراهيمَ لأبيه إلا
عن مَوْعِدةٍ وَعَدَها إياه، فلما تَبَيِّن له أنه عدوٌّ لله تَبَرَّأ منه﴾.
ولئن كان الكافر لا يتَّعظُ بهذه المواعظ، لأنه لا يؤمن بها، فلا أقلَّ من أن
يَتَّعظَ المؤمن بها فيقلعَ عن معاصيه التي تؤدِّي إلى مواقف الذلِّ والخسران يوم
القيامة، ومنها إلى عذاب النار، ولا ينفعه ندم ولا توبة حينئذ: ﴿ولاتَ حينَ
مناص ﴾.
ز

٩٤
١٩ - عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن النبي ◌َّالقر فيما يرويه
عن ربِّه، قال: ((لا يَنْبغي لعبد أن يقول: إنه خيرٌ من يُونُسَ بن مَتَّى)).
ونَسَبه إلى أبيه.
١٩ - تخريجه: رواه البخاري في كتاب التوحيد - باب ذِكْر النبي وَ# وروايته
عن ربه ١٣: ٥١٢ (٧٥٣٩)، ومسلم في كتاب الفضائل - باب في ذكر يونس عليه
السلام ٤: ١٨٤٦ (١٦٦) وشرح النووي ١٥: ١٣٣، ولفظه: ((عن النبي ◌َّلي أنه
قال - يعني الله تبارك وتعالى -: لا ينبغي لعبدٍ لي. وقال ابن المثنى: لعبدي)(١).
معناه: ((لا ينبغي)) أي: لا يَليق ولا يَحِقُّ (لعبد)) من عباد الله تعالى الذين
اتَّصفوا بصفة العَبْدِيَّة، وعَرَفوا حدَّهم ومَقَّامَهم؛ لا يحقُّ لهؤلاء أن يتجرؤوا على أمر
من أمور الله عز وجل، فإنه هو المُعْطي والمتفضِّل على عامة عباده، وعلى خاصة
عباده - كالأنبياء والمرسلين - بالمقامات العالية والاختصاصات دون سائر البشر.
ومن تَجَرُّئهم الممنوع: أن يُفضِّل أحدُهم نفسَه على بعض الأنبياء والمرسلين
الكرام، كيونُس عليه الصلاة والسلام فيقولَ عن نفسه: إنه خيرٌ من يونس.
وقد قيل: إنما خصَّ يونسَ عليه الصلاة والسلام بالذِّكْر من بين الأنبياء
الآخرين ((لما يُخْشَى على مَن سمع قصته أن يَقَع في نفسه تنقيصٌ له، فبالغ - ﴿ *1 -
في ذِكر فضله، لسدِّ هذه الذريعة))(٢).
وكان من قصته: أنه توعّد مَن كذِّبه مِن قومه بالعذاب، فلما رَأَوْا آثارَ العذاب كما
توعَّدهم يونس آمنوا، فكشف الله عنهم العذاب، فلما أصبح يونس ولم يَرَ العذاب
١ - وكلتاهما من رواية شعبة، فقول الحافظ في ((الفتح)) ١٣: ٥١٥: ((لم أرَ في شيء من الطرق
عن شعبة فيه ((عن ربه)) ولا ((عن الله عز وجل ... )): فيه نظر.
٢ - انظر ((فتح الباري)) ٦: ٤٥٢.

