النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
حديث في النهي عن الاحتكار
٤٠٣- قال الإمام أحمد(١): ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا الهيثم
ابن رافع الطّاطَري، حدثني أبو يحيى -رجل من أهل مكة-، عن فَرُّوخ
مولى عثمان: أنَّ عمرَ -وهو يومئذٍ أميرُ المؤمنين - خَرَج إلى المسجد،
فرأى طعامًا منثورًا، فقال: ما هذا الطعامُ؟ فقالوا: طعامٌ جُلِبَ إلينا. قال:
بارك اللهُ فيه، وفيمن جَلَبَهُ. قيل: يا أميرَ المؤمنين، فإنَّه قد احتُكِرَ. قال:
ومَن أَحتَكَرَهُ؟ قالوا: فَرُّوخ مولى عثمان وفلان مولى عمر، فأَرسَلَ إليهما،
فدعاهما، فقال: ما حَمَلكُما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أميرَ
المؤمنين، نشتري بأموالنا ونبيعُ. فقال عمرُ نَظُهُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ وَل
يقول: ((مَن أحتَكَرَ على المسلمين طعامَهم ضَرَبَهُ اللهُ وَ بالإفلاسِ
أو بِجُذَامٍ)). فقال فَرُّوخٍ عند ذلك: يا أميرَ المؤمنين، أُعاهدُ اللهَ وأُعاهِدُك
ألا أعودَ في طعام أبدًا. وأما مولى عمر، فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيعُ.
قال أبو يحيى: فلقد رأيتُ (ق١٥٤) مولى عمرَ مجذومًا.
وقد رواه ابن ماجه(٢) -مختصرًا-، عن يحيى بن حكيم، عن أبي بكر
الحنفي، عن الهيثم بن رافع، به، ولفظه: (( مَن أُحتَكَرَ على المسلمين
طعامَهم، ضَرَبَهُ اللهُ بالجُذَامِ والإفلاسِ)).
ورواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان،
عن القَوَاريري، عن الهيثم الطَّاطَري قال: حدثنا أبو يحيى مولى عمر
ابن الخطاب -وكان قد أدرك عمر -: أنَّ عمرَ قال: سَمِعتُ رسولَ الله
(١) في ((مسنده)) (٢١/١ رقم ١٣٥).
(٢) في ((سننه)) (٧٢٨/٢ رقم ٢١٥٥) في التجارات، باب الحُكرة والجَلَب.

٢٢
يقول: ((مَن أَحتَكَرَ على المسلمين طعامَهم، ضَرَبَهُ اللهُ بجُذَامٍ، أو
بإفلاسٍ))(١).
هكذا وَجَدتُهُ، ليس فيه ذِكر فَرُّوخ، فالله أعلم.
طريق أخرى :
٤٠٤- قال علي ابن المديني: ثنا محمد بن عبد الله الأسدي، أنا
إسرائيل، عن علي بن سالم بن ثوبان، عن علي بن زيد، عن سعيد بن
المسيَّب، عن عمرَ، عن النبيِّ وَّه قال: ((الجالِبُ مرزوقٌ، والمُحتَكِرُ
ملعونٌ))(٢).
ثم قال: هذا حديث كوفي، ضعيف الإسناد، منكر، مع أنَّه منقطع من
قِبَل سعيد بن المسيَّب، وقد روي عن عمرَ قوله في الحكرة من طريق
أخرى.
(١) ومن هذا الوجه: أخرجه ابن أبي الدُّنيا في ((إصلاح المال)) (ص ٢٦٨ رقم ٢٦٣)
وأبو يعلى في ((مسنده الكبير))، كما في ((إتحاف الخيرة)) للبوصيري (٢٨١/٣ رقم
٢/٢٧٤٥) عن عبيد الله بن عمر الجُشَمي، عن الهيثم الطَّاطَري، به.
ومداره على أبي يحيى المكِّي، وقد قال عنه الذهبي في ((الميزان)) (٥٨١/٤ رقم
١٠٧٣٢): لا يُعرَف، والخبر منكر.
وممن جزم بنكارة هذا الخبر الإمام أبو داود، كما في ((سؤالات الآجري)) (٩٢/٢
رقم ١٢٢٧) والبوصيري في («إتحاف الخيرة(.
وخالف الضياء المقدسي، فأخرجه في ((المختارة)) (٣٧٩/١ رقم ٢٦٣) مصحّحًا
له، وحسَّنه الحافظ في ((الفتح)) (٣٤٨/٤)!
(٢) وأخرجه -أيضًا - ابن ماجه (٧٢٨/٢ رقم ٢١٥٣) في الموضع السابق، والدارمي
(١٦٥٧/٣ رقم ٢٥٨٦) في البيوع، باب في النهي عن الاحتكار، والحاكم
(١١/٢) والعقيلي (٣٣٢/٣) وابن عدي (٢٠٣/٥) والبيهقي (٣٠/٦) من طريق
إسرائيل، به.

