النص المفهرس

صفحات 1-20

سلسلة عيون التراث الإسلامي: ٢
مَحْرِفَةُ القُرُ الْكِتَانِ
عَلِالطَّبَقَالَعْلَمَ
تأليف
الامام شمس الدين أبى عبد الله محمد بن احمد بن عثمان الذّهبي
المتوفى سنة ٧٤٨ هـ / ١٣٤٨م
المجلدالاول
تحقیق
الدكتور طيّار التى قولاج
استانبول ١٤١٦هـ / ١٩٩٥هـ

*
فهرس محتويات الكتاب
المقدمة
المدخل
حياة المؤلف
٧ - ١٠
١١ - ٩٢.
١١ - ٣٦
١١ - ١٦
١- اسمه ونسبه ونسبته ومولده وأسرته
٢- زواجه
١٧ - ٢٤
٣- طلبه العلم
٢٤ - ٣٣
٤- شخصيته العلمية وحياته الثقافية
٣٣ - ٣٦
٥- عماد ووفاته
٣٦ - ٦٥
معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار
٦٥ - ٩٢
١- اسم الكتاب ومنهجه
٦٥ - ٧٢
٢- أهمية الكتاب
٧٢ - ٧٤
٣- نسختا الكتاب المطبوعتان
٧٤ - ٧٨
٤- نسخ الكتاب المخطوطة
٧٨ - ٨٩
٥- منهجنا في التحقيق
٨٩ - ٩٢
صور النسخ المخطوطة
٩٣ - ١٠٠
١٠١ - ١٥١٦
متن الكتاب
ذيل معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار (للذهبي) ١٥١٧ - ١٥٢٥
فوائد ( ذيل ) الحافظ عفيف الدين المطري على الكتاب
١٥٢٦ - ١٥٤٤
فهارس الكتاب
١٥٤٩ - ١٩٢٠
*
انظر : المقدمة التركية للكتاب في نهاية المجلد الأول ، ص 46-9
مؤلفات الذهبي
١٧

بسم
الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، الحاكم العادل ، الولي الحميد ، الذي خلق الإنسان
علمه البيان ، وزوده بالفكر الثاقب ، بعد أن أوجده في أحسن تقويم . وصلى الله
وسلم على النذير البشير ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد ، فها هو ذا كتاب ( معرفة القراء الكبار ... ) للعالم المؤرخ الذهبي
- الموضوع بين أيديكم الكريمة - الذي يمتد اهتمامي به إلى حوالي خمسة وعشرين
عاماً مضت ، حيث بدأت بالتفكير في تحقيقه ونشره بعد الاطلاع على نسختين
مخطوطتين منه في مكتبات إستانبول ، التي ذكرت فهارس المخطوطات إحداها
( نسخة مكتبة كوبرولي ) ، بينما أهملت ذكر النسخة الثانية (نسخة علي أميري
في مكتبة مِلَتْ) ، نظراً لضياع الورقة الأولى منها ، مما أدى إلى عدم ذكر اسم
الكتاب والمؤلف معاً . وقد يكون ذلك سبباً - أيضاً - في إهمال بروكلمان لذكره
في كتابه المعروف: تاريخ التراث العربي. وإذا كانت عبارة «طبقات القراء
للذهبي )) قد أدرجت على الزاوية العليا اليسرى من الكتاب وبالقلم الرصاص ، فإن
ذلك قد يعني قيام أحد مسؤولي المكتبة بهذه الإضافة بعد اطلاعه على الصفحات
الأخيرة من هذا المؤلّف ، لدى قيامه بتصنيف الكتب في المكتبة المذكورة ، في
تاريخ ليس ببعيد .
٧

