النص المفهرس

صفحات 1-20

مجّ البُ الدَّارُ
لِلِشِيخ الإمامِ شِابِ الدّين أبي عبد الله ياقوت برجَبْدِاللَّه
الحجموي الروبي البغْدَادِي
المجلد الأول
دار صادر
بيروت

١٣٩٧هـ - ١٩٧٧ م

٠٫٠٠٠
معجم البلدان
١

بعد الاتكال عليه سبحانه، أَقدمنا على طبع هذا الكتاب الجليل، ((معجم البلدان))،
للشيخ الإمام شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي ،
معتمدين على نسخة ليزيك التي نشرها المستشرق الألماني وستنفيلد بعد أن حققها
مقابلًا إياها على ثلاث نسخ : نسخة برلين ونسخة باريس ونسخة بطر سبرج.
غير اننا على ثقتنا بهذا العالم المشهور في عالم الاستشراق والتحقيق، لم نرَ بداً من أن
نعهد بنسخته إلى محققين من أبناء الضاد، معروفين بتدقيقهم وسعة معارفهم ، ذاك ليقيننا
بأن كل ابن لغة أَوفر علماً بمذاهب كلام لغته ، ودقائق تعابيرها ومدلولات ألفاظها ،
من سواه ، أَبناء اللغات الأخرى .
وسنصدر الكتاب أجزاء ليسهل اقتناؤه ، وسنُضيفُ اليه ذيلا تذكر فيه اسماء
البلدان والأمكنة على الصورة التي هي عليها اليوم من أحوال جغرافية وعلمية وغيرها.
ورجاؤنا أن نحقق أَملَ المحسنين ظناً بنا في إخراج طبعة منقحة مصححة لهذا الكتاب
الذي يمكننا أن نسيه تكملة ((للسان العرب))، فكما أن لسان العرب معجم
لغوي ، فمعجم البلدان معجم جغرافي ، ولا يخفى أن العلماء والأدباء والمتأديين لا
يسعهم أن يستغنوا عن كتاب يبين لهم مواقع ما يمر بهم في مطالعاتهم من بلدان ومدن
وقرى وجبال وبجار وأنهار وأودية، وما يجدونه من أسماء من نبغ في كل
موضع من المواضع ، إلى ما هنالك مما يحويه هذا الكتاب الجزيل الفوائد ، أَيّدنا الله
بعون منه إِنه الكريم المنان .
الناشرون

ترّجَمَة المؤلف رَحِمَهُ الله
هو الشيخ الإمام شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي ،
ولا يُعلم شيء عن تاريخ مولده، وكل ما يُعرف عنه أَنه ◌ُخذ، وهو حدث ، أَسيراً من
بلاد الروم، وحُسِل إلى بغداد مع غيره من الأسرى فبيع فيها، فاشتراه تاجر اسمه عسكر
الحموي ، فنُسب اليه وقيل له ياقوت الحموي .
وكان الذي اشتراه جاهلً بالخط ، فوضعه في الكتَّاب ليتعلم فينتفع به في ضبط اعماله
التجارية ، فقرأً ياقوت شيئاً من النحو واللغة، ثم احتاج اليه مولاه، فأخذ يشغله بالأسفار
في متاجره. ولم يمض زمن حتى أَعتقه وأَقصاء عنه . فطفق ياقوت يكسب رزقه بنسخ
الكتب ، فاستفاد بالمطالعة علماً .
ولم يلبث مولاه عسكر أن عطف عليه، فأَعاده وعهد إليه بتجارة سافر بها ، ولما عاد
وجد مولاه قد مات ، فأخذ من تركته ما يمكّنه من الاتجار .
ثم سافر إلى حلب ، وجعل يتنقل من بلد إلى آخر، حتى استقر في خوارزم، فمكث
فيها إلى أَن أَغار عليها جنكيزخان سلطان المغول سنة ٦١٦ هـ (١٢١٩ م) ، فانهزم ياقوت
إلى الموصل لا يحمل شيئاً من ماله ، ثم سار إلى حلب وأقام في ظاهرها إلى أن مات سنة
٦٢٦ ه ( ١٢٢٨ م).
وقد استفاد برحلاته الكثيرة فوائد جغرافية عديدة سنّت له تأليف هذا الكتاب الذي
لا يُعد معجباً جغرافياً فقط ، وإنما هو أيضاً كتاب تاريخ وأدب ، ومرجع من أعظم
المراجع التي يمكن الاعتماد عليها .
٦

بِ شِالرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الأرضَ مِهاداً، والجبالَ أَوتاداً، وبَثَّ من ذلك تُشوزاً ووِهاداً، وصَحَارَى
وبلاداً، ثم فجّرَّ خِلال ذلك أَنهاراً، وأَسال أَوديةٌ وبجاراً، وهدَى عباده إلى اتخاذ المساكن، وإحكام
الأبنية والمواطن ، فشيّدوا البُنيان، وعمّروا البُلْدان، ونحَتوا من الجبال بيوتاً ، واستنبطوا آبَاراً
وقُلوتاً ، وجعل حرصهم على تشييد ما شيّدوا، وإحكام ما بَنَوا وعَمَّدُوا ، عبرة الغافلين ، وتبصرة
الغابرين. فقال وهو أصدق القائلين: ((أَفلم يسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم.
كانوا أكثر منهم وأَسْدَّ قوة وآثاراً في الأرض، فما أَغنى عنهم ما كانوا يكسبون)). أَحمَده على ما
أَعطى وأَنعم ، وهدَى إلى الرُّشْد وأَلهمَ ، وبيَّن من السّداد وأَفهمَ ، وصلى الله على خيرته من أنبيائه
والمرسلين ، وصفوته من أَصفيائه والصالحين ، محمد المبعوث بالهدى والدين المبين، المنعوت بـ((وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين)) وعلى آله الكرام البررة، والصحابة المنتجَبين الحِيَرَة، وسلم تسليماً.
أَما بعد، فهذا كتاب في أَسماء البُلْدان، والجبال ، والأودية ، والقيعان، والقُرَى، والمحالّ،
والأوطان، والبحار، والأنهار، والغُدران، والأصنام، والأبداد، والأوثان. لم أَقصِدْ بتأليفه،
وأَصمُدْ نفسي لتصنيفه، لهواً ولا لعباً، ولا رغبة حشْتني اليه ولا رَهْباً، ولا حنيناً استفزَّفي إلى وطن،
ولا طرباً تحفَزَني إلى ذي ودٍ وَسَكَن. ولكن رأيت التصدّي له واجِباً، والانتدابَ له مع
القدرة عليه فرضاً لازباً، وفَّقني عليه الكتاب العزيز الكريم ، وهداني إليه النبأ العظيم ، وهو قوله
عزَّ وجل ، حين أَراد أَن يعرّف عباده آياته ومثلاتِه، ويقيم الحجة عليهم في إنزاله بهم أَلِيمَ نقماته:
((أفلم يسيروا في الأرض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى
الأبصار ، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)). فهذا تقريع لمن سار في بلاده ولم يعتبر"، ونظر
إلى القرون الخالية فلم ينزجر، وقال وهو أصدق القائلين: ((قلْ سيروا في الأرض ثم انظروا كيف
كان عاقبة المكذبين)) أي انظروا إلى ديارهم كيف دَرَست، وإلى آثارهم وأنوارهم كيف انطَمَسَت،
عقوبةً لهم على اطّراح أوامره، وارتكاب زواجره ، إلى غير ذلك من الآيات المحكمة، والأوامر
والزواجر المبرّمة .
فالأول توبيخٌ لسَبْق النهي عن المعصية شاهراً، والثاني أمر يقتضي الوجوب ظاهراً. فهذا من كتاب
الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يطرق عليه نقصٌ من إنشائه وخلقه، وقد
٧