٢٣
قلت: هُذِهِ الطريق تقوى بالأولى، كما أنَّ تلك تقوى بهذِه، فيُحسَّن
الحديث(١)، والله أعلم.
وأما ما روي عن عمرَ من قوله:
٤٠٥- فقال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا(٢): ثنا علي بن الجَعْد(٣)، ثنا ابن
أبي ذِئب، عن كثير (٤)، عن سعيد بن المسيَّب قال: قال عمرُ بن الخطاب:
نِعِمَ الرَّجلُ فلانٌ لولا بيعُهُ. قلت لسعيد: وما كان يبيعُ؟ قال: / (ق١٥٥)
الطعام. قلت: وببيعِ الطعام بأسٌ؟(٥) قال: ما بَاعَهُ رجلٌ إلا وَجَدَ للناسِ.
أثر آخر :
٤٠٦- قال الترمذي(٦): ثنا عباس بن عبد العظيم، ثنا ابن مهدي، ثنا
(١) في هذا نظر؛ لأن الحديث الأوَّل: منكر، -كما قال أبو داود وغيره-، والثاني:
منكر، - كما قال ابن المديني-، وما كان بهذه المثابة فلا يتقوى.
(٢) في ((إصلاح المال)) (ص ٢٦٤ رقم ٢٥٤).
(٣) وعنه: أخرجه أبو القاسم البغوي في ((الجعديات)) (١٠٠٨/٢ رقم ٢٩٢٠).
(٤) كذا ورد في الأصل، ومطبوع ((إصلاح المال)). وفي ((الجعديات)): ((عبيد بن
سلمان))، وهو الصواب الموافق لما في كُتُب الرجال.
وعبيد هذا: ذكره البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٤٤٢/٥ رقم ١٤٣٩) وقال: حديثه
لا یصحُ.
لكن قال أبو حاتم، كما في ((الجرح والتعديل)) (٤٠٧/٥ رقم ١٨٨٨): لا أعلم في
حديثه إنكارًا، يحوَّل من كتاب ((الضعفاء)) الذي ألَّفه البخاري.
وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق.
وانظر: ((تهذيب الكمال)) (٢١١/١٩-٢١٢).
(٥) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((والذي يبيع الطعام باغ؟!)).
(٦) في ((جامعه)) (٢/ ٣٥٧ رقم ٤٨٧) في الصلاة، باب ما جاء في فضل الصلاة على
النبيِّ وَّة.

٢٤
مالك(١)، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال عمرُ
تَُّهُ: لَا يَبَعْ في سُوقنا هذا إلا مَن تَفَقَّه في الدِّين.
هكذا ذَكَره الترمذي في كتاب الصلاة من ((جامعه))، في باب فضل
الصلاة على النبيِّ قَلّ.
وهو إسناد حسن صحيح.
(١) وهو في ((الموطأ)) (ص ٢٨٣ - رواية محمد بن الحسن).

٢٥
أثر في التّسعير
٤٠٧- قال أبو يحيى المُزَني (١): ثنا أبو عبد الله الشافعي، ثنا
الدَّرَاوَردي، عن داود بن صالح الثَّمَّار، عن القاسم بن محمد، عن
عمرَ: أنَّه مَرَّ بحاطبٍ بسوقُ المُصلَّى، وبين يديه غِرَارَتان(٢) فيهما
زبيب، فسأله عن سِعرهما، فسَعَّر له مُدَّين بكل درهم، فقال له عمر:
قد حُدِّثتُ بعيرٍ مُقبلةٍ من الطائفِ تَحملُ زبيبًا، وهم يعتبرون بسعرٍكَ،
فإما أن ترفعَ في السِّعر، وإما أن تُدخِلَ زبيبكَ البيتَ فتَبيعُهُ كيف شئتَ.
فلمَّا رجع عمرُ حاسَبَ نفسَهُ، ثم أتى حاطبًا في داره، فقال له: إنَّ الذي
قلتُ ليس بعزمةٍ منيٍّ ولا قضاءً، إنما هو شيء أردتُ به الخيرَ لأهل البلد،
فحيثُ شئتَ فَبِعْ، وكيف شئتَ فَبِعْ.
وقد رواه ابن وهب(٣)، عن مالك(٤)، عن يونس بن يوسف، عن
سعيد بن المسيَّب قال: مَرَّ عمرُ (ق١٥٦) بن الخطاب على حاطب بن
أبي بَلتَعة وهو يبيعُ زبيبًا بالسُّوق، فقال له عمر: إمَّا أنْ تزيدَ في السعر،
وإمَّا أنْ ترفعَ من سوقِنا.
(١) في مختصره المسمَّى ((مختصر المُزَني)) (ص ٩٢).
وهو منقطع بين القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّديق وعمر.
(٢) الغِرَارة: واحدة الغرائر التي للتبن. ((لسان العرب)) (٤٦/١٠ - مادة غرر).
(٣) ومن طريقه: أخرجه البيهقي (٢٩/٦).
(٤) وهو في ((الموطأ)) (٢/ ١٨٠) في البيوع، باب الحُكرة والتربص.
وإسناد رجاله ثقات، علَّته الخلاف في سماع ابن المسيَّب من عمر.

