النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
٨ - تواضعه الجمّ.
٩ - تعقُله وحصافته وعدم تعصبه.
١٠ - حُبُّه للعلم، ونهمه في التحصيل.
١١ - الهمة العالية المتوثبة.
١٢ - تلقّيه ومخالطته لكبار علماء عصره في بلدان كثيرة.
١٣ - نباهته، وانتخابه عن كل شيخ أحسن ما عنده.
١٤ - رحلاته الكثيرة والمتنوعة .
١٥ - اشتغاله بالتصنيف والتحقيق.
١٦ - اشتغاله بالتدريس والتعليم.
١٧ - اشتغاله بالدعوة، مما أعطاه صبغة محلية وعالمية.
١٨ - حُسن هيئته ومظهره.
ركائز شخصيته :
١ - الصلاح والتقوى.
٢ - الإحساس المُرْهَف بالجمال.
٣ - الرغبة والمحبة الشديدة للكمال.
٤ - الذوق.
٥ - الأدب والخُلُقُ الحَسَنِ.
٦ - الحرص على الوقت.
٧ - الشغف بالعلم تحصيلاً وقراءةٌ وتأليفاً.
٨ - الذكاء الحاد.
٩ - الذاكرة القوية .
١٠ - العقلانية المنوّرة بنور الشرع.
١١ - الحس الحار النيراني.

٦٢
من أقواله :
الإِسلامُ ذوقٌ.
الكتابُ لا يعطيك سرَّهُ إلَّ إذا قرأته كلَّه.
ما جمع الله الخير كلَّه لأحد إلاّ للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
مَزِيَّةُ العالم أن يوقظ العقل بظل الشرع.
دِرهمُ مالٍ يحتاج قِنْطَارَ عَقْلٍ، ودِرهمُ علمٍ يحتاج قِنْطَارِي عَقْلٍ .
العلم یُتَعَشَّقُ بالفهم.
وفاته :
انتقل رحمه الله إلى جوار ربه الكريم ورحمة خالقه الرحيم في سَحَر يوم
الأحد ٩/ شوال/١٤١٧ هـ بمدينة الرياض، عن إحدى وثمانين سنة وثلاثة
أشهر إلاَّ ستة أيام، رحمه الله وغفر له وقدَّس روحه ونوَّر ضريحه وبرَّد مضجعه
وطيّب ثراه .
وصُلِّيَ عليه يوم الاثنين بعد صلاة الظهر في مسجد الراجحي بمدينة
الرياض، ثم نُقِل بالطائرة إلى المدينة المنورة، حيث صُلِّي عليه بالمسجد النبوي
الشريف عقب صلاة العشاء، ثم دفن في البقيع الشريف، وكانت جنازته مشهودة
حضرها نحو ألف شخص ضاق بهم البقيع وازدحم، كلهم يثنون عليه خيراً
ویبکون ویترحمون عليه.
وقد صُلِّي عليه صلاة الغائب في عدد من مساجد تركيا والهند وقطر
والمغرب.
جسدٌ لُفِّفَ في أكفانه رحمةُ اللَّهِ على ذاك الجسدْ

٦٣
وقد صحَّ في الحديث الشريف عن عائشة وأنس رضي الله عنهما مرفوعاً
(ما من ميِّت تُصلِّي عليه أُمةٌ من المسلمين يبلغون مئةً، كلُّهم يشفعون له إلاّ شُفِّعوا
فيه)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً (ما من رجل مسلم يموت، فيقوم
على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلاّ شَفَّعهم الله فيه).
مبشراته :
دخل الوالد رحمه الله في شبه غيبوبة قبل وفاته بأربعة أيام، لعِلَّة في بطنه
سبَّبت وفاته، وقد جاء في الحديث الصحيح (المبطون شهيد)، وكان قبل دخوله
أجريت له عملية غسيل كلوي، ولمَّا دخلتُ عليه بعد عملية الغسيل كان لسانه
يلهج بالشهادة کثیراً دون فتور.
ثم إنه عندما فاضت روحه الشريفة إلى بارئها نطق بكلمة التوحيد مختتماً بها
عمراً قضاه في خدمة الإِسلام والمسلمين، و (من كان آخر كلامه لا إله إلاّ الله
دخل الجنة) .
وكانت أصبُعُه السبابة مرتكزة على الوسطى، كحال المرء لما يتشهّد،
وبقیت علی ذلك إلی حین تغسيله ودفنه.
خاتمة :
· أذكر فيها وقائع سامية حصلت منه في أواخر أيامه رحمه الله، فمن ذلك
أنه قبل دخوله المستشفى بأيام زاره أحد الأدباء، وتداولا الحديث فذكر له ذلك
الأديب أن هناك بحثاً عن كتاب ((الاعتبار)) لأسامة بن منقذ، وكان الوالد
رحمه الله قد اعتنى بهذا الكتاب، لكن لم يدفعه للطبع. فطلب رحمه الله منه
نسخة من ذلك البحث، وهو على فراش المرض يطارح الآلام والأسقام
قدّس الله روحه.

