النص المفهرس

صفحات 21-40

وشَيْخُنَا، وقال: ما أظُنَّهِ حَدَّثَ (قلتُ: وذلك لوفاته شَابًاً) مات في رَبِيع الأَوّل
سنة (٨٤٥)(١).
٨ - محمد ابن أبي بكر بن عبدالرحمن بن محمد الدمشقي الصَّالِحِيّ
أخو عبد الوَهَّابِ الَّذِي سَبَق، ويُعْرَف بابن زُرَيْق أيضًا، وُلِد في شَوَّال سنة اثنتي
عشرة وثمانمائة بِصَالِحِيّة دمشق، قَالَ السَّخَاوِي : قَرّاً بِحَلَب على حَافِظها
البُرْهَانِ الكَثِير، كَسُنَن النَّسَائي وابن مَاجَه والمُحَدّثِ الفَاصِلِ ومَشيخة الفَخْرِ
وعشرة الحَدَّد وغيرها قِرَاءةُ وسَمَاعًا، وله ترجمة جَيِّدَة في الضّوء(٢).
٩ - عُمَر بن محمد بن عُمَر النَّصِيبِيّ الحَلَبِي الشَّافِعِيّ، ولد سنة ثلاث
وعشرين وثمانمائة بحلب، قال السَّخَاوِيّ : .. وعَرَض على البُرهَان الحَلَبِيّ، بل
هو الّذِي كان يُصَحِّحُ عليه، ووَصَف عرضه بالحسن، وقال: دَرّس بالظاهِرِيّة
والسَّيْفِيَّة، تلقاهما عن أخيه، وأعاد بالعَصْرونِيّة، مات ببلده يوم عيد النحر سنة
ثلاث وسبعين(٣).
١٠ - الإِبِّيّ هو عَلِيّ بن إبراهيم بن عَلِيّ بن راشد الإِّيّ اليَمَانِي ثم
المَكِّيّ الشَّافِعِيّ، ولا قبيل التّسْعِين وسبعمائة بِتَعِزّ، وكان رَحَّالاً، وذكر السَّخَاوِيّ
أنَّ مِمَّن سَمِعِ عليه بحلب حافِظها البُرهَان والعِزّ الحَاضِرِي والشِّهاب ابن
العَدِيمِ وطَائِفَة، وقال السَّخَاوِيّ: كَانَ إِمَامًا مُفَنَّنًا أدِيبًا بَارِعًا مُتَوَاضِعًا، حَسَن
الهيئة والمُحَاضَرَةِ، جميل الصُّوْرَة والعِشَرةِ، كَثِيرِ الفُكَّاهَة والنَّوَادر
والاستِحْضَار، صَبُوْرًا على الإسماع حسن الوُدّ والْمُذَاكَرَةِ ... مَاتَ في ذي الحجّة
سَنَة تسعٍ وخَمْسِين (٤).
(١)
الضوء اللامع ٩٩/٥.
الضوء اللامع ١٦٩/٧ - ١٧١ والشذرات ٣٦٦/٧.
(٢)
(٣)
الضوء اللامع ١٢٣/٦.
الضوء اللامع ١٥٣/٥ - ١٥٥.
(٤)
- ٢١ -

ثَاءُ العُلَمَاءِ عليه :
احتَلّ البُرهانِ الْمُحَدِّثْ سِبْطِ ابن العَجْمِي مَكَانَةً عَظِيمةً مَرْمُوقَةٌ بين عُلَماء
القَرْنْ التَّاسِعِ الهجرِيّ في الحَديث وعُلُومِهِ، وما يَتِّصِلِ بهما، وسَادَتْ شهرتُه في
الدِّيَارِ الحَلَبِيّة وغيرها، واتّفَقَتْ كلمةُ مُتَرجِمِيه وعَارِفِيه على وَصْفِه بالإِمَامَة
وبَرَاعَتِهِ في الحديث وعُلُومِه، وأرَى من المناسب أن أذكر هنا أوّلاً أقوال العُلْمَاء
والُّقَّاد المعَاصِرِين له، لما لذلك من أهمِيّة في توثيقه وعُلُّو شَأنه، وبَيّان فَضْلُه
ومَنْزِلته :
قال ابن خَطِب النَّاصِرِيّة - وهو من شُيُوخِه - الْمُتَوفَّى سنة (٨٤٣)، ونقله
عنه ابن تغري بردي فَقَال : هو شَيْخي، عليه قرأتُ هَذَا الفَنّ، وبه انتَفَعْتُ،
وبِهَدْيِهِ اقتَديتُ، وبِسلُوكِهِ تأدَّبتُ، وعليه استفدتُّ، وهو شيخٌ إِمامٌ، عَالِمٍ عامل،
حَافِظِ وَرِعٌ، مُفِيد، زَاهِدُ على طريق السَّفِ الصَّالِحِ، لَيْس مُقْبِلاً إلّ على شَأْنِهِ
من الاشتغال والاشغال، لا يَتَرَدّد إلى أحَدٍ، وأهل حلب يُعَظِّمُونه، ويَعْتَقِدون بركته
إلى أن قال: وَصَارَ رُحْلَة الآفَاقِ(١).
وقال الحافظ ابن حجر المتوفى سنة (٨٥٢) : وجَمَع وصَنّف مع حُسْن
السِّيْرَة، والتَّخَلّق بجميل الأخْلاَق والفقْه والانجماع والإقبال على القِرَاءة بِنَفْسِهِ،
ودَوَامِ الإسماع، وهو الآن شيخ البِلاد الحَلَبِيّة غير مُدَافِعٍ، أَجَاز لأولاَدِي، وَبَيْنَنا
المنهل الصافي ١٣٦/١، قلت: يلاحظ كيف بَدَأ بن خطيب الناصريّة كلامه؟ ((هو شيخي ... )»
(١)
وتقدم أنْ ذكرنا ابن خطيب الناصرية من شيوخ السِّبْط، ولذا ترجمناه في شيوخه، وذلك أنّ
السلف الصَّالح لايتوقفون عن الاستفادة مِمَّن هو أصغر منه، إذا كان ذا علم جَمّ، ومؤلِّفُنا
البرهان السبط ابن العجمي قد طارصيْتُه في حياته، فلا يستغرب استفادته من تلميذ له نجيب
مثل البرهان، هذا وقد استفاد السبط نفسه من الحافظ ابن حجر مع أنّه من جملة تلامذته، وقد
ترجمناه في جملة تلامذة السبط.
- ٢٢ -

مُكَاتَبات ومَوَدَّة حَفظه اللّه (١) وللحافظ ابن حجر كلمات أخرى رائعة في الثَّنَاء
على شيخه البُرهَان نجدها في ترجمته في الضوء اللامع.
وقال تَقِيّ الدِّين ابن فهد المكّيّ الْمُتَوَفّى سنة (٨٧١): اشتغل في علوم،
وجمع وصَنَّف مع حُسْن السِّيرة والانجماع عن التردد إلى ذوي الوجاهات،
والتخلق بجميل الصِّفَات، والإقبال على القِرَاءة بِنَفْسه، ودَوَام الإسماع
والاشغال، وهو إمام، حَافِظِ، عَلَاّمَة وَرِع، دَيّن، وافِر العَقْل، حسن الأخلاق،
جميل المعاشرة مُتَوَاضِعِ، مُحِبّ للحديث وأهْلِه، كثير النُّصْحِ والمَحَبّةَ لأصحابه،
كثير الإنصاف والبِشر لمن يَقْصِده للأخذ عنه خُصُوصًا الغرباء، سَاكِنِ مْنْجَمع
عن النَّاس طَارِحُ للتكلف، سَهْل في التحديث، صَبُور على الإسماع، رُبّما أسمع
اليوم الكامل من غير مَلَلٍ ولاَ ضَجر، كثير التَّلاَوة بكتاب اللّه عَزَّوَجَلَ(٢) ...
وقال أيضاً : هو الآن شيخُ البِلاد الحَلَبِيّة والمُشَار إليه فيها بلا نِزَاعِ وبَقِيّة
حُفَّاظ الإسلام بالإجماع(٣).
وقال تَغْري بردي الْمُتَوفّى سنة (٨٧٤): كان إمامًا حافظًا بارِعًا مُفِيدًا،
سَمِع الكثير، وألّفِ التَّوَالِيفِ الحَسَنةِ الْمُفِيدة(٤).
وَقَال أيضًا : لم يَتَّفِقِ لي أن أروي عنه شيئًا، ولكن اجتمعتُ بغالب طَلَبَتِه،
ومِمَّن تَخَرَجُ به، والجَميعِ يُثْنُون على عِلْمِهِ وفَضْلِهِ وحِفْظِهِ(٥).
(١)
المجمع المؤسس ١٢/٣.
(٢)
لحظ الألحاظ ص : ٣١٢ - ٣١٣.
(٣)
نفس المصدر ص : ٣١٤.
المنهل الصافي ١٣٧/١.
(٤)
نفس المصدر ١٢٨/١.
(٥)
- ٢٣ -

وقال تلميذُه نجم الدِّين عُمَر بن محمد بن فهد المكّيَ : كَتَب بِخَطّه الحَسَن
المَلِيحِ عِدَّة مُجَلَّدات ومَجَامِيع، وحَدّث مع جَمِيل السِّيّرة وحسن السير - بجملة
من مروياته، سمع منه الأئمة والحُفَّاظِ(١).
وَقَال أيضًا: كان إمامًا عَلَّمَةً، حَافِظًا خَيّرًا وَرِعًا، دَيّنًا، مُتَوَاضِعًا، وَافِرِ
الفَضْلِ، حَسَن الأخلاق، مُتَّخَلِّقًا بَجمِيل الصِّفَات، جَميل الْمُعَاشَرَةِ، مُحِبًا للحديث
وأهله، كثير النصح والمحبة لأصحابه، ساكنًا مُنْجَمِعًا عن النَّاس، مُتَعَفّفًا عن
التَّرَدُّد إلى ذَوِى الجاهات، طَارِحًا للتَّكلف، سَهْلاً في التحديث، كثير الإنصاف
والبِشْر لمن يقصده للأخذ عنه، خُصُوصًا الغرباء، مُوَاظِبًا على الاشتغال
والإشغال والإقبال على القراءة بنفسه، حَافِظًا لكتاب الله تعالى، كَثِير التِّلاوَة،
،
صَبُورًا على الاستماع، رُبّما استمع اليوم الكامل من غير مَّلٍ ولا ضجر(٢).
وذكر فيه السَّخَاوِي بنحو ما قَالَه النّجم ابن فهد في مُعْجَمِهِ(٣) وقال
السُّخَاوِيّ أيضًا: وقد حَدّث بالكثير، وأخذ عنه الأئمة طبقةٌ بعد طبقة، وأَلْحَق
الأصَاغِرِ بالأكْابِرِ، وصَارَ شيخَ الحَدِيث بالبلاد الحَلَبِيّة بلا مُدافع، ومِمَّن أخذ
عنه من الأكَابِرِ الحافظ الجَمّال ابن مُوسى المراكِشي، وَوَصَفه بالإمام العلاَّمة
الُحَدِّث الحافظ شَيخ مدينة حَلَب بلا نِزَاعٍ(٤).
ووصفه أبو البركات محمد بن محمد الغَرَّاقي القَاهِرِيّ بأمير المؤمنين في
الحديث(٥).
وقال السَّيُوطِيّ: صَارَ شَيخ البِلاد الحَلَبية بلا مُدَافِع(٦).
معجم الشيوخ لابن فهد المكي ص : ٤٩.
(١)
(٢)
نفس المصدر ص : ٫٥٠
(٣)
الضوء اللامع ١٤٢/١.
الضوء اللامع ١٤٢/١.
(٤)
(٥) . راجع مقدمة المحقق للكاشف ١١٩/١.
(٦) ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي ص: ٣٧٩.
- ٢٤ -

وَوَصَفَه ابن العَدِيمِ بِحافِظِ الإِسلام، شيخ المُحَدِّثين، ووصفه تَقِيّ الدِّين ابن
فهد بِبَقِيّة حُفَّاظ الإسلام بالإجماع(١).
عُلُومُه وثَّقَافَتُه :
كانَ جُلّ اهتمام الحَافِظِ سِبْطِ ابن العَجْمي رَحِمَه الله مُتَوَجِّهًا نحو
الحديث الشريف وعُلُومِه، وهَذَا ظَاهِرٍ من مُؤْلَّفَاتِه، وثَّنَاء الأئمة عليه، إلاّ أنّ
أسْلافَنَا الصَّالِحِين كانُوا لا يَقْتَصِرون على علمٍ وَاحِدٍ، ويهملون العُلُومِ الأخْرَى،
بل كانوا يعتنون بجميع العُلُوم إلى جَانٍ اهتمامهم الخَاصّ ببعض العُلُومِ التى
يريدون التَّمَكُّنَ فيها، فكذلك حال صاحبنا الإمام السِّبْط ابن العَجْمِيّ، فقد تَقَدّم
أَنْ نَقَلْنا تحت عنوان «شُيُوخه)) من قَوْله: مَشَارِخِي في الحديث نحو المأتين، وفي
العُلُوم غير الحديث نحو الثَّلاثين، وقال تقي الدِّين ابن فهد: عُنِي بهذا الشأن،
واشتَغَل في عُلُومٍ(٢). هذا وقد ذكرت فيما سبق تحت عنوان ((نشأتُه وطَلَبُه
للحديث)) أَنّ السبط نشأ يتيمًا، وبعد أن أكمل حفظ القرآن الكريم تَوَجَّه إلى عِلْم
القراءات، وقَرَأ من أوّل القرآن الكريم إلى سُورة المُزّل لقَالُون على الإمام
شهاب الدين أحمد ابن أبى الرِّضا الحَمَوِيّ، وقَرَأْ ختمتين لأبي عمرو إلى آخر
ما هناك، أمّا في اللُّغة فقد تَقَدَّم في شُيُوخِهِ أنّ الفَيْروزآبادي اللُّغَوِيّ الشَّهِير
كان من مَشَاهِير شُيُوخِهِ، وَلاَ أُطِيل في هذا الباب، واكتفي بما قاله الحافظ ابن
حجر، ونَقَلَه عنه تلميذُه النَّجِيب الإمام السَّخَاوِيّ، فإنّها كلمةٌ تَكفي شهادةٌ
للسبط بمعرفته بفنون وعُلُوم كَثِيرة، يقول الحافِظِ في مُقَدَّمة المشيخة التى
م
خَرَّجَها له : أمّا بعد فقد وقفت على ثَبْت الشيخ الإمام العلامة الحافظ المُسْنِد
انظر مقدمة المحقق للكاشف ١١٩/١.
(١)
(٢)
لحظ الألحاظ ص : ٢١٢.
- ٢٥ -