وَرَدَ في الأثر عن السادات ممن ◌َبر، قول عيسى بن مريم، عليه السلام: الدُّنيا مَحَلُّ مَثْلةٍ ، ومنزلُ
نَقَلةٍ ، فكونوا فيها سيّاحين ، واعتبروا بيقية آثار الأولين .
قال قُسُّ بن ساعدة الذي حكم له النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أنه يُبعَثُ أُمّةٌ وحدَه: ((أَبلَغُ
العظات ، السيرُ في الفلوات، والنظرُ إلى محل الأموات)). وقد مدح الشعراءُ الخلفاء والملوك والأمراء
بالسير في البلاد ، وركوب الحُزُون والوهاد . فقال بعضهم بمدح المعتصم:
كأنك، فيها ، تَبتَغي أَثر الحِضْر
تناولتَ أَطرافَ البلاد بقدرةٍ،
وقد تتعذّر أسباب النظر، فيتعين التماس الخبر، فوجب لذلك علينا إعلام المسلمين بما علِمناه، وإرفادُهم
بما أَفادناه الله بفضله فأَتْقَنَّاه، إذ كان الافتقار إلى هذا الشأن يَشترك فيه كلُّ من ضَرَب في العِلمِ بسهم،
واخْتَصّ منه بنصيب أَو قِسم، أَو اتَّسَم منه باسم، أَو ارتسم بفنّ منه او رسم. وعلى ذلك لم أَرَ مَن
طَبَّ سقيمَ أَسمائها، أَو قَوِي على تمتين ضعيف مقاصدها وأَنحائها، فإني رأَيت ◌ُجُلّ نَقَلة الأخبار، وأَعيان
رُواة الأشعار والآثار، ممن ◌ُنِي بها دهرَه، وأَنفد فيها ◌َرضه وعَمْرَه حَسَنَ الاستمرار على الصواب،
والجاً حدائق الرشد في كل باب ، ضارباً بقداح الفَلْج في أفانين العلوم والآداب ، عند قراءة السنن
والآثار، ورواية الأحاديث والأخبار، لتحصيلهم إياها بالمعاني ، واستدلالهم على مغزى أوائل الكلم
بالتّوَاني، لِأُخذ بعض الكلام بأهداب بعضٍ، ودلالة أواخره على أَوائله، وأَوائله على أَواخره، حتى
يمرّ بهم ذكر بقعة كانت بها وقعة واقعة ، فيختلط لاحتياجه إلى النقل لا العقل ، والرواية لا الدراية ،
فتراه إما غالطاً، أو مغالطاً ، فيَخفِضِ من صوته بعد رَفْعه، ويَتَكَهَّمُ ماضي لسانه بقدعه . ثم قلما
رأَيت الكتب المثقنّة الخط، المحتاطَ لها بالضبط والنَّقط، إلا وأَسماءُ البقاع فيها مهملة أَو محرَّفة ، وعن
محجّة الصواب منعطفة أو منحرفة، قد أَهمله كاتبه جهلاً ، وصوَّره على التَّوَهُم نقلًا.
وكم إمام جليل، ووَجْه من الأعيان نبيل، وأمير كبير ، ووزير خطير، يُنسَب إلى مكان مجهول،
فتراه عند ترجيم الظنون على كلّ محتمل محمول، فإن ◌ُسئل عنه أَهل المعارف أَخذوا بالنصف الأَرْذل من
العلم، وهو لا أدري . وبئست الخطة للرجل الفاضل، فإن التّمس لذلك مَظِنَّةٌ ، أَعضَلَ ، أَو أُريغَ
له مطلب، أَعوَزَ وأَشْكل، لإغفالهم هذا الفنّ من العلم الخطير مع جلالته، وإعراضهم عن هذا المقصد
الكبير مع فَخامته . ومن ذا الذي يَستَغني من أُولي البصائر عن معرفة أسماء الأماكن وتصحيحها ،
وضبط أَصقاعها وتنقيحها، والناسُ في الافتقار إلى علمها ◌َسَوَاسِيةٌ، وسرُ دَوَرَانها على الألسن في
المحافل علانيةٌ، لأن من هذه الأماكن ما هي مواقيت الحجاج والزائرين ، ومعالم للصحابة والتابعين ،
رضوان الله عليهم أجمعين ، ومشاهد للأولياء والصالحين ، ومواطن غزوات سرايا سيِّد المرسلين ،
وفتوح الأمة من الخلفاء الراشدين .
وقد فُتحت هذه الأماكن صلحاً وعنوة، وأَماناً وقوَّةٌ، ولكلّ من ذلك حكم في الشريعة ، في
قسمة الفيء وأخذ الجزية، وتناول الخراج واجتناء المقاطعات والمصالحات، وإزالة التَّسْويفات والإقطاعات،
٨

لا يَسَعُ الفقهاءَ جهلُها، ولا يُعذر الائمة والأمراءُ إِذا فاقتَهُم في طريق العلم ◌َحَزْنُها وسهلُها ، لأنها من
لوازم فتيا الدين ، وضوابط قواعد الإسلام والمسلمين .
فَأَما أَهل السير والأخبار ، والحديث والتواريخ والآثار، فحاجتُهم إلى معرفتها أَمَسُّ من حاجة
الرياض إلى القطار ، غبَّ إِخلاف الأنواء ، والمُشفي إلى العافية بعد يأس من الشفاء، لأنه معتمدُ علمهم
الذي قَلَّ أَن تَخْلوَ منه صَفْحَةٌ، بل وِجْهَةٌ، بل سطرٌ من كتبهم.
وأَما أَهل الحكمة والتّفهيم، والتطبُّب والتَّنجيم، فلا تقصُرُ حاجتهم إلى معرفته عمّن قدَّمنا، فالأطباءُ
لمعرفة أمزجة البُلْدان وأهوائها ، والمنجم للاطلاع على مطالع النجوم وأنوائها، إذ كانوا لا يحكمون على
البلاد إلا بطوالعها ، ولا يقضون لها وعليها بدون معرفة أقاليمها ومواضعها، ومن كمال المتطبّب أن يتطلّع
إلى معرفة مزاجها وهوائها، وصحّة أو سقم منبتها ومائها، وصارت حاجتهم الى ضبطها ضرورية، وكشفهم
عن حقائقها فلسفيَّة، ولذلك صنّف كثير من القدماء كُتباً سموها جغرافيا، ومعناها صورة الأرض،
وألّفَ آخرون كُتباً في أمزجة البلدان وأهوائها، نحو جالينوس ، وقبله بُقْراط وغيرهما.
وأما أَهلُ الأدب فناهيكَ بحاجتهم إليها ، لأنها من ضوابط اللُّغوي ولوازمه ، وشواهد النَّحوي
ودعائه، ومعتمد الشاعر في تحلية جيد شعره بذكرها، وتزيين عقود لآلىء نظمه بشذرها، فإِن الشعر لا
يروق، ونفسَ السامع لا تشوق، حتى يذكر حاجر وزرود، والدهناء وهبود، ويتحنّن الى رمال
رضوى، فيلزمه تصحيح لفظ الاسم وأَين صُفْعُه، وما اسْتقاقُهُ ونُزْهتُه، وقَفْرُهُ وحَزْنُه وسهولتُه.
فإنه إن زعم أنه وادٍ وكان جبلًا، أَو جبلٌ وكان صحراءَ، أَو صحراءُ وكان نَهَراً، أَو نهرٌ وكان
قَرْبَةٌ، أَو قريةٌ وكان شِعْباً، أَو شعبٌ وكان حَزْماً، أَو حزمٌ وكان روضةً، أَو روضة" وكان
صَفْصَفَاً، أَو صفصفٌ وكان مُستَنْقَعاً، أَو مستنقعٌ وكان جَلَداً، أَو جلدٌ وكان سَبْخَةٌ، أَو سبخة"
وكان "حَرَّةٌ، أَو ◌َرَّةٌ وكان سهلًا، أَو سهلٌ وكان وَغْراً، أَو يَجعَلُه شرقيّاً وكان غربيّاً، أَو
جنوبيّاً وكان شماليّاً، سَفُلَ قدرُهُ، ونَزُرَ كُثْرُهُ، وآض ضُحْكةٌ، ويرى أنه ◌ُحَكة، وجعل
هُزْأَةٍ، ويرى أَنه هُزَّأَة؛ واستُخِفَّ وزنُه واستُرذِل، واسْتُقِلَّ فَضْلُه واستُجمِلَ ، فقد ذكر
بعض العلماء أنهم استدلوا على ان هذا البيت :
إِنَّ بالشعب، الذي دونَ سَلْعٍ، لقتيلًا، دَمُه ما يُطَلّ
ليس من شعر تَأَبَّطَ شرّاً، بأن سَلْعاً ليس دونه شعبٌ. ولقد صنَّف، في عصرنا هذا، إمام ، من
أَهل الأدب، جليلٌ، وشيخ يُعْتَمَد عليه ويُرجَع في حلِّ المُشكلات إليه نبيلٌ، كتاباً في شرح
المقامات ، التي أنشأَّها أَبو محمد القاسم بن علي بن محمد الحريري ، فطبَّقَ مَفصِلَ الإِصابة في شرح أفانين
ضروبها، وغَبَّرَ في وجه كل من فَرَّغَ بالهُ لإيضاح مُشْكلها وغريبها، فإِنه بهَرَ العقول وأَدهش الأذهان
بما ذكره من أسرار بلاغتها، وأَظهره من مخزون براعتها، وأَوضحه من مكنون معانيها، وأَبانه من فتق
الألفاظ التي فيها، وأَوْرده من الأشباه والنظائر ، والعيون والنواظر ، واصطلح الجمهور على تفضيله ،
٩

