النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ / (ق٤٠٦) أثر(١) في فضل عمرو بن الأسود العَنَسي الشّامي أحد التابعين العابدين الناسڪين الزّاهدين تَخْدَتُهُ ٩٩٢- قال الإمام أحمد في ((المسند))(٢): ثنا أبو اليَمَان، ثنا أبو بكر، عن حكيم بن عمير وضَمرة بن حبيب، قالا: قال عمرُ بن الخطاب ◌َّه: مَن سَرَّه أن يَنْظُرَ إلى هَدْي رسولِ اللهِ وَّهِ؛ فليَنْظُرْ إلى هَدْي عمرو بن الأسود. فيه أنقطاع بين حكيم بن عمير وضَمرة بن حبيب العنسيَّيْن الشَّاميَّيْن الحمصيَيْن وبين عمرَ بن الخطاب، فإنهما لم يُدركاه، لكن هذا ممَّا يؤخذ عنهم (٣)، فإنهما من قبيلة عمرو بن الأسود وبَلدِهِ، وهما من الثقات، فهذا عندهما من المشهورات، وكأنَّ عمرَ رَظُه رآه بالشَّام لمَّا قَدِمَها في فتح بيت المقدس، والله أعلم. (١) كَتَب المؤلِّف فوقها: ((حديث))، ولم يضرب على ما تحتها. (٢) (١٩/١ رقم ١١٥). (٣) كذا ورد في الأصل. ١٢٢ حديث في فضل أُويس بن عامر القَرَني أحد التابعين ◌َّهُ ٩٩٣- قال الإمام أحمد في ((المسند))(١): حدثنا عقَّان، حدثنا حماد ابن سَلَمة، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضرة، عن أُسَير بن جابر، قال: لمَّا أَقبل أهلُ اليمن جعل عمرُ نَّهِ يَستَقري الرِّفاقَ، فيقول: هل فيكم أحدٌ من قَرَن؟ حتى أتى على قَرَن، فقال: من أنتم؟ قالوا: قَرَن. فوقع زمامُ عمر، أو زمام أُوَيس، فناوَلَه - أو ناول أحدُهما الآخر- فعَرَفَه. فقال عمرُ: ما أسمُك؟ قال: أنا أُوَيس. قال: هل لك والدةٌ؟ قال: نعم. قال: فهل كان بك من البياض / (ق٤٠٧) شيءٌ؟ قال: نعم، فدَعَوتُ الله فَأَذْهَبَهُ عنِّي إلا موضعَ الدرهم من سُرَّتِي لأذكُرَ بِه لِرَبِّي(٢). قال له عمر: استَغْفِرْ لي. قال: أنت أحقُّ أن تستغفِرَ لي، أنت صاحبُ رسول الله وَّةٍ. فقال عمرُ: إِنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ وَ لَه يقول: ((إنَّ خيرَ التابعين رجلٌ يقالُ له: أُوَيسٌ، وله والدةٌ، وكان به بَيَاضٌ، فدعا اللهَ فَأَذْهَبَهُ عنه إلا موضعَ الدرهم في سُرَّتِهِ)). فاستغفَرَ له، ثم دخل في غمارِ الناسِ، فلم يَدْرِ أين وَقَع. قال: فَقَدِمَ الكوفةَ. قال: فكنًّا نجتمعُ في حَلْقَة فَتَذْكُرُ اللهَ وَّ فِيَجلسُ معنا، فكان إذا ذَكَر هو وَقَع حديثُهُ في قلوبنا مَوقِعًا لا يَقعُ حديثُ غيرِهِ ... ، فذَکَر الحدیث. هكذا رواه الإمام أحمد مختصرًا. (١) (٣٨/١ رقم ٢٦٦). (٢) كذا ورد في الأصل. والذي في المطبوع: ((ربِّي)). ١٢٣ وقد رواه الإمام الحافظ مسلم بن الحجَّاج القشيري كَّثُ في ((صحيحه))(١) مطوّلًا جدًّا، فقال: ٩٩٤- حدثنا محمد بن المثنَّى، ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن زُرَارة بن أَوْفَى، عن أُسَير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمدادُ أهلِ اليمنِ سألهم: أيُّكم (٢) أُوَيس بن عامر؟ حتى أتى على أُوَيسٍ، فقال: أنت أُوَيسُ بن عامر؟ قال: نعم. قال: من مُراد ثم من قَرَن؟ قال: نعم(٣). قال: ألك والدةٌ؟ قال: نعم. قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ مَّ يقول: ((يأتي عليكم أُوَيسُ بن عامر مع أمدادِ أهلِ اليمنِ، من مُراد، ثم من قَرَن، كان به بَرَصٌ فَبَرٍأَ منه إلا موضعَ درهم، له والدةٌ هو بها بَرُّ، لو أَقْسَمَ على اللهِ لأَبرَّه، فإن استطعتَ أن يَستغفِرَ لَك فافعل)). فاستغفِرْ لي. فاستغفَرَ له. فقال له عمر: أين تريدُ؟ قال: الكوفةَ. قال: ألا أَكتبُ لك إلى عاملها؟ قال: أكونُ في غَبَرَاءَ الناسِ أحبُّ إليَّ. قال: فلمَّا كان من العام المقبل حجَّ رجلٌ من أشرافهم، فوافَقَ عمرَ، فسأله عن أُوَيس، فقال: تَرَكتُهُ رَثَّ الهيئةِ(٤)، قليلَ المتاع. قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقول: ((يأتي عليكم أَوَيسُ بن عامرٍ مع أمدادِ أهلِ اليمنِ، من مُراد، ثم من قَرَن، كان به بَرَصٌ، فَبَرٍأَ منه إلا موضعَ درهم، له والدةٌ / (ق٤٠٨) هو بها بَرٍّ، لو أَقسَمَ على اللهِ لأَبرَّهُ، فإن استطعتَ أن يَستغفِرَ لك فافعل)). فأتى أُوَيسًا، فقال: استغفِرْ لي. قال: أنت أحدثُ عهدًا بسَفَرٍ صالح، (١) (١٩٦٩/٤ رقم ٢٥٤٢) (٢٢٥) في فضائل الصحابة، باب من فضائل أويس القرني. (٢) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((أفِيكُم)). (٣) زاد في المطبوع: ((فكان بك بَرَصٌ فَبَرِأتَ منه إلا موضعَ درهم؟ قال: نعم)). (٤) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((رَثَّ البيتِ)). ١٢٤ فاستغفِرْ لي. قال: استغفِرْ لي. قال: لَقِيتَ عمر؟ قال: نعم. قال: فاستغفَرَ له. قال: ففَطِنَ له الناسُ، فانطَلَق على وجهِهِ. قال أُسَير: وكَسَوتُهُ بُردَةً، وكان كلُّ من رآه قال: من أين لأُويسٍ هذِه البُردةُ؟ ٩٩٥- ثم قال مسلم (١): ثنا محمد بن المثنَّى، ثنا عفَّان، ثنا حماد بن سَلَمة، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضرة، عن أُسَير بن جابر، عن عمرَ بن الخطاب رَضُه قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ وَله يقول: ((إِنَّ خيرَ التابعين رجلٌ يقال له: أُوَيسٌ، وله والدةٌ، وكان به بَیَاضٌ، فُمُرُوهُ فليستغفِرْ لكم )). / (ق٤٠٩) هكذا أورد حديث أُويس الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه ((جامع المسند))(٢) من كتاب مسلم من هذين الوجهين، ولم يَسقه من ((مسند الإمام أحمد))، ولا عَزَاه إليه. وقد قال شيخنا الحافظ أبو الحجّاج المزِّي في كتابه ((الأطراف))(٣): حديث أُويس القَرَني بطوله، رواه مسلم في الفضائل عن زُهَير بن حرب، عن أبي النَّضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، عن أبي نَضرة(٤). وعن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن المثَّى وبُندَار. ثلاثتهم عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن زُرَارة بن أُوْفَى. (١) (١٩٦٨/٤- ١٩٦٩ رقم ٢٥٤٢) (٢٢٤). (٢) (٢٨٥/٦- ٢٨٦ رقم ٥٧٨٣). (٣) ((تحفة الأشراف)) (١١/٨ رقم ١٠٤٠٦). (٤) قوله: ((عن سليمان بن المغيرة، عن أبي نضرة)) كذا ورد في الأصل، و((تحفة الأشراف))، لكن أصلحه محقّقه، فقال: ((عن سليمان بن المغيرة، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضرة)». ١٢٥ كلاهما عن أُسَير بن جابر، عن عمرَ، به. وعن زُهَير بن حرب، عن عفَّان (١) عن حماد بن سَلَمة، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضرة، به مختصرًا. انتهى كلامه، وفيه مخالفة لابن الجوزي، والله أعلم. وقال الإمام علي ابن المديني -وقد رواه من طرق -: هذا حديث بصري، لم نَجِدْ لأهل الكوفة فيه حديثًا مثل ما رواه أهل البصرة. قلت: تفرَّد بهذا الحديث عن أمير المؤمنين عمرَ بن الخطاب أُسَيرُ، ويقال : -يُسَير- بن جابر، ويقال: ابن عمرو -أبو الخيار المحاربي- ويقال: العَبدي، ويقال: الكِندي، ويقال: الدَّرمَكي، ويقال: القِتباني- البصري، روى عن عمرَ وسهل بن حُنَيف وخُرَيم بن فَاتِك وأبي مسعود البدري، وروى عنه جماعة، منهم: ابنه قيس، وأبو إسحاق الشَّيباني، ومحمد بن / (ق ٤١٠) سيرين، وأبو عمران الجَوْني. قال علي ابن المديني: أُسَير بن جابر هذا من أصحاب ابن مسعود، روى عنه أهل البصرة، سَمِعتُ سفيانَ بن عيينة يقول: قَدِمَ أُسَير بن جابر البصرةَ، فجعل يحدِّثهم، فقالوا: هذا هكذا! فكيف النَّهر الذي شرب منه؟ ! -يعنون: عبد الله بن مسعود-، أي: أنه منه أخذ العلمَ. قال علي: وأهل البصرة يقولون: أُسَير بن جابر، وأهل الكوفة يقولون: أُسَير بن عمرو، ومنهم من يقول: يُسَير. وقال العوَّام بن حَوشب: وُلِدَ في مُهاجَرِ النبيِّ وَّ إلى المدينة، ومات سنة خمس وثمانين، وقد روى له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. (١) قوله: ((عن زُهَير بن حرب، عن عقَّان)) كذا ورد في الأصل، و((تحفة الأشراف))، لكن أصلحه محقّقه، فقال: ((عن زُهَير بن حرب ومحمد بن المثَنَّى، عن عقَّان)). ١٢٦ طريق أخرى لحديث أُوَيس القَرَني : ٩٩٦- قال الحافظ أبو يعلى الموصلي(١): ثنا هُدبة بن خالد أبو خالد، ثنا مبارك بن فَضَالة، حدثني أبو الأصفر، عن صَعْصَعَة بن معاوية، قال: كان أُوَيس بن عامر رجلٌ(٢) من قَرَن، وكان من أهل الكوفة، وكان من التابعين، وخَرَج به وَضَحٌ(٣)، فدَعَا اللهَ أن يُذهِبَهُ، فَأَذهَبَهُ، فقال: اللهمَّ دَعْ في جسدي منه ما أذكرُ به نِعَمَكَ عليَّ، فَتَرَك له ما يَذكرُ به نِعَمَهُ عليه، وكان رجلًا يلزم المسجدَ في ناسٍ من أصحابه، وكان ابن عمٍّ له يلزمُ السُّلطانَ، يَولَعُ به (٤)، فإن رآه مع قوم أغنياءَ قال: ما هو إلا أن / (ق٤١١) يَستأكِلُهُم! وإنْ رآه مع قوم فقراءَ قال: ما هو إلا أن يَخدَعُهُم! وأُوَيس لا يقولُ في ابن عمِّه إلا خيرًا، غيرَ أنه إذا مَرَّ به أستَتَرَ منه مخافةَ أن يأثمَ في سَبِّه. وكان عمرُ بن الخطاب يسألُ الوفودَ إذا قَدِموا عليه من الكوفة: هل تعرفون أُوَيسَ بن عامر القَرَني؟ فيقولون: لا. فقَدِمَ وَفدٌ من أهل الكوفة، فيهم ابن عمِّه ذاك، فقال: هل تعرفون أُوَيس بن عامر القَرَني؟ قال ابن عمِّه: يا أميرَ المؤمنين، هو ابن عمِّي، وهو رجلٌ نَذلٌ فاسدٌ، لم يَبلُغْ ما إن تَعرفُهُ أنت يا أميرَ المؤمنين. فقال له عمر: ويلكَ هَلَكتَ، ويلكَ هَلَكتَ، إذا أتيتَهُ فَأَقرتُهُ مِنِّي السَّلامَ، ومُرْهُ فَلَيَفِدْ إليَّ. فَقَدِمَ الكوفةَ، فلم يَضَع ثيابَ سَفَرِهِ عنه حتى أتى المسجدَ، قال: فرأى أُوَيسًا، (١) في ((مسنده)) (١٨٧/١ رقم ٢١٢) وعنه: ابن حبان في ((المجروحين)) (١٥١/٣-١٥٢). وأخرجه -أيضًا- عبد الله ابن الإمام أحمد في ((زوائده على الزهد)) (ص ٤٧٧ رقم ٢٠١٩). (٢) كذا في الأصل، والمطبوع من ((مسند أبي يعلى)). (٣) الوَضَحِ: الْبَرَص. ((النهاية)) (١٩٦/٥). (٤) وَلَع به: أَستَخَفَّ به. ((القاموس)) (ص ٧٧٤ - مادة ولع). ١٢٧ فلَمَّ به(١)، فقال: استغفِرْ لي يا ابن عمِّ. قال: غَفَرَ اللهُ لك يا ابن عمِّ. قال: وأنت يَغْفِرُ اللهُ لك يا أُوَيسَ بن عامر، أميرُ المؤمنينَ يُقرِتُكَ السَّلامَ. قال: ومَن ذَكَرني لأمير المؤمنين؟ قال: هو ذَكَركَ، وأَمَرني أن نُبلِّغك أن تَفِدَ إليه. قال: سمعًا وطاعةً لأمير المؤمنين. فوَفَد إليه حتى دخل على عمرَ رَظُله، فقال: أنت أُوَيسُ بن عامر؟ قال: نعم. قال: أنت الذي خَرَج بك وَضَحُ فَدَعَوتَ اللهَ أن يُذهِبَهُ عنك، فَأَذَهَبَهُ؟ فقلتَ: اللهمَّ دَعْ في جسدي منه ما أَذكُرُ به نعمتَكَ عليَّ. فَتَرَك لك في جسدك ما تَذكُرُ به نعمتَهُ عليك. / (ق٤١٢) قال: وما أدراك يا أميرَ المؤمنين؟ فواللهِ ما أَطَّلِعَ على هذا بشرٌ. قال: أخبَرَنا رسولُ اللهِ وَّهِ أنه سيكونُ في التابعين رجلٌ من قَرَن، يقال له: أُوَيس بن عامر، يَخرجُ به وَضَحْ يَدعو اللهَ تعالى أن يُذْهِبَهُ عنه، فيُذهِبَهُ، فيقول: اللهمَّ دَعْ لي في جسدي ما أَذكُرُ به نعمتَكَ عليَّ، فَيَدَعُ له منه ما يَذْكُرُ به نعمتَهُ عليه، فمن أدركه منكم فاستطاع أن يَستغفِرَ له؛ فليَستغفِرْ له. فاستغفِرْ لي يا أُوَيسَ بن عامر! فقال: غَفَرَ اللهُ لك يا أميرَ المؤمنين. قال: وأنت يغفِرُ اللهُ لك يا أُوَيسَ بن عامر. قال: فلمَّا سمعوا عمرَ قال عن النبيِّ وَه، قال رجلٌ: استغفِرْ لِي يا أُوَيس، وقال آخر: استغفِرْ لِي يا أُوَيس، فلمَّا كَثَروا عليه أنسَابَ، فما رُئِيَ حتى السَّاعَةَ. وهذا إسناد حسن، إلا أنَّ أبا الأصفر هذا لا أعرفه(٢)، ولم يَذكره أبو (١) أي: قَرُب منه. أنظر: ((النهاية)) (٢٧٢/٤). (٢) قال عنه ابن حبان: أبو الأصفر شيخ يروي عن صعصعة بن معاوية، روى عنه المبارك بن فَضَالة، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. والحديث قال عنه الذهبي في ((السِّير)) (٢٦/٤): هذا حديث غريب، تفرَّد به مبارك ابن فَضَالة، عن أبي الأصفر، وأبو الأصفر: ليس بالمعروف. ١٢٨ حاتم الرازي، فأمَّا صَعْصَعَة بن معاوية التَّميمي هذا فصحابي (١)، وهو أخو جزء بن معاوية عمّ الأحنف بن قيس طريق أخرى : ٩٩٧- روى الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي في ((مسند عمر)) من حديث مُعَلِّل بن نُفَيل، ثنا محمد بن مِحصَن، عن إبراهيم بن أبي عَبلة، عن سالم، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((يا عمرُ، إذا رأيتَ أُوَيِسًا القَرَني، فقل له فليستغفِرْ لك، فإنَّه يَشفعُ يومَ القيامةِ في مثلٍ / (ق٤١٣) ربيعةً ومُضَرَ، بين كَتِفَيهِ علامةً مثلَ الدرهم». هذا