شيخ السنة النَّبوية بُرهَان الدِّين الحَلَبِي سِبْط ابن العَجْمِيّ ... إلى أن قال:
أحبَبْتُ أن أخرج له مشيخة، أذكر فيها أحْوَال الشَّيُوخ المذكورين ومَرْوِيّاتهم،
ليستَفِيدها الرَّحَالة فإنّه اليومِ أحَقّ النَّاس بالرِّحْلةِ إليه لِعُلُوِّ سَنَدِهِ حِسًا ومَعْنَّى
ومعرفته بالعُلُومِ فَنَأَفَنّاً أثَابَه الحُسْنى آمين(١).
أمّا عِلْم الحديث الَّذِي طَلّبه بنفسه بعد أن كَبِرِ فقد تَوَجَّه إليه، وصَرَف
هِمَّتَه بِكُلِّيّتِها منذ أن بَدَأ كتابته له عام (٧٧٠) فَمَهَر فيه، وبَلَغْ فِيهِ دَرَجَةِ الإِمَامَةِ،
وصَارَ المُشار إليه بِالبنيان، ومَحَطَّة مَطِيَّات الرُّحْلَةِ في عَصْرِهِ، وهَذَا ما يَدُلّ عليه
ثَنَاء الْمُعَاصِرِين والمُتَرْجِمِين له، ومن شِدَّةٌ اهتمامه بِالحديث وعُلُومِه أنَّه لم يُؤْلُّف
في عِلْمٍ سِوَاه، وسَيَأتي ذِكُر مؤلَّفَاتِهِ، وهي كُلَهًّا في الحديث أو مُتَّعَلَّقَاتِه.
مُؤَلَّفَاتُه :
يَدُورِ مُصَنَّفات البُرِهَان رحمة الله عليه حول الحَديثِ وفُُونِهِ، مع مَعْرِفَتِهِ
بالعُلُومِ الأخرى فَنَّأَفَنّاً كما شَهِد بذلك الحافظ ابن حجر رحمه اللّه، لقد تَوَجَةً
البُرهَان إلى الحديث بكُليّته مُنذ أن بَدَأ كتابته سنة ٧٧٠هـ وهذا الاهتمام
الشَّديد بالحديث وعُلُومِهِ أَخَذَ فِكَرِه وهِمَّته، فاستَغْرق كل أوقاته فيه، ومن آثَّار
ذلك أنّه لم يذكر مترجموه إقراءً وَلاَ تَدْرِيسًا لغير الحديث، كما أنّه لم يُؤْلِّف في
عِلْمٍ سِوَاه، ومن مَظَاهِرِ اهتمامه بالحَديث ماذكره النَّجْم ابن فَهْد رحمه اللّه «قَرَاً
صَحِيح البُخَارِي على النَّاس في الجَوَامِعِ والَسَاجِدِ وغير ذلك - خارجًا عَمّا
قَرَأْه في الطَّلَب وعَمَّا قُرِىء عليه - سِتِّينِ مَرَّةٍ، وَقَرَأ ((صحيح مسلم)) نحو
العشرين(٢).
الضوء اللامع ١٤٣/١.
(١)
معجم الشيوخ ص : ٤٩.
(٢)
- ٢٦ -

ويَصف الحافظ ابن حجر مُصَنَّفاته بالإتقان والدِّقَّة وتُحرِير المسائل، يقول
السَّخَاوِي في الضَّوء اللَّمِعِ - وهو يَحْكِي ثَنَاءَ شَيْخِهِ الحَافِظ ابن حجر على
البُرهَان، فقال: يعني شيخه ابن حجر: ومُصَنَّفاته مُمْتِعَة مُحَرَّرَة، دَالّة على
تَتَّبَّعٍ زَائدٍ وإتقانٍ، قال: وهو قَلِيل المباحث فيها كثير النقل (١).
وعَلَّل مُحَقَقّ الكَاشِفِ قَوْلَه: ((قليل المَبَاحِث)) فَقَال: قِلَّة مَبَاحثِهِ أمرُ يَتَعَلّق
بِطَبِيعة نَفْسه، فَهِي تَدُلّ على هُدُوء طَبْعِهِ، ويُرُودَة مِزَاجِهِ، لذلك لا يألف الْمُبَاحثات
الّتي فيها أَخْذُ ورَدُّ، ومُنَاقَشَةٌ واعِتَراضٌ، بل يَتَخَيَّر من النُّقُول أَوْفَاهَا بِالغَرَض،
وأصْلَحها عنده للمُرَاد، وإلاَّ فكثرة التُّقُول دليل سِعَة الاطلاع(٢).
هذا وقد سَرَد مُتَرجِمِوه : السَّخَاوِيّ، والتَّقِيّ ابن فهد، والنَّجْمِ ابنِ فَهْدٌ
والحَافِظِ ابن حَجَرٍ وغيرهم أسماءَ مؤلَّفَاتِهِ، والأوّل منهم أوْفَاهم تِعْدَادًا، وأُوْفَى
مَاكَتَبه عن السبط ومؤلّفاته من المتأخّرين الشيخ محمد عوامة حفظه الله في
مقدمته للكاشف الّذِي حَقَّقَه مع حاشيته للسبط، وقد استفدتُّ منها كثيرًا - فقد
حَرَّر ودَقَّق، ورَتَّب مُؤْلُّفاته، وإن كانت هى مذكورةُ في مَصادر ترجمته من غير
تَرتِيب، وتَّحَرّفت أسماء بعضها في المصادر، كما أنَّ بعض المصادر تذكر بعض
كتبه بالمعنى، ولذا أذكر مؤلَّفَاته من مُقَدَّمة الكَاشِفِ مع بعض الاختصار تارةً
والزِّيادات تَارَةً أُخْرَى، وما وَقَفْت على جَدِيد زائد لم يَذكره الفَاضِلِ الْمُحَقِّق
للكَاشِف إلّ كتابه في ترجمة الإمام أحمد بن محمد بن حَنْبل رَحِمَه اللّه، فقد
ذكر السبط في ترجمة الإمام أحمد في كتابه ((نهاية السول في رواة الستة
الأصُول» برقم (١٠٥) أنَّ أَفْرَدَ ترجمتَه في مُجَلَّ، ولم يذكر بما سَمَّي به، فَبَلَغْ
(1)
الضوء اللامع ١٤٣/١.
مقدمة المحقق للكاشف ١٢١/١.
(٢)
- ٢٧ -