٦٤
ومن ذلك أن إحدى إخواتي وفقهن الله كانت بجانب سرير الوالد
رحمه الله، وهو في مرضه الأخير الشديد، فأرادت أن تشرب، وأمسكت الكأس
بيدها اليسرى من ذهولها بحاله ومرضه، فأشار إليها الوالد فلم تفهم مراده
لذهولها وحزنها عليه، فأمسك بيدها وهزَّها لكونه لا يستطيع الكلام، ففهمت
مراده، وأمسكت الكأس بيدها اليمنى! فللَّه درّه كم أتعب من بعده!
ومن ذلك أن من أواخر ما قرأتُه عليه ترجمة الإِمام القدوة الفذِّ عبد الله بن
المبارك رحمه الله من كتاب ((سير أعلام النبلاء)» للحافظ الذهبي رحمه الله،
وهو على فراش المرض في مستشفى العيون، فلما شرعتُ في أولها، ورأى
طولها، أحالني على آخرها وطلب مني قراءة أبيات قالها بعضهم في رثاء
ابن المبارك وتوقف عندها رحمه الله وقدّس روحه، وفي هذه الأبيات موعظة
لأولي الألباب، وهي:
فأوسعني وَعْظاً وليسَ بناطقِ
مررتُ بقبرِ ابنِ المبارك غُدْوَةٌ
غَنِيّاً وبالشَّيْبِ الذي في مَفَارقي
وقدْ كنتُ بالعلمِ الذي في جوانحي
إذا هي جاءت من رجالِ الحقائقِ
ولكن أرى الذکری تُنبِّه غافلاً
نعم أيها الحبيب: تنبِّه غافلاً إذا هي جاءت من رجال الحقائق،
رحمك الله وجعل موتك ذكرى لقلوبنا الغافلة، وجمعنا وإياك في عِلِّيين في
مقعدٍ صدقٍ عنده مع النبيين والصديقين! اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده،
واغفر لنا وله! إن العين لتجود وتدمع، وإن القلب ليحزن ويُكْلَم، ولا نقول إلاَّ
ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا قرة العين لمحزونون!
* رثاؤه:
رثاه عدد من أحبابه وطلابه بقصائد عذبة رائقة رقيقة حزينة، أورد
بعضها هنا :

٦٥
فمن أولئك صهره وتلميذه الدكتور الفاضل الشاعر ابن الشاعر: أحمد
البراء بن عمر بهاء الدين الأميري حفظه الله، وهي بعنوان: ((حَنَانَيْكَ لا تَرْحِلْ)).
سخيّاً، ونارُ الفَقدِ فيه تَضَرَّمُ
ولا تُنطقِ الحُزنَ الذي هو أبْكمُ
ويُخرِسُ أشْعاري التي تترئَّمُ
بياني، وظلَّ الدمعُ في العين يَسْجُمُ (١)
فيُشْرِقُ ليلٌ في فؤاديَ مُظْلِمُ
وتُقُبِلُ أحزاني عليَّ تُسَلِّمُ
فتسكنُ في أرجائِه، وتُخيِّمُ
فمَنْ لجراحي اليومَ يأسو ويرحَمُ؟
وأزرى بآمالي العِطاشِ تجهُّمُ
وَعَصْفُ الرّياحِ الهُوجِ یعوي ويحطِمُ
بوجهٍ كنورِ الصُّبحَ، والعينُ تبسِمُ
وتَسْكُنُ آلامي، وبالذّفِهِ أَنْعَمُ
تُفَطِّرُ أكباداً لنا، وتُتِّمُ
حنانيكَ، لا ترحلْ، فجُرحِيَ لم يزلْ
ولا تطعَنِ القَرحَ الذي نَّ مِنْ دَمي
ففقدي لأحبابي يَهِيجُ مواجعي
فإِن رُمتُ بيتاً يَنْذُبُ الحِبَّ خانني
فأَنْظِمُ دمعي في دُجايَ قصائداً
وتشهَقُ أنّاتي، وتزفِرُ أضلُعي،
فأفتحُ صدري، للفؤادِ أضمُّها
حنانيكَ، لا ترحلْ، فقد كنتَ آسياً
وكنتُ إذا ما الهمُّ آدَ تصبُّري
أزوركَ والأنواءُ تصفَعُ مُهجتي
فما هو إلاَّ أنْ أراكَ مُرَحِّباً
فأنسی صَبَابَاتي(٢)، وترتاحُ مُهجتي
فما لَكَ تمضي اليومَ غَيْرَ مُودِّعٍ
وتسكبُ فوقَ الجُرحِ في قلبِنا لظىّ
يَؤُجُ(٣)، ويَسْري في العروق، ويُؤلِمُ؟!
رحلتَ وخلَّفْتَ المحِّينَ: مُقْصَدٌ بسَهْم النّوى، أو والِهٌ يترحِّمُ
وأذهلَها فَقِدٌ وجيعٌ مُثَيِّمُ (٤)
رفيقةُ دربِ العُمرِ قد لفَّها الجَوى
(١) سَجَمَ الدمعُ: سال.
(٢) الصَّبابة: رقّةُ الشّوق وحرارته.
(٣) يَؤُجُ: يلتهب ويستعر.
(٤) أَيُّمَ المرأةَ: صيّرها أيِّماً، وهي التي فَقَدَت زوجَها.
:

