النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
أثر فيه جواز اتخاذ الخِلَع التي يعطيها
الإمام للأمراء ونحوهم
١٦٨- قال علي ابن المديني: ثنا المغيرة بن سَلَمة، ثنا وهب، ثنا
عبيد الله، عن نافع ، عن ابن عمرَ ، عن عمرَ: أنَّه كان يُنفقُ على الحُلَّةِ
ألفَ درهم، وثمانمائة درهم، يَكسوها أصحابَ رسولِ الله وَ له
ورواه الدَّرَاوَردي، عن عبيد الله، به، ولفظُه: كان يأمُرُ بالحلالِ(١)
فتُنْسَجُ باليمن، تَبلُغُ الحُلَّةُ الواحدةُ منها ألفَ درهم، ثم يلبسها، ويَكسوها
أصحابَ رسولِ الله وَلـ
ورواه وكيع، عن عثمان بن واقد، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمر،
به(٢) .
وهذا صحيح عنه، والله أعلم.
(١) الحِلَال: جمع حُلّة، وهي إزار ورداء، وقيل: رداء وقميص وعمامة. أنظر: ((لسان
العرب)) (٣٠٢/٣ - مادة حلل).
(٢) وأخرجه - أيضًا - ابن المقرئ في ((معجمه)) (ص ٣٨٧ رقم ١٢٨٢) من طريق محمد
بن غَنج، عن نافع، به، بنحوه. وجاء فيه: وأنه كان يستقبح الحُلَل !! وهو تحريف
قبيح.

٣٠٢
أثر عن عمر
فيه إرشاد إلى التدبير في اللّباس
١٦٩- قال عبد الرزاق(١): ثنا عبد الله بن عمر، ثنا إسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: كنتُ عند عمرَ، فجاءته امرأةٌ من
الأنصارِ، فقالت: أَكْسُني يا أميرَ المؤمنين. قال: فما هذا أوانُ كُسْوَتِكِ؟
قالت: واللهِ ما عليَّ ثوبٌ يُواريني. فدخل خزانتَهُ، فَأَخرَجَ درعًا قد خيط
وجيّب(٢)، فقال: البَسي هذا، وارقعي خَلِقَكِ، وخِيطيه، فالبَسيه على
بُرْمتِكِ(٣) وعملِكِ، إنَّه لا جديدَ لمن لا خَلِقَ له.
حديث آخر :
١٧٠- قال الحافظ أبو يعلى الموصلي(٤): ثنا أبو كُرَيب، / (ق٦٩)
ثنا وكيع، ثنا إسحاق بن عثمان الكلابي، ثنا إسماعيل بن عبد الرحمن بن
عطية الأنصاري، حدَّثتني جدَّتي أمُّ عطية قالت: لما قَدِمَ النبيُّ ◌َّر المدينة
جَمَعَ نساءَ الأنصارِ، ثم بعث إلينا عمرُ، فقام، فسلّم، فرَدَدْنا ◌َُّ، فقال:
(١) لم أقف عليه في ((المصنَّف))، ومن طريقه: أخرجه ابن أبي الدُّنيا في ((إصلاح المال))
(ص ٢١٧ رقم ١٥٥).
وأخرجه - أيضًا - البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٦٥/١١ رقم ٥٧٧٥) من طريق
عبد الله بن عمر (وهو العُمَري)، به.
وإسناده ضعيف؛ لضعف العُمري.
(٢) أي: جعل له جيبًا. ((المصباح المنير)) (ص ١٠٣ - مادة جيب).
(٣) البُرمَة: القدر مطلقًا، وجمعها بِرَام،، وهي في الأصل المتَّخذة من الحَجَر
المعروف بالحجاز واليمن. انظر: ((النهاية)) (١٢١/١).
(٤) في ((مسنده)) (١٩٦/١ رقم ٢٢٦).

٣٠٣
إنِّي رسولُ رسولِ الله وَّهِ إليكنَّ. فقلنا: مرحبًا برسولِ الله، وبرسولِ رسولِ
الله وَّهِ. قالت: فقال: أَنُبايعني على ألا تَزنينَ، ولا تَسرقنَ، ولا تَقتلُنَ
أولادكنَّ، ولا تَأتينَ بيهتانٍ تَفترينَهُ بين أيديكِنَّ وأرجلكِنَّ، ولا تَعصينَ في
معروفٍ؟ قلنا: نعم، فمَدَدْنا أيدينا من داخلِ البيتِ، ومَدَّ يدَهُ من خارجه،
وأَمَرَنا أنْ نُخرِجَ الحَيَّضَ والعواتقَ(١) في العيدينِ، ونهانا عن أتباع
الجنائزِ، ولا جُمُعةَ علينا. قال: قلت: فما المعروفُ الذي نُهيتنَّ عنه؟
قالت: النِّياحةُ.
ورواه أبو داود (٢)، عن أبي الوليد، ومسلم بن إبراهيم. كلاهما عن
إسحاق بن عثمان، به.
وأخرجه ابن خزيمة في (صحيحه))(٣)، عن محمد بن أبان، عن وكيع.
وابن حبان في ((أنواعه)»(٤)، عن أبي خليفة، عن أبي الوليد الطيالسي،
به.
(١) العواتق: جمع عاتق، وهي الشابَّة أول ما تُدرك. ((النهاية)) (١٧٩/٣ -١٨٠).
(٢) في ((سننه)) (١١٩/٢- ١٢٠ رقم ١١٣٩) في الصلاة، باب خروج النساء في العيد.
(٣) (١١٢/٣ رقم ١٧٢٢، ١٧٢٣).
(٤) (٣١٣/٧ رقم ٣٠٤١ - الإحسان).
ومداره على إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطيّة، وهو مجهول الحال، لم يرو عنه
سوى إسحاق بن عثمان، وقال الحافظ في ((التقريب)»: مقبول.
وأعلَّه ابن خزيمة، فقال: إن ثبت هذا الخبر من جهة النَّقل، وإن لم يثبت؛ فاتفاق
العلماء على إسقاط فرض الجمعة عن النساء كافٍ من نقل خبر الخاص فيه.

