النص المفهرس
صفحات 1-20
كتاب حوى تراجم رواة الحديث بالأصالة وتعرض للقراء والمفسرين والفقهاء والأصوليين والشعراء واللغويين والمتصوفة والمؤرخين جَمَيْعُ الْحُقُوقِ مَخَفُوظَةٌ للعتنيبهِ الْطبعَة الأولى المحقّقَة المُفُهِرَسَة ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م قامَت بطيَاعَته وإخراجه دار البشائر الإسْلاميّة للطبَاعَة وَالنشرَ وَالتَوزيع بيروت - لبنان - ص.ب: ٥٩٥٥ - ١٤ وَيُطلبُ مِنْهَا هَاتفٌ: ٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٠٠٩٦١١/٧٠٤٩٦٣ e-mail: bashaer@cyberia.net.lb قَالَ الإِمَامُ عَلَى بْنُ الْمَدِينِيّ: مَعْرفَة الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ لسَّاذُ المَانِ لِلإِمَامِ الْحَافِظِ أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن ◌َر العَسَّقَلَاني وُلدَسَنة ٧٧٣، وتُوفي سنة ٨٥٢ رَحْمَهُ الله تعَالى اعْتَنِى بِهِ الشّيْخُ العَلامة عبد الفتاح أبو غَدَّة وُلِدَ سَنَّة ١٣٣٦ وَثُفَّ سَنَة ١٤١٧ رَحَمَهُ الله تعالى اعتَى بِاخْرَاجِهِ وَطِبَاعَتِهِ سلمان عبد الفتّاح أبو غَدَّة الجزء الَوَّلْ مكتب المطبوعات الإسلاميّة مناجاة عندي وكَمْ لَكَ مِنْ أَثَرْ كَمْ يا أبي لك من یدٍ ورَعَيْتَني مُنْذُ الصِّغَرْ أَنْتَ الذي ربَّيْتَني هُوَ كَنْزُ مَالِيْ المُدَّخَرْ وَأَفَدْتَنِي العِلْمَ الَّذِي وتِلْكَ أَيْدِيكَ الغُرَرْ هذي عَوَارِفُكَ الحِسَانِ أَرُدُّهُ عِنْدَ الكِبَرْ هِيَ يا أبي دَيْنٌ عَلَيَّ ابنُك سلمان من أقوال العلماء في الحافظ وكتابه ١ - الشيخ الحافظ، المحدِّث المُتْقن المحقّق. الإِمام سراج الدِّين البُلْقينيّ (ت ٨٠٥) ٢ - الشيخ الإِمام العالِم، الكامل الفاضل، المحدِّث المُفيد المُجيد، الحافظ المتقن الرَّحَّال، الضَّابط الثِّقة المأمون، جَمَع الرُّواةَ والشُّيوخَ، وميَّز بين الناسخ والمنسوخ، وجمع الموافقات والأبدال، وميَّز بين الثِّقات والضعفاء من الرجال، وأفرط بجدِّه الحثيث، حتى انخرط في سلك أهل الحديث، وحصَّل في الزَّمن اليسير، على علم غزير. الإمام الحافظ العراقيّ (ت ٨٠٦) ٣ - وهذا الكتابُ اختصر فيه ((الميزان)) للذَّهبي، وزاد عليه زيادات في أثناء التراجم، وزيادات بتراجم مُستقلَّة، وهو كتابٌ بديعٌ. الإمام الحافظ المؤرِّخ التقيّ الفاسيّ (ت ٨٣٢) ٤ - حَضَرتُ على العماد ابن كثير، وعلى غيره من شيوخ الحافظ العراقيّ، فلم أر فيهم أحفظ من ابن حجر. الإِمام المقرىء ابن الجزريّ (ت. ٨٨٣٣) ٥ - وهذا الرَّجل في غاية ما يكونُ من استحضار الرِّجال والكلام فيهم، وله مؤلَّفاتٌ كثيرةٌ في تراجمهم، وله كتاب ((لسان الميزان)) كتابٌ حَسَنٌ فيه فوائدُ، وأما الحديث فله معرفةٌ تامةٌ برجاله المتقدِّمين والمتأخِّرين، لا أستحضرُ أنَّي رأيت مثلَه في معرفة رجاله المتقدِّم والمتأخّر، والله أعلم. الإِمام سبط ابن العجمي (ت ٨٤١) ٦ - الإِمامُ العلاَّمة الحافظ، فريدةُ الوقت، مَفخرةُ الزمان، بقيّة الحفاظ، عَلَم الأئمّة الأعلام، عُمدة المحقّقين، وخاتمة الحفّاظ المبرِّزين، والقُضاة المشهورين. كان في حال طلبه مفيداً في زِيّ مُستفيد، إلى أن انفرد في المشبوبيَّة بين علماء زمانه بمعرفة فنون الحديث، لا سيَّما رجاله وما يتعلَّق بهم، فألَّف التواليف المفيدة، المليحة الجليلة السَّائرة، الشَّاهدة له بكلِّ فضيلة، الدَّالة على غزارة فوائده، والمُعْربة عن حُسن مقاصده، جمع