واتفقوا على إِجادة المصنّف في ◌ُجُمَله وتفصيله، ونقله وتعليله، وسارت النُّسخُ في الآفاق سَيْرورة
"ذكاءَ في الإشراق، فلم يقدم مِقْدامٌ مُتَعَنْتٌ، ولا هَجَمَ مِهجامٌ متبكِّتٌ، على مواخذته بشيءٍ ما
فيه، ولا حدَّث محدّث نفسه مجلّ عقد من مغازيه ، حتى ذكر اسماء الأماكن التي أَس عليها أبو محمد
المقامات ، فانبتَّ سِلْكُرّ عِقْد لآليه، وتداعى ما سيَّدَه فضلُه من مبانيه، وعاد رَوضُه الأَريض
مصوَّحاً، وقريب إحسانه مطوّحاً، وظلَّ رَكْبُ فضائله طليحاً، ومامُ خلْق برهانه سطيحاً، وأخذ
يُخلِّط تارة ويَخلِطُ، ويتعثّر في عشواء الجهالة ويخبط. فإِنه قال في المقامة الكرجية: وكَرَجُ بلدة بين
همذان وأذربيجان ، وإنما هي بين هذان وأَصفهان، والقاصد من هذان إِلى أَصفهان يأخذُ بين
الجنوب والمشرق، والقاصد من همذان إلى أَذربيجان يأخذ بين الشمال والمغرب، والقاصدُ إلى هذه
يستدبر القاصدَ إلى هذه .
وقال في البَرْقَعيدية: وبَرْفَعيد قصبةُ الجزيرة، وإنما هي قرية من قرى بقعاء الموصل، لا تبلغ أَن
تكون مدينة" ، فكيف قصبةً؟
وقال في التّبْريزية: وتبريز بلدة من عواصم الشام، بينها وبين مَنْبج عشرون فرسخاً، وتبريز بلدة أَشْهرُ
وأَظهرُ من أَن تَخْفَى، وهي اليوم قصبة نواحي أَذربيجان، وأَجَلُّ ◌ُمُدُنها. وإلى غير ذلك من أَغاليط
غيره، فصار هذا الإمام ◌ُضُحْكةً للبطالين، وهُزْأَة للساخرين، ووجد الطاعنُ عليه سبيلاً، وإن كان مع
كثرة إحسانه قليلًا، فلو كان له كتابٌ يَرجع إليه، ومَوْئلٌ يَعتمد عليه، خلص من هذه البليَّة نجيّاً،
وارتقى من الهبوط في هذه الأهوية مكاناً عليّاً .
وكان من أول البواعث لجمع هذا الكتاب، أَني ◌ُئلتُ عَمَرْ و الشاهجان، في سنة خمس عشرة وستمائة،
في مجلس شيخنا الإمام السعيد الشهيد فخر الدين أبي المظفر عبد الرحيم ابن الإمام الحافظ تاج الإسلام أبي
سعد عبد الكريم السَّمْعاني، تَغَمَّدَهما الله برحمته ورضوانه، وقد فُعِل الدعاء إِن شاءَ الله، عن حُباسْتَةَ اسم
موضع جاء في الحديث النبويّ، وهو سوقٌ من أسواق العرب في الجاهلية، فقلت: أَرى أَنه ◌ُحُبَاسَةُ
بضم الخاء ، قياساً على أَصل هذه اللفظة في اللغة، لأنّ الحُباسةَ: الجماعة من الناس من قبائل شتى،
وحبَشْتُ له ◌ُحُباسَْةٌ أَي جمعت له شيئاً. فانبرى لي رجلٌ من المحدّثين، وقال: انما هو حَباسَةُ
بالفتح. وصَمَّمَ على ذلك وكابَرَ، وجاهَرَ بالعِنادِ من غير ◌ُجّة وناظَرَ، فَأَرَدْتُ قطعَ الاحتجاج بالنَّقْل،
إِذْ لا مُعَوَّلَ في مثل هذا على اسْتقاق ولا عَقْل، فاستعصى كَشْفُه في كتب غرائب الأحاديث، ودواوين
اللغات مع سعة الكتب التي كانت ◌ِمَرْوَ يومئذ، وكثرة وجودها في الوقوف ، وسهولة تناولها ، فلم
أَظْفَر به إلا بعد انقضاء ذلك الشَّغَب والمِراء ، ويأسٍ من وجوده بيَحْث وافتراء ، فكان موافقاً
والحمد لله لما ◌ُقُلْتُه، ومَكيلاً بالصاع الذي كِلتُه، فأُلقيَ حينئذ في رُوعي افتقارُ العالم إلى كتاب في
هذا الشأن مضبوطاً ، وبالاتقان وتصحيح الألفاظ بالتّقييد مخطوطاً ، ليكون في مثل هذه الظُّلْمة
هادياً ، وإلى ضوء الصواب داعياً، وثُبْهتُ على هذه الفضيلة النبيلة، وشُرِحَ صدري لنيل هذه
المنقَبَة التي غفل عنها الأولون، ولم يَهْتَدِ لها الغابرون. يقول من تَفْرَعُ اسماعَهُ: كم تَركَ الأول
١٠
:

للآخر ، وما أَحسن ما قال أبو عثمان: ليس على العلم أَضَرُّ من قولهم: لم يَتْرُك الأول للآخر شيئاً ،
فإنه يُقْتِرُ الهمة، ويُضْعِفُ المُنَّةَ، أَو نحو هذا القول.
على أنه قد صنَّف المتقدّمون في اسماء الأماكن كتباً وبهم اقتَدَينا، وبهم اهتَدَينا ، وهي صنفان:
منها ما ◌ُقصِدَ بتصنيفه ذكر المدن المعمورة والبلدان المسكونة المشهورة، ومنها ما قصد به ذكر البوادي
والقفار ، واقتُصِرَ على منازل العرب الواردة في أَخبارهم والأشعار .
فَأَما من قصَدَ ذكر العُمْران، فجماعة وافرة*، منهم من القدماء والفلاسفة والحُكماء : أَفلاطُن،
وفيناغورس، وبَطْليموس، وغيرهم كثير من هذه الطبقة، وسَمَّوْا كتبهم في ذلك جَغْرافيا، سمعتُ
مَن يقوله بالغين المعجمة والمهملة، ومعناه : صورة الأرض. وقد وقفتُ لهم منها على تصانيف عِدَّة
جَهِلتُأَكثر الأماكن التي ذُكرَتْ فيها، وأُبْهِمَ علينا أَمرُها، وعُدِ مَتْ لتطاول الزمان، فلا تُعْرَفُ.
وطبقة أُخرى اسلاميون سلكوا قريباً من طريقة أولئك من ذكر البلاد والممالك، وعَيّنُوا مَسافَةَ
الطُّرُق والمسالك، وهم: ابن ◌ُخُرْ داذبه، وأَحمد بن واضح، والجَيْهاني، وابن الفقيه، وأَبو زيد البَلْخي،
وأبو إسحاق الإِصْطَخْري، وابن حَوْقَل ، وأَبو عبد الله البَشَّاري، والحسن بن محمد المهلبي ، وابن
أَبي عون البغدادي ، وأَبو مُبَيْد البكري ، له كتاب سمَّه المسالك والممالك.
وأما الذين قصدوا ذكر الأماكن العربية والمنازل البَدَوية فطبقة أهل الأدب ، وهم أبو سعيد
الأصمعي ، ظَفِرْت به رواية لابن ◌ُرَيْد عن عبد الرحمن عن عمه ، وأبو عبيد السكوني ، والحسن بن
أَحمد الهيداني، له كتاب جزيرة العرب، وأبو الأشعث الكندي في جبال تهامةَ ، وأَبو سعيد السيراني،
بلغني أَن له كتاباً في جزيرة العرب ، وأَبو محمد الأسود الغُنْدِجاني، له كتاب في مياه العرب ، وأَبو
زياد الكلابي ، ذكر في نوادره من ذلك صَدْراً صالحاً وقفتُ على أكثره ، ومحمد بن إدريس بن أبي
خَفصة ، وقفتُ له على كتاب سماه مَناهل العرب، وهشام بن محمد الكلبي ، وقفت له على كتاب سماه
اسْتفاق البلدان ، وأَبو القاسم الزَّمَخْشَري، له كتاب لطيف في ذلك، وأبو الحسن العِمْراني تلميذ
الزمخشري ، وقف على كتاب شيخه وزاد عليه رأيتُه، وأبو عبيد البكري الأندلسي، له كتاب سماء
مُعجم ما اسْتَعْجَمَ من أسماء البقاع لم أَرَهُ بعد البحث عنه والتّطلب له ، وأبو بكر محمد بن موسى
الحازمي ، له كتاب ما انتَلف واختلف من أسمائها، ثم وَقَفَني صديقُنا الحافظ الإمام أبو عبد الله محمد
ابن محمود بن النَّجَّار، جزاه الله خيراً، على مختصر اختصره الحافظ أبو موسى محمد بن عبر الأصفهاني ،
من كتاب أَلَّفه أبو الفتح نَصْر بن عبد الرحمن الإسكندري النحوي ، فيما ائْتَلف واختلف من أسماء
البقاع، فوجدتُه تأليفَ رجل ضابط قد أَنفد في تحصيله عمراً وأَحسن فيه عيناً وأثراً، ووجدت الحازمي"،
رحمه الله، قد اختلَه وادَّعاه، واستَجهَل الرُّواةَ فرواه، ولقد كنت عند وقوفي على كتابه أَرفَع قَدْرَه
من علمه، وأَرى أَن مَرماه يَقصُر عن سهمه، إِلى أَن كشَفَ الله عن خبيته، وتَمحَّضَ المحضُ عن
"زبدته، فأَما أَنا فكل ما نَقَلْتُه من كتاب نصر، فقد نسَبْتُهُ إِليه وأَحَلْتُه عليه، ولم أُضِعِ نَصَبَه ،
ولا أَحْمَلْتُ ذكره وتعبه . والله يُئيبه ويرحمه .
١١

وهذه الكتب المدوّنة في هذا الباب التي نقلت منها ، ثم نقلت من دواوين العرب والمحدثين وتواريخ
أَهل الأدب والمحدّثين، ومن أَفواه الرواة ، وتفاريق الكتب، وما شاهدتُه في أَسفاري، وحصَّلتُه في
تَطْوافي ، أَضعاف ذلك، والله الموفق إِن شَاءَ الله .
فأما الطبقة الأولى، فأسماء الأماكن في كتبهم مصحَّفة مغيّرة ، وفي حَيِّز العدم مصيّرة ، قد
مسخها من نسخها .
وأَما الطبقة الثانية فإنها وإن وُجدت لها أُصول مضبوطة ، وبخطوط العلماء منوطة مربوطة ، فإنها
غير مرتبة ، ولشفاء العليل غير مسبية ، لشدة الاختصار ، وعدم الضبط والانتشار ، لأن قصدهم منها
تصحيح الألفاظ ، لا الإبانة عمًا عدا ذلك من الأغراض ، والبحث عما يعترض فيها من الأعراض ،
فاسْتَخَرَتُ الله تعالى، وجمعت ما يَشْتَّتُوه، وأَضفت اليه ما أَعملوه ، ورتَّبَتُه على حروف المعجم ،
ووضعته وضع أهل اللغة المحكم، وأَبَنتُ عن كل حرف من الاسم: هل هو ساكن أَو مفتوح أَو مضموم
أَو مكسور ، وأَزَلتُ عنه عوارض الشُّبَه، وجعلته تبْراً بعد أن كان من الشَّبَه، ثم أَذكر اسْتقاقه إِن
كان عربيّاً، ومعناه إِن أَحَطْتُ به علماً إِن كان عجمياً، وفي أَيّ إقليم هو وأَيُّ شيءٍ طالعه، وما المستولي
عليه من الكواكب ، ومن بناه، وأَيُّ بلد من المشهورات يجاوره، وكم المسافة بينه وبين ما يقاربه ، وبماذا
اختص من الخصائص ، وما ◌ُذكر فيه من العجائب ، وبعض من دُفن فيه من الأعيان والصالحين
والصحابة والتابعين، ونُبَذاً مما قيل فيه من الأشعار في الحنين إلى الأوطان، الشاهدة على صحة ضبطه
والإتقان، وفي أَيّ زمان فتَحَه المسلمون وكيفية ذلك، ومن كان أَميره، وهل فُتح مُلحاً أَو عَنوَة
لتَعرف ◌ُحُكمَه في الفيء والجزية، ومن ملكه في أيامنا هذه .
على أنه ليس هذا الاستراط بمطاوعٍ لنا في جميع ما نورده، ولا يمكن في قُدْرَة أَحد غيرنا، وإنما يجيءُ
على هذا البُلْدان المشهورة، والأمهات المعمورة، وربما ذكر بعض هذه الشروط دون بعض على حَسْب
ما أَدّانا إِليه الاجتهاد ، وملكناه الطلب والارتياد .
واستَقصّيتُ لك الفوائد جُلَّهَا أَو كلها، ومَلّكْتُك عفواً صَفواً عَقْدَها وحَلها، حتى لقد ذكرتُ
أشياء كثيرة تأباها العقول ، وتَنَفِرِ عنها طباع من له محصول ، لبُعدها عن العادات المألوفة ، وتنافرها
عن المشاهدات المعروفة، وإن كان لا يُستعظَمَ شيءٌ مع قدرة الخالق وحِيَلِ المخلوق، وأَنا مُرتاب بها
نافرٌ عنها مُتَبَرَّىيُ إِلى قارئها من صحتها، لأنني كتبتها حرصاً على إحراز الفوائد ، وطلباً لتحصيل
القلائد منها والفرائد، فإن كانت حقاً فقد أَخذنا منها بنصيب المصيب، وإن كانت باطلًا فلها في الحق شرك
ونصيب، لأنني نَقَلتُها كما وجدتُها، فأَنا صادق في إيرادها كما أَوردتُها ، لتعرف ما قيل في ذلك حقاً كان
أَو باطلًا، فإِنّ قائلًا لو قال: سمعتُ زيداً يكذب، لأَحْبَبْت أَن تعرف كيفية كذبه .
وها أَتّة الحُفَّاظ الذين هم القُدْوة في كل زمن، وعليهم الاعتماد في فرائض الشَّرْع والسُّنَن، لم يَشْتَرط
أكثرهم في مُسْتَدِه، وهي احاديث الرسول التي تَبْتَني عليها الأحكام، ويُفَرَّق بها بين الحلال والحرام، إيرادَ
الصحيح دون السقيم، ونَفيَ المُعوَجِّ وإثباتَ المستقيم، ولم يُخرِجْهم ذلك عن أَن يُعَدُوا فِي أَهل الصدق،
١٢