ولقد وجدت اختلافات كثيرة بين النسختين المذكورتين لدى قيامي
بدراستهما ، إضافة إلى أن نسخة مكتبة ملت - التي سوف نتطرق إلى تفصيلاتها
فيما بعد - تعدّ النسخة التي شهدت ملاحظات المؤلف ، واحتوت على إضافاته
القيمة إليها .
ومن أجل استكمال التحقيق والبدء بالدراسة ، اتصلتُ بمكتبتي باريس
وبرلين ، وحصلت على نسختين مصورتين من كتاب الذهبي الآنف الذكر . وبذلك
اجتمعت لدي أربع نسخ منه : نسخة مكتبة مِلْت ، وكوبرولي ، وباريس ، وبرلين ،
فأخضعتها جميعاً للدراسة والتقصي ، فخرجت منها بنتيجة مؤداها وجود تماثل بين
نسختي کوبرولي وبرلين ، في حين كانت نسختا مكتبة ملت وباريس تختلفان
عنهما ، رغم وجود إضافات كثيرة ، واختلافات كبيرة بین نسخة باریس - مثل
نسخة مكتبة ملت - وبين النسختين المذكورتين .
ولذلك فقد قررت القيام بتحقيق هذا الكتاب الثمين ، متخذاً من نسخة
مكتبة ملّت بإستانبول أساساً لهذا العمل العلمي ، فقمت باستنساخ أوراقها البالغة
٢٩٢ ورقة، توطئة لإجراء التحقيق والدراسة . غير أنني فوجئت في هذه الأثناء ،
بنشر الكتاب في القاهرة ( ١٩٦٩ م ) بعنوان " معرفة القراء الكبار على الطبقات
والأعصار "، ولكنني لم أنزعج من ذلك ، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتُها في هذا
المجال ، لأن مثل هذا الأمر كثيراً ما يحدث للمؤلفين والمحققين ، بل بالعكس من
ذلك فرحت به كثيراً ، لأن كتاباً عظيماً مثل هذا الأثر الفريد قد رأى النور أخيراً ،
إلا أن ما كان يهمني من هذا الموضوع ، هو معرفة النسخة التي اعتمد عليها
المحقق في تدقيقه وتحقيقه للكتاب .
مرت سنوات قبل أن أتمكن من الحصول على النسخة المطبوعة من الكتاب
٨

المذكور ، وبعد دراسته هالني عدم الشعور بالمسؤلية الأدبية لدى المحقق ، إذ جاء
تحقيقه لهذا الكتاب العظيم سقيماً وغير واف بالغرض ، ومليئاً بمواضع عدم الدقة
والوضوح ، بحيث لا يمكن إطلاق تسمية التحقيق على هذا العمل الهجين الذي
أزعجني صدوره بهذا الشكل كثيراً ، فندمت على نفض يدي من تحقيق الكتاب ،
لا سيما وإن المهام التي توليتها في مناصب الدولة العليا قد حالت دون ذلك .
وفي هذه الأثناء علمت بقيام ثلاثة أشخاص بتحقيق هذا الأثر النفيس
- من جديد - ونشره ( بيروت ١٤٠٤ هـ/١٩٨٤ م) ، فسعيت للحصول على.
نسخة منه ، وبعد الاطلاع عليه وجدته ثمرة بانعة من ثمرات البحث العلمي ، غير
أن المحققين المحترمين ، الذين قدموا تحقيقات قيمة إلى دنيا العلم والمعرفة ، لم
يشاهدوا نسخ الكتاب الكامنة في مكتبات إستانبول وباريس . وكان ذلك ، يعني
أن الطبعة الجديدة لهذا الأثر القيم ، قد جاءت ناقصة وغير كاملة من الناحية
العلمية ، لأنها تفتقر إلى الإضافات والتعديلات التي أجراها المؤلف الذهبي على
الكتاب في سنوات عمره الأخيرة ، وبالتالي فإنها تخلو من حوالي ( ٥٠٠ ) سيرة
ذاتية جديدة ، أضافها المؤلف الذهبي إلى نسخة مكتبة ملت في صيغتها الأخيرة .
وقد دفعتني جميع هذه الظروف التي أحاطت بتحقيق هذا الأثر الجليل إلى .
قناعة تامة بضرورة العودة إلى العمل الذي بدأته قبل خمسة عشر عاماً من قيام
السادة المحققين الدكتور بشار عواد معروف ، وشعيب الأرناؤوط ، وصالح مهدي
عباس ، بتحقيق ونشر الكتاب المذكور ، من خلال اعتمادي على نسخة مكتبة
مِلْت في إستانبول .
وفي هذه الأثناء عثرت على نسخة أخرى من كتاب الذهبي في مكتبة
بايزيد بإستانبول ، والتي تماثل نسخة باريس ، غير أن المواد الكيمياوية قد أدت