٦٦
تغشَّتْ بمثلِ اللَّيلِ - ثوباً - سوادُهُ
أَمِنْ بعدِ عُمْرٍ بالمحبَّةِ عامٍ
تخلّفُها في وحشةِ الدَّربِ وَحْدَها
وربّاتُ طهرٍ قد أحَطْنَ بوالدٍ
ذوى منه وجهٌ كان بالنُّور مُشْرقاً
تلقَّفْنَ بالصَّبرِ الجميلِ فلا ترى
نماهُنَّ للتقوى حَياءٌ، ووالدٌ
وأبناءُ بِرُّ كالبُدور تحلَّقوا
أحقّاً أبا الإِخلاص والفضلِ والتّقى
تركتَ لنا بَيْتاً مِن العِزِّ شامخاً
فأنَّى رَحَلْنا قيل: أبناءُ سيِّدٍ
رحلتَ، ففي دارِ الخلافةِ(٤) نادبٌ
وفي المغربِ الأقصى وجومٌ وحسْرةٌ
وفي الشَّام إخوانٌ همُ الصِّدقُ والوفا
فجيعتُهُم في فقدِكَ اليومَ غُصَّةٌ
وفي كلِّ صُفْعٍ زُرتَه وسقيتَهُ
أشدُّ سواداً منه حُزن مُتَيِّمُ (١)
وَوُدِّ كوفْعِ الطَّلِّ، بلْ هُوَ أَنْعَمُ
تُداري ضَنِىّ في قلبِها، وتُكَثِّمُ
يودُّعْنَهُ، والقلبُ في الصَّدِرِ يُكْلَمُ
وعينٌ خبا فيها الضِّيا(٢) والتبشُمُ
سوى مَذْمِعٍ يَهمي، وثغرٍ يُتْمتِمُ (٣)
أعزُّ من الثّعمى، وأوفى، وأرحَمُ
وأوجهُهُم فيها الضَّراعةُ تُرسَمُ
تُغادِرُنا، والوعدُ في الغيبِ مُبْزَمُ؟
وذِكْراً هو الكنزُ المَصونُ وأكرمُ
وأنّى التفتنا قيل: نِعْمَ المعلِّمُ!
وفي الهندِ محزونٌ، وفي مصرَ مُغْرَمُ(٥)
وفي القُدس والأُرْدُنِّ حُزن مُخيِّمُ
يُضخُّونَ بالَاغلى لو أنكَ تسلَمُ
تُحدِّرُها عين، ويَزْفِرُها فَمُ
علومُكَ نَبْتُ طِيِّبُ النَّفْحِ يفْغَمُ(٦)
(١) يُقال: تَيَّمه الهوى: استعبَدَهُ، وذهبَ بعقله.
(٢) إشارة إلى أنّ الوالد رحمه الله فقد البصر بعينه اليُمنى قُبيل وفاته.
(٣) كُنَّ أخواتي يُحطْنَ بسرير الوالد رحمه الله، وهُنَّ يدعون ويتلون القرآن همساً.
(٤) أُقيمت على الفقيد صلاة الغائب في أقطار عدّة، منها: استامبول، دار الخلافة
العثمانية .
(٥) الغُرْم: ما ينوبُ الإِنسانَ من ضررٍ بغير جنايةٍ منه، والغرام: العذابُ الدائم
الملازِم.
(٦) فَغَمَ الزهرُ: تفتَّح. وفغمتِ الرائحةُ المكانَ: ملأتُه.

٦٧
مُحَيّاك لكن طِيْبُ ذكرِكَ يَنْسِمُ (١)
يُعزَّى بكَ المرءُ الذي لم يكن رأى
ففي الشّرقِ أحزان عليكَ ومأتمٌ
وداعاً أبا الإِخلاصِ والذَّوقِ والحِجَا
هنيئاً لكَ المثوى النّدِيُّ بِطَيْبةٍ
وفي الغربِ أحزانٌ عليكَ ومَأْتُمُ
أخا العلمِ يَهدي للّي هيَ أقْوَمُ
فيا حُسْنِها بُشرى تَجِلُّ وَتَكْرُمُ!
ومن أولئك ابنه وبِكْره أخي المهندس محمد زاهد أبو غدة حفظه الله،
وهي بعنوان: ((رَحل الحبيبُ)).
وأنَّ الشمسَ أدرَكها المغيبُ
أحقاً أنّه رحل الحبيبُ
وأنِّي صرتُ بين الناس فَرْداً
أحقاً إِنْ وردتُ أريدُ رِيّاً
فلا (نعمُ)) لها جرسٌ أثيرٌ
وأينَ بهاؤُه في النفسِ يسري
ولي دعواتُه بالخير تَتْرى
يقول لي الفؤادُ: مُحَالُ يمضي
وكيف وما تزال لديهِ كتبٌ
أَبِيْ قُمْ ((فالعِنَايَة)(٤) في انتظارٍ
أبيْ قُمْ فالمنابر باكيات
وحيداً لو تداهِمُني الخُطوبُ
ورأياً سوف يُصدرِني اللُّغوبُ(٢)
له نفسي إذا حنَّتْ تَذُوبُ(٣)
وأين حديثُه شهدٌ وطِيبُ
وإثرَ دعائه غِيثٌ سَكُوبُ
وكيف تزول شمسٌ لا تغيبُ؟
يحقِّقها ورأيٌ لا يخيبُ
لها من راحتيك كِسَاً قشيبُ
إذا ذكرتكَ يعرُوها الوَجِيبُ(٥)
(١) يُقال: نَسَمَتِ الرّيح: هبَّت.
(٢) صدر عن المكان: رجع وانصرف. واللُّغُوب: التعب والنَّصَب.
(٣) يشير إلى أن من عادة الوالد رحمه الله أول ردِّه على الهاتف أن يقول: (نعم)
لا (ألو) أو (هلو)، تكلُّماً منه بالعربية !.
(٤) يريد كتاب «فتح باب العِنَايَة شرح كتاب النِّقَاية)) للشيخ علي القاري، الذي خدم
الوالد رحمه الله ثُلثه تقريباً ثم توفي، يسَّر الله للعبد إتمام خدمته وحسن إخراجه.
(٥) الوجيبُ: الاضطراب والاهتزاز.