مجموعها خمسة وعشرين كتابا، وأكثر كُتُبِه حَوَاش على كُتُب، إذ بَلَغْ عَدَدُ
حَوَاشِيه ستة عشر كتابًا، ثمانية منها كتب مستقلة، وواحد مختصر لكتابٍ
سَابِقٍ، وفيما يلى أسردها على وفق حروف الهجاء :
١ - ((اختصار الغَوَامِض والْمُبْهَمات)) لابن بشكوال، ذكره مترجموه،
وذكره السَّخَاوِيّ منهم، وكذلك الفَاسِي والحافظ ابن حجر باسم «تلخيص
المبهمات ، يقول الشيخ محمد عوامة تَعْلِيقًا على هذا: لم يُسَمِّه البرهان، إنّما
جاء على وجه المَخْطُوطة - وهي بِخَطِ البُرهَان - ((الغوامض والمبهمات في
الأسماء الوَاقِعة في الأحاديث» اختصرها إبراهيم بن محمد بن خليل سبط ابن
العَجْمِي كَاتِبُها بحذف الأسانيد وعزو ماقدر على عزوه من الأحاديث إلى الكُتُب
الّتي هي فيها)»، فسَمَيْتُه كما تراه، وعندي صورة منه انتهى(١).
٢ - ((الاغتباط بِمَعْرِفة من رُمَي بالاختلاط)) ومَوضُوعُهُ وَاضِح من اسمه،
والكِتاب عِبَارة عن سَرْد أسماء المُخْتَطِين من غير بيان مَنْ روى عنه قبل
الاختلاط أو بعده، وهى نَاحِيةِ مُهِمّة في المختلطين، عليها مَدَار قَبُول حَدِيثهم أو
رَدِّه، وقد تَعَرّض لبعض ذلك ابن الكَيَّال في كتابه «الكواكب النَّيِّرات في مَعْرِفة
من اختَلَط من الرُّوَاةِ التِّقَاتِ(٢)).
٣ - إملاءات على صَحيح البُخَارِيّ، قال اللَّقِيّ ابن فهد والنجم ابن فهد
والسَّخَاوِيّ: لِلْمُترجم عِدّة إملاءات على صحيح البُخَارِي، كتبها عنه جمعٌ من
الطَّلَبَة، ولم أقف على خبرها أكثر من ذلك، انتهى.
مقدمة المحقق للكاشف ١٢٢/١.
(١)
(٢) وهذا الكتاب من مطبوعات مركز البحث العلمي وإحياء التراث الرسلامي بجامعة أمّ القري
بتحقيقي.
- ٢٨ -

٤ - ((التَّارِيخ)» لم يَذكُرِهِ مُتَرجموه، إنّما رأيتُ اسمه كذلك دون اسم
عَلَمِيّ له، وذلك فيما نَقَلَه العَلاَّمَةِ الطََّّاخِ رحمه الله في «أعلام النبلاء)» ٣٦٩/٤،
وهو يَتَحَدَّث عن المدرسة السُّطّانية البَرَّانِيّة بحلب المعروفة الآن بـ«جامع
السلطان» مُقَابل القَلْعَة بِجِوار دار الحُكُومة (السَّرَاي)، نقل الأستاذ الطَّبَّاخ عن
((كُنُوزِ الذَّهبِ) لأبي ذَرّ ابن البُرْهَان قوله: إعلم أنَّ هذه المَدْرِسَة قبل محْنَة تيمر
(تيمورلنك) لَمّا كان وَالِدِي مُشْغِلاً بالِعِلْمِ، كانت رَوْضَة الأدَبَاء، ودَوْحَة العُلَمَاء،
كان أوْلاَد حَبِيب الثَّلاثة: وهم محمد، والحَّسَن، والحُسَين يَسْكُّنون بها، وينظمون
ويَنْتُرون، ويُحَدِّثُّون، ويأتي إليهم النَّاس أفْواجًا للأخذ عنهم، وتراجم الثلاثة في
((تَارِيخ)) وَالِدِي، وشعرهم كَثِير مَشْهُور، ونَقَلْ يَعنِي الطََّّاخ عنه أيضًا في ((أعلام
النبلاء ٦٤/٥ قوله: قال وَالِدِي في («تَارِيخِهِ)» ...
٥ - التّبْيِين لأسماء الْمُدَلّسِين.
٦ - تَذْكِرِةِ الطَّالِبِ الْمُعَلّم فِيمَنْ يُقَال إِنَّه مُخَضْرم.
وكان الأستاذ الشيخ محمد راغب الطَّبَّاخ قد طَبَع هَاتَيْنِ الرّسَالَتَيْن
والرِّسَالة الّتي تَقَدَّمت برقم (٢) بمطبعته العِلْمِيّة بحلب، ثم طُبِعَت الثَّلاثة ضِمن
مَجْموعِ الرَّسَائل الكَمَالِيّةِ الحَدِيثِيّة بِالطَّائِف، ثم أعيد طبع كل واحد منها مُفْرَدة
مع تَقْدِيم وتَعْلِيق.
* ((تَلْخِيص المُبْهَمَات)» لابن بَشْكَوال، ذكره الحافظ ابن حجر والسَّخَاوِي
وغيرهما، وهو ماذكرتُه برقم (١) باسم «اختصار الغوامض والمبهمات)».
٧ - ((التّْقِيح لِفَهْم قَارِئ الصَّحِيح)» وهو شَرْح مُخْتَصر على صَحيحٍ
البُخَارِيّ، قَالَ السَّخَاوِيّ رَحِمَه اللّه: فيه فَوَائد حَسَنَة، وقد التَّقَط منه شَيْخُنا
- ٢٩ -