إلى تسويد صفحات كثيرة منها ، بحيث غدت غير واضحة ، وبالتالي غير صالحة
للدراسة والتدقيق .
وبعد ما تقاعدت من منصب رئيس الشؤون الدينية واستوطنت إستانبول ،
:٠
عدت من جديد إلى تحقيق كتاب الذهبي توطئة لنشره ، رغم الزمن المحدود الذي
استطعت تخصيصه لهذا العمل العلمي ، بسبب توليتي مسؤولية إدارة مركز
البحوث الإسلامية التابع لوقف الديانة التركي ، واشتراكي في تأليف وتدقيق المواد
العلمية للموسوعة الإسلامية ، التي نقوم بإصدارها منذ عام ١٩٨٧ .
بعد هذه المقدمة القصيرة أود أن أوضح - وقبل الانتقال إلى الحديث عن
حياة مؤلفنا الذهبي وآثاره - أن دراستنا لهذا المؤلف القيم ستغطي ثلاثة أقسام :
يضم القسم الأول نبذة مختصرة عن حياة المؤلف ، بينما يتناول القسم الثاني
مؤلفاته ، ويورد القسم الثالث معلومات حول النسخ المخطوطة لهذا الكتاب ، مع
توضيح طريقة بحثنا لتحقيق هذا الأثر القيم ، الموضوع بين أيديكم الكريمة ، والله
الموفق .
الدكتور طيار آلتي قولاج
إستانبول في ٩ ذي الحجة ١٤١٥ هـ
٩ مايو ١٩٩٥ م
١٠

المدخل
شمس الدين الذهبي وكتابه " معرفة القراء الكبار ... " :
يستدعي تحقيق هذا الكتاب الجليل للإمام شمس الدين الذهبي دراسة حياة
المؤلف ، وآثاره العلمية ، مع الإشارة إلى النسخ الخطية لهذا الكتاب ، ومزاياها ،
وجوانب التماثل ، والاختلافات بينها ، وطريقة المؤلف في عرض المعلومات فيها ،
بالإضافة إلى الانتقادات الموجهة إلى أساليب تحقيق هذا الكتاب ، ونشره ، مع
توضيح المنهج الذي اتبعناه أثناء التحقيق .
أولاً - حياة المؤلف١ :
إذا كانت حياة الذهبي قد أصبحت مادة مدونة في آثار بعض معاصريه ،
ترجمته في : تاريخ ابن الوردي ٤٩٥/٢؛ الوافي بالوفيات (الصفدي)
١٦٣/٢-١٦٨؛ نكت الهميان (للصفدي)، ص ٢٤١ -٢٤٤؛ فوات الوفيات
(الكتبي) ٣١٥/٣-٣١٧؛ ذيل تذكرة الحفاظ (لأبي المحاسن الحسيني والسيوطي .
ص ٣٤-٣٨ : ٣٤٧ -٣٤٩؛ مرآة الجنان (للبانعي) ٣٠٨/٤؛ طبقات الشافعية
الكبرى ( السبكي ) ٢١٦/٥- ٢٢٦؛ طبقات الشافعية (للإسنوي )
٥٥٨/١-٥٥٩؛ البداية والنهاية (لابن كثير) ٢٢٥/١٤؛ الوفيات (لابن رافع)
٥٥/٢-٥٦: غاية النهاية (لابن الجزري) ٧١/٢؛ الرد الوافر (لابن ناصر)،
ص ٦٥-٧٣؛ الدرر الكامنة (لابن حجر) ٥٢٦/١-٥٢٧: ٣٣٦/٣-٣٣٨:
طبقات الحفاظ (للسيوطي )، ص ٥٢١ -٥٢٣؛ الدارس في تاريخ المدارس
(النعيمي) ٧٨/١-٧٩: مفتاح السعادة (لطاشكوبري زاده) ٢١٢/١: ٢١٦/٢ :
طبقات الشافعية ( لابن هداية الله)، ص ٢٣٢ -٢٣٣ ؛ درة الحجال (لابن القاضي )
٢٥٦/٢-٢٥٨: شذرات الذهب (لابن العماد) ١٥٣/٦-١٥٧: البدر الطالع=
١١

فإنها غدت موضوع دراسة وبحث كتب التراجم والطبقات في العصور المتأخرة ، في
حين تضمنت مقدمات آثاره المحققة والمنشورة في أيامنا هذه ، نتفاً عن حياته
ومؤلفاته الكثيرة ، بالإضافة إلى صدور بعض الكتب عن حياته الحافلة بالبحث
والتأليف .
ويحظى كتاب الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف، الموسوم بـ"الذهبي
ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام " (القاهرة ١٩٧٦ م) بالأهمية والتمايز والجدة
بين المؤلفات التي تناولت حياة الذهبي ، تلك النبذة التي أخذت مكانها في القسم
الخاص بحياة الذهبي ومؤلفاته من كتاب " سير أعلام النبلاء " للمؤلف نفسه".
وبعد كتاب عبد الرحمن النحلاوي الموسوم بـ" الإمام الذهبي: دراسة
موضوعية تحليلية تربوية ( دمشق ١٤٠٨ هـ /١٩٨٨ م ) من المؤلفات التي لا
يمكن الاستغناء عنها ، وبخاصة فيما يتعلق بالدراسة حول شخصية الذهبي العلمية ..
وخلال إعدادنا لهذا الكتاب - الذي بين أيديكم - عثرنا على كتاب
"الحافظ الذهبي" لعبد الستار الشيخ (دمشق ١٤١٤ هـ /١٩٩٤ م)، والذي
يضم أكثر من ( ٥٠٠ ) صفحة ، وهو نتاج دراسة علمية حول حياة الذهبي
(للشوكاني) ٢/ ١١٠-١١٢: تاريخ التراث العربي (البروكلمان - بالألمانية)
. =
٥٧/٢-٦٠؛ الملحق ٤٥/٢-٤٧؛ الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام (لبشار
عواد معروف ) ؛ الإمام الذهبي ( لعبد الرحمن النحلاوي ؛ ؛ صفحات في ترجمة الحافظ
الذهبي ( لقاسم علي سعد )؛ الحافظ الذهبي ( لعبد الستار الشيخ ) .
قد يكون من المفيد قراءة القسم الخاص لمؤلفات الذهبي المدرج ضمن كتاب الدكتور
٢
بشار عواد معروف (الصفحات ١٣٩-٢٧٦) مع ((التذييل والتعقيب والاستدراكات
على ماذكره الدكتور بشار عواد معروف من تصانيف الذهبي وآثاره» من
كتاب "صفحات في ترجمة الحافظ الذهبي " للكاتب قاسم علي سعد، المطبوع في
بيروت ١٤٠٧ هـ/١٩٨٦ م.
١٢
۔۔

وشخصيته العلمية .
ونريد هنا إيراد بعض المعلومات الخاصة بحياة هذا العالم الكبير ومؤلفاته ،
لا سيما الإشارة إلى كتبه المطبوعة في السنوات الأخيرة ، والتي استطعنا الحصول
عليها ، بالإضافة إلى بعض مؤلفاته المخطوطة ، والتي عثرنا عليها في مكتبات
إستانبول في الوقت الحاضر .
١- اسمه ونسبه ونسبته ومولده وأسرته :
ذكر الذهبي اسمه ونسبه وسلسلة انتمائه العائلي ، بالشكل التالي : محمد
ابن أحمد بن عثمان بن قيماز ابن الشيخ عبد الله التركماني الفارقي ثم الدمشقي ،
ابن الذهبي".
وقد أعادت المصادر التي تناولت حياة الذهبي هذه المعلومات ، وأضافت بأنه
كان معروفاً بكنية أبي عبد الله ، كما أنه لقب بشمس الدين أيضاً.
أضاف مؤلفنا الذهبي عند الانتهاء من أدراج نبذة عن حياة الركني الإلبيري،
بعبارته ((توفي في ربيع الآخر من سنة ثلاث وسبعين وستمائة»، قائلاً ((وفي
هذا الوقت ولدت أنا )» ، مؤكداً وموضحاً بذلك تاريخ ميلاده.
وقد ذكرت المصادر المختلفة بأن ذلك كان في قرية كفر بطنا ، وهي قرية من
قرى غوطة دمشق الشرقية . في حين ذكر ابن حجر تاريخ ميلاد الذهبي ، باليوم
المحدد عندما قال: (( ولد في ثالث ربيع الآخر» مصرحاً بذلك تاريخ ميلاده
الحقيقي .
معجم الشيوخ ٢١/١ .
٣
٤
انظر : ١٣٥٨/٣ من هذا الكتاب .
الدرر الكامنة ٣٣٦/٣ .
١٣

