النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ ٦" - حَصَل تقصير في تخريج بعض الأحاديث، وهو نادر أيضاً. مثال ذلك: الحديث ٢٨٥، نَقَلوه عن ((سنن النسائي))، وهو في ((صحيح مسلم)) ١١٢:٤ بشرح النووي، ولا ريب أن نقله منه هو المتعيِّن. ٤ - كتاب ((المقاصد السَّنِية)) لابن بَلْبَان المقدسي. جمع فيه مؤلفه مائة حديث. ختم كلِّ عشرة منها بحكاياتٍ وعظية، وأشعار زُهدية، ذلك أن علماءنا رحمهم الله تعالى، كان يَهمُّهم من أمر العامة ما يهمُّهم من أمر الخاصة، فكأن المؤلف ابن بلبان كان يُملي كتابه إملاءً، ومن عادة المُمْلين - كما نراه عند ابن رجب في رسائله - أن يختموا مجالسهم الإملائية بأشعار مناسبة، وابنُ بَلْبَان يختمها بالوعظ والزهد والرقائق، مراعاةً لحال العامة. إنما يؤخذَ عليه: إيراده فيها ما لا زِمام له ولا خِطام !. أما منهجه في المائة حديث: فهي قدسية في الغالب، وفيها ما ليس بقدسي، ذلك أنه يعتبر الأحاديث التي فيها ذكر جبريل عليه السلام قدسية، كحديثٍ بدء الوحي، وحديثِ ((سَبَقك بها عُكَّاشة)) إذْ فيه قوله ((يا جبريل هؤلاء أمتي .. ))، وحديث إمامة جبريل بالنبي وَ﴿ الأوقاتِ الخمسة، عقب ليلة الإِسراء، ونحو ذلك، وهذه أرقام ما وقفت عليه: (١، ٧، ١١، ١٢، ٢٥، ٣٣، ٤٢، ٥٣، ٧٧). فهو يشترك - مع الكتاب السابق - في هذه الملاحظة عليه. كما يشترك معه - ومع الكتابين السابقين أيضاً - في أنه لم يَخْلُ من أحاديثَ تالفةٍ ضمن المائة - سوى ما في خواتيم كل عشرة - كالحديث ١١، ٧٧. والله أعلم. منهجي في اختياري: حَرَصتُ فيما جمعتُ أن أحترز من الملاحظات التي أَبديتُها على هذه الكتب الأربعة . ٢٢ ١ - فالتزمْتُ الصحةَ أو الحُسْن فيها. فغالبها من الصحيحين، وإذا لم يكن الحديث منهما ذكرتُ من صحَّحه أو حسِّنه، إما من كلام مخرجه كالترمذي رحمه الله، وإما من العلماء الآخرين، كالعراقي، وابن حجر، والشهاب البُوصِيري في زوائد ابن ماجه، وغيرهم، ولا أدفع عن بعضها الاختلاف فيه . ٢ - كما التزمتُ أن تكون كلُّها قدسيةً، إما مصدَّرة بـ: قال الله تعالى كذا، ونحوه، وإما أن الجملة القدسية متخلَّة أثناء الحديث. وشدَّدتُ على نفسي في هذا الالتزام، فإذا تضافرت الرواياتُ على كونه نبوياً، وانفردت منها روايةً بلفظةٍ تجعلُه قدسياً: توقّفتُ عن ذكره. مثال ذلك: حديث ابن عباس عند البخاري في كتاب الرِّقاق - باب الحشر ٣٧٧:١١ (٦٥٢٦): ((إنكم مَحْشُورون حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً .. وإنه سَيُجَاءُ برجال من أمتي، فيؤخَذ بهم ذاتَ الشمال، فأقول: يا رب أُصَيحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)). وظاهرٌ من هذا أن فاعل (فيقول) هو الله عز وجل، بقرينة قوله قبله: یا رب أُصيحابي . لكنْ رواه البخاري قبلَ هذا الموضع في أربعة مواضع أخرى، موضعين في أحاديث الأنبياء ٦ : ٣٨٦، ٤٧٨ (٣٣٤٩، ٣٤٤٧)، وآخر سورة المائدة ٢٨٦:٨ (٤٦٢٥) وأول سورة الأنبياء ٨: ٤٣٧ (٤٧٤٠)، وفيها كلّها: ((فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)). وكذلك جاءت رواية مسلم ١٧ : ١٩٤. وزادني توقُّفاً أن مسلماً روى في أحاديث استحباب إطالة الغُرَّة والتحجيل في الوضوء ٣: ١٣٦ - بشرحه - عن أبي هريرة حديثاً فيه حكاية هذا الموقفِ نفسِه عند الحوض، ولفظه: ((وَلَيُصَدَّنَّ عني طائفةٌ منكم فلا يَصِلون، فأقول: يا ربِّ هؤلاء من أصحابي، فيجيبني مَلَكٌ: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟)). فلهذا لم أذكره. ٢٣ أما في حالٍ روايةِ الحديثِ على وجهين متكافئين: قدسي ونبوي: فإني أذكره، كما يراه القارىء الكريم في رقم ٧٦، ٧٨. ٣ - وخرَّجت الحديث من أشهرِ كتابٍ رواه، فلا داعي إلى عزو الحديث إلى ((سنن أبي داود)) أيضاً إذا كان في الصحيحين، وإذا كان في ((سنن أبي داود)) أو ((سنن الترمذي)) فلا حاجة إلى زيادة عزوه إلى ابن ماجه - مثلاً -. وإن فعلتُ شيئاً من هذا أوضحتُ مرادي. وسلكتُ في التخريج والعزو طريقة المحدثين، ذلك أني أنقلُ لفظَ الحديثِ من البخاري - مثلاً - ويكون هو في ((صحيح مسلم)) أيضاً، فإني أعزوه إليهما مع وجودٍ اختلافٍ بين اللفظين. ولا أنّبِّه على شيء من المغايرات إلا أحياناً لأمرٍ يتَّصل بمعنى الحديث. ٤ - ولاحظتُ حالَ متوسّطةٍ قراءِ الكتاب الإِسلامي، فأكثرتُ جداً من ضبطٍ ألفاظِ الحديث، وتبسِّطتُ في شرح غريبه، وحَرَصت - كعادتي - على نقل المعاني الدقيقة الواضحة للكلمات الغريبة التي تَقْرُب معانيها من غيرها فيظنُّ فيها الترادف، معتمداً في ذلك ((مفردات القرآن)) للراغب الأصفهاني، و ((النهاية)) لابن الأثير رحمهما الله تعالى. ٥ - أما شرح الحديث ومعناه: فحَرَصتُ جداً على تبسيط الأسلوب، وخُلُوِّه من الكلمات الاصطلاحية، وبُعدِه عن الأسلوب العلمي الذي يُحتاج معه إلى مراجعةٍ أو مَرجِع. ٦ - ووثَّقت النقول، فعزوتها إلى مصادر معتمدة، يَطمئنُّ إليها علماء الإِسلام، ويَرضَوْنها في فهم كلام الله تعالى ورسوله وَله . ٧ - ورتّبْتُ الأحاديث على وَفْق موضوعاتها، بجمع النظائر إلى بعضها، فجاء الكتاب شِبْهَ مرتّبٍ على الأبواب، مع مراعاة أبرز موضوع للحديث. والله عز وجل هو المسؤول وحده: أن يتقبَّل هذا العمل مني - وسائر ما ٢٤ أعمله - وأن يجعل فيه السداد، ويُعْظِم به النفع، ويُجزِلَ لي الأجر والمثوبة، إنه خير مسئول، وأكرم مرجُوٌّ ومأمول. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه. والحمد لله رب العالمين. المدينة المنورة ١٤١١/٨/٩ و کتبه محمد عوامة ٢٥ ١ - عن أبي إدريسَ الخَوْلاني رحمه الله، عن أبي ذرِّ الغِفَارِيِّ رضي الله عنه، عن النبي وَلير، فيما رَوَى عن الله تبارك وتعالى، أنه قال: ١ - تخريجه: رواه مسلم في كتاب البر والصلة - باب تحريم الظلم ٤: ١٩٩٤ (٥٥)، ((شرح النووي)) ١٦: ١٣١، ورواه الترمذي بنحوه وفيه زيادات ٧ : ١٨٧ (٢٤٩٧) من طبعة حمص، و٤: ٦٥٦ (٢٤٩٥) من الطبعة التي ابتدأ تحقيقها العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى. معناه: هذا الحديث الشريف من أشهر الأحاديث القدسية وأجلُّها، وأعظمها وَقْعاً ومهابةً. في نفس المؤمن. وقد ذكر الإِمام مسلم عَقِبَه أن أبا إدريس الخَوْلانيّ كان إذا حدَّث بهذا الحديث جَثًا على ركبتيه. ونقل الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((جامع العلوم والحكم)) ص ١٩٥ عن الإِمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال عن هذا الحديث: ((هو أشرف حديث لأهل الشام))! لذلك صدَّرت به الكتاب. بل أرى أنه مثلُ حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) الذي قال فيه الإِمام عبد الرحمن بن مهدي: ((من أراد أن يصنّف كتاباً فليبدأ بحديث: إِنما الأعمال بالنيات)). نقله ابن رجب أيضاً أول ((جامع العلوم والحكم)). وهذا الحديث - حديثُ أبي ذر - كذلك هو من حيثُ الجلالةُ والشمولُ. افتتح الله عز وجل هذا الحديث بندائه لعباده، وشرَّفهم بإضافتهم إليه فقال: ((يا عبادي)). وهو لفظ يدخل فيه كلُّ من تتوجَّب عليه عبادة الله عز وجل عبادةً تكليف، فيدخل تحت هذا النداء الكريم: الإِنس والجن جميعاً. وكَرَّره الله عز وجل - وفيه من التلطّف والتعطّف ما فيه - قبل كلِّ تنبيه إلهيٍّ هام يريد الله تعالى به تنبيه عباده إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم. ٢٦ ((يا عبادي إني حرَّمتُ الظلْمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرَّماً، فلا تظالموا. وفي هذا التكرير أعظمُ لفتِ نظرٍ، وشدِّ اهتمام. ولما كان من طبيعة النفوس البشرية الاطمئنانُ إلى العدل وأهله، والركونُ إلى الإنصاف في المعاملة: قدَّم الحقُّ سبحانه وافتتح هذا الحديثَ العظيمَ الشأن بما يُطَمْئِنُ عباده، ويجعل نفوسهم رضيّة فقال. ((يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي)) فاطمئنُوا إلى ما آمركم به وأنهاكم عنه، فإني لا أريد من ذلك إلا خيرَكم، ولهذا فإني ((جعلتُه بينكم محرَّماً))، لتعيشوا في خير تام، فلا يَبْغِ أحدٌ على أحد: ((فلا تَظَالموا)). أي: فلا تتظالموا. وهذا نصَّ على تحريمِ أحدٍ نَوْعَي الظلم، إذِ الظلم: ظلم للنفس، وظلم للآخرين. فظلم النفس: بالمعاصي، وأعظمُها الشرك بالله تعالى. قال عز وجل: ﴿إن الشركَ لظُلْمٌ عظيمٌ﴾، وقال: ﴿وما ظَلَمْناهم، ولكنْ كانوا أنفسَهم يَظْلِمون﴾. وظلم الآخرين يكون بالقول وبالفعل. روى مسلم في ((صحيحه)) ١٦ : ١٣٥ - بشرح النووي - عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله وَ لٍّ قال: ((أَتَدْرون مَا المُفْلِسُ؟)) قالوا: المُفْلِسُ فينا مَن لا درهمَ له ولا متاعَ. فقال ◌َّه: ((إن المفلس مِن أمتي مَن يأتي يومَ القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شَتَم هذا، وقَذَف هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفكَ دم هذا، وضربَ هذا. فَيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإنْ فَنِيتْ حسناتُه قبل أن يُقْضَى ما عليه: أُخِذ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم طُرِح في النار)). ومما يشمل نوعي الظلم: ما رواه البخاري في ((صحيحه)) في تفسير سورة هود ٨: ٣٥٤ (٤٦٨٦)، ورواه مسلم أيضاً عَقِب حديث المفلس ١٦: ١٣٦ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي ◌ٍَّ: ((إن الله عز وجل لَيُعْلِي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه. ثم قرأ: ﴿وكذلك أَخْذُ ربِّك إذا أَخَذَ القُرى وهي ظالمة، إن أُخْذَه أليم شديد﴾. ٢٧ يا عبادي كلَّكم ضالَّ إلا مَنْ هَدَيْتُه، فاسْتَهْدوني أَهْدِكُم. فهو شاملٌ للظالم لنفسه بالمعاصي على اختلاف مراتبها، وشاملٌ للظالم للآخرين. وكذلك حالُ أهل القرى، منهم الظالم لنفسه، ومنهم الظالم لغيره. وإن يوم القيامة يومُ يكون فيه كمالُ مظهرِ العدلِ الإِلّهي: فلن يَدخُلَ الجنةَ مؤمن هو من أهلها ما دام عليه حقٌّ لعبدٍ ولو كانَ هذا العبد من أهل النار، كما جاء في حديث عبد الله بن أُنَيس الذي رواه أحمد ٣: ٤٩٥ وغيره - وهو حديث قدسي - وفيه: ((ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أن يدخلَ النارَ وله عند أحدٍ من أهل الجنة حقٌّ حتى أَقُصَّه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حقِّ حتى أَقُصَّه منه، حتى اللطمةُ». فليحذرْ كلُّ عبدٍ هذا الموقفَ العصيبَ، ولْيُعِدَّ له العُدَّةَ والجوابَ الذي يعتقد أنه يُرضي الله تعالى ويقبلُه منه. ثم شرّف المولى سبحانه وتعالى عباده بالإِضافة إليه ثانيةً، وناداهم: (يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدوني أَهْدِكم)). ينَبِّه الله تعالى العبادَ بأنهم كلَّهم ◌ُرْضةٌ للضلال والغِواية، ومتأهِّلٌ للشر والفساد، بما رُكبَّ عليه من نفسٍ أمَّارة بالسُّوء، وقرينٍ من الشيطان، ودنيا مُغْرِيةٍ ... إلا من استعصم بالله واستمسك بحبله المتين، وكان على وَجَل دائم من أن تَخْطَفَه المُضِلَات من النفس الشريرة، وشياطين الإنس والجن، ومفاتن الدنيا وزخارفها، فسأل الله على الدوام الحفظَ والوقايةً، والعنايةَ به والهداية، فأنعم الله عليه باستجابة دعائه، وإعطاءِ سؤاله، فوقَّقه للطاعات والقُرُبات، وجعله من عباده الصالحين . فقوله: ((كلُّكم ضالِّ)) أي: ضالّ لو تُرك وشأنَه وطبعَه، لأنه في أصل أمره مولود على الفطرة الحنيفية، لكنه يَضِلُّ لو تُرَكَ ونفسَه البهيميَّةَ تَرتَع وتَبغي، إلا من استهدى الله - أي: سأله الهداية - فهداه ووفَّقَه، وأخذ بناصيته إلى سواء السبيل. ومن أعظم مظاهر هداية الله تعالى للعبد: أن يُوفُّقه لصحبة الأخيار، واتخاذ القُرناء الصالحين الأبرار. قال الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنُوا اتَّقُوا الله وكُونُوا مع ٢٨ يا عبادي كلُّكم جائعٌ إلا من أَطْعَمْتُه، فاسْتَطْعِموني أُطْعِمْكم. يا عبادي كلَّكم عارٍ إلا من كَسَوْتُه، فاسْتَكْسُوني أُكْسُكُم. يا عبادي إنكم تُخْطِئون بالليل والنهار، وأنا أُغْفِرُ الذنوبَ جميعاً، فاستَغْفِروني أَغْفِرْ لكم. الصادقين﴾ وقال عز شأنه: ﴿اهدِنا الصِّراط المستقيم. صِراطَ الذين أنعمتَ عليهم .. ﴾ وعلَّم النبيُّ وََّ سِبْطَه ورَيحانتَه سيدَنا الحسنَ رضي الله عنه دعاء القُنوت، وأولُه: ((اللهم اهدني فيمنْ هَدَيتَ)) رواه أصحاب السنن وقال الترمذي حسن. ثم جاء بعده نداآن إلّهيان بالطعام - ومثله الشراب - وبالكساء، وأفردَ كلَّ واحد منهما بنداء، إشارةً إلى تحقّق فقر العباد بكلِّ منهما إلى الله عز وجل، ومَن كان الفقر ملازماً له في طعامه الذي هو في متناول يده بكثرة، وفي كسائه الذي عليه منه أطمارُ مختلفةُ الأشكالِ والأجناس: ينبغي أن يعلم أنه في غاية الفقر، وعليه حينئذ أن يتحقَّق بالافتقار، فيستشعرَ من نفسه أنه عبدٌ لله، محتاجٌ إليه للوصول إلى لُقمة الطعام وجَرْعة الشراب وقطعة الكساء، ثم هو محتاجٌ إليه في هَضْم هذه اللقمةِ واستساغةِ هذه الجرعة، ثم هو محتاج إليه فقير في بقاء ما ينفعُ بدنَه من هذه اللقمة والجَرْعة، وطَرحِ ما لا ينفعه، وهكذا .... ولكنَّ أكثر الناس عن هذه الحقائق