أو يتزحزحوا عن مراتب الائمة والحق، انهم أَورَدوا ما سمعوه كما وَعَوْه، وإنما يُسمَّى كذّاباً،
إذا وضع حديثاً، أَو ◌َحَدَّث عمن لم يَسمع منه، أَو روى عمَّن لم يَرْوِ عنه، فأَما من يروي ما سمع
كما سمع، فهو من الصادقين، والعُهدة على من رواه عنه، إِلا أَن يكون من أهل الاجتهاد فله أَن يَرويه
ثم يُزَيّغَه ، ولولا ذلك لبطل كثير من الأحاديث، وعلينا الاقتداء بهم ، والتمسك بحبلهم . والذي لا
يرُدُه ذو مُسْكة، ولا يردُ خلافه ذو ◌ُحُنْكة، ان المتعّت تعبان ◌ُتعبٌ، والمُنْصِفِ مستريحٌ مريحٌ،
ومن ذا الذي أُعطيَ العِصْمةَ، وأَحاط علماً بكل كلمة ؟ ومن طلب علماً وَجَد، فإِني أَهلٌ لأَن أَزلّ،
وعن دَرْك الصواب بعد الاجتهاد أَضْلّ، فمن أَراد منّا العِصةَ، فليَطْلُبها لنفسه أولاً، فإِن أَخطأَته
فقد أَقَام ◌ُذره وأَصاب، وإِن زعم أنه أدركها فليس من أَهل الخطاب ، ولما تطاولَتْ في جمع هذا
الكتاب الأعوام، وتزادَفَتْ في تحصيل فوائده الشهور والأيام، ولم أَنتَهِ منه إلى غاية أَرضاها، وأَقف
على غَلْوة مع تواتر الرّسْق فأقول: هي إيّاها ، ورأيت تَعَثُّرَ قمر ليل الشباب بأَذيال كسوف شمس
المشيب وانهزامه، وولُوجَ ربيع العُمر على قَيظ انقضائه بأَمارات الهرَم وانهدامه، وقفت ههنا راجياً فيه
نَيلَ الأمنيّة، بإهداء عروسه إلى الخطاب قبل المنيّة، وخشيتُ بَغْتَةَ الموت، فبادرتُ بإبرازه الفَوْت،
على أَني من اقتحام ليل المنيَّة عليَّ قَبَلَ قَبلتُج فجره على الآفاق لَجدُ حَذِر، ومن فلول حدّ الحِرص
لعدم المحرّض عليه والراغب فيه منتظر"، فكيف ثقتي بجيش مُمْرٍ قد بيّنته من كتائب الأمراض المبهمة
حواطمُ المَقَانب، أَو أَركَنُ إلى إصباح ليلٍ اعترضتني فيه العوارضُ من كل جانب.
وعلى ذلك فإني أَقول ولا أَحتشمُ، وأَدعو إلى النزال كل عَلَمٍ في العِلمٍ ولا أَنهزم، إِن كتابي هذا
أَوْحَد في بابه، مُؤمّر على أَضرابه، لا يقوم بإبراز مثله إلا من أَيِّدَ بالتوفيق، وركِبَ في طلب فوائده
كل طريق، فغار قارةً وأَنْجَدَ ، وطَوَّح لأَّجله بنفسه فأَبعدَ، وتفرّغ له في عصر الشبيبة وحرارته ،
وساعده العمر بامتداده وكفايته ، وظهرتْ منه أمارات الحِرص وحركته .
نعم، وإن كنت أَستصغر هذه الغاية فهي كبيرة، أَو استقلتُّها فهي لعَمْرُ الله كثيرة، وأَما الاستيعاب
فشيٌ لا يَفي به طولُ الأعمار، ويحول دونه مانِعاً العجزُ والبوار ، فقطعتُه والعينُ طامحة، والهمة إلى
طلب الازدياد جامحة، ولو وثِقْتُ بمساعدة العمر وامتداده، وركنت إلى توفيقي لرجائي فيه واستعداده،
لضاعفت حجمَه أَضعافاً، وزدت في فوائده مِئينَ بل آلافاً، ولو التمست نفاق هذا الكتاب وسَيْرورتّه،
واعتمدت إِشاعة ذكره وشهرتَهُ، لصغَّرتُه بقدر الهمم العصرية، ورُبات أَهل الطلب الدنِيَّة ، ولكني
انقدتُ فِيهِ لنَهْمَتّي، وجَرَّفِي رسَنُ الحرص الى بعض بواعث همتي، وسألت الله، جلّ وعزّ، أَن لا يجرمنا
ثوابَ التعب فيه، ولا يَكِلَنا إلى نفسنا فيما نحاوله وننويه، وجائزتي على ما أَوضَعتُ إِليه ركاب خاطري،
وأسهرتُ في تحصيله بدني وناظري، دُعاء المستفيدين، وذكر زكيّ من المؤمنين، بأَن أُحشَرَ في
زمرة الصالحين.
ولقد التمَسَ مني الطلاب اختصار هذا الكتاب مراراً، فأَبَيتُ ولم أَجِدْ لي على قصر همهم أولياء ولا
انصاراً، فما انْقَدتُ لهم ولا ارعَويتُ، ولي على ناقل هذا الكتاب والمستفيد منه أَن لا يُضَيّع نَصَبي،
١٣