عاش الذهبي ، الذي ولد في عائلة تركمانية ، ردحاً من حياته في مدينة
ميافارقين القديمة ( مدينة سلوان الحالية ) التابعة لولاية دياربكر ، حيث كانت هذه
الأسرة تنتهي بالولاء إلى بني تميم ، كما أكد الذهبي ذلك بنفسه.
أما جد والده المدعو قايماز فقد عاش حياته فيها ؛ وبعد أن أدى فريضة
الحج ، توفي فيها عام ٦٦١ هـ.، وقد تجاوز المائة من عمره".
ويظهر من المعلومات التي أوردها الذهبي حول جده أبي أحمد عثمان بن
قيماز بأنه كان أمياً، غير أنه كان « حسن اليقين بالله))، ويعمل تجاراً ، حيث
ارتحل من هناك وسكن دمشق، ومات عام ٦٨٣ هـ. ، بعد أن تجاوز السبعين من
عمره .
وأما والده شهاب الدين أحمد بن عثمان، المولود حوالي عام ٦٤١ هـ .. ،
فقد عدل عن صنعة أبيه إلى صنعة الذهب المدقوق ، وعرف منذ ذلك الوقت
بالذهبي. ويظهر من تراجم والد الذهبي أنه كان أهل تقوى وصلاح ، يحب العلم
ويطلبه، حيث أنه سمع "صحيح البخاري " سنة ٦٦٦ هـ. من المقداد بن هبة الله
القيسي ، وأدى فريضة الحج أواخر أيام عمره . وكانت عائلة الذهبي ميسورة الحال،
حیث عرف عن أبيه أحمد بن عثمان الذي توفي في اليوم الأخير من شهر جمادي
الأولى سنة ٦٩٧ هـ. ، بأنه كان ينفق ما رزقه الوهاب العليم في سبيل الله
ومرضاته.
عرف الذهبي ، نسبة إلى صنعة أبيه بابن الذهبي ، حيث ذكرها في العديد
٦
الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الاسلام ص ٧٧ .
معجم الشيوخ ٤٣٦/١ .
٧
المصدر السابق ٤٣٦/١ ٠
٨
المصدر السابق ١ /٧٥ .
٩
١٤

من مؤلفاته١. وقد يكون اشتغال الذهبي في حرفة أبيه هو السبب الذي دعا طلابه
العلماء المعاصرين له: صلاح الدين الصفدي ، وتاج الدين السبكي ، وأبا المحاسن
الحسيني ، وعماد الدين بن كثير، على إطلاق لقب الذهبي عليه١، وهكذا عرف
واشتهر به في التاريخ .
وهناك شخصيتان في حياة الذهبي ، من أسرته التي نشأ فيها ، كان لهما
دور في حياته . هما: عمته - أمه من الرضاعة - الحاجة ست الأهل بنت عثمان
التي حصلت على الإجازة من ابن أبي يسر ، وجمال الدين بن مالك ، وزهير بن
عمر الزُّرْعي، وسمعت من عمر بن القواس ، فروى الذهبي عنها".
والشخصية الثانية هو خاله الحاج أبو إسماعيل علي بن سنجر بن عبد الله
الموصلي الدمشقي الذهبي الذي أشار إليه الذهبي بعبارة: «وسمع بإفادة مؤدبه
ابن الخباز من أبي بكر الأنماطي ، وبهاء الدين أيوب الحنفي ، وست العرب الكندية،
وسمع معي ببعلبك من التاج عبد الخالق ، وجماعة )) مما يدل على أنه كان له حظ
وافر من العلم ، حيث أن الذهبي نفسه روى عنه أيضاً".
ويظهر من كل ذلك بأن الذهبي قد نشأ وعاش صباه في عائلة متدينة
متعبدة ، تظللها أفياء العلم والمعرفة .
تلقى الذهبي علومه في طفولته من المؤدب المعروف علاء الدين علي بن
١٠
انظر مثلاً: معجم الشيوخ ٢١/١: معرفة القراء الكبار (نسخة باريس)، الورقة
١/آ .
الوافي بالوفيات ١٦٣/٢؛ طبقات الشافعية الكبرى ٢١٦/٥؛ ذيل تذكرة الحفاظ
١١
٣٤ ؛ البداية والنهاية ٢٢٥/١٤ .
١٢
معجم الشيوخ ٢٨٤/١-٢٨٥ .
المصدر السابق ٢٨/٢ .
١٣
١٥