٣٠٤
(ق٥٨) حديث في غسل الجمعة(١)
تقدَّم في كتاب الطهارة (٢): لمَّا أَقبَلَ عثمانُ وعمرُ نَظَه على المنبرِ،
فقال: أيةُ ساعةٍ هذِه؟! فقال: شُغِلتُ، فلمَّا سَمِعتُ التأذينَ توضَّأْتُ.
فقال: والوضوءُ أيضًا؟! وقد سَمِعتَ رسولَ اللهِ وَلَ يَأْمُرُ بالغُسلِ!
أثر :
١٧١- قال البخاري في باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس(٣):
وكذلك يُذكر عن عمرَ (٤)،
(١) تنبيه: جاءت أحاديث الجمعة في الأصل قبل أحاديث اللِّباس، لكن كَتَب المؤلّف
بحاشية الأصل: ((يؤخّر هذا وما بعده على أحاديث اللِّباس))، ومن ثَمَّ حدث تقدیم
وتأخير في أرقام لوحات المخطوط، فاقتضى التنبيه.
(٢) (ص ٤٨ ).
(٣) (٣٨٦/٢ - فتح).
(٤) روي موصولًا من عدة طرق:
الطريق الأولى: أخرجها مالك في ((الموطأ)) (٤٠/١) في الصلاة، باب وقت
الجمعة، عن عمِّه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه أنه قال: كنتُ أرى طِنِفَسة لعقيل بن
أبي طالب يوم الجمعة، تُطرحُ إلى جدار المسجد الغربيِّ، فإذا غشي الطِّفَسَة كلَّها
ظِلُّ الجدار، خَرَج عمرُ بن الخطاب، وصلَّى الجمعة.
وهذا إسناد صحيح، كما قال الحافظ في ((الفتح)) (٣٨٧/٢).
الطريق الثانية: أخرجها عبد الرزاق (١٧٤/٣ رقم ٥٢٠٩) عن معمر. وسعيد بن
منصور في ((سننه))، كما في ((تغليق التعليق)) (٣٥٦/٢) وأحمد بن مَنيع في ((مسنده)،
كما في ((المطالب العالية)) (٢٨٦/١ رقم ٧٢٠) عن الثوري. كلاهما (معمر،
والثوري) عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ظيما قال: هجَّرتُ
يومَ الجمعةِ، فلمَّا زالتِ الشمسُ خَرَج عمرُ، فصَعِدَ المنبرَ، وأخذ المؤذِّنُ في أذانه.
وهذا صحيح -أيضًا-، كما قال الحافظ في ((المطالب))، والبوصيري في («إتحاف
الخيرة)) (٢٠٨/١).

٣٠٥
وعليّ(١)، والنُّعمان بن بشير(٢)، وعمرو بن حُرَيث(٣).
هكذا علَّقه البخاري في ((صحیحه)).
١٧٢- فأما الأثر الذي رواه الإمام أحمد(٤) حيث قال: ثنا وكيع،
الطريق الثالثة: أخرجها مُسدّد في ((مسنده)) كما في ((المطالب العالية)) (٢٨٧/١ رقم
٧٢٢) عن يحيى، عن شعبة قال: حدَّثني خبيب بن عبد الرحمن، عن عمَّته أُنيسة
رُّ، وكانت حجَّت مع النبيِّ وََّ، قالت: كان رجالُنا يجمِّعون مع عمرَ ظُه ، ثم
يرجعون وأرديتُهُم على رؤوسِهِم يتبّعون فَيء الحيطان، يَقيلون بعدَها.
وهذا صحيح -أيضًا- ، كما قال الحافظان ابن حجر والبوصيري.
(١) وَصَله سعيد بن منصور، كما في ((تغليق التعليق)) (٣٥٨/٢) وابن أبي شيبة (٤٤٥/١
رقم ٥١٤٤) في الصلاة، باب من كان يقول: وقتها زوال الشمس، من طريق
إسماعيل بن سُمَيع، عن أبي رزينٍ قال: كثَّا نصلِّي مع عليّ الجمعة، فأحيانًا نجدُ
فَيئًا، وأحيانًا لا نجده. هذا لفظ ابن أبي شيبة.
ولفظ سعيد: كنَّا نجمِّع مع عليٍّ إذا زالتِ الشمسُ.
وإسناده صحيح على شرط مسلم، كما قال الشيخ الألباني في ((الأجوبة النافعة))
(ص ٢٥).
(٢) وَصَله ابن أبي شيبة (٤٤٦/١ رقم ٥١٤٥) في الموضع السابق، عن عبيد الله بن
موسى، عن الحسن بن صالح، عن سمَاك قال: كان النُّعمان بن بشير يصلِّي الجمعةَ
بعد ما تزولُ الشمسُ.
وصحَّح إسناده - أيضًا - الحافظ في ((الفتح)) (٢/ ٣٨٧) والشيخ الألباني في ((مختصر
صحيح البخاري)) (١/ ٢٧٤).
(٣) وَصَله ابن أبي شيبة (٤٤٦/١ رقم ٥١٤٦) في الموضع السابق، عن محمد بن بِشر
العَبدي، عن عبد الله بن الوليد، عن الوليد بن العَيزار قال: ما رأيتُ إمامًا كان
أحسنَ صلاةً للجمعة من عمرو بن حُرَيث، كان يصلِّيها إذا زالتِ الشمسُ.
وصحَّح إسناده - أيضًا - الحافظ في ((الفتح)) (٣٨٧/٢) والشيخ الألباني في ((مختصر
صحيح البخاري)) (١/ ٢٧٤).
(٤) هكذا عزاه المؤلّف إلى الإمام أحمد، وكذا عزاه إليه المجد في ((المنتقى)) (٢٩٥/٣
- مع النيل)، فقال: ((رواه الدارقطني، والإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله)). لكن