٦٨
أبيْ قُمْ فالمشايخُ في انتظارٍ
وأسأل طِبَّه: هل من علاجٍ؟
أتى أمرُ الإِله فكُلُّ أمرٍ
إذا اختار العليمُ فلا خِيارَ
وحولَك مؤمناتٌ ضارعاتٌ
ينازِلن الفجيعةَ صابراتٍ
فيا أمَّاه صبراً ثم صبراً
حملتِ العبأَ صبراً واحتساباً
وكنتِ له على الأيام عوناً
فيا رباه أجزلْ كلَّ خيرٍ
مضى شيخ الشيوخ تُقَیّ وفضلاً
فؤادٌ عامرٌ بالله ذِكراً
ووجهٌ طافحٌ بالنور بِشراً
ودمعٌ كم ترقرق في الليالي
تابعتِ النوائبُ والرزايا
جراحٌ أثخنت، والركبُ أعمى
حملتَ همومَ أمتنا جميعاً
وكنتَ النور في دَيْجُور(٣) جيلٍ
كشفتَ له العَوارَ فذا يمينٌ
قد اجتمعوا وطالِعُكَ النقيبُ(١)
فيبكي حين أسأله الطبيبُ(٢)
سواه لا يُفيد ولا يُصيبُ
وبالتسليم يرتاح اللبيبُ
بآي الذكر مَبْسَمُهُنْ رطيبٌ
ولولا اللَّهُ لارتفع النحيب
على الَّلأُّواءِ واللَّهُ الحسيبُ
ولم تهزُزْكِ ضرَّاءٌ قَطوبُ
إذا ما يشتكي أنتِ الحَدوبُ
فأنتَ اللَّهُ أفضلُ من يُثِيبُ
وملءُ إهابه علمٌ رحيبُ
وإلهامٌ له يعنو النجيبُ
وتقوىٍ، تنجلي فيه القلوبُ
على الإِسلام تنهشه النُّيُوبُ
يحار إزاءها الفَطِنُ اللبيبُ
ورأيك في النوازل لا يخيبُ
وهمّ واحدٌ منها يُذيبُ
تَحارُ بهِ المسالك والدروبُ
يجيعُكمو لتمتلىء الجيوبُ
(١) النقيبُ: كبير القوم وسيدهم.
(٢) يريد أخي طبيب القلبية أيمن نؤَّر الله قلبه بالإِيمان والقرآن الذي كان ملازماً
لوالدي في مرض موته .
(٣) الذَّيجُور: الظلمة .

٦٩
وذاك يريدُ من (لينينَ) رشداً
دعوتهمو إلى أمرٍ سواءٍ
بلادُ الشامِ تسأل مَنْ أتاها
أغيَّتِ البقيعُ إمامَ علم
بكتكَ دمشقُ والشهباءُ ثكلى
فيا لكِ فرحةً دامت قليلاً
قلوبٌ بالمحبة طافحاتٌ
وخاف المسلمون بكل أرضٍ
بكتك الهندُ حَبْراً لا يجارى
وصلى الجمعُ في استانبولَ غيباً
قضيتَ العمرَ في تحصيل علم
أتيتَ ربوعَه والقحطُ بَادٍ
غذوتَ له من العلماء رهطاً
وكم من مِعضَلٍ ثابرتَ فيه
كشفتَ غموضَه وأبنتَ فيه
أفي مرضٍ وقد دَنتِ المنايا
إذا أَسَرَتكَ أوجائعُ ثِقِالٌ
أيا أرضَ البقيعِ سُقيتِ غيثاً
لقد أودعتُ فيكِ أبي وحِبِّسي
وددتُ فداءَه نفسي ومالي
يزخرف قوله وهو الكذوب
به الدنيا - إذا اتَّبعوا ـــ تطيبُ
أحقاً ذلك النبأُ الرهيبُ
له العلماء إنْ حاروا يؤوبوا
وأهل الدين جمعهمو كئيبُ
دهانا بعدها أمرٌ مهيبُ
أراها اليوم أحبطها الشُّحُوبُ
أَنْبِعُ العلم حلَّ به النُّضُوبُ؟
وقَوَّاماً إذا هجعتْ جُنوبُ
كم اجتمعوا وأنت بهم خطيبُ!
ولم يوهِنْكَ ضعفٌ أو مشيبُ
ويعلو فيه للبُومِ النَّعِيبُ(١)
تولّوا زرعه فهو الخصيب
ولم تعيا فأنتَ لہ دؤوب
فوائدَ لم يلاحظها الأريبُ
تُنقّي عن كتابِكَ ما يعيبُ(٢)
فذهنُكَ في مسائِلِهِ يجوبُ
به يخضرُّ تُربك والشُّهوبُ(٣)
ومَنْ ذكراه في قلبي لَهِيبُ
ولو أنّي قضيتُ ولا يغيبُ
(١) النعيب: الصياح.
(٢) يريد تنقيحه في كتاب ((الرسول المعلّم صلّى الله عليه وسلّم)) قبل دخوله المستشفى بيوم.
(٣) الشُّهُوب: الأراضي الواسعة.