٩٥
وقع عليهم - وكان في شريعتهم أن من كَذَب قُتِل - فانطلق مُغَاضِباً لقومه، أَنْفةٌ من ظهورٍ
خُلْفِ وعدِه لهم، وأنْ يُسمَّى كذاباً، لا كراهيةٌ لحكم الله تعالى إذْ رَفَع عنهم
العذاب وهو قد توعّدهم به! مَعَاذ الله .
حتى ركب سفينة، وقال لأهلها: إن معهم عبداً آبقاً من ربِّه، وإنها لا تسير
حتى تُلْقوه، فقالوا: لا نُلقيك يا نبي الله أبداً، قال: فاقْتَرِعوا، فخرج عليه ثلاثَ
مرات، فألقوه فالتقمه الحوت، فبلغ به قرارَ الأرض، فسمع تسبيح الحصى، فنادى
في الظلمات: أنْ لا إله إلا أنتَ سبحانك إني كنت من الظالمين(١).
ثم إن هذا التأديب الإلهي: ((لا ينبغي .. )): عامّ لجميع عباد الله تعالى يشمل
الأنبياء وغيرهم، فلا ينبغي لنبي ولا رسول أن يقول ذلك، كما جاء في رواية
الطبراني ((لا ينبغي لنبي أن يقول ... )). ذكرها الحافظ في ((الفتح)) ٦: ٤٥١.
قال: ((وفي رواية للطحاوي: (إنه سَبَّح الله في الظلمات) فأشار إلى جهة
الخيرية المذكورة».
وليس معنى هذا أن يونس عليه الصلاة والسلام أفضلُ من جميع الأنبياء
والمرسلين أو أنه يساوي أفضلَهم في الرتبة، وهو نبينا محمد عليه أفضل الصلاة
والسلام .
إنما معناه ما قاله الإمام النووي رحمه الله في ((شرح صحيح مسلم)) ١٥ :
١٣٢: ((قال العلماء: هذه الأحاديث تَحتمِل وجهين، أحدهما: أنّه وَّ قال هذا قبلَ
أن يَعلَم أنه أفضل من يونس، فلما علم ذلك قال: ((أنا سيد ولد آدم)» ...
((الثاني: أنه ◌َ﴿ قال هذا زجراً عن أن يَتَخَيَّل أحدٌ من الجاهلين شيئاً من حطّ
مرتبة يونس 18 من أجل ما في القرآن العزيز من قصته.
قال العلماء: وما جَرَى ليونس ◌َ لم يَحُطَّه من النبوة مثقالُ ذرَّة)».
١ - انظر ((فتح الباري)) ٤٥٢٠:٦.

٩٦
٢٠ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((جاء
ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال له: أُجِبْ ربك، قال: فَلَطَم
موسى عليه السلام عين مَلَكِ الموتِ فَفَقَّأْها، قال: فرجع الملَكُ إلى الله
تعالى فقال: إنك أرسلتَني إلى عبدٍ لك لا يريدُ الموت وقد فَقَأَ عيني!
قال: فَرَدَّ الله إليه عينَه وقال: ارجعْ إلى عبدي فَقُلْ: الحياةَ تُريد؟ فإنْ
كنتَ تريد الحياةَ فَضَعْ يَدَك على مَتْنِ ثورٍ، فَما تَوارَتْ يَدُك من شَعَره
فإنك تعيشُ بها سنةً. قال: ثم مَهْ؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من
قريب، ربِّ أَمِتْني من الأرض المقدَّسة رميةً بحجر)).
٢٠ - تخريجه: رواه البخاري في الجنائز - باب من أحب أن يدفن في
الأرض المقدسة أو نحوها ٣: ٢٠٦ (١٣٣٩)، وفي بدء الخلق - باب وفاة موسى
عليه السلام ٦: ٤٤٠ (٣٤٠٧). ورواه مسلم في - كتاب الفضائل - باب من فضائل
موسى عليه السلام ٤: ١٨٤٣ (١٥٨)، وشرح النووي ١٥: ١٢٨، وهذا لفظ
مسلم. وأما لفظه في البخاري - وفي مسلم قبل الرقم المذكور - فنحو هذا لكنه لم
يصرِّح أبو هريرة برفعه إلى النبي ◌َّ، إلا البخاري فإنه قال عقب الموضع الثاني:
((وأخبرنا معمر، عن همام، حدثنا أبو هريرة، عن النبي ◌َّ نحوه)) فأشار إلى رفعه
ووصله، ولا ريب أن مثل هذا لا يقال من قِبَل الرأي حتى لو لم يصرح أبو هريرة
- أو الراوي - بذلك.
غريبه: متن ثور: ظھر ثور.
الكثيب: الرمل المستطيل المُحْدَوْدِب.
معناه: في هذا الحديث حكايةُ قصةٍ جرتْ لملك الموت مع موسى عليه
الصلاة والسلام، وذلك: أن ملك الموت جاء إلى موسى ليقبض روحه، فغضب

