النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ ٩ - عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِلَّه: ((قال الله عزَّ وجلَّ: الكِبْرِياءُ ردائي، والعَظَمَةُ إِزاري، فَمَنْ نازَعَني واحداً منهما قَذَفْتُه في النار)). ٩ - تخريجه: رواه أبوداود في اللباس - باب ما جاء في الكِبر ٤: ٣٥٠ (٤٠٩٠) وابن ماجه: كتاب الزهد - باب البراءة من الكِبْر ١٣٩٧:٢ (٤١٧٤). وأحمد ٢: ٢٤٨ بلفظ ((والعِزَّة إزاري)). ورواه ابن ماجه أيضاً عن ابن عباس (٤١٧٥). وعندهم جميعاً عطاء بن السائب، وهو مختلط، إلا أن الراويّ عنه عند أحمد سفيان بن عيينة، وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط، وتوقّاه بعدما اختلط. انظر ((الكواكب النِّرات)) لابن الكيال ص ٣٢٧، و((تهذيب التهذيب)» ٧ : ٢٠٥ - ٢٠٦. معناه: ((الكبرياء: الكِبْر، وهو الترفُّع على الغير، بأن يرى لنفسه عليه شرفاً، والعظمةُ: كونُ الشيء في نفسه كاملاً شريفاً مستغنياً. فالأول أرفع من الثاني، إذ هو غاية العظمة، فلذا مثَّله بالرداء. وقيل: الكبرياء: الترفُّع عن الانقياد، وذلك لا يستحقُّه إلا الحقُّ)) كما نقله المناوي ٤: ٤٨٤ عن القاضي البيضاوي في شرحه على ((مصابيح السنة)) للبغوي. ولعل القول الثاني لتعريف الكبرياء أقربُ، فإنه بمعنى الحديث الآتي في تعريف الكبر وأنه: ((بَطَر الحق وغَمْط الناس)) وبطر الحق: هو دَفْعه ومعاندتُه، وهذا هو عدم الانقياد إليه. وقال ابن الأثير في ((النهاية)) ٤: ١٤٠ عن الكبرياء: ((قيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود، ولا يُوصَف بها إلا الله تعالى)). فالله سبحانه الكامل ذاتاً ووجوداً، والغنيُّ: المستَغْنِي والمُغْني - كما تقدم بيانه ٦٢ صفحة ٣٢ - يحقُّ له أن يكون له الشرف على جميع مخلوقاته، لتفضُّله عليهم بالوجود بعد العدم، وبالإِمداد بكلِّ ما يحتاجونه ﴿وآتاكم من كلِّ ما سألتموه﴾. أما الإِنسان: فهو ناقصٌ ذاتاً بافتقاره إلى الله تعالى، وناقصٌ وجوداً لافتقاره في وجوده إلى الله تعالى، وهو مخلوق محدود ضعيف ﴿وخُلِقِ الإِنسان ضعيفاً﴾. ويترقّى من ضعف إلى قوة، ثم ينحدر من قوة إلى ضعف وشَيْبة، يعتريه الوجود والعدم، والحياة والموت وما إلى ذلك من أطوار في الدنيا والبرزخ والآخرة .. فمن كان هذا شأنَه كيف يُنازِعِ الله ربَّ العالمينِ خالقَ كلِّ شيء في صفتين عظيمتين من صفاته - وكلَّ صفاته عظيمةٌ - ويريد أن يتَّصف بهما - وهو ليس بأهل لذلك - أو يريد أن يعامِلَ خلق الله وعبادَه بمقتضاهما فيتكبِّر عليهم ويتعاظم ! . إنما صفةُ الإِنسان: العبديةُ، وكمالُه: أن يتحقق بها ليسعَد برضاء الله وإحسانه. روى مسلم في صحيحه ٩٣:١ (١٤٨) في كتاب الإِيمان - باب تحريم الكبر، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((لا يَدخُلُ الجنةَ مَنْ كان في قلبه مِثْقَالُ ذَرَّة من كِبْرِ)) فقال رجل: إن الرجلَ يحبُّ أن يكونَ ثوبُه حَسَناً ونعلُه حسنةً! فقالِرَه: ((إن الله جميلٌ يحبُّ الجمال، الكِبْرُ: بَطَرُ الحقِّ وَغَمْطُ الناس)). أي: دَفْع الحق ومعاندتُه، واحتقارُ الناس وغمطُهم حقوقَهم وأقدارهم. فمن كان فيه مثقال ذرة من بَطَر الحق وغَمْط الناس: لا يدخُل الجنة حتى يطهِّره الله منه، بقذفه إياه في النار، أو أن يتجاوزَ الله عنه إن شاء ذلك. ومن تَعَاظَمَ على الناس ورأى نفسَه خيراً منهم في علم أو عمل وتقوى: فهو دونهم وأشدُّهم تقصيراً. روى مسلم ٤: ٢٠٢٤ (١٣٩) عن أبي هريرة، عن النبي وَلقر أنه قال: ((إذا قال الرجلُ: هَلَكَ الناس، فهو أهلكُهم)). قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان راوي صحيح مسلم عن الإِمام مسلم: لا أدري : أهلگھم - بالنصب - أو: أهلکھُم ۔ بالرفع -. ٦٣ . قال الإِمام النووي في ((شرحه)) ١٧٥:١٦: ((الرفعُ أشهرُ، ويؤيِّده أنه جاء في رواية رُوِّيناها في ((حلية الأولياء)) في ترجمة سفيان الثوري - ٧: ١٤١ -: ((فهو من أهلكهم)). قال الحميديُّ في ((الجمع بين الصحيحين)): ((الرفع أشهر، ومعناها أشدُّهم ملاكاً». ثم قال النووي: ((واتفق العلماء على أن هذا الذمَّ إنما هو فيمن قاله على سبيل الإِزراءِ على الناس واحتقارِهم وتفضيلِ نفسِه عليهم وتقبيحٍ أحوالهم، لأنه لا يعلم سرُّ الله في خلقه .. )). فهذا كلُّه من الكبائر، وصاحبُه معرّض لسخط الله وإلقائه في نار جهنم، فإنه داخل تحت قوله ((فمن نازعني واحداً منهما قذفتُه في النار)). وقال النووي ١٧٣:١٦ : ((وهذا وعيد شديد في الكِبْر، مصرِّح بتحريمه. وأما تسميته إزاراً ورداءً فمجازٌ واستعارةً حَسَنة، كما تقول العرب: فلانٌ شِعارُه الزهد ودِثاره التقوى، لا يريدون الثوب الذي هو شعارٌ أو دثارٌ، بل معناه: صفتُه. كذا قال المازري. ومعنى الاستعارة هنا: أن الإِزار والرداء يَلْصَقان بالإِنسان ويَلزمانِهِ، وهما