غافلون، بل هم غارقون في خطايا أشدَّ منها تجاوزاً لحقوق الله عز وجل، وتعدِّياً على حُرُماته، وهم في حال لا يَسْعُهم إلا أن يتداركهم الله تعالى بمغفرته، وما عليهم إلا أن يستغفروه، لذلك عقّب بيان حالهم السابقة بالنداء الخامس : ((يا عبادي إنكم تُخْطِئون بالليل والنهار، وأنا أَغْفِر الذنوبَ جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم)). قال الإمام النووي رحمه الله في ((شرح صحيح مسلم)) ١٦: ١٣٣ في ضبط ((تخطئون)): ((الرواية المشهورة: تخطئون، بضم التاء، ورُوي بفتحها وفتح الطاء، يقال: خَطِىءَ يَخْطَأُ: إذا فعلَ ما يَأْثَم به، فهو خاطىء، ومنه قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لنا ذنوبَنا إنا كنّا خاطِئِين﴾ ويقال في الإِثم أيضاً: أخطأ، فهما صحيحان)). ٢٩ ٠٠٠ فيكون معنى قوله: إنكم تُخطِئون - على كلا الوجهين في الضبط -: إنكم تعملون أعمالاً تَأْثُمون وتُذْنبون بها. وأفاد الحديث - وهو مشاهَدٌ من أنفسنا - أن هذه الآثامَ والذنوبَ كثيرةٌ مستمرةٌ لا تنقطع، ليلَ نهار، ولكنَّ عفوَ الله تعالى ومغفرتَه أعظمُ وأوسعُ، لذلكِ تمدَّح الله عز وجل بقوله عقبه: ((وأنا أَغفِرُ الذنوب جميعاً)). ﴿قُلْ يا عبادي الذين أُسْرَفوا على أنفسِهم لا تَقْنَطُوا من رحمة الله، إن لله يَغْفِرُ الذنوبَ جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم﴾. إلا الشرك بالله فإنه استثناه تعالى بقوله: ﴿إن الله لا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِه، ويَغْفِرُ ما دون ذلك لمن يشاءُ﴾ . ولا تَعَارض بين التعميم والتأكيد الذي في الحديث القدسي، وبين التخصيص والتعليق بالمشيئة الذي في الآية، فالآية لا نصَّ فيها على استغفار العبد استغفاراً شاملاً من الذنوب كلها حتى الشرك، بأنْ أقلعَ عنه ودخلَ في دين الله وأسلمَ وجهه إليه، أما الحديث ففيه قوله: ((فاسْتَغْفِروني)) من الذنوب التي صدرتْ عنكم: علمتم بها أو لم تَعلَموا، ومن جملة ذلك: إنْ كان مشركاً استغفَرَ الله من الشرك وتابَ عنه ودخَلَ في الإِسلام، فإنكم إنْ تفعلوا ذلك: ((أَغْفِرْ لكم)). فإن كان استغفارُه مستوفياً شروطَه، وتوبتُه صادقةً نصوحاً: غَفَر اللّه ما كان منه، وهو أكرمُ وأجلُّ من أن لا يَقبلَ منه، ولا يغفر له، سبحانه وتعالى. وإنما يتوجّب على العبد الاستغفار، لأن فيه أموراً يحبُّها الله عز وجل منه، وهي: اعترافُ العبد على نفسه بالعبدية، واعترافُه على نفسه بالخطيئة، واعترافُه لله عز وجل بالربوبية، واعترافُه على نفسه أمامَ ربِّه بالفَيْئَةِ إليه والتوبة لديه، وخوفُه من يوم الحساب والجزاء، وما إلى ذلك من معانٍ إيمانية لا يتخلَّف عن صاحبها غفرانُ الله وعفوه، بفضله وكرمه . قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في ((جامع العلوم والحكم)) ص ١٩٩: ((كان بعض أصحاب ذي النون - المصري الزاهد المشهور - يَطِوفُ يُنادي: آه أين قلبي؟ من وَجَد قلبي؟. فدخل يوماً بعض السِّكك - الطُّرُق والأُزِقَّةِ - فوجد صبياً يبكي وأمُّهـ تَضرِبُه، ثم أخرجتْه من الدار وأغلقت البابَ دونَه، فجعل الصبيُّ يلتفتُ يميناً وشمالاً لا يدري أين يذهبُ ولا أين يَقصِد، فرجع إلى باب الدار فجعل يبكي ويقول: يا أمَّه مَن يفتح ليَ الباب إذا أغلقتِ عني بابكِ؟ ومن يُدْنيني إذا طردتيني؟ ٣٠ يا عبادي إنكم لن تَبْلُغوا ضَرِّي فَتَضُرُّوني، ولن تَبلُغوا نَفْعي فَتَنْفَعوني . ومن الذي يُدنيني إذا غضبتِ عليٍّ؟ فرحِمَتْه أمُّه فنظرتْ من خَلَل البَاب فوجدت ولدها تجري الدموعُ على خدَّيْه متمعِّكاً - متمرَّغاً - في التراب، ففتحت الباب وأخذتْه، حتى وضعتُه في حَجْرِها وجعلتْ تقبِّله وتقول: يا قرةَ عيني ويا عزيزٌ نفسي أنتَ الذي حَمَلْتَني على نفسك، وأنت الذي تعرضتَ لما حلَّ بك، لو كنتَ أطعتّني لم تَلْقَ مني مكروهاً. فتواجد الفتى - صاحبُ ذي النون - ثم قام فصاح وقال: قد وجدتُ قلبي، قد وجدت قلبي، وإن الله عز وجل أرحم بعبده المقبل إليه بالاستغفار الصادق من هذه الأم بولدها. وتأملْ قولَه فيما سَبَق: فاستهدوني، فاستطعموني، فاستكسوني، فاستغفروني، وقارنه بقول الله تعالى على لسان إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿ .. إلا ربِّ العالمين. الذي خلَقني فهو يَهْدينِ. والذي هو يُطْعِمُني ويَسْقِينِ. وإذا مَرِضْتُ فهو يَشْفِينِ. والذي يُميتُني ثم يُحْيِينِ. والذي أَطْمَعُ أن يَغْفِرَ لي خَطِيئَتي يومَ الدِّين﴾: تَجِدِ التطابقَ بينهما تاماً. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في ((جامع العلوم والحكم)) ص ١٩٦: ((فإن مَن تفرّد بخَلْق العبد وبهدايته، وبرَزْقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة: مستحِقُّ أَن يُفرَدَ بالإِلهية والعبادة، والسؤال والتضرُّع والاستكانة له)). وجاء النداءُ المشرِّف السادسُ لتأكيدٍ حقيقة العجز في العباد، وتأكيد حقيقة استغناء الله سبحانه عنهم، فقال: ((يا عبادي إنكم لنْ تبلُغوا ضَرِّي فَتَضُرُّوني، ولن تَبلُغوا نَفْعي فتنفعوني)). لن تبلغوا: أي: لن يبلُغني ضَرِّ منكم، بمعنى: لن يَصِلَّ إليَّ منكم ضَرَر بمعاصيكم، أو بإعراضكم عن سؤالٍ حوائجكم مني. وإن اهتديتُم وتوجَّهتم إليَّ بالسؤال والدعاء: فلن أنتفع منكم بذلك، إنما ضَرَرُ معاصيكم ونفعُ طاعاتكم عائدٌ إليكم، ذلك أن الله هو الغني ونحن الفقراء. ٣١ يا عبادي لو أن أوَّلكم وآخِرَكم، وإنْسَكُم وجِنَّكم، كانوا على أتقى قلبٍ رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً. يا عبادي لو أن أوَّلكم وآخِرَكم، وإنْسَكُم وجِنّكم، كانوا على أُفجرِ قلبٍ رجلٍ واحدٍ ما نَقَصَ ذلك من مُلكي شيئاً. ثم جاء النداء السابع والثامن تحقيقاً وتبياناً لما قبله: ((يا عبادي لو أن أوَّلكم وآخركم وإنسَكمْ وجِئْكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجرِ قلبٍ رجلٍ واحدٍ ما نَقَص ذلك من مُلكي شيئاً». والمعنى: لو أن كل فردٍ فردٍ من الثقلین کان قلبُه کأتقی قلب رجلٍ فیھم - ولا ريب أن أتقى قلبٍ في مخلوقات الله عز وجل هو قلب محمد#(1) - لما زاد ذلك في مُلك الله شيئاً . ولو أن كل فردٍ فردٍ من الثقلين كان قلبُه كأفجر قلب رجل فيهم - ولا ريب أن أفجر القلوب قلبُ إبليسَ(١) - لما نَقَص ذلك من مُلك الله شيئاً. وتأمُّلْ هذا التأديبَ الربانيَّ الدقيقَ للعباد، في مخاطباتهم. ذلك أنه قال أولاً: (لو أن أوَّلكم وآخركم .. كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما نقص .. ))، ثم قال ثانياً: ((لو أن أولكم وآخركم .. كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص .. )) ففي مقام ذكرِ العباد بالتقوى والخير جاء بلفظ المخاطب ((منكم))، وفي مقامِ ذِكرهم بالفجور والشّر لَم يأتِ به، ولم يخاطبهم بكلمة ((منكم)). مع أن المتكلّم والمخاطِب هو ربُّ العالمين وخالقُهم ومُحييهم ومميتُهم. سبحانه وتعالى !. فما أحوجَ العبادَ إلى هذا الأدب - وغيرِهِ وغيرِه - فيما بينهم !. ثم، ما أحوجنا إلى هذا فيما بيننا وبين ربِّنا عز وجل! وذِروَةُ الأدب مع الله تعالى وغايتُه: أن تُطيعَه فلا تَعصِيَه في أمرٍ ما، وإِن بَدَرتْ منك بادرة أسرعتَ إلى التوبة والإنابة إليه. ١ - (مرقاة المفاتيح)) ٥: ١٢٦. ٣٢ يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيتُ كل إنسان مسألته ما نَقَص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيط إذا أُدْخِل البحر. وانظر الكلام على قولِه الكريمِ الآتي: ((ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه)» . وإنه لا يؤثّر على مُلك الله تعالى شيءٌ: كمّاً وكيفاً. وهذا هو حقيقة الغِنى المطلق الذي اتَّصَف به مولانا جلَّ وعلا، وكيف يزيدُ ويَنقصُ وهو الذي أوجد هذا الوجود - مِن حينٍ أوجده - على أكمل الوجوه. وللغِنَى مرتبتان: دُنْيا وعُلْيا. فالمرتبةُ الأولى الدُّنيا: بمعنى الاستغناء، يعني: أن صاحبَها مُسْتَغٍ عن غيره، غيرُ محتاج إلى أحد. وهذه هي المرتبةُ التي تقدَّم بيانُها. الله غني عن العالمين: طائعِهم وعاصيهم. والمرتبةُ الثانية العليا: بمعنى الإِغناء للغير. وفرقٌ كبير بين المرتبتين: أن تكون مستغنياً غيرَ محتاج، وأن تكون غيرَ محتاج ومُغْنِياً للآخَرِين تَسُدُّ حاجاتِهم وتُفِيضُ علیهم بإحسانك إليهم. وهذه المرتبةُ هي التي جاءت في النداء الإِلَّهي التاسع: ((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيتُ كلَّ إنسان مسألتَه، ما نَقَص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَط إذا أُدْخِلَ البحرَ)). فالله سبحانه وتعالى مستغنٍ ومُغْنٍ، وهذا هو كمال الغنى وتمامه، وليس هو إلا الله العلي