فيها فأوعى، وفاق أقرانه جنساً ونوعاً، التي شنَّقت بسماعها الأسماع، وانعقد على كمالها لسان الإِجماع، ورُزق فيها الحظّ السَّامي عن اللَّمس، وسأرت بها الركبان سيرَ الشمس، وهو حافظٌ محقِّق، متين الدِّيانة، حَسَنُ الأخلاق، لطيف المحاضرة، حَسَنُّ التعبير، عديمُ النظير. الحافظ المؤرِّخ التقيّ ابن فهد (ت ٨٧١) ٧ - فريدُ زمانه، وحامل لواء السُّنَّة في أوانه، ذهبيُّ هذا العصر ونُضارُه، وجوهره الذي ثبت به على كثير من الأعصار فَخَارُه، إمام هذا الفن للمقتدين، ومقدَّم عساكر المحدِّثين، وعُمدة الوجود في التوهية والتصحيح، وأعظمُ الشُّهود والحكّام في بابَي التعديل والتجريح. الحافظ المتفنِّن السيوطي (ت ٩١١) ٨ - الحافظ الكبير الشهير، الإِمام المنفرد بمعرفة الحديث وعِلَلِه في الأزمنة المتأخِّرة، شَهِد له بالحفظ والإِتقان القريبُ والبعيدُ، والعدوُّ والصَّديق، حتى صار إطلاقُ لفظ (الحافظ) عليه كلمةَ إجماع، رَحَلِ الطَّلَبَة إليه من الأقطار وطارت مؤلَّفاته في حياته. العلاّمة الشوكانيّ (ت ١٢٥٠) ٧ تقدمة القائم على طبع الكتاب : ب الحمد لله الحيّ القُّوم الذي تفرّد بالبقاء، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمد أفضل الأنبياء، وعلى آله وصحبه الأخيار الأطهار الأمناء، وعلى من تبعهم بإيمان وإحسان إلى يوم اللقاء، أما بعد : - فهذا كتاب ((لسان الميزان)» للحافظ الجِهْبِذ الشهير، والإِمام الناقد النِّحرير، شيخ الإسلام أحمد بن عليّ بن محمد بن حجر العسقلانيّ المتوفى سنة ٨٥٢، رحمه الله وقدّس روحه (١): الذي كان إخراجه أملاً قديماً في فؤاد سيّدي العلّامة الوالد رحمه الله تعالى، يلهجُ بذكره وتحقيقه، ويسعى لخدمته وتدقيقه، سعياً دؤوباً دائماً، يستسهل في ذلك الصعاب، ويسترخص الغالي والعزيز(٢)، ويسابق الزمن والأجل، جاهداً وراغباً في إخراجه على الشكل (١) تقدمت طائفة من ثناء فحول العلماء عليه، لكن اعلم أن كلمتي الإِمام البُلقيني والحافظ العراقي العاليتين الغاليتين صدرتا منهما والحافظ في شبابه (في حدود الثلاثين من عمره)! اللهم لا تحرمنا أجرهم! ولا تفتنا بعدهم! واغفر لنا ولهم! يا رحمن يا رحيم. (٢) أذكر من ذلك قوله لي، وهو طريح الفراش في مستشفى العيون، بشأن إحضار نسخة ابن قمر التي هي مسوّدة الحافظ ابن حجر للكتاب: لا تهتم بأمر التكلفة، فإنه ينبغي إحضارها مهما كلفت، وتعدُّد سؤاله - وهو على فراش الموت - عن وصول تجارب الكتاب، أملاً منه أن يقوم بالإشراف على تصحيحه، وأن ينظر فيه النظرة الأخيرة، كما هي عادته في کتبه رحمه الله وغفر له . ٨ اللائق بالكتاب، والميَسَّر لطلاب العلم والباحثين. وأحمد الله عزّ وجلّ أنه لم يغادر هذه الدنيا الفانية الزائلة، إلَّ وقد مثَّع ناظريه، وكّل عينيه برؤية هذا السِّفْر الضخم العظيم مكتملاً ماثلاً للطبع. وأحمده سبحانه أن مكَّنه وأكرمه - وهو في مرضه وآلامه - من أن ينظر فيه نظرةً أولى ويهيّئه للطبع، ففارق الحياة وهو قرير العين إذ أنجز هذا العمل الضخم، وحقّق ذلك الأمل القديم، خدمةً لحديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ورجاءَ دعوة صالحة ممن ينتفع به، إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها(١). فاللهم أنزل على قبره الضياء والنور والفسحة والسرور، وأمطر جَدَثه بسحائب رحماتك ورضوانك وعفوك وغفرانك، وتقبّل منه عمله هذا وسائر أعماله، وعظُّمها له كما يليق بجلالك وعظمتك