٧٠
من الدِّين القويم فلا أحوبُ
سألهجُ ما حييتُ بما غَذَاني
وشجَّعني لينطلق الأديبُ
حَبَاني ذَوقُه لطفاً وفضلاً
لغايتنا وموعدنا قريبٌ
سأذكرُه الحَياةَ فإن مضينا
بفضل الله والله المجيبُ
فإن الملتقى جنات عدنٍ
شفاعته تزول بها الذنوب
لي السلوى بأنك في جوارٍ
فنلتَ جوارَه وهو الحبيبُ
نشرتَ حديثَه وذبيتَ عنهُ
ومن أولئك محبه الفاضل الأستاذ ياسين مرزا أكرمه الله، وهي بعنوان:
«في ذمة الله أبا زاهد)).
يا قلبُ حانَ من الحبيبِ فراقُ.
قمْ للحبيبِ مودّعاً ومشيّعاً
والله لا ينسى المودّة صادقٌ
في ذمّة الله العظيم ممجّدٌ
قدْ كان للإِسلام بدراً في الدّجى
لم يَحْنِ هَاماً لم يقدِّمْ ذِلَّةً
صاغَ العلومَ بحكمةٍ ومهارةٍ.
في مشرقِ الأرضِ الرحيب وغربها
كالسلسبيلِ مباركٌ يَهنى به
كالغيث يهطل في البلاد عميمُهُ
(حلبٌ) تنهّل من مَعينٍ صفائِه
بحرٌ يروّي كلّ صُقْعٍ في الدُّنى
ما كنتُ أحسبني أعيشُ لكي أرى
كَمْ طَابَ من ذاكَ الحبيبِ عناقُ
ودعِ الدموعَ مع الوداع تراقُ
لا يعتري قلبَ الصدوقِ نفاقُ
قدْ شعّ منه النورُ والإِشراقُ
لم يعتريه الخسفُ والإِمحاقُ(١)
طَوْدٌ عظيمٌ إنّه العملاقُ
فكساهُ إجلالاً بها الخلاقُ
راحتْ ترددُ علمَه الآفاقُ
صَادٍ يروّي قلبَهُ الرقراقُ
كانتْ تنادي باسمِه العشاقُ
بل و (الرياض) أصابَها التِّرْيَاقُ
بحرٌ يفيضُ وماؤه الدفَّاقُ
بحرَ العلوم تحوُه الأعناقُ
(١) خسوف القمر: ذهاب ضوئه. والإِمحاق: نقصان جُرْم القمر وضوئه بعد اكتماله
بدراً.
:
:

٧١
أحببتَ (طيبةً) في الحياةِ وإنَّها
جارٌ لخير الخلق - أحمدَ - إنَّها
كم قد وقفتَ على (البقيع) مسلِّماً
والقلبُ يخفِقُ بالحنين لصحبةٍ
قدْ كان ما تدعوه فاهنا إنّهم
فاهنا بروضِك في (البقيع) فإنّه
إنّا على العهد القديم ويا له
لا لن نبدّل منهجاً سرنا به
نِعْمَ المقِرُّ هَنتَ يا مشتاقُ
نِعَمٌ يقسّمها لنا الرّزاقُ
والدّمعُ قد جادت به الأحداقُ
يا ليتهم - يوم الزِّحَام - رفاقُ
فيهم ملاذٌ فيهمُ الإِشفاقُ
روضٌ يفوحُ وعطرُه العبّاقُ
للحقِّ للدين القويم وثاقُ
إِنْ عمَّ إظلامٌ بهِ الإِطباقُ
ومن أولئك محبه الفاضل الشاعر الشفاف المُجيد سليم عبد القادر زنجير
رعاه الله، وهي بعنوان: ((نجمٌ أَفَل)) .
ورأى رحلةَ الحياةِ ابتلاءَ
غادرَ الأرضَ، من أحبَّ السماءَ
فليكنْ كوكباً بها وضّاءً
ورأى العمرَ لمحةً، ليس إلاَّ
هكذا مرَّ كِالشِّهابِ بهِيّاً
خافقاً مشرقاً إذا ذُكِرَ اللَّهُ
يسكُبُ النورَ هادئاً والصّفاءَ
ووجهاً يبكي تُقُىِّ ورجاءَ
من علوم، ولتسألوا العلماءَ
ثاقبَ الفكرِ، حاذقَ الفهم، بحراً
رَبَّ ذوقٍ، لله ما أعذبَ، ما أرقى، يشِفُّ عِطْراً نقاءً
إنه شيخُنا الكبيرُ، ألا فليبكِ من شاءَ، أو يُخَلِّ البُكاءَ
من بكى، إنما بكى العلمَ والإِخباتَ، والطُّهرَ، والنُّهى، والحياءَ
وعلى أمّةٍ تعانى الخوَاءَ
من بكى، إنما على النفس يبكي
وبكى راضياً بصيراً بأمرِ اللَّهِ حُكماً وحِكِمَةً وقَضاءَ
من أبى ليس قسوةً، بل لأنّ اللَّهَ أولى بالأصفياءِ لقاءً
عنده قولُ قائلٍ ما شاءَ
إنه شيخُنا الجليلُ، سواءٌ
فانْسَ نجمَ الزمانِ والجوزاءَ
نال من مُهجةِ الزمانِ مكاناً