٢٦
حديث يُذكر في كتاب الصُّلح،
فيه الدِّلالة على جواز أن يشرع الرَّجل ميزابًا
إلى الطريق النافذة
٤٠٨- قال الإمام أحمد(١): ثنا أسباط بن محمد، ثنا هشام بن سعد،
عن عبيد الله بن عباس قال: كان للعباسِ ميزابٌ على طريق عمرَ، فَلَبِسَ
عمرُ ثيابَه يومَ الجمعةِ، وقد كان ذُبحَ للعباس فَرْخَانٍ، فلمَّا وافَى الميزابَ
صُبَّ ماءٌ بدم الفَرْخين، فأصاب عمرَ، فأمر عمرُ بِقَلْعِهِ، ثم رجع، وطَرَحَ
ثيابَهُ، ولَبِسَ ثيابًا غيرَ ثيابِهِ، ثم جاء، فصلَّى بالناس، فجاءه العباسُ،
فقال: والله إنَّه لَلْموضعُ الذي وَضَعَهُ فيه رسولُ الله ◌َّهِ. فقال عمرُ
للعباس: وأنا أَعزِمُ عليك لما صَعَدتَ على ظَهْري حتى تَضَعَهُ في
الموضعِ الذي وَضَعَهُ فيه رسولُ الله ◌َلِ(٢) .
(١) في ((مسنده)) (٢١٠/١ رقم ١٧٩٠) وفي ((فضائل الصحابة)) (٩٢٠/٢-٩٢١
رقم ١٧٦١) -ومن طريقه: أخرجه الضياء في ((المختارة)) (٣٩٠/٨-٣٩١ رقم
٤٨٢) -.
وأخرجه - أيضًا - ابن سعد (٤/ ٢٠) والرويَاني في «مسنده)) (٣٥٠/٢ رقم ١٣٣٢)
من طریق أسباط بن محمد، به.
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٠٦/٤): رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أن هشام بن
سعد لم يسمع من عبيد الله.
وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١/ ٤٦٥ رقم ١٣٩٨): سألت أبي عن حديث رواه
السَّقَطي، عن أسباط بن محمد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم. وعن عبد الله
ابن عبيد الله بن عباس، عن أبيه (فذكره). قال: قال أبي: هذا خطأ، الناس
لا یقولون هكذا.
(٢) زاد في المطبوع: ((ففعل ذلك العباسُ

٢٧
٤٠٩- ورواه أبو داود في ((المراسيل)) (١)، عن أحمد بن عَبدة، عن
(١) (ص ٢٩٣ رقم ٤٠٦).
وأخرجه -أيضًا - عبد الرزاق (٢٩٢/٨ رقم ١٥٢٦٤) عن سفيان، لكن جعله عن
موسى بن أبي عيسى أو غيره، قال: نَزَعَ عمرُ بن الخطاب مِيزابًا ... ، فذكره،
بنحوه.
وله طرق أخرى:
منها: ما أخرجه الحاكم (٣٣١/٣) من طريق أبي يحيى الضرير زيد بن الحسن
البصري، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّه، عن عمرَ، بمعناه.
قال الحاكم: لم نكتبه إلا بهذا الإسناد، والشيخان لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد
بن أسلم.
قال الشيخ الألباني في ((الإرواء)) (٢٥٨/٥): كيف؟! وهو متروك شديد الضعف،
فراجع ترجمته ونماذج من أحاديثه في المجلد الأول من كتابنا ((سلسلة الأحاديث
الضعيفة والموضوعة)) مستعينًا على ذلك بفهرسته، ثم إن زيد بن الحسن هذا، قال
الذهبي: ((حدَّث عن مالك بمناكير، ولا يُدرى من هو؟)) وذَكَر الحافظ في ((اللسان))
تضعيفه عن الدارقطني، والحاكم أبي أحمد، وأبي سعيد بن يونس. اهـ
ومنها: ما أخرجه ابن سعد (٢٠/٤) والبيهقي (٦٦/٦) من طريق عبيد الله بن
موسى، عن موسى بن عُبيدة، عن يعقوب بن زيد: أنَّ عمرَ بن الخطاب خَرَج يوم
جمعة، فذكره، بنحوه.
قال الشيخ الألباني في «الإرواء)) (٢٥٦/٥): وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ يعقوب بن
زِيد جُلُّ روايته عن التابعين، ولم يذكروا له رواية عن أحد من الصحابة سوى أبي
أُمَامة بن سهل، وهو صحابي صغير، لم يَسْمع من النبيِّ بَّ شيئًا. وموسى بن
عُبيدة: متروك. قال الذهبي في ((الضعفاء)): ضعَّفوه، وقال أحمد: لا تحل الرواية
عنه. اهـ
ومنها: ما أخرجه الحاكم (٣٣٢/٣) من طريق شعيب الخراساني، عن عطاء
الخراساني، عن سعيد بن المسيب: أنَّ عمرَ ... ، فذكره، بنحوه.
قال الشيخ الألباني في «الإرواء» (٢٥٧/٥): وهذا إسناد ضعيف؛ شعیب هذا هو
ابن رزيق، وهو أبو شيبة الشامي، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يُعتَبَر حديثه

٢٨
سفيان، عن أبي هارون المدني قال: كان في دارٍ العباسِ ميزابٌ نُصِبَ في
المسجدِ، فجاء عمرُ فقَلَعَهُ ... ، الحديث.
وهذا الحديث أليق بمسند العباس، وإنما قدَّمناه ههنا لتصديق عمر
إيّاه على ذلك.
من غير روايته عن عطاء الخراساني، وهُذِه من روايته عنه، فلا يُعتَبَر بها،
ولا يُستَشهد. وقال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق يخطئ)). وعطاء الخراساني،
هو: ابن أبي مسلم، قال الحافظ: ((صدوق، يَهِم كثيرًا، ويرسل، ويدلِّس)). ثم هو
منقطع، فإن سعيد بن المسيَّب لم يُدرك القصة. وقال الحافظ في ((التلخيص الحبير))
(٤٥/٣): ورواه البيهقي من أوجه أخر ضعيفة أو منقطعة ... ، وأورده الحاكم في
((المستدرك))، وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. اهـ
قلت: ولا يخفاك أن هُذِه الروايات الضعيفة والمنقطعة والمنكرة لا تصلح للتقوية،
وهذا خلاف ما ذهب إليه محقِّقو ((مسند الإمام أحمد)) (٣٠٩/٣ - ط مؤسسة
الرسالة)، ومحقِّق ((فضائل الصحابة)) من تحسينهم لهذا الأثر، اعتمادًا على هذِه
الروايات، كما قد فاتهم ذِكر إعلال أبي حاتم للرواية الأولى، وتضعيف الحافظ
ابن حجر.