٣٠٦
عن جعفر بن بُرقان، عن ثابت بن حجَّاج، عن عبد الله بن سِيدان، قال:
شَهِدتُ الجمعةَ مع أبي بكر رَظُّه فكانت صلاتُهُ وخُطبتُهُ قبل نصفِ النهارِ ،
وشهدتُها مع عمرَ بن الخطاب رَُّه فكانت صلاتُهُ وخُطبتُهُ إِلى أنْ أقولَ:
قد أَنْتَصَفَ النهارُ، وصلَّتها مع عثمان بن عفان رَُّّه فكانت صلاتُهُ وخُطبتُهُ
إلى أنْ أقولَ: قد زالَ النهارُ.
ثم قال أحمد: وكذلك روي عن ابن مسعود(١)، وجابر(٢)،
وسعد(٣)، ومعاوية(٤): أنهم صلَّوا قبل الزوال.
قال الشيخ عبد الرحمن البنا الساعاتي في ((بلوغ الأماني)) (٦ / ٤١): لم أجد هذا
الحديث في ((مسند الإمام أحمد)»، ولا رجلًا مسمّى بهذا الاسم -أي: ابن سِيدان-
في ترجمة من تراجم ((المسند))، ولا في ((مجمع الزوائد)) الذي التزم صاحبه الإتيان
بما زاد على الكتب السِّتة في ((مسند الإمام أحمد))، وغيره، فلعله من رواية عبد الله،
عن أبيه، في غير ((المسند)) من كُتُب أبيه الأخرى.
قلت: وقد بحثت عنه في ((مسائل عبد الله))، فلم أقف عليه.
وأخرجه -أيضًا- عبد الرزاق (١٧٥/٣ رقم ٥٢١٠) وأبو نعيم في ((كتاب الصلاة))
له، كما في ((تغليق التعليق)) (٣٥٦/٢) وابن أبي شيبة (٤٤٤/١ رقم ٥١٣٢) في
الصلاة، باب من كان يقيل بعد الجمعة، وابن المنذر في ((الأوسط)) (٢/ ٣٥٤ رقم
٩٩٥) والعقيلي (٢٦٥/٢) من طريق جعفر بن بُرقان، به.
(١) سيأتي تخريجه في الحديث التالي.
(٢) لم أقف علیه.
(٣) أخرجه مُسدَّد في ((مسنده)) كما في ((المطالب العالية)) (١/ ٢٨٧ رقم ٧٢١) وابن أبي
شيبة (٤٤٤/١ رقم ٥١٢١) من طريق شعبة، عن سَلَمة بن كُهَيل، عن مصعب بن
سعد قال: كان سعد يَقيل بعد الجمعة.
وهذا إسناد صحيح، كما قال الحافظ في ((المطالب))، والبوصيري في («إتحاف
الخيرة)) (٣١٠/٢).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٤٥/١ رقم ٥١٣٥) والبخاري في ((التاريخ الكبير))
(٤٧٧/٣) وابن المنذر في «الأوسط)) (٣٥٤/٢ رقم ٩٩٨) من طريق أبي معاوية،

٣٠٧
فإِنَّه إسناد جيد(١)، فإنَّ ثابت بن الحجّاج هذا: جَزَري ثقة(٢)، وشيخه
عبد الله بن سِيدان - كما ترى- قد أدرك أيام الصِّديق، ولكن قال
البخاري(٣): لا يُتابَع على حديثه هذا.
وقال أبو القاسم اللَّالَكَائي(٤): هو مجهول، لا تقوم بروايته حجّة،
والله أعلم.
عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن سُوَيد قال: صلَّى بنا معاويةُ الجمعةَ
في الضُّحى.
وأعلَّه البخاري بقوله: لا يُتَابَع عليه. يعني سعيد بن سُوَيد.
وقال الشيخ الألباني في ((الأجوبة النافعة)) (ص ٢٥): وسعيد هذا لم يَذكروا له
راويًا غير عمرو هذا، ومع ذلك ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٦٢/١)!
(١) هُذِهِ العبارة متعلِّقة بحديث عبد الله بن سِيدان.
(٢) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٤/٢) و((طبقات ابن سعد)) (٤٧٩/٧).
(٣) في ((التاريخ الكبير)) (١١٠/٥ رقم ٣٢٨).
(٤) كما في ((ميزان الاعتدال)) (٢/ ٤٣٧).
وردًّ ذلك أبو الخطاب الكَلوذاني، فقال في ((الانتصار في المسائل الكبار))
(١/ ٥٨١): بل هو معروف من كبار التابعين من بني سُليم، وقد صحَّح أحمد حديثه
وأخذ به.
وقال الحافظ ابن رجب في ((فتح الباري)) له (١٧٣/٨): وهذا إسناد جيد، وجعفر
حديثه عن غير الزهريِّ حجَّة يحتجُّ به، قاله الإمام أحمد، والدارقطني، وغيرهما،
وثابت بن الحجّاج: جزري تابعي معروف، لا نعلم أحدًا تكلّم فيه، وقد خرَّج له أبو
داود، وعبد الله بن سِيدان السُّلمي المطرودي، قيل: إنه من الرَبَذة، وقيل: إنه
جزري، يروي عن أبي بكر، وحذيفة، وأبي ذرٍّ، وثَّقه العِجلي، وذكره ابن سعد في
طبقة الصحابة ممَّن نزل الشَّام، وقال: ذَكَروا أنه رأى النبيَّ ◌َّ. وقال القُشيري في
(«تاريخ الرَّقَّة)) [ص ٣٥]: ذَكَروا أنه أدرك النبيَّ ◌َّ. وأما البخاري فقال: لا يُتَابَع
على حديثه، كأنه يشير إلى حديثه هذا، وقول ابن المنذر [((الأوسط)) (٣٥٥/٢)]:
إِنَّ هذا الحديث لا يثبت؛ هو متابعة لقول البخاري، وأحمد أعرف بالرِّجال من كلِّ