٧٢
حين نال العُلا، وحاز الثَّاءَ
أتعبَ الحاسدين، وَهْو رحيمٌ
عاش لله، إنّ ذلك يكفي
في ظلالِ الرسولِ أدرك
زارعاً في الحياةِ نَبْتاً زكيّاً
ثم أعطى ما ينفعُ الأحياءَ
ما أدرك، علماً، ورِفعةً، وإياءً
ربما كان للحياة دواءً
مثلما يشتهي المحبُّ النداءَ
ومضى راحلاً إلى اللَّهِ حُبّاً
ضمّتِ المتقين والأنبياءَ
فلتطِبْ نفسُه بجنةِ خُلدٍ
لا غُلُوّاً، بل حُسْنَ ظنٌّ بعبدٍ
مؤمنٍ، ربُّه يُحِبُّ العطاءَ
ومن أولئك تلميذه الفاضل الصالح الكريم الشيخ محمد مجاهد شعبان
رحمه الله(١)، وهي بعنوان: ((وداعاً شيخي الحبيب)).
أنا طولَ عُمْري ما مللتُ هَوَاكَ
أهلي ومالي والفؤادُ فِدَاكَ
ــرٍ راسِخِ أنَّى يُطالُ عُلاكَ
بِلْ مَنْ لإِسنادِ الحَديثِ سواكَ
ضَلَّ الطريقَ وهَدْيَهُ لولاكٌ
دَفَع الكَثيرَ وللعدا أَبقاكَ
بغزيرِ دمع يُغْرِقُ الأفلاكَ
فأشَمُّ في تُرْبِ البقيعِ شَذاكَ
فاهنَا هنيئاً فَالجِوارَ حَباكَ
ويجيبُ فيكَ دُعاءَ من حَيَّاكَ
يا بحرَ علَمٍ زاخرٍ يَا طودَ فكـ
مَّنْ بَعْدَ غْرِك للعلومِ يَبْنُها
تبكيكَ عينُ محبٍّ فيكَ ساهرةٌ
لو كان أمرُ الموتِ يُدْفَعُ بالْفِدى
أو كانَ يُرجِعُه البُكا لبكيتُه
الشوقُ يحملني إليْك بطيْبَةٍ
اللَّهُ ضَمَّك في جوارٍ محمدٍ
اللَّهُ يوليكَ الشفاعةَ مِنَّةً
وفي ختام هذه الترجمة العاطرة الناهضة أسوق أبياتاً شفافة رقيقة للأديب
الكبير الشاعر الأستاذ محمد سعيد دفتردار رحمه الله تعالى (١٣٢٢ - ١٣٩٢)
بتصرف يسير، يرثي بها ابن خالته الشيخ العلامة الفقيه الأديب عمر بن إبراهيم
(١) انتقل إلى ضيافة الكريم وهو يدعو إليه في ١٤٢١/٥/١٩، رحمه الله وأكرم نزله.
:
:

٧٣
البَرِّي رحمه الله تعالى (١٣٠٩ - ١٣٧٨)، وهي تمثّل أمنية من أمنيات العبد
الفقير إليه تعالى :
هالوا الترابَ الغَرْقديّا
بيني وبينك يا أبي
موسَّداً نعشاً سويّا
سأجوزُه يوماً إليكَ
كَ كما عهدتُكَ بي حفيّا؟
فإذا أتيتُكَ هل أرا
عي ذلكَ اللهبَ الوَرِيّا
أبكيكَ لو تُطفي دمو
حتى يعودَ به نَدِيّا
أسقي به هذا الثرى
يْتُك يا أبيْ وبقيتَ حيّا
ما ضرَّني لو قد فَدَ
وتذيعُه عطراً سنيّـا
تروي حديث المصطفى
دك ناضراً غضّاً طريّا
والفقه أين الفقهُ بعـ
... وأطْعَمْ به واشرب هنيّا (١)
فانعم بأطيبِ مِرقِدٍ
(١) مجلة المنهل، المجلد ٢٠، العدد ٤، ربيع الآخرة ١٣٧٩.

٧٤
تقدمة المعتني بالكتاب
قال الإِمام علي بن المديني: التَّفْقَهُ في معاني
الحديثِ نِصْفُ العلم، ومعرفةُ الرجالِ نِصْفُ العلم
◌ِسِهِ الرّحمنِ الرَّحْيَّةِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فإن خدمة كتب الحديث الشريف وعلومه من أفضل الأعمال
وأشرفها، وقد قام العلماء السابقون بتدوينها واستيفاء شتى الجوانب فيها حتى
اشتهرت الكلمة الصادرة عن بعضهم: ((عِلْمُ الحديث عِلْمٌ نَضِجَ واحترق))، إيذاناً
باستكمال مباحثها واستيفاء فنونها .
وكان من أجَلّ ما اهتموا به علمُ رجال الحديث، فدوَّنوا فيه واستقصَوا
استقصاءً عَجباً، حتى يكاد يقال: لم يَفُتهم من الرواة راوٍ ثقةً كان أو ضعيفاً إِلاَّ
ذكروه، بما وَصَل إليه علمُهم، فأحسنوا وأجادوا، وتَعِبوا وأفادوا، فجاء مَنْ
بعدَهم فرأى كلَّ من يَمُزُّ به من الرواة مذكوراً مترجَماً بما يَكشِفُ عن حاله جرحاً
أو تعديلاً. فجزاهم الله خيراً.
ويلاحظ القارىء لهذا الكتاب بتتبع وإمعان نظر وفكر، أن علماء الجرح
والتعديل من المحدثين رحمهم الله تعالى، استقصَوا واستوعبوا في ذكر كل من