٢٩
أثر في الفَلَس والحَجْرِ على المبذّر
٤١٠- قال الإمام مالك(١): عن عمرَ بن عبد الرحمن بن دِلاَف
المُزَني، عن أبيه: أنَّ عمرَ قال: أمَّا بعدُ، أيها الناسُ، فإن الأُسَيفعَ
أُسَيفعُ جُهَينةَ، رَضِيَ من دِينِهِ وأمانتِهِ بأن يقال: سَبَقَ الحاجّ،
ألا وإنّه أدَّان مُعرِضًا، فأصبحَ قد رِينَ به، فمَن كان له دَينٌّ فليأُتنا
بالغداة، نَقِسمُ مالَهُ بين غُرمائِهِ، ثم وإِيَّاكم والدَّينَ، فإنَّ أوَّله هَمٌّ،
وآخرَهُ حَرَبٌ(٢).
ورواه أبو عبيد(٣)، عن أبي النَّضر، عن عبد العزيز بن عبد الله،
(١) في ((الموطأ)) (٣١٩/٢) في الوصية، باب جامع القضاء وكراهيته.
(٢) الحَرَب: كذا ضبطه المؤلّف بفتح الراء، ومعناه: الخصومة والغضب. أنظر:
((النهاية)) (٣٥٩/١
(٣) في ((غريب الحديث)) (١٦٨/٤).
وهذا الأثر يَرويه عمر بن عبد الرحمن بن عطية بن دِلاف، وقد اختُلف عليه:
فقيل: عنه، عن أبيه، عن عمر!
وقيل: عنه، عن أبيه، عن جدِّه، عن عمر!
وقيل: عنه، عن أبيه، عن بلال بن الحارث، عن عمرَ!
وقيل: عنه، عن عمر!
وقيل: عن أيوب، نبِّئت عن عمرَ!
أما الوجه الأول: فأخرجه مالك، كما تقدم. وعبد الرزاق، كما في ((التلخيص
الحبير)) (٤٢/٣) عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد. وعمر بن شبَّة في ((تاريخ المدينة))
(٧٦٦/٢ - ٧٦٧) من طريق عبيد الله بن عمر. ثلاثتهم (مالك، وزياد بن سعد،
وعبيد الله) عن عمرَ بن عبد الرحمن بن دِلاف المُزَني، عن أبيه: أنَّ رجلًا من جُهَينة
... ، فذكره.
وهذا منقطع، كما قال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (٤٠/٣).
وأما الوجه الثاني: فأخرجه الدارقطني في ((غرائب مالك))، كما في ((التلخيص

٣٠
عن(١) أبي سَلَمة، عن ابن دِلاف، عن عمرَ، به.
الحبير)) (٤١/٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن عمرَ بن
عبد الرحمن، به.
قال الدارقطني: رواه ابن وهب عن مالك، فلم يقل في الإسناد: ((عن جدِّه)).
وأما الوجه الثالث: فأخرجه ابن أبي شيبة (٥٣٧/٤ رقم ٢٢٩٠٥) في البيوع، باب
في رجل يركبه الدَّين، عن ابن إدريس. والبلاذُري في ((أنساب الأشراف))
(ص ٢٠٢ - ٢٠٣) من طريق محمد بن عبيد الطَّنَافِسي. كلاهما (ابن إدريس،
والطَّنَافِسي) عن عبيد الله بن عمر، عن عمرَ بن عبد الرحمن بن دِلاف، عن أبيه، عن
عمِّ أبيه بلال بن الحارث ... ، فذكره.
وقد توبع عبيد الله بن عمر على هذا الوجه، تابَعَه زُهَير بن معاوية، وعَبدة بن
سليمان، وأبو حمزة، كما في ((علل الدارقطني)) (١٤٧/٢)، وخالَفَهم يحيى
القطان، فرواه عن عبيد الله بن عمر، عن عمرَ بن عبد الرحمن بن عطية، عن عِّه،
عن بلال بن الحارث.
قال البخاري في «التاریخ الكبير» (١٧٢/٦): ولا يُتابع فيه بلال.
وقال الدارقطني في ((العلل)): والقول قول زُهَير، ومن تابَعَه عن عبيد الله.
وأما الوجه الرابع: فأخرجه أبو عبيد، كما ذكره المؤلِّف.
وأما الوجه الخامس: فأخرجه عبد الرزاق، كما في ((التلخيص الحبير)) (٤٢/٣) عن
معمر، عن أيوب ... ، فذكره.
قلت: وعلى الوجه الذي رجَّحه الدارقطني، يكون الأثر ضعيفًا؛ لأن والد
عبد الرحمن بن عطية بن دِلاف مجهول الحال، فقد أورده ابن أبي حاتم في ((الجرح
والتعديل)) (٢٧٢/٥ رقم ١٢٩٢) وابن حبان في ((الثقات)) (٦٦/٧) ولم يَذكرا له
راويًا سوى بكر بن سوادة، زاد ابن حبان: يروي المراسيل.
قال الشيخ الألباني في «الإرواء)) (٢٦٢/٥): وعلى هذا؛ فالأثر منقطع.
قلت: وأما ابنه فثقة، وثّقه ابن المديني، كما في ((سؤالات محمد بن عثمان بن أبي
شيبة)) (ص ١٠٣ رقم ١١٤).
(١) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((ابن))، وهو الصواب الموافق لما في كُتُب
الرجال. انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٣٤٣/٦).