محمد الحلبي المعروف بالبصبص ، والذي وصفه الذهبي بقوله: ((كان من أحسن
الناس خطاً وأخبرهم بتعلیم الصبیان )) ، حیث قضی في مکتبه أربع سنوات١ ، ثم
انتقل من هناك لدراسة القرآن الكريم عند مسعود بن عبد الله الأغازازي ، إمام
أحد المساجد الواقعة في محلة الشاغور بدمشق، والذي قال عنه الذهبي: «لقنني
جميع القرآن ، ثم جرّدت عليه أربعين ختمة ))".
. لم يكتف الذهبي بما حصل عليه من المعارف ، لأنه كان تواقاً إلى المزيد من
العلوم، فأخذ يتردد على مجالس الشيوخ وحلقات علماء الحديث ، وهو لا يزال في
مقتبل العمر ، منهم : صدر الدين محمد بن عمر بن مكي العثماني الذي ذكر الإمام
الذهبي عنه أنه: «كان من الأفراد الأذكياء"، جلست إليه ، وأول ما سمعت كلامه
في سنة ثلاث وثمانين وستمائة ، وسمعت منه في " صحيح مسلم " بدار الحديث".
فإذا ما أخذنا هذا الكلام بنظر الاعتبار ، فإن ذلك يعني أن الإمام الذهبي كان يؤم
مجالس العلماء، وهو لم يزل في العاشرة من عمره . كما أن مقولته لدى تطرقه
إلى حياة شرف الدين علي بن المفضل بن علي الإسكندراني: ((له تصانيف
مفيدة ، رأيت له في سنة ست وثمانين وستمائة كتاباً في الصيام بأسانيده ))*"، تدل
على مدى ما بلغه الذهبي ، وهو في الثالثة عشر من عمره ، من اهتمام بالعلم
والمعرفة في تلك السنوات المبكرة من حياته .
المصدر السابق ٢/ ٥٢ .
١٤ :
١٥
المصدر السابق ٣٣٩/٢ ٠
ورد في طبعتي الطائف وبيروت من كتاب " معجم الشيوخ " للذهبي بصيغة (( من
١٦
أفراد الأذكياء))، ونعتقد أن الصحيح هو ما أثبتناه أعلاه.
المصدر السابق : ٩٥٩/٢ .
١٧
تذكرة الحفاظ ١٣٩١/٤ .
١٨
١٦

٢- زواجه :
اقترن الذهبي من بين أهل بلدته بفتاة ، اسمها فاطمة بنت محمد بن نصر الله
ابن القمر الدمشقية ، التي توفاها الله بعد ثمانية أعوام من وفاة الإمام الذهبي"،
وقد أنجبت منه ثلاثة أطفال اشتهروا باشتغالهم بالعلم ، وهم :
أ - أمة العزيز أم سلمة ، وهي أكبر أولاده، وقد أجيزت في العديد من
العلماء٢.
ب - أبو الدرداء عبد الله، وهو الابن الأوسط له، وقد ولد عام ٧٠٨ هـ ،
وأسمعه أبوه من خلق كثير، ولكنه توفي وهو في عز الشباب، عام ٧٥٤ هـ".
جـ - أبو هريرة عبد الرحمن: ولد في عام ٧١٤ هـ ، واشتغل مثل إخوته
بالعلم ، واستفاد من العديد من العلماء ، واستمع منهم مع أبيه أجزاء الحديث ،
کما کان هو نفسه یحدث إلى أن مات عام ٧٩٩ هـ٢٣.
٣ - طلبه العلم :
اهتم الذهبي ، الذي عرف بميله إلى العلوم منذ صباه ، أول ما اهتم بعلم
القراءات . فقد واظب عليها عند شيخ القراء جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن
داود العسقلاني ثم الدمشقي ، المعروف بالفاضلي عام ٦٩١ هـ ، والذي كان أحد
تلاميذ عالم القراءات الشهير علم الدين علي بن محمد السخاوي ( ت ٦٤٣ هـ )،
انظر ترجمتها في: الوفيات ١٨٨/٢-١٨٩: الدرر الكامنة ٢٢٨/٣ .
١٩
معجم الشيوخ ٣٨٢/١ : ٢٠٤/٢ .
٢٠
انظر ترجمته في : الدرر الكامنة ٢٨٦/٢.
٢١
٢٢
المصدر السابق ٣٤١/٢ .
١٧