١
ونَصْبَ نفسي له وتعبي، بتبديد ما جمعت ، وتشتيت ما لفّقْتُ، وتفريق مُلْتَئِم محاسنه، ونَفي كل
علقٍ نفيسٍ عن معادنه ومكامنه، باقتضابه واختصاره ، وتعطيلٍ جيدِه من ◌ُحُلِيِّهِ وأَنواره، وغَصبه
إعلان فضله وأسراره ، فرُبَّ راغب عن كلمةٍ غيرُهُ متهالكٌ عليها، وزاهدٍ عن 'نكتة غيرُهُ مشعوفٌ
بها، يُنضي الركاب اليها.
فإِن أَجَبْتَني فقد بررتَني ، جعلك الله من الأبرار ، وإن خالفتني فقد عققتني والله حسيبُك في
عُقْبَى الدار .
ثم اعلمْ أَن المختصر لكتابٍ كمن أَقَدَم على خلْقٍ سَوِيٍّ، فقَطَعَ أَطْرافه فتركه أَسْلّ اليدين ،
أبترَ الرجلين ، أَعمَى العينين، أَصلَم الأذنين؛ أَو كمن سلب امرأَة ◌ُحُلِيّها فتركها عاطلًا، أَو كالذي
سلب الكَمِيّ سلاحه فتركه أَعزلَ راجلًا .
وقد ◌ُحكي عن الجاحظ أنه صنّف كتاباً وبوّبه أبواباً ، فأخذه بعض أهل عصره فحذف منه أَشْياء
وجعله أَشْلاءَ، فأحضره وقال له: يا هذا إِن المصنْف كالمصوّر وإني قد صوّرت في تصْنيفي صورة كانت
لما عينان فعوَّرْتَها، أَعمى الله عينيك، وكان لها أُذنان فصَلَّمْتَهما، صَلَّم الله أُذنيك، وكان لها يدان
فقطعتَهما ، قطع الله يديك ، حتى عَدَّ أَعضاء الصورة، فاعتذر اليه الرجل بجهله هذا المقدار ، وتاب إليه
عن المعاودة إلى مثله .
ثم أَهديت هذه النسخة بخطي إلى خزانة مولانا الصاحب الكبير ، العالم الجليل الخطير ، ذي الفضل
البارع ، والإفضال الشائع، والمَحْتِدِ الأصيل، والمجد الأثيل، والعزّة القَعْساء، والرتبة الشَّمَّاء، الفائز
من المكارم بالقِدْح المعلى، المتقلد من المكاوم بالصارم المحلى، إِمام الفُضلاء ، وسيّد الوزراء، السيّد
الأَجلّ الأعظم، القاضي جمال الدين الأكرم، أبي الحسن علي بن يوسف بن ابراهيم بن عبد الواحد الشيباني
ثم النَّيْمي، حَرَسَ الله مجدَه وأَسبغَ ظِلَّه وأَهلك ◌ِنِدَّه ونصر جندَه وهزم ضده، إِذ كنت منذ
وُجِدْتُ فِي حَلٍّ وتَرحال، ومبارزة للزمان ونزال، أَسأَل منه سلاماً ولا يَزِيدني إِلا ◌َضْماً.
فلما قَضَت نفسي، من السّير، ما قَضَت، على ما بَلَتْ من شدة ولَيَانٍ
بعد طول مُكابدة ◌ُحرفة الحِرفة وانتظار تبلّج ظلام الحظ يوماً من سُدْفة:
عَلِقْتُ بحَبْلٍ من حبال ابن يوسف، أَمِنْتُ به من طارق الحدثان
فردَّ عني صَرفَ الدهر والمِحَنِ، ورَفَّه خاطري عن معاندة الزمن. لمّ:
تغطیْتُ، عندهري، بظلّ جناحه، فعيني ترى دهري ، ولیس یراني
فأصبحتُ من كنفه في حرزٍ حريز، ومن إحسانه وتكرّمه في موطن عزيز :
فلو تسأَلُ الأيام عني لما دَرَتْ، وأَين مكاني ، ما عَرَفْنَ مكاني
١٤

إذ كان، أَدام الله ◌ُلُّه ، عَلَم العلم في زماننا، وعين أَعيان أَهل عصرنا وأواننا، وأَعدتُ إليه
ما استَقدْتُه منه ، وروَى عني ما رويته عنه، فأَحسن الله عنا جزاءه، وأَدام عزَّه وعلاءه ، بمحمد
وآله الكرام .
وقد قَدَّمتُ ، أَمام الغرض من هذا الكتاب، خمسة أبواب بها يَتمُّ فضلُه، ويغزرُ وَبْلُه:
الباب الأول : في ذكر صورة الأرض وحكاية ما قاله المتقدمون في هيئتها، ورَوينا عن المتأخرين
في صورتها .
الباب الثاني : في وصف اختلافهم في الاصطلاح على معنى الإقليم وكيفيته واستقاقه ودلائل القبلة
في كل ناحية .
الباب الثالث: في ذكر ألفاظ يكثُر تكرارُ ذكرها فيه يحتاج إلى معرفتها كالبريد والفرسخ والميل
والكورة وغير ذلك .
الباب الرابع: في بيان ◌ُحُكم الأرضين والبلاد المفتتحة في الإسلام وحُكْم قسمة الفيء والخراج فيما
"فتح صلحاً أَو عنوَةً.
الباب الخامس : في ◌ُجمَل من أخبار البلدان التي لا يختص ذكرها بموضع دون موضع ، لتكمل
فوائد هذا الكتاب، ويُستغنى به عن غيره في هذا الباب .
ثم أَعود إلى الغرض فأقسمه ثمانية وعشرين كتاباً على عدد حروف المعجم، ثم أَقسم كل كتاب إلى
ثمانية وعشرين باباً للحرف الثاني للأول ، وألتزم ترتيب كل كلمة منه على أول الحرف وثانیه و ثالثه ورابعه،
وإلى أي غاية بلغ، فأُقَدّم ما يجب تقديمه بحُكْم ترتيب: ا ب ت ث .. على صورته الموضوعة له ، من
غير نظر إلى أُصول الكلمة وزوائدها، لأَن جميع ما يَرِدُ إِنما هي أَعلام لمسمَّات مفردة، وأَكثرها
عجمية ومُرْتَجلَة لا مَسَاعَ للاسْتقاق فيها .
والغرض من هذا الترتيب ، تسهيلُ طريق الفائدة من غير مشقة ، والله المعين على ما اعتمدنا ،
والمرسْد إلى سلوك ما قصدناه، من غير حول منا ولا قوة إلا بالله وحده وسمَّيته: (( مُعْجَمَ البُلْدَان)،
اسم مطابق لمعناه ، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وكان الشروع في هذا التبييض في ليلة إحدى وعشرين
من محرم سنة خمس وعشرين وستمائة ، والله نسألُ المعونة على امامه بمنّه وكرمه .
١٥

الباب الاول
في صفة الأرض وما فيها من الجبال والبحار وغير ذلك
قال الله عز وجل: ألم نجعلِ الأَرضَ مِهاداً والجبالَ أَوْقاداً. وقال جل وعز: والذي جعَلَ لكم
الأَرضَ قَرَاراً والسّماءَ بناءً. وقال سبحانه: واللهُ جعل لكم الأرضَ بيساطاً .
قال المفسرون : البساط والمهاد : القرار والتَّمكُّن منها ، والتصرف فيها .
واختلف القدماءُ في هيئة الأرض وشكلها، فذكر بعضُهم أنها مبسوطةُ التسطيح في أربع جهات:
في المشرق والمغرب والجنوب والشمال، ومنهم من زعم أنها كهيئة التُّرس ، ومنهم من زعم أنها كهيئة
المائدة ، ومنهم من زعم أنها كهيئة الطبل، وزعم بعضهم أنها شبيهةٌ بنصف الكرة كهيئة القبّة وأَن
السماء مركبة على أطرافها، وقال بعضهم: هي مستطيلة كالأسطوانة الحجرية او العمود ، وقال قوم:
الأرض تهوي إلى ما لا نهاية له ، والسماء ترتفع إلى ما لا نهاية له ، وقال قوم : إِن الذي يُرَى من
دوران الكواكب إنما هو دورُ الأرض لا دورُ الفَلك، وقال آخرون: إن بعض الأَرض يمسك بعضاً،
وقال قوم : إنها في خلاءٍ لا نهاية لذلك الخلاء .
وزعم أَرسطاطاليس أَن خارج العالم من الخلاء مقدار ما تَنفَسُ السماء فيه ، وكثير منهم يزعم أن
دوران الفلك عليها يمسكها في المركز من جميع نواحيها . وأما المتكلمون فمختلفون أيضاً : زعم هشام
ابن الحكم أن تحت الأرض جسماً من شأنه الارتفاع والعلوُّ، كالنار والريح، وأنه المانع للأرض من
الانحدار ، وهو نفسه غير محتاج إلى ما يُعبَد ، لأنه ليس مما يَنحدِرُ بل يَطلُبُ الارتفاع . وزعم أَبو
الهذيل: أَن الله وقفها بلا عَمَدٍ ولا علاقة، وقال بعضهم: إِن الأرض ممزوجة من جسمين: ثقيل وخفيف،
فالخفيف شأنه الصُّعود، والثقيل شأنه الهبوط، فيمنع كلُّ واحد منهما صاحبه من الذّهاب في جهته
لتكافؤ تدافعهما. والذي يعتمد عليه جماهيرهم، أَن الأرض مدورة كتدوير الكرّة، موضوعة في جوف
الفلك كالمُحَّة في جوف البيضة، والنسيم حول الأرض جاذبٌ لها من جميع جوانبها إلى الفلك ، وبينه
الخلق على الأرض، وأَن النسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفّة، والأرض جاذبة لما في أَبدانهم من الثقل،
لأن الأرض بمنزلة حجر المغناطيس الذي يجتذب الحديد وما فيها من الحيوان ، وغيره بمنزلة الجديد .
وقال آخرون من أَعيانهم : الأرض في وسط الفلك يحيط بها الفِرْ جار في الوسط على مقدارٍ واحد ،
١٦