وكرمك! سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك! وبعد وفاة والدي رحمه الله وجدت نفسي أمام مجموعة من الكتب معلقة في المطبعة تنتظر الإِخراج والنظر والتنقيح، فضلاً عما لم يدفع للطبع. وكان واسطة العقد فيها هذا الكتاب الضخم الفخم، المبسوط الموسوعي، مضافاً إليه رسالتي التي أحضِّرها لنيل درجة الماجستير في الحديث الشريف(٢)، التي كنت تأخرت فيها قليلاً بسبب مرض الوالد ووفاته وانشغالي (١) تأمل - رحمك الله - أنه كتب مقدمته قبل عشرين يوماً من وفاته! فهي كتابة من كان يعاني الآلام ويتحرَّق على كتابة كلمة أو سطر زيادةٌ في خدمة هذا الكتاب! (٢) وعنوانها: ((الكامل في ضعفاء الرجال)) للحافظ ابن عدي الجرحاني (٢٧٧ - ٣٦٥) من أول ترجمة عبد الله بن معاذ الصنعاني إلى آخر ترجمة عبد الرحمن بن سعد المُقْعَد - تحقيق ودراسة. = ٩ معه، فسألت الله العون والتوفيق، وشمّرت عن ساعد الجد والتحقيق، وصرت أقتنص أوقات فراغي في أثناء عملي بالرسالة، فأعمل فيه، قراءة وتنقيحاً وتصحيحاً، حتى فرغت من رسالتي فتوجهت إليه بالكلية . وكان من منهج الوالد رحمه الله في إخراج الكتاب قراءتُه مرتين على الأقل، فلذا قمت بإعادة قراءته وتصحيح ما وقفت عليه من أخطاء مطبعية لم تكن لتفوت الوالد رحمه الله لولا مرضه الشديد وضعف بصره في آخر أيامه . ودأبت عليه نهارَ مساءً متفرغاً له، قرابة سنتين، حتى انتهيت منه، والله يعلم كم تعبت وبذلت فيه من جهد ووقت، وكم سهرت عليه من ليالٍ، وواصلت فيه من أيام، مع كثرة الصوارف والعوالق، ودوام الإلحاح والطلب والاستحثاث من المحبين على سرعة إخراجه (١). ولا الصبابةَ إلاَّ من يقاسيها! لا يعرِف الشوقَ إلا من يُكَابِدُه وقد قمت بمقابلة الكتاب مرة ثانية بمخطوطة الأصل، للاطمئنان على صحة النص، وحرصت أن أدقق في خدمته وتصحيحه على النقطة والفاصلة، رغبةً وأملاً في خروج الكتاب على نحوٍ تقرُّ به عين الوالد رحمه الله، وأسأل الله أن أكون قد وفّقت لإِخراجه كما كان يأمل هو، وكما يرتضيه الحافظ ابن حجر قدّس الله روحه، وكما يستحقه هذا الكتاب العجاب، إخراجاً تطيب وتنشرح به صدور أهل الحديث، وتقرّ به أعين العلماء والطلبة، وما ذكرت ذلك إلاَّ رغبة في دعوة بظهر الغيب - ولو مرة واحدة - من المنتفعين به، والله يجزي المتصدقين. وقد تمت مناقشتها وإجازتها بدرجة ممتاز بفضل الله تعالى في ١٤٢٠/١/١٢ هـ ـ ١٩٩٩/٤/٢٨ م من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. (١) أذكر منهم: ريحانة الحجاز فقيد مكة المكرمة سيدي الشيخ العالم النقي الصفي الشريف الهاشمي المكي منصور بن عَوْن العَبْدَلي، المولود سنة ١٣٦٥ والمتوفى سنة ١٤١٩، والمدفون في البقيع الشریف قدّس الله روحه. ١٠ وأشير إلى أن الوالد غمر الله قبره بالرحمة والمغفرة جعل جُلَّ همِّه في خدمته لهذا الكتاب: ضبطَ النص وإخراجه سليماً محرراً، دون التوسع في التعليق، من تتبع الأحاديث وتخريجها وبيان مراتبها، أو الترجمة للأعلام المذكورين في أثناء التراجم، أو تحرير حال الرواة المترجمين ودراستهم بشكل مفصَّل، أو استيعاب الأقوال فيهم، أو الاستدراك على الحافظ ما فاته ونحو ذلك . وإن كان وقع له شيء من ذلك فهو قليل ونادر، والنادر لا حكم له، ولذلك أمرني رحمه الله أن أكتب على الغلاف: (اعتنى به) لا (حققه)، وكان يقول: هذا الكتاب يمكن أن يخدم على ثلاثة أوجه (درجات)، وخِدْمَتُه له كانت على نهج الإِيجاز لا البسط