٣١
=
قال: أَدَّان مُعرِضًا: أي: استعرَضَ الناسَ، فاستَدَانَ ممَّن أمكنَهُ.
وقوله: وقد رِينَ به: أي: وَقَع فيما لا يَستطيعُ الخروجَ منه، ولا قِبَلَ
له به.
قال أبو عبيد: وهذا مذهب أهل الحجاز، وبه كان يحكم أبو يوسف،
وأما أبو حنيفة، فقال: يُحبس أبدًا، أو يقضي دينه.
أثر آخر :
٤١١- قال إسحاق بن راهويه(١): أنا الوليد بن مسلم، عن ابن
جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه. وعن أبي الزِّناد، عن
عبد الله بن عامر بن ربيعة وغيرهم: أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ ظُهما كانا
يَستحلفانِ المعسرَ باللهِ ما يَجِدُ مالًا يقضيه من عَرْضٍ (٢) ولا قرضٍ
- أو قال: ناضٌ(٣) -، ولئن وَجَدتَ من حيثُ لا يعلمُ لَتَقضينَّهُ، ثم
يُخلِّيانِ سبيلَهُ.
(١) ليس في القسم المطبوع من ((مسنده))، ومن طريقه: أخرجه البيهقي (٥٣/٦).
(٢) العَرْض: المتاع. ((المصباح المنير)) (ص ٣٢٩ - مادة عرض).
(٣) النَّاضُ: الدراهم والدنانير. ((القاموس المحيط)) (ص ٦٥٥ - مادة نضض).

٣٢
أثر يُذكر في باب الحَجْر على اليتيم
٤١٢- قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا (١): ثنا أبو خيثمة، ثنا وكيع، عن
سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب قال: قال عمرُ
نَظُله : إنِّي أَنزَلتُ نَفْسي من هذا المال بمنزلةِ والي اليتيم، إنْ أُسْتَغْنَيْتُ
اُستَعِفَقْتُ، (ق١٥٧) وإن أُحتَجتُ أَستَقْرَضتُ، فإذا أَيسَرتُ قَضَيتُ.
طريق أخرى :
٤١٣- قال سعيد بن منصور (٢): ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق،
عن البراء (٣) قال: قال لي عمر: إنِّي أَنزَلتُ نَفْسي من مالِ اللهِ بمنزلةٍ والي
اليتيم، إنْ أُحتَجتُ أَخَذتُ منه، فإذا أَيسَرتُ رَدَدْتُه، وإن أُستَغْنَيتُ
أُستَعفَفْتُ.
كلٌّ من الإسنادين صحيح(4).
(١) لم أقف عليه في مظانّه من مصنَّفاته المطبوعة.
وأخرجه -أيضًا- ابن سعد (٢٧٦/٣) وابن أبي شيبة (٤٦٣/٦ رقم ٣٢٩٠٤) في
السير، باب ما قالوا في عدل الوالي ... ، والطبري في ((تفسيره)) (٢٥٥/٤) وابن
المنذر في «تفسيره)) (٥٧٤/٢ رقم ١٣٩٤) والبلاذري في (أنساب الأشراف)) (ص
١٦٩) من طريق الثوري. وعمر بن شَبَّة في ((تاريخ المدينة)) (٦٩٤/٢) والطبري في
(تفسيره)) (٢٥٥/٤) من طريق إسرائيل. وابن سعد في الموضع السابق، من طريق
زكريا بن أبي زائدة. ثلاثتهم (سفيان، وإسرائيل، وزكريا) عن أبي إسحاق، به.
(٢) في ((سننه)) (١٥٣٨/٤ رقم ٧٨٨ - ط الصميعي).
(٣) قوله: ((عن البراء)) تحرَّف في المطبوع إلى: ((عن اليَرْفَأ))!
(٤) في هذا نظر؛ والذي يظهر أنهما حديث واحد، أُختَلَف الرواة فيه على أبي إسحاق
السَّبيعي:

٣٣
أثر في كون الإنبات دليلًا على البلوغ
٤١٤- قال أبو عبيد (١): ثنا ابن عُليَّة، عن إسماعيل بن أُميَّة، عن
محمد بن يحيى بن حِبَّان، عن عمرَ: أنَّ غلامًا أَبتَهَرَ جاريةً في شِعرِهِ،
فقال: أَنْظُرُوا إليه، فلم يُوجَد أَنبَتَ، فَدَرَأَ عنه الحدَّ.
قال أبو عبيد: وبعضهم يَرويه عن عثمان(٢).
فرواه عنه أبو الأحوص، عن البراء، عن عمرَ!
وخالَفَه الثوري، وزكريا بن أبي زائدة، وإسرائيل -كما تقدَّم- فرووه عن أبي
إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب، عن عمرَ!
وهؤلاء أثبت وأكثر عددًا من أبي الأحوص، وعليه؛ فتكون رواية أبي الأحوص،
والحالة هذِه شاذة، لا سيما، وأبو الأحوص لا يقارَن بالثوري، ومن تابَعَه.
وله طريق أخرى: أخرجها ابن سعد (٢٧٦/٣) من طريق زائدة بن قدامة. وابن
بشران في ((الأمالي)) (٣٧٨/١ رقم ٨٦٦) من طريق محمد بن فضيل. كلاهما
(زائدة، وابن فضيل) عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرَ ... ، فذكره.
وهذا إسناد صحيح.
(١) في ((غريب الحديث)) (١٨٦/٤).
وأخرجه -أيضًا- عبد الرزاق (٣٣٨/٧ رقم ١٣٣٩٧) و(١٧٧/١٠ رقم ١٨٧٣٤)
والبيهقي (٥٨/٦) من طريق أيوب بن موسى، عن محمد بن يحيى، به.
وهذا منقطع، محمد بن يحيى بن حِبَّان من الطبقة الرابعة، وهؤلاء جُلُّ رواياتهم
عن كبار التابعين.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٣٣٨/٧ رقم ١٣٣٩٨) و(١٧٧/١٠ رقم ١٨٧٣٥) والبيهقي
(٥٨/٦) من طريق الثوري. وابن أبي شيبة (٤٧٧/٥ رقم ٢٨١٤٣، ٢٨١٤٤) في
الحدود، باب في الغلام يسرق أو يأتي الحد، عن شريك ومسروق. وعمر بن شبَّة
في ((تاريخ المدينة)) (٩٨١/٣) والطحاوي (٢١٧/٣) من طريق شعبة. جميعهم
(الثوري، وشريك، ومسروق، وشعبة) عن أبي حَصِين، عن عبد الله بن عُبيد بن
عُمَير، عن أبيه: أنَّ عثمانَ أُتي بغلام قد سَرَقَ، فقال: انْظُروا، أخضَرَّ مِيزَره؟ فإنْ
كان قد أخضَرَّ مِيزَره؛ فاقطَعوه، وإنَّ لم يكن أخضَرَّ؛ فلا تَقطعوه.

٣٤
قوله: أَبْتَهَرَ، الابتهارُ: أنْ يَقذِفَهَا بنفسِهِ، فيقولُ: فَعَلتُ بها، كاذبًا،
فإنْ كان قد فَعَل فهو الابتثارُ.
قال الكُمَيت:
قبيحٌ بمثلِي نَعتُ الفتاةِ
إما أبتِهارًا وإمَّا أبتِثَارا
٤١٥- قال أبو عبيد: وهذا شبيه بما حدثنا هشيم، عن عبد الملك بن
عُمَير، عن عطية القُرَظي: أنَّ رسولَ الله أَمَرَ بقتلٍ مَن أنبت من بني
قريظة(١).
وجاء في رواية شعبة عند ابن شبّة: ((عن عبد الله بن عُبيد بن عُمَير، أظنه: عن أبيه))!
قلت: وهو على الوجهين لا يصح، أما على رواية الجماعة؛ فلأنهم قالوا: إن
عبد الله بن عُبيد بن عُمَير لم يلق أباه، ولم يَسْمع منه، أنظر: ((معرفة الرجال)) لابن
معين (١٣٠/١ رقم ٦٥٧ - رواية ابن محرز) و((تهذيب الكمال)) (٢٢٤/١٩)
و((تهذيب التهذيب)) (٣٠٨/٥).
وأما على رواية شعبة؛ فهو منقطع - أيضًا-؛ لأن عبد الله بن عُبيد بن عُمَير لم يُدرك
زمن عثمان، فهو من الطبقة الثالثة، وهي الطبقة الوسطى من التابعين.
(١) وأخرجه -أيضًا - أحمد (٣٨٣/٤) و(٣١١/٥) والمحاملي في ((الأمالي)) (ص ١٩٦
رقم ١٧٧ - رواية ابن البيِّع) من طريق هشيم، به.
ووقع عندهما تصريح هشيم بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسه.
وقد توبع هشيم على روايته: تابَعَه جماعة، وهم: الثوري، وابن عيينة، وشعبة،
وأبو عَوَانة الوضَّاح بن عبد الله اليشكري، وجرير بن عبد الحميد، وداود الطائي.
أنظر رواياتهم عند أبي داود (٨٦/٥ رقم ٤٤٠٤، ٤٤٠٥) في الحدود، باب في
الغلام يصيب الحد، والترمذي (١٢٣/٤ رقم ١٥٨٤) في السير، باب في النزول
على الحكم، والنسائي (٤٦٧/٦ رقم ٣٤٣٠) في الطلاق، باب متى يقع طلاق
الصبي، و(٨/ ٤٦٧ رقم ٤٩٩٦) في قطع السارق، باب حد البلوغ ... ، وابن ماجه
(٨٤٩/٢ رقم ٢٥٤١) في الحدود، باب من لا يجب عليه الحد، وأحمد (٣٨٣/٤)