٣٠٨
١٧٣- وقال الإمام أبو عبد الله الشافعي (١)
مَن تكلّم في هذا الحديث، وقد استدلَّ به، واعتمد عليه، وقد عضد هذا الحديث
أنه قد صحَّ من غير وجهِ أنَّ القائلة في زمن عمرَ وعثمانَ كانت بعد صلاة الجمعة،
وصحَّ عن عثمانَ أنه صلَّى الجمعة بالمدينة، وصلَّى العصرَ بمَلَل. خرَّجه مالك في
((الموطأ)) [٤١/١]، وبين المدينة ومَلَل اثنان وعشرون ميلًا، وقيل: ثمانية عشر
ميلًا، ويبعد أن يلحق هذا السّير بعد زوال الشمس. انتهى كلام الحافظ ابن رجب.
وانظر: (فتح الباري)) لابن حجر (٣٨٧/٢) و((إرواء الغليل)) (٦٢/٣).
(١) في ((الأم)) (١٨٥/٧).
وأخرجه -أيضًا - ابن أبي شيبة (٤٤٥/١ رقم ٥١٣٤) في الصلاة، باب من كان
يقيل بعد الجمعة، ويقول: هي أول النهار، عن غُندَر. وابن المنذر في ((الأوسط))
(١٠٠/٢، ٣٥٤ رقم ٦٢٨، ٩٩٧) من طريق الطيالسي. كلاهما (غُندَر،
والطيالسي) عن شعبة، به.
وأعلَّه البيهقي في ((معرفة السُّنن والآثار)) (٣٣٥/٤) فقال: عبد الله بن سَلِمة كان قد
تغيَّر في آخر عمره، ويشبه أن يكون غير محفوظ، وأبو إسحاق رأى عليًّا وهو صبي،
فيشبه أن يكون قد تعجّل بها في أول وقتها، فحسبه نصف النهار من تعجيلها،
ويحتمل أن يكون خطب بهم نصف النهار، ثم أتى منها بقدر الإجزاء بعد الزوال.
قلت: هذا اختيار الإمام البيهقي، وخالَفَه الشيخ الألباني، فقال في ((إرواء الغليل))
(٦٢/٣ - ٦٣): هذا سند حسن، رجاله كلهم ثقات، وفي عبد الله بن سَلِمة ضَعف
من قِبَل أنه كان تغيَّر حفظه، لكنه هنا يروي أمرًا شاهده بنفسه، والغالب في مثل هذا
أنه لا ينساه، وإن كان فيه ضعف، بخلاف ما إذا كان يروي أمرًا لم يشاهده،
كحديث عن النبيِّ وََّ، فإنه يخشى عليه أن يزيد فيه أو ينقص، وأن يكون موقوفًا في
الأصل، فتخونه ذاكرته فيرفعه.
وقال في ((الأجوبة النافعة)) (ص ٢٤): ومثله إنما يُخشى منه الخطأ في رفع
الحديث، أو في روايته عن غيره مما لم يشاهد، وهو هنا يروي حادثة شاهدها
بنفسه، وهي في الواقع غريبة، لمخالفتها للمعهود من الصلاة بعد الزوال، فاجتماع
هُذِهِ الأمور مما يرجِّح حفظه لما شاهد، فالأرجح أن هذا الأثر صحيح، ولعله من
أجل ما ذكرنا احتجَّ به الإمام أحمد، فقال ابنه عبد الله في ((مسائله)) عنه (ص ١١٢):

٣٠٩
فيما بَلَغْه عن شعبة(١)، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الله بن سَلِمة قال:
صلَّى عبد الله -يعني: ابن مسعود- بأصحابه الجمعةَ ضحى، وقال:
خَشِيتُ الحَرَّ عليكم.
ثم قال الشافعي: وليسوا -يعني أهل الكوفة- يقولون بهذا، يقولون:
لا يقول بهذا أحد (٢)، صلَّى النبيُّ وََّ، وأبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ،
والأئمَّةُ بعدُ في كلِّ جُمُعةٍ بعد زوالِ الشمسِ . :
١٧٤- ثم قال الشافعي(٣) فيما بَلَغه عن ابن مهدي(٤)، عن سفيان،
عن أبي إسحاق قال: رأيتُ عليًّا يَخطبُ يومَ الجمعةِ نصفَ النهارِ.
ثم قال: ولسنا ولا إياهم نقول بهذا، نقول: لا يَخطبُ إلا بعد
الزوال.
قال: وكذلك روِّينا عن عمرَ، وغيره(٥).
سُئل عن وقت صلاة الجمعة؟ قال: إنْ صلَّى قبل الزوال فلا بأس، حديث عمرو بن
مُرَّة، عن عبد الله بن سَلِمة: أنَّ عبد الله صلَّئ بهم الجمعة ضحى، وحديث سهل بن
سعد: كنا نصلِّي ونتغدى بعد الجمعة، كأنه يدل على أنه قبل الزوال.
(١) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((أخبرنا شعبة))، وما في الأصل موافق لما في
((معرفة السُّنن والآثار)) (٢/ ٤٧٤ - ط دار الكتب العلمية).
(٢) كذا ورد في الأصل. وتحرَّف في المطبوع إلى: ((ولا يقول به أحد))! وجاء على
الصواب في النسخة المحققة (٨/ ٤٨٥ - ط دار الوفاء).
(٣) في ((الأم)) (٧/ ١٦٧).
وصحّح إسنادَه الحافظ في ((الفتح)) (٣٨٧/٢).
(٤) كذا ورد في الأصل. وفي المطبوع: ((أخبرنا ابن مهدي))، وما في الأصل موافق لما
في ((معرفة السُّنن والآثار)» (٤٧٤/٢ - ط دار الكتب العلمية).
(٥) انظر ما تقدَّم (ص ٣٠٤ - ٣٠٥).

٣١٠
حديث آخر :
١٧٥- روى أبو بكر الإسماعيلي من حديث مغيرة، عن الحارث
العُكلي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير(١) قال: بَعَث عمرُ جيشًا فيهم
معاذ، فلمَّا ساروا إذا معاذ، قال: ما حَبَسَكَ؟ قال: أَردتُ الجمعةَ ثم
أَخرُجُ. فقال عمرُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ وََّ يقول: ((لَغَدوةٌ في سبيل اللّهِ
أو رَوحةٌ، خيرٌ من الدُّنيا وما فيها))(٢).
فيه أنقطاع.
وفيه دلالة على جواز السَّفر قبل الزوال يوم الجمعة، وهو قول بعض
العلماء(٣).
(١) ضَبَّب عليه المؤلّف لانقطاعه بين أبي زرعة بن عمرو بن جرير وعمر.
(٢) وأخرجه -أيضًا- إسحاق بن راهويه في ((مسنده))، كما في ((المطالب العالية))
(٢٥٧/٩ رقم ١٩٣٥ - ط العاصمة) عن جرير، عن مغيرة، به.
وأخرجه البيهقي (١٨٧/٣) من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن مغيرة، به.
وقد أعلَّه المؤلّف بالانقطاع.
وقد صحّض من وجهٍ آخر: فأخرج محمد بن الحسن في ((السِّير الكبير)) (١/ ٥٠)
والشافعي في ((الأم)) (١٨٩/١) عن ابن عيينة. وعبد الرزاق (٣/ ٢٥٠ رقم ٥٥٣٧)
عن الثوري. وابن أبي شيبة (٤٤٣/١ رقم ٥١٠٦) في الصلاة، باب من رخّص في
السفر يوم الجمعة، عن شريك. ثلاثتهم (ابن عيينة، والثوري، وشريك) عن الأسود
بن قيس، عن أبيه: أنَّ عمرَ أبصَرَ رجلًا عليه هيئة السَّفر، وهو يقول: لولا أنَّ اليومَ
يومُ جمعة لَخَرجتُ. فقال له عمر: آخرُجْ، فإنَّ الجمعةَ لا تحبسُ عن سفرٍ.
وهذا إسناد صحيح، كما قال الشيخ الألباني في ((الأجوبة النافعة)) (ص ٦٥).
(٣) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (٣٥٦/٢)، و((منهاج الطالبين)) للنووي (٢٦٥/١)،
و ((الكافي)) لابن قدامة (٤٩٨/١).