أو التوسط. كما أشير إلى أنه رحمه الله اعتنى بشكل المُشْكِل، وما تركه منه غير مشكول فهو مما لم يقف على ضبطه. كما أودّ أن أشير إلى أن هذا الكتاب المكنوز المليء بالفوائد والفرائد يحتاج لفهارس موسعة تخدمه وتُظهر درره المكنونة، وقد أراد الوالد رحمه الله تعالى القيام بتلك الفهارس، وأشار إلى ذلك في آخر تقدمته إلاَّ أن المنية اخترمته دون أن يفعل شيئاً من ذلك، وقد قمت - بعون الله - بإعدادها وإخراجها، راجياً من الله التوفيق والسداد، ومن المنتفعين بها صالح الدعاء . ولقد كانت حياة سيدي العلامة الوالد رحمه الله حَلْقة متقنة من العلم والعمل والدعوة والأدب والبحث والتحقيق والتأليف، وأسأل الله العلي القدير أن يوفقني ويسددني لإِخراج ما بقي من كتبه المؤلفة أو المحققة مما أنجزه قبل وفاته، وعاجله الأجل قبل إخراجه. ١١ وقد أثبتُّ بعد هذه المقدمة ترجمة موجزة للوالد طيّب الله ثراه، مرجئاً التوسّع في ترجمته إلى كتاب مستقل أخرجه عنه إن شاء الله تعالى. وفي الختام أسأل الله أن يتقبل خير قبول من مؤلف الكتاب الحافظ ابن حجر ومن والدي رحمهما الله تعالى ومن العبد الضعيف هذا الجهد، وأن يجزي خير جزاء من ساعد في إخراج هذا الكتاب وأعان عليه، وأخص بالذكر منهم أخي الكبير الأستاذ محمد زاهد، وأخي الكريم الطبيب أيمن أكرمهما الله بالرضا والقبول، وفتح عليهما أبواب العلم والخير، وصرف عنهما أبواب السوء والشر. اللهم انفعني وارفعني بالقرآن العظيم، ووفقني لاتّباع نهجك القويم وسنة نبيك الكريم، واحشرني مع الأنبياء والعلماء والصالحين، وما توفيقي إلاّ بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. وكتبه طالب العلم الفقير إليه تعالى سلمان بن عبد الفتاح أبو غدة الرياض ٥ ربيع الأول سنة ١٤٢٠ (١) (١) كنت أنهيت قراءة الكتاب وكتابة مقدمته في هذا التاريخ، ثم أنهيت الفهارس في غرة رجب ١٤٢١ كما هو مذكور في آخرها. ثم ضاعت التصحيحات الأخيرة المرسلة إلى المطبعة لأمر يريده الله! وشغلت عن إعادتها فتعطل الكتاب نحو ستة شهور، حتى منَّ الله بإعادة استخراجها وتنفيذها، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ١٣/ جمادى الأولى / ١٤٢٢. ١٢ ترجمة المعتني بالكتاب: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة بقلم ابنه سلمان مضى (والدي) حينَ لم يبقَ مشرقٌ وما كنتُ أدري ما فواضلُ عِلْمِهِ فأصبح في لحدٍ من الأرض ميِّناً سأبكيك ما فاضت دموعي فإِنْ تَغِضْ فما أنا من رزءٍ وإن جَلَّ جازٌ كَأَنْ لَمْ يمت حَيٍّ سواك ولم تَقُمْ لئنْ حَسُنَتْ فيكَ المراثي وذكرُها ولا مغربٌ إلَّ له فيه مادحُ على الناس حتى غيَّته الصفائحُ وكانت به حياً تضيقُ الصحاصحُ فَحسبُك مِنِّي ما تُجِنُّ الجوانحُ ولا بسرورٍ بعدَ موتِكَ فارحُ على أحدٍ إِلاَّ عليك النوائحُ لقد حسُنَتْ من قبلُ فيك المدائحُ(١) * اسمه و کنیته ونسبه ونسبته : هو أبو زاهد وأبو الفتوح عبدُ الفتاح بنُ محمدِ بنِ بشيرِ بنِ حسنٍ أبو غدة، الحلبيُّ بلداً، الحنفي مذهباً، القرشي المخزومي الخالدي نسباً، المنسوب إلى سيدنا خالد بن الوليد المخزومي رضي الله عنه ونفعنا بحبه، والسير على نهجه ودربه. وذلك كما جاء في شجرة النسب التي تحفظ نسب الأسرة، وكما سمعته منه مراراً وتكراراً. * ميلاده: وُلد رحمه الله في منتصف رجب عام ١٣٣٦ هـ، الموافق ١٩١٧م، كما سمع من والدته رحمهما الله تعالى، وذلك بمدينة حلب الشَّهْبَاء. (١) الأبيات