من فوق وأَسفل ومن كل جانب ، وأجزاء الفلك تجذبها من كل وجه ، فلذلك لا تميل إلى ناحية من
الفلك دون ناحية، لأن قوةَ الأجزاء متكافئةٌ، ومثال ذلك: حجر المغناطيس الذي يجتذب الحديدَ لأن
في طبع الفلك أن يجتذب الأرض .
فلك القمر
فلك النار
تلك الهوا
تلك الهوا
المغرب
فلك الماء
المشرق
فلك الهوا
ذلك الهوا
فلك النار
فلك القمـ
وأَصلحُ ما رأيت في ذلك وأَسَدُ، في رأيي، ما حكاه محمد بن أحمد الخوارزمي، قال: الأرض في
وسط السماء، والوسط هو السُّفل بالحقيقة، والأرض مدوّرة بالكلية، مضرّسة بالجزئية من جهة الجبال
البارزة والوهدات الغائرة، ولا يخرجها ذلك من الكريّة، إِذا وقع الحسُّ منها على الجملة، لأن مقادير
الجبال، وإِن شمخت ، صغيرة بالقياس إلى كل الأرض ، ألا ترى أن الكرة التي قطرها ذراع أَو ذراعان
إذا نتاً منها كالجاورسات وغار فيها أمثالها، لم يمنع ذلك من إجراء أحكام المدوّر عليها بالتقريب ? ولولا
هذا التّضريس، لأحاط بها الماءُ من جميع الجوانب وغمرها حتى لم يكن يَظهر منها شيءٌ، فإن الماء وإِن
شارك الأرض في النقل وفي الهُوِيِّ نحو السفل، فإن بينهما في ذلك تفاضلًا يخف به الماء بالإضافة إلى
الأرض، ولهذا ترسب الأرض في الماء وتنزل الكدورةُ إلى القرار، فَأَما الماء فإنه لا يغوص في نفس
الأرض ، بل يسوخ فيما تخلخل منها واختلط بالهواء، والماء إذا اعتمد على الهواء المائي للتخلخل نزل فيها
وخرج الهواءُ منها، كما ينزل القَطْرُ من السحاب فيه، ولمّا برز من سطح الأرض ما برز، جازَ الماءُ
إلى الاعماق ، فصار بحاراً، وصار مجموع الماء والأرض كُرَّةً واحدة يُحيط بها الهواءُ من جميع
٢
١٧

جهاتها، ثم احتَدَمَ من الهواء ما مَسَّ فَلَكَ القمر بسبب الحركة وانسحاج المتماسّين، فهو إذاً النارُ
المحيطة بالهواء متصاغرة القدر في الفلك الى القُطبَين لتباطؤ الحركة فيما قرب منهما ، وصورة ذلك ،
الصورةُ الأُولى التي في الصفحة السابقة.
وقال أَبو الرَّيْحان: وسطُ معدّل النهار، يقطَعُ الأَرض بنصفَين على دائرة تُسمّى خط"
الاستواء، فيكون أَحد نصفَيها سمالياً والآخر جنوبيّاً، فإذا تَوهَّتَ دائرةً عظيمة على الأرض مارّة"
على قُطْب خط الاستواء، قسمتَ كل واحد من نصفَي الأرض بنصفين، فانقَسَمَ جملتها أَرباعاً:
جنوبيّان وشماليّان على ما وجدها المعيّنون، لم يتجاوز حدّ أَحد الرُّبعَين الشماليّين فيسمَّى رُبعاً
معموراً أَو مسكوناً كجزيرة بارزة تُحيط بها البحارُ، وهذا الربع في نفسه مشتمل على ما يُعرّف
ويُسلَك من البحار والجزائر والجبال والأنهار والمفاوز المعروفة، ثم ان البلدان والقرى بينها، على أنه
بقي منها ، نحو قُطْب الشمال، قطعةٌ غير معمورة من افراط الَبرْد وتراكم الثلوج. وقال
مُهندسوهم: لو ◌ُحُفِرَ فِي الوَهْم وجهُ الأَرض، لأُدّيَ إلى الوجه الآخر، ولو ثُقِبَ مثلاً بقُوسَنج
لنُفِذَ بأرض الصين. قالوا: والناس على الأرض كالنّمل على البَيْضة، واحتجوا لقولهم بحجاج كثيرة،
منها إثباتِيٍّ ومنها إقناعيّ، وليس ذلك بيعيد من الأرض، لأَن البسيط يحتمل نَشْزَ الشيء، فالأرض
على هذا لمن هي تحته بِساطٌ، ولمن هي فوقه غطاءً.
واختلفوا في مساحة الأرض: فذكر محمد بن موسى الخوارزمي صاحب الزيج أن الأرض على
القَصْد تسعة آلاف فرسخ، العُمرانُ من الأرض نصفُدْسها، والباقي ليس فيه عمارةٌ ولا نباتٌ
ولا حيوانٌ، والبحار محسوبة من الغمران ، والمفاوزُ التي بين العمران من العُمران.
قال أبو الريحان: طول قُطْر الأرض بالفراسخ الغان ومائة وثلاثة وستون فرسخاً وثلثا فرسخ ،
ودَورُها بالفراسخ ستة آلاف وثمانمائة فرسخ .
وعلى هذا تكون مساحةُ سَطْحها الخارج متكسّراً أربعة عشر ألف ألف وسبعمئة وأربعة وأربعين
ألفاً ومئتين واثنين وأربعين فرسخاً وخُمس فرسخ . وكان عمر بن جيلانَ يزعم أن الدنيا كلها سبعة
وعشرون ألف فرسخ ، فبَلَدُ السودان اثنا عشر ألف فرسخ، وبلد الروم ثمانية آلاف فرسخ، وبلد
فارس ثلاثة آلاف فرسخ ، وأَرض العرب أربعة آلاف فرسخ .
وحُكي عن أَزدشير أنه قال: الأرض أربعة أجزاء ، فجزءٌ منها أَرض الثُّرك وهي ما بين مغارب
الهند الى مشارق الروم ، وجزء منها المغرب وهو ما بين مغارب الروم إلى القبط والبربر، وجزء
منها أَرض السودان وهي ما بين البربر إلى الهند، وجزء منها هذه الأرض التي تُنسَب إلى فارس ما
بين نهر بَلْخ إلى منقطع اذربيجان وأرمينية الفارسية ثم الى الفرات، ثم بريّة العرب إلى ◌ُمان
ومُكْران، ثم إلى كابل وطخارستان.
وقال دورينوس إن الأرض خمسة وعشرون ألف فرسخ ، من ذلك : الترك والصين اثنا عشر
١٨