٣١١
حديث آخر يُذكر فيه مسألة الزِّحام :
١٧٦ - قال الإمام أحمد(١): ثنا سليمان بن داود أبو داود(٢)، ثنا
سلَّام - يعني: أبا الأحوص-، عن سماك بن حرب، عن سيَّر بن المَعْرور
قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يَخطبُ، وهو يقول: إنَّ رسولَ الله وَلَه بنى
هذا المسجد ونحن معه: المهاجرون والأنصار، فإذا اشتدَّ الزّحامُ فَلْيَسجُدِ
(ق٥٩) الرَّجلُ منكم على ظَهْر أخيه. ورأى قومًا يصلّون في الطريق، فقال:
صُّوا في المسجد.
ورواه علي ابن المديني، عن أبي الوليد الطيالسي، عن أبي
الأَحوص، عن سمَاك، به.
وقال(٣): هذا إسناد مجهول، لا نحفظه إلا من هذا الطريق، وسيَّار
ابن المَعْرور مجهول، لا نعلم أحدًا روى عنه إلا سمَاك. وكان أبو نعيم
يقول: سيَّار بن المَغْرور. والصواب: مَعْرور.
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني(٤): هكذا رواه أبو الأحوص،
وأسباط بن نصر، عن سمَاك بن حرب.
واتفقا على أنَّه سيَّار بن مَعْرور.
وقال يحيى بن معين(٥): إنما هو سيَّار بن مَغْرور -بالمعجمة-،
ولستُ أعلمُ من أين أخذ هذا؟ وسيَّار هذا: مجهول، لا نعلم حدَّث
(١) في («مسنده)) (١/ ٣٢ رقم ٢١٧).
(٢) هو: الطَّيالسي، والحديث في («مسنده)) (٦٩/١ رقم ٧٠).
(٣) في ((العلل)) له (ص ٩٣) و(ص ٦٧١ - ط دار ابن الجوزي).
(٤) في ((العلل)) (٢/ ١٥٣).
(٥) في ((تاريخه)) (٢٤٤/٢ - رواية الدُّوري).

٣١٢
عنه غير سمَاك بن حرب، ولا نعلمه أسند إلا هذا الحديث(١).
قلت: وفيه دلالة لقول بعض المالكية(٢): أنَّ مَن صلَّى الجمعة خارج
المسجد وهو قادر على دخوله أنَّه لا تصحُّ جمعته، لأنه أمرهم بذلك، والله
أعلم.
(١) وله طريق أخرى صحيحة: أخرجها ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٧ رقم ٢٧٢٦) في
الصلاة، باب في الرجل يسجد على ظَهْر الرجل، وابن المنذر في ((الأوسط))
(٤ / ١٠٤ رقم ١٨٥٦) وابن حزم في ((المحلى)) (٨٤/٤) والبيهقي (١٨٣/٣) من
طريق الأعمش، عن المسيّب بن رافع، عن زيد بن وهب: أنَّ عمرَ بن الخطاب
قال : ... ، فذكره، دون قوله: ورأى قومًا يصلُّون في الطريق.
وهذا إسناد صحيح، كما قال ابن الملقِّن في ((خلاصة البدر المنير)) (٢٢٣/١).
وقد احتجَّ به الإمام أحمد في ((مسائله)) (٢/ ٤١١ - ٤١٢ - رواية عبد الله).
(٢) انظر: ((عِقد الجواهر الثمينة)) لابن شاس (١٦٢/١) و((الذخيرة)) للقرافي (٣٣٥/٢).

٣١٣
أثر في كراهية تطويل الخطب
والتَّقعر (١) فيها
١٧٧- قال أبو عبيد(٢): ثنا إسماعيل بن جعفر(٣)، عن حميد، عن
أنس، عن عمرَ: أنَّ رجلًا خَطَبَ، فَأَكثَرَ، فقال عمرُ: إنَّ كثيرًا من الخُطَب
من شَقَاشِقِ الشيطانِ(٤).
قال أبو عبيد: واحدتُها شِقْشِقةٌ، وهي التي إذا هَدَرَ البعيرُ من الإبلِ
العرابٍ خاصّةً خَرَجتْ من شِدقِهِ شبيهةٌ بالرِّئَةِ.
١٧٨- حديث ابن عمر: كان رسولُ اللهِ وَّ، وأبو بكرٍ، وعمرُ
يُصلُّون العيدينَ قبلَ الخطبةِ.
ـضـ
سيأتي(6) في مسنده من حديث أبي لُبَابة، عن عبيد الله، عن نافع،
عنه. وهو في ((الصحيحين))(٦).
(١) التقعر: التشدق والتكلم بأقصى الفم. ((لسان العرب)) (٢٤٢/١١ - مادة قعر).
(٢) في ((غريب الحديث)) (١٩٤/٤).
(٣) وهو في ((حديثه)) (ص ٢٠٠ رقم ٩٩ - رواية علي بن حُجر).
وأخرجه - أيضًا- البخاري في (الأدب المفرد)) (ص ٣٠٥ رقم ٨٧٦) من طريق
محمد بن جعفر، عن حميد: أنه سَمِعَ أنسًا يقول : ... ، فذكره.
وهذا إسناد صحيح، كما قال الشيخ الألباني في ((صحيح الأدب المفرد)).
(٤) نَسَبها إلى الشيطان لما يَدخل فيه من الكذب والباطل، وكونه لا يُبالي بما قال.
((النهاية)) (٤٩٠/٢).
(٥) انظر: ((جامع المسانيد والسنن)) (٧٠/٢٩ رقم ١٥٣٣ - ط قلعجي).
(٦) أخرجه البخاري (٢/ ٤٥١، ٤٥٣ رقم ٩٥٧، ٩٦٣ - فتح) في العيدين، باب
المشي والركوب إلى العيد ... ، وباب الخطبة بعد العيد، ومسلم (٢/ ٦٠٥ رقم
٨٨٨) في صلاة العيدين. وانظر لزامًا: ((فتح الباري)) لابن رجب (٦/ ٩٧).