للأشجع بن عمرو السُّلمي بتصرف يسير، كما في ((الحماسة)) لأبي تمام ١: ٤١٣. ١٣ أسرته : * كانت أسرتُه متوسطة الحال، ذاتَ بُروزٍ في محيطها . وكان والده وجده رحمهم الله تعالى يحترفان التجارة بصنع المنسوجات الغَزْلِيَّة، التي كانت تسمَّى (الصَّايَات) وهي قماشٌ ينسج بالنَّوْل اليدوي، تارة لُحْمَتُه وسَدَاه غَزْل، وتارة لحمته وسداه حریر. وكانت منتوجاتُهما أعلى المنتوجات جودةً وإتقاناً ورونقاً ومتانة، فكانت تُطْلب من السوق بعينها لذاتها، ويُصدّر منها المئات إلى تركيا في الأناضول، فكان أهل بر الأناضول رجالاً ونساءً يلبسون منها . كان والدُه وجدُّه يتَجران بهذه الصناعة والتجارة، وكانا يعدان من أهل اليسر المحدود لا الغنى الطافح المشهود، وكانا من أهل السِّتر والعفاف وأهل التمسك بالدين وشعائره والمواظبة على الذكر وقراءة القرآن، ونَشَّأوا أبناءهم على ذلك، فجزاهم الله عنهم خير الجزاء. وبعد كساد صناعة (الصَّايَات) بسبب تحول اللباس عند الأتراك من الثياب إلى (البدلة) الإِفرنجية، تحوَّل والده إلى متجر في سوق الزَّهْر بحلب المتفرع من شارع بَانْقُوسًا، كان يبيع فيه الأقمشة المختلفة مما يلبسه أهل الريف الحلبي. ومن الطريف أنه يوم وُلد والدي رحمه الله باعا (جده ووالده) ألفَ صَايَة (دَرْجَة) ففرحا كثيراً. وأطلقا على المولود اسم عبد الفتاح لما فتح الله عليهما به يوم مولده. وقد كان أساس سُكنى العائلة بحي الجُبَيْلَة، وقد كانت هناك أرض عليها دارٌ متواضعةٌ، وهي بالأصل لآل غدة وبعض أقاربهم وِرْثَة، فأخذ جده بشير - وقد كان من الوجهاء العقلاء الفصحاء النبلاء الفطنين الرزينين - هذه الأرضَ ١٤ مراضاةً، حيث أتى بكاتب شرعي من المحاكم الشرعية، وبعضِ الوجهاءِ، ثم دعا من له حصة في هذه الأرض، وأعطاهم ما طلبوا حتى أرضاهم واستملك الأرض، ثم جَدَّد هذا البيت وعَمَره عِمَارة جميلة، فأصبح فيه سبعُ غُرَف وأربعةُ أَقْبَاء (جمع قبو وهو الغرفة التي تكون تحت مستوى الأرض)، وكان واسعاً رحباً جميلاً حتى إن بعض الناس كان يقيم الأعراس فيه لجماله ورحابته، وقد أدرك والدي عملية التملك هذه وهو بين ٦ - ٨ سنين. وقد قال والدي عن جده بشير: إنه كان أبعد نظراً من ابنه محمد. وقد توفي جده عن قرابة ٨٥ سنة، وكان عمر والدي قرابةَ عشرين سنة، وكان براً بجده يحمله إلى حيث يريد بعدما أُقعد، ولما توفي كان والدي في مبدأ طلبه العلم، وقد طلب والدي العلم متأخراً وعمره ١٩ سنة تقريباً. وتوفي والده رحمهم الله جميعاً ليلة الامتحان وهو في المدرسة الخُسْرُوية قبل ذهابه إلى الأزهر بسنتين، وعمره قرابة ٢٥ سنة، أي سنة ١٣٦١هـ ـ ١٩٤٢ م. وكان لجدي رحمه الله خمسة أولاد: ثلاثة أبناء وابنتان، فأما الأبناء فهم : عبد الكريم وهو أكبرهم وكان ممن قاوم الفرنسيين ودوَّخهم، ومن أولاده الدكتور عبد الستار له مؤلفات ومشاركات في العلم الشرعي، وبخاصة في قضايا المعاملات والبنوك الإسلامية . وعبد الغني ومن أولاده الدكتور حسن صاحب كتاب ((أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإِسلام» أول مؤلف في هذا الباب، وغيره من الكتب. ووالدي رحمهم الله جميعاً. وأما البنات فهما شريفة وزوجها الحاج محمد سالم بيرقدار رحمه الله، ونَعِيْمَة وزوجها الحاج علي خيَّاطة متعهم الله بالصحة والعافية. ١٥ نشأته وتحصيله العلمي : نشأ والدي في حِجْر والده الذي كان كثير تلاوة القرآن والمحافظة على قراءته في