3
ألف فرسخ، والروم خمسة آلاف فرسخ، وبابل ألف فرسخ. وحكي أن بطليموس صاحب المجسطى
قاس حَرَّانَ، وزعم أنها أَرفع الأرض ، فوجد ارتفاعها ما عدّد ، ثم قاس جبلاً من جبال آمد ورجع
فَسَحَ من موضع قياسه الأول، إلى موضع قياسه الثاني، على مُستَوٍ من الأرض، فوجده ستة وستين
ميلًا، فضربه في دَوْر الفَلَك وهو ست وستون درجة فبلغ ذلك أربعة وعشرين ألف ميل ، يكون
ذلك ثمانية آلاف فرسخ، فزعم أن دور الأرض يحيط بثمانية آلاف فرسخ . وقال غير بطليموس من يُرجَع
إلى رأيه، إِن الأرض مقسومة بنصفَين، بينهما خُطُ الاستواء، وهو من المشرق إلى المغرب ، وهو
أَطولُ خطٌ فِي كُرَة الأرض، كما ان مَنْطقة البروجِ أَطْوَلُ خطٌ في الفلك، وعرضُ الأرض ، من
القطب الجنوبي الذي يدور حوله ◌ُهَيلٌ إلى الشمال الذي تدور حوله بَناتُ نَعْش، فاستدارة الأرض،
بموضع خطّ الاستواء، ثلاثمائة وستون درجة"، الدرجة ( خمسةٌ وعشرون فرسخاً، فيكون ذلك تسعة
آلاف فرسخ، وبين خط الاستواء وكلّ واحد من القُطْبَين تسعون درجة ، واستدارتها عرضاً مثل
ذلك، لأن العمارة في الأرض بين خط الاستواء وكل واحد أربع وعشرون درجة، ثم الباقي قد غيره
ماء البحر ، فالخَلق في الرُّبع الشمالي من الأرض والربع الجنوبي خراب، والنصف الذي تحتها لا ساكن
فيه، والربعان الظاهران هما أربعة عشر إقليماً، منها سبعة عامرة، وسبعة غامرة، لشدّة الحرّ بها.
وقال بعضهم : العمرانُ في الجانب الشمالي من الأرض، أَكثر منه في الجانب الجنوبي، ويقال إن في
الشمالي أربعة آلاف مدينة، وإن كل نصف من الأرض رُبعان، فالربعان الشماليان هما النصف
المعمور، وهو من العراق إلى الجزيرة ، والشام ، ومصر ، والروم، والفرنجة ، ورومية ، والسوس ،
وجزيرة السعادات ، فهذا الربع غربي شمالي؛ ومن العراق إلى الأهواز ، والجبال ، وخراسان ،
وثبّت، إلى الصين ، إلى واق واق ، فهذا الربع شرقي شمالي ؛ وكذلك النصف الجنوبي ، فهو
ربعان: شرقي جنوبي ، فيه بلاد الحبشة والزنج ، والنوبة ، وربع غربي لم يَطَأه أَحد ممن على وجه
الأرض، وهو متاخم للسودان الذين يتاخون البربر، مثل كُوكُو وأشباههم. وحكى آخرون أن
بطليموس الملك اليوناني، وأحسبه غير صاحب المجسطى، لم يكن ملكاً ولا في أيام الملوك البطالة، إنما
كان بعدهم، بَعثَ إلى هذا الربع قوماً حكماءَ منجمين ، فبحثوا عن البلاد وأَلْطَفوا النظر والاستخبار
من علماء تلك الأمم التي تقاربها ومن هو على تخومها ، فانصرفوا إليه فأخبروه أنه خراب يباب ليس فيه
ملك ولا مدينة ولا عمارة، وهذا الربع يسمَّى المحترق، ويسمَّى أَيضاً الربع الخراب، ثم إِن بطليموس
أراد أَن يَعرف عظم الأرض وعُمرانها وخرابها، فبَدَأَ فَأَخَذَ ذلك من طلوع الشمس إلى غروبها من
العدد ، وذلك يوم وليلة، ثم قسم ذلك على أربعة وعشرين جزءاً ، الساعاتُ المستوية خمسة عشر جزءاً،
وضرب أربعة وعشرين في خمسة عشر، فصار ثلاثمائةٍ وستين جزءاً، فأراد أن يعرف كم ميلاً يكون
الجزءُ، فَأَخذ ذلك من ◌ُخْسُوف القمر وكُسُوف الشمس، فنظر كم ما بين مدينة الى مدينة من ساعة ، وكم بين
المدينة إلى الأخرى ، فقسم الأميال على أجزاء الساعة ، فوجد الجزء الواحد منها خمسة وسبعين ميلًا،
فضرب خمسة وسبعين في ثلاثمائة وستين جزءاً من أجزاء البروج ، فبلغ ذلك سبعة وعشرين ألف ميل ،
١٩

فقال إِن الأَرض مدورة متعلّقة بالهواء ، فيكون ما يدور بها من الأميال سبعة وعشرين ألف ميل .
ثم نظر في العمران فوجد من الجزيرة العامرة التي في المغرب إلى البحر الأخضر إلى أقصى عمران الصين ،
إذا طلعت الشمس في الجزائر التي ◌َسَّناها، غابَتْ بالصين، وإذا غابت في هذه الجزائر طلعت بالصين ،
فذلك نصف دُوًّارة الأرض، وذلك ثلاثة عشر ألف ميل وخمسمائة ميل طول العمران . ثم نظر أَيضاً
في العمران فوجد عمران الأرض من ناحية الجنوب إلى ناحية الشمال: أَعني من دوّارة الأرض حيث
استوى الليل والنهار في الصيف إلى عشرين ساعة، والليل أربع ساعات ، وفي الشتاء خلاف ذلك ، الليل
عشرون ساعة والنهار أربع ساعات ، فقال إِن استواء الليل والنهار في جزيرة بين الهند والحبشة من ناحية
الجنوب التي من التيْمَن وهو ستّون جزءاً، ما يكون له أربعة آلاف وخمسمائة ميل، فإذا ضربت
السدس في النصف الذي هو نصف دوّارة الأرض من حيث استوى الليل والنهار ، تجد العمران الذي
يُعرَف ، نصفَ سدس جميع الأرض .
واختَلَفَ آخرون في مَبلَغ الأرض وكميّتها ، فرُوي عن مكحول أَنه قال: مسيرة ما بين أَدنى
الأرض إلى أقصاها خمسمائة سنة ، مائتان من ذلك قد غمرهما البحر ، ومائتان ليس يسكنهما أَحد ،
وثمانون يأجوج ومأجوج، وعشرون فيها سائر الخلق . وعن قتادة، قال: الدنية أربعة وعشرون
ألف فرسخ ، فمُلك السودان منها اثنا عشر ألف فرسخ، ومُلك العجم ثلاثة آلاف فرسخ، ومُلك
الروم ثمانية آلاف فرسخ، وملك العرب ألف فرسخ. ورواية أُخرى عن بطليموس أَنّه خرّج مقدار
الدنيا واستدارتها من المجسطى بالتقريب ، فقال: استدارة الأرض مائة ألف وثمانون ألف إِسطاديون،
والإسطاديون مساحة أربعمائة ذراع، وهي أربعة وعشرون ألف ميل ، فيكون ثمانية آلاف فرسخ
بما فيها من الجبال والبحار والفياني والغياض . قال: وغلظُ الأرض، وهو قُطْرْها، سبعة آلاف
وستمائة وثلاثون ميلًا، تكون ألفين وخمسمائة فرسخ وأربعين فرسخاً وثُلُثي فرسخ . قال: فتكسير
جميع بسيط الأرض مائة واثنان وثلاثون ألف ألف وستمائة ألف ميل ، يكون مائتي ألف وثمانية
وثمانين ألف فرسخ .
واختلفوا أيضاً في كيفية عدد الأرضين، قال الله عز وجل: ((الذي خلق سبع سموات ومن الأرض
مثلهن)) . فاحتمل هذا أن يكون في العدد والاطباق فرُوي في بعض الأخبار أَن بعضها فوق بعض ،
وغلظ كل أَرض مسيرة خمسمائة عام، وقد عدّد بعضهم لكل أرض أهلاً على صفة وهيئة عجيبة، وسمى
كل أَرض باسم خاص كما سمّى كل سماءٍ باسم خاصٍ. وعن عطاء بن يسار في قول الله عز وجل: ((الذي
خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن)) قال : في كل أرض آدم كآدمكم، ونوح كنوحكم ، وإبراهيم
كابراهيمكم ، والله أعلم .
وقالت القدماءُ إِن الأرض سبع على المجاورة والملاصقة ، فافتراق الأقاليم على المطابقة والمكابسة ،
والمعتزلة من المسلمين يميلون إلى هذا القول، ومنهم من يرى أن الأرض سبع على الارتفاع والانخفاض ،
كدرج المرَاقي .
٢٠