حَيث كان بحلب مَاظَنّ أَنّه لَيْسِ عنده، لكونه ((شرحه)) لم يكُنْ مَعَه سَوی کَرَارِیس
يَسِيرةٍ(١).
٨٠ - ((الثّبْت)) قال السَّخَاوِي رَحِمِه اللّه: له («ثَبْت)) كَثِيرِ الفَوَائد، طَالَعْتُه،
وفيه إلمام بِتَرَاجم شُيُوخِهِ ونحو ذلك(٢).
٩ - ((حَاشِية)) على ألْفِية العِرَاقِي في الْمُصْطَلَحِ، انفرد السَّخَاوِيّ بذكر
هذه الحَاشِيةِ(٣).
١٠ - ((حَاشِية)) على تَجْريد أسْماء الصَّحَابة للإمام الذَّهَبِي.
١١ - ((حَاشِية)) على تَلْخِص المُسْتَدْرَك للذهبي أيضاً.
١٢ - ((حَاشِيه)) على جَامِعِ التَّحْصِيل لِلْعَلَائِيّ.
١٣ - ((حَاشِيَة)) على سُنَن أبى دَاود، ذكر الحَوَاشِي الأَرْبَعة المذكورة
مُتَرِجِعُوهُ كَالنّجم ابن فهد والسَّخَاوِي(٤) وغيرهما.
١٤ - ((حَاشِية على سُنَن ابن ماجه)) وهى ((تَعْلِيق لَطِيف)) - كما قال
السَّخَاوِي - «في مُجَلَّد)» كما قال التَّقِي ابن فهد، والنُّسْخَة الَّتي بِخَطِّه محفوظة
في مكتبة فيض الله وتاريخ تأليفه لها سنة (٧٩١) وعنها صُوْرة في الجامعة
الإسلامية أيضًا في (٢٣٤) ورقة ورقم الفيلم (١٢١).
١٥ - ((حَاشِية)) على ((شرح ألْفِية العِرَاقي نَفْسِهِ، انَفَرد السَّخَاوي بذكر
هذه الحَاشِيةِ، والحَاشِيةِ السَّابِقَة برقم (٩) وهي على الألْفِية نَفْسها(٥).
الضوء اللامع ١٤١/١.
(١)
(٢)
المصدر السابق ١٤٣/٢.
انظر ماسيأتى برقم (١٥) حاشيته على شرح ألفية العراقي مع التعليق عليه.
(٣)
معجم الشيوخ للنجم ابن فهد ص : ٤٩ والضوء اللامع ١٤١/١ وغيرهما.
(٤)
قال في الضوء اللامع ١٤١/١ - وهو يعدد حواشيه على الكتب : واليسير على ألفية العراقي
(٥)
وشرحها، بل وزاد في المتن أبياتًا غير مستغنى عنها، فكأنه يريد أنّه كتب حاشية على قطعة
يسيرة من الألفية وشرحها ولما ترجم الشوكاني في البدر الطالع ٢٨/١ للبرهان أَخْص ترجمته =
٠ ٣٠ -

١٦ - ((حَاشية)) على صَحِيح مُسْلم، قال النُّجْم ابن فهد والسَّخَاوِي
رحمة الله عليهما: ذَهَبَت أى هذه الحاشية في فِتْنَة تمرلنك.
١٧ - ((حَاشِية)) على الكاشف، وقد حَقُّقَ الشيخ محمد عوامة كتاب
الكاشف للذَّهَبِيّ تحقيقا علميًا مع هذه الحاشية، وطبع الكتاب سنة ١٤١٣ من
دار القبلة للثَّقَافة الإِسْلامية.
١٨ - ((حَاشية)) على مِيزَان الاعتدال، كَذَا ذكرها تِلْمِيذُه النّجم ابن فهد
في مُعْجم الشَّيُوخ، وفي لحظ الألحاظ لأبيه النَّقِيّ ابن فهد - وهو تلميذ له أيضا
- : له ((حَواشٍ على سُنَن ابن مَاجَه)) و((نَقُد النُّقْصَان في مِعْيار الميزان)» مجلد ...
و(«ذيل على الميزان)» فجعل له عَمَلَين على الميزان(١)، وقد تَبَيّن بعد الَّتَبُّع في
مصادر ترجمة السبط أنّ مَاجاء في لحظ الألحاظ ((نقد النُّقصان)) تَحْرِيفٌ من
(نَثْل الهِمْيان ... )) وما جَاءَ فيه: و((ذَيْل على الميزان)) تكرار لهذا الكتاب نفسه
بالمعنى، ولاَيُوجَد له عَمَلان على الميزان في شكل كتابين مُسْتَقِلِّين، اللّهم إلاّ أن
يُرَاد بأحدهما ((حَاشِية على الميزان)) الَّتي هي عمل السبط على الميزان، كما
ذكرها النَّجم ابن فهد أيضًا والله أعلم، وانظر ماسَيَأتى برقم (٢٢).
ذيل ميزان الاعتدال)» وهو ماسَيَأتى باسم «نَثُل الهميان ... )) برقم
(٢٢) .
من الضوء اللامع، وجاء في مطبوعته «التيسير على ألفية العراقي وشرحها)) فالله أعلم بصواب أى
الكلمتين، انتهى من مقدمة الكاشف.
(١)
لحظ الألحاظ ص: ٣١٣ - ٣١٤، واعتمد على هذا الزركلي في الأعلام ٦٢/١، واعتمدت أنا عليه
في مقدمة «ذيل ميزان الاعتلال)» للحافظ العراقي ص: ٨ فقلت فيها : ألّف حافظ الديار الشامية
سبط ابن العجمي تلميذ الحافظ العراقي كتابين، أحدهما «نقد النقصان (في المطبوع الهميان
خطأ) في معيار الميزان» والآخر «تثل الهميان في معيار الميزان» إلّ أنّ اسم الكتاب الثاني جاء
في الأعلام بلفظ «بل الهميان في معيار الميزان)) وهو خطأ، والصواب ماذكرته))انتهى ويبدو أن
الزركلي اعتمد على كتاب ابن فهد ((لحظ الالحاظ» مع بعض التصرف والله أعلم.
- ٣١ -

١٩ - ((كتاب في ترجمة الإمام أحمد)) ولم أعثر على اسمه العَلَمِيّ، ولم
يذكر أحد من المترجمين هذا الكتاب في مؤلفاته، وقد ذكره المؤلف نفسه في
كتابه «نهاية السَّوْل في رُوَاة السِّنَّة الأصُول)» في ترجمة الإمام أحمد برقم
(١٠٥) ولَفْظُه فيها: مَنَاقِبُهُ كَثِيرة، وَكَذَا ثَنَاءُ النَّاس عليه، وقد أفردتُّ ترجمته
في مُجلَّد ...
٢٠ - الكَشْف الحَثِيثِ عَمَّن رُمِيَ بِوَضْع الحديث، والكِتَاب مَطْبُوع
بتحقيق الشيخ صُبْحِي السَّمَرائي.
٢١ - المُقْتَضى في ضَبْط ألفاظ «الشِّفَاء)» لِلْقَاضِي عياض في مجلد(١).
٢٢ - ((نَثْل الهِمْيان في مِعْيَار الميزان)» وسَمّاه الحافظ في المجْمَع
المؤسِّس باسم «الذّيل على الميزان)) ومنه نَقَل الفاسّي في ذيل التقييد، وكذلك
ذكره ابن تَغْردي بَرَدي في ترجمته في المنهل الصافى فَقَال: وألّفِ التَّوَالِيف
الحَسَن المفيدة، فذكر و«ذيل)) على كتاب ((الميزان)) ويعبر المؤلف نفسه أحيانا عنه
باسم الذّيل، كما قال في أواخر مُقَدّمة الكتاب نفسه : ثم اعلم أيْدك اللّه أني
كلما عزوته في ((هذا الذَّيْل)» للِحُسَيني، فإني أريد الإمام المحدث البارع
أبا المحاسن محمد بن علىّ بن الحسن بن حمزة الحسينى ، ويكون قد قال ذلك
في كتابه «الإكمال في ذكر من له رواية في مُسْنَد الامام أحمد من النّسّاءَ
والرِّجال سِوَى من له ذِكْرُ في تَهْذِيب الكمال)) وكذلك نَقَل السَّخَاوِيّ من إحدى
مجاميع السِّبْط ابن العَجْمِي تَرْجمةً للحافظ ابن حجر - مع أنّ الحافظ ابن
حجر أصغر منه وتلميذه - قال فيها: وقد نَظَر تَعْلِيقي على البُخَارِي أو غالبه ...
(١) للكتاب نسخة في المكتبة الأحمدية بحلب، وأخرى في مكتبة اسكوريال بمدريد - أسبانيا، ومنهما
فيلمان في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم (٤٤٠٥، ٦٣) الأولى في (٢٣٢) ورقة والثانية
في (٢٥٦).
- ٣٢ -