المصحف، والمحب للعلماء المتقصد لحضور مجالسهم ودروسهم، والاقتباس من علمهم وإرشادهم. ثم لما دخل في السنة الثامنة من العمر أدخله جده رحمه الله المدرسة العربية الإِسلامية الخاصة، وكانت ذات تكاليف وأقساط مرتفعة، كما كانت ذات سمت عال، وإدارة حازمة، ومتانة في التعليم والأخلاق، فكان لا يدخلها إلاَّ عِلْية القوم، ووجهاؤهم. فدرس فيها من الصف الأول حتى الرابع دراسة حسنة، وتعلّم فيها ما محا منه الأمية، وأكسبه صحة القراءة والكتابة مع ضعف الخط عنده. وكان لحسن قراءته وسدادها الفِطْري يدعوه كبارُ أهل الحي ووجهاؤه إلى سهراتهم الأسبوعية الدورية ليقرأ لهم من كتاب ((تاريخ فتوح الشام)) المنسوب الواقدي وغيره من الكتب التي كان الناس يسمرون على قراءتها، فحظي بصحبة الكبار الوجهاء والنخبة العقلاء الفضلاء، وهو في سن العاشرة وما بعدها، يعد من صغار أولاد الحي. فكان يجلس في مجلس سَمَر كبارهم لحسن قراءته وخِفَّة ظِلِّه (لصغر سنه)، ورفعة مقام جده ووالده في الحي. وبعدما ترك المدرسة توجّه إلى تعلُّم الخط الحسن، فدخل مدرسة الشيخ محمد علي الخطيب بحلب، وكان شيخاً صاحب مدرسة خاصة تُعَلِّم القرآن والفقه وحُسن الخط فقط، فتحسَّن خطه بعض الشيء، لكنه لم يصبر على الاستمرار في تعلم تحسين الخط طويلاً، فترك المدرسة بعد أشهر. فرأى جدُّه ووالدُه ـ وكان قد صَلُب عوده - أن يتعلم حِرْفَةً أَو صَنْعَةً، ١٦ وقالا له: صنعة أو حرفة في اليد أمان من الفقر. ولم يكن في ذلك الوقت فقيراً، ليسر أسرته ولله الحمد، لكن جده ووالده أرادا أن يكون بيده حرفة خشية تحول الأيام وتقلبها على الكرام، فتعلم حرفة الحِیاکة: النَّوْل اليدوي، ولم یکن هناك نول آلي، وأحسَن المعرفة بهذه الحرفة، وقد تعلمها أخواه عبد الكريم وعبد الغني من قَبله رحم الله الجميع، وكانت هذه الحرفة تُدِرُّ مورداً حسناً يُفْرَح به، فتعلمها رحمه الله واذّخر بعض الليرات الذهبية العثمانية، فكانت له خاصة، ونفقته وعيشه متكفل به أبوه تمام التكفل رحم الله الجميع، وبقي في هذه الحرفة عاملاً ناجحاً لنحو سنتين أو ثلاث. ثم بدا لجده ووالده أن يتعلم التجارة، فاختار له أن يتعلم التجارة والبيع والشراء عند صديقَيْهما التاجر (عبد السلام قُدُو) التاجر في سوق الطَّيْبية قرب باب الجامع الكبير الشمالي، فجلس عنده، وكان تاجراً يبيع القمصان والملابس المصنوعة بالجملة والمُفَرَّق، وأمضى عنده نحو سنتين وزيادة عليها، وكان رجلاً ديناً مستقيماً عفيفاً يشتري من عنده النساء والرجال، فاستملح وجود والدي عنده لصغر سِنِّه، فكان والدي رحمه الله يراقب حال بعض المشترين أو المشتريات الذين يُخْشى أن تكون منهم أو منهن سرقة لما يستعرضنه للشراء. ثم انتقل من عنده إلى تاجر آخر من أصدقاء جده ووالده وبعض أرحامه، وهو (الحاج حسن التََّّان) رحم الله الجميع وأسكنهم فسيح الجنان، وكان تاجراً بالجملة والمفرق في متجره في (سوق الجُوخ العَرِيض) من أسواق مدينة حلب المسقوفة . فتعلم منه ما زاده معرفة بالتجارة وعرضها للمشتري من الرجال أو النساء، وبقي عنده ثلاث سنين، ثم رأى جده ووالده أن يستقل بالتجارة وقد قارب السادسة عشرة، فأدخلاه شريكاً في العمل دون المال مع التاجر (الحاج محمد دُنْيًا) الذي كان تاجراً بسوق الزَّهْر المتفرع من شارع (بَانْقُوسًا)، فشاركه ١٧ نحو سنتين، وكان يتولى عنه البيع أكثر النهار، ويقوم بشراء ما نفِد من البضاعة من متاجر الجملة من