العظيم. وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَر فإن الله غنيُّ عن العالَمين﴾ أي: مُستغنٍ عن عبادتهم . وقولُه: ﴿ يا أيُّها الناسُ أنتم الفقراءُ إلى الله، والله هو الغنيُّ الحميدُ ﴾ الغنيُّ هنا يَشْمَل المعنيين: هو مستغنٍ فليس محتاجاً إليكم، وهو مُغْنٍ لكم لأنكم فقراء • ٣٣ إليه، ولأنه حميدٌ في غناه، أي: محمودٌ على غناه، لأنه يُغْني عباده: يَمنِحُهم ويُعطيهم ويُفْضِل عليهم ويُغدِق عليهم إحسانَه وخيراتِه . وأيُّ غِنِىّ أعظمُ من هذا الغِنَى! وأيُّ غَنِيِّ أعظمُ من هذا الغنيِّ! سبحانه وتعالى. هو غنيُّ عن كلِّ خلقه وعن كلِّ ما عند خَلْقه، ذلك لأنهم ولأن ما عندهم: مخلوق له. وهو الذي أمدَّ خَلْقه بكل هذه الإِمدادات من يومَ خَلَقهم إلى هذه اللحظة، إلى يوم الدين، إلى ما بعده. ولا يُقال: إن إمداداتِه لهم كانت على فَتَرات: شيئاً فشيئاً. لا، لذلك قال هنا في الحديث القدسي («قاموا)) جميعُهم في موقف ومقام واحد ((في صعيدٍ واحد)) أرضٍ واحدة ومكان واحد ((فسألوني .. ما نَقَص ذلك مما عندي)». بل جاء في أثرٍ إسرائيلي نَقَله الحافظ ابن رجب رحمه الله في ((جامع العلوم)) ص ٢٠١ أنقله بطوله، فيه بيانٌ لِغِنى الله تعالى على وجهٍ أكملَ مما تقدم، وهو دعوةٌ من الله تعالى يدعو بها عباده أن يُقبلوا إليه ويَسألوه. قال ابن رجب: ((وفي بعض الإِسرائيليات: يقول الله عز وجلّ: أَيُؤْمَّل غيري للشدائدِ، والشدائدُ بيدي وأنا الحيُّ القيوم؟ ويُرجَى غيري ويُطْرِقُ بابُه بالبكُرات وبيدي مفاتيح الخزائن وبابي مفتوحٌ لمن دعاني؟ من ذا الذي أُمَّلني لنائبةٍ فقطعتُ به؟! أو من ذا الذي رَجَاني لعظيم فقطعتُ به؟! أوْ مَن ذا الذي طرق بابي فلم أفتحه له؟! أنا غايةُ الآمال فكيف تَنقطعُ الآمالُ دوني؟ أَبخيلٌ أنا فُبَخِّلَني عبدي؟! أليس الدنيا والآخرةُ والكرمُ والفضل كلّه لي؟! فما يمنعُ المؤمِّلين أن يؤمِّلوني؟ لوِ جَمَعتُ أهلَ السموات والأرض، ثم أعطيتُ كلَّ واحد منهم ما أعطيتُ الجميعَ، وبلَّغتُ كلَّ واحد منهم أملَه: لم يَنْقُص ذلك من مُلكِي عضوَ ذَرَّة! كيفِ يَنْقُص مُلكٌ أنا قَيِّمُه؟! فيا بُؤْساً للقانطين من رحمتي، ويا بُؤْساً لمن عصاني وتوثَّب على محارمي!)) أي: تجاوز حدود شرعي . فانظرْ قوله: لو جَمعتُ أهل السموات والأرض ثم أَعطيتُ كلَّ واحد منهم ما ٣٤ يا عبادي إنما هي أعمالُكم أُخْصِيها لكم، ثم أُوَفِيكم إياها، فمن وَجَد خيراً فَلْيَحْمد الله، ومن وَجَد غيرَ ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسَه)). أعطيت الجميع ... ، واستشعرْ هذا المعنى بقلبك حقاً لتعلمَ عظمةَ غِنَى الله عز وجل ربِّ الأرباب، ولِيَصْغُرَ في عينك وقلبك ما في أيدي المخلوقين. وهل يَنقُص ما عند الله تعالى لو أُعطَى كلَّ واحد مسألتَه؟ ولو كان نقصاناً خفيفاً طفيفاً كما يَنقصُ البحرُ لو غُمِسَ فيه المِخْيط - الإِبرة -؟. الجواب: لا ينقص، وما ذكره الله تعالى في الحديث إنما هو على سبيل ضَرْبِ المَثَل والتقريب لعقولنا. والإِبْرَةُ مَعْدِن أملسُ، رأسُها أصغرُ مرئيٍّ - تقريباً - لو غُمِس في البحر - وهو أكبر مرئي - ثم نُظِر في البحر: هل نَقَصَ منه شيء، لما رأيناه نقص، فالنظر: إلى المأخوذ منه، لا إلى المأخوذ. فالتقدير: إلا كما يُنْقُصُ المِخْيَطُ البحرَ إذا أُدْخِلَه. والأمورُ التي يريد الله إيجادها: تكون بمجردٍ توجُّه إرادة الله تعالى إليها، ولا يتوقّف وجودها على فترة زمنية قصيرة جداً بقدر كلمة (كن))، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿إنما أُمْرُه إذا أراد شيئاً أن يقولَ له كُنْ فِيكونُ﴾ ذلك أن هذه أقصرُ فترةٍ زمنيةٍ تتّسع لها عقول المخاطبين، لا أن الإِيجاد يتأخَّر قدر هذه الكلمة زمناً. وجاء النداءُ العاشر الأخيرِ فيه شمولٌ لكل ما تقدَّم، فهو الخلاصةُ الجامعةُ. ((يا عبادي إنما هي أعمالكم أحْصيها لكم، ثم أوَفِّيكم إياها، فمن وَجَد خيراً فليحمد الله، ومن وَجَد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسَه)). الأعمال: تشملُ ما يَصدُر عن الجوارح من أفعال، وما يصدر عن القلب من نيات. فالأمر الأول في هذا الحديث: تحريم الظلم وهو يكون بالقلب وبالجوارح؛ ثم طلب الهداية ويكون بالقلب توجُّهاً وطلباً، وبالجوارح سلوكاً وتطبيقاً؛ ثم الافتقار إلى الله تعالى بطلب الغذاء والكساء وكلُّ حاجاته