٣٥
ثم قال: والذي عليه العمل ما :
٤١٦- ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: عُرِضتُ
على رسولِ الله يومَ بدرٍ، وأنا ابن ثلاثَ عشرةَ سنةَ؛ فَرَدَّني، وعُرِضتُ عليه
يومَ الخندقِ، وأنا ابن خمسَ عشرةَ؛ فَأَجَازَني(١).
فهذا حدٍّ، إلا أنْ يكونَ احتلامٌ قبلَ ذلكَ.
قلت: هكذا روي هذا الحديث، وذِكر يوم بدر فيه غريبٌ جدًّا.
و(٣١٢/٥) وابن الأعرابي في ((معجمه)) (١/ ٢٢٠ رقم ٣٩٢) وابن حبان
(١٠٤/١١ رقم ٤٧٨١، ٤٧٨٢ - الإحسان) والحاكم (١٢٣/٢).
والحديث قال عنه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، والحافظ في ((التلخيص الحبير))
(٤٢/٣).
(١) ورواه عن عبيد الله بن عمر جمع، فقالوا: ((يوم أحد))، وهم: يحيى بن سعيد،
وحماد بن أسامة، وعبد الله بن إدريس، وعبدالرحيم بن سليمان، وعبد الوهاب
الثَّقَفي، وعبد الله بن نُمَير، وأبو معاوية. أنظر روايتهم عند البخاري (٢٧٦/٥ رقم
٢٦٦٤) في الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم، و(٧/ ٣٩٢ رقم ٤٠٩٧ -
فتح) في المغازي، باب غزوة الخندق، ومسلم (١٤٩٠/٣ رقم ١٨٦٨) في
الإمارة، باب بيان سن البلوغ، وابن ماجه (٢/ ٨٥٠ رقم ٢٥٤٣) في الحدود، باب
من لا يجب عليه الحد.
وغلَّط الذهبي في (سير أعلام النبلاء)» (٢٠٩/٣) قول من زَعَم أنه شهد بدرًا، فقال:
هذا خطأ وغلط، ثَبَت أنه قال: عُرِضتُ على رسولِ اللهِ هِ يومَ أُحُدٍ، وأنا ابن أربعَ
عشرةَ سَنَةً، فلم يُجزني.

٣٦
أثر في الشفعة
٤١٧- قال النسائي (١): ثنا محمد بن حاتم، عن سُوَيد، عن عبد الله
ابن المبارك، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي بكر بن
حفص، عن شُريح بن الحارث القاضي قال: أَمَرني عمرُ بَّهُ أنْ أَقْضِيَ
للجارٍ بالشُّفعةِ.
إسناد صحيح.
جـ:
:
(١) في ((سننه الكبرى))، كما في ((تحفة الأشراف)) (٢٩/٨ رقم ١٠٤٦٤)، ولم أقف عليه
في المطبوع.
وأخرجه -أيضًا- سعيد بن منصور، كما في ((المحلى)) (١٠٠/٩) ومحمد بن
الحسن في ((الحجَّة على أهل المدينة)) (٧٤/٣ -٧٥) من طريق ابن عيينة، به.

٣٧
أثر في القِرَاض
٤١٨- قال الإمام مالك في ((الموطأ))(١): عن زيد بن أسلم، عن أبيه
أنَّه قال: خَرَج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق،
فلمَّا قَفَلا مَرَّا على أبي موسى الأشعري، وهو أميرُ البصرة، فَرَخَّبَ بهما
وسَهَّل، وقال: لو قد أقدرُ لكما على أمرٍ أنفعُكُما به لفعلتُ. ثم قال: بلى،
ههنا مالٌ من مالِ اللهِ، أريدُ أنْ أبعثَ به إلى أميرِ المؤمنينَ، فأُسلِفُكُماه،
فَتَبتاعَانِ به من متاع العراقِ، ثم تَبيعانِهِ بالمدينة، فتُؤَدِّيانِ رأسَ المالِ إلى
أميرِ المؤمنينَ، فيكونُ لكما الرِّحُ. فقالا: وَدِدْنا. ففعل، وكَتَبَ إلى عمرَ بن
الخطاب أنْ يأخذَ منهما المالَ، فلمَّا قَدِمنا على عمرَ (٢) قال: أَكُلُّ الجيشِ
أَسلَفَهُ كما أَسلَفَكُما؟ فقالا: لا. فقال عمرُ: ابني(٣) أميرِ المؤمنينَ،
فَأَسْلَفَكُما! أَدِّيا المالَ وربحَهُ. فأما عبد الله، فسَكَتَ، وأما عبيد الله
فقال: ما ينبغي لك يا أميرَ المؤمنينَ، لو هَلَكَ المالُ أو نَقَصَ، (ق١٥٨)
لَضَمنَّاهُ. فقال: أَدِّاهُ. فسَكَتَ عبد الله، وراجَعَهُ عبيد الله، فقال رجلٌ من
جُلسَاءِ عمرَ: لو جَعَلتَهُ قِرَاضًا. فأخذ عمرُ رأسَ المالِ ونصفَ ربحِهِ، وأخذ
عبد الله وعبيد الله نصفَ ربحِ ذلكَ المالِ.
وهكذا رواه الإمام الشافعي(٤)، عن مالك، وقال: مَرَّا على عاملِ
لعمرَ.
(١) (٢٢١/٢) في القِراض، باب ما جاء في القِراض.
(٢) قوله: ((فلما قَدِمنا على عمر)) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: «فلما دَفَعا ذلك
إلى عمر».
(٣) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((ابنا)).
(٤) في (الأم)) (٤/ ٣٣-٣٤).