تجار المدينة في (خان الكُمْرُك) وغيره. ثم لما بلغ والدي التاسعة عشرة، أراد طلب العلم بالدخول في المدرسة الخُسْرُويَّة التي أنشأها الوزير العثماني الصدر خُسْرُو باشا رحمه الله، والتي سميت بعدما ضَعُف شأنها: الثانوية الشرعية. فلم يرضَ جدي في بدء الأمر، فشَفّع والدي عنده بعض معارفه من الوجهاء، فقالوا لجدي: ينبغي أن تُشَجِّعه لشرف هذا الأمر فسمح له. ثم إن والدي لما أراد الدخول في المدرسة الخسروية قبلوه أول الأمر ثم رفضوه لأن عمره ١٩ سنة، فشَفَّع صهرَه الحاج محمد سالم بيرقدار رحمه الله لدى بعض أصدقائه، وكان مديرَ الأوقاف في حينه، فكلَّم المسؤولين في لجنة القَبول فقبلوه، وكان الوالد والشيخ عبد الوهاب جَذْبَة رحمهما الله يتنافسان على القَبول، فمن يُقْبَل يبقى الآخر إلى السنة التالية، فقُبل والدي، وكان بينهما مودة، وكان الشيخ عبد الوهاب يُلَقِّب والدي بالأصمعي لما يراه من اشتغاله بعلم اللغة . وكان هناك رجل فاضل في الحي اسمه محمود سَلْحَدَار يحرِص على إقراء القرآن في المنزل وختمه كل يوم، وتسمى (رَبْعَة) ويعطي من يفعل ذلك ليرة ذهبية، فكان والدي في أثناء دراسته في الخسروية يشارك في هذه القراءة. وقد دَرس والدي رحمه الله في الخسروية ست سنين من سنة ١٩٣٦م إلى سنة ١٩٤٢م، وكان متفوقاً على أقرانه في تلك السنوات الست. ثم انتقل إلى الدراسة في الأزهر الشريف فدخل كلية الشريعة في الجامع الأزهر بمصر في عام ١٩٤٤م، وتخرّج في عام ١٩٤٨م حائزاً على شهادة العالمية من كلية الشريعة. ثم درَس في ((تخصص أصول التدريس)) في كلية اللغة العربية بالجامع الأزهر ١٨ أيضاً لمدة سنتين وتخرَّج سنة ١٩٥٠م، مع حصوله على إجازة في علم النفس. ثم عاد بعد ذلك إلى موطنه. وقد أمْلقَ والدي رحمه الله بعد وفاة والده رحمهما الله تعالى حتى مرَّ به يوم وهو لا يملك إلاَّ اللباس الذي عليه، كما أنه منع نفسه من الفاكهة في أثناء الطلب بمصر حتى يشتري بثمنها كتباً عوضاً عنها . * مذهبه : كان رحمه الله حنفياً، متقناً للمذهب الحنفي الذي نشأ عليه ودرَسه على عدد من المشايخ ولا سيما الفقيهان الشيخ مصطفى الزرقا والشيخ المفتي أحمد الحجي الكردي الحنفي مفتي الأحناف في حلب، كما كانت له قراءات ومطالعات فردية كثيرة يغوص فيها في أعماق الكتب ويُوَشِّي على صفحاتها ملاحظاته وآراءه. وكانت له مشاركة قوية واطلاع جيد على المذهب الشافعي، وهما المذهبان السائدان في بلاد الشام. قال تلميذه الكبير الشيخ محمد عوَّامة حفظه الله في ((الاثنينية))(١): وأحفظ (١) ٦٢٠:١١. والاثنينية: نسبة إلى يوم الاثنين، حفلة تكريم يقيمها الوجيه الحجازي سعادة الشيخ عبد المقصود بن محمد سعيد خُوْجَه يوم الاثنين في قصره بمدينة جُدَّة، يكرِّم فيها علماء وأدباء وشخصيات هذه الأمة الذين لا يُحِسُّ كثير من الناس بمكانتهم إلاّ بعد أن يصبحوا جزءاً من التاريخ، وينتقلوا إلى الدار الآخرة. فقام الشيخ عبد المقصود أحسن الله إليه بفرض الكفاية هذا خير قيام، ثم إنه طبع وقائع حفلات الأثنينية في مجلدات أنيقة لتدوّن في التاريخ. وعادته في تلك الحفلة أن يرحب بالضيف المكرَّم ويعرِّف به، ثم يدعو بعض أصدقاء الضيف ومعارفه للكلام عنه وذكر معرفتهم به، ومآثره وفضائله، ثم يلقي الضيف كلمته، ثم يترك المجال للأسئلة والأجوبة . = ١٩ لفضيلته مواقف عديدة كان ينبه فيها السائل إلى فروع دقيقة في زوايا حواشي الفقه الشافعي. ثم إنه شارك مشاركة