منكر جدًّا من هذا الوجه، ومخالف لما تقدَّم، ومحمد بن مِحصَن هذا هو محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن عكَّاشة بن مِحصَن العُگّاشي، كذَّبه يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي، وضعَّفه باقي الأئمّة(٢). ولنذكر ترجمة أُوَيس القَرَني ليُعرَفَ حاله، وبالله المستعان، فإنه قد نَقَل الحافظ أبو أحمد ابن عدي(٣) عن الإمام مالك بن أنس أنه كان يُنكرُ وجود أُویس، يقول: لم يكُن. وقال البخاري(٤): في إسناده نظر فيما يَرويه. وقال ابن عدي: ليس له من الرواية شيء، إنما له حكايات ونُتَفٌ في زُهده، ولا يَتَهَّأَ أن نحكمَ عليه بالضعف، بل هو صدوق، وقد شُكَّ في وجوده، وهو مشهور. (١) انظر: ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم (١٥٣٠/٣) و((الإصابة)) (١٤١/٥). (٢) انظر: ((الجرح والتعديل)) (١٩٥/٧ رقم ١٠٩٣) و((تهذيب الكمال)) (٣٧٢/٢٦). (٣) في ((الكامل)) (٤١٣/١). (٤) في ((التاريخ الكبير)) (٥٥/٢ رقم ١٦٦٦). ١٢٩ وأمَّا الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، فإنه قال في كتابه ((حلية الأولياء)) (١): فمن الطبقة الأولى من التابعين سيِّد العُبَّاد، وعَلَم الأَصفياء من الزُّهاد، أُوَيس بن عامر القَرَني، بَشَر النبيُّ وَّ به، وأوصى به، ثم روى حديثَ عمرَ من رواية أبي نَضرة، عن أَسَير بن جابر عنه، كما تقدَّم، وفيه زيادات، وعَزَاه إلى ((صحيح مسلم))! ثم قال(٢): ورواه الضَّحَّاك بن مُزَاحم، عن أبي هريرة بزيادة ألفاظ لم يُتَابِعِه أحدٌ عليها، تفرَّد به مَخلد(٣) بن يزيد، عن نوفل بن عبد الله، عنه، ثم أَسنَدَه كذلك / (ق٤١٤)، وفيه: أنَّ رسولَ اللهِ وََّ ذَكَر لأصحابه يومًا أُوَيسًا، فقالوا: يا رسولَ الله، وما أُوَيس؟ قال: ((أَشْهَلُ(٤)، ذا صُهُوبَةٍ (٥)، بعيدُ ما بين المَنكِبَين، مُعتَدِلُ القَامَةِ، آدمٌ شديدٌ الأُدمَةِ (٦)، ضارِبٌ بذَقِنِهِ إِلى صَدرِهِ، رَامِ (بِبَصَرِهِ) (٧) إلى موضع سُجُودِهِ واضعٌ يمينَه على شمالِهِ يَتْلُو القرآنَ، يَبكي على نفسِهِ، ذُو ◌ِمرَين(٨) لا يُؤْبَهُ له، مُتَّزِّرٌ بإزارِ صُوف، ورداءِ صُوف، مجهولٌ في أهلِ الأرضِ، معروفٌ في السماءِ، لو أَقسَمَ على اللهِ لأَبَرَّ قَسَمَهُ، ألا وإنَّ تحت مَنكِهِ الأيسرِ لُمعةً بيضاءَ، ألا وإنَّه إذا كان يومُ القيامةِ قيل للعُبَّاد: أُدخُلُوا الجنَّةَ، ويقال (١) (٧٩/٢). (٢) (٨٠/٢). (٣) قوله: ((مخلد)) تحرَّف في المطبوع إلى: ((مُجالِد)) !. (٤) أشهل: من الشُّهْلة، وهي حُمْرة في سواد العين. ((النهاية)) (٥١٦/٢). (٥) الصُّهُوبة: من الصُّهْبة، وهي مختصة بالشعر، وهي حُمرة يعلوها سواد. ((النهاية)) (٦٢/٣). (٦) الأُدْمَة: السُّمْرة الشديدة. انظر: ((النهاية)) (٣٢/١). (٧) في المطبوع: ((بذقنه)). (٨) الطَّمْر: الثوب الخَلِقِ. ((النهاية)) (١٣٨/٣). ١٣٠ لأُوَيس: قِف فاشفَعْ، فيُشفِّعُهُ اللهُ في مثلٍ عددٍ ربيعةً ومُضَر، يا عمرُ، ويا عليُّ، إذا أنتما لَقِيتُمَاهُ فاطلُبَا إليه يستغفِرْ لكما، يَغْفِرُ اللهُ لكما)). قال: فمكثا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه، فلمَّا كان في آخر السَّنَة التي هَلَك فيها عمرُ في ذلك العام، قام على أبي قُبَيس، فنادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من أهل اليمن، أفيكم أُوَيس من مُراد؟ فقام شيخ كبير، طويل اللِّحية، فقال: إنَّا لا ندري مَن أويس؟ ولكن ابن أخ لي يقال له: أُوَيس، وهو أخملُ ذِكرًا، وأقلُّ مالًا، وأهونُ أمرًا من أن نَرفعُهُ إليك، وإنه ليرعى إبلَنَا، حقيرٌ بين أظهرنا، وإنه بأراكِ عرفات ... ، وذكر تمام الحديث في اجتماع عمر وعليّ به، وهو یرعی الإبل، وسؤالهما إيَّاه / (ق٤١٥) الأَستغفار، وعَرْضهما عليه شيئًا من المال وإبائه عليهما ذلك. وهو حديث يَسبق إلى القلب -بعد النظر وقبله- أنه موضوع، والله أعلم. ٩٩٨- ثم روى الحافظ أبو نعيم (١) من طرق، عن هَرِم بن حيَّان قال: قَدِمْتُ الكوفةَ فلم يكن لي هَمّ إلا أُوَيس أسألُ عنه، فدُفِعتُ إليه بشاطئ الفرات، يتوضَّأ ويغسل ثوبه، فعَرَفتُهُ بالنَّعت، فإذا رجلٌ آدم، محلوقُ الرأس، كَثُّ اللِّحية، مهيبُ المنظر، فسَلَّمتُ عليه، ومَدَدتُ إليه يدي الأُصافِحَهُ، فَأَبَى أن يصافِحَني، فخَنَقَتني العبرةُ لما رأيتُ من حاله، فقلتُ: السَّلام عليك يا أُوَيس، كيف أنت يا أخي؟ قال: وأنت فحيَّاك اللهُ يا هَرِمُ بن حَيَّان، مَن دَلَّك عليَّ؟ قلت: اللهُ ﴾! قال: (١) (٨٤/٢). ١٣١ سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا. قلت: يرحمك الله، من أين عرفتَ أسمي واسمَ أبي؟! فواللهِ ما رأيتُك قظٌ ولا رأيتني. قال: عَرَفَت رُوحي رُوحَكَ حيث كَلَّمَت نفسي نفسَكَ، لأنَّ الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد، وإنَّ المؤمنين يتعارفون بروح الله وإن نَأَت بهمُ الدَّار وتفرَّقت بهم المنازل. قال: قلت: حدِّثني عن رسولِ الله وَلّل بحديث أحفظه عنك، فبكى، وصلَّى على النبيِّ وَّهِ، ثم قال: إنِّي لم أُدرك رسولَ الله وََّ، ولكن قد رأيتُ من رآه، عمرَ وغيرَهُ(١)، ولستُ أحبُّ أن أفتحَ هذا الباب على نفسي، لا أحبُّ أن أكونَ قاصًا (٢)، أو مُفتيًا. / (ق٤١٦) ثم سأله هَرِمُ أن يتلو عليه شيئًا من القرآن، فتلا قولَه تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى عَن مَّوْلَى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُصَرُونَ ﴿ إِلَّا مَن زَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٣). ثم قال: ياهَرِمُ بن حَيَّان، مات أبوك، ويوشك أن تموتَ، فإمَّا إلى جنَّة وإمَّا إلى نار، ومات آدم، وماتت حوَّاء، ومات إبراهيم، وموسى، ومحمد عليهم السلام، ومات أبو بكرٍ خليفة المسلمين، ومات أخي وصديقي وصفيِّي عمر، واعمراه، واعمراه. قال: وذلك في آخر خلافة عمر. قال: قلت: يَرحمك اللهُ، إنَّ عمرَ لم يمت! قال: بلى، إنَّ ربِّي قد نَعَاه لي! وقد علمتُ ما قلتَ، وأنا وأنت غدًا في الموتى، ثم دعا بدعواتٍ خفيفاتٍ ... ، وذَكَر بقيَّة القصّة(٤). (١) زاد في المطبوع: ((وقد بَلَغني عن حديثه كبعض ما يَبلُغُكم)). (٢) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((قاضيًا)). (٣) الدخان: ٤٠ - ٤٢. (٤) قال الذهبي في ((السِّير)) (٢٩/٤): لم تصح، وفيها ما يُنكر. ١٣٢ ٩٩٩- وقال عبد الله بن أحمد (١): ثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا إبراهيم ابن عيَّاش، ثنا ضَمرة، عن أصبغ بن زيد، قال: إنما مَنَع أَوَيسًا أن يَقْدَمَ على النبيِّ وَّ بِرُّهُ بِأُمِّه. ١٠٠٠- وقال عبد الله (٢): ثنا علي بن حكيم، أنا شريك، عن يزيد ابن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى رجلٌ من أهل الشَّام يومَ صِفِّين: أيُّكم أَوَيس القَرَني؟ قال: قلنا: نعم، وما تريدُ منه؟ قال: إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ وَّ يقول: ((أُوَيس القَرَني خيرُ التابعين بإحسانٍ)). وعَطَّف دابَّتَهُ، فدخل مع أصحاب عليٍّ ◌َّ أجمعين. ١٠٠١- وقال أبو نعيم(٣): حدثني أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد(٤)، حدثني أبي وعبيد الله بن عمر قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله بن الأشعث بن / (ق٤١٧) سوَّار، عن مُحارِب بن دِثَار(٥) قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ من أُمَّتي مَن لا يستطيعُ أن يأتِيَ مسجدَهُ أو مُصلَّاهُ من العُرِي، يَحجُزُهُ إِيمانُهُ أن يسألَ الناسَ، منهم أُوَيس القَرَني، وفُرَات بن حيَّان))(٦). ١٠٠٢- قال عبد الله (٧): وحدثني عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو بكر بن (١) في زوائده على ((الزهد)) لأبيه (ص ٤٧٨ رقم ٢٠٢٠) ومن طريقه: أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢/ ٨٧). (٢) ومن طريقه: أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨٦/٢). (٣) في («الحلية)) (٨٤/٢) و(٣٨/٩). (٤) وهو في ((زوائده على الزهد)) لأبيه (ص ٤٧٥ رقم ٢٠١٥). (٦) وفي إسناده: عبد الله بن الأشعث بن سؤَّار: لا يُعرَف، ثم هو مرسل. (٥) ضَبَّب عليه المؤلّف لانقطاعه. (٧) في ((زوائده على الزهد)) لأبيه (ص ٤٨٠ رقم ٢٠٢٣) ومن طريقه: أخرجه أبو