٣٨
ورواه الدار قطني(١) من وجه آخر، عن عبد الله بن زيد بن أسلم، عن
أبيه، عن جدِّه، به.
وهو أصل كبير، اعتمد عليه الأئمّة في هذا الباب، مع ما يعضده من
الآثار.
(١) في ((سننه)) (٦٣/٣).

٣٩
حديث في المزارعة
٤١٩- قال الإمام أحمد (١): ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق،
حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر قال: خَرَجتُ أنا
والزُّبير والمِقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبرَ نَتَعاهدُها، فلمَّا قَدِمْناها
تَفَرَّقنا في أموالنا، قال: فعُدِيَ عليَّ تحتَ الليلِ، وأنا نائمٌ على
فراشي، فقُدِعَتْ(٢) يَدَاي من مِرْفَقَيَّ، فلمَّا أصبحتُ أستُصْرِخَ عليّ
صاحِبَيَّ، فأتياني، فسألاني عمَّن صَنَعَ هُذا بك؟ قلتُ: لا أدري. قال:
فأصلَحًا من يَدَيَّ، ثم قَدِموا بي على عمرَ، فقال: هُذا عملُ يهودَ، ثم قام
في الناس خطيبًا، فقال: أيُّها الناسُ، إنَّ رسولَ الله وَلَ كان عامَلَ يهودَ
خيبرَ على أنَّا نُخرجُهم إذا شئنا، وقد عَدَوا على عبد الله بن عمر، فقَدَعُوا
يديه، كما علمتُم، مع عَدوَتهم على الأنصاريِّ قبلَهُ، لا نشُ أنَّهم
أصحابُهُ، ليس لنا هناك عدوٌّ غيرُهم، فمَن كان له مالٌ / (ق١٥٩) بخيبرَ؛
فَلْيَلحَقْ به، فإِنِّي مُخرِجُ يهودَ. فَأَخرَجَهم.
هُذا إسناد جيد قويّ؛ لأن ابن إسحاق قد صرَّح بالتحديث فيه.
ورواه أبو داود(٣)، عن أحمد، ببعضه.
وقد رواه علي ابن المديني، عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، عن أبيه،
عن محمد بن إسحاق، به.
(١) في («مسنده)) (١٥/١ رقم ٩٠).
(٢) لفَدَع: بالتحريك: زَيع بين القدم وعظم السَّاق، وكذلك في اليد، وهو أن تزول
المفاصل عن أماكنها. ((النهاية)) (٤٢٠/٣).
(٣) في ((سننه)) (٤٧٣/٣ رقم ٣٠٠٧) في الخراج والإمارة، باب ما جاء في حكم أرض
خیبر.

٤٠
ثم قال: هذا إسناد مدني صالح، ولم نُصبه مسندًا إلا من هذا
الطريق، وقد رواه غير واحد عن نافع، ولم يرفعه أحدٌ منهم إلى عمرَ
بن الخطاب إلا محمد بن إسحاق.
قلت: وقد رواه البخاري(١) من طريق أخرى عن عمرَ مرفوعًا، فقال:
٤٢٠- حدثنا أبو أحمد، ثنا محمد بن يحيى أبو غسّان، أنا مالك،
عن نافع، عن ابن عمرَ قال: لمَّا فَدَعَ أهلُ خبيرَ عبد الله بن عمر، قام عمرُ
خطيبًا، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ وَلَ كان عامَلَ يهودَ خيبرَ على أموالهم،
وقال: ((نُقِرُّكُم ما أَقرَّكُمُ اللهُ)). وإنَّ عبد الله بنَ عمرَ خَرَج إلى مالِهِ
هناك، فعُدِيَ عليه من الليل، ففُدِعَتْ يداه ورجلاه، وليس لنا هناك
عدوٌّ غيرَهم، هم عَدُوُّنا وتُهمَتْنا، وقد رأيتُ إجلاءَهم، فلمَّا أَجمَعَ عمرُ
رَُّّه على ذلك، أتاه أحدُ بني أبي الحُقَيْق، فقال: يا أميرَ المؤمنين،
أتُخرِجُنا، وقد أَقَرَّنا محمدٌ، وعامَلَنا على الأموال، وشَرَطَ لنا ذلك؟!
فقال عمرُ: أَظَنَنتْ أنِّي نسيتُ قولَ رسولِ الله ◌َِّ: (( كيف بك إذا
أُخرِجتَ من خيبرَ تَعدُو بك قَلُوصُكَ(٢) ليلةً بعدَ ليلةٍ)). فقال: كانت هذِه
هُزَيلَةً من أبي القاسم. / (ق١٦٠) قال عمرُ ◌َُّهَ: كَذَبتَ، يا عدوَّ الله.
فأجلاهم عمرُ، وأعطاهم قيمةَ ما كان لهم من الثَّمر مالًا، وإِيلًا،
وعُرُوضًا من أقتابٍ(٣) وحبالٍ، وغير ذلك.
(١) في (صحيحه)) (٣٢٧/٥ رقم ٢٧٣٠ - فتح) في الشروط، باب إذا اشترط في
المزارعة.
(٢) القَلُوص: الناقة الشابَّة. ((النهاية)) (١٠٠/٤).
(٣) الأقتاب: جمع قَتَب، وهو الإكاف الصغير على قدر سنام البعير. ((القاموس
المحيط)) (ص ١٢٢ - مادة قتب).