٧٥
غُمِز أو لُمز بمغمز ولو غير صحيح، فذكروا ذلك في ترجمته، وأدخلوها
- على الاحتمال الضعيف - في صف المُتَكَلَّم فيهم بحق ويقين، وذلك بُغْيَة
الاستقصاء في كشف حال النَّقَلة للسنة النبوية، والعلوم الإِسلامية، ليكون
الأخلاف على بصيرة من حال رجال الأسلاف، أداءً للأمانة وصوناً للشريعة
المطهرة، وحرصاً على الكلمة أن ينالها الزلل أو يبلغها الخلل، فكانوا
بذلك أمناء لدينهم جِدَّ أمناء، ومخلصين للعلم أيَّ مخلصين، وهذه مزية
وخَصِيصة لم تكن لغيرهم من الأمم، فمن هذا وأمثاله كانوا خير أمة أخرجت
للناس .
وقد شهد بذلك أحد المستشرقين الكبار وهو العالم الألماني المعروف
بـ (اسبرنجر)) في مقدمته بالإنجليزية على كتاب ((الإصابة)) المطبوع في كلكتا
سنة ١٨٥٣م - ١٨٦٤م، قال: ((لم يعرف التاريخ في ماضيه ولا حاضره أمة
أتت في علم الرجال بمثل ما أتى به المسلمون خدمة لحديث نبيهم صلَّى الله
عليه وسلَّم في هذا العلم العظيم الشأن الذي تناول سيرة وأحوال خمس مئة ألف
إنسان)»(١) .
وقد تتابعت جهودهم في التأليف في الرجال بدءاً من منتصف القرن الثاني
للهجرة تقريباً إلى القرن التاسع، وقد حَظِي القرن الثامن والتاسع بأئمة مهرة في
الحفظ والمعرفة والإتقان ونقد الرجال كالحافظ المزي، وتلميذه الحافظ
الذهبي، والحافظ العراقي وتلميذه الحافظ ابن حجر وغيرهم رحمة الله عليهم،
فألَّفوا في الرجال كتباً عظاماً ضخاماً مُحَزَّرة، جعلتْ مَنْ بعدَهم عالة على كتبهم
في هذا العلم الخطير .
(١) أورد ذلك فضيلة الشيخ العلامة الداعية المفضال أبو الحسن علي الحسني الندوي
حفظه الله في مقدمته على كتاب مولانا الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي رحمه الله تعالى
«الأبواب والتراجم للبخاري».

٧٦
وكان من أبرز ما ألَّفه الحافظ ابن حجر في رجال الحديث كتابُه الحافل
العجاب: ((لسان الميزان)»، الذي دَوَّن فيه ما استفاده من كتب الأئمة الحفاظ
سابقيه: كالذهبي والعراقي وسواهما فأصبح كتابُه هذا مرجعاً في بابه، إماماً في
محرابه، وحُقَّ له أن يحظى بهذه الرتبة العالية والمقام الرفيع .
وأذكر هنا أن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، ألَّف كتابه «اللسان»
قبل تأليفه كتابه ((تهذيب التهذيب))، فقد فرغ من ((اللسان)) سنة ٨٠٥،
وفرغ من ((تهذيب التهذيب)) سنة ٨٠٨، فلذلك كانت الإِحالة عنده في
((اللسان)) إلى (تهذيب الكمال)) في أكثر الأحيان، وهذا مما تنبغي الإشارة إليه
والانتباه له .
وأذكر هنا أيضاً أن الحافظ رحمه الله تعالى لم يذكر في كتابه ((اللسان)) أنه
أراد استقصاء تراجم الرواة الضعفاء، وإنما اهتم باستيفاء تراجم ((الميزان))،
وأضاف إليها ما جاء في أصول («الميزان)) ومتعلقاته، فيخطىء من ظنَّ أن
((اللسان)) قد استوفى جميع تراجم الرواة الضعفاء.
وقد تفَّن المحدِّثون الكبار من معاصري الحافظ ابن حجر والتالين
لعصره، بخدمة كتابه استدراكاً عليه واختصاراً له ...
· ولمَّا وجد شيوخ الحديث وكبار علماء المدرسة النِّظَامِيَّة في مدينة
حيدرآباد الدَّكَّن بالهند: الحاجة الماسةَ إلى نشره وطبعه وتيسير وصول نسخه
إلى أيدي العلماء والمُحَدِّثين والدارسين، نهضوا بهذا العبء الثقيل على قدر
طاقتهم وإمكاناتهم المادية المحدودة، وتيسُّر وسائل عصرهم، واعتمدوا على
ما مَكَّنَتهم منه ظروفهم الضيقة بالحصول عليه من أصلٍ مخطوط، فطبعوا هذا
الكتاب في مدة ثلاث سنين من سنة ١٣٢٩ حتى سنة ١٣٣١، وكان لهم الفضل
العظيم في طبع هذا الكتاب الفريد قبل نحو تسعين سنة.

٧٧
وعُذَّ الحصول على نسخة منه بعد طبعه فوزاً عظيماً وظَفَراً جسيماً
فرحمة الله عليهم ورضوانه العظيم.
وقد وقع في هذه الطبعة الهندية أخطاء كثيرة، وتحريفات عجيبة، وأسقاط
مدهشة، ومرجعُ ذلك إلى سَقَم المخطوطة التي اتخذوها أصلاً ومعتمداً، فإن
المعهود في المطبوعات الهندية - سواء على الحجر أم بالحروف الحديدية -
الصحّةُ والسلامة من تلك المآخذ.
وقد أوضحتُ ذلك بإسهاب في مقدمتي لكتاب ((مبادىء علم الحديث
وأصوله)) إذ تحدثت عن فضل علماء الهند في نشر كتب السنة وعلومها.
وكان حقُّ هذا الكتاب ((لسان الميزان)) أن يحظى بالعناية التامة والخدمة
اللائقة به منذ سنوات غير قليلة، بعد أن تيسّرت سبل الطباعة، وتواصلت
المعرفة بالكتب النفيسة المخطوطة ونُسَخِها في المكتبات شرقاً وغرباً، فيُعتمدَ
في نشره على نسخة أو نسخ معتبرة صحيحة ويُعادَ طبعُه وتحقيقه، وتقويمُ
نصوصه، فيَخرُجَ قويماً سليماً خالياً من الأخطاء والمعايب التي وقعت في طبعته
الهندية، ويُعطى من العناية ما يفي بمقامه وأهميته، ليكون (لسان الميزان) حقاً.
وقد اهتممت به من أكثَرَ من عشر سنوات، وتوجهت إلى نشره والعناية
بصدوره مخدوماً بقدر طاقتي الضعيفة، فجمعت بعض النسخ المخطوطة،
وانتخبت أصح النسخ التي وقفت عليها فاتخذتها أصلاً، وسواها من النسخ
روادف وروافد لها. وقدمته إلى المطبعة من أكثر من سنتين، حتى يسَّر الله تعالى
إتمامَ خدمته وطبعه في هذا العام ١٤١٧ والحمد لله. وفي خلال عملي به
صدرَتْ له طبعات لم تصل إلى المستوى اللائق بهذا الكتاب. تحدثت عنها في
أواخر هذه التقدمة.
:

٧٨
وفي الختام أسأل الله تعالى التوفيق والسداد، والقبول منه والإِمداد،
وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.
الرياض ١٧ من رمضان ١٤١٧ (١)
و کتبه
عبد الفتاح أبو غدة
(١) قال سلمان: كان وفاة سيدي العلاّمة الوالد طيّب الله ثراه بعد عشرين يوماً من
كتابته هذه التقدمة! فهذه كتابة من يعاني الآلام، ويتحرَّق على كتابة كلمة أو سطر زيادة في
خدمة الكتاب!

٧٩
تسمية الكتاب بلسان الميزان
تسميةُ الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى كتابه هذا باسم ((لسان الميزان))
لها مدلول علمي دقيق عميق، أُوضِّحه فيما يلي :
سمَّى الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى كتابه «ميزان الاعتدال في نقد
الرجال)»، وفي تسميته هذه مدلول علمي هام، وهو أن من ألَّف قبله في تراجم
الرجال المُنْتَقَدين، كان في تأليفه شيء من التساهل والتسامح أو التشدد
والتعلُّت، فألمع الحافظ الذهبي بهذه التسمية إلى وقوع ذلك ممن سبقه في
تأليف تراجم الرجال وأشار إلى أن كتابه تفادَى فيه الشططَ والعَنَت والتساهل
والتسامح، فأقامه وأسَّسه على النقد المعتدل الذي لا وَكْسَ فيه ولا شَطَط .
فسماه ((ميزان الاعتدال))، وهو ملحظ صحيح وجيه، لا ينتبه كل قارىء لدلالته
التي أشرت إليها .
وجاء الحافظ ابن حجر فأربَى على الحافظ الذهبي في دقة تسمية كتابه
باسم (لسان الميزان))، مشيراً بكلمة (اللسان) التي أدخلها على (الميزان)، إلى
أن كتابه هو الفيصلُ الحَكَمُ في بابِهِ وموضوعِه، لشدة ضُبطِ عِياره في الوزن،
كما يُضبطُ عيارُ وزنِ الذهب واللؤلؤ، باستقامةِ (لسان الميزان) لا مَيْلَ فيه إلى
يمين أو يسار، وعلى هذا فكلمةُ (اللسان) ليست من باب الإِقحام وتسميةٍ
الكتاب باسم يميزه عن (الميزان)، بل هي نظرة دقيقة بارعة من إمام بارع دقيقٍ

٨٠
أَفِيق، وضعها كاللؤلؤة الفريدة في واسطة العِقد، فللَّه دَرُّه ما أدقَّ نظرَه، وأجمَلَ
ما سَطَره.
و (لسانُ الميزان) هو الحديدة الرفيعة التي تكون في وسط الحديدة
الطويلة التي تحمِلُ الكِفَّتين، ويُستدل به عند استوائه تماماً على تعادل الكِفَّتين.
كلمة عن التصنيف في ضعفاء الرجال
كان الكلام في الرجال جرحاً وتعديلاً يتناقله الرواة سماعاً بعضهم عن
بعض، ولم يبدأ عهدُ تدوين الجرح والتعديل إلَّ مِن بعد منتصف القرن الثاني
الهجري تقريباً، حين توسّع الأئمة في الكلام على الرجال.
فكان أوَّلَ من دُوِّن كلامه في الجرح والتعديل الإِمامان عبدُ الرحمن بن
مهدي ويحيى بن سعيد القطان، المتوفيان سنة ١٩٨. ثم تتابعت التصانيف في
القرن الثالث الهجري، وكان من أوائل المصنفين في هذا القرن الإِمامُ علي بن
المديني المتوفى سنة ٢٣٤، وابن سعد المتوفى سنة ٢٣٠، وابن معين المتوفى
سنة ٢٣٣، وأحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ رحمهم الله تعالى.
وأقدم مصنَّفَ في الضعفاء: كتاب ((الضعفاء)) للإِمام يحيى بن سعيد
القطان(١)، و(الضعفاء)) للإِمام يحيى بن معين(٢)، و ((الضعفاء)) للإِمام علي بن
المديني(٣).
واستمر التأليف في الرجال الضعفاء من كبار الأئمة موجزاً ومطولاً، حتى
انتهى إلى الحافظ الذهبي، فألّف عدةَ كتب في الضعفاء، كان أجمعَها وأوعبَها
(١) سير أعلام النبلاء ٩ : ١٨٣، ميزان الاعتدال ١:١.
(٢) الإعلان بالتوبيخ ٥٨٦ أو ١٠٩ .
(٣) معرفة علوم الحديث للحاكم ٧١.