الظاهرة، وهذا يكون بالقلب توجّهاً ودعاءً واستشعاراً بأن المعطي على الحقيقة هو الله، لا كسبُه وعمله؛ ثم إن خطاياكم التي تصدر عنكم ليلَ نهارَ لا بدَّ لها من استغفار بالقلب واللسان، وإقلاعِ عنها بالجوارح. ٣٥ ٠٠ ووراء ذلك كلُّه يجب على العباد أن يَشعروا بالفقر المطلق الذاتي في أنفسهم، وبالغنى المطلق الذاتي لله تعالى، فإن هذا من حقائق الإيمان ومحضه وخالصه . هذه الأمور القلبية والجارحية يعلمها الله تعالى، ولولا علمُه الكاملُ بها لما أحصاها، لأن الإِحصاء هو العدُّ والحفظ لدقيقِ الأشياء وجليلها، ثم يكون الحساب والتوفية، ((فمن وجد خيراً) وعاقبةً حسنة ونعَيماً مقيماً (فليحمد الله)) على فضله وتوفيقه ((ومن وجد غير ذلك)) أي: شراً. قال ابن حجر المكي رحمه الله في ((فتح المبين)) ص ١٩٩ : ((ولم يذكره بلفظه، تعليماً لنا كيفيةَ الأدب في النطق بالكناية عما يؤذي، ومثلُه ما يُستقبحَ أو يُستَحى من ذكره، أو إشارةً إلى أنه إذا اجتُنِبَ لفظه فکیف بالوقوع فیه». ((فلا يلومنَّ إلا نفسه)) حين لا ينفعه لوم ولا ندم. و((الكِيِّس)): العاقل الفّطِن (مَن دَانَ نفسَه)) أي حاسبها ((وعمل لما بعد الموت، والعاجزُ)) وهو المقصِّر في أموره (مَنْ أَتْبَعَ نفسَه هواها) فأعطاها شهواتها ((وتمنّى على الله الأمانيّ)). ٣٦ ٢ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((قال الله تبارك وتعالى: يا ابنَ آدمَ إنك ما دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَني غَفَرتُ لك على ما كان فيك ولا أُبالي. ٢ - تخريجه: رواه الترمذي في كتاب الدعوات - باب غفران الذنوب مهما عظمت ٩: ١٩٤ (٣٥٣٤) = ٥: ٥٤٨ (٣٥٤٠) وفي كلتا الطبعتين قال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ونقل الإمام النووي عنه في آخر ((الأربعين النووية)) أنه قال: حسن صحيح(١). غريبه: عَنَان السماء: هو السُّحاب. قُرَاب الأرض: ما يُقَارِبُ مَلْأَها. معناه: هذا الحديث العظيم («حديث المغفرة))، فيه ثلاثةُ نداآت ربَّانيّة يدعو الله تعالى فيها ابنَ آدم ويُناديه ليستغفِرَه، فيغفِرَ له، ومع كل نداء دلالةٌ وإرشاد إلى سبب عظيم من أسباب المغفرة، فما أرحمَ الله بعباده !. ١ - النداء الأول وسببه: ((يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان فيك، ولا أبالي)). فدلَّنا سبحانه على سبب من أسباب المغفرة، هو الدعاء والرجاء، دعاؤك إياه بالمغفرة والتجاوز عما فَرَط منك، مع رجائِك الإِجابةَ منه وعدم القنوط إن تأخّرت الإجابة . (١) وهكذا نقل ابن رجب ص ٣٤١ عن النووي عن الترمذي، أما هو فنقل عن الترمذي ما نقلتُه: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ومثلُه عند ابن حجر المكي ص ٢٨٦ عن نسخة من ((سنن الترمذي))، وفي نسخة أخرى: حسن، وأما نقلُه عن النووي عن الترمذي: ففيه: صحيح، فقط. والله أعلم. ٣٧ يا ابنَ آدمَ لو بَلَغَتْ ذُنوبُكَ عَنَانَ السماءِ ثم استَغْفَرتَني غفرتُ لك ولا أبالي . وجاء النصُّ الكريم يَقْرِن الرجاء بالدعاء، لأن الإِنسان المذنب قَد يَتَعاظِمُ ذنوبَه، فييأسُ أن يغفرها الله له، فلذلك قال الله له: «إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان فيك ولا أُبالي)). أي: إنك ما دمتَ تدعوني وترجو مغفرتي، فإني غافر لك ذنوبك مهما بلغت كميتها، ومهما كانت كيفيتها، فلا يليق بالعبد المسلم أن يجد القنوط من رحمة الله تعالی إلی قلبه سبيلاً. و ((ما)) في قوله ((ما دعوتَني)) تُعْرَب مصدرية ظرفية. والتقدير: مدة دوام دعائك، فيستفاد من هذا التقدير ضرورة المداومة على الدعاء والإلحاح به وأنت ترجو من الله الحصول على المطلوب، ذلك أن الله تعالى يقول في الحديث القدسي الآتي برقم ٥٩ ص ٢٥٣: ((أنا عند ظنِّ عبدي بي)). فكُنْ له راجياً، يكنْ لك مُعْطياً. ومعنى قوله ((ولا أبالي)): أي: لا تَهمُّني كثرة ذنوبك، ولا يَعْظُم عليَّ مغفرتها: ﴿إن الله يَغْفِرُ الذنوبَ جميعاً﴾ إلا الشرك به: ﴿إن الله لا يَغْفِرُ أن يُشْرَك به، ويَغْفِرُ ما دون ذلك لمن يشاءُ﴾. ٢ - النداء الثاني وسببه: ((يا ابن آدمَ لو بلغتْ ذنوبُك عَنَان السماءِ ثم استغفرتني غَفَرَتُ لك ولا أبالي)). تقدم تفسير ((دعوتني)) في النداء الأول بالدعاء بالمغفرة، ويُشكل هنا قوله: ((ثم استغفرتني)) والاستغفار هو الدعاء بالمغفرة؟. ولذا فسَّر العلامة ابن