نعيم ١٣٣ عيَّاش، عن مغيرة قال: إنْ كان أُوَيسِ القَرَنِي لَيَتَصدَّقُ بثيابه، حتى يجلسَ عريانًا لا يجدُ ما يروحُ فيه إلى الجمعة. ١٠٠٣- وقال أبو زرعة الرازي(١): ثنا سعيد بن أسد بن موسى، ثنا ضَمرة بن ربيعة، عن أصبغ بن زيد قال: كان أُوَيس القَرَني إذا أمسى يقول: هُذِه ليلةُ الرُّكوع، فيَركعُ حتى يُصبحَ، وكان يقول إذا أمسى: هذِهِ ليلةُ السُّجود، فيَسجدُ حتى يُصبحَ، وكان إذا أمسى تَصَدَّق بما في بيته من الفضل من الطَّعام والشَّراب، ثم قال: اللهمَّ مَن مات جوعًا فلا تؤاخذني به، ومَن مات ◌ُريًا فلا تؤاخذني. ١٠٠٤- وقال أبو نعيم(٢): ثنا مَخلد(٣) بن جعفر، ثنا محمد بن جرير، ثنا محمد بن حميد، ثنا زافر بن سليمان، عن شريك، عن جابر، عن الشَّعبي قال: مَرَّ رجلٌ من مُراد على أُوَيس القَرَني، فقال: كيف أصبحتَ؟ قال: أصبحتُ أحمدُ اللهَ وَت. قال: كيف الزَّمانُ عليك؟ قال: كيف الزَّمانُ على رجلٍ إنْ أصبحَ ظنَّ أنَّه لا يُمسِي، وإنْ أمسى ظنَّ أنَّه لا يُصبحُ، فمُبشَر بالجنَّة، أو مُبشّر بالنَّار، يا أخا مُراد، إنَّ الموتَ وذِكرَه لم يترك لمؤمنٍ / (ق٤١٨) فَرَحًا، وإنَّ عِلمَهُ بحقوق الله لم يترك له في ماله فضَّةً ولا ذَهَبًا، وإنَّ قيامَه للهِ بالحقِّ لم يترك له صديقًا. ١٠٠٥- وقال الهيثم بن عدي (٤): ثنا عبد الله بن عمرو بن مُرَّة، عن في ((الحلية)) (٨٤/٢). (١) ومن طريقه: أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨٧/٢). (٢) (٨٣/٢). (٣) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((محمد)). (٤) ومن طريقه: أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في ((زوائده على الزهد)) لأبيه (ص ٤٨٠ رقم ٢٠٢٤) وأبو نعيم في «الحلية)) (٢/ ٨٣). ١٣٤ أبيه، عن عبد الله بن سَلَمة، قال: غَزَونا أذربيجان زمنَ عمرَ بن الخطاب ومعنا أُوَيس القَرَني، فلمَّا رَجَعنا مَرِضَ علينا، فحَمَلناه، فلم يَستمسِك فمات، فنزلنا، فإذا قبر محفورٌ، وماءٌ مسكوبٌ، وكَفَرٍّ، وحَنُوطُ (١)، فغَسَّلناه، وكَفَّنَّاه، وصَلَّينا عليه، ودَفَنَّاه، فقال بعضنا لبعض: لو رَجَعنا فعَلَّمنا قبرَه، فرَجَعنا، فإذا لا قبرٌ ولا أثرٌ. فهذا مخالف للخبر الذي تقدَّم من أنَّه كان بصِفِّين، وهو أصحُّ من هُذا، فإنَّ الهيثم بن عدي أخباري ضعيف، وزَعَم بعضهم أنَّه مات بالحيرة. وقيل: بصِفِّين، والله أعلم. والغرض أنَّ هُذِه الآثار والأخبار تدلُّ على اشتهار وجوده في التابعين، مع ما تقدَّم من الحديث في ((صحيح مسلم))، والله أعلم. وقد وقع لنا حديثٌ من رواية أُوَيس، عن النبيِّ ◌َّ، مرسلًا، وهو ما أخبرني به شيخنا الحافظ أبو الحجّاج المزِّي: ١٠٠٦- أنا ابن أبي الخير سماعًا، أنا أبو المكارم أحمد بن محمد ابن اللَّبَّان إجازة، أنا أبو علي بن الحدَّاد، أنا الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في ((الحلية))(٢) قال: ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى، حدثني أحمد بن معاوية بن الهذيل، ثنا محمد بن أبان العَنْبري، ثنا عمرو -شيخ كوفي-، عن أبي سِنَان / (ق٤١٩) قال: سَمِعتُ حميدَ بن صالح، سَمِعتُ أُوَيسًا القَرَني يقول: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((احفظُونِي في أصحابي، فإنَّ من أشراطِ الساعةِ أن يلعَنَ آخرُ هُذِهِ الأُمَّةِ أوَّلَها، وعند ذلك يَقَعُ المقتُ (١) الحنوط: ما يُخلط من الطّيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة. ((النهاية)) (٤٥٠/١). (٢) (٨٦/٢-٨٧). ١٣٥ على الأرضِ وأهلِها، فمن أدركَ ذلك فليَضَع سيفَهُ على عاتِقِه، ثم لِيَلقَ ربَّه تعالى شهيدًا، فمن لم يفعلْ فلا يلومنَّ إلا نفسَهُ)). هذا حديث مرسل غريب(١)، وإسناده إليه غريب - أيضًا-، إلا أنه من الأسانيد العزيزة، والله أعلم. (١) وقال الذهبي في ((السِّير)) (٣١/٤): هذا حديث منكر جدًّا، وإسناده مظلم، وأحمد ابن معاوية تالف. تنبيه: جاء بحاشية الأصل ما نصُّه: قرأت جميع ترجمة أُويس على المؤلف، وذلك في سنة ٧٧١. كَتَبه محمد الجَزَري. ١٣٦ أثر فيه فضيلة لأبي مسلم الخَوْلانِي تَخْدَّهُ ١٠٠٧- قال الشيخ أبو عمر ابن عبد البر في ((استيعابه))(١): ثنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا أحمد بن زُهَير، ثنا عبد الوهاب بن نَجدة الحَوْطي، ثنا إسماعيل بن عيَّاش، ثنا شُرَحبيل بن مسلم الخَوْلاني: أنَّ الأسود بن قيس بن ذي الخمار تنبّأَ باليمن، فبعث إلى أبي مسلم، فلمَّا جاء، قال: أتشهد أنِّي رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله؟ قال: نعم. فردّد عليه، كلُّ ذلك يقول له مثل ذلك. قال: فَأَمَر بنار عظيمة، فأُجِّجت، ثم ألقى فيها أبا مسلم فلم تضرَّه، قال: فقيل له: أَنفِهِ عنك، وإلا أفسدَ عليك مَن أَتَّبعك. قال: فَأَمَره بالرَّحيل، فأتى أبو مسلم المدينةَ، وقد قُبض رسولُ اللهِ وََّ، واستُخلِفَ أبو بكرٍ ◌َُه، فأناخ أبو مسلم راحلتَهُ بباب المسجد ودخل المسجدَ، وقام إلى سارية يصلّي، وبَصُر به عمرُ بن الخطاب رضُّه، فقام إليه، فقال: ممَّن الرَّجل؟ قال: من أهل اليمن. قال: ما فَعَل الرَّجلُ الذي أَحرَقَهُ الكذَّاب بالنَّار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثُوَب. قال: أنشدُك بالله أنت هو؟ قال: اللهمَّ نعم. قال: فاعتَنَقَّهُ عمرُ وبكى، ثم ذهب حتى أجلَسَهُ بينه وبين أبي بكرٍ، وقال: الحمدُ لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أمَّة محمد وََّ مَن فُعِلَ به كما فُعِلَ بإبراهيمَ خليلِ اللهِ عَلَلاَ. هُذا وإن كان فيه انقطاع، إلا أنه مشهور(٢). (١) (١٢/ ١٤٧ - بهامش الإصابة). (٢) وقال الذهبي في ((السِّير)) (٩/٤): رواه عبد الوهاب بن نَجدة، وهو ثقة، عن إسماعيل، لكن شُرَحبيل أرسَلَ الحكايةَ. ١٣٧ أثر آخر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى فيه ذِكر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز تَظُّهُ ومدحه والثّناء عليه ١٠٠٨- قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب ((دلائل النبوة))(١): أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو حامد أحمد بن علي المقرئ، ثنا أبو عيسى الترمذي، ثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عفَّان بن مسلم، ثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق، عن جُوَيرية بن أسماء، عن نافع(٢) قال: بَلَغنا أنَّ عمرَ ابن الخطاب قال: إنَّ من ولدي رجلًا بوجهه شَينٌ يَلِي، فيملأُ الأرضَ عدلًا. قال نافع من قِبَلِهِ: ولا أَحسَبُهُ إلا عمرَ بن عبد العزيز. إسناده صحيح إلى نافع، وهو منقطع بينه وبين عمر، والظاهر أنه سَمِعَه من ابن عمرَ، عن عمرَ، فقد روى البيهقي -أيضًا -(٣) من حديث مبارك بن فَضَالة، عن عبيد الله، عن نافع قال: سَمِعتُ ابن عمر يقول كثيرا: ليتَ شِعري، مَن هذا الذي مِن وَلَدِ عمرَ بن الخطاب في وجهِهِ علامةٌ، يملأُ الأرضَ عدلًا؟! ثم قال الترمذي / (ق٤٢٠) في ((التاريخ)) أيضًا (٤): ثنا أحمد بن إبراهيم، أخبرني أبو داود، ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة، أنا عبد الله بن دينار، قال: قال ابن عمر: ياعجبًا، يَزعمُ الناسُ أنَّ الدُّنيا لن (١) (٦ / ٤٩٢). (٢) ضَبَّب عليه المؤلِّف لانقطاعه بين نافع وعمر. (٣) في الموضع السابق (٤٩٢/٦). (٤) ومن طريقه: أخرجه البيهقي في الموضع السابق. ١٣٨ تنقضي حتى يَلِيَ رجلٌ من آل عمرَ، يَعملُ مثلَ عملِ عمرَ. قال: فكانوا يرونه بلال بن عبد الله بن عمر، وكان بوجهه (١)، فإذا هو عمر بن عبد العزيز، وأمه ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب رضيُها. فلنذكر شيئًا من ترجمة أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن عبد العزيز(٢)، لِيُعرَفَ محلَّه من الدِّين، وسبب اتّفاق الكلمة على الثَّناء عليه من السَّلف والخلف، فنقول، وبالله المستعان: هو أميرُ المؤمنين أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأُموي المدني ثم الدِّمشقي، الإمامُ العادل، والخليفةُ الصالح، المطيعُ للهِ ورسولِهِ رَضِيَ الله عَنْه وأرضاه. وأُمُّه أُمُّ عاصم حفصة - وقيل: ليلى- بنت عاصم بن عمر بن الخطاب نظُبه. قاله محمد بن سعد كاتب الواقدي وغيره. وكان من التابعين بإحسان. روى