حيث تعلم منه القراءات وفق أسلوب الجمع الكبير"، غير أن اشتداد وطأة مرض
الفالج على شيخه أدى به إلى التوقف عن تلقي دروسه عند «سورة القصص».
نجد الذهبي بعد ذلك ، وفي العام نفسه، يطلب علم القراءات وبالأسلوب
نفسه عند شيخ آخر ، هو جمال الدين إبراهيم بن غالب بن شاور البدوي الحميري٢.
. ويقول تلميذه أبو المحاسن الحسيني: ((وكان قد جمع القراءات السبع على
أبي عبد الله بن جبريل المصري نزيل دمشق ، فقرأ عليه ختمة جامعة لمذاهب القراء
السبعة ، بما اشتمل عليه "التيسير "٦"، و"حرز الأماني ** ".
استمر الذهبي في مسيرته العلمية بعلم القراءات ، بالتتلمذ على العديد من
أساطين القراء ، حيث ذكر ابن الجزري أنه ختم بين يدي طلحة بن عبد الله الحلبي"
المشهور بالعَلَم ، وفق أسلوب الجمع أيضاً".
وقد ذكر الذهبي لدى تدوينه لترجمة حياة أبي عبد الله محمد بن جعفر:
وهي القراءة الجامعة للروايات السبع أو العشر .
٢٣
معجم الشيوخ ١٣٥/١ .
٢٤
المصدر السابق ١٤٩/١ .
٢٥
أي: "التيسير في القراءات السبع " لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني ، المتوفى سنة
٢٦
٤٤٤ هـ .
٢٧
أي : " حرز الأماني ووجه التهاني " لأبي محمد القاسم بن فيره الشاطبي، المتوفى سنة
٥٩٠ هـ. وهي قصيدة في القراءات السبع (وانظر قول أبي المحاسن الحسيني في :
ذيل تذكرة الحفاظ ، ص ٣٦ ) .
انظر ترجمة طلحة بن عبد الله في: معجم الشرخ ٣١٣/١؛ غاية النهاية
٢٨
٣٤١/١-٣٤٢ .
٢٩
غاية النهاية ٢/ ٧١ .
١٨