وكذا نظر ((ذيلي علي ميزان الذهبي)) ... (١) ومع كل هذا فَقد نَصَّ البُرهَان
السَّبْط ابن العَجْمِي على اسم الكتاب العلمي في آخر المقدمة فَقَال : وقد سَمَّيْتُ
كِتَابِي هذا بـ «نَتْل الهِمْيَانِ في مِعْيَار الميزان» وهَذَا نَصَّ صَرِيحٌ من المؤلف على
اسم الكتاب العَلَمِيّ، لاَ مَجَال لقيلٍ وقالٍ بَعْدَهِ(٢).
٢٣ - ((نهاية السَّل في رُوَاة السِّتَّة الأُصُول» وسَمّاه تَقِيّ الدِّين ابن فَهْد
في ترجمته في لَحْظ الألحاظ ((غَايَة السَّول ... )) إن لم يكن تَحْرِيفًا مَطْبَعِيًا، وهو
كتابنا هذا، وهذا الكتاب هو أكبر كُتُب السِّبْط في التَّراجم، وسيأتى بيان وصف.
الكتاب وبَيَانِ وَصْف النُّسخة الّتي بَين يَدَيّ.
٢٤ - ((نُور النَّبْراس على سِيْرة ابن سَيِّد النَّاس)» وهى المعروفة باسم
((عُيُون الأثر في فُنُون المغَازِي والسِّير».
٢٥ - وهَوَامش ((الاستيعاب)) لابن عبدالبَرّ، هَكذا سُمِّيَ الكتابُ على
الورقة الأولى من نُسْخّة جامعة عليكره بالهند(٣).
انظر الجواهر والدُّرَّر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي ٢٣٢/١ -٢٣٤.
(١)
وعندي صورة من الكتاب، والأصل في دار الكتب المصرية، وفيها خرم كبير، يظنّ أنه مفتعل، لا
(٢)
من أصل النسخة، من ترجمة حاضر ابن المهاجر إلى ترجمة عبدالرحمن بن صحار، وقد بدأت
بنسخ هذا الكتاب لإعداده للطبع بعد التعليقات المختصرة، فتبين فيه خرما آخر من نهاية حرف
الباء وأول حرف التاء، فانا الآن أبحث عن تكملة هذين الحرفين في الكتاب، وأرجو من المهتمين
بالتراث أن يخبروني إن علموا ذلك.
(٣) وعنها صورة في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، برقم (٣٢٣) وقد صَوّر
منها الورقة الأولى والأخيرة الاستاذُ البجاويُّ أواخر الجزء الرابع من الاستيعاب ١٩٧٨/٤ -
١٩٧٩، ويبدو أن هَذَا الاسم (هوامش الاستيعاب) من أحد النُّسَّاخِ، وليس من المؤلّف، لأنّ كلمة
الهامش والهوامش مولّدة غير عربية والصحيح الحاشية والحواشي بدل الهامش والهوامش، فلا
يظن بالمؤلّف أنه استعمل كلمة مُؤَلِّدة مع وجود بديلها الصحيح والله أعلم.
- ٣٣ -

هذا ما أمكنني الوقوف على مؤلَّفات هذا الإمام، وليس فيه زيادة على
ماذكره مترجموه أو كاتبوا الدراسة عليه إلاّ ماذكرته برقم (١٩) وهو كتابه في
ترجمة الإمام أحمد في مجلد، اللَّهم إلاّ إذا ثَبَت أنّ ((زجاجة حمراء)» إحدى
مؤلَّفاته، فَتَنْكير كلمة ((زجاجة)) و(«حمراء)» تركني في حيرة، وفيما يلي أنقل عبارة
المؤلّف من كتابه هذا، ذكرها بعد أن انتهى من السيرة النبوية وقبل أن يبدأ في
التراجم فقال : مسئلة، اختلفوا في رِوَاية الْمُبْتَّدِعِ - وقد ذكرت في ((زجاجة
حمراء» بعض المُبْتَدعة، وذكرتُ اعتقاداتهم وأعني بِالمُبْتَدع الّذي لم نكفره ببدعته
- على أقْوَال، فقيل تُرَدّ روايته مُطْلقًا ... كذا قراءتي للعبارة، فإن كانت قراءتي
صحيحة، فتكون «زجاجة حمراء)» من مؤلَّفاته الَّتي لم يذكرها أحد، فجاءت
العِبَارة المذكورة بين الشرطتين كجملة مُعْترضة في الحاشية بعد الإشارة إليها،
وفي نهاية العبارة تُوجَد كلمة ((صَحّ)) أيضًا وهذا كله بخط المؤلف.
وفاته :
وبعد حياة حافلة بالعِلْم توفي رحمه اللّه تعالى شَهِيدًا بالطَّاعُون يوم
الاثنين السادس والعشرين من شوال سنة إحدى وأربعين وثمانمائة عن عمر
مبارك : ثمان وثمانين سنة وأشهر، وصلّي عليه بين الظهر والعصر في الجامع
الأموي الكبير بحلب، ودفن بمقبرة أهْلِه المجاورة لجامع أبى ذرّ، وكان الجمع
على جنازته حَاشِدًا مشهودًا، وقد أكرمه الله تعالى بالتمتع بعقله ووعيه وعلمه،
ولم يغب له عقل، بل مات وهو يتلو كما أكرمه اللّه تعالى بالشهادة بالطاعون.
(١) راجع الضوء اللامع ١٤٥/١.
- ٣٤ -

دِرَاسَة كتاب نِهِاية السَّوْل في رُوَاة السّة الأصُول
من الْمُفِيد هنا - قبل أن أخوض في صُلْب المَوْضُوعِ - أن أعرض
باختصار سِلْسِلِة الكُتُبِ الّتي أَلّفَت في نفس الموضُوعِ الَّذِي أَلَّفَ فيه السِّبْطُ
كتابَه هذا مع إشارة خَفِيفة إلى مَنَاهج بَعض هذه الكُتُب ليتضح بذلك مَنْهج
السِّبْط في كتابه هذا أكثر اتضاحاً، كما أَنَّ عَرْض هذه السلسلة يُعْطِينا فكرة
عامَّة عن مَنْهج كتاب السبط وقيمتِه قبل أن أذكر مَنْهَجه وأهمِيّتَه بشئ من
التَّفْصِيل أثناء دِرَاسَة الكتاب.
لقد عُنِي عُلَماء الإسلام مُنْذ فَتْرة مُبَكِّرة بتأليف الكُتُبِ الّتى تَتَنّاول رُواة
الحَديث للاستفادة منها في بيان صَحِيح الحديث وسَقِيمه، كَتَواريخ الإمام
البُخَارِي الثَّلاثَة والضُّعَفَاءِ له، وكتاب الطَّبَقَات لابن سعد، والجرح والتَّعْدِيل لابن
أبى حاتم، والثَّقات وكتاب المُجْرُوحِين كلاهما لأبي حَاتِمِ ابن حبان، والثّقات
لِلْعِجْلِي وابن شاهين، وغيرها، وهي كَثِيرة، وحينما وضعت الكُتُب السِّتّة في
الحديث وهي : صحيح البُخَارِي، وصحيح مسلم، وجَامِعِ الترمذِي، وسُنَن ابى
داود، وسُنَّن ابن مَاجَه، وسُنَن النسائيّ اعتبرها جَهَابِذةُ الْمُحَدِّثين دواوين
الإسلام، فاشتَهَرتْ في بلاد الإسلام، وذَاعَ صيتُها بين الأنام، فَعُنوا بها،
وبروايتها ورجالها، فألّفُوا الكُتُب المَعْنِيّة بِتَنَاول الرِّجال الواردين في أسانيد هذه
الكتب، فألّف حافظ الديار الشامية أبو القاسم ابن عساكر (٤٩٩ - ٥٧١) كتابه
المعروف («المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النَّبل)» صغير الحجم
كثير النفع على المنهج التالى :
١ - اقتصر فيه على شيوخ أصحاب الكتب الستة دون الرُّوَاة الآخرين
الواردين في الأسانيد.
- ٣٥ -

٢ - رَتَّب الكتاب على حروف المعجم، وابتَدّاً في حرف الهمزة بمن اسمه
أحمد تبركًا بهذا الاسم، لأنّه من أسماء النبي صَلّى الله عليه وسلم.
٣ - ذكر التراجم باختصار شديد، فذكر اسمٌ المترجم ونسبته، ثم من
روي عنه من أصحاب الكتب الستة، ثم توثيقه إن وجد(١)، ثم يذكر تاريخ وفاته
إن وقع له، ويشير في نهاية الترجمة فيما إذا وقع له من حديثه ماكان موافقة أو
بَدَلاً عاليًا أو نحو ذلك.
٤ - استخدم الرُّمُوز المعروفة لأصحاب الكُتُب السَِّّة، وذلك تخفيفًا على
الكاتب والطالب العَجِل.
ثم جاء بعده الحافظ أبو محمد عبدالغنيّ بن عبدالواحد المقدسيّ (٥٤٤ -
٦٠٠) فألّف كتابه («الكمال في أسماء الرجال)) فتناول فيه رجال الكتب الستة،
فإذا كان الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أوّل من ألّف في شيوخ أصحاب
الكتب الستة فإنّ الحافظ المقدسي أوّل من ألّف في جميع رواة الكُتُب السِّتَّة بما
فيهم شيوخهم أيضًا.
أمّا منهج المقدسي في كتابه ((الكمال في اسماء الرجال)» فيمكن
تلخيصه(٢) بما يلي:
١ - حَاوَل أن يستوعب جميع رِجَال هذه الكُتُب غاية الإمكان، ولكنه مع
ذلك صَرّح بأنّه لايمكن دعوى الإحاطة بجميع مافيها لاختلاف النسخ وغير ذلك
من الأسباب الّتى تحول دون ذلك.
(١) ويقتصر على كلام النسائي في المترجم إن وجد في بعض كتبه.
(٢)
هذا التلخيص مستقى مما ذكره الدكتور بَشَّار عَوَّاد معروف في مقدمته لكتاب تهذيب الكمال
حينما نكر هذا الكتاب.
- ٣٦ -

٢ - ذكر أحوال هؤلاء الرجال حسب طاقته، وحَذَف كثيرًا من الأقوال
طَلَبًا للاختصار.
٣ - استخدم عبارات دالّة على وجود الرجل في الكُتُب السَّتَّة أو في
بعضها، كقوله : روي له الجماعة، إذا كان الراوى في الكتب الستة، وكقوله:
متفق عليه إذا كان الرواي ممِّن اتفق على إخراج حديثه البخارى ومسلم، وأمّا
الباقي فَيُسَمِيهِ تَسْمِيَةٌ.
٤ - ابتدأ كتابه بسيرة النَّبِيِّ صَلّى الله عليه وسلم مختصرةُ جدًّا،
استغرقت صفحة واحدة في المخطوطة، وأتبع ذلك في فصل أقوال الأئمة في
أحوال الرُّوَاة والنَّقَلة.
٥ - أفرد الصحابة عن باقي الرُّوَاة، فجعلهم في أوّل الكتاب، وبدأهم
بالعشرة المبشرة لهم بالجنة، ثم رتب الرواة الباقين على حروف المعجم، إلّ أنّه
قدم المحمدين لشرف هذا الاسم، ثم أتبعهم بالنساء، إلا أنّه وَقَع في كتابه خَلَل
وإغفال كبير، وذلك لعدم عناية المصنف له حق العناية، ولأنّه كان عملا بكرًا من
نوعه، ولابد من وقوع الخلل في عمل هذا شأنه، ولذلك يقول المِزّيّ في مقدمته
لتهذيب الكمال(١) ... وهو كتاب نفيس، كثير الفائدة، لكن لم يَصْرِفِ مُصَنِّفُه
رحمه الله عنايتَه إليه حَقّ صرفها، ولا استقصى الأسماءَ الّتى اشتملت عليهما
هذه الْكُتُب استقصاءًا تامًا، ولا تتبع جميع تراجم الأسماء التي ذكرها في
كتابه تَتَبُّعا شَافِيًا، فحصل في كتابه بسبب ذلك إغفال وإخلال انتهى.
ثم ذكر المِزَيّ في مقدمته أنّ أحدَ أولاد المقدسيّ حَاوَل محاولة فاشلة
لتهذيب كتاب أبيه، واختصاره، واستدراك مافاته من الأسماء، لأنَّ ابنَه هذا لم
(١) تهذيب الكمال ١٤٧/١ - ١٤٨.
- ٣٧ -

يبلغ في العلم مبلغه، ولا نَالَ في الحفظ درجته، فوقع في بعض ما اختصره
بلفظه من كتاب والده خللٌ كَبِيرٌ ووهم شَنِعٌ.
فلما رأى ذلك المِزّيُّ أرَادَ تهذيب كتاب المقدسي («الكمال ... )» وإصلاح
ماوقع فيه من الوهم والإغفال، واستدراك ماحَصَل فيه من النقص والإخلال،
فانكب في تأليف كتابه «تهذيب الكمال في أسماء الرجال)»(١) واستغرق في
تبيضه وإعادة النظر النهائي فيه ثمانية أعوام إلاّ شهرًا، فجاء الكتاب ((تهذيب
الكمال» في هذه العظمة التى نرى فيها اليوم، فكتاب المِزَيّ يزيد في الكُمِّ
والكيف على كتاب المقدسي ((الكمال)) ثلاثة أضعاف، لأنّ كتاب ((الكمال)) اشتمل
على رُوَاة الكُتُبِ السِّتَّة فقط، فاستدرك المِزِّيّ مافات المقدسيّ من رُوَاة هذه
الكُتُب أوّلاً، وهم كثيرون، ثم أضاف إلى كتابه الرُّواة الوَارِدِين في بعض مؤلَّفات
أخرى لأصحاب الكُتُب الستة، ورمز لكل هذه الكتب رُمُورًا، فَزَاد المزّيّ على
الكُتُب الستة تسعة عشر كتابًا آخر لأصحاب الكُتُب الستة، كما أنّه أَضَافَ
جُمْلةً من التراجم للتمييز، وهى تراجم تتفق مع تراجم الكتاب في الاسم
والطبقة، ولكن أصحابها لم يكونوا من رجال أصحاب الكُتُب الّتي اختارها
المِزَيُّ من مؤلَّفات أصحاب الكُتُب الستة، ومن أراد التفاصيل أكثر في الموضوع
فليراجع مقدمة المحقق الفاضل لكتاب تهذيب الكمال، فإنّه فَصَّل ودَقَّق فَكَفَى
وشَفَي جَزَاه اللّه خَيْرَ الجزاء.
وقد ظنّ بعض الناس أنّ ((تهذيب الكمال» للمزّي اختصار من «الكمال، للمقدسي، ولعلهم انخدعوا
(١)
من ظاهر اللّفظ «تهذيب الكمال)) مع أنّ معنى التهذيب في الأغلب على التنقية والاصلاح، والواقع
يشهد أنّ تهذيب الكمال ليس باختصار للكمال، بل يزيد عليه في المحتوى كَيْفًا وكمًا، يقول المحقق
الفاضل لكتاب تهذيب الكمال - وهو الذى دَرَس الكتابين وسَبّرهما أنّ تهذيب الكمال ثلاثة
أضعاف الكمال كما في مقدمة تهذيب الكمال ٤٥/١.
- ٣٨-

أُمّا منهجه فى كتابه تهذيب الكمال فكالتالى :
١ - لم يفصل المِزّيُّ الصَّحَابَة عن الرُّواة الآخرين، بل ذكر الجميع على
نَسَّق واحد، وابتدأ بالرِّجَال منهم، فوضع الصَّحَابة في مواضعهم من الترجمة،
ورَتَّب الجميع على حروف المعجم في أسمائهم وأسماء آبائهم وأجدادهم، لكنه
بَدَأ في حرف الهمزة بالأحمدين، وفي حرف الميم بالمحمدين لشرف هذين
الاسمين، ثم رَتَّب في نهاية الأسماء فصول المكني، والأنساب، والألقاب،
والمبهمات على الحروف المعجم أيضًا، وجعل النساء في آخر كتابه، ورَتَّبَهُنّ على
الترتيب المذكور في الرجال، وقد بَرَّر مافعله المِزّيّ بالأدلّة في مقدمة كتابه(١)،
فأفاد وأحسن.
٢ - عمل المِزَيّ إحالات للأسماء الواردة بحسب شهرته أو وروده في
كتب الحديث، كما أنّه أفاد من الفصول الّتي عملها في أواخر الكتاب، وهى
فصول الكنى والأنساب، والألقاب، والمبهمات.
٣ - أبدع المزّيّ في تنظيم التراجم، ولاسيما في شيوخ المترجم والرواة
عنه بعد أن زاد فيهم زيادة كبيرة فاقت الأصل ((الكمال» في أغلب الأحيان عدة
مَرّات، فَنَظّم شيوخ المترجم والرواة عنه على حروف المعجم على نحو ترتيب
الأسماء في الأصل، فَسَهَّل على المستفيد العَجِلِ الوُقُوفَ على بُغْيتِهِ ومَطْلُوبِه.
٤ - استَخْدَم المزيُّ الرموزَ لكل الكُتُب الّتي تناول رجالها بالترجمة وهى
سبعة وعشرون رَمْزًا، وهى معروفة لدى المشتغلين بهذا العلم الشريف وهذه
بعض الجوانب التى اشتمل عليها كتاب المزيّ، وفيه أشياء وأشياء، لايمكن
(١) راجع تهذيب الكمال ١٥٤/١، ١٥٥، ١٥٦.
- ٣٩ -

تجليتها وإبرازها في هذه العُجّالة، ومن أجل هذا أصبح كتاب المِزّيّ ((تهذيب
الكمال)» أعظم كتاب في موضوعه من غير مدافع، ولذلك غَطَّى على كتاب
المقدسِيّ ((الكمال)) فكل من جاء بعده جال حوله فتناوله جُمْلة من الحُفَّاظ
والعُلَماء المعنيين بهذا الفَنْ استدراكًا أو تَعْقِيبًا أو تَلْخِيصًا، فألّف رافع السَّلاَمي
المتوفى سنة (٧١٨) كتابه («الكني)) المختصر من تهذيب الكمال في أسماء
الرجال، وألّف الإمام الذَّهَبِي كُتُبَه الأربعة، تذهيب التهذيب، الكاشف في معرفة
من له رواية في الكتب الستة، المُجَرّد من تهذيب الكمال، والمقتضب من تهذيب
الكمال، كما أنّ الاندرشي أحمد بن سعد اختصر تهذيب الكمال، ذكر ذلك
الذهبي في معجمه(١)، ومن هذه السلسلة التى أُلَّفَت حول تهذيب الكمال كتاب
المغلطاي ((إكمال تهذيب الكمال)» وكتاب السبط ابن العجمي كتابنا هذا، وكتابا
الحافظ ابن حجر ((تهذيب التهذيب» و«تقريب التهذيب» وكتاب الخزرجي
((خلاصة تذهيب الكمال)» وخير ما استدرك على المزي في كتابه هو الإمام علاء
الدين مغلطاي ابن قليج المتوفى سنة (٧٦٢) بكتابه العظيم ((إكمال تهذيب
الكمال)) فأغلب المادّةِ التَّاريخية الّتى أوردها المغلطاي هى مادّة إضافيّة على
مادّة تهذيب الكمال، وقد صَرّح بذلك المغلطاي في مقدمة كتابه، فقال : وشرطي
أن لا أذكر كلمة من كلام الشيخ (المزِّيّ) إلّ اسم الرجل وبعض نَسَبه، ثم آتي
بلفظة قال، أو في معناها من هناك، وثم الزيادة وإن كان في كلامه شئ مِمَّن
لا يَعْرَى منه البَشَرِ ذكرتُ لفظه، وقلتُ: فيه نظر، وبَيَنتُه بالدَّلائل الموجَزَةِ
الوَاضِحة مبلغ علمي بعزو كل قول إلى قائله .. ، وبهذا المنهج أطَالَ المغلطاي
النَّفْس فيه، فجاء كتابه ((إكمال تهذيب الكمال)) في حجم كتاب المزيّ أو قريبًا
(١)· المعجم المختصّ ص: ١٩ برقم (١٥).
- ٤٠ -