٩٧
قال رسول الله وَل: ((والله لو أني عنده لأرَيْتُكم قبره إلى جانب
الطريق عند الكثيب الأحمر)).
موسى فَلَطَمه لطمةٌ شديدة، وموسى عليه الصلاة والسلام معروفٌ بغضبه، ذُكِر في
القرآن الكريم بذلك في أكثر من موضع.
فرجع ملك الموت إلى ربه وذَكَر له ما جرى له من موسى - والله أعلم بما
جرى - فقال الله له: ارجع إلى موسى، وقل له: نَمُدُّ له في أجله مدّاً كبيراً، وذلك
بأن يضعَ يده على ظهر ثور - الحيوان المعروف - فإن لموسى من العُمُر والحياة
مقدار سنةٍ كاملة مقابلَ كلِّ شعرة تدخل تحت يده!
فقال موسى - وقد بلَّغه ملكُ الموتِ ذلك .: يا ربِّ وما بعد ذلك العُمُرِ
المدید؟ قال: ثم الموت. قال موسى: فالآن يا ربّ.
إلا أنه عليه الصلاة والسلام نبَّه إلى أمرٍ هام تَطمحُ إليه نفوسُ عباد الله
الصالحين، هو أن يكون - وهو ميت - بجوارٍ أرضٍ مباركة، فسأل عليه السلام ربَّه
أن يقرِّبَه من بيت المقدس رَميةٌ بحجر، أي: أن لا يكون بينه وبين بيت المقدس
مسافة بعيدة، بل قدرَ رَمیة حَجَر.
ولم يسألِ الله تعالى أن يجعلَ موتَه في بيت المقدس لئلا يُعرفَ قبره فَيَفْتَتنَ
به الجهالُ من أهل ملَّته، كما نقله النووي وابن حجر في شرحيهما(١).
فيكون نبيُّ الله موسى عليه الصلاة والسلام قد راعى الأمرين: مصلحته: أن
يُدفَن بجوارٍ مبارك، ومصلحةً قومِه من بعده: أن لا يَعْبُدوا قبره من بعده.
وقد رأى سيدنا رسول الله ﴿ ليلةَ الإِسراء موسى قائماً في قبره يصلِّي عند
الكثيب الأحمر، فعرف ذلك المكانَ وضَبَطه، فلذلك قال هنا: ((لو أني عنده
لأریتکم قبره .. )).
وقد بُوَّب البخاري - كما ذكرتُ لفظه في التخريج -: ((بابُ مَن أحبَّ الدفنّ
في الأرض المقدسة أو نحوِها)). وعلَّق عليه الزينُ ابنُ المنيِّر رحمه الله فقال:
١ - من ((الفتح)) ٣: ٢٠٧ عن ابن بَطّال، والنووي على مسلم ١٥: ١٢٨.

٩٨
((المرادُ بقول البخاري ((أو نحوها)): بقيةُ ما تُشَدُّ إليه الرحال من الحرمين الشريفين،
وكذلك ما يُمكن من مدافن الأنبياء وقبور الشهداء والأولياء، تَيَمُّناً بالجوار، وتعرُّضاً
للرحمة النازلة عليهم، اقتداءً بموسى عليه السلام)). كما في ((الفتح)) ٣: ٢٠٧،
و«عمدة القاري)» ٧: ٦٣.
وفي الحديث أن عين ملك الموت قد انفقأتْ من جَرَّاء صكُّ موسى له،
عليهما الصلاة والسلام، فلما رَجَع إلى الله تعالى شَكًا إليه ذلك فردِّ الله عليه عينه.
وفي هذا إشكالٌ ظاهر: كيف تَجَرَّأ موسى عليه السلام على ذلك؟ وكيف
انفقأَتْ عينُ الملك والملائكةُ غيرُ البشر من هذه الحيثية؟ وكيف لم يَقْتَصَّ الله لملك
الموت؟.
والجواب عن الأول والثالث: أن موسى عليه السلام لم يَعرفْ ملكَ الموت،
ولا غرابة منه في ذلك، فإبراهيمُ ولوطُ عليهما الصلاة والسلام من قَبْل موسى لم
يَعرفا الملائكة الذين دخلوا عليهما، والشرعُ يُبِيحُ قتلَ من دَخَل على دارٍ غيرِه بغير
إذنه، وأباح فَقْءَ عين الناظر من خَلَل الباب على بيت غيره، وحَصَل لداود من بعد
موسى - عليهما الصلاة والسلام - مثل ذلك، لما دخل عليه الخصمان(١). بل قد
تخفى معرفة الملَك على ملَك آخَر مثله، كما حصل هذا لملائكة الرحمة وملائكة
العذاب حين اختصموا في الرجل الذي قتل مائة نفس، ثم مات في وسط الطريق
بين قريته والقرية التي خرج إليها، فأرسل الله تعالى إليهم ملكاً بصورة إنسان
ليحكم بينهم، ولو عرفوه ملكاً لما كان من تشكُّله بصورة إنسان فائدة.
والجوابُ عن الثاني: أن الملائكة تتمثَّل بالبشر، فيرى الإِنسانُ صورةً بشرٍ
مثله أمامه، إلا أن هذا (المثال) لا تَثْبُت له أحكامُ ولوازمُ المتمثّلِ به، وهو البشر.
أعني: أن هذا المثالَ لا تكونُ له خصائص البشر وحاجاته: من أكل وشرب
ونوم، فإبراهيم عليه السلام قدَّم الطعام لضيفانه، وهم ملائكة لم يَعرفهم: ﴿فَقَرَّبِه
إليهم ) فلم يَمدُّوا إليه أيديَهم ﴿قال: ألا تأكُلون؟) قالوا: لا ﴿فَأَوْجَسَ منهم
خِيْفَةٌ، قالوا: لا تخفْ ﴾.
١ - انظر ((أعلام الحديث)) للخطابي ١ : ٦٩٦.