قوية في الفقه الإِسلامي عامة، ورفد ذلك منه اشتغاله الطويل بتدريس أحاديث الأحكام، ولذلك يرى القريب منه سعةً صدر في الأحكام، وسماحة - لا تساهلاً - في الفتوى والتطبيق، لكنه يكره تتبع الرخص، والأخذ بشواذ الأقوال. أهـ. قلت: كان الوالد رحمه الله يكره تتبع الرخص والأخذ بشواذ الأقوال كما ذكر الشيخ محمد عوَّامة حفظه الله، كما أنه لم يكن حرفياً متعصباً للمذهب الحنفي، بل كان يكره ذلك جداً ويَعيبُه، وله في ذلك مواقف عديدة في خروجه عن المذهب الحنفي منها ما كان بيني وبينه، ومنها ما حصل أمامي، وقد أخرج رحمه الله في ذلك رسالتين: ((رسالة الألفة بين المسلمين)) لابن تيمية، و ((رسالة الإِمامة)) لابن حزم، في موضوع الاختلافات الفقهية. وقد سُئِل رحمه الله في ((الاثنينية)) (١) السؤال التالي: إن هناك دائماً خلافات بين العلماء على مسائل فقهية، وكل واحد منهم ينتمي إلى مذهب من ثم يهدي الشيخ عبد المقصود الضيف لوحة تذكارية، وهي عبارة عن قطعة على حذو = كسوة الكعبة الشريفة زادها الله شرفاً ورفعة، فيكون في ذلك إكرام بعد إكرام. جزاه الله خير الجزاء وأجزله . وقد كانت حفلة تكريم الوالد رحمه الله في ١٤١٤/١١/١٥هـ، وكانت الاثنينية الثانية والخمسين بعد المئة. وتكلم فيها عن الوالد المشايخ والأساتذة: علي الطنطاوي، مصطفى الزرقاء محمد علي الهاشمي، محمد عوَّامة، أحمد البراء الأميري، أمين عبد الله القرقوري، محمد ضياء الصابوني. وهي في الجزء الحادي عشر من مجلدات الاثنينية ص ٥٩٦، المطبوع بعد وفاة الوالد رحمه الله تعالى. (١) ١١ :٦٣٩. ٢٠ المذاهب الأربعة، ولا يريد أن يحيد عن فتوى مذهبه إلى درجة التشبث به، مما جعل الأمور الفقهية والفتاوى فيها أكثر تعقيداً، فما رأي فضيلتكم في ذلك؟ فأجاب: أولاً التشبث بالمذاهب الفقهية والتعلق بها، هذا واجب على كل من لم يكن من أهل الاجتهاد والمعرفة التامة بحكم الشريعة وفروعها وأصولها، فهذا ما أوجبه الله عزّ وجلّ: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾، أما التشبث والتيبس في أمر المذهب الواحد، فهذا ليس بواجب في الشرع، فيسوغ لِيَ أن أتعلم هذه المسألة أو أعمل في هذه المسألة بالمذهب الحنبلي، وإذا وجدت مسألة أخرى أعمل بالمذهب الشافعي، وإذا وجدت في هذه المسألة شدة أو صعوبة في المذهب الحنبلي أن أنتقل وأعمل بها في المذهب الحنفي، كل هذا معناه أَخْذُها بهدي الله عزّ وجلّ وبهدي نبيّه صلَّى الله عليه وسلَّم وما كان هناك افتراق بين هؤلاء الأئمة، فكل واحد من هؤلاء الأئمة حرص كل الحرص أن يكون اجتهاده أقرب إلى كلام الله وكلام رسوله ما قَدِروا على ذلك، فلذلك نجدهم إذا وصل الواحد منهم إلى حكم من الأحكام في هذا اليوم، ثم وجد الحكم بعد أيام أو شهور أو سنين، ولاح له وجه آخرُ في المسألة ووجد المسألة على وجه آخرَ، يتحول عنها ولا غَضَاضة، وإذا لم يعلمها يقول: لا أعلمها ولا غضاضة، لماذا؟ لأن الشريعة عنده أغلى من وجوده. فالإِمام مالك رضي الله عنه جاء إليه رجل من العراق بأربعين مسألة، فقدَّمَها إليه وسأله عنها، فأجابه الإِمام مالك رضي الله عنه بست مسائل، فقال له الرجل: يا أبا عبد الله أنا طويت الأرض ومشيتُ الفَيَافيَ والقِفَارَ إليك وأنت عالم المدينة، أريد أن أعرف هذه المسائل كلها، فبماذا أرجع للناس وأقول لهم؟ قال: قل لهم قال مالك: لا أدري! لا يضيره أن يقال عنه: قال: لا أدري، لأن الدين عنده أغلى من أن يخجل في سبيله .