عن أنس بن مالك، وصلَّى أنسٌ خلفه، وقال: ما رأيتُ أحدًا أشبَهَ صلاةً برسول الله وَله من هذا الفتى. وعن الرَّبيع بن سَبرة بن مَعبد الجُهَني (م) والسَّائب بن يزيد، وسعيد بن المسيَّب -وكان لا يُجاوِزُ فتياه لمَّا / (ق٤٢١) كان نائبًا على المدينة- واستَوهَب من سهل بن سعد السَّاعدي قَدَحًا شَرِبَ منه رسولُ اللهِ بَّهَ، فوَهَبَهُ له، وعن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، وعبد الله بن إبراهيم بن قارِظ (م س)، ويقال: إبراهيم بن عبد الله ابن قارِظ (م)، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب (د سي ق)، وعروة بن الزُّبَير (م س)، وعُقبة بن عامر الجُهَني (ت) -يقال: مرسل-، ومحمد بن (١) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((وكان بوجهه أثر)). (٢) هُذِه الترجمة منقولة من ((تهذيب الكمال)) (٤٣٢/٢١ - ٤٤٦) وفيها زيادات. ١٣٩ عبد الله بن الحارث بن نوفل، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومات قبله، ونوفل بن مُساحق العامري، ويحيى بن القاسم بن عبد الله بن عمرو ابن العاص، ويوسف بن عبد الله بن سلام (د)، وأبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام (ع)، وأبي سَلَمة بن عبد الرحمن بن عوف (س)، وخولة بنت حكيم (ت) -مرسل -. وروى عنه: إبراهيم بن أبي عَبْلة (م)، وإبراهيم بن يزيد النصري، وإسماعيل بن أبي حكيم، وأيوب السَّخْتياني (د)، وتمَّام بن نَجيح، وتَوبة العَنْبري، ومولاه ثَرْوان أبو علي، والحكم بن عمر الرُّعَيني، وحميد الطّويل، ورجاء بن حَيوة، ورُزَيق بن حيَّان الفَزَاري، ورَوْح بن جَنَاحِ، وأخوه زَبَّان بن عبد العزيز بن مهران، وزياد بن حبيب، وسليمان بن داود الخَوْلاني، وصالح بن محمد زائدة أبو واقِد اللَّيثي الصَّغير (ق)، وصخر ابن عبد الله بن حَرمَلَة المدلجي، وابنه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وعبد الله بن محمد العَدَوي، وابنه عمر بن عبد العزيز، وعبد الملك / (ق٤٢٢) بن الظُفيل الجَزَري (س) - فيما كَتَب إليهم- وعثمان بن داود الخَوْلاني، وعمر بن عبد الملك الكناني، وعمرو بن عامر الأسدي والد أسد بن عمرو القاضي، وعمرو بن مهاجر (ي)، وعمير بن هانئ العَنْسي، وعَنْبسة بن سعيد بن العاص (خ م) - قوله في القَسَامة- وعيسى بن أبي عطاء الكاتب، وغَيْلان بن أنس (ي)، وكاتبه ليث بن أبي رُقِيَّة الثَّقَفي (خد)، وأبو هاشم مالك بن زياد الحمصي، ومحمد بن الزُبير الحنظلي (مد)، ومحمد بن أبي سُوَيد الثَّقَفي (ت)، وقاصُّه محمد بن قيس (س)، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري (م س) -وهو من شيوخه-، ومحمد بن المنكدر، ومروان بن جَناح، ومسلمة بن عبد الله ١٤٠ الجُهَني، وابن عمِّه مسلمة بن عبد الملك بن مروان، والنَّضر بن عربي (د)، وكاتبه نعيم بن عبد الله بن همام القَيْني (س)، ونوفل بن الفُرَات، ومولاه هلال أبو طعمة (د سي ق)، والوليد بن هشام المُعَيطي (خد)، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، ويعقوب بن عُتبة بن المغيرة بن الأخنس (د)، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (ع)، وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن (م س) -وهو من شيوخه- وأبو الصَّلت(د). ذَكَرِه الإمام محمد بن سعد(١) كاتب الواقدي في الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة، قال: وأُمُّه أُمُّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. قالوا: وُلِدَ في سنة ثلاث وستين، وهي السَّنة التي ماتت فيها ميمونة أُمِّ المؤمنين. قال: وكان ثقة مأمونًا، له فقه وعلم ووَرَع، وروى حديثًا كثيرًا، وكان إمام عدل. / (ق٤٢٣) وقال الفلَّاس وخليفة: وُلِدَ سنة إحدى وستين. وهذا هو المشهور. قال الفَلَّاس: ومات يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة إحدى ومائة. وكذا قال أبو نعيم الفضل بن دُكَين، وأبو مُسْهِر الغَسَّاني، وغير واحد أنه مات في رجب سنة إحدى ومائة. وزَعَم الهيثم بن عدي أنه مات سنة اثنتين ومائة، وليس بشيء. (١) في ((الطبقات الكبرى)) (٣٣٠/٥).