٩٩
٠٠
وكذلك ضيفانُ لوط عليه السلام، وهم ملائكة لم يعرفهم، جاءوه بصورة
جميلة، فخاف عليهم من قومه فطمأنوه: ﴿إنا رَسُلُ ربك﴾ أي: لا قدرة لهم
علینا، ولا يصلوا إلينا.
فالملائكة - وإن تمثِّلوا بهيئة البشر - ليس لهم ما للبشر، وكذلك أمرُ ملك
الموت مع موسى، وإن ضربه وَفَقََّ عينه، فهذه هي العين البشرية التي تمثّل
بصورتها ملك الموت، وليست عينَه الملكيّة.
((قال ابن قتيبة: إنما فَقَأَ موسى العين التي هي تخييل وتمثيل، وليست عيناً
حقيقية، ومعنى ردّ الله عينه أي أعاده إلى خلقته الحقيقية، وقيل: على ظاهره، وردّ
الله إلى ملك الموت عينه البشرية ليرجع إلى موسى على كمال الصورة، فيكون
ذلك أقوى فى اعتباره. وهذا هو المعتمد))(١).
١ - من ((فتح الباري)) ٦: ٤٤٣.

١٠٠
٢١ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صل﴿ قال: ((بينا أيوبُ
يغتسِلُ عُرْياناً، خرَّ عليه رِجْل جَرَادٍ من ذهبٍ، فجعَلَ أيوبُ يَحْثي في
٢١ - تخريجه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء - باب قول الله تعالى:
﴿وأيوبَ إذ نادى ربَّه أني مسَّني الضُّرُّ وأنت أرحم الراحمين﴾ ٦: ٤٢٠ (٣٣٩١).
ورواه من قبلُ في كتاب الغُسل - باب من اغتسل عُرياناً ١: ٣٨٧ (٢٧٩)، ورواه
بعدُ في كتاب التوحيد - باب ﴿يريدون أن يبدِّلوا كلام الله﴾ ١٣: ٤٦٤ (٧٤٩٣).
غريبه: رِجْلُ جَرَاد: جماعةُ جَراد.
يحثي في ثوبه: يأخذ بكلتا يديه ويجمع في ثوبه.
معناه: في الحديث بيانُ فضلِ الله تعالى وكرمِه على سيدنا أيوبَ النبيِّ
الصابر، وقد تفضّل الله عليه بما ذُكِر هَنا في الحديث لما تفضِّل عليه بالعافية مما
ابتلاه، كما جاءت روايةُ الإِمامِ أحمد وابن حبان من طريق بَشير بن نَهِيك، عن أبي
هريرة مرفوعاً: ((لما عافَى الله أيوبَ أمطَر عليه جراداً من ذهب))(١).
وفي هذا درسٍ عظيم، وموعظة كبرى للمُبْتَلَيْنَ أن يَصبِروا وإن طال عليهم
البلاء، فإن ما يستقبلُهم من رحمة الله ورَوْحه ورَيْحانه وعظيم فَرَجه: ما يُنْسِيهم
البلاءَ الشديدَ الطويلَ، من فضل الله وكرمه، ونسأل الله العافية.
وقد لبث أيوبُ عليه الصلاة والسلام في بلائه ثماني عَشْرةَ سنةً على ما في
صحيح ابن حبان ٧: ١٥٨ (٢٨٩٨)(٢). وكان ابتلاؤ هذا في شيخوخته وهو ابن
١ - ذكر ذلك في ((الفتح)) ٦: ٤٢٠، ولم أره في ((المسند)) ولا ((صحيح ابن حبان)) ولا ((مجمع
الزوائد»، إنما رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٢: ٥٨٢ وصححه على شرطهما ووافقه الذهبي،
واقتصر ابن كثير في تفسير سورة الأنبياء على عزوه إلى ابن أبي حاتم.
٢ - ومثله في ((موارد الظمآن)) ص ٥١١، وتفسير ابن كثير - سورة الأنبياء-، وفي مطبوعة
((المستدرك)) ٢: ٥٨١: خمسة عشر سنة، وفي مطبوعة ((فتح الباري)) ٦: ٤٢٠ منسوباً إلى ابن
حبان: ثلاث عشرة سنة؟.