التلعفري بأنه ألف مقدمة في علم التجويد ، ونقلها منه الذهبي عام ٦٩١ هـ٣،
الذي سافر إلى بعلبك عام ٦٩٣ هـ ، وختم هناك ختمة بالجمع في ( ٥٠ ) يوماً بين
يدي أبي عبد الله محمد بن محمد بن علي بن المبارك الموفق النصيبي".
وعندما يمم الذهبي وجهه شطر الإسكندرية بمصر ، استمر في تحصيل
علم القراءات ، فحاول الاستفادة من يحيى بن أحمد الصواف الذي وجده عندما
دخل عليه عام ٦٩٥ هـ، بأنه قد أضرّ وأصمّ، فقرأ عليه بصوت عال جزءاً من
الخلعيات"، ثم بدأ بالقراءات السبع وفق أسلوب الجمع، فقرأ ((سورة الفاتحة))
وآيات من ((سورة البقرة)» عليه ، غير أنه تيقن من أنه سيضيع الكثير من الجهد
والوقت مع هذا العجوز الذي لا يكاد يسمع ، فظفر بعبد الرحمن بن عبد الحليم
المعروف بسحنون ". فقرأ عليه أولاً جزءاً من القرآن الكريم ، ثم جمع رواية ورش
للإمام نافع بن عبد الرحمن برواية حفص للإمام عاصم بن بهدلة ، وعرضهما في أحد
عشر يوما٢ً.
وبالإضافة إلى هؤلاء الشيوخ الذين تتلمذ عليهم الذهبي ، قرأ ختمة
معجم الشيوخ ١٨١/٢ .
٣٠
انظر : ١٤٣٠/٣ من هذا الكتاب .
٣١
٣٢
الخلعيات من أجزاء الحديث : تخريج القاضي أبي الحسين علي بن الحسن بن الحسين
الخلعي الموصلي ، المتوفى سنة ٤٩٢ هـ . جمعها أحمد بن الحسين الشيرازي (انظر :
كشف الظنون ٧٢٢/١ ؛ الأعلام ٨٢/٥ ).
٣٣
انظر : ١٣٧٥/٣ من هذا الكتاب ؛ وكذلك انظر: غاية النهاية ١٧/٢. وترجمة
يحيى بن أحمد الصواف في : معجم الشيوخ ٣٦٧/٢ .
٣٤
انظر : ١٣٧٣/٣ من هذا الكتاب، وكذلك انظر: معجم الشيوخ ٢٦٢/١؛ غاية
النهاية ٧١/٢ .
١٩

بالقراءات السبع على مجد الدين أبي بكر بن محمد ٢، ودرس القراءات على يد أبي
إسحاق إبراهيم بن فلاح الإسكندراني نزيل دمشق"، وقرأ القراءات السبع على
شمس الدين أبي عبد الله محمد بن منصور الحلبي الحاضري"، وسمع " الشاطبية "
من أبي عبد الله محمد بن أحمد العقيلي٢٣، ومن أبي عبد الله محمد بن عبد
الكريم التبريزي أيضاً"، وقرأ "المبهج"، و"الكفاية في القراءات الست " لأبي
محمد عبد الله بن علي بن أحمد البغدادي المعروف بسبط الخياط ، وقرأ " كتاب
السبعة " لأبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد ، من أبي حفص عمر بن
عبد المنعم ابن القواس ، وكتاب " التيسير " لأبي عمرو الداني ، من أبي عبد الله
محمد بن جابر الوادي آشي الذي تعلم منه ((أشياء نفيسة))".
وبعد أن تميز الذهبي في دراسة القراءات ، وبرع فيها براعة ، جعلت شيخه
معجم الشيوخ ٤١٧/٢ .
٣٥
قال الذهبي: (( أكملت عليه القراءات في سنة اثنتين وتسعين وستمائة» (انظر:
٣٦
١٤٣٣/٣، من هذا الكتاب ) .
معجم الشيوخ ٢٩٠/٢: ١٤٢٤/٣، من هذا الكتاب .
٣٧
٣٨
معجم الشيوخ ١٦٠/٢: ١٤٢٥/٣، من هذا الكتاب .
قال الذهبي: ((سمعت منه " الشاطبية"، بعرضه لها على شيخه السخاوي» (انظر:
١٣٧٧/٣، من هذا الكتاب). وقال أيضاً: ((عرضت عليه ختمة لعلو سنده،
وطال عمره بعد ذلك» (انظر: معجم الشيوخ ٢٢٤/٢) .
٣٩
٤٠
معجم الشيوخ ٧٥/٢ : ١٤٩٧/٣، من هذا الكتاب ؛ الذهبي ومنهجه في كتابه
تاريخ الاسلام، ص ٨٤- ٨٥: (وكان المؤلّف الأول قد ذكر كتاب سبط الخياط باسم
"المبهج في القراءات السبعة "، بينما ذكره المؤلّف الثاني بعنوان " المبهج في القراءات
السبع "، غير أن التسمية الصحيحة للكتاب المذكور هي: "المبهج في القراءات
الثمان وقراءة ابن مجيصن والأعمش واختيار خلف واليزيدي " (انظر: النشر ٨٣/١؛
كشف الظنون ٢/ ١٥٨٢).
٢٠