النص المفهرس
صفحات 21-40
رافعاً يديه يقول: اللهم إن كنتُ تكلَّمْتُ في رجلٍ وليس هو عندي كَذّاباً فلا تَغْفِر لي (١). وقال العباس بن إسحاق الصَّواف: سمعتُ هارون بن مَعْروف يقول: قَدِمَ علينا بعض الشيوخ من الشّام فكنتُ أوّل من بَكَّر عليه، فدخلتُ عليه، فسألته أن يملي عليَّ شيئاً، فأخذَ الكِتاب يملى عليَّ، فإذا بإنسان يدق الباب، فقال الشيخ: مَنْ هذا؟ قال: أحمد بن حنبل. فأذن له والشيخ على حالته والكتاب في يده لا يتحرك فإذا بآخر يدق البابَ، فقال الشَّيخ: مَن هذا؟ قال: أحمد الدَّورقيُّ، فأذِنَ له، والشَّيخ على حالته والكِتابُ في يده لا يتحرَّك. فإذا بآخر يدق البابَ، فقال الشّيخ: مَن هذا؟ قال: عبد الله ابن الرُّومي. فأذنَ له، والشَّيخ على حالته والكِتاب في يده لا يتحرك. فإذا بآخر يدق الباب، فقال الشّيخ: من هذا؟ قال: أبو خَيْثَمة زُهير بن حرب، فأذن له، والشَّيخ على حالته والكِتاب في يده لا يتحرَّك. فإذا بآخر يدق البابَ، فقال الشّيخ: من هذا؟ قال: يحيى بن مَعِين. قال: فرأيتُ الشَّيخَ ارتعدت يَدُه ثم سقطَ الكِتابُ من يده! وقال جعفر بن أبي عُثمان الطَّيالسُّ: سمعتُ يحيى بن مَعِين يقول: لمَّا قَدِمَ عبد الوهاب بن عطاء أتيته فكتبتُ عنه، فبينا أنا عنده إذ أتاهُ كتابٌ من أهله من البصرة فقرأه وأجابَهُم، فرأيته وقد كَتَب على ظَهْرِهِ: وقدمتُ بغدادَ وقَبِلني يحيى بن مَعِين، والحمد لله رب العالمين. وقال أحمد بن أبي الحواري: ما رأيتُ أبا مُسْهِر تَسَهَّلَ لأحدٍ من النَّاس سُهولته ليحيى بن مَعِين، ولقد قال له يوماً: هل بقي معكَ شيء؟ (١) هذه حكاية منكرة (انظر السير: ١١ / ٩٢). ٢١ وقال عبد الخالق بن منصور أيضاً: قلت لابن الرُّومي: سمعت أبا سعيد الحَدَّاد يقول: لولا يحيى بن مَعِين ما كتبتُ الحديثَ. فقال لي ابن الرومي: وما تَعجب، فوالله لقد نفعنا الله به، ولقد كان المُحَدِّث يحدثنا لكرامته ما لم نكن نحدّث به أنفسنا. قلت لابن الرومي: فإن أبا سعید احدَّاد حدثني قال: إنا لنذهب إلى المحدّث فننظرُ في كُتُبه فلا نرى فيها إلا كُلّ حديث صحيح حتى يجيءَ أبو زكريا فأول شيء يقع في يده يقع الخَطأ، ولولا أنَّه عَزَّفَنَاهُ لم نَعْرفه. فقال لي ابن الرومي: وما تَعجب لقد كُنَّا في مجلسٍ لبعضٍ أصحابنا، فقلت له: يا أبا زكريا نفيدكَ حديثاً من أحسن حديثٍ يكون، وفينا يومئذ عليّ وأحمد وقد سمعوه، فقال: وما هو؟ فقلتُ: حديث كذا وكذا. فقال: هذا غَلَطٌ. فكان كما قال. قال: وسمعتُ ابنَ الرُّومي يقول: كنتُ عند أحمد فجاءَهُ رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله انظر في هذه الأحاديث فإنَّ فيها خَطأ. قال: عليك بأبي زكريا فإنّه يعرفُ الخَطأ. وقال عبد الخالق أيضاً: قلتُ لابن الرُّوميِّ: حدثني أبو عَمرو أنَّه سَمِعَ أحمد بن حنبل يقول: السَّمَاع مع يحيى بن مَعِين شفاءٌ لما في الصُّدور. فقال لي: وما تعجب من هذا كنتُ أختلفُ أنا وأحمد إلى يعقوب بن إبراهيم في "المغازي"، ويحيى بالبصرة، فقال أحمد: ليت أنَّ يحيى ها هنا. قلت له: وما تَصْنَع به؟ قال: يعرفُ الخطأ. وقال عليّ بن سَهْل بن المغيرة: سمعتُ أحمد بن حنبل في دِهْليز عَفّان يقول لعبد الله ابن الرُّومي: ليتَ أبا زكريا قد قَدِمَ، يعني ابن مَعِين. فقال له اليماميُّ: ما تَصْنع بقدومه؟ يُعيد علينا ما قد سَمِعنا؟ فقال له أحمد: اسكُت هو يعرف خطأ الحديث. ٢٢ وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن عباس بن محمد الدُّوريّ: رأيتُ أحمد بن حنبل يسأل يحيى بن مَعِين عند رَوْح بن عُبادة: مَن فُلان؟ ما اسم فُلان؟ وقال أبو العباس الأصم، عن عباس الدُّوريِّ: رأيتُ أحمد بن حنبل في مجلسِ رَوْح بن عُبادة سنة خمس ومئتين يسأل يحيى ابن مَعِين عن أشياء يقول له: يا أبا زكريا كَيْف حديث كذا؟ وكيف حديث كذا؟ يريد أحمد أن يَسْتَثْبتَهُ في أحاديث قد سَمِعوها، كلّ ما قال يحيى كتبه أحمد، وقلما سمعتُ أحمد بن حنبل يسمي يحيى بن مَعِین باسمه، إنما كان يقول: قال أبو زكريا، قال أبو زكريا. وقال الحُسين بن إسماعيل الفارسيُّ، عن أبي مُقاتل سُليمان بن عبد الله: سمعتُ أحمد بن حَنْبل يقول: ها هنا رجل خَلَقَهُ اللهُ تعالى لهذا الشأن يُظْهِر كَذب الكَذَّابين، يعني: يحيى بن مَعِين. وقال أبو بكر الأثرم: رأى أحمدُ بنُ حنبل يحيى بن مَعِين بصنعاء في زاويةٍ وهو يكتب صَحِيفة مَعْمَر عن أبان عن أنس، فإذا اطّلَعَ عليه إنسانٌ كَتَمَهُ. فقال له أحمد: تكتب صحيفةَ مَعْمَر عن أبان عن أنس وتعلم أنّها موضوعة؟ فلو قال لك قائل: أنت تتكلّم في أبان ثم تكتب حديثَهُ على الوجه؟ فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله أكتبُ هذه الصَّحيفة عن عبد الرزاق عن مَعْمَر على الوجه فأحفظها كُلّها، وأعلمُ أنها موضوعة حتى لا يجيء إنسانٌ بعده فيجعل أبان ثابتاً ويرويها عن مَعْمَر، عن ثابت، عن أنس، فأقول له: كذبت إنما هو عن مَعْمَر، عن أبان لا عن ثابت. وقال أحمد بن عليّ الأبّار: قال يحيى بن مَعِين: كتبنا عن الكَذَّابين وسَجَرنا به التَُّّور، وأخرجنا به خُبزاً نضيجاً! ٢٣ وقال أبو حاتم الرَّازيُّ: إذا رأيتَ البَغْدادِيَّ يُحِبُّ أحمد بن حنبل فاعلم أنَّه صاحبُ سُنّة، وإذا رأيتَهُ يُبغض يحيى بن مَعِين فاعلم أنَّه كَذّاب. وقال محمد بن هارون الفَلَّس: إذا رأيتَ الرَّجُل يقع في يحيى بن معين فاعلم أنَّه كَذّاب يضعُ الحديثَ، وإنما يُبغضه لما يُبَيِّ أمرَ الكَذَّابين(١). وقال عليّ بن الحُسين بن حِبَّان: حدثني يحيى الأَحول، قال: تلقّينا يحيى بن مَعِين قدومه من مكَّة، فسألناهُ عن حُسين بن حِبَّان، فقال: أَحدثكم أنَّهُ لما كان بآخر رَمَقِ قال لي: يا أبا زكريا أترى ما هو مكتوب على الخَيْمة؟ قلت: ما أرى شيئاً. قال بلى أرى مكتوباً: يحيى بن مَعِين يقضي أو يفصل بين الظَّالمين. قال: ثم خرجت نفسُهُ. وقال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: أخبرنا الزَّبير بن عبد الواحد الحافظ، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الواحد البَكْرِيُّ، قال: سمعتُ جعفر بن محمد الطَّيالسِيَّ يقول: صَلَّى أحمد بن حنبل ويحيى بن مَعِين في مسجد الرُّصافة، فقام بين أيديهم قاصٍّ، فقال: حدثنا أحمد بنُ حنبل ويحيى بنُ مَعِين، قالا: حدثنا عبد الرَّزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر عن قَتَادة، عن أنس قال: قال رسولُ الله ﴿: "مَن قالَ لا إله إلا الله خُلِقَ من كُلِّ كَلِمَةٍ منها طيرٌ مِنْقَارُهُ من ذهبٍ وريشُهُ من مَرْجان وأخَذَ في قصةٍ نحوٍ من عشرين وَرَقة، فجعل أحمد ينظرُ إلى يحيى ويحيى ينظرُ إلى أحمد فيقول: أنت حدثته؟ فيقول: والله ما سمعت به إلا الساعة. قال: فسكَتَا جميعاً حتى (١) وقع في بعض النسخ: "من أمر الكذابين"، وما هنا من نسخة ابن المهندس، وهو الموافق لما في الجرح والتعديل ٣١٦/١ الذي ينقل منه المصنف. ٢٤ فرغَ من قَصَصِه وأخذَ قِطاعهم(١)، ثم قعد ينتظر بَقيتَها (٢)، فقال له يحيى بن مَعِين بيده أن تعالَ، فجاء مُتَوَهِّماً لنوالٍ يُجيزه، فقال له يحيى: مَن حَدَّثكَ بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن مَعِين. فقال: أنا يحيى بن مَعِين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله :﴿ فإن كان ولا بُدَّ والكَذِب، فَعَلى غيرنا. فقالَ له: أنت يحيى بن مَعِين؟ قال: نعم. قال: لم أزل أسمعُ أنَّ يحيى بن مَعِين أحمق، ما علمته إلا السَّاعَةَ. فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأَنَّهُ ليسَ في الدُّنيا يحيى بن مَعِين وأحمد بن حنبل غيركما، كتبتُ عن سبعة عشر، أحمد ابن حنبل ويحيى بن مَعِين غيركما! قال: فوضع أحمد كُمَّه على وجهه، فقال: دعه یقوم. فقام كالمُسْتَهزئ بهما(٣). وقال محمد بن رافع النََّسابوريُّ: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: كُلُّ حديثٍ لا يعرفُهُ يحيى بن مَعِين فليسَ هو بحديث. وفي رواية: فليس هو ثابتاً. وقال الحسن بن عُلَيْلِ العَنَزِيُّ: حدثنا يحيى بن مَعِين، قال: أخطأ عَفّان في نَّفٍ وعشرينَ حديثاً ما أعلمتُ بها أحداً، وأعلمتهُ فيما بيني وبينَهُ، ولقد طلبَ إليَّ خلفُ بنُ سالم فقال: قل لي أي شيء هي؟ فما قلتُ له. وكان يُحِبُّ أن يجدَ علیه. (١) يعني: أخذ دراهمهم. (٢) في المطبوع من السير "بقُبَّتها" وليس بشيءٍ، ولعله من غلط الطبع. (٣) ساقها ابن حبان في "المجروحين" للتدليل على قيام القصّاص بوضع الحديث (٨٥/١)، وقال الذهبي: هذه الحكاية اشتهرت على ألسنة الجماعة، وهي باطلة، أظن البلدي (البكري) وضعها ويعرف بالمعصوب (السير: ١١/ ٣٠١). ٢٥ قال يحيى: ما رأيتُ على رَجُل قَط خطأ إلا سترتُه، وأحببتُ أن أُزَيِّن أمرَهُ، وما استقبلتُ رجلاً في وجهه بأمرٍ يكرههُ، ولكن أَبَيِّن له خَطأهُ فيها بيني وبينه، فإن قَبِلَ ذلك مني، وإلا تركته. وقال جعفر بن أبي عُثمان الطَّيالسِيُّ: سمعتُ يحيى بن مَعِين يقول: أوّل بَرَكة الحديث إفادتُهُ. وقال ابنُ الغَلاَبِيِّ: قال يحيى: إني لأُحَدِّثُ بالحديث فأسهر له مخافةً أن أكونَ قد أخطأتُ فيه. وقال بشر بن موسى الأسَدِيُّ: سمعتُ يحيى بن مَعِين يقول: ويلٌ للمُحَدِّث إذا استضعفَهُ أصحابُ الحديث. قلتُ: يَعْملونَ به ماذا؟ قال: إن كان کَوْدَناً(١) سَرَ قُوا کتَبَهُ، وأفسدوا حديثَهُ وحبسُوه، وهو حاقِن، حتى يأخذه الحُصْرُ فيقتلوه شَرّ قتلة، وإن كان ذَكَراً استضعفَهُم وكانوا بينَ أمرِه ونَهيهِ. قلت: وكيف يكون ذَكَراً؟ قال: يَعْرِفُ ما يخرجُ من رأسِهِ. وقال موسى بن حَمْدون ، عن أحمد بن عُقْبة: سمعتُ يحيى بن مَعِين يقول: من لم يكن سَمْحاً في الحديث كان كَذَاباً. قيل له: وكيف يكون سَمْحاً؟ قال: إذا شَكَّ في الحديث تَرَكَهُ. وقال أحمد بن مروان الدَّينَوري، عن جعفر بن أبي عُثمان: كُنّا عند يحيى بن مَعِين فجاءَهُ رجلٌ مستعجلٌ، فقال: يا أبا زكريا حدثني بشيء (١) الكودن: البليد، وهو في الأصل البغل أو الحصان الهجين. وقد مدح الصفدي شيخه الذهبي، فقال: لم أجد عنده ... ولا كودنة النقلة، بل هو فقيه النظر ... الخ (انظر مقدمة كتابنا: الذهبي ومنهجه، القاهرة ١٩٧٦). ٢٦ أَذكركَ به. فالتفتَ إليه يحيى، فقال: اذكرني أنَّكَ سألتني أن أُحَدِّثك فلم أفعل. وقال عباس بن محمد الدُّوريُّ: سُئِلَ يحيى بن مَعِين عن الرُّؤوس، فقال: ثلاثة بين اثنين صالح. وقال القاسم بن صَفْوان البَرْدَعِيُّ: سمعتُ عبد الله بن أحمد يقول: قلتُ ليحيى بن مَعِين: ما تقول في رأسين بين ثلاثة؟ قال: إذا كان واحداً نائماً. وقال أبو بكر بن أبي داود، عن أبيه: سمعتُ يحيى بن مَعِين يقول: أكلتُ عَجِينَةَ خُبزٍ وأنا ناقِهٌ من عِلَّةٍ. وقال الحُسين بن محمد بن فَهْم: سمعتُ يحيى بن مَعِين وذُكِرَ عنده حُسْنِ الجَوَاري. قال: كنتُ بمصرَ فرأيتُ جاريةً بيعت بألف دينار ما رأيتُ أحسنَ منها صَلّى الله عليها. فقلتُ: يا أبا زكريا مثلك يقول هذا؟ قال: نعم. صَلَّى اللهُ عليها وعلى كل مَلِيحِ! وقال عباس الدُّوريُّ(١): سمعتُ يحيى يقول في تفسير: "إن سأَلَ الرَّجُلُ امرأتَهُ وهي على قَتَب فلا تمنعه". قال يحيى: كانت المرأة في الجاهليةِ إذا أرادت أن تَلِدَ تقعد على قَتبِ ليكونَ أسرعَ لولادتها. فقال: إن سألَما وهي على هذه الحال فلا تمنعه. وقال عَبَّاس أيضاً: سمعتُ يحيى يقول: لستُ أعجبُ ممن يحدث فيخطئ، إنما أعجبُ ممن يحدّث فيُصيب. وقال أيضاً: سمعتُ يحيى يقول لِبَّى امرأةٍ من أهل المدينةِ: أيُّ الرِّجال أعجبُ إلى النِّساء؟ قالت: الذينَ تشبه خدودهم خدود النِّساء(٢). (١) تاريخه: ٢ / ٦٥٧ والأقوال الآتية كلها عنده. - (٢) بعد هذا مجموعة من آراء ابن معين الفقهية لم نر فائدة في إيرادها لمخالفة بعضها الثابت من السنَّة النبويّة. ٢٧ وقال جعفر بن أبي عُثمان الطّالسىُّ: أنشدنا يحيى بن مَعِين: ولكنْ في البَلاءِ هُم قليلُ أخلاءُ الرِّجال هُم كثير فما لكَ عندَ نائبةٍ خليلُ فلا يغررك خلّة مَن تُؤاخي لما قد قالَهُ يوماً فعولُ سوی رَجُلٍ له حَسَبٌ ودینٌ وقال داود بن رُشَيْد: أنشدني يحيى بن مَعِين: يَوماً وتَبْقَى فِي غَدٍ آثامُهُ المالُ يَذْهَبُ حِلُّهُ وحَرَامُهُ حتى يَطِيبَ شَرَابُهُ وطَعَامُهُ لَيْسَ التَّقِيُّ بمتقِ لإِلهِهِ ويكونَ في حُسنِ الحَديثِ كَلاَمُهُ ويَطِيبَ ما يَحْوي وتَكْسِبُ كَفُّهُ فعَلَى النَّبِيِّ صلاَتُه وسَلاَمُهُ نَطَقِ النَّبِيُّ لنا به عن رَبِّه أخبرنا بذلك أبو الحسن ابن البُخارِيّ، وأحمد بن شَيْبان، وزينب بنت مكي، قالوا: أخبرنا أبو حفص بن طَبَرْزَد، قال: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن عُبيد الله ابن الزَّغوانيِّ وأبو القاسم هبة الله بن عبد الله الشُّرُوطيَّ، قالا: أخبرنا أبو الغنائم عبد الصَّمَد بن عليّ ابن المأمون، قال: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن عُمر الحَرْبيُّ، قال: حدثنا أبو القاسم عيسى بن سُليمان القُرَشِيُّ، قال: أنشدني داود بن رُشَيْد، قال: أَنشدني يحيى بن مَعِین، فذكره. وقال سعيد بن عمرو البَرْدعِيُّ: سمعت أبا زُرعة، يعني الرَّازيَّ، يقول: كان أحمد بن حنبل لا يَرَى الكتابة عن أبي نصر التّمار ولا عن يحيى بن مَعِين ولا عن أحدٍ ممن امتُحِنَ فأجابَ(١). (١) هذه مسألة تشدّد فيها الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، لما صبر في المحنة وقاسى من الشدائد، والآخرون لم يكونوا بمثل قدرته على التحمل فأجابوا تقية، أو رهبة من السلطان، ثم عادوا، وهو شيء سمح به الدين، فكان ماذا؟ فلو تركنا حديث هؤلاء لذهبت سنن كثيرة. ٢٨ وقال أبو بكر ابن المقرئ: سمعتُ محمد بن عَقِيل البَغْدادِيَّ، يقول: قال إبراهيم بن هانئ: رأيتُ أبا داود يقع في يحيى بن مَعِين، فقلتُ: تَقَع في مثل يحيى بن مَعِين؟ فقال: مَن جَرَّ ذُيولَ النَّاسِ جَرُّوا ذَيْلَهُ(١). وقال أبو الربيع محمد بن الفَضْلِ البَلْخِيُّ: سمعت أبا بكر محمد بن مَهْرُوية، يقول: سمعتُ عليّ بن الحُسين بن الجُنيد يقول: سمعتُ يحيى بن مَعِين يقول: إنَّا لنطعنُ على أقوامٍ لَعَلَّهُم قد حَطُّوا رِحالهم في الجنة من أكثر من مئتي سَنة. قال ابن مَهْرُوية: فدخلتُ على عبد الرحمن بن أبي حاتِم وهو يقرأ على النَّاس كتاب "الجَرْح والتَّعديل" فحدثته بهذه الحِكاية، فبكى، وارتعدت يداهُ حتى سقطَ الكتابُ من يده، وجعل يبكي، ويستعيدني الحِكايةَ، أو كما قال. قال أبو زُرعة الدِّمشقيُّ: قال يحيى بن مَعِين: ولدتُ سنة ثمان و خمسین و مئة، موت أبي جعفر. وقال أيضاً: سمعتُ أبا مُسْهِر يسأل يحيى بن مَعِين في سنة أربع عشرة ومئتين عن سنِّهِ، فقال: أنا ابن ست وخمسين سنة. وقال الحُسين بن محمد بن فَهْم: سمعتُ يحيى بن مَعِين يقول: ولدتُ في خلافة أبي جعفر سنة ثمان وخمسين ومئة في آخرها. وقال أبو بكر أحمد بن أبي خَيْثَمة: ولد يحيى بن مَعِين سنة ثمان وخمسين ومئة، وماتَ بمدينة رسول الله:﴿ لسبع ليالٍ بَقِين من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، وقد استوفى خَمْساً وسبعين سنة ودخلَ في الست، ودُفِنَ بالبقيع، وصَلَّى عليه صاحبُ الشُّرطة. (١) هذا كلام، إن صح، فيه نظر شديد، فيحيى ما تكلّم في الناس اعتباطاً، إنما للدفاع عن سنة نبيه /# ٢٩ وقال البُخَارِيُّ: مات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومئتين وغُسّلَ على أَعْواد النَّبِّلَ﴾، وله سبع وسبعون سنة إلا نحواً من عشرة