جَمالٌ له، قال: فَضُرب ذلك مثلاً لكون العزِّ والكبرياء بالله تعالى أحقُّ، وله ألزمُ، واقتضاهما جلاله. ومن مشهور كلام العرب: فلانٌ واسعُ الرداء، وغَمْرُ الرداء: أي واسعُ العطية)». ٦٤ ١٠ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صل قال: ((قال الله عز وجل: أَنْفِقْ أَنْفِقْ عليك)). وقال ـ دَهـ: ((يَدُ الله مَلاَّى، لا تَغْيِضُها نفقة، ١٠ - تخريجه: رواه البخاري في تفسير سورة هود - باب: وكان عرشُه على الماء، ٨: ٣٥٢ (٤٦٨٤) بهذا اللفظ، والقدسيُّ منه هو الجملة الأولى، وهي في مواضع أخرى من البخاري، وفي مسلم أيضاً في مواضع، منها: كتاب الزكاة - باب الحثُّ على النفقة وتبشير المنفِق بالخلف ٢: ٦٩١ (٣٧) وشرح النووي ٧: ٨٠. غريبه: لا تَغيضها نفقة: لا تَنقُصها نفقة، ومثلها: لم يَغِض: لم ينقص. سَحاءُ: مِن: سَحَّ يَسُجُ: أي: صَبَّ على الدوام. الليل والنهار: منصوبان على الظرفية. معناه: يأمر الله سبحانه وتعالى عبادَه بالإِنفاق، ولا يتحقَّق هذا الأمر إلا إذا كان إنفاقُه فِي سُبُل الخيرات والمَبَرَّت، وَوَعَدَ عزَّ وجلَّ المنِفِقَ في وجوه الخير بِالخَلَف عليه فقال: ((أنْفِقْ عليك)) فيكون مجمَل المعنى: إنْ تُنْفِق فيما يُرضيني: أُنْفِقْ عليك، أي أُخْلِف عليك. وعبّر بلفظ ((أَنْفِقْ)): من باب المشاكلة اللفظية. فهو وعدٌ من الله عز وجل بالخلَف، ووَعْدُ الله لا يتخلَّفُ: ((إن الله لا يُخْلِفُ الميعاد». وبمناسبةٍ حكاية النبي له عن ربه تعالى قوله: ((أَنفِقِ أُنفق عليك)) بَيَّن عليه الصلاة والسلام كَرَمَ الله عز وجل، واستدلَّ على ذلك ببعض آثاره، فقال: ((يَدُ الله مَلَّى)) والعطاءُ لا يكون إلا باليد، ويده - سبحانه وتعالى - مليئة، ومهما أعطَى فلن تَنْقُص ((لا تَغِيضُها نفقة)): لا تَنْقُصُها نفقة، فالنفقات والعَطيَّات الإلهية لا تُنقِص ما عند الله عز وجل، مع علمنا بأن عطاءَ كلِّ مُعْطٍ على حَسَبه وقَدْره، وعطيّات الله تعالى تليقُ بعظمته وکرمه . ٦٥ سَخَّاءُ الليلَ والنهارَ)). وقال - وَ﴿ -: ((أرأَيْتُم ما أنفقَ منذُ خَلَقَ السماءَ والأرض، فإنه لم يَغِضْ ما في يده، وهذه المِنَحِ الإِلّهية ليستْ في ساعة من ليل أو نهار، لا، إنها دائمة مستمرَّة لا تقف، ولا تنحصر على فئة دون أخرى: على مؤمن دون كافر، ولا على أبيض دون أسود، ولا على متقدِّم دون متأخر، إنما هي ((سَخَّاءُ)) دائمة العطاء في كل حينٍ وآنٍ: ((الليلَ والنهارَ)). وتقدم في الحديث الأول قولُه: ((يا عبادي لو أن أولكم وآخرَكم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فأعطيتُ كلَّ إنسان مسألَته: ما نَقَصَ ذلك مما عندي إلا كَما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدخِلَ البحرَ)). ثم استدلَّ ◌َ﴾ على ذلك بالإِمدادات الإِلَهِيّة لكلِّ مخلوق بما ينفعه ويناسِبُه، فقال: (أرأيتُم)) أي: ألا تَرَوْن إلى (ما أَنفقَ منذٍ خَلَق السماء والأرض)) من دُهور وقرون متطاولة لا يعلَم أولَها إلا الله، وهو يَمدُّ كلَّ مخلوق بما يليق به، فهو يَمدُّ السماءَ بالبقاء بما يناسبها، ويَمُّ الأرض بالبقاء بما يناسبها، وكذلك الحيوان والنبات والجماد ... كلَّ بما يناسبه، بل: كلَّ جزئية بما يناسبها من أجزاء الحيوان: كشعره وعظامه ودمه .. والنبات: كجذع الشجرة، وأوراقها وثمارها ... فالله سبحانه هو المانح الواهب لهذه الزهرة لِين مَلْمَسها، وجمالَ منظرها، وعِطْر رائحتها ! . وهو المُمِدُّ للكواكب السيّارة ببقائها في العلوِّ باستمرار، وبالجَرْي بانتظام، وبالنور النافع للأرض وأهلها. وأَمْرُه لهذه المخلوقات متوجِّه إليها في كلِّ أقلَّ من طرفة عين: ((كنْ)) وأمره نافذ ((فيكونُ)) هذا الشيءُ المتوجِّه إليه هذا الخطاب، فإذا انقطع عنه أقلَّ من طرفة عين زالت عنه صفةُ الحياة والبقاء. فأوامره تعالى هذه، المستمرَّة الدائمة، المانحةُ المعطية، ومع ذلك ((فإنه لم يَغِض)، لم يَنْقُص («ما في يده)). وكلُّ شيء في هذا الكون العظيم الذي نراه ولا نراه: إنما مستمِدٌّ من الله عز وجل، ذلك لأنه مشمولٌ مُحَاط بالسماء، والسماءُ مُحَاطّة بالكرسي، والكرسي حوله ومحيطٌ به عرشُ الرحمن، وعرشُ الرحمن على الماء، وكلِّ هذه مخلوقات الله ٦٦ وكان عرشُه على الماء، وبيدِه الميزانُ يخفِضُ ويرفَعُ». تعالى، مستمِدَّة منه بقاءها وكونها، فأشار إلى هذا الشمول بقوله ((وكان عرشه على الماء). وهذا الماء: ليس هو الماء الذي نعهدُه ونَشْربُه - مثلاً -، إنما هو ماءً خاصّ لا نعرفه، قال الحافظ في ((الفتح)) ١٣: ٤١٠: ((وليس المرادُ بالماء ماءَ البحر، بل هو ماء تحت العرش، كما شاء الله تعالى)). وانظر لزاماً الكلام على الحديث الآتي برقم ٩٥. ثم نَبَّه ◌َ﴿ إلى أن هذا العطاءَ والإِمدادَ قائمٌ على مقتضى الحكمة في مخلوقاته، فإذا اقتضت حكمته قطعَ الإِمداد عن هذا الإِنسان قَطَعَه، فلم يَعُدْ متَّصفاً بالبقاء والحياة، وكذلك هذا الحيوان والنبات والجماد .. وسائر مخلوقاته عز وجل. نبّه إلى هذا المعنى بقوله «وبيده الميزان يَخِفِضُ ويرفع»: يُحيي ويُميت، يُضعِف ويُقَوِّي، يعطي ويمنع، يفعل ما يشاء وما تقتضيه حكمته جل جلاله. والله أعلم. ٦٧ ١١ - عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله وَله قال: ((يَنْزِلُ ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا حين يَبقَى ثُلُثُ الليلَِ ١١ - تخريجه: رواه البخاري في مواضع بألفاظ متعددة، منها في كتاب الدعوات - باب الدعاء في نصف الليل ١١: ١٢٨ (٦٣٢١). ورواه مسلم - وهذا منه - بألفاظٍ مختلفةٍ أكثرَ في كتاب صلاة المسافرين - باب الترغيب في الدعاء والذكر آخر الليل ١: ٥٢١ - ٥٢٣ (١٦٨ - ١٧٢) وشرح النووي ٦: ٣٦ - ٣٩. معناه: هذا الحديث من مشهور الأحاديث القدسية بين العامة والخاصة، ومن مشهورها بين الخاصة في الاختلاف في معنى الكلمة الأولى منه ((ينزل ربنا)). وهذا كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى في المسألة. قال: ((هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء: أحدهما - وهو مذهب جمهور السلف(١) وبعض المتكلمين - أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى، وأن ظاهرها المتعارَفَ في حقُّنا غيرُ مراد، ولا يتَكَلُّم في تأويلها، مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق، وعن الانتقال والحركات وسائر سِمَات الخلق. والثاني - مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف(١)، وهو محكيُّ هنا ١ - يستفاد من هاتين الجملتين أن في السلف مُؤَّلة، وليس الأمر كما اشتهر: أن جميع السلف على إثبات ما ورد صفةً لله تعالى. وأقدمُ من رأيته أوَّل من رجال السلف: الإِمام مجاهد بن جبر، المولود سنة ٢٠ تقريباً، والمتوفَّى أول القرن الثاني، ونحوه أبو صالح السمان الثقة المشهور، وهو قريب الولادة والوفاة من مجاهد، كلاهما أوَّل قوله تعالى ﴿إلى ربِّها ناظرة﴾: إلى ثواب ربِّها ناظرة، انظر حكاية ذلك عنهما في ((تفسير ابن جرير)) ٢٩: ١٩٢، وخَطَأهما، و((مجموع فتاوى)) ابن تيمية ٢٠: ٣٣، و((فتح الباري)) ١٣: ٤٢٥. ثم الإِمام قتادة بن دِعامة، وكانت وفاته بعدهما بنحو ١٥ سنة، انظر كلامه الآتي ص ٢٥٧. ثم الأعمشُ المولود سنة ٦١، والمتوفّى سنة ١٤٧، انظر ((سنن الترمذي)» ٩: ٢٢٩ (٣٥٩٨)، وسيأتي نقل كلامه ص ٢٥٦. وهذا مالك والأوزاعي، والنضر بن شُمَيل (١٢٢ - ٢٠٤)، بل الإِمام أحمد رحمه الله نفسه قال في قوله تعالى: ﴿وجاء ربك﴾ أي: جاء = ٦٨ الآخِر، فيقولُ: مَن يَدْعُوني فأستجيبَ له، ومَن يَسألُنِي فَأُعْطِيَه، ومَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ له)). عن مالك (١) والأوزاعي -: أنها تُتَأَوَّل على ما يليق بها، بحسب مواطنها. فعلى هذا تأوَّلوا هذا الحديث تأويلين: أحدهما - تأويل مالك بن أنس وغيره - معناه: تنزل رحمته وأمره وملائكته، كما يقال: فعل السلطان كذا، إذا فعله أتباعه بأمره. والثاني: أنه على الاستعارة، ومعناه: الإقبال على الداعين بالإِجابة واللطف. والله أعلم)). ومتى يكون هذا التنزّل؟ المشهورُ ما جاء في هذه الرواية، وهو ثلثُ الليل الآخر، وجاء غير ذلك. وللعلماء كلامٌ في الجمع بين الروايات. وطريقُ معرفةِ ثلث الليل الآخر أن يُقْسَم الوقت الذي بين أول المغرب إلى طلوع الفجر على ثلاثة، ويُضافَ الحاصلُ على وقت المغرب، فيعلمَ الثلثُ الأول، وهكذا الثلث الثاني، والثالث. وهذا الثلثُ الأخير هو وقت السَّحَر، وهو الوقتُ المبارك الذي يتجلَّى الله عز وجل فيه على عباده المقبلين عليه بالصلاة والدعاء والقرآن والاستغفار ... فيعطيهم سُؤلهم، ويقولُ لهم: ((مَنْ يدعوني فأستجيبَ له؟ من يَسأَلُنِي فَأُعْطِيَه؟ من يَستغفِرني فأعفرَ له؟)). وفي رواية لمسلم: (أنا الملِكُ، أنا الملِكُ، من ذا الذي يدعوني فأستجيبَ له؟ من ذا الذي يسألني فأعْطِيَه، من ذا الذي يستغفِرني فأغفِر له، فلا يزال كذلك حتى يُضيء الفجر)). وزاد مسلم في رواية أخرى: ((ثم يقول: من يُقْرِضُ غيرَ عَدِيم ولا ظَلوم؟)). = ثوابه، أسنده البيهقي وقال: ((وهذا إسناد لا غبار عليه))، كما تجده في («البداية والنهاية)) لابن كثير ١٠ : ٣٤٢. وغير هذا. ١ - ونسبه إليه أيضاً القاضي عياض في ((ترتيب المدارك)) ١: ١٧٤، وفيه سَقْط وتحريف يصحَّحان من الطبعة المغربية ٢ : ٤٤. ٦٩ وفي رواية له: ((ثم يبسُطُ يديه تبارك وتعالى يقول: من يُقرِض غير عديم ولا ظلوم؟)). وذكر الحافظ في ((الفتح)) ٣: ٣١ روايةً - عزاها من قبل للنسائي، ويريد: ((السنن الكبرى)) - بلفظ: ((من ذا الذي يَسترزقُني فأرزقَه؟ من ذا الذي يَستكشِفُ الضرَّ فأكشِفَ عنه؟)). فهذه نداآت الحق تبارك وتعالى تَتْرَى علينا كلَّ ليلةٍ لمدة ساعات، فما أشدَّ حرمانَ الغافلين! على مختلف أنواع غفلتهم. ولِمَا عَلِمِه ◌َ﴿ من الخير العظيم في القيام في هذه الساعات المباركات قال: ((أفضلُ الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم، وأفضلُ الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل)). رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً ٨: ٥٥. ذلك لأن المصلِّيَ يُناجي ربِّه، وربُّه في تلك الساعة يُناديه، فيكون العبدُ مقبلًا على ربه سبحانه، حين إقبال الله تعالى عليه. ولأن ((أقرب ما يكونُ العبدُ من ربّه وهو ساجد))(١) و ((أقربُ ما يكونُ الربُّ من العبد في جوفِ الليل، فإن استطعتَ أن تكونَ ممن يذكر الله في تلك الساعة فكُنْ))(٢). فإذا سجد العبدُ في جوف الليل فقد حَصَل له قربُ الله سبحانه وتعالى منه، وقربُه من الله جلَّ وعلا. نسأل الله التوفيق لذلك بفضله وعافيته . فمنْ كان يريد الله عز وجل فليتعرَّض لنفحاتِه في هذه الساعات. ومنْ كانت له إلى الله حاجةٌ يريد منه قضاءَها فليقُمْ لمناجاةِ ربِّه في هذه اللحظات، وَلْيسألِ الله ما يريد، فهذه لحظاتُ العطاء. روى مسلم في ((صحيحه)) ٦: ٣٦ عن جابر رضي الله عنه، عن النبي وَلي أنه ١ - رواه مسلم ٦: ٢٠٠ عن أبي هريرة مرفوعاً بزيادة: ((فَأَكْثِروا الدعاء)). ٢ - رواه الترمذي ٩: ٢١٨ (٣٥٧٤) عن عمرو بن عَبّسَة رضي الله عنه مرفوعاً وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ٧٠ قال: ((إن في الليل لَسَاعةٌ لا يُوافِقها رجل مسلم يَسألُ الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلةٍ))(١). وهذه ساعات المحسنين يقدِّمون فيها بين يديهم إحسانَهم، لينالوا مما عند الله ما يَليق بكرمه: ﴿إن المتَّقِينَ في جناتٍ وعُيونٍ. آخِذِين ما آتاهُم ربُّهم، إنهم كانوا قبلَ ذلك﴾ أي: في الحياة الدنيا ﴿مُحْسِنِين﴾ ثم ذَكَر وجوهَ إحسانهم، وأوَّلُها: كانوا قليلاً من الليلِ ما يَهْجَعُون. وبالأسحارِ هم يَسْتَغْفِرون﴾. وقوله جل شأنه: ((من يُقْرض غير عديم ولا ظَلوم)) أي: من يُقْرض غير فقيرٍ ولا ظالم. قال الإمام النووي رحمه الله في (شرح مسلم)): ((والمراد بالقَرْض - والله أعلم - عملُ الطاعة، سواءٌ فيه الصدقةُ والصلاةُ والصوم والذِّكر وغيرُها من الطاعات، وسماه سبحانه وتعالى قَرضاً: ملاطفةً للعباد وتحريضاً لهم على المبادرة إلى الطاعة، فإن القرضَ إنما يكون ممن يَعْرفه المُقْتَرِض، وبينه وبينه مؤانَسةٌ ومحبةٌ، فحين يتعرَّض للقرض يبادر المطلوبُ منه بإجابته، لفرحه بتأهيله للاقتراض منه وإذلالِه عليه وذكره له. وبالله التوفيق)). وأقربُ منه قولُ العلامة علي القاري رحمه الله في ((شرح المشكاة)) ٣: ١٤٦: ((من يُقْرض: أي من يُعطي العبادة البدنية أو المالية على سبيل القرض وأخذ العِوَض، غيرَ عديم: أي رباً غنياً غيرَ فقيرٍ عاجزٍ عن العطاء، ولا ظلوم: بعدم الوفاء أو بنقص من الثواب والجزاء. يعني: مَنْ يَعملُ في العاجلة رجاءَ الثواب في الآجلة، لغنيٌّ لا يَعِجِز عن أداء حقه، وعادلٍ لا يظلم المُفْرِض بنقص ما أخذ، بل يضاعف له أضعافاً كثيرة. وإنما وَصَفَ ذاته تعالى بنفي هذين الوصفين، لأنهما المانعان غالباً عن الإقراض. فالمعنى: مَن يَعمِلْ خيراً في الدنيا يجدْ جزاءه كاملاً عندي في العُقْبَى)). والله تعالى وليُّ التوفيق والإِحسان. ١ - قال عليَّ القاري رحمه الله تعالى في ((المرقاة)) ٣: ١٤٦: ((والحكمة في إبهام ساعة الليل - كساعة الجمعة، وليلة القدر، والصلاة الوسطى - للمبالغة في الاجتهاد لتحصيل المراد، وعدم اليأس من الفوت، وعدم الاقتصار على العبادة في وقت دون وقت، وتخليص القلب من العجب والغرور، وكون العبد بين الرجاء والخوف». ٧١ ١٢ - قال عُبَادةُ بنُ الصامِتِ لابنه: يا بُنِيَّ إنكَ لنْ تَجِدَ طَعْمَ حقيقةٍ الإِيمانِ حتى تَعْلَمَ أنَّ ما أصابكَ لم يكنْ لِيُخْطِئَكَ، وما أخطأكَ لم يكنْ ليصيبَك، سمعت رسولَ الله وَالله يقول: ١٢ - تخريجه: رواه أبو داود: كتاب السنة - بابٌ في القَدَر ٥: ٧٦ (٤٧٠٠) والترمذي : في کتاب القدر - باب (رقم ١٧) ٦: ٣٢٥ - ٣٢٦ (٢١٥٦) وقال: حديث غريب، ثم رواه في التفسير تفسير سورة ن والقلم، بالإِسناد نفسه (٣٣١٦) وقال: حديث حسن غريب صحيح = ٤: ٤٥٧ (٢١٥٥)، ٥: ٤٢٤ (٣٣١٩). معناه: في أول هذا الحديث أُنْمُوذج من تعهُّد السلف رضي الله عنهم لعقائد أولادهم، ولم يَسُق الحديث سياقةً مجرَّدة عن استنباط الفائدة منه والاعتبار، بل قدَّم ذلك، ثم استدلَّ له على وصيته بكلام النبي ◌َّر. والفائدة التي استنبطها سيدُنا عُبَادةُ هي عبرة إيمانية ودرس عملي لمن يخوض غَمْرة الدنيا، فتتجاذبُه سَرَّاؤْها تارةً، وضَرَّاؤها تارة: ((لن تجدَ طَعْمَ حقيقةٍ الإِيمان .. )) وهذا لا يكون إلا بعد جهادٍ طويل، فلم يكتفِ بطعم