٣١٤
أثر آخر :
١٧٩- قال البخاري(١): وكان عمرُ يُكبِّر في قبَّته بمنَّى، فَيَسْمَعُهُ أهلُ
المسجدِ، فيُكبِّرون، ويُكبِّر أَهلُ الأسواقِ، حتى تَرْتَجَّ(٢) مِنَّى تكبيرًا.
٠
(١) في ((صحيحه)) (٢/ ٤٦١ - فتح) في العيدين، باب التكبير أيام منى، وإذا غدا
إلى عرفة.
ووَصَله سعيد بن منصور، كما في ((تغليق التعليق)) (٣٧٩/٢) والبيهقي (٣١٢/٣)
والفاكهي في ((أخبار مكة)) (٢٥٩/٤ رقم ٢٥٨٠، ٢٥٨٢) من طريق عُبيد بن عُمَير،
عن عمرَ ... ، فذكره.
وهذا إسناد صحيح، كما قال الشيخ الألباني في ((مختصر صحيح البخاري))
(٢٩٧/١).
(٢) ترتج: أي: تضطرب. ((النهاية)) (١٩٧/٢).

٣١٥
(ق٦٩) أحاديث الاستسقاء
١٨٠- قال أبو القاسم الطَّبراني(١): ثنا أبو مسلم الكَشِّي، ثنا محمد
ابن عبد الله الأنصاري قال: حدثني أبي، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس،
عن أنس: أنَّ عمرَ ظُهُ خَرَج يَستسقي، وخَرَج بالعباس معه يستسقي،
فيقول: (ق٧٠) اللهمَّ إنَّا كَّا إذا قَحَطنا على عهدٍ نبيِّنَا وَِّ تَوَسَّلنا إليك بنبيِّنا،
وإِنَّا نتوسَّلُ إليك بعمِّ نبيِّنَا وَّةِ.
تفرَّد بإخراجه البخاري في ((الصحيح))(٢)، عن الحسن بن محمد، عن
محمد بن عبد الله الأنصاري، به، ولفظه: أنَّ عمرَ بن الخطاب كان إذا
قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطّلب، فقال: اللهمَّ إنَّا كنَّا نَتَوسَّلُ إليك
بنبِّنا فتَسْقينا، وإِنَّا نَتَوسَّلُ إليك بعمٌّ نبيِّنا فاسْقِنا. قال: فيُسْقَونَ.
١٨١- وقال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا في كتابه ((المطر))(٣)، وكتابه
((مجابي الدعوة)) (٤): ثنا أبو بكر النسائي(٥)، ثنا عطاء بن مسلم، عن
(١) في ((معجمه الكبير)) (٧٢/١ رقم ٨٤).
(٢) (٤٩٤/٢ رقم ١٠١٠) في الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا
قحطوا، و(٧/ ٧٧ رقم ٣٧١٠ - فتح) في فضائل الصحابة، باب ذِكر العباس.
(٣) لم أقف عليه في المطبوع.
(٤) (ص ٥٣ رقم ٤٣). ولم أقف عليه في مطبوع ((المطر والرَّعد)).
وإسناده ضعيف؛ عطاء بن مسلم، هو: الخفّاف، قال عنه أبو حاتم الرازي: كان
شیخًا صالحًا یشبه یوسف بن أسباط، وکان دفن گُتُبه، فلا يثبت حديثه، ولیس
بقوي. أنظر: ((الجرح والتعديل)) (٣٣٦/٦ رقم ١٨٥٩).
(٥) كذا ورد في الأصل. وكَتَب المؤلِّف فوقها: ((النَّيسابوري))، وكَتَب فوقها: (خ))،
إشارة إلى وروده في نسخة، وفي مطبوع ((مجابو الدعوة): ((الشَّيباني))!
وقد أخرجه اللالكائي في ((كرامات أولياء الله)) (ص ١٢٩ رقم ٦٩) من طريق ابن أبي
الدُّنيا، وجاء فيه: ((أبو بكر السُّلمي)»!

٣١٦
العُمَري، عن خوَّات بن جُبَير قال: خَرَج عمرُ يَستسقي بهم، فصلّى
ركعتين، فقال: اللهمَّ إنا نستغفرك، ونَستسقيك. فما بَرَح من مكانه حتى
مُطِرُوا، فقَدِمَ أعرابٌ، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، بينا نحن بِوادِينا في ساعةٍ
كذا، إذ أظلَّتنا غمامةٌ، فسمعنا منها صوتًا: أتاكَ الغوثُ أبا حفصٍ. أتاك
الغوثُ أبا حفصٍ.
١٨٢- وقال -أيضًا-(١): ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان، عن
مُطرِّف بن طَريف، عن الشَّعبي قال: خَرَج عمرُ يَستسقي بالناس، فما زاد
على الاستغفار حتى رجع، قالوا: يا أميرَ المؤمنين! ما نَرَاكَ أُستسقيتَ؟
قال: طَلَبتُ المطرَ بمجاديح السماءِ التي يُستَنزَلُ بها المطرُ. ثم قرأ:
﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾(٢)، (ق٧١)
(١) في ((المطر والرَّعد والبرق)) (ص ١٠٦ رقم ٨٤).
وأخرجه -أيضًا- عبد الرزاق (٨٧/٣ رقم ٤٩٠٢) وسعيد بن منصور (٣٥٣/٥ رقم
١٠٩٥ - ط الصميعي) وابن سعد (٣/ ٣٢٠) وابن أبي شيبة (٦٢/٦ رقم ٢٩٤٧٦)
في الدعاء، باب ما يُدعى به في الاستسقاء، وعمر بن شبَّة في ((تاريخ المدينة))
(٢/ ٧٣٧) والبلاذُري في ((أنساب الأشراف)) (ص ٣٢٠) والطبري في ((تفسيره))
(٩٣/٢٩) من طريق مُطرِّف، به.
وهو منقطع بين الشعبي وعمر، وبه أعلَّه الشيخ الألباني في ((الإرواء)) (١٤١/٣).
وله طريق أخرى أصح من هذِه: أخرجها ابن أبي شيبة (٢٢٣/٢ رقم ٨٣٤٣) في
الصلاة، باب من قال: لا يصلي في الاستسقاء، و(٦٢/٦ رقم ٢٩٤٧٧) في
الموضع السابق، وعمر بن شبَّة في ((تاريخ المدينة)) (٧٣٦/٢) وابن المنذر في
((الأوسط)) (٣١٥/٤ رقم ٢٢١٧) من طريق عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه: أنه خَرَج مع عمرَ بن الخطاب
يستسقي .. ، فذكره، بنحوه.
وهذا إسناد صحيح، كما قال الشيخ الألباني في ((الإرواء)) (١٤٦/٢).
(٢) نوح: ١٠، ١١.