حجر المكي رحمه الله قوله: ((ثم استغفرتني)) بالتوبة الصحيحة، وذكر شروطها، وإليه أدَّى كلام ابن رجب رحمه الله، بعد أن تكلم كثيراً عن الاستغفار(١). ففي هذا النداءِ الربّانيِّ يفتحُ الله عز وجل لعبده بابَ الرجاء فتحاً كبيراً، ١ - ((الفتح المبين)) ص ٢٤٤، و((جامع العلوم والحكم)) ص ٣٤٤. ٣٨ فيصوِّر له كثرةَ ذنوبه كثرةً فاحشة، بحيث إنها بلغتْ وعمَّتْ ما بينه وبين سَحَاب السماء، ثم تاب إلى الله تعالى توبةً صحيحةً صادقةً، فإن الله يَغْفِر له هذه الذنوبَ الكثيرة ولا يُبالي سبحانه وتعالى بكثرتها. والمغفرة: وقايةُ شرِّ الذنوب مع سَترها، كما قال ابن رجب. وهذا تعريف ملاحَظُ فيه المعنى اللغويُّ بدقّة واستيفاء، فالغَفْر في الأصل: معناه السَّتْر. وِالمِغْفَر: هو الخُوْذَة الحديديّة التي يَلْبَسها المقاتِلُ على رأسه، يَستُره بها، ليتقيَ الضَّرَبات التي تُصِيب الرأس، فإنها قاتلةٌ غالباً. فالمغفرة من الله عز وجل: تَقي صاحبَها من شرِّ الذنوب، وذلك بِسَتْر الله لها . والتوبةُ: العودةُ والرجوع إلى الله عز وجل. ولتكونَ توبةً صادقةً ينبغي أن تُسْتَوفَى شروطُها، وهي ثلاثة إن كانت توبةً عن ذنب بينك وبين الله عز وجل، ويُضاف إليها شرطٌ رابع إن كانت عن ذنب بينك وبين إنسانٍ آخرَ ولو كان غيرَ مُسْلِم. وهذه الشروط هي : - الإِقلاع عن الذنب في الحاضر. - والندم على ما فَرَط منه في الماضي. - والعزم على أن لا يَعود إليه في المستقبل. والشرط الرابع: ردُّ الحقِّ إلى أهله، أو المسامحةُ منهم. والاستغفارُ اللسانيُّ لا يَتُمُّ إلا إذا قُرِن بعدم الإصرار، وأما ((مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاءً مجرَّد: إن شاء الله أَجَابَه، وإن شاء ردِّه، وقد يكونُ الإِصرارُ مانعاً من الإِجابة، وفي ((المسند)) من حديث عبدالله بن عَمْرو مرفوعاً: ((ويلٌ للمُصِرِّين الذين يُصِرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون)) كما قاله ابن رجب(١). ١ - في ((جامع العلوم والحكم)) ص ٣٤٥، والحديث في ((المسند) ٢: ١٦٥، ٢١٩ بإسناد صحیح . ٣٩ يا ابن آدمَ إنك لو أتيتني بقُرابِ الأرضِ خطايا ثم لقيتني لا تُشركُ بي شيئاً لأتيتُكَ بقُرابها مغفرةً». والاستغفارُ الصادق المقرون بالتوبة: شعارُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما هو ظاهر من آيات القرآن الكريم، وهو شعار سيدهم عليه أفضل الصلاة والسلام. روى البخاري في ((صحيحه)) في كتاب الدعوات - باب استغفار النبي وَّر في اليوم والليلة ١١: ١٠١ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صل أنه قال: ((والله إني لأَسْتَغْفِرِ الله وأتوبُ إليه في اليوم أكثرَ من سبعين مرةً». وروى مسلم في كتاب الذكر - باب التوبة ١٧ : ٢٤ عن الأَغَرِّ المزني أنه قال: قال رسول الله رسول الله وَ له: ((يا أيها الناس تُوبوا إلى الله، فإني أتوبُ في اليوم إليه مائةً مرةٍ». وروى أبو داود في أبواب الوتر ٢: ١٧٨ (١٥١٦) والترمذي في الدعوات ٩: ١٣١ (٣٤٣٠) وقال: حسن صحيح غريب، وابن ماجه في الأدب ٢: ١٢٥٣ (٣٨١٤) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إنْ كنا لَنَعدُّ لرسول اللهِوَّ فِي المجلس الواحد مائةً مرة: ((ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ إنك أنت التواب الرحيم)). وهذا لفظ أبي داود. ٣ - النداء الثالث وسببه: ((يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تُشركُ بي شيئاً: لأتيتك بقُرَابها مغفرة)». فالشرط في المغفرة الكبرى: لقاءُ الله عز وجل على التوحيد: ((لقيتني لا تشركُ بي شيئاً). فحسنُ خاتمة العبد، ووفاتُه على الإِيمان: سبب عظيم بل هو أعظمُ أسباب مغفرة الله له . قال ابن بطال: (( .. ولا حسنةٌ أعظمُ من التوحيد))(١). ١ - نقله الحافظ في ((الفتح)) ١٣ : ٤٧١. ٤٠ قال الله عز وجل: ﴿إن الله لا يَغْفِرُ أن يُشرَكَ به، ويَغفِرُ ما دون ذلك لمن يَشاءُ﴾. وسيأتي برقم ٨٥ حديث الرجل الذي جاء بتسعةٍ وتسعين سِجلاً، كلٌّ سِجلٍ مدَّ البصر، وجاء معها ببطاقة صغيرة مكتوبٌ فيها قولُه ((لا إله إلا الله)) فَرَجَحَتْ علىْ تلكَ السِّجِلات، وأَدخَلَتْ صاحبَها الجنة. نعم، إن ذلك داخلٌ تحت مشيئة الله المذكورةِ في الآية الكريمة، فإنْ تمِّ لصاحبها هذا الفضلُ دخل الجنة مع السابقين، وإلا فيدخلها بعدُ. والله غفور رحيم.