الإِيمان، بل نبّهه إلى أعلى من ذلك: طعم حقيقة الإِيمان. ((حتى تعلم أن ما أصابك)) من خير أو شر، خطأ أو صواب، ضُرِّ أو نفع ((لم يكن)) أبداً ولا يمكنُ ((ليخطئك)) أي: لِيفوتك فينزلَ على غيرك ولا يُصيبَك ((وما أخطأك)) أي: وما فاتك فنزل على غيرك ((لم يكن لِيُصِيبَك)) إذْ يلزم من ذلك عدمُ صحة العلم الإِلَهيّ، وعجزُ القدرة الإِلَهية! وهذا مُحالٌ. والدليل على ذلك: حديثُ رسول الله ◌َ﴿ الدالُّ على أن كلَّ ذلك مقدَّرٌ مسطور قبل خَلْق السمواتِ والأَرَضين بخمسين ألفَ سنةٍ، كما جاء في صحيح مسلم في كتاب القَدَر ١٦: ٢٠٣ عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي ◌َّهُ: ((كتب الله مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلُقَ السمواتِ والأرض بخمسين ألفَ سنةٍ، قال: وعرشُه على الماء)). ٧٢ ((إنَّ أولَ مَا خَلَقَ الله القَلَمُ، فقال له: اكتُبْ. قال: ربِّ وماذا أَكْتُبُ؟ قال: أُكْتُبْ مَقاديرَ كُلِّ شيءٍ حتى تقومَ الساعةُ)). وذلك ((أن أولَ ما خَلَق الله القلمُ، فقال له: اكتبْ. قال: ربِّ وما أكتبُ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كلِّ شيء حتى تقوم الساعة)). والقلم: عالمٌ من العوالم المخلوقة بأمرِ الله، لا تُعْرَف ماهيتُه ولا صفاتُه. وظاهر الحديث أنه أولُ ما خلق الله، ومثلُه جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله ﴿ل قال: ((إن أولَ شيءٍ خَلَقه الله القلمُ، وأَمَره أن يكتبّ كلّ شيء))(١). مع أن حديثَ عِمرانَ بنِ حُصَين المرويَّ في مواضع في البخاري، منها في كتاب التوحيد - باب «وكان عرشُه على الماء)) ١٣: ٤٠٣، وفيه أن أهل اليمن قالوا للنبيِ وَله: جئناك لنتفقَّه في الدين وَلِنسألك عن أولِ هذا الأمر ما كان؟ فقال لهم: ((كان الله ولم يكنْ شيءٌ قبله، وكان عرشُه على الماء)): فإنه يشير إلى أسبقيّة العرش والماء. وفي ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية رحمه الله ٢: ٢٧٥: ((ذهب كثير من السلف والخلف إلى أن العرش متقدِّم على القلم واللوح مستدلَّين بهذا الحديث» حدیث عمران المذكور. وفي ((فتح الباري)) ٦: ٢٨٩: ((حكى أبو العلاء الهَمْداني أن للعلماء قولين في أيهما خُلِق أولاً: العرش أو القلم؟ قال: والأكثر على سَبْق خَلْق العرش، واختار ابن جرير ومَن تَبِعه الثاني)» وأفاد ابن كثير في أول «البداية والنهاية)) ١: ٧ أن ابن الجوزي تبع ابن جرير، وقال: ((يُحمل حديث القلم - ((أول ما خَلَق الله القلم)) - على أنه أول المخلوقات من هذا العالَم)). فهي أوليّة مقيّدة، أما الأولية المطلقة من بين المخلوقات فللعرش. ولما خلق الله تعالى القلمَ وجَّه إليه الخطاب، وكلَّفه بمهمته: ((اكتبْ)) فقال القلم: ((ربِّ وماذا أكتب؟)) ولكلٍّ مخلوقٍ لُغَتُه ونُطْقُه، وهذا محمولٌ على الحقيقة لا مجازّ ولا تأويلَ. ١ - قال الهيثمي رحمه الله في ((المجمع)) ٧: ١٩٠: ((رواه البزار ورجاله ثقات). ٧٣ ٠٠ قال الله تعالى: ((ثم استوى إلى السماءِ وهي دُخَانٌ فقال لها وللأرض: ائْتِيَا طَوْعاً أو كَرْهاً، قالتا: أَتْنا طائِعين)). وقال تعالى: ﴿اليومَ نَخْتِم على أَفْواهِهم وتُكَلِّمنا أيديهم وتَشْهَدُ أُرجلُهم بما كانوا يكسبون﴾. وقال أيضاً: ﴿تُسَبِّحُ له السمواتُ السَّبْعُ والأرضُ ومَنْ فيهنَّ، وإنْ منْ شيءٍ إلا يُسَبِّحُ بحمده، ولكنْ لا تَفْقَهُون تَسْبِيحَهُمْ، إنه كان حليماً غفوراً﴾. فالسموات والأرض تتكلّم، وتُسَبِّح، والأيدي والأرجلُ تتكلّم، وذلك بعد أنْ يختم الله على أفواه الكافرين التي هي محلَّ النَّطق والكلام، وكلّ شيء في هذا الکون یسبِّح الله إلا إذا کان في أصلہ رطباً ثم یبس، فلا، کما دلّ عليه حديث ابن عباس عند أصحاب الكتب الستة - وهذا لفظ البخاري في كتاب الوضوء ١: ٣١٧ - قال: مرَّ النبي ◌َّ بحائط - أي بستان - من حِيطان المدينة - أو مكة - فسمع صوتَ إنسانَيْن يعذُّبان في قبورهما، فقال النبيِ نََّ: ((يُعَذَّبان، وما يعذُّبان في كبير)» ثم قال: ((بلى، كان أحدُهما لا يَسْتَتر من بوله، وكان الآخَر يمشي بالنميمة)). ثم دعا بِجَريدةٍ - أي جريدة نخل لم يَنْبُتْ فيها خُوْص - فكسَرَها كِسْرَتَيْنِ، فوضعٍ على كلِّ قبرِ منهما كِسْرةً، فقيل له: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: ((لعلَّه أنْ يُخَفَّفَ عنهما ما لم تَيْبَسا)) أو ((إلى أن تَيْبسا)). وذلك أن الرَّطْب ما دام رَطْباً يُسبِّح الله تعالى، فيخفّف من عذابِ صاحِبَي القبرين بتسبيحه، إلى أن ييبس. ثم جاء البيان والتفصيل للأمر الأول: ((اكتُبْ مقاديرَ كلِّ شيءٍ حتى تقومَ الساعة)). ولا ريبَ أن القلم امتثلَ الأمرَ وكتب ما قدَّره الله تعالى من حين هذا الخطاب إلى أن تقومَ الساعة، وينقضيَ أمر هذا العالَم، أما ما بعد ذلك من عوالم الآخرة ومَشَاهدِها ومواقِفِها ثم ما يكونُ من أهل الجنة بعدما يدخلونها، ومن أهل النار بعدما يدخلونها، ويكون خلودٌ بلا موت: فهذا مما لا علاقةَ للقلم به، فلم یکتبْ من ذلك شيئاً. ٧٤ وعلى أَيْشٍ وقعت الكتابة؟ وقعتْ الكتابة على اللوح المحفوظ، وليس في اللوح شيءٌ مما يكون بعد انقضاء الدنيا. وهذه الكتابةُ عامةً شاملة للكليّات والجزئيات من أمور هذا الكون، إذْ كلُّ ما فيه سيقع ويكون في هذه الدنيا، ولا يكون فيها شيءٍ أبداً مهما جلّ أو دقَّ إلا وهو مقدَّر، وما قدَّره إلا وقد عَلِمه، وعلمُ الله تعالى شاملٌ للكليات والجزئيات، كما هو مقرَّر عند أهل الحق، خلافاً لمن كَفَر من الفلاسفة بقولهم إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات !. ﴿وعنده مفاتحُ الغيبِ لا يَعلَمُها إلا هو، ويَعلَمُ ما في البر والبحر، وما تَسْقُطُ من ورقةٍ إلا يَعلَّمُها، ولا حبَّةٍ في ظلماتِ الأرضِ ، ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتاب مبين﴾. ﴿إليه يُرَدُّ علمُ الساعة، وما تَخْرُجُ من ثمراتٍ منْ أكمامِها ومَا تَحْمِلُ من أنثى، ولا تَضَعُ إلا بعلمه﴾ . والتقديرُ أزليُّ قديم بِقِدَم الله عز وجل، لأنه تابعٌ لعلم الله تعالى، وعلمُه: صفةٌ أزلية، كباقي صفاته. أما هذه الكتابة فحادثة، بحدوث القلم واللوح، ولكنْ ليس معنى حدوثها أنها تُسجَّل في اللوح بعد وقوعها !! لا، إنما حدَّثنا رسول الله وَه عن تاريخ حدوثها، في الحديث الذي تقدَّم نقله عن صحيح مسلم: ((كَتَبَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلُق السمواتِ والأرضَ بخمسين ألف سنة)). فَعَلِمَ الله تعالى ذلك وقدَّره أزلاً، ثم جاءت الكتابة بالقلم على اللوح المحفوظ حادثةً، ثم خلق السمواتِ والأرض وما بينهما، وکان ما كان وما یکون وما سيكون، على وَفْق ما هو مسجَّل مسطّر في اللوح، حتى إن خلق السموات والأرضين جاء كما هو مكتوب في اللوح، بل إنّ ما كان - مما لا يعلمه إلا الله - في هذه الخمسين ألفَ سنة بين كتابة المقادير وبين خلق السموات والأرض، كلُّه قد كان وحَصَل على وَفْق ما سُطّر فيه. والفِرِقَةُ القَذَرية المعروفةُ فِي كُتُب الفِرَق والمقالات: طائفتان، طائفةٌ تزعُم أنْ ٧٥ يا بُنِيَّ إني سمعتُ رسولَ اللهِ مََّ يقولُ: (مَنْ ماتَ على غيرِ هذا فليس مني)). (لا قَدَرَ وأن الأمرَ أَنْفٌ)) كما قال يحيى بن يَعْمَر أحد التابعين لعبدالله بن عمر رضي الله عنهما، وحديثه هو الحديث الأول في كتاب الإِيمان من صحيح مسلم. ومعناه: لم يقدّر الله تعالى شيئاً على العباد أزلاً، ونفيُ تقديره: نفيُ عِلْمِه أزلاً أيضاً، فَنَفَوْا العلمَ الإِلَهِيَّ أزلا بالكائنات والحوادث، وأن الأمر - أي عِلَّمَ الله تعالى بالأشياء ـ آنُّفُ: جديدٌ حادث يَستفيده ويَعلَمه الله تعالى بعد وقوعه. وهذه الطائفة هي القَدَرية القديمة التي أدركها عدد كبير من الصحابة، وقال فيهم عبدالله بن عمر - في الحديث المشار إليه - ليحيى بن يَعْمَر: أَخْبِرهم أني بريء منهم، وأنهم بُرَاءُ مني، والذي يَحلِف به عبدالله بنُ عمر لو أن لأحدهم مِثْلَ أُحُدٍ ذهباً فَأَنفقته ما قَبِل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم حدَّث بحديث جبريل المشهور: أخبرني عن الإِسلام، أخبرني عن الإيمان، أخبرني عن الإحسان ... ونَقَل الإِمام النووي في شرح مسلم ١: ١٥٦ عن القاضي عياض قولَه «القائلُ بهذا كافرٌ بلا خلاف». وقال النووي قبل قليل ١: ١٥٤: ((وقد انقرضت القَدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل، ولم يَبقَ أحدٌ من أهل القبلة عليه)). قلت: وعليه يُحمل تتمة حديث عبادة الذي نشرحه: سمعت رسول الله ﴾ يقول: (من مات على غير هذا فليس مني)). أي: ليس على ملْتي وديني الذي جئتُ به. وأما الطائفة الثانية من القدرية: فقال النووي: ((وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر، ولكنْ يقولون: الخيرُ من الله والشرُّ من غيره، تعالى الله عن قولهم)». قلت: وهؤلاء هم الذين يعرفون في كتب العقائد والكلام بالمعتزلة، وليست كافرة، بل هي ضالّة مبتدعة. نسأل الله أن يرزقنا الإِيمان الكامل، وأن يتوفانا عليه. ٧٦ ١٣ - عن مسلم بن يَسارٍ الجُهَني، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سُئِلِ عن هذه الآيةَ: ﴿وإذْ أُخَذَ ربُّك من بني آدمَ من ظُهُورهم ذُرِّيَّتَهِمْ وأَشْهَدَهُمْ على أَنْفُسِهم: أَسْتُ بربِّكم؟ قالوا: بلى، شَهِدْنا أنْ تقولوا يومَ القيامةِ إنا كنا عن هذا غافلين ﴾؟ فقال عمر بن الخطاب رضي ١٣ - تخريجه: رواه مالك في ((الموطأ)) كتاب الجامع - النهي عن القول بالقدر ٣: ٩٢، ومن طريقه: أبو داود: كتاب السنة - باب في القدر ٥: ٧٩ (٤٧٠٣)، والترمذيُّ في كتاب التفسير - ومن سورة الأعراف ٨: ٢٣٣ (٣٠٧٧) = ٥: ٢٦٦ (٣٠٧٥) وقال: حديث حسن، وتتمة كلامه تُشْعِر أنه يريد الحسن لغيره. معناه: الآية الكريمة من سورة الأعراف، ورقمها ١٧٢، ومعناه الإجمالي: أن الله تعالى أخرج ذريةً آدمَ من ظهره على سبيل التوالُد بعضهم من بعض، كما هو الحال في الدنيا، وأخَذ عليهم الميثاق: ألستُ بربكم؟ قالوا: بلى، أنت ربُّنا، شَهِدْنا على أنفسنا بذلك. ثم حذَّر تعالى بصيغة تعليل فقال: ﴿ أن تقولوا .. ﴾ أي: لئلا تقولوا يوم القيامة ... ، والمعنى: أحذِّركم أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، فإني أرسلتُ إليكم رسولاً وأنزلت عليه هذا التذكير بذلك الموقف، كي لا تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين. روى الإمام أحمد في ((المسند)) ١: ٢٧٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبيِ نَّه قال: ((أخذ الله الميثاقَ من ظهرِ آدم بنَعْمان - يعني عرفة - فأخرج من صلبه كلَّ ذرية ذَرَأَها، فَثَرَهم بين يَدَيْهِ كالذَّرِّ، ثم كلَّمهم قِبَلًاً (١)، قال: ألستُ ١ - قال في ((النهاية)) ٤: ٨: ((أي: عِياناً ومقابلة لا من وراء حجاب، ومن غير أن يُوَلِّي أمرَه أو كلامه أحداً من ملائكته». ٧٧ بربكم؟ قالوا: بلى، شَهِدْنا، أن تقولوا يومَ القيامةِ إنا كنا عن هذا غافلين. أَوْ تقولوا إنما أشركَ آبَاؤُنا من قَبْلُ، وكنا ذريةً من بعدهم(١)، أَفْتُهْلِكُنا بما فَعَلِ الْمُبْطِلون))(٢). وروى عبدالله بن الإِمام أحمد في زوائده على ((المسند)) ٥: ١٣٥ عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه من قوله في تفسير هذه الآية: ((جَمَعَهم - الله تعالى - فجعلهم أرواحاً، ثم صوَّرهم، فاستنطقهم فتكلُّموا، ثم أَخَذَ عليهم العهدَ والميثاقَ وأَشْهَدَهم على أنفسهم: ألستُ بربكم؟ قال - الله -: فإني أُشهِدُ عليكم السمواتِ السَّبْعَ والأرضين السبعَ، وأَشْهِدُ عليكم أباكم آدمَ عليه السلام: أن تقولوا يومَ القيامة: لهْ نعلمْ بهذا، اعلموا أنه لا إلّه غيري، ولا ربَّ غيري، فلا تُشْرِكوا بي شيئاً، إني سأرسل إليكم رسُلي يُذَكِّرونكم عهدي وميثاقي، وأُنزِلُ عليكم كتبي، قالوا: شهدْنا بأنك ربّنا وإلَهُنا، لا ربَّ لنا غيرُك. فَأَقْرُّوا بذلك. ورفع عليهم آدمَ يَنْظُر إليهم، فرأى الغنيَّ والفقير، وحَسَنَ الصورة ودون ذلك، فقال: ربِّ لولا سَوَّيتَ بين عبادك؟ قال: إني أحببتُ أن أُشُكَر. ورأى الأنبياءَ فيهم مِثْلَ السُّرُجِ، عليهم النورُ، خُصُّوا بميثاقٍ آخَرَ في الرسالة والنبُوَّة، وهو قولُه تعالى: ﴿وإذْ أَخَذْنا من النبيينَ مِيثاقَهم ومنك ومن نوحٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى ابنِ مريم﴾ كان في تلك الأرواح فأرسلَه إلى مريم)»(٣). قلت: وهذا وإنْ كان موقوفاً على أبيّ بن كعب إلا أنه مما لا يُدرَكُ بالرأي والاجتهاد والفهم من الآيتين المذكورتين، وأَبيَّ لم يُعرَفْ بالأخذ عن أهل الكتاب، فهو مما يُجْزَم بأن له حكم الرفع، وأنه سمعه من النبي ◌َّاه، وإن لم يُصَرِّح بروايته عنه . وفي الآية الكريمة كلامُ وأقاويلُ أخرى لا حاجة إلى ذكرها. ١ - أي: أَتْباعاً لهم في الشرك. ٢ - قال الهيثمي في ((المجمع)) ٧: ٢٥: ((رجاله رجال الصحيح)) لكن الحافظ ابن كثير أعلَّه في تفسيره ٢ : ٢٦٢ ورجح وقفه على ابن عباس. ٣ - قال الهيثمي في ((المجمع)) ٧: ١٢٥ فيه: ((محمد بن يعقوب الربالي وهو مستور، وبقية رجاله رجال الصحيح)) قلت: الرِّبَالي ليس بمستور، وانظر ((تعجيل المنفعة)) ص ٢٥٠ لزاماً. ٧٨ الله عنه: سمعت رسول الله ﴿ يُسأل عنها، فقال رسول الله وَله: ((إن الله تبارك وتعالى خَلَق آدمَ ثم مَسَحَ ظهره بيمينه حتى استخرجَ منه ذرِّیةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنةِ يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرِّية فقال: خلقتُ هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون)). وهذا الذي دلَّت عليه الآية هو ما يُسَمِّيه العلماء رحمهم الله تعالى: عالَمَ الذَّرِّ. والله أعلم. قال ◌َله: ((إن الله خلق آدمَ ثم مسحَ ظهرَه بيمينه حتى استخرج منه ذريةً فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون .. )) ثم قال نحوه بالنسبة لأهل النار. ويبدو أن ثمةَ إجمالاً في قوله: ((استخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة)) بِّه ويفصِّله حديثُ ابنِ عباس المرفوع، وكلامُ أَبيِّ بن كعب السابقَّيْن، تقديره وتقريره - والله أعلم - استخرج منه ذرية فاستشهدهم على أنفسهم لنفسه بالربوبية، فمن أجاب طواعيةً جعله من أهل اليمين والجنة، ومن أجاب اضطراراً جعله من أهل الشمال والنار. فسأل الرجلُ نفسُه - كما يستفاد من رواية الترمذي - سؤالاً ثانياً: ففيمَ العملُ يا رسول الله؟ فأجابه وه جواباً مفصّلاً، وأجاب عليه الصلاة والسلام عن الإشكال نفسِه جواباً موجّزاً في مواقفَ أخرى متعدِّدة فقال: ((اعملوا فكلّ مُيَسَّرَ لما خُلِق له)»(١). وكلمة ((مُيَسِّر)): كلمةٌ جامعةٌ لكلمتين تندرجان تحتها، هما الكلمتان الشائعتان على أَلسُن الناس: مسيّر ومخيّر، والإِنسانُ ليس مسيّراً فحسبُ، كما تقوله الجبرية، ولا مخيّاً فحسبُ، كما تقوله المعتزلة، إنما هو مسيَّر ومخيرٌ معاً، وبدلاً من أن ١ - رواه البخاري في مواضع، آخرها كتاب القدر - باب وكان أمر الله قدراً مقدوراً ١٣: ٤٩٤ وهنا شرحه ابن حجر، ومسلم: كتاب القدر أيضاً أوله ١٦ : ١٩٥ كلاهما عن علي رضي الله عنه: كنا في جنازة في بقيع الغرقد ... ٧٩ فقال رجل: ففيمَ العملُ يا رسول الله؟ قال: فقال رسول الله وَّه: (إن الله إذا خَلَق العبدَ للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل الجنة، فَيُدخلُه به الجنةَ، وإذا خَلَقَ العبدَ تقول كلمتين وكلَّ منهما تُوهِم، فإنا نقول ما قاله عليه الصلاة والسلام: ميسَّر، فاللّه تعالى بيسِّره للخير وبيسِّر الخيرَ له - من حيثُ لا يشعر - فهو مسيّر من هذه الناحية وهو يمشي في طريق هذا الخير باختياره دون عصا تُلْجِئُه، فهو مخيّر من هذه الناحية . وقد غيَّب الله تعالى عن عباده تلك النتائجَ المحتومةَ ليبقى للإِنسان اختيارُه سلوكَ الطريق التي يريدها، وهذا الاختيارُ هو مَنَاطُ التكليفِ، ومحلُّ الثواب والعقاب. نقل النووي في شرح مسلم ١: ١٥٤ - ١٥٥ عن الخطابي رحمهما الله تعالى قوله: ((وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبارُ الله سبحانه وتعالى العبدَ وقهرُه على ما قدَّره وقضاه، وليس الأمرُ كما يتوهّمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدُّم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من اكتساب العبد وصدورِها عن تقديرٍ منه وخلقٍ لها: خيرها وشرِّها)). ونقل عنه ابن حجر في ((الفتح)) ١١: ٤٩٨ نصاً آخر، قال رحمه الله: ((لما أخبر ◌َ ﴿ عن سَبْق الكائنات رام من تمسَّك بالقدر أن يتَّخذه حجةً في ترك العمل، فأعلمهم أن هنا أمرين لا يَبطلُ أحدهما بالآخر: باطن، وهو العلَّةُ المِوجبةُ في حكم الربوبية، وظاهر، وهو العلامة اللازمة في حق العبودية، وإنما هي أمارةٌ مُخِيلةٌ في مُطالَعةِ علم العواقب غيرُ مفيدة حقيقة، فبيّن لهم أن كلّ ميسَّر لما خُلق له، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل، ونظير ذلك: الرزق - محتوم مقدَّر - مع الأمر بالكسب، والأجل - مقدَّر مسطّر - مع الإِذن في المعالجة)). وهذا كلام جيد وقوي. وتقرير هذا التنظير: أن الله تعالى قدَّر أرزاقنا فهي محدودة بما قدَّره، محتومةً لن تتغيَّر في علمه، ومع ذلك أمِرنا بالكسب والسعي. وآجالُنا كتبتْها الملائكة حين نَفَخت فينا أرواحنا ونحن في أرحام أمهاتنا، فهي معلومة محدودة، ومع ذلك قال ◌َّهر: ((تَداوَوْا عبادَ الله)) قال الترمذي: حسن صحيح. ٨٠ للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عملٍ من أعمالِ أهلِ النار، فَيُدْخِلُه به النَّارَ)). وهكذا خواتيمنا معلومةٌ عنده تعالى، ومع ذلك أُمّرنا بالعمل الصالح، ونهانا عن العمل الفاسد. فيقال لمن يحتجُّ بالقدر - وهو مغيّب عنه - لمَ لا تحتجُّ بالقدر المغيّب عنك في مجال رزقك وأجلك، فاستسلمْ للفقر الذي تعيشُه، وللمرضِ النازلِ بك !! وإلا فما الفرقُ بين هذا وذاك؟ !. ولهذا فإنه لا يجوز للعبد أن يحتجَّ بما هو مغيَّب عنه ليسوِّغ أعمالَه الشّرِّيرة، لأنه من تسويل الشيطان له ووسوسته؛ فإذا ◌ُوتِب على ترك الصلاة والزكاة ... وشُرب الخمر وفعل المنكرات ... قال: هكذا قدَّر الله عليّ. فإن هذا الأحمق الآثم: يُسوِّغ لنفسه البقاءَ على منكراته، وبدلاً من أن يوبِّخ نفسه ويَعِتِب عليها إذا به يُوجِّه العتبَ على الله سبحانه وتعالى: هكذا قدَّر الله عليَّ !. وفي كلامه هذا من الضلال الكبير ما لو عَقَلَه لُأَقْلَع عنه وعن معاصيه، ذلك أن مؤدَّى الشعور بالجبر، وأن الله قدَّر عليه كذا فهو مستسلم له، وسيفعله قبل علمه بما قدَّر عليه، مؤدَّى ذلك: تعطيل الشرائع وإلغاؤها، وإلا: فلمَ أَمَرَه تعالى ونهاه، وأوجب عليه وحرَّم، وأثاب وعاقب ... ما دام هناك قدرٌ ملزِم للعبد ينزع منه اختياره، ويسلبه عقله؟ !. وكم وكم في القرآن الكريم من كلمات تنسب الأعمال إلى العباد أنهم عملوها، فلو كان هناك إجبار من الله تعالى لما نَسَب الأعمال إلى العباد، بل كان يُنْسُبها إلى نفسه، كما يَنسُب الأعمال الكونية إلى نفسه. فهو سبحانه يقول: ﴿أَفَرَأيْتُمٍ ما تَحْرُثون. أأنتم تَزْرَعُونه أم نحن الزارعون﴾. ﴿أَفَرَأيْتُمُ الماء الذي تَشْرَبون. أَنتمٍ أَنْزَلْتموه من المُزْنِ أم نحن المُنْزِلون﴾. ﴿أَفَرأيتُم النارَ التي تُوْرُوْنَ. أَنتمِ أَنْشَتُم شَجَرَتها أم نحن المُنْشِئون﴾. فهو سبحانه ينسب خَلْقَ السموات والأرض وما بينهما إليه، وجَعْلَ السمواتِ