٣١٧
ثم قرأ: ﴿وَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُنْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾(١).
ورواه أبو عبيد (٢)، عن هشيم، وأبي يوسف جميعًا، عن مُطرِّف، به.
قال أبو عمرو: والمجاديح واحدها مِجدَح، وهو كلُّ نَجم من
النُّجوم، كانت العربُ تقولُ: إنه يُمطَّرُ به.
أثر آخر :
١٨٣- قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٣): ثنا أبو نصر بن قتادة،
وأبو بكر الفارسي قالا: أنا أبو عمرو بن مَطَر، ثنا إبراهيم بن علي
الذُّهْلي، ثنا يحيى بن يحيى، أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي
صالح، عن مالك الدَّار قال: أَصابَ الناسَ قحطٌ في زمانِ عمرَ نَظُته،
فجاء رجلٌ إلى قبر النبيِّ بََّ، فقال: يا رسولَ الله، أَستَسقِ اللهَ لأمَّتك،
فإنهم قد هَلَكوا. فأتاه رسولُ اللهِ وَّه في المنام، فقال: أئتِ عمرَ، فَأَقْرِئُهُ
مِنِّي السلامَ، وأَخِرْهُ أنهم مُسْقَون، وقل له: عليكَ بالكيسِ (٤) الكيسِ.
(فأتى الرجلُ، فَأَخبَرَ عمرَ، وقال:)(٥) يا ربِّ، ما آلو إلا ما عَجَزتُ عنه.
(١) هود: ٣.
تنبيه: جاء بحاشية الأصل تقييد بخط الحافظ ابن حجر، هذا نصُّه: خرَّجه سعيد بن
منصور في ((السُّنن))، عن سفيان.
(٢) فى ((غريب الحديث)) (٤/ ١٥٧).
(٣) في ((دلائل النبوة)) (٤٧/٧).
وأخرجه - أيضًا - ابن أبي شيبة (٣٥٩/٦ رقم ٣١٩٩٣) في الفضائل، باب ما ذكر
في فضل عمر، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٠٤٤/٧) وابن أبي خيثمة في
«تاريخه)) (٨٠/٢ رقم ١٨١٨) والخليلي في ((الإرشاد)) (٣١٣/١) من طريق أبي
معاوية، به.
(٤) الكيس: العقل. ((النهاية)) (٢١٧/٤).
(٥) في المطبوع: ((فأتى الرجلُ عمرَ، فأخبَرَه، فبكى عمرُ، ثم قال)).

٣١٨
هذا إسناد جيد قوي(١).
(١) بل: ضعيف منكر، وقد أُعلَّ بست علل:
العلَّة الأولى: جهالة الرَّجل الذي أتى إلى قبر النبيِّ ◌َّةَ.
وما ورد من تسميته ببلال بن الحارث المُزَني أحد الصحابة، فلا يصح؛ لأنه من
رواية سيف بن عمر التميمي، وقد قال عنه ابن حبان في ((المجروحين)):
(٣٤٥/١): يروي الموضوعات عن الأثبات .. ، وكان يضع الحديث.
قال الشيخ الألباني في ((التوسل)) (ص ١٢٠): ومَن كان هذا شأنه لا تُقبل روايته،
ولا كرامةً، لا سيّما عند المخالفة.
قلت: ومما يستغرب إصرار بعض القبوريين في زماننا هذا على أن فاعل هذا
صحابي !! نعوذ بالله من الھوئ.
العلة الثانية: جهالة مالك الدَّار، فقد تفرَّد بالرواية عنه أبو صالح السمَّان، ولذا
أورده ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٢١٣/٨ رقم ٩٤٤) وسكت عنه.
قال الشيخ الألباني في ((التوسل)) (ص ١٢٠): ففيه إشعار بأنه مجهول، ويؤيده: أن
ابن أبي حاتم نفسه -مع سعة حفظه واطلاعه- لم يحك فيه توثيقًا، فبقي على
الجهالة، ولا ينافي هذا قول الحافظ [الفتح٤٩٥/٢]: (( .. بإسناد صحيح من رواية
أبي صالح السمَّان .. ))، لأننا نقول: إنه ليس نصًّا في تصحيح جميع السند، بل إلى
أبي صالح فقط، ولولا ذلك لما ابتدأ هو الإسناد من عند أبي صالح، ولقال رأسًا:
((عن مالك الدَّار .. ، وإسناده صحيح))، ولكنه تعمَّد ذلك، ليلفت النظر إلى أن ههنا
شيئًا ينبغي النظر فيه .. ، ويؤيد ما ذهبت إليه: أن الحافظ المنذري أورد في ((الترغيب))
(٢/ ٤١- ٤٢) قصة أخرى من رواية مالك الدَّار، عن عمرَ، ثم قال: ((رواه الطبراني
في الكبير، ورواته إلى مالك الدَّار ثقات مشهورون، ومالك الدَّار لا أعرفه)). وكذا
قال الهيثمي في («مجمع الزوائد» (١٢٥/٣). انتهى كلام الشيخ الألباني.
العلَّة الثالثة: أنَّ هناك إرسالًا بين أبي صالح ومالك الدَّار، قال الخليلي في ((الإرشاد))
(٣١٦/١): يُقال: إن أبا صالح سَمِعَ مالك الدَّار هذا الحديث، والباقون أرسلوه.
فقوله: (يُقال) دليل على عدم صحة سماع مالك الدار من أبي صالح، وإلا لجزم به.
العلة الرابعة: تفرُّد أبي معاوية بروايته عن الأعمش دون بقيّة أصحابه المتقنين،
لا سيما الثوري، فقد قال الإمام أحمد: أبو معاوية من أحفظ أصحاب الأعمش،