أيام. وقال عباس بن محمد الدُّوريُّ: مات سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، وكان قد بلغ سِنُّه سَبْعاً وسبعين إلا عشرة أيام، أو نحوه. وقال في موضع آخر: ماتَ بالمدينة في أيام الحج قبل أن يحج سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، وصَلَّى عليه والي المدينة، وكَلَّم الحِزاميُّ الواليَ فأخرجوا له سَرِيرَ النَّبِيّ: ﴿ فحُمِلَ عليه، وصَلَّى عليه الوالي، ثم صُلِي عليه مراراً بعد ذلك، ومات وله سبعٌ وسبعون سنة إلا أياماً. وقال أحمد بن بَشِير الطَّيالسيُّ: مات سنة ثلاث وثلاثين ومئتين وهو حاج بالمدينة ذاهباً قبل أن يَجج لتسع أو لسبع ليالٍ بقين من ذي القعدة. وقال أبو سعيد بن يُونس: يقال إنَّهُ من أهل الأنبار. ويقال: إنَّ أصلَهُ خُراساني، قَدِمَ مصر، وكتَب بها، وكُتِبَ عنه سنة ثلاث عشرة ومئتين، ورجعَ إلى العراق، ثم انتقل إلى المدينة، وكانت وفاته بها يوم السَّبت لستٍ إن بَقِين من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين ومئتين. وقال أبو حَسَّان مَهيب بن سُلَيْمِ البُخاريُّ: سمعتُ محمد بن يوسف البُخارِيَّ والد أبي ذر يقول: كنتُ في الصُّحْبة في طريق الحج مع يحيى بن مَعِين، فدخلنا المدينة ليلة الجُمعة ومات من ليلته، فلما أصبحنا تَسَامعَ النَّاسُ بقدوم يحيى وبموتِهِ، فاجتمعَ العامةُ وجاءت بنو هاشم، فقالوا: نُخْرِجُ له الأَعوادَ التي غُسِّلَ عليها النَِّيُّ:﴿، فَكَرَهَ العامةُ ذلك، وكَثُرَ الكلامُ، فقالت بنو هاشم: نحن أولى بالنَِّّ ◌َ# منكم، وهو أهلٌ أن يُغَسَّل عليها، فأُخرجَ الأَعوادُ، وغُسِّل عليها، ودُفِنَ يوم الجُمُعة في شهر ٣٠ ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين ومئتين. قال أبو حسان: وهي السّنة التي ولدتُ فيها. وقال خليفةُ بن خَيّاط، وأبو حاتِم الرَّازي، وأحمد بن محمد بن عُبيد الله التَّار، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصُّوفيٌّ، وعلي بن أحمد ابن النَّصْرِ الأَزْديُّ، في آخرين: ماتَ سنة ثلاث وثلاثين ومئتين. وقال عباس الدَّوريُّ في موضع آخر: ماتَ بالمدينة فَحُمِلَ على أعوادِ النَِّّ ◌َ# ونُودي بين يديه: هذا الذي كانَ يَنْفِي الكَذِبَ عن رسول .盤心 وقال محمد بن إسماعيل الصَّائغ المكيُّ: ماتَ بالمدينة وُلَ على سَرِيرِ النَِّّل ◌َ﴾. قال إبراهيم بن المنذر: فرأى رجلٌ في المنامِ النَّبِيَّ ◌َ * وأصحابَهُ مجتمعين، قيل لهم: ما لكم مجتمعين؟ فقال: جئتُ لهذا الرجل أصلي عليه، فإنَّهُ كان يَذُب الكَذِبَ عن حديثي. وقال جعفر بن محمد بن كُزال: كنتُ مع يحيى بن مَعِين بالمدينة فمرضَ مَرَضَهُ الذي ماتَ فيه، وتوفّ بالمدينة، فَحُمِلَ على سَرِير رسول الله ﴿ ورجلٌ ينادي بين يديه: هذا الذي كان يَنِفِي الكَذِب عن حدیثٍ رسول الله څ﴾. ٩ وقال أحمد بن كامل القاضي، عن أحمد بن محمد بن غالب: لما مات يحيى بن مَعِين نادى إبراهيم بن المنذر الحِزَاميُّ: مَنْ أرادَ أن يشهدَ جنازةَ المأمون على حديث رسول الله څ# فلیشهد. وقال جعفر بنُ أبي عُثمان الطيالسيُّ، عن حُبَيْش بن مُبَشِّر الفقيه: رأيتُ يحيى بن مَعِين في النَّوم فقلتُ: ما فعلَ اللهُ بكَ؟ قال: أعطاني وحَبَاني وزَوَّجَني ثلاث مئة حَوْراء، ومَهَّدَ لي بين المِصْراعين. ٣١ وقال الحُسين بن عُبيد الله الأبزاريُّ، عن حُبَيْش بن مُبَشِّر: رأيتُ يحيى بن مَعِين في النوم فقلت: ما فعل الله بكَ؟ قال: مَهَّدَ لي بين المِصْراعين - يعني ما بين بابي الجنة- قال: ثم ضربَ بيده إلى كُمِّه، فأخرجَ دَرْجاً، يعني فقال: إنما ◌ِلْنا ما نِلْنا بهذا، يعني: كتابة الحديث. وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدثني محمد بن أحمد، قال: قال حُبَيْش بن مُبَشِّر: رأيتُ يحيى بن مَعِين في النَّوم فقلت: ما فَعَلَ الله بك؟ قال: غَفَر لي، وأعطاني، وحَبَاني، وزَوَّجني ثلاث مئة حَوْراء، وأدخلني علیه مرتين. وقال موسى بن هارون الزَّيّات: حدثني عبد الله بن أحمد، قال: قال بعض المُحَدِّثین في یحیی بن مَعِین: وبكل مختلف من الإسناد ذهبَ العَليمُ بعيب كُل مُحَدِّث يُعْنَى به عُلماء كل بلاد وبكل وَهْم في الحديثِ ومُشْكِلٍ قال الحافظ أبو بكر الخطيب: حَدَّث عنه محمد بن سَعْد كاتب الواقديِّ، وأحمد بن محمد بن عُبيد الله التَّمَار، وبين وفاتيهما خمس وتسعون سنة أو أكثر. وحَدَّث عنه هَنَّاد بن السَّرِي وبين وفاته ووفاة التَّمَار اثنتان وثمانون سنة أو أكثر(١). وروی له الباقون. (١) قلنا: إن يحيى بن معين إمام كبير من أئمة هذا الدين، ومناقبه وفضائله كثيرة ليس لمثلنا أن يتكلم بأكثر مما جاء في موارد ترجمته، فمن أراد استزادة فعليه بما ذكرناه من موارد في صدر ترجمته، والله الموفق. ٣٢ هذه الموسوعة: إن الهدفَ من هذه الموسوعة: جمع أقوال الإمام يحيى بن مَعِين في كُلِّ رجل تكلّم فيه جَرْحاً أو تعديلاً فضلاً عن بيانه علل بعض الأحاديث المعلة. وكان علماء الأمة يطمحون إلى مثل هذا العمل العلمي الرَّصين الذي يهيئ مادة متكاملة عن كل مُتَرْجَم لا تقف عند راوٍ واحد، أو عدد محدود من الرواة، ولكن عن جميع الرواة الذين رووا هذه الأقوال عن يحيى بن مَعِين؛ فقد ذكر الحميدي (ت ٤٨٨ هـ) في ترجمة محمد بن إبراهيم بن سعيد، أبي عبد الله القَيْسي القُرطبي المعروف بابن أبي القَرَاميد المتوفى سنة ٣٩١ هـ أنَّ له تأليفاً جمع فيه كلام أبي زكريا يحيى بن مَعِين في ثلاثين جزءاً، قال الحميدي: "أخبرنا به أبو عمر بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) عنه"(١). وكان ابن أبي القراميد هذا صديقاً لابن الفرضي (ت ٤٠٣ هـ)، ذكره في "تاريخ علماء الأندلس" وقال: "وسمع معنا ... وكان يفهم الحديث، ويبصر الرجال، ويحسن التقييد والضبط، ثقة فيما كتب "(٢)، وقال الحميدي: "وكان من أضبط الناس لكتبه وأفهمهم لمعاني الرواية" (٣). على أنَّ هذا العمل العلمي الذي لا نشك برصانته لم يصل إلينا، فكان من نعم الله علينا أن وفقنا إلى جمع هذه الأقوال من الروايات المأثورة (١) جذوة المقتبس (١٧) بتحقيق الدكتور بشار عواد معروف (بيروت ٢٠٠٨). (٢) تاريخ علماء الأندلس ١٣٧/٢، ترجمة ١٣٨٣، بتحقيق الدكتور بشار أيضاً (بيروت ٢٠٠٧ م). (٣) جذوة المقتبس (١٧). وتنظر بغية الملتمس (٤٦)، وتاريخ الإسلام للذهبي ٨/ ٧٠٦. ٢ * موسوعة أقوال يحيى بن معين١ ٣٣ عن يحيى بن مَعِين مما سألَهُ عنه تلامذتُهُ، سواء تلك التي وصلت إلينا، أو تلك التي لم تصل ولكنها بقيت في الموارد التي نقلت منها. أما الروايات التي وصلت إلينا وطبعت فهي: ١. تاريخ أبي الفضل العباس بن محمد الدّوري المتوفى سنة ٢٧١ هـ وهي التي نشرتها جامعة الملك عبد العزیز بتحقيق الدكتور محمد نور سيف. ٢. تاريخ عثمان بن سعيد الدَّارمي المتوفى سنة ٢٨٠ هـ، وهي التي نشرتها جامعة الملك عبد العزيز أيضاً. ٣. سؤالات ابن محرز، أبي العباس أحمد بن محمد بن القاسم البغدادي، وهي التي نشرها مجمع اللغة العربية بدمشق. ٩ ٤. سؤالات ابن الجُنَّيْد، أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن الجُنِيْد الخُتِلِىُّ البغدادي، والمنشورة في عالم الكتب مرة، وفي دار الفاروق مرة أخرى، وقد استخدمنا الطبعتين. ٥. سؤالات ابن طَهْمان، أبي خالد يزيد بن الهيثم الدَّقَّاق المعروف بابن البادا (أو البادي) المتوفى سنة ٢٨٤ هـ، وهي التي نشرتها جامعة الملك عبد العزيز أيضاً. ٦. سؤالات عثمان بن طالوت، أبي عمر الجَحْدَري البَصْري المتوفى شاباً سنة ٢٣٤ هـ. وسنفصل القول في كل واحدٍ منهم عند الكلام على الرواة عن يحيى ابن مَعِین. أما الكتب التي استخرجنا منها أقوال يحيى بن مَعِين الأخرى فهي: ١. التاريخ الكبير للبخاري (ت ٢٥٦ هـ)، طبعة دائرة المعارف العثمانية (حيدرآباد ١٣٥٨ - ١٣٦٢ هـ). ٣٤ ٢. تاريخ ابن أبي خيثمة زهير بن حرب (ت ٢٧٩ هـ)، طبعة الأستاذ صلاح فتحي هلل. ٣. تاريخ أبي زرعة الدمشقي (ت ٢٨١ هـ)، طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (١٩٧٣ م). ٤. العلل ومعرفة الرجال، لعبد الله بن أحمد بن حنبل (ت ٢٩٠هـ)، طبعة المكتب الإسلامي ببيروت. ٥. الكنى والأسماء للدولابي (ت ٣١٠هـ)، طبعة دائرة المعارف العثمانية (حيدر آباد ١٣٢٢ هـ). ٦. الضعفاء، للعقيلي (ت ٣٢٢هـ)، طبعة دار الكتب العلمية في بيروت. ٧. الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧هـ)، طبعة دائرة المعارف العثمانية (حيدرآباد ١٩٥٢ - ١٩٥٦ م). ٨. كتاب المجروحين، لابن حبان (ت ٣٥٤هـ)، طبعة دار الوعي بحلب. ٩. الكامل في ضعفاء المحدثين، لابن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥هـ)، طبعة دار الكتب العلمية. ١٠. تاريخ مدينة السلام (بغداد) للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي (بيروت ٢٠٠١م). ١١ . تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للمزي (ت ١٤٢ هـ)، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة (بيروت ١٩٨٠ - ١٩٩٢ م). ١٢. ميزان الاعتدال، للذهبي (ت ٧٤٨هـ)، طبعة دار المعرفة. ١٣. تهذيب التهذيب، لابن حجر (ت ٨٥٢هـ)، طبعة مؤسسة الرسالة في بیروت. ٣٥ ١٤. لسان الميزان، لابن حجر (ت ٨٥٢هـ)، طبعة مكتب المطبوعات الإسلامية. وهذه المصادر قلما غادرت قولاً ليحيى بن مَعِين لم تذكره، فضلاً عن إيرادها أقوال أصحاب التواريخ والسؤالات عن ابن مَعِين. وقد رتبنا الرجال الذين تكلّم فيهم يحيى بن معين جرحاً أو تعديلاً أو تعليلاً على حروف المعجم، وجمعنا كل ما جاء من روايات عن ابن معِین فیه. أما تنظيم المادة، فنبدأ عادة بالأقوال الواردة في كتب السؤالات والتواريخ المطبوعة عن يحيى بن مَعِين، فإذا انتهينا منها أوردنا ما جاءَ من أقوالٍ في الكُتب الأربعة عشر المذكورة قبل قليل بحسب ما يتوفر فيها، وهذا هو السبب الذي جعلَ أقوال الراوي الواحد عن يحيى مثل الدُّوري وابن الجُنَيد وابن مُحْرِز وغيرهم لا تأتي متسلسلة في مكان واحد في بعض الأحيان. ومع اعتمادنا المطبوعات من أقوال ابن مَعِين التي رواها أصحاب التواريخ والسؤالات في كتبهم المطبوعة، وهم: الدوري، والدارمي، وابن محرز، وابن الجنيد، وابن طهمان، وابن طالوت، إلا أننا لم نكتف بذلك، بل قابلناها على الموارد التي نقلت منها، ولا سيما الموارد المحققة تحقيقاً علمياً رصيناً، مثل الجرح والتعديل، وتاريخ مدينة السلام بغداد، وتهذيب الكمال، ونحوها وثبتنا كل اختلاف مهم وجدناه مما قد يغيّ في الحُكم أو يزيد فيه كلمة أو جملة. وذكرنا لكل نَصِّ مصدرهُ عند انتهائه، فإذا وُجِدَ نصٌ لم يُذكر مصدرُهُ فمصدرُهُ في الذي بعده، ذلك أننا جمعنا في بعض الأحيان النصوص الواردة ٣٦ في مصدر واحد في مكان واحد وأشرنا إلى مَصْدَرها عند انتهائها، ومن ثم فقد يجد القارئ نصين أو ثلاثة نصوص ذكر لها مصدر واحد. ومعلومٌ أنَّ صِيغَ ذكر الرُّواة عن يحيى بن مَعِين جاءت متنوّعة، فيُذكر الراوي باسمه مرة، وبكنيته مرة أخرى، وبنسبته أو لقبه مرة ثالثة، وهلم جراً مما يُحْدِث إرباكاً وصعوبة في التمييز لمن لم يعجم هذا الأمر؛ وما أكثرهم في هذه الأيام! لذلك رأينا توحيدها بحيث يُذكر الراوي بصيغة واحدة، هي الصيغة الأكثر شُهْرة في وروده في المصادر، كما سنبينه لاحقاً عند كلامنا على أسماء الرواة عن يحيى بن مَعِين؛ ناهيك عن الانحطاط الذي وصل إليه هذا العلم الجليل عند بعض الجهلة المدعين معرفة علم الحديث حتى أنَّ بعضهم ألَّف كتاباً يَنْعَى فيه على من يقول: إنّ في السُّنن الأربعة حديثاً ضعيفاً (١)، والأدهَى من ذلك أن يُنْشَر هذا الكتاب وتدعمه مؤسسة في إحدى الدول يُشْرف عليها أحد الدكاترة المعروفين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكانَ من النتائج الباهرة لهذا العمل العلمي الرائد حين لم يكتف بإيراد النصوص الواردة في التواريخ أو السؤالات عن ابن مَعِين المطبوعة، بل قابل النصوص بالكتب الناقلة عنها؛ فَصَحَّحَ الكثير مما وقع في هذه الروايات من تصحيف أو تحريف، كما يظهر من بعض تعليقاتنا على نصوصها. وقد كان من أهم الواجب على الذين حققوا الروايات المروية عن يحيى بن مَعِين أن يستقصوا ما نقلته الكتب، ولا سيما تلك التي لم يقف (١) هو كتاب المدعو محمود سعيد ممدوح الموسوم. "التعريف بأوهام من قسم السنن إلى صحيح وضعيف"! ٣٧ المحقق منها إلا على نسخة واحدة، فيستدرك ما فات النسخة أو ناسخها من الرِّوايات. وعلى الرغم من ادِّعاء بعضهم ذلك إلا أنّ ما وقفنا عليه من النصوص الكثيرة التي نقلتها الموارد عن هذه الروايات تَدْحضُ مثل ذلك الادعاء. ٣٨ أهمية الموسوعة: إنّ جَمْع أقوال كبار الأئمة النّقاد وتعليلهم للأحاديث، وبيان درجات الرِّجال وأحوالهم عُموماً، أو في شيوخ بلد معين، أو في شيخ مُعَيَّن، والمفاضلة بين الثقات، وبيان رجحان الواحد منهم على الآخر، من أعظم الأعمال التي تخدم علم الحديث عموماً، وعلم الجرح والتعديل خصوصاً، وعلم علل الحديث بصورة أخص، ذلك أنَّ الحُكْمَ على الحديث صحة وسقماً لا يكون في النّظر في إسناده حسب، وتقويم الرُّواة استناداً إلى كتاب "التقريب" للحافظ ابن حجر، كما يفعل بعض الجهلة، إذْ أنَّ تضعيف الحديث لا يكون بوجود أحد الضُّعفاء أو المجهولين في سند الحديث، أو انقطاع فيه، أو تدليس، أو إرسال ونحو ذلك حَسْب، ذلك أنَّ الحديثَ المتصل بالسَّنَد بالعُدُول الثقات قد يكون مَعْلولاً بالشُّذوذ والنكارة والخطأ، فإنَّ الثقةَ يُخْطئ في الشيء بعد الشيء، وتتبّعُ أخطاء الثِّقات ليسَ من الأمور الهيِّنة، والمفاضلة بينهم عند الاختلاف لا تتأَتَّى إلا لمن عرفَ أقوال الجهابذة النّقاد الأوائل ممن أوتوا بَسْطة في العلم وسعة في الأفق، وهو أمرٌ لا يُدْركه إلا من تشبَّعَ بأقوال الجهابذة أولي المعرفة والإتقان ممن سَبَرُوا الطرق وعَرَفوا كيفَ يُفاضلون بين الزُّواة، أو في رواياتهم عن شيخ معيَّن، ومنهم الإمام الجهبذ يحيى بن مَعِين، ولا يمكن تحصيل تلك الفوائد والوقوف على تلك العوائد إلا بجمع أقوالهم وتتبعها وفّحْص رواتها، للتمييز بين الثقة المتثبّت وبين الضعيف، ممن ينائل عن الناقد أقواله. ٣٩ ولا يمكن تحصيل تلك الفوائد والوقوف على تلك العوائد إلا بجمع أقوالهم وتتبعها وفَحْص رواتها، للتمييز بين الثقة المتثبّت وبين الضعيف، ممن ينقل عن الناقد أقواله. وقد وقفنا على مئات النصوص التي رواها الدّوري مثلاً عن ابن مَعِين مما لم يرد في النسخة المطبوعة باسم "تاريخ الدُّوري"، وهو أمر يشير إلى أحد أمرين: الأول: إن المخطوطة الفريدة التي طُبعَ عنها الكتاب غير كاملة يعتريها الكثير من النقص، وهذا هو المرجّح، مع اختلاف في بعض الروايات. الثاني: إن أقوال عباس الدُّوري عن ابن مَعِين هي ليست تلك التي رويت في هذه النسخة فقط، وهو أمر مستبعد. ومع أنّ بعض الأقوال التي زدناها على المطبوعة هي اختلاف في الألفاظ أو زيادات يسيرة قد تكون بسبب اختلاف الروايات عن الدُّوري، أو من تصرّف الناقلين، لكن يبقى المقدار الأكبر منها هي أقوال مُسْتَبدة لا وجودَ لها البتة في الرواية المطبوعة، فجاءت هذه الموسوعة لتكون الفيصل الشّافي في أقوال يحيى بن مَعِين في رجال الحدیث وعلله. ونحن ذاكرون فيما يأتي النصوص التي زادتها هذه الموسوعة على المطبوع من تاريخ الدّوري عن ابن مَعِين الذي حَقّقَهُ الدكتور محمد نور سيف ليقف القارئ على الزيادات التي كان يتعيّن على محقق الكتاب المذكور مراجعتها والإشارة إليها ليخرج عمله كاملاً مُتْقَنًا، وسوف ٤٠