٣١٩
٠٠
..
٠٠.
......
فقيل له: مثل سفيان؟ فقال: لا، سفيان في طبقة أخرى، مع أنَّ أبا معاوية يخطىء
في أحاديث من أحاديث الأعمش.
وقال -أيضًا - : أبو معاوية عنده أحاديث يقلبها عن الأعمش.
وسُئل ابن مهدي: مَن أثبت في الأعمش بعد الثوري؟ قال: ما أعدل بوكيع أحدًا،
فقال له رجل: يقولون: أبو معاوية؟ فنَفَر من ذلك، وقال: أبو معاوية عنده كذا وكذا
وَهمًا. انظر: ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٥٢٩/٢ -٥٣٦).
قلت: وقد خولف أبو معاوية في هذا الخبر، وذلك فيما ذكره الخليلي من أن باقي
الرواة أرسلوه.
العلَّة الخامسة: نكارة متنه، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في ((اقتضاء
الصراط المستقيم)) (١٩٧/٢): وأصحاب رسول الله وَّل قد أجدبوا مرَّات، ودَهَتهم
نوائب غير ذلك، فهلًا جاؤوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبيِّ ◌َّ؟!
وقال الشيخ ابن باز في تعليقه على ((فتح الباري)) (٤٤٥٩/٢): صحتُه ليس بحجّة
على جواز الاستسقاء بالنبيِّ وَلّ بعد وفاته، لأن السائل مجهول، ولأن عمل
الصحابة ه على خلافه، وهم أعلم الناس بالشّرع، ولم يأت أحد منهم إلى قبره
يسألُهُ السُّقيا ولا غيرها، بل عدل عمر عنه لمَّا وقع الجدب إلى الاستسقاء بالعباس،
ولم يُنكِر ذلك عليه أحدٌ من الصحابة، فعُلِمَ أنَّ ذلك هو الحقُّ، وأنَّ ما فعله ذلك
الرَّجل منكر، ووسيلة إلى الشّرك، بل قد جعله بعض أهل العلم من أنواع الشرك.
قلت: وليس في الخبر ما يدلُّ على إخبار الرجل لعمر بصنيعه عند القبر - كما فَهِمَ
ذلك بعض القبوريين- ، ولو كان الأمر كما فَهِمَ هذا الضال؛ لبادر عمر بالذهاب
إلى القبر يسأل السُّقيا، ولكان في غنّى عن الاستسقاء بالعباس. فتأمَّل.
العلة السادسة: أنها رؤيا منام، والرؤى لا تُبنى عليها أحكام شرعية، اللهم إلا رؤى
الأنبياء، فإنها وحي، كما هو مقرَّر عند أهل العلم.
فائدة: قال الدَّميري في ((النجم الوهاج في شرح المنهاج)) (٢٧٤/٣): فرع: قال
شخص: رأيتُ النبيَّ وَّه في النوم، وأخبرني أن الليلة أول رمضان !! لا يصح
الصوم بهذا لصاحب المنام ولا لغيره بالإجماع، كما قاله القاضي عياض، وذلك
لاختلال ضبط الرائي، لا للشك في الرؤية.

٣٢٠
خبر نيل مصر
١٨٤- قال الحافظ أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللَّالكائي
الطبري(١): أنا محمد بن أبي بكر، ثنا محمد بن مَخلد، ثنا محمد بن
إسحاق، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني ابن لَهِيعة، عن قيس بن حجَّاج،
عمَّن حدَّثه قال: لما فُتحَت مصرُ أتى أهلُها عمرو بن العاص حين دخل
بؤونةُ -من أشهر العجم-، فقالوا: أيها الأميرُ، إنَّ لِنِلِنا هذا سُنَّةً لا يَجري
إلا بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت ثنتى(٢) عشرةَ ليلةً خَلَتْ من هذا
الشهرِ عَمَدنا إلى جاريةٍ بِكر بين أبويها، فأَرضَينا أبويها، (ق٧٢) وجَعَلنا
عليها من الحلي والثيابِ أفضلَ ما يكونُ، ثم ألقيناها في هذا النِّيل. فقال
لهم عمرو رَُّه: إنَّ هُذا ما لا يكونُ في الإسلام، إنَّ الإسلامَ يَهدِمُ ما كان
قبلَهُ. فأقاموا بَؤونة، والنِيلُ لا يَجري قليلًا ولا كثيرًا!
وفي رواية: قاموا بؤونة وأبيب ومسرى وهو لا يَجري، حتى همُّوا
بالجلاءِ. فَكَتَب عمرو إلى عمر بن الخطاب ظُله بذلك. فكَتَب إليه: إنكَ
قد أصبتَ بالذي فعلتَ، وإِنِّي قد بَعثتُ إليكَ ببطاقةٍ داخلَ كتابي هذا،
فَأَلْقِهَا في النِيلِ. فلما قَدِمَ كتابُهُ، أخذ عمرو البطاقةَ، فَفَتَحها، فإذا فيها :
من عبد الله عمرَ أميرِ المؤمنينَ إلى نيلِ أهلِ مصرَ، أما بعدُ، فإنْ كنتَ إنما
تَجري من قِبَلكَ فلا تَجْرِ، وإنْ كان اللهُ الواحدُ القَّارُ هو الذي يُجريك،
(١) في ((كرامات أولياء الله)) (ص ١٢٦ رقم ٦٦).
وأخرجه -أيضًا- ابن عبد الحكم في ((فتوح مصر)) (ص ١٧٦) وأبو الشيخ في
(«العظمة)) (١٤٢٤/٤ رقم ٩٣٧) من طريق ابن لَهِيعة، به ..
وإسناده ضعيف؛ لضعف ابن لَهِيعة، وجهالة مَن حدَّث عنه قيس بن الحجّاج.
(٢) كَتَب المؤلّف فوقها: ((كذا)). وفي